٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
116
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: هذا معطوف على قوله {أية : إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ } تفسير : [المائدة: 110] وعلى هذا القول فهذا الكلام إنما يذكره لعيسى يوم القيامة، ومنهم من قال: إنه تعالى قال هذا الكلام لعيسى عليه السلام حين رفعه إليه وتعلق بظاهر قوله {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ } وإذ تستعمل للماضي، والقول الأول أصح، لأن الله تعالى عقب هذه القصة بقوله {أية : هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ} تفسير : [المائدة: 119] والمراد به يوم القيامة، وأما التمسك بكلمة إذ فقد سبق الجواب عنه. المسألة الثانية: في قوله {أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } سؤالان: أحدهما: أن الاستفهام كيف يليق بعلام الغيوب. وثانيهما: أنه كان عالماً بأن عيسى عليه السلام لم يقل ذلك فلم خاطبه به؟ فإن قلتم الغرض منه توبيخ النصارى وتقريعهم فنقول: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى ومريم مع القول بنفي إلهية الله تعالى فكيف يجوز أن ينسب هذا القول إليهم مع أن أحداً منهم لم يقل به. والجواب: عن السؤال الأول أنه استفهام على سبيل الإنكار. والجواب: عن السؤال الثاني أن الإله هو الخالق والنصارى يعتقدون أن خالق المعجزات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى عليه السلام ومريم والله تعالى ما خلقها ألبتة وإذا كان كذلك فالنصارى قد قالوا إن خالق تلك المعجزات هو عيسى ومريم والله تعالى ليس خالقها، فصح أنهم أثبتوا في حق بعض الأشياء كون عيسى ومريم إلهين له مع أن الله تعالى ليس إلهاً له فصح بهذا التأويل هذه الحكاية والرواية. ثم قال تعالى: {سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ } أما قوله {سُبْحَـٰنَكَ } فقد فسرناه في قوله {أية : سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا } تفسير : [البقرة: 32]. وأعلم أن الله تعالى لما سأل عيسى أنك هل قلت كذا لم يقل عيسى بأني قلت أو ما قلت بل قال ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، وهذا ليس بحق ينتج أنه ما يكون لي أن أقول هذا الكلام ولما بيّن أنه ليس له أن يقول هذا الكلام شرع في بيان أنه هل وقع هذا القول منه أم لا فلم يقل بأني ما قلت هذا الكلام لأن هذا يجري مجرى دعوى الطهارة والنزاهة، والمقام مقام الخضوع والتواضع، ولم يقل بأني قلته بل فوض ذلك إلى علمه المحيط بالكل. فقال: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } وهذا مبالغة في الأدب وفي إظهار الذل والمسكنة في حضرة الجلال وتفويض الأمور بالكلية إلى الحق سبحانه. ثم قال تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المفسرون ذكروا فيه عبارات تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي وقيل: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، وقيل: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، وقيل: تعلم ما كان مني في الدنيا ولا أعلم ما كان منك في الآخرة، وقيل: تعلم ما أقول وأفعل، ولا أعلم ما تقول وتفعل. المسألة الثانية: تمسكت المجسمة بهذه الآية وقالوا: النفس هو الشخص وذلك يقتضي كونه تعالى جسماً. والجواب من وجهين: الأول: أن النفس عبارة عن الذات، يقال نفس الشيء وذاته بمعنى واحد، والثاني: أن المراد تعلم معلومي ولا أعلم معلومك ولكنه ذكر هذا الكلام على طريق المطابقة والمشاكلة وهو من فصيح الكلام. ثم قال تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } وهذا تأكيد للجملتين المتقدمتين أعني قوله {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } وقوله {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ }
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ}. ٱختلف في وقت هذه المقالة؛ فقال قَتَادة وابن جُرَيْج وأكثر المفسرين: إنما يقول له هذا يوم القيامة. وقال السّدي وقُطْرُب. قال له ذلك حين رفعه إلى السماء وقالت النصارى فيه ما قالت؛ وٱحتجوا بقوله: { أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } تفسير : [المائدة: 118] فإنّ «إذْ» في كلام العرب لما مضى. والأول أصح؛ يدل عليه ما قبله من قوله: { أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ } تفسير : [المائدة: 109] ـ الآية ـ وما بعده { أية : هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } تفسير : [المائدة: 119]. وعلى هذا تكون«إذ» بمعنى «إذا» كقوله تعالى: { أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ } تفسير : [سبأ: 51] أي إذا فَزِعوا. وقال أبو النجم: شعر : ثم جزاه الله عنِّي إذ جَزَى جنّاتِ عَدْنٍ في السّموات العُلاَ تفسير : يعني إذا جزى. وقال الأسود بن جعفر الأزدي: شعر : فالآن إذْ هازَلْتُهُنّ فإنّما يَقُلْنَ أَلاَ لَمْ يذهبِ الشَّيخ مَذهباً تفسير : يعني إذا هازلتهنّ، فعبر عن المستقبل بلفظ الماضي؛ لأنه لتحقيق أمره، وظهور برهانه، كأنه قد وقع. وفي التنزيل { أية : وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الأعراف: 50] ومثله كثير وقد تقدم. وٱختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال ـ وليس هو باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام ـ على قولين: أحدهما ـ أنه سأله عن ذلك توبيخاً لمن ٱدعى ذلك عليه ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب، وأشد في التوبيخ والتقريع. الثاني ـ قصد بهذا السؤال تعريفه أن قومه غَيَّروا بعده، وٱدَّعوا عليه ما لم يقله. فإن قيل: فالنصارى لم يتخذوا مريم إلهاً فكيف قال ذلك فيهم؟ فقيل: لما كان من قولهم أنها لم تلد بشراً وإنما ولدت إلهاً لزمهم أن يقولوا إنها لأجل البعضية بمثابة من ولدته، فصاروا حين لزمهم ذلك بمثابة القائلين له. قوله تعالى: {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} خرّج الترمذي عن أبي هُريرة قال: تَلَقَّى عيسى حجَّته وَلقَّاهْ الَّلَهُ في قوله: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} قال أبو هُريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : «فَلَقّاه الله» {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} الآية كلهاتفسير : . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لأمرين أحدهما ـ تنزيهاً له عما أضيف إليه. الثاني ـ خضوعاً لعزته، وخوفاً من سَطْوته. ويقال: إن الله تعالى لما قال لعيسى: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أخذته الرّعدة من ذلك القول حتى سمع صوت عظامه في نفسه فقال: {سُبْحَانَكَ} ثم قال: {مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} أي أن أدّعي لنفسي ما ليس من حقها، يعني أنني مربوب ولست برب، وعابد ولست بمعبود. ثم قال: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} فردّ ذلك إلى علمه، وقد كان الله عالماً به أنه لم يقله، ولكنه سأله عنه تقريعاً لمن ٱتخذ عيسى إلٰهاً. ثم قال: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} أي تعلم ما في غَيْبي ولا أعلم ما في غَيْبك. وقيل: المعنى تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وقيل: تعلمْ ما أخفيه ولا أعلم ما تُخفيه. وقيل: تعلم ما أريد ولا أعلم ما تُريد. وقيل: تعلم سِرّي ولا أعلم سِرّك؛ لأن السرّ موضعه النفس. وقيل: تعلم ما كان مني في دار الدنيا، ولا أعلم ما يكون منك في دار الآخرة. قلت: والمعنى في هذه الأقوال متقارب؛ أي تعلم سرّي وما ٱنطوى عليه ضميري الذي خلقته، ولا أعلم شيئاً مما ٱستأثرت به من غَيْبك وعلمك. {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} ما كان وما يكون، وما لم يكن وما هو كائن.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} يريد به توبيخ الكفرة وتبكيتهم، ومن دون الله صفة لإِلهين أو صلة اتخذوني، ومعنى دون إما المغايرة فيكون فيه تنبيه على أن عبادة الله سبحانه وتعالى مع عبادة غيره كلا عبادة، فمن عبده مع عبادتهما كأنه عبدهما ولم يعبده أو للقصور، فإنهم لم يعتقدوا أنهما مستقلان باستحقاق العبادة وإنما زعموا أن عبادتهما توصل إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وكأنه قيل: اتخذوني وأمي إلهين متوصلين بنا إلى الله سبحانه وتعالى. {قَالَ سُبْحَـٰنَكَ } أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك. {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ} ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله. {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} تعلم ما أخفيه في نفسي كما تعلم ما أعلنه، ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك. وقوله في نفسك للمشاكلة وقيل المراد بالنفس الذات. {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} تقرير للجملتين باعتبار منطوقه ومفهومه.
ابن كثير
تفسير : هذا أيضاً مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام قائلاً له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَءَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} وهذا تهديد للنصارى، وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد، هكذا قاله قتادة وغيره، واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى: {هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ} وقال السدي: هذا الخطاب والجواب في الدنيا، وصوبه ابن جرير، قال: وكان ذلك حين رفعه إلى سماء الدنيا، واحتج ابن جرير على ذلك بمعنيين: (أحدهما): أن الكلام بلفظ المضي. (والثاني) قوله: {إِن تُعَذِّبْهُمْ} و {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ} وهذان الدليلان فيهما نظر؛ لأن كثيراً من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي؛ ليدل على الوقوع والثبوت. ومعنى قوله: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الآية: التبري منهم، ورد المشيئة فيهم إلى الله، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه؛ كما في نظائر ذلك من الآيات، والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر، والله أعلم، أن ذلك كائن يوم القيامة؛ ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. وقد روي بذلك حديث مرفوع، رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله مولى عمر بن عبد العزيز، وكان ثقة، قال: سمعت أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان يوم القيامة، دعي بالأنبياء وأممهم، ثم يدعى بعيسى، فيذكره الله نعمته عليه فيقرّ بها، فيقول: {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ} الآية، ثم يقول: {أَءَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى، فيسألون فيقولون: نعم هو أمرنا بذلك. قال: فيطول شعر عيسى عليه السلام، فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده، فيجاثيهم بين يدي الله عز وجل مقدار ألف عام حتى ترفع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار» تفسير : وهذا حديث غريب عزيز. وقوله: {سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ} هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عمرو، عن طاوس، عن أبي هريرة قال: يُلَقّى عيسى حجته، ولقاه الله تعالى في قوله: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَءَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} قال أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: فلقاه الله: {سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ} إلى آخر الآية، وقد رواه الثوري عن معمر، عن ابن طاوس، عن طاوس، بنحوه. وقوله: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} أي: إن كان صدر مني هذا فقد علمته يا رب، فإنه لا يخفى عليك شيء، فما قلته، ولا أردته في نفسي، ولا أضمرته، ولهذا قال: {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِى بِهِ} بإبلاغه {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ} أي: ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به، وأمرتني بإبلاغه {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ} أي: هذا هو الذي قلت لهم. وقوله: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} أي: كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم، {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة قال: انطلقت أنا وسفيان الثوري إلى المغيرة بن النعمان، فأملى على سفيان، وأنا معه، فلما قام، انتسخت من سفيان، فحدثنا قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بموعظة، فقال: «حديث : يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله عز وجل حفاة، عراة، غرلاً {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم» تفسير : ورواه البخاري عند هذه الآية عن أبي الوليد، عن شعبة، وعن محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، كلاهما عن المغيرة بن النعمان به. وقوله: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله عز وجل؛ فإنه الفعال لما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى رسوله، وجعلوا لله نداً وصاحبة وولداً، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وهذه الآية لها شأن عظيم، ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة حتى الصباح يرددها. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثني فُلَيْت العامري، عن جَسْرَة العامرية، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فلما أصبح، قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت، تركع بها، وتسجد بها؟ قال: «حديث : إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي، فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئاً»تفسير : (طريق أخرى وسياق آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، حدثنا قدامة بن عبد الله، حدثتني جسرة بنت دجاجة: أنها انطلقت معتمرة، فانتهت إلى الربذة، فسمعت أبا ذر يقول: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليلة من الليالي في صلاة العشاء، فصلى بالقوم، ثم تخلف أصحاب له يصلون، فلما رأى قيامهم وتخلفهم، انصرف إلى رحله، فلما رأى القوم قد أخلوا المكان، رجع إلى مكانه يصلي، فجئت، فقمت خلفه، فأومأ إليّ بيمينه، فقمت عن يمينه، ثم جاء ابن مسعود، فقام خلفي وخلفه، فأومأ إليه بشماله، فقام عن شماله، فقمنا ثلاثتنا، يصلي كل واحد منا بنفسه، ونتلو من القرآن ما شاء الله أن نتلو، وقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة، فلما أصبحنا أومأت إلى عبد الله بن مسعود: أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة فقال ابن مسعود بيده: لا أسأله عن شيء حتى يحدث إليّ، فقلت: بأبي وأمي قمت بآية من القرآن ومعك القرآن، لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه، قال: «حديث : دعوت لأمتي»تفسير : ، قلت: فماذا أجبت، أو: ماذا رد عليك؟ قال: «حديث : أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة» تفسير : قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: «حديث : بلى» تفسير : فانطلقت معنقاً، قريباً من قذفة بحجر، فقال عمر: يا رسول الله، إنك إن تبعث إلى الناس بهذا، نكلوا عن العبادات، فناداه أن: «حديث : ارجع» تفسير : فرجع، وتلك الآية: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن بكر بن سوادة حدثه، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم، تلا قول عيسى: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فرفع يديه، فقال: «حديث : اللهم أمتي» تفسير : وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد -وربك أعلم - فاسأله ما يبكيه؟ فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوْءُك. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن قال: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا ابن هبيرة: أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: حدثني سعيد بن المسيب، سمعت حذيفة بن اليمان يقول: غاب عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوماً، فلم يخرج حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج، سجد سجدة ظننا أن نفسه قد قبضت فيها، فلما رفع رأسه، قال: «حديث : إن ربي عز وجل استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت أي رب هم خلقك وعبادك، فاستشارني الثانية، فقلت له كذلك، فقال لي: لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفاً، مع كل ألف سبعون ألفاً ليس عليهم حساب. ثم أرسل إليّ فقال: ادع تجب، وسل تعط، فقلت لرسوله: أَوَمعطيَّ ربي سؤلي؟ فقال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأنا أمشي حياً صحيحاً، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر، وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي أمتي شهراً، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيراً مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر { إِذْ قَالَ } أي يقول {ٱللَّهُ } لعيسى في القيامة توبيخاً لقومه { يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ } عيسى - وقد أرعد - {سُبْحَٰنَكَ } تنزيهاً لك عما لا يليق بك من الشريك وغيره {مَا يَكُونُ } ما ينبغي {لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ } خبر (ليس) و «لي» للتبيين {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا } أخفيه {فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } أي ما تخفيه من معلوماتك {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ }.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ } معطوف على ما قبله في محل نصب بعامله أو بعامل مقدّر، هنا: أي اذكر. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذا القول منه سبحانه هو يوم القيامة. والنكتة توبيخ عباد المسيح وأمه من النصارى. وقال السديّ وقطرب: إنه قال له هذا القول عند رفعه إلى السماء، لما قالت النصارى فيه ما قالت، والأوّل أولى: قيل "وَإِذْ" هنا بمعنى إذا كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ } تفسير : [سبأ: 51] أي إذا فزعوا، وقول أبي النجم:شعر : ثم جزاك الله عني إذ جزى جنات عدن في السموات العلى تفسير : أي إذا جزى، وقول الأسود بن جعفر الأسدي:شعر : في الآن إذ هازلتهنّ فإنما يقلن ألا لم يذهب الشيخ مذهبا تفسير : أي إذا هازلتهنّ تعبيراً عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقيق وقوعه. وقد قيل في توجيه هذا الاستفهام منه تعالى إنه لقصد التوبيخ كما سبق. وقيل: لقصد تعريف المسيح بأن قومه غيروا بعده وادّعوا عليه ما لم يقله. وقوله: {مِن دُونِ ٱللَّهِ } متعلق بقوله: {ٱتَّخِذُونِى } على أنه حال، أي متجاوزين الحدّ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة لإلٰهين، أي كائنين من دون الله. قوله: {سُبْحَـٰنَكَ } تنزيه له سبحانه، أي أنزهك تنزيهاً {مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ } أي ما ينبغي لي أن أدّعي لنفسي ما ليس من حقها {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } ردّ ذلك إلى علمه سبحانه، وقد علم أنه لم يقله، فثبت بذلك عدم القول منه. قوله: {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } هذه الجملة في حكم التعليل لما قبلها، أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، وهذا الكلام من باب المشاكلة كما هو معروف عند علماء المعاني والبيان. وقيل المعنى: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك. وقيل تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه. وقيل: تعلم ما أريد ولا أعلم ما تريد. قوله: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } هذه جملة مقرّرة لمضمون ما تقدّم، أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ } هذا تفسير لمعنى {مَا قُلْتُ لَهُمْ } أي ما أمرتهم، وقيل: عطف بيان للمضمر في {بِهِ } وقيل بدل منه {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } أي حفيظاً ورقيباً أرعى أحوالهم وأمنعهم عن مخالفة أمرك {مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } أي مدّة دوامي فيهم {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى } قيل: هذا يدل على أن الله سبحانه توفاه قبل أن يرفعه، وليس بشيء لأن الأخبار قد تضافرت بأنه لم يمت، وأنه باق في السماء على الحياة التي كان عليها في الدنيا، حتى ينزل إلى الأرض آخر الزمان، وإنما المعنى: فلما رفعتني إلى السماء. قيل الوفاة في كتاب الله سبحانه جاءت على ثلاثة أوجه: بمعنى الموت، ومنه قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } تفسير : [الزمر: 42] وبمعنى النوم، ومنه قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ } تفسير : [الأنعام: 60] أي ينيمكم، وبمعنى الرفع، ومنه {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى }. {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى إِنّي مُتَوَفّيكَ } تفسير : [آل عمران: 55]. {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } أصل المراقبة: المراعاة، أي كنت الحافظ لهم والعالم بهم والشاهد عليهم: {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } تصنع بهم ما شئت وتحكم فيهم بما تريد {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي القادر على ذلك الحكيم في أفعاله، قيل: قاله على وجه الاستعطاف كما يستعطف السيد لعبده. ولهذا لم يقل إن تعذبهم فإنهم عصوك؛ وقيل: قاله على وجه التسليم لأمر الله والانقياد له، ولهذا عدل عن الغفور الرحيم إلى العزيز الحكيم. قوله: {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ } أي صدقهم في الدنيا، وقيل: في الآخرة، والأوّل، أولى. قرأ نافع وابن محيصن "يَوْم" بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع، فوجه النصب أنه ظرف للقول، أي قال الله هذا القول يوم ينفع الصادقين، ووجه الرفع أنه خبر للمبتدأ هو وما أضيف إليه. وقال الكسائي نصب "يَوْمَ" هاهنا لأنه مضاف إلى الجملة، وأنشد:شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألمَّا أصحُ والشيبُ وازِعُ تفسير : وبه قال الزجاج، ولا يجيز البصريون ما قالاه إلا إذا أضيف الظرف إلى فعل ماض. وقرأ الأعمش: "هَـٰذَا يَوْمٌ يَنفَعُ" بتنوين يوم كما في قوله: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } تفسير : [البقرة: 48] فكلاهما مقطوع عن الإضافة بالتنوين. وقد تقدّم تفسير قوله: {لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً }. قوله: {رّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } أي رضي عنهم بما عملوه من الطاعات الخالصة له، ورضوا عنه بما جازاهم به مما لا يخطر لهم على بال ولا تتصوره عقولهم، والرضا منه سبحانه هو أرفع درجات النعيم، وأعلى منازل الكرامة، والإشارة بذلك إلى نيل ما نالوه من دخول الجنة والخلود فيها أبداً، ورضوان الله عليهم. والفوز: الظفر بالمطلوب على أتمّ الأحوال. قوله: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } جاء سبحانه بهذه الخاتمة دفعاً لما سبق من إثبات من أثبت إلهية عيسى وأمه، وأخبر بأن ملك السموات والأرض له دون عيسى وأمه ودون سائر مخلوقاته، وأنه القادر على كل شيء دون غيره. وقيل المعنى: أن له ملك السموات والأرض يعطي الجنات للمطيعين، جعلنا الله منهم. وقد أخرج الترمذي وصححه، والنسائي، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: تلقى عيسى حجته والله لقَّاه في قوله: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} قال أبو هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلقاه الله سبحانه: {مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ } الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال: يقول الله هذا يوم القيامة، ألا ترى أنه يقول: {هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ }. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السديّ قال: قال الله ذلك لما رفع عيسى إليه، وقالت النصارى ما قالت. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ } قال: سيدي وسيدكم. وأخرج ابن المنذر، عنه في قوله: {كُنتَ أَنتَ الرقيب عَلَيْهِمْ } قال: الحفيظ. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } قال: "حديث : ما كنت فيهم". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } يقول: عبيدك قد استوجبوا العذاب بمقالتهم {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ } أي من تركت منهم ومدّ في عمره حتى أهبط من السماء إلى الأرض لقتل الدجال، فزالوا عن مقالتهم ووحدوك {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في قوله: {هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ } يقول: هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ...} الآية. {إِذْ} ها هنا بمعنى (إذا) كما قال أبو النجم: شعر : ثم جزاك الله عني إذ جزى جنات عدن في السموات العلا تفسير : يعني إذا جزى، فأقام الماضي مقام المستقبل وهذا جائز في اللغة كما قال تعالى: {أية : وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} تفسير : [الأعراف: 44]. واختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال وليس باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام على قولين: أحدهما: أنه تعالى سأله عن ذلك توبيخاً لمن ادعى ذلك عليه، ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ فى التكذيب وأشد فى التوبيخ والتقريع. والثاني: أنه قصد بهذا السؤال تعريفه أن قومه غُيِّرُوا بعده وادعوا عليه ما لم يقله. فإن قيل: فالنصارى لم تتخذ مريم إلهاً، فكيف قال تعالى فيهم ذلك؟ قيل: لما كان من قولهم أنها لم تلد بشراً وإنما ولدت إِلَهاً لزمهم أن يقولوا إنها لأجل البعضي بمثابة من ولدته، فصاروا حين لزمهم ذلك كالقائلين له. وفي زمان هذا السؤال قولان: أحدهما: أن الله تعالى قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا، قاله السدي وميسرة. والثاني: أن الله تعالى يقول له ذلك يوم القيامة، قاله ابن جريج وقتادة وهو أصح القولين. {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقِّ} أي أدعي لنفسي ما ليس من شأنها، يعني أنني مربوب ولست برب، وعابد ولست بمعبود. وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لأمرين: أحدهما: تنزيهاً له عما أضيف إليه. الثاني: خضوعاً لعزته وخوفاً من سطوته. ثم قال: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} فرد ذلك إلى علمه تعالى، وقد كان الله عالماً به أنه لم يقله، ولكن قاله تقريعاً لمن اتخذ عيسى إلهاً. {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} فيه وجهان. أحدهما: تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه. والثاني: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وفي النفس قولان: أحدهما: أنها عبارة عن الجملة كلها. والثاني: أنها عبارة عن بعضه، كقولهم قتل فلان نفسه. {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} يحتمل وجهين: أحدهما: عالم السر والعلانية. والثاني: عالم ما كان وما يكون. وفي الفرق بين العالم والعلام وجهان: أحدهما: أن العلام الذي تقدم علمه، والعالم الذي حدث علمه. والثاني: أن العلام الذي يعلم ما كان وما يكون، والعالم الذي يعلم ما كان ولا يعلم ما يكون. قوله عز وجل: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} لم يذكر عيسى ذلك على وجه الإِخبار به لأن الله عالم به، ويحتمل وجهين: أحدهما: تكذيباً لمن اتخذ إلهاً معبوداً. والثاني: الشهادة بذلك على أمته فيما أمرهم به من عبادة ربه. قوله تعالى: {أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: إعلامهم أن الله ربه وربهم واحد. والثاني: أن عليه وعليهم أن يعبدوا رباً واحداً حتى لا يخالفوا فيما عبدوه. {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيِهِمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: يعني شاهداً. والثاني: شاهداً عليهم. {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} فيه وجهان: أحدهما: أنه الموت. والثاني: أنه رفعه إلى السماء. {...الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: الحافظ عليهم. والثاني: العالم بهم. {وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: شاهداً لما حضر وغاب. والثاني: شاهداً على من عصى، وأطاع. قوله عز وجل: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قاله على وجه الاستعطاف لهم والرأفة بهم كما يستعطف العبد سيده. والثاني: أنه قاله على وجه التسليم لأمر ربه والاستجارة من عذابه.
ابن عطية
تفسير : اختلف المفسرون في وقت وقوع هذا القول. فقال السدي وغيره: لما رفع الله عيسى إليه قالت النصارى ما قالت وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى حينئذ عن قولهم فقال {سبحانك} الآية. قال القاضي أبو محمد: فتجيء {قال} على هذا متمكنة في المضي ويجيء قوله آخراً {أية : وإن تغفر لهم} تفسير : [المائدة:118] أي بالتوبة من الكفر، لأن هذا ما قاله عيسى عليه السلام وهم أحياء في الدنيا وقال ابن عباس وقتادة وجمهور الناس: هذا القول من الله إنما هو في يوم القيامة، يقول الله له على رؤوس الخلائق، فيرى الكفار تبريه منهم، ويعلمون أن ما كانوا فيه باطل. قال القاضي أبو محمد: وقال على هذا التأويل بمعنى يقول. ونزل الماضي موضع المستقبل دلالة على كون الأمر وثبوته، وقوله آخراً {أية : وإن تغفر لهم} تفسير : [المائدة:118] معناه إن عذبت العالم كله فبحقك وإن غفرت وسبق ذلك في علمك فلأنك أهل لذلك لا معقب لحكمك ولا منازع لك، فيقول عيسى هذا على جهة التسليم والتعزي عنهم مع علمه بأنهم كفرة قد حتم عليهم العذاب، وليس المعنى أنه لا بد من أن تفعل أحد هذين الأمرين. بل قال هذا القول مع علمه بأن الله لا يغفر أن يشرك به. وفائدة هذا التوقيف على قول من قال إنه في يوم القيامة ظهور الذنب على الكفرة في عبادة عيسى وهو توقيف له يتقرر منه بيان ضلال الضالين. وسبحانك معناه تنزيهاً لك عن أن يقال هذا وينطق بـه، وقوله {ما يكون لي أن أقول}....الآية. بقي يعضده دليل العقل، فهذا ممتنع عقلاً أن يكون لبشر محدث أن يدعي الألوهية وقد تجيء هذه الصيغة فيما لا ينبغي ولا يحسن مع إمكانه، ومنه قول الصديق رضي الله عنه: ما كان لابن قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال {إن كنت قلته فقد علمته} فوفق الله عيسى عليه السلام لهذه الحجة البالغة، وقوله {تعلم ما في نفسي} بإحاطة الله به، وخص النفس بالذكر لأنها مظنة الكتم والانطواء على المعلومات، والمعنى: أن الله يعلم ما في نفس عيسى ويعلم كل هذه الآية على قول من قال: إن توقيف عيسى عليه السلام كان إثر رفعه مستقيمة المعنى. لأنه قال عنهم هذه المقالة وهم أحياء في الدنيا وهو لا يدري على ما يوافون. وهي على قول من قال إن التوقيف هو يوم القيامة بمعنى أن سبقت لهم كلمة العذاب كما سبقت فهم عبادك تصنع بحق الملك ما شئت لا أمره مما عسى أن يكون في نفسه، وقوله {ولا أعلم ما في نفسك} معناه ولا أعلم ما عندك من المعلومات وما أحطت به. وذكر النفس هنا مقابلة لفظية في اللسان العربي يقتضيها الإيجاز، وهذا ينظر من طرف خفي إلى قوله {أية : ومكروا ومكر الله} تفسير : [آل عمران:54] {أية : الله يستهزىء بهم} تفسير : [البقرة:15]، فتسمية العقوبة باسم الذنب إنما قاد إليها طلب المقابلة اللفظية إذ هي من فصيح الكلام وبارع العبارة، ثم أقر عليه السلام لله تعالى بأنه {علام الغيوب}، المعنى ولا علم لي أنا بغيب فكيف تكون لي الألوهية. ثم أخبر عما صنع في الدنيا وقال في تبليغه وهو أنه لم يتعد أمر الله في أن أمرهم بعبادته وأقر بربوبيته و {أن} في قوله {أن اعبدوا الله} مفسرة لا موضع لها من الإعراب. ويصح أن تكون بدلاً من {ما} ويصح أن تكون في موضع خفض على تقدير بأن اعبدوا الله، ويصح أن تكون بدلاً من الضمير في {به} ثم أخبر عليه السلام أنه كان شهيداً ما دام فيهم في الدنيا، فما ظرفية. وقوله {فلما توفيتني} قبضتني إليك بالرفع والتصيير في السماء. والرقيب: الحافظ المراعي.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى} قاله لما رفعه إلى السماء في الدنيا، أو يقوله يوم القيامة فيكون {إذ} بمعنى {إذا} وهذا أصح لقوله: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}تفسير : [المائدة: 119] {ءَأَنتَ قُلْتَ} سؤال توبيخ لقومه، أو ليعرف المسيح ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنهم غيروا وقالوا عليه ما لم يقل. {إِلهَيْنِ} لما قالوا إنها ولدت الإله لزمهم أن يقولوا بإلاهيتها للبعضية فصاروا بمثابة القائل بإلاهيتها.
النسفي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } الجمهور على أن هذا السؤال يكون في يوم القيامة دليله سياق الآية وسباقها. وقيل: خاطبه به حين رفعه إلى السماء دليله لفظ «إذ» {قَالَ سُبْحَـٰنَكَ } من أن يكون لك شريك {مَا يَكُونُ لِي } ما ينبغي لي {أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } إن صح أني قلته فيما مضى فقد علمته، والمعنى: أني لا أحتاج إلى الاعتذار لأنك تعلم أني لم أقله ولو قلته لعلمته لأنك {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي } ذاتي {وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } ذاتك. فنفس الشيء ذاته وهويته والمعنى: تعلم معلومي ولا أعلم معلومك {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } تقرير للجملتين معاً لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب ولأن ما يعلم علام الغيوب لا ينتهي إليه علم أحد. {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ } أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني به. ثم فسر ما أمر به فقال: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّي وَرَبَّكُمْ } فـ «أن» مفسرة بمعنى «أي» {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } رقيباً {مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } مدة كوني فيهم {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } الحفيظ {وَأَنتَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } من قولي وفعلي وقولهم وفعلهم {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } قال الزجاج: علم عيسى عليه السلام أن منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر فقال في جملتهم «إن تعذبهم» أي إن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك الذين علمتهم جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك وأنت العادل في ذلك فإنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم، وإن تغفر لهم أي لمن أقلع منهم وآمن فذلك تفضل منك، وأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك، أو عزيز قوي قادر على الثواب، حكيم لا يعاقب إلا عن حكمة وصواب. {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ } برفع اليوم والإضافة على أنه خبر هذا أي يقول الله تعالى «هذا يوم ينفع الصادقين» فيه صدقهم المستمر في دنياهم وآخرتهم. والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب على المفعولية كما تقول «قال زيد عمرو منطلق»، وبالنصب: نافع. على الظرف أي قال الله هذا لعيسى عليه السلام يوم ينفع الصادقين صدقهم وهو يوم القيامة {لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } بالسعي المشكور {وَرَضُواْ عَنْهُ } بالجزاء الموفور {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } لأنه باقٍ بخلاف الفوز في الدنيا فهو غير باقٍ {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ } عظم نفسه عما قالت النصارى إن معه إلهاً آخر {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } من المنع والإعطاء والإيجاد والإفناء، نسأله أن يوفقنا لمرضاته ويجعلنا من الفائزين بجناته، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإذا قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} الآية اختلف المفسرون في وقت هذا القول فقال السدي: قال الله لعيسى هذا القول حين رفعه إلى السماء بدليل أن حرف إذ يكون للماضي وقال سائر المفسرين: إنما يقول الله له هذا القول يوم القيامة بدليل قوله:{أية : يوم يجمع الله الرسل} تفسير : [المائدة: 109] وذلك يوم القيامة وبدليل قوله {أية : هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم }تفسير : [المائدة: 119] وذلك يوم القيامة وأجيب عن حرف أذ بأنها قد تجيء بمعنى إذا كقوله {أية : ولو ترى إذا فزعوا}تفسير : [سبأ: 51] يعني إذ فزعوا وقال الراجز ثم جزاك الله عني إذا جزى. جنات عدن في السموات العلى ولفظ الآية في قوله: أأنت قلت للناس لفظ استفهام ومعناه الإنكار والتوبيخ لمن ادعى ذلك على عيسى عليه السلام من النصارى، لأن عيسى عليه السلام لم يقل هذه المقالة، فإن قلت إذا كان عيسى عليه السلام لم يقلها فما وجه هذا السؤال له مع علم الله بأنه لم يقله؟ قلت: وجه هذا السؤال تثبيت الحجة على قومه وإكذاب لهم في ادعائهم ذلك عليه وأنه أمرهم به فهو كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا؟ وهو يعلم أنه لم يفعله وإنما أراد تعظيم ذلك الفعل فنفى عن نفسه هذه المقالة. وقال: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم فاعترف بالعبودية وأنه ليس بإله كما زعمت وادعت فيه النصارى فإن قلت إن النصارى لم يقولوا بإلهية مريم، فكيف قال: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قلت إن النصارى لما ادعت في عيسى أنه إله ورأوا أن مريم ولدته لزمهم بهذه المقالة على سبيل التبعية وقوله تعالى إخباراًعن عيسى عليه السلام {قال سبحانك} يعني تنزيهاً لك عن النقائص وبراءة لك من العيوب قال أبو روق إذا سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب وهو قوله: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} ارتعدت مفاصلة وانفجرت من أصل كل شعرة من جسده عين من دم وقال مجيباً لله تعالى سبحانك {ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} أي كيف أقول هذا الكلام ولست بأهل ولست أستحق العبادة حتى ادعو الناس إليها ولما بيَّن أنه ليس له أن يقول هذه المقالة وهذا المقام مقام التواضع والخشوع لعظمة الله تعالى شرع في بيان هل وقع ذلك منه أم لا؟ فقال: {إن كنت قلته فقد علمته} أسند العلم إلى الله تعالى وهذا هو غاية الأدب وإظهار المسكنة لعظمة الله تعالى وتفويض الأمر إلى علمه ثم قال {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} يعني تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم وقال ابن عباس تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك وقيل معناه تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي وقيل معناه تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في دار الآخرة وقيل معناه تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل والنفس عبارة عن ذات الشيء يقال نفس الشيء وذاته بمعنى واحد. وقال الزجاج: النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته يقال تعلم جميع حقيقة أمري ولا أعلم حقيقة أمرك. وقيل: معناه تعلم معلومي ولا أعلم معلومك وإنما ذكر هذا الكلام على طريقة المشاكلة والمطابقة وهو فصيح الكلام ثم قال: {إنك أنت علام الغيوب} يعني أنك تعلم ما كان وما سيكون وهذا تأكيد لما تقدم من قوله تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ...} الآية: اختلف المفسِّرون في وَقْت وقوعِ هذا القَوْل، فقال السدي وغيره: لما رفَع اللَّه عيسَىٰ إلى السماء، قالَتِ النَّصَارَىٰ ما قالَتْ، وزعموا أن عيسَىٰ أمرهم بذلك، فسأله تعالَىٰ عَنْ قولهم، فقال: {سُبْحَـٰنَكَ...} الآية، ويجيء على هذا قولُهُ: {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ}، أي: في التوبة مِنَ الكُفْر؛ لأن هذا قاله، وهم أحياء في الدنيا، وقال ابن عباس، وجمهورُ النَّاس: هذا القولُ مِنَ اللَّه إنما هو يَوْمَ القيامة يقوله اللَّه له علَىٰ رءوس الخلائقِ، فَيَرَى الكفَّار تبرِّيَهُ منهم، ويعلَمُون أنَّ ما كانوا فيه باطلٌ، فـ {قَالَ}؛ عَلَىٰ هذا التأويلِ بمعنى: «يَقُولُ»؛ ونُزِّل الماضِي موضِعَ المستقبلِ؛ لدلالته علَىٰ كون الأمر وثبوته، وقولُه آخِراً: {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ}: معناه: إن عذَّبَتْ العالَمَ كلَّه، فبحقِّك، فهم عبادُكَ تصنعُ بحَقِّ المُلْكِ ما شِئْت؛ لا ٱعتراض علَيْك، وإن غفَرْتَ وسبَقَ ذلك في عِلْمك؛ فلأنك أهْلٌ لذلك؛ لا معقِّب لحكمك، ولا مُنَازَعَ لك، فيقولُ عيسَىٰ هذا علَىٰ جهة التسليمِ والتعزِّي عنهم، مع علمه بأنهم كَفَرةٌ قد حُتِمَ عليهم العذابُ، وهذا القولُ عنْدِي أَرجَحُ؛ ويتقوَّى بما يأتي بعدُ، وهو قوله سبحانه: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ} تفسير : [المائدة:119]. وقوله: {سُبْحَـٰنَكَ}، أي: تنزيهاً لك عَنْ أن يقال هذا، ويُنْطَقَ به؛ {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}، أي: ما يكون لبَشَرٍ مُحْدَثٍ أنْ يَدَّعِيَ الألوهية، ثم قال: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} لأنك أحطت بكلِّ شيء علماً, وأحصيتَ كلَّ شيء عدداً, فوفَّق اللَّه عيسى لهذه الحُجَّة البالغةِ, وقوله {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي}، خصَّ النفْسَ بالذكْرِ؛ لأنها مَظِنَّةُ الكَتْم والانطواءِ على المعلومات. والمعنى: أن اللَّه ـــ سبحانه ـــ يعلم ما في نَفْسِ عيسى، ويعلم كل أَمْرِهِ مما عسى ألا يكون في نفسه. وقوله: {وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}: معناه: ولا أعلم ما عندك من المعلومات، وما أحَطْتَ به، وذكْر «النفْس» هنا مقابلةٌ لَفْظِيَّةٌ، في اللسان العربي؛ يقتضيها الإيجَازُ؛ وهذا ينظر من طَرْفٍ خَفِيٍّ إلى قوله تعالى: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران:54]؛ و {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } تفسير : [البقرة:15] فتسمية العُقُوبَةِ باسم الذَّنْبِ إنما قاد إليها طَلَبُ المُقَابَلَةِ اللفظية، إذ هي من فَصِيحِ الكلام، وبَارِعِ العبارة. ثم أقر عيسى عليه السلام للَّه تعالى؛ بأنه سبحانه عَلاَّمُ الغيوب، أي: ولا عِلْمَ لي أنا بغيب. وقوله: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي}: أي: قبضتني بالرَّفْعِ، والتصييرِ في السَّمَاءِ، و {الرَّقِيبَ}: الحافظ المراعي. وقوله: {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ}: أي: في قدرتك، {ٱلْحَكِيمُ} في أفعالك. والمعنى: إن يكن لك في النَّاسِ مُعَذَّبُونَ، فهم عبادك، وإن يكن مغفور لهم، فَعزَّتُكَ وحكمتك تَقْتَضِي هذا كله.
ابن عادل
تفسير : اختلَفُوا في هذا القَوْلِ، هَلْ وقع وانْقَضَى، أو سيقع يوم القيامة؟ على قولين: الأول: قال بعضُهم: لمَّا رفعهُ إليه، قال له ذلك، وعلى هذا فـ "إذْ" و"قَالَ" على موضوعهما منَ المُضِيِّ، وهو الظاهر، وقال بعضُهم: سيقولُه له يَوْمَ القيامة؛ لقوله - تبارك وتعالى قبله {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} تفسير : [المائدة: 109] [الآية]، وقوله بعد هذا: {أية : يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} تفسير : [المائدة: 119] وعلى هذا فـ "إذْ"، و"قَالَ" بمعنى "يَقُولُ"، وكونُها بمعنى "إذَا" أهونُ من قول أبي عُبَيْدٍ: إنها زائدةٌ؛ لأنَّ زيادةَ الأسماء ليْسَتْ بالسهلة. قوله: "أأنْتَ قُلْتَ" دخلت الهمزةُ على المبتدأ؛ لفائدةٍ ذكرها أهل البيان، وهو: أن الفعل إذا عُلِمَ وجودُهُ، وشُكَّ في نسبته إلى شخص، أولِيَ الاسْمُ المشكوكُ في نسبة الفعْلِ إليه للهمْزة، فيقال: "أأنْتَ ضَرْبٌ زَيْداً"، فَضَرْبُ زَيْدٍ قد صدر في الوجود، وإنما شُكَّ في نسبته إلى المخاطَبِ، وإنْ شُكَّ في أصل وقوعِ الفعلِ، أولِيَ الفعلُ للهمزة، فيقال: "أضَرَبْتَ زَيْداً"، لم تَقْطع بوقوعِ الضرب، بل شَكَكْتَ فيه، والحاصلُ: أنَّ الهمزةَ يليها المشكوكُ فيه، فالاستفهامُ في الآية الكريمة يُراد به التقريعُ والتوبيخ لغير عيسى - عليه السلام - وهم المتَّخِذُون له ولأمِّه إلهَيْنِ، دخل على المبتدأ لهذا المعنى الذي ذكرناه؛ لأن الاتخاذَ قد وقع ولا بُدَّ، واللام في "للنَّاس" للتبليغِ فقط، و"اتَّخِذُوني" يجوز أن تكون بمعنى "صَيَّرَ"، فتتعدَّى لاثنين، ثانيهما "إلَهَيْنِ"، وأن تكونَ المتعدية لواحدٍ فـ "إلَهَيْنِ" حالٌ، و{مِن دُون الله} فيه وجهان: أظهرهما: أنه متعلقٌ بالاتخاذ، وأجاز أبو البقاء - رحمه الله تعالى - وبه بدأ - أن يكون متعلِّقاً بمحذوفٍ؛ على أنه صفةٌ لـ "إلَهَيْنِ". فإن قيل: كَيْفَ يَلِيقُ الاسْتِفْهَامُ بعلاَّمِ الغُيُوب؛ وأيضاً النَّصَارَى لا يَقُولُون بإلهِيَّة عيسى [- عليه الصلاة والسلام - ومريم]. فالجوابُ عن الأول: أنَّه على سبيلِ الإنْكَارِ، وقَصْدُ هذا السُّؤال تَعْرِيفُهُ أنَّ قَوْمَهُ غيرُوا بعده، وادَّعَوْا عليه مَا لَمْ يَقُلْهُ. والجوابُ عن الثَّانِي: أنَّ النَّصَارى يَعْتَقِدُون أنَّ المُعْجِزَات الَّتِي ظَهَرَتْ على يَدِ عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - ومَرْيَم - عليها السَّلام - لم يَخْلُقْهَا الله تعالى، بل عيسى ابن مريم - عليهما الصَّلاة والسَّلام - فاللَّهُ ليس خَالِقُهمَا، فصحَّ أنهُم أثْبَتُوا في حَقِّ بَعْضِ الأشْيَاء كون عيسى - عليه السلام - ومريم إلهيْنِ من دُون الله، [مع أنَّ اللَّه لَيْس إلهاً لَهُ]، فصحَّ بهذا التَّأويلِ هذه الحِكايَةُ. وقال القُرْطُبِي - رحمه الله -: فإن قيل: النَّصَارَى لم يَتَّخِذُوا مَرْيَمَ إلهاً، فكَيْفَ قال ذَلِكَ فيهم؟. فقيل: لمَّا كان من قَولِهِمْ أنَّهَا لَمْ تَلِدْ بَشَراً، وإنَّما وَلَدَتْ إلهاً، لَزِمَهُم أنْ يقُولُوا: إنَّها لأجْل البَعْضِيَّة بمثابة من ولدَتْه، فصارُوا حين لزمهُم ذلك بمثابَةِ القائِلين لهُ. فإن قيل: إنَّهُ - تبارك وتعالى - إن كان عَالِماً بعيسى - عليه الصَّلاة والسَّلامُ - لم يَقُلْ ذلك، فلم خاطَبَهُ به؟ فإن قُلْتُم: الغَرَضُ مِنْهُ تَوْبِيخُ النَّصَارى وتَقْرِيعُهُم، فنقُولُ: إنَّ أحَداً من النَّصَارى لَمْ يَذْهَبْ إلى القَوْلِ بإلهيَّةِ عيسى ومريم مع القول بنَفْي إلهيَّةِ الله تعالى، فكيْفَ يجُوزُ أن يُنْسَبَ هذا القوْلُ إليْهِمْ، مع أنَّ أحَداً منهم لَمْ يَقُلْ به؟. فالجوابُ: أنَّ الله تعالى أرَادَ أنَّ عيسى يُقِرُّ على نَفْسِهِ بالعُبُودِيَّةِ فَيَسْمع قَوْمُهُ، ويَظْهَرُ كذبُهُمْ عليه أنَّه أمَرَهُم بذلك. قوله: "سُبْحَانَك" أي: تنزيهاً لك، وتقدَّم الكلام عليه في البقرة [الآية: 32]، ومتعلَّقُه محذوفٌ، فقدَّره الزمخشريُّ: "سُبْحانَكَ مِنْ أن يكُونَ لك شَرِيكٌ"، وقدَّره ابن عطية: "عَنْ أنْ يُقالَ هذا، ويُنْطَقَ به" ورجَّحَهُ أبو حيان - رضي الله عنه - لقوله بَعْدُ: {ما يكونُ لي أن أقُولَ}. قوله: "أنْ أقُولَ" في محلِّ رفع؛ لأنه اسمُ "يكُونُ"، والخبرُ في الجارِّ قبله، أي: ما يَنْبَغِي لي قولُ كذا، و"مَا" يجوزُ أن تكون موصولةً أو نكرةً موصوفةً، والجملةُ بعدها صلةٌ؛ فلا محلَّ لها، أو صفةٌ، فمحلُّها النصبُ، فإنَّ "مَا" منصوبةٌ بـ "أقُولَ" نصب المفعول به؛ لأنها متضمِّنةٌ لجملة، فهو نظيرُ "قُلْتُ كلاماً"، وعلى هذا فلا يحتاج أن يؤوَّل "أقُولَ" بمعنى "أدَّعِي" أو "أذْكُرَ"، كما فعله أبو البقاء رحمه الله وفي "لَيْسَ" ضميرٌ يعودُ على ما هو اسمها، وفي خبرها وجهان: أحدهما: أنه "لِي"، أي: ما لَيْسَ مستقرّاً لي وثابتاً، وأمَّا "بِحَقٍّ" على هذا، ففيه ثلاثةُ أوجه، ذكر أبو البقاء منها وجهين: أحدهما: أنه حالٌ من الضمير في "لي". قال: والثاني: أن يكون مفعولاً به، تقديره: ما ليس يَثْبُتُ لي بسببِ حقٍّ، والباءُ متعلِّقةٌ بالفعلِ المحذُوف، لا بنفسِ الجارِّ؛ لأنَّ المعانِيَ لا تعملُ في المفعول به. قال شهاب الدين: وهذا ليْسَ بجيِّدٍ؛ لأنه قدَّر متعلَّقَ [الخبر كوناً مقيَّداً، ثم حذفه، وأبقى معموله. الوجه الثالث: أنَّ قوله "بحَقٍّ" متعلقٌ] بقوله: "عَلِمْتَهُ"، ويكون الوقْفُ على هذا على قوله "لِي"، والمعنى: فققد عَلِمْتَهُ بِحَقٍّ، [وقد رُدَّ] هذا بأنَّ الأصْل عدم التقديم والتأخير، وهذا لا ينبغي أن يُكتفى به في ردِّ هذا، بل الذي منه من ذلك: أنَّ معمول الشرط أو جوابه لا يتقدَّم على أداة الشرط، لا سيَّما والمَرْوِيُّ عن الأئمةِ القُرَّاءِ الوقفُ على "بِحَقٍّ"، ويَبْتَدئُونَ بـ {إِن كُنْتُ قُلْتُهُ}، وهذا مَرْوِيٌّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجَبَ اتِّباعه. والوجه الثاني في خبر "لَيْسَ": أنه "بِحَقٍّ"، وعلى هذا، ففي "لِي" ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنه "يَتَبَيَّنُ"؛ كما في قولهم: "سُقْياً لَهُ"، أي: فيتعلَّقُ بمحذوف. والثاني: أنه حالٌ من "بِحَقٍّ"؛ لأنه لو تأخَّر، لكان صفةً له، قال أبو البقاء: "وهذا مُخَرَّجٌ على قول من يجُوِّزُ تقديم حال المجرُورِ عليه" [قلتُ: قد تقدَّم لك خلافُ النَّاسِ فيه]، وما أوردوه من الشواهد، وفيه أيضاً تقديمُ الحالِ على عاملها المعنويِّ، فإنَّ "بِحَقٍّ" هو العاملُ؛ إذ "لَيْسَ" لا يجوز أن تعمل في شيء، وإن قلنا: إنَّ "كان" أختها قد تعمل لأن "لَيْسَ" لا حدثَ لها بالإجماع. والثالث: أنه متعلِّقٌ بنفسِ "حَقّ"؛ لأنَّ الباءَ زائدةٌ، و"حَقّ" بمعنى "مُسْتَحقّ"، أي: ما لَيْسَ مستحِقًّا لي. فصل اعلم: أنَّه - تبارك وتعالى - لما سَألَ عيسى - عليه السلام - أنَّكَ هَلْ قُلتَ للنَّاسِ ذلك؟ لم يَقُلْ عيسى بأنِّي قُلْتُ، أو: ما قُلْتُ، بل قال: ما يكونُ لي أنْ أقُولَ هذا الكلام، وبدأ بالتَّسْبِيح قبل الجواب لأمرين: أحدهما: تَنْزِيهاً لَهُ على أنْ يُضيفَ إليه. والثاني: خُضُوعاً لِعِزَّتِه، وخَوْفاً من سَطْوتِهِ. ثُمَّ قال: {ما يكون لي أنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} أي: أن أدَّعِي لِنَفْسِي بما ليس من حقِّها يعني: أنِّي مَرْبُوبٌ ولسْتُ بِرَبٍّ، وعَابِدٌ، ولسْتُ بِمَعْبُودٍ، ولمَّا بيَّن أنَّه ليس له أنْ يقول هذا الكلام، شَرَعَ في بيانِ أنَّهُ هَلْ وقع منه هذا القولُ أمْ لا؟ ولمْ يَقُلْ بأنِّي ما قُلْتُه، بل فوَّضَه إلى علمه تعالى المحيط بالكُلِّ، فقال: "إن كُنْتُ قُلْتُهُ فقدْ عَلِمْتَه بعلْمِكَ"، وهذا مُبالغَةٌ في الأدبِ، وفِي إظهَارِ الذِّلَةِ والمَسْكَنَةِ في حَضْرَةِ الخلاَّقِ، وتَفْوِيض الأمْرِ بالكُلِّيَّةِ إلى الحقِّ - سُبحانَهُ وتعالى -. قوله: {إن كنت قلته}: "كنت" وإن كانت ماضية اللفظ فهي مستقبلة في المعنى، والتقدير: إن تَصِحَّ دعواي لما ذُكر، وقدَّره الفارسي بقوله: "إن أكن الآن قلتُه فيما مضى" لأنَّ الشرط والجزاء لا يقعان إلا في المستقبل. وقوله: "فقد عَلِمْتَه" أي: فقد تبيَّن وظهر علمُك به كقوله: {أية : فَصَدَقَتْ} تفسير : [يوسف: 26] و{أية : فَكَذَبَتْ} تفسير : [يوسف: 27] و{أية : فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} تفسير : [النمل: 90]. قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ}. قوله: {تعلمُ ما في نفسي} هذه لا يجوزُ أن تكونَ عرفانيةً، لأنَّ العرفان كما تقدم يستدعي سَبْقَ جهل، أو يُقْتَصَرُ به على معرفةِ الذات دونَ أحوالها حَسْبَ ما قاله الناس، فالمفعولُ الثاني محذوفٌ، أي: تعلمُ ما في نفسي كائناً موجوداً على حقيقته لا يخفى عليك منه شيءٌ، وأمَّا: "ولا أعلم" فهي وإن كان يجوزُ أن تكون عرفانيةً، إلا أنها لمَّا صارت مقابلةً لما قبلها ينبغي أن يكون مثلها، والمرادُ بالنفس هنا ما قاله الزجاج أنها تُطْلقُ ويُراد بها حقيقةُ الشيء، والمعنى في قوله {تعلم ما في نفسي} إلى آخره واضحٌ. وقال: المعنى: تعلمُ ما أخفيه من سِرِّي وغيبي، أي: ما غابَ ولم أظْهِرْه، ولا أعلمُ ما تُخْفيه أنت ولا تُطْلِعُنا عليه، فذكر النفس مقابلةً وازدواجاً، وهذا منتزع من قول ابن عباس، وعليه حام الزمخشري رحمه الله فإنه قال: "تعلمُ معلومي ولا أعلمُ معلومك"، وأتى بقوله: {ما في نفسك} على جهةَ المقابلةِ والتشاكلِ [لقوله: "ما في نفسي" فهو] كقوله: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 54]، وكقوله: {أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} تفسير : [البقرة: 14، 15]. وقيل: المعنى: تعلمُ ما عندِي ولا أعلمُ ما عندكَ. وقيل: تعلمُ ما في الدُّنْيَا، ولا أعلمُ ما يكونُ مِنْكَ في الآخِرَة. وقيل: تعلمُ بما أقُولُ وأفْعلُ، ولا أعْلَمُ بما تقول وتفعل {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} وهذا تأكيدٌ للجملتَيْنِ المُتقدِّمتَيْنِ. وتمسَّكتِ المُجسِّمَةُ بقوله "بِمَا في نفْسِكَ"، وقالوا: النَّفْسُ إنَّما تكون في الشَّخْصِ. وأجيبُوا: بأنَّ النَّفْسَ عبارة عن الذاتِ، يقال: نَفْسُ الشَّيء وذاته بمعنى واحد، وأيضاً المراد: تعلم معْلُومِي ولا أعلم معلُومَك، ولكنَّه ذكر هذا الكلامَ على طريقِ المُقابلةِ والمُشاكلةِ. قال الزَّجاج: النَّفْسُ عبارةٌ عن جُمْلَةِ الشَّيء وحقيقتِهِ. قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ}: هذا استثناءٌ مفرغ فإنَّ "ما" منصوبةٌ بالقول؛ لأنها وما في حيِّزها في تأويلِ مقول. وقدَّر أبو البقاء القول بمعنى الذكر والتأدية. و"ما" يجوزُ أن تكون موصولةً أو نكرةً موصوفةً. قوله تعالى: "أن اعبُدوا" في "أنْ" سبعةُ أوجهٍ: أحدها: أنها مصدرية في محلِّ جر على البدل من الهاء في "به" والتقديرُ: ما قلتُ إلا ما أمرتني بأن اعبدوا، وهذا الوجه سيأتي عليه اعتراض. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ بإضمار "أعني"، أي: إنه فسَّر ذلك المأمور به. الثالث: أنه في محلِّ نصب على البدل من محلِّ "به" في {ما أمرتني به} لأن محلَّ المجرور نصب. الرابع: أن موضعها رفعٌ على إضمار مبتدأ وهو قريبٌ في المعنى من النصب على البدلِ. الخامس: أنها في محل جر لأنها عطف بيان على الهاء في به. السادس: أنها بدلٌ من "ما" نفسها أي: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا. السابع: أنَّ "أنْ" تفسيرية، أجازه ابن عطية والحوفي ومكي. وممن ذهب إلى جواز أنَّ "أنْ" بدلٌ مِنْ "ما" فتكونُ منصوبة المحلِّ أو من الهاء فتكونُ مجرورته أبو إسحق الزجاج، وأجاز أيضاً أن تكون تفسيريةً لا محلَّ لها. وهذه الأوجهُ قد منع بعضها الزمخشري، وأبو البقاء منع منها وجهاً واحداً وهو أن تكون تفسيرية، أما الزمخشري فإنه منع أن تكون تفسيرية إلا بتأويل ذكره وسيأتي، وبدلاً من "ما" أو من الهاء في "به". قال - رحمه الله -: "أنْ" في قوله: {أن اعبدوا الله} إنْ جعلتها مفسرةً لم يكن لها بُدٌّ من مفسِّر، والمفسِّر: إما أن يكون فعل القول أو فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له؛ أما فعل القول فلأنه يُحْكى بعده الجمل ولا يتوسَّط بينه وبين محكيِّه حرفُ تفسير، وأما فعل الأمر فمستندٌ إلى ضمير الله تعالى، فلو فسَّرْتَه بـ {اعبدوا الله ربي وربكم} لم يستقم لأن الله لا يقول: اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها بدلاً لم يخلُ من أن تجعلها بدلاً من "ما" في {ما أمرتني به}، أو من الهاء في "به"، وكلاهما غيرُ مستقيم؛ لأنَّ البدل هو الذي يقوم مقام المبدلِ منه، ولا يُقال: ما قلتُ لهم إلا أن اعبدوا الله، أي: ما قلتُ لهم إلا عبادته لأنَّ العبادة لا تقال، وكذلك لو جعلتها بدلاً من الهاء، لأنك لو أقَمْتَ "أن اعبدوا" مقام الهاء [فقلت: إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله] لبقي الموصولُ بغير راجعٍ إليه من صلته، فإن قلت: كيف تصنع؟ قلت: يُحْمل فعلُ القول على معناه، لأنَّ معنى {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به}: ما أمرتُهم إلا بما أمرتني به، حتى يستقيم تفسيره بـ {أن اعبدوا الله ربي وربكم}، ويجوزُ أن تكون "أنْ" موصولةً عطفاً على بيانِ الهاء لا بدلاً. وتعقَّب عليه أبو حيان كلامه فقال: "أمَّا قوله وأمَّا فعلُ الأمر إلى آخر المنع [وقوله: "لأنَّ الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم" فإنما لم يستقمْ لأنه جعل الجملة وما بعدها مضمومةً إلى فعل الأمر، ويستقيم أن يكون فعلُ الأمر مفسَّراً بقوله: "اعبدوا الله" ويكون "ربي وربكم" من كلام عيسى على إضمار "أعني" أي: "أعني ربي وربكم"، لا على الصفة التي فهمها الزمخشري فلم يستقم ذلك عنده، وأمّا] قوله: "لأن العبادة لا تُقال" فصحيحٌ، لكن يَصِحُّ ذلك على حذفِ مضاف أي: ما قلت لهم إلا القول الذي أمرتني به قول عبادة الله تبارك وتعالى أي: القولَ المتضمن عبادة الله تبارك وتعالى، وأمَّا قوله "لبقي الموصول بغير راجع إليه من صلته" فلا يلزمُ في كل بدل أن يَحُلَّ محلَّ المبدل منه، ألا ترى إلى تجويز النحويين: "زيد مررت به أبي عبد الله" ولو قلت: "زيدٌ مررت بأبي عبد الله" لم يجز إلا على رأي الأخفش. وأما قوله: "عطفاً على بيان الهاء" ففيه بُعْد، لأن عطفَ البيانِ أكثرُه بالجوامدِ الأعلامِ. وما اختاره الزمخشري وجوَّزه غيرُه لا يَصِحُّ، لأنها جاءت بعد "إلا"، وكلُّ ما كان بعد "إلا" المستثنى بها فلا بُدَّ أن يكون له موضعٌ من الإعراب، و"أن" التفسيرية لا موضعَ لها من الإعراب". انتهى. قال شهاب الدين: أمَّا قوله: "إن ربي وربكم من كلام عيسى" ففي غاية ما يكون من البُعد عن الأفهام، وكيف يفهم ذلك الزمخشري والسياق والمعنى يقودان إلى أنَّ "ربي" تابعٌ للجلالة؟ لا يتبادر للذهن - بل لا يُقْبل - إلا ذلك، وهذا أشدُّ من قولهم "يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه" فآل قولُ الشيخ إلى أنَّ "اعبدوا الله" من كلام الله تعالى و"ربي وربكم" من كلام عيسى، وكلاهما مفسِّرٌ لـ "أمرتَ" المسند للباري تعالى. وأمَّا قوله "يَصِحُّ ذلك على حذف مضاف" ففيه بعض جودة، وأما قوله: "إنَّ حلول البدل محلَّ المبدل منه غيرُ لازم" واستشهاده بما ذكر فغيرُ مُسَلَّم، لأنَّ هذا معارضٌ بنصِّهم، على أنه لا يجوز "جاء الذي مررت به أبي عبد الله" بجرِّ "عبد الله" بدلاً من الهاء، وعلَّلوه بأنه يلزمُ بقاءُ الموصول بلا عائدٍ، مع أنَّ لنا أيضاً في الربط بالظاهر في الصلة خلافاً قدَّمْتُ التنبيه عليه، ويكفينا كثرةُ قولهم في مسائل: "لا يجوزُ هذا لأن البدل يَحُلُّ محل المبدل منه" فيجعلون ذلك علةً مانعةً، يعرف ذلك من اطلع على كلامهم، قال شهاب الدين رحمه الله: فلولا خوفُ الإطالة لأوردْتُ منه مسائل شتى. وأمَّا قوله: "وكلُّ ما كان بعد "إلا" المستثنى به إلى آخره" فكلامٌ صحيح لأنها إيجابٌ بعد نفي فيستدعي تسلُّط ما قبلها على ما بعدها. ويجوز في "أنْ" الكسرُ على أصل التقاء الساكنين والضمُّ على الإتباع، وقد تقدَّم تحقيقُه ونسبتُه إلى من قرأ به في قوله: "فَمَنِ اضْطُرَّ" في البقرة [الآية 173]. و"ربي" نعت أو بدل أو بيان مقطوعٌ عن الإتباع رفعاً أو نصباً، فهذه خمسة [أوجهٍ] تقدَّم إيضاحُها. قوله: "شهيداً" خبر "كان"، و"عليهم" متعلق به، و"ما" مصدريةٌ ظرفيةٌ أي: تتقدَّر بمصدر مضاف إليه زمان، و"دام" صلتها، ويجوز فيها التمامُ والنقصان، فإن كانت تامةً كان معناها الإقامة، ويكون "فيهم" متعلقاً بها، ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوف على أنه حال، والمعنى: وكنتُ عليهم شهيداً مدة إقامتي فيهم، فلم يحتج هنا إلى منصوب، وتكون حينئذٍ متصرفةً، وإن كانت الناقصة لزمت لفظ المضيِّ ولم تكتفِ بمرفوع، فيكون "فيهم" في محلِّ نصب خبراً لها، والتقديرُ: مدة دوامي مستقراً فيهم، وقد تقدم أنه يقال: "دِمْتُ تدام" كخِفْتُ تخاف. قوله: {كنت أنت الرقيب عليهم} يجوز في "أنت" أن تكون فصلاً وأن تكون تأكيداً. وقرىء "الرقيبُ" بالرفع على أنه خبر لـ "أنت" والجملةُ خبرٌ لـ "كان"، كقول القائل: [الطويل] شعر : 2100-............................. وُكُنْتَ عَلَيْهَا بِالمَلاَ أنْتَ أقْدَرُ تفسير : وقد تقدَّم اشتقاق "الرقيب". و"عليهم" متعلَّقٌ به. و"على كلِّ شيء" متعلِّقٌ بـ "شهيد" قُدِّمَ للفاصلة. فصل معنى الكلام {وكُنتُ عليهمْ شَهِيداً} أي: كنتُ أشْهَدُ على ما يَفْعَلُون، ما دمتُ مُقِيماً فيهم، "فلمَّا تَوَفَّيْتَنِي" والمرادُ منهُ: الوفاةُ بالرَّفعِ إلى السَّماءِ من قوله: {أية : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} تفسير : [آل عمران: 55]. و{كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ}، قال الزجاج: الحَافِظُ عليهم بَعْد مُفارقَتِي عَنْهُم. فالشَّهِيدُ: المُشاهِد، ويجُوزُ حَمْلُه على الرُّؤيَة، ويجُوزُ حَمْلُهُ على العِلْمِ، ويجُوزُ حَمْلُه على الكلامِ بمعنى الشَّهَادَة، فالشَّهِيدُ من أسْمَاء الصِّفَاتِ الحَقِيقيَّةِ على جَمِيع التَّقْدِيرَاتِ.
السيوطي
تفسير : أخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال: يلقي الله عيسى والله لقاه في قوله {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} قال أبو هريرة "عن النبي صلى الله عليه وسلم: فلقاه الله {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} ". الآية كلها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ميسرة قال: لما {قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} أرعد كل مفصل منه حتى وقع. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن صالح قال: لما قال {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} زال كل مفصل له من مكانه خيفة. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} متى يكون ذلك؟ قال: يوم القيامة ألا ترى أنه يقول {أية : هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} تفسير : [المائدة: 119]. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} قال: لما رفع الله عيسى بن مريم إليه قالت النصارى ما قالت، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله عن قوله {قال سبحانك ما يكون لي} إلى قوله {وأنت على كل شيء شهيد}. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس في هذه الآية قال: احتج عيسى وربه والله وفقه {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق}. وأخرج أبو الشيخ من طريق طاوس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حديث : "إن عيسى حاجه ربه فحاج عيسى ربه، والله لقاه حجته بقوله {أأنت قلت للناس...} الآية" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم ودعي كل أناس بإمامهم، قال: ويدعى عيسى فيقول لعيسى {يا عيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} فيقول {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} إلى قوله {يوم ينفع الصادقين صدقهم} ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} والناس يسمعون، فراجعه بما قد رأيت، فأقر له بالعبودية على نفسه، فعلم من كان يقول في عيسى ما كان يقول أنه إنما كان يقول باطلاً. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {أن اعبدوا الله ربي وربكم} قال: سيدي وسيدكم. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً، ثم قرأ {كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء:104] ثم قال: ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} فيقال: أما هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {كنت أنت الرقيب عليهم} قال: الحفيظ. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {كنت أنت الرقيب} قال: الحفيظ.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} معطوف على (إذ قال الحواريون) منصوب بما نَصَبه من المُضمر المخاطَبِ به النبـيُّ صلى الله عليه وسلم، أو بمُضمر مستقلٍّ معطوفٍ على ذلك، أي اذكُرْ للناس وقت قولِ الله عز وجل له عليه السلام في الآخرة توبـيخاً للكَفَرة وتبكيتاً لهم، فإقرارُه عليه السلام على رؤوس الأشهاد بالعبودية، وأمرُه لهم بعبادته عز وجل، وصيغة الماضي لما مرّ من الدلالة على التحقّق والوقوع {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ} الاتخاذُ إما متعدٍّ إلى مفعولين (فإلٰهين) ثانيهما، وإما إلى واحد فهو حال من المفعول، وليس مدارُ أصل الكلامِ أن القول متيَقَّنٌ، والاستفهامَ لتعيـين القائل كما هو المتبادَرُ من إيلاء الهمزةَ المُبتدأ على الاستعمال الفاشي، وعليه قوله تعالى: {أية : أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا}تفسير : [الأنبياء، الآية 62] ونظائرُه، بل على أن المتيقَّنَ هو الاتخاذُ والاستفهامُ لتعيـين أنه بأمره عليه السلام، أو من تلقاء أنفسهم كما في قوله تعالى: {أية : أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ } تفسير : [الفرقان، الآية 17] وقوله تعالى: {مِن دُونِ ٱللَّهِ} متعلق بالاتخاذ ومحله النصب على أنه حال من فاعله، أي متجاوزين الله، أو بمحذوفٍ هو صفة لإلٰهين، أي كائنيْن من دونه تعالى، وأياً ما كان فالمرادُ اتخاذُهما بطريق إشراكهما به سبحانه كما في قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا } تفسير : [البقرة، الآية 165] وقولِه عز وجل: {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ }تفسير : [سورة يونس، الآية 18] إلى قوله سبحانه وتعالى: {أية : عَمَّا يُشْرِكُونَ }تفسير : [سورة يونس، الآية 18] إذْ به يتأتّى التوبـيخُ ويتسنّى التقريعُ والتبكيت. ومَنْ توهم أن ذلك بطريق الاستقلال، ثم اعتذر عنه بأن النصارى يعتقدون أن المعجزاتِ التي ظهرت على يد عيسى ومريمَ عليهما الصلاة والسلام لم يخلُقْها الله تعالى، بل هما خلقاها فصح أنهم اتخذوهما في حق بعض الأشياء إلٰهين مستقلَّيْن، ولم يتخذوه تعالى إلٰهاً في حق ذلك البعض، فقد أبعد عن الحق بمراحِلَ، وأما من تعمق فقال: إن عبادته تعالى مع عبادة غيره كلا عبادةٍ، فمن عبده تعالى مع عبادتهما كأنه عبدهما، ومن لم يعبُده تعالى فقد غفَل عما يُجْديه واشتغل بما لا يَعْنيه كدأب مَنْ قبلة، فإن توبـيخهم إنما يحصُل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحاً، لا بما يلزَمُه بضربٍ من التأويل، وإظهارُ الاسم الجليل لكونه في حيِّز القولِ المُسند إلى عيسى عليه السلام. {قَالَ} استئناف مبنيٌّ على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل: فماذا يقول عيسى عليه السلام حينئذ؟ فقيل: يقول، وإيثارُ صيغة الماضي لما مرّ مراراً {سُبْحَـٰنَكَ} (سبحان) عَلمٌ للتسبـيح، وانتصابُه على المصدرية، ولا يكاد يُذْكر ناصبُه، وفيه من المبالغة في التنزيه من حيث الاشتقاق، من السَّبْح الذي هو الذهاب والإبعادُ في الأرض، ومن جهة النقل إلى صيغة التفعيل، ومن جهة العدولِ من المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصةً، المشيرِ إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن، ومن جهة إقامته مُقام المصدر مع الفعل ما لا يخفى، أي أنزهك تنزيهاً لائقاً بك من أن أقول ذلك أو من أن يقالَ في حقك ذلك، وأما تقديرُ من أن يكونَ لك شريكٌ في الألوهية فلا يساعده سِياقُ النظم الكريم وسياقُه، وقوله تعالى: {مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ} استئنافٌ مقرِّر للتنزيه ومبـين للمُنَزَّه منه، و(ما) عبارة عن القول المذكور، أي ما يستقيم وما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحِقّ لي أن أقوله، وإيثارُ ليس على الفعل المنفيِّ لظهور دلالتِه على استمرار انتفاءِ الحقية وإفادةِ التأكيد بما في حيزه من الباء، فإن اسمه ضميرُه العائد إلى (ما)، وخبرَه (بحق) والجار والمجرور فيما بـينهما للتبـيـين كما في سُقياً لك أو نحوه. وقوله تعالى: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} استئناف مقرِّرٌ لعدم صدور القولِ المذكور عنه عليه السلام بالطريق البرهاني، فإن صدورَه عنه مستلزِمٌ لعلمه تعالى به قطعاً، فحيثُ انتفى علمُه تعالى به انتفى صدورُه عنه حتماً ضرورةَ أن عدمَ اللازم مستلزِمٌ لعدم الملزوم {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى} استئنافٌ جارٍ مجرى التعليل لما قبله كأنه قيل: لأنك تعلم ما أُخفيه في نفسي، فكيف بما أُعلنُه؟ وقوله تعالى: {وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ} بـيانٌ للواقع وإظهارٌ لقصوره، أي ولا أعلم ما تُخفيه من معلوماتك، وقوله: {فِى نَفْسِكَ} للمشاكلة. وقيل: المرادُ بالنفس هو الذاتُ، ونسبةُ المعلومات إليها لما أنها مرجعُ الصفات التي من جملتها العلمُ المتعلِّقُ بها، فلم يكن كنسبتها إلى الحقيقة. وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} تعليلٌ لمضمون الجملتين منطوقاً ومفهوماً.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}[116] أي لا أعلم غيبك في سؤالك، مع علمك به. ويحتمل أن يريد: تعلم ما في سري ولا أعلم ما في نفسك المستودع في سري، لأن سرك بينك وبينها لا يطلع عليه أحد دونك، وهي العين التي ترى بها الحق، وأذن تسمع بها الحق، ولسان ينادي بالحق. والدليل عليه قوله تعالى للمنافقين: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}تفسير : [البقرة:18، 171] لأنه لم يكن لهم هذه المستودعات، والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الآية: 116]. قال ابن عطاء: قمعه هذا الخطاب وأسره حتى أحوجه وجميع الأنبياء معًا أن أقروا بالجهل فقالوا: لا علم لنا. قال تعالى: {وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي} [الآية: 110]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا على الروذبارى يقول: غاية الربوبية فى غاية العبودية لما استقام على بساط العبودية أظهر عليه شيئًا من أوصاف الربوبية بقضائه وقدره. قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: تعلم ما فى نفسى لك ولا أعلم ما فى نفسك لى. قال يحيى: تعلم ما فى نفسى لأنك أوجدتها، ولا أعلم ما فى نفسك لبعد الذات عن الدرك. سمعت محمد بن عبد العزيز يقول: سمعت محمد الجريرى يقول: سمعت الجنيد رحمة الله عليه يقول: وقد سُئل عن قوله تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك. قال: تعلم ما أنا لك عليه وما لك عندى، ولا أعلم ما لى عندك إلا ما أطلعتنى عليه وأخبرتنى به. وقال: تعلم ما فى نفسى من تدبيرك فى وقضائك لى، ولا أعلم ما فى نفسك من المحبة لى أو الإبعاد.
القشيري
تفسير : المراد من هذا السؤال إظهار براءة ساحته عما نسب إليه من الدعاء إلى القول بالتثليث، فهذا ليس خطاب تعنيف بل هو سؤال تشريف. ثم إن عيسى - عليه السلام - حفظ أدب الخطاب فلم يُزَكِّ نَفْسَه، بل بدأ بالثناء على الحق - سبحانه - فقال: تنزيهاً لك! إنني أنزهك عما لا يليق بوصفك. ثم قال: {مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} أي إني إن كنت مخصوصاً مِنْ قِبَلِكَ بالرسالة - وشرط النبوة العصمة - فكيف يجوز أن أفعل ما لا يجوز لي؟ ثم إني {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ}: كان واثقاً بأن الحقَّ - سبحانه - عليم بنزاهته من تلك القالة. {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي}: أي علمك محيطٌ بكل معلوم. {وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} أي لا أطلع على غيبك إلا بقدر ما تُعَرِّفُني بإعلامك. {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} الذي لا يخرج معلوم عن علمك، ولا مقدور عن حكمك.
البقلي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} غير الله سبحانه المنسبين اليه الشرك بقولهم ان الله ثالث ثلاثة فاظهر الله تنزيه عيسى مما زعموا وتصديق ذلك قوله تعالى {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} وايضا الف الله سبحانه ان يخاطب الكفرة بما كذبوا وزاغوا عن التوحيد والحق وخاطب مع صفيه وروحه اعلاما للكافرين بتغييرهم لان السلطان اذا اراد ان يخاطب مع قوم خاطب مع كبير من كبرائهم واراد بذلك قومه وفيه ان الله سبحانه اراد ان يجر روحه عليه السلام الى مقام سطوات العظمة وخطاب الكبرياء ليفيه به عنه حتى لا يبقى للحدث فى القدم اثر لولا فضل الله علي لا يكون بعده ابدا من عزة الخطاب وعظمة القول قال عبد العزيز المكى لولا اثبات الله اياه لذاب على مكانه وصار ماء بين حياء الله وخجلته ولو خير عيسى بين النار وبين هذا العتاب لخير النار ولو احرق بنار الابدكان احب اليه من ان ينسب الربوبية اليه وفرق ابن عطا بين السوالين بين سوال الانبياء حين قالوا لا علم لنا وسواله عن عيسى ءانت قلت للناس اتخذونى وامى وقال سئل عن قصته وحاله لم يسعه السوت عنه وسئل الانبياء عن احوال الامم فدهوا وذلك ان سوال الريسل اظهار العظمة وسوال عيسى برائة وتنزيه عما قيل فيه وقد سخ لى قول أخر وهو ان الانبياء حين سئلوا كانوا فى مقام الهيبة ومشاهدة العظمة لذلك بهتوا وتيحروا وسكتور وعيسى هناك ايضا معهم بقوله يوم يجمع الله الرسل وهو من الرسل فلما افرده الحق للخطاب كان فى مقام البسط والانبساط ايضا معهم بقوله يوم يجمع الله الرسل وهو من الرسل فلما ارفرده الحق للخطاب كان فى مقام البسط والانبساط ومشاهدة الجمال لذلك تكلم واجاب ولم يسكت قوله تعالى {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} اى تعلم ما فى نفسى من توحيدك ومعرفتك وتنزيهك وتقديسك وتعظميك واجلالك الذى ينفى الاضاداد والاشباه والانداد وما لا يليق بجلالك مما تخاطبى بقولك ءانت قلت للناس اتخذونى وامى الهين من دون الله ولا اعلم فى نفسك من علوم الغيب وغيب الغيب ومكر القدم وما يعلم ما فى نفسك بانك لو تريد ان تخرق جميع الانبياء والصديقين لا ينالى بها وايضا لا علم ما فى نفسك من كنه القدم ووجود الازل قال الواسطى يعلم ما فى نفسى لك اعلم ما فى نفسك لي وقال السحين تعلم ما فى نفسى لانك اوجدتها ولا اعلم ما فى نفسك لبعد الذات عن الدرك قال الجنيد يعلم ما اثالك عليه ومالك عندى ولا اعلم مالى عندك الا ما اطلعتنى عليه او اخبرتنى به وقال سهل تعلم ما فى نفس مما اودعته نفسى مما لا تظهر على ولا اعلم ما فى غيبك لى قال على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر عليهم السلام قال يعلم كيفيتى ولا كيفيته لك.
اسماعيل حقي
تفسير : {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم} اى اذكر يا محمد للناس وقت قول الله تعالى لعيسى عليه السلام فى الآخرة توبيخا للكفرة وتبكيتا لهم باقراره عليه السلام على رؤوس الاشهاد بالعبودية وامره لهم بعبادته تعالى {ءأنت قلت للناس اتخذونى وأمى آلهين} مفعول ثان للاتخاذ {من دون الله} حال من فاعل اتخذونى كأنه قيل صيرونى وامى إلٰهين اى معبودين متجاوزين عن الوهية الله تعالى ومعبوديته والمراد اتخاذهما بطريق اشراكهما به سبحانه كما فى قوله تعالى {أية : ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} تفسير : [البقرة: 165]. لان احدا منهم لم يذهب الى القول بإلٰهية عيسى ومريم مع القول بنفى إلٰهية الله تعالى ولما لم يكن المقصود انكار نفس القول بل قصد توبيخ من قال به ولى حرف الاستفهام المبتدأ ولم يقل كذا لانه يفيد انكار نفس القول. قال المولى ابو السعود رحمه الله ليس مدار اصل الكلام ان القول متيقن والاستفهام لتعيين القائل كما هو المتبادر من ايلاء الهمزة المبتدأ على الاستعمال الفاشى وعليه قوله تعالى {أية : ءانت فعلت هذا بآلهتنا} تفسير : [الأنبياء: 62]. ونظاهره بل على ان المتيقن هو الاتخاذ والاستفهام لتعيين انه بامره عليه السلام او من تلقاء انفسهم كما فى قوله تعالى {أية : ءانتم أضللتم عبادى هٰؤلاء أم هم ضلوا السبيل} تفسير : [الفرقان: 17] انتهى. قال فى التأويلات النجمية الاثبات بعد الاستفهام نفى كما ان النفى بعد الاستفهام اثبات كقوله {أية : ألست بربكم} تفسير : [الأعراف: 172]. اى انا ربكم ونظير النفى فى الاثبات قوله تعالى{أية : أءلٰه مع الله} تفسير : [النمل: 64،63،62،61،60]. اى ليس مع الله إلٰه فمعناه ما قلت انت للناس اتخذونى وامى إلٰهين من دون الله ولكنهم بجهلهم قد بالغوا فى تعظيمك حتى اطروك وجاوزوا حدك فى المدح ولهذا قال النبى عليه السلام "حديث : لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم" تفسير : انتهى. فان قيل ما وجه هذا السؤال مع علمه تعالى ان عيسى عليه الصلاة والسلام لم يقله قيل ذلك لتوبيخ قومه وتعظيم امر هذه المقالة. قال ابو روق اذا سمع عيسى هذا الخطاب ارتعدت مفاصله وانفجرت من اصل كل شعرة من جسده عين من دم وهذا الخطاب وان كان ظاهره مع عيسى ولكن كان حقيقة مع الامة لان سنة الله ان لا يكلم الكفار يوم القيامة ولا ينظر اليهم {قال} كأنه قيل فماذا يقول عيسى حينئذ فقيل يقول {سبحانك} علم للتسبيح اى انزهك تنزيها لائقا بك من ان اقول ذلك او من ان يقال فى حقك ذلك {ما يكون لى ان اقول ما ليس لى بحق} اى ما يستقيم وما ينبغى لى ان اقول قولا لا يحق لى ان اقوله {ان كنت قلته} اى هذا القول {فقد علمته} لانى لا اقدر على هذا القول الا بان توجد فىّ وتكونه بقولك كن فصدوره عنى مستلزم لعلمك به قطعا فحيث انتفى العلم انتفى الصدور حتما ضرورة ان عدم اللازم مستلزم لعدم الملزوم {تعلم ما فى نفسى} اى ما اخفيه فى نفسى كما تعلم ما اعلنه {ولا اعلم ما فى نفسك} اى ولا اعلم ما تخفيه من معلوماتك فعبر عما يخفيه الله من معلوماته بقوله ما فى نفسك للمشاكلة لوقوعه فى صحبة قوله تعلم ما فى نفسى فان معلومات الانسان مختفية فى نفسه بمعنى كون صورها مرتسمة فيها بخلاف معلومات الله تعالى فان علمه تعالى حضورى لا تنقطع صورة شىء منها فى ذاته فلا يصح ان يحمل النفس على المعنى المتبادر {إنك أنت علام الغيوب} ما كان وما يكون.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {من دون الله}: صفة لإلهين، أو صلة {اتخذوني}، و {أن أعبدوا}: تفسيرية للمأمور به، أو بدل من ضمير به، وليس من شرط البدل جواز طرح المبدل منه مطلقًا؛ لئلا يلزم منه بقاء الموصول بلا راجع، أو عطف بيان له، أو خبر عن مضمر، أي: هو، أو معفول به، أي: أعني، ولا يجوز إبداله من {ما}؛ لأن المصدر لا يكون مفعولاً للقول؛ لأنه مفرد، والقول لا يعمل إلا في الجمل أو ما في معناه. {يوم ينفع}؛ من نصب جعله ظرفًا لقال، أو ظرف، مستقر خبرِ {هذا} والمعنى: هذا الذي مَرّ من كلام عيسى، واقع يوم ينفع، الخ، وأجاز ابن مالك أن يكون مبنيًّا، قال في ألفيته: شعر : وقَبل فَعل مُعَرب أو مُبتَدا أعرِب، ومَن بَنَا فَلَن يُفَنَّدَا تفسير : ومَن رفع، فخبر، وهو ظرف متصرف. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر {إذ قال الله يا عيسى} بعد رفعه إلى السماء، أو يقول له يوم القيامة، وهو الصحيح، بدليل قوله: {قال الله هذا} الخ، فإن اليوم الذي {ينفع الصادقين صدقهم} هو يوم القيامة، فيقول له حينئذٍ: {أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} يريد به توبيخ الكفار الذين عبدوه وتبكيتهم، وفيه تنبيه على أن من عبد مع الله غيره فكأنه لم يعبد الله قط، إذ لا عبرة بعبادة من أشرك معه غيره. {قال} عيسى عليه السلام مبرءًا نفسه من ذلك وقد أرعد من الهيبة: {سبحانك} أي: تنزيهًا لك من أن يكون لك شريك، {ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} أي: ما ينبغي لي أن أقول ما لا يجوز لي أن أقوله، {إن كنتُ قُلتُه فقد علمته}، وكَلَ العلم إلى الله لتظهر براءته، لأن الله علم أنه لم يقل ذلك، {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} أي: تعلم ما أخفيته في نفسي، كما تعلم ما أعلنته، ولا أعلم ما تخفيه، من معلوماتك، سلك في اللفظ مسلك المشاكلة، فعبّر بالنفس عن الذات. {إنك أنت علاّم الغيوب} لا يخفى عليك شيء من الأقوال والأفعال. {ما قُلتُ لهم إلا ما أمرتني به} وهو عبادة الله وحده، فقلت لهم: {اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدًا} أي: رقيبًا عليهم، أمنعهم أن يقولوا ذلك أو يعتقدوه. {ما دمتُ فيهم فلما توفيتني} بالرفع إلى السماء، أي: توفيت أجلي من الأرض. والتوفي أخذ الشيء وافيًا، فلما رفعتني إلى السماء {كنت أنت الرقيب عليهم} أي: المراقب لأحوالهم {وأنت على كل شيء شهيد}: مطّلع عليه مراقب له. {إن تعذبهم فأنهم عبادك} وأنت مالك لهم، ولا اعتراض على المالك في ملكه، وفيه تنبيه على أنهم استحقوا العذاب، أي: لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك، {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}، فلا عجز ولا استقباح، فإنك القادر والقوي على الثواب والعقاب بلا سبب، ولا تُعاقب إلا عن حكمة وصواب، فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل، وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد، فلا امتناع فيه لذاته ليمتنع الترديد والتعليق بإن. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: فيه سؤالان: الأول: كيف قال: {وإن تغفر لهم} وهم كفار، والكفار لا يغفر لهم؟ فالجواب: أن المعنى تسليم الأمر إلى الله، وإنه إن عذب أو غفر فلا اعتراض عليه؛ لأن الخلق عباده، والمالك يفعل ما يشاء، ولا يلزم من هذا وقوع المغفرة للكفار، وإنما يقتضي جوازها في حكمة الله وعزته، وفَرقٌ بين الجواز والوقوع، وأما على قول من قال: إن هذا الخطاب وقع لعيسى عليه السلام حين رفعه الله إلى السماء فلا إشكال، لأن المعنى: إن لم تغفر بهم التوبة، وكانوا حينئذٍ أحياء، وكل حيّ مُعرض للتوبة. السؤال الثاني: ما مناسبة قوله: {العزيز الحكيم} لقوله: {وإن تغفر لهم}، والأليق إن قال: فإنك أنت الغفور الرحيم؟ فالجواب: أنه لما قصد التسليم له والتعظيم، كان قوله: {فإنك أنت العزيز الحكيم} أليق، فإن الحكمة تقتضي التسليم، والعزة تقتضي التعظيم، فإن العزيز هو الذي يفعل ما يريد، ولا يغلبه غيره، ولا يمتنع عليه شيء أراده، فاقتضى الكلام تفويض الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدمها؛ لأنه قادر على كلا الأمرين لعزته، وأيهما فعل فهو جميل لحكمته. وقال أبو جعفر بن الزبير: إنما لم يقل الغفور الرحيم؛ لئلا يكون شفيعًا لهم بطلب المغفرة، فاقتصر على التسليم والتفويض، دون الطلب، إذ لا نصيب في المغفرة للكفار. انظر بقية كلامه. قال التفتازاني: ذكر المغفرة، يوُهم أن الفاصلة: {الغفور الرحيم}، لكن يُعرف بعد التأمل أن الواجب هو العزيز الحكيم؛ لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه، وهو العزيز، أي: الغالب، ثم وجب أن يوصف بالحكمة على سبيل الاحتراس؛ لئلا يتوهم أنه خارج عن الحكمة. هـ. قال الله تعالى: {هذا} أي: يوم القيامة {يوم ينفع الصادقين صدقهم} أي: هنا ينتفع الصادقون في الدنيا بصدقهم، ويفتضح الكاذبون على الله بكذبهم. والمراد بالصادقين؛ أهل التوحيد، الذين نزهوا الله تعالى عما لا يليق بجلاله وجماله، فصدقوا فيما وصفوا به ربهم. ثم ذكر ما وعدهم به، فقال: {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه} حيث رضوا بأحكامه القهرية والتكليفية، {ذلك الفوز العظيم لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير}، وهذا تنبيه على تكذيب النصارى، وفساد دعواهم في المسيح وأمه، وإنما لم يقل: ومن فيهن، تغليبًا لغير العقلاء، وإنما غلبَ غير أولى العقل للإعلام بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية، وإهانة لهم وتنبيهًا على أنهم جنس واحد، فمن يعقل منهم لقصور عقله ونظره كمن لا يعقل، فيبعد استحقاقهم للألوهية التي تنبىء عن تمام الحكمة وإحاطة العلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من صَدّر نفسه للشيخوخة من غير إذن، وأشار إلى تعظيمه بلسان الحال أو المقال يَلحَقُهُ العتاب يوم القيامة فيقال له: أأنت قلت للناس عظموني من دون الله؟ فإن كان مقصوده بالأمر بالتعظيم الوصول إلى تعظيم الحق تعالى، والأدب معه في الحضرة دون الوقوف مع الواسطة، وبذل جهده في توصيل المريدين إلى هذا المقام، يقول: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إلى تمام ما قال السيد عيسى عليه السلام، فيقال له: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم}. وإن كان مقصوده بالتصدّر للتعظيم والآمر به، حظ نفسه، وفَرَح بتربية جاهه والإقبال عليه، افتضح وأُهين بما افتضح به الكاذبون المدعون. نسأل الله تعالى الحفظ والرعاية بمنِّه وكرمه، وسيدنا محمد رسوله ونبيّه ـ صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم ـ.
الطوسي
تفسير : قوله {وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات} أي اذكر ويحتمل ثلاثة أوجه: أولها - أن يكون معطوفاً على ما قبله، كأنه قال {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} ثم قال: وذلك اذ يقول يا عيسى اذكر نعمتي واذ يقول له أأنت قلت للناس. الثاني - قال البلخي: يمكن أن يكون لما رفع الله عيسى اليه قال له ذلك، فيكون المقال ماضيا. والثالث - ذكره أيضا البلخي أن (إِذ) استعملت بمعنى (إِذا) فيصح حينئذ أن يكون القول من الله يوم القيامة، ومثله {أية : ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت}تفسير : كأنه قال اذ يفزعون، وقال {أية : ولو ترى إذ الظالمون موقوفون} تفسير : كأنه قال اذا وقفوا لان هذا لم يقع بعد، وقال أبو النجم: شعر : ثم جزاه الله عنا اذ جزا جنات عدن في العلاليِّ العلا تفسير : والمعنى اذا جرى، وقال الاسود (أعشى بني نهشل) شعر : فالآن اذ هازلتهن قائما يقلن ألا لم يذهب المرء مذهبا تفسير : وقال أوس: شعر : الحافظ الناس في تحوط اذا لم يرسلوا تحت مائذ ربعا وهبت الشامل البليل واذ بات كميع الفتاة ملتفعا تفسير : يقال (إذا) و (إذ) بمعنى واحد، وقال بعض أهل اليمن: شعر : وندمان يزيد الكأس طيبا سقيت اذا تغورت النجوم تفسير : فقال (إذا) والمعنى (إذ) لانه انما يخبر عما مضى. وقال أبو عبيدة (إذ) صلة. والمعنى قال الله: يا عيسى. وقد بينا فساد هذا القول فيما مضى فأما لفظ {قال} في معنى يقول فمستعمل كثيراً وان كان مجازاً، قال الله تعالى {أية : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار}تفسير : والمراد ينادي. وقد استعمل المستقبل بمعنى الماضي، قال زياد الاعجم في المغيرة بن المهلب يرثيه بعد موته: شعر : فاذا مررت بقبره فانحر به خوص الركاب وكل طرف سابح وانضج جوانب قبره بدمائها فلقد يكون أخادم وذبائح تفسير : فقال (يكون) ومعناه (كان) لدلالة الكلام عليه، لانه في مرثية له بعد موته. وقوله {يا عيسى بن مريم} يحتمل عيسى أن يكون منصوبا مثل ما تقول: يا زيد بن عبد الله، وهو الاكثر في كلام العرب. وانما يجوز ذلك اذا وقع الابن بين علمين، فأما اذا قلت يا زيد ابن الرجل لم يجز في زيد إِلا الضم. ويحتمل أن يكون عيسى في موضع الضم ويكون نداء {ابن} كأنه قال يا عيسى يا ابن مريم. وقوله {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إِلهين من دون الله} تقريع في صورة الاستفهام والمراد بذلك تقريع وتهديد من ادعى ذلك، لأنه تعالى كان عالما بذلك هل كان أو لم يكن. ويحتمل وجهاً آخر - ذكره البلخي ان الله تعالى أراد أن يعلم عيسى أن قومه اعتقدوا فيه وفي أمه أنهما إِلهان كما أن الواحد منا اذا أرسل رسولا الى قوم أن يفعلوا فعلا فأدى الرسالة وانصرف فخالفوا ذلك وعلم المرسل ولم يعلم الرسول جاز أن يقول المرسل للرسول: أأنت أمرتهم بذلك؟ وغرضه أن يعلمه أنهم خالفوه. وانما قال {إِلهين} تغليباً للذكر على الانثى. والغرض بالكلام أن النصارى يعتقدون في المسيح أنه صادق لا يكذب وأنه الذي أمرهم بأن يتخذوه وأمه إِلهين، فاذا كذبهم الصادق عندهم الذي ينسبون الامر به اليه كان ذلك آكد في الحجة عليهم وأبلغ في التوبيخ لهم والتوبيخ ضرب من العقوبة. وقيل في قوله تعالى {إلهين} ثلاجة أوجه: أحدها - أنهم لما عظموهما تعظيم الآلهة أطلق ذلك عليهما كما قال {أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}تفسير : وانما أراد تقريعهم على معصيتهم. والثاني - انهم جعلوه إِلها وجعلوا مريم والدة له ميزوها من جميع البشر تمييزاً شابهت الالهية وأطلق ذلك، لانه مستخرج من قصدهم. وان لم يكن صريح ألفاظهم، على طريقة الالزام لهم. الثالث - انهم لما سمُّوه إِلها وعظموها هي، وكانا مجتمعين سماهما إِلهين على طريقة العرب كقولهم: القمران للشمس والقمر، والعمران لابي بكر وعمر قال الشاعر: شعر : جزاني الزهدمان جزاء سوء وكنت المرء يجزى بالكرامة تفسير : يريد زهدماً وقيساً ابني حزن القيسين، وهذا كثير، وذكر لي بعض النصارى الذي قرأ كتب النصارى عن جاثليق لهم لم يكن في زمانة مثله: أنه سأله عن هذا فقال: كنت شاكا في ذلك الى أن قرأت في كتاب ذكره أن فيما مضى كان قوم يقال لهم المريمية كانوا يعتقدون في مريم أنها آلهة، فعلى هذا القول أقرب. وورد كما قلناه في الحكاية عن اليهود أنهم قالوا: عزير ابن الله. وقد ذكرناه في سورة التوبة. وقوله {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} معناه أنزهك أن يكون معك الهة وأن يكون للأشياء إِله غيرك، واعترف بأنه لم يكن لي أن أقول هذا القول. وقوله {إِن كنت قلته فقد علمته} أي لم أقله لاني لو كنت قلته لما خفي عليك إِذ كنت علام الغيوب. وقوله {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} أي تعلم غيبي ولا أعلم غيبك، لان ما في نفس عيسى وما في قلبه هو ما يغيبه عن الخلق، وانما يعلمه الله، وسمي ما يختص الله بعلمه بأنه في نفسه على طريق الازدواج في الكلام كما قال {أية : ومكروا ومكر الله} {أية : الله يستهزىء بهم} {أية : يخادعون الله وهو خادعهم} {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها} {أية : وإن عاقبتم فعاقبوا}تفسير : وكل ذلك وجه ازدواج الكلام، ويقوى هذا التأويل قوله {إِنك أنت علام الغيوب} لانه علل أنه انما يعلم ما في نفس عيسى، لانه علام الغيوب، وعيسى ليس كذلك، فلذلك لم يعلم ما يختص الله بعلمه. والنفس في اللغة على ضروب: أحدها - نفس الانسان التي بها حياته، يقولون خرجت نفسه أي روحه وفي نفسى أن افعل أي في روعي. وثانيها أن نفس الشيء ذات الشيء يقولون: قتل فلان نفسه أي ذاته، وعلى هذا حمل قوله {أية : ويحذركم الله نفسه}تفسير : أي ذاته وقيل عذابه. والنفس الهم بالشىء كما يحكى أن سائلا سأل الحسن فقال: ان لي نفسين احداهما تقول لي حج، والآخر تزوج، فقال الحسن: النفس واحدة وانما لك همان همُّ بكذا وهم بكذا والنفس الأنفة كقولهم: ليس لفلان نفس أي لا أنفة له، والنفس الارادة يقولون نفس فلان في كذا أي ارادته قال الشاعر: شعر : فنفساي نفس قالت ائت ابن بحدل تجد فرجا من كل غمى تهابها ونفس تقول أجهد نجاءك ولا تكن كخاضبة لم يغن عنها خضابها تفسير : والنفس أيضاً العين التي تصيب الانسان يقال أصابت فلانا نفس أي عين ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم) في رقيا "حديث : بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل عاهة فيك من كل عين عاين ونفس نافس وحسد حاسد"تفسير : وقال عبيد الله بن قيس الرقيات: شعر : تنقي نفسها النفوس عليها فعلى نحرها الرقى والتميم تفسير : وقال ابن الاعرابي: النفوس التي تصيب الناس بالنفس، والنفس أيضاً من الدباغ مقدار الدبغة.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ} اتى بالماضى لتحقّق وقوعه او لانّه كان بالنّسبة الى الرّسول المخاطب ماضياً بحسب المقام {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ} الخطاب لعيسى (ع) والمقصود تقريع امّته وتبكيتهم والمنظور التّعريض بامّة محمّد (ص) الّذين قالوا بآلهيّة الائمّة {مِن دُونِ ٱللَّهِ} والسّرّ فى هذا التّقييد فى كثيرٍ من امثال هذه الآية انّ جعل الخلفاء مظاهر الهيّته وآلهة بآلهيّته كما ورد عنهم فى قوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} تفسير : [الزخرف:84] انّه كناية عن تسلّط خلفائه لا ضير فيه ولا عقاب على قائليه وجعلهم او غيرهم آلهةً مقابلة لله ومغايرة له كفر باعث للعتاب على قائليه {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ} ما ينبغى لى والتّعبير بالمضارع للاشارة الى انّه بعد كونه على اشرف الاحوال لا يليق بحاله التّفوّة بمثل هذا المقال فكيف قال وهو فى اخسّ الاحوال، كأنّه قال لا يليق بحالى واقرارى بعبوديّتك والخلوص فى طاعتك فى هذه الحالة {أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} فكيف قلته فى اخسّ الاحوال {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} لانّك {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} هو من باب المشاكلة او المعنى ما فى ذاتك او هذه الكلمة كناية عمّا يخفى الانسان عن الغير من غير ملاحظة نفس وروح {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تعليل للجملتين بمنطوقه ومفهومه.
الأعقم
تفسير : {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} قيل: هذا السؤال يكون في القيامة، وقيل: حين رفعه الله تعالى إلى السماء، فإن قيل: فما وجه سؤال الله تعالى عيسى (عليه السلام) مع علمه أنه لم يقل ذلك؟ فالجواب عنه: إن هذا توبيخ لقوم عيسى (عليه السلام) وتحذير لهم عن هذه المقالة ونهياً له، وإعلاماً بذلك فأعلمه بصنع قومه على جهة التحذير له والتوبيخ لهم، ثم قال عيسى (عليه السلام) مجيباً له: {سبحانك} تنزيهاً وتعظيماً من أن يكون لك شريك {ما يكون لي} ما ينبغي لي {أن أقول ما ليس لي بحق} قولاً لا يكون لي أن أقول به، قوله تعالى: {إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي} أي في قلبي والمعنى تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، ولكنه سلك في الكلام طريق المشاكلة {علاَّم الغيوب} ما كان وما يكون {أن اعبدوا الله ربي وربكم} وحِّدوه وأطيعوه ولا تشركوا به شيئاً {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} أي قمت فيهم، قال جار الله: شهيداً رقيباً كالشاهد على المشهود عليه امنعهم من أن يقولوا ذلك {فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} أي الحفيظ تمنعهم من القول بما نصبت لهم من الأدلة، وأنزلت عليهم من البينات، وأرسلت اليهم من الرسل، قال الحسن: الوفاة في القرآن على ثلاثة أوجه: وفاة الموت وذلك قول الله {أية : يتوفى الأنفس حين موتها} تفسير : [الزمر: 42] يعني وقت انقضاء أجلها، ووفاة النوم قال تعالى: {أية : وهو الذي يتوفاكم بالليل}تفسير : [الأنعام: 60]، ووفاة الرفع، قال تعالى: {أية : يا عيسى إني متوفيك ورافعك}تفسير : [آل عمران: 55]، قوله تعالى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك} الذي عرفتهم عاصيين جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز} القوي القادر على الثواب والعقاب {الحكيم} الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب، قال جار الله: فإن قلتَ: المغفرة لا تكون للكافرين، فكيف تقول وأن تغفر لهم؟ قلتُ: ما قال إنك تغفر لهم ولكنه بنى الكلام على أن غفرت فقال: ان تعذبهم عدلت لأنهم أحقاء بالعذاب وإن غفرت لهم لم تُعدم في المغفرة من وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول، بل متى كان المجرم أعظم جرماً كان العفو عنه أحسن، قوله: {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} يعني النبيين، وقيل: ينفع المؤمنين إيمانهم، وقيل: ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا والآخرة، قال جار الله: فإن قلتَ: ما معنى قوله: {ينفع الصادقين صدقهم} ان أريد صدقهم في الآخرة فليست الآخرة بدار عمل وان أريد صدقهم في الدنيا فليس بمطابق لما أورد فيه لأنه في معنى الشهادة لعيسى (عليه السلام) بما يصدق فيما يجيب به يوم القيامة؟ قلتُ: معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم، وعن قتادة متكلمان يتكلمان يوم القيامة أما إبليس فيقول: ان الله وعدكم وعد الحق فصدق يومئذ وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه صدقه، وأما عيسى (عليه السلام) فكان صادقاً في الحياة وبعد الممات فينفعه صدقه (عليه السلام).
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ إِتَّخِذُونِى وَأُمِّى إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ}: هذا يوم القيامة، لتحقق الوقوع بعد كان اللفظ بصيغة الماضى، كأنه قال ومضى القول، أو استعمل صيغة الماضى فى الاستقبال مجازاً، وذلك قول الجمهور، أنه يوم القيامة وقال السدى: قال الله هذا يوم رفع عيسى الى السماء، وبعد رفعه قال قومه ذلك، والصحيح الأول. والاستفهام توبيخ لقومه وتقرير له ليقر فيفتضحوا، وانما قال: {وَأُمِّى} لأن من النصارى من قال: ان أمه اله كما مر، ولأن أم الانسان أقرب الى الانسان فى ماله {مِن دُونِ اللهِ} متعلق باتخذونى، أو نعت لالهين، ومعنى دون المغايرة فيكون تلويحاً الى أن عبادة الله مع غيره كلا عبادة، فعبادتهم عيسى وأمه تذهبان بعبادة الله جل وعلا، كأنه عبدوهما ولم يعبدوه، فان من أثبت الألوهية لغير الله تعالى فقد نفاها عن الله تعالى، ولو أثبتها له مع غيره، لأن الألوهية لا تتعدد، والألوهية المتعددة ليست ألوهية لله تعالى، أو معناه القصور فيكون تلويحاً الى أن عبادتهما ليست بالذات، انما هى ليتوصل بها الى عبادة الله سبحانه وتعالى، ويجوز أن يتعلق بمحذوف حال من واو {إِتَّخِذُونِى} أى اتخذونى وأمى الاهين ثابتين من دون الله أى متجاوزين عن ألوهية الله ومعبوديته، أو حال من ياء اتخذونى ومن أمى. {قَالَ}: عيسى. {سُبْحَانَكَ}: أنزهك تنزيهاً عن أن يكون لك شريك فى الألوهية أو غيرها، وعن كل نقص، واذا سمع عيسى عليه السلام ذلك الخطاب ارتعدت مفاصله، وانفجرت من تحت كل شعرة منه عين من دم وقال سبحانك. {مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍ}: أى ما لا يحق لى أن أقوله، ولى متعلق بليس على جواز التعليق بكان وأخواتها، أو بمحذوف حال من حق ولو نكرة لتقدم الحال، ولتقدم النفى ولو جر، لأن هذا الجار صلة للتأكيد. {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ}: تعلم كل شىء لا يخفى عنك شىء، وهذا أدب عظيم اذ أسند العلم اليه تعالى، وهو أقوى له حجة، اذ جعل علم الله كافياً عن جوابه، ولم يقل كما أن قوله: {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍ} اذ لم يقل ما قلت ذلك، ولكنه نزهه تعالى عن أن يقول فيه ذلك. {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ}: تعلم ما أخفيه فى نفسى، أو ما فى ذاتى داخلا، كما تعلم ما أظهره وما ظهر من بدنى، ولا أعلم ما فى غيب معلوماتك، فسمى غيب معلوماته نفساً للمشاكلة لقوله: {مَا فِى نَفْسِى} وقيل: المعنى تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسى، وأضاف نفسه للكاف وهو ضمير لله، لأنها ملك لله تعالى، وهو خالقها. قال أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبى ستة، وهذا لعمرى سائغ لأن المدار على نفس الانسان انتهى، ولا يجوز أن يقال ما فى نفسك ما فى ذاتك، لأن الله تعالى لا يكون ظرفاً لغيره، ولا تثبيت الكلام النفسى، ولا نقول صفاته غيره حالة الا أن يقال: المعنى تعلم ما فى نفسى ولا أعلم نفسك، أى ذاتك أو لا أعلم حقيقة أمرك، قال الزجاج: تعلم حقيقة أمرى ولا أعلم حقيقة أمرك، فجىء بما، وفى تجوز كقوله تعالى: {أية : لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة}تفسير : فى أحد أوجه، وقد يقال: المعنى ولا أعلم ما فى نفسك، أى ما فى علمك، وقيل: معناه تعلم ما كان منى فى دار الدنيا، ولا أعلم ما يكون منك فى دار الآخرة. {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ}: كلها نفى عيسى عن نفسه أن يقول اتخذونى وأمى الهين من دون الله بتسعة طرق كلها أدبية: بقوله {سُبْحَانَكَ} وبقوله: {مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍ} وبقوله: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} وبقوله: {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ} وبقوله: {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ} وبقوله: {أية : ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به أن اعبدوا الله ربى وربكم }تفسير : وبقوله: {أية : وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم }تفسير : وبقوله: {أية : وأنت على كل شىء شهيد }تفسير : وبقوله: {أية : ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم }. تفسير : وقوله: {انك أنت علام الغيوب} مؤكد لقوله تعالى: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} وقوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ} بلفظيه، لأن لفظه علم الغيب ومفهومه، لأن مفهوم التخصيص والحصر فى {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ} أن غيرك لا يعلمها، والتخصيص بانت والحصر بتعريف اسم ان وخبرها، لأن علام ولو كان وصفاً لكنه للاستمرار، فباعتبار علمه فيما مضى يحصل التعريف، ألا ترى أنه فى معنى علمت الغيوب علماً عظيماً فيما مضى وفى الحال، وفى الاستقبال، وانها غلبت الماضى لأن علمه الأزلى لا يتغير.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ قَالَ} أَى يقول والماضى للتحقق كأَنه وقع، والعطف على إِذ قال الحواريون، وقيل: قال ذلك حين رفع إِلى السماء {اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلَّناسِ اتَّخِذُونِى وَأُمِّى} لم يقل ومريم ليوبخهم أَيضاً بأَنهم جعلوا من هو مولود ومن هى والدة إِلهين مع أَن الإِله لا يلد ولا يولد {إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ} لما نزلت الآية أَنكر النصارى القول بأَن مريم إِله خجلا، أَو كان قوم منهم قبلهم يقولون ذلك ولم يدروا بهم، كما حكى بعض الشيعة عن بعض النصارى أَى طائفة منهم فيما مضى تسمى المريمية يعتقدون أُلوهيتها، كما أَن فى أَسلاف اليهود قوماً يقولون عزير ابن الله تعالى، وذلك أَولى من أَن يقال عظموها تعظيم الله سبحانه فكأَنهم جعلوها إِلهاً كقوله تعالى "أية : اتخذوا أَحبارهم" تفسير : [التوبة: 31] إِلخ، وأَولى من أَن يقال لما جعلوا عيسى إِلها لزم أَن أمه إِله لأَن الولد من جنس من ولده توبيخ للنصارى بإِقرار عيسى ومريم بعبوديتها لله عز وجل، وبكذبهم على قولهم بألوهية عيسى وأمه عليهما السلام وأَن عيسى قائل لهم اتخذوني إِلخ، ولهذا قال أَأَنت قلت ولم يقل أَقلت، ولا يصح ما قيل أَنه لو قال أَقلت لكان المستفهم عنه وقوع الاتخاذ وهو معلوم الوقوع لا يستفهم عنه، لأَنا نقول المستفهم عنه القول لا الاتخاذ، ومعنى الاتخاذ من دون الله استلها مهما بالله توصلا بهما إِليه تعالى كقول عبدة الأصنام: تقربنا إِلى الله زلفى، ويقال لم ينف الله نصرانى بل يعبدون الله وإياهم، قالوا لعنهم الله: الله كالشمس وهم كشعاعها، ومن فعل ذلك لم يكن عابداً إِلا لغير الله لأَن الله أَغنى الشركاء عن الشركة، أَو معنى الاتخاذ من دون الله الاقتصار على عبادتها ولو عبدوه أَيضاً لبطلان عبادته بالشركة، والأُلوهية لا تتعدد ولا تتجزأ، ولو كان معتقدهم اجتماع عبادته وعبادتهما أَو أنهما الإِلهان لا الله حتى قالوا أَنه هو خالق معجزاته لا الله، ولا قائل الآن من النصارى أَن عيسى وأُمه خلقا تلك المعجزات {قَالَ} مرتعدا مقشعرا منفجرة من أَصل كل شعرة عين دم {سُبْحَانَكَ} أَسبحك عن الإِنكار والشركة وصفات الخلق، وقدر بعض سبحانك أَن أَقول ذلك أَو يقال، وبعض سبحانك أَن يكون لك شريك فضلا عن أَن تنفى الأُلوهة عنك وتثبت لغيرك، وبعض سبحانك أَن تبعث رسولا يدعى الأُلوهة لنفسه أَو غيره ويدعو إِليها ويكفر نعمتك {مَا يَكُونُ} لا يليق ولا يثبت {لِى أَنْ أَقْولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ} من إِثبات الأُلوهية لى ولأَمى والأَمر باتخاذها لغيرك، وحق خبر ليس ولى متعلق بليس أَو بحق أَو حال منه أَو بيان، أَى أَعنى لى أَو الخبر لى فتكون الباء غير صلة بل تعلق بلى أَو باستقراره، أَو حال من ضمير الاستقرار، ولا إِشكال في نصب القول المفرد الذى معناه جملة فإِن ما فى الآية بمعنى اتخذونى وأُمى إِلهين من دون الله، كما تقول قال شعراً، وإِنما يؤول بالذكر لو نصب مفردا ليس في معنى الجملة نحو قلت الله، أَى ذكرت هذا اللفظ {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} صح الماضى المتصرف خبَراً لكان لأَنه فى مقام الشرط والشرط أَبداً مستقبل كالجواب وهو هنا كذلك لأَن المعنى إِن صح أَنى قلته والصحة منتظرة الوقوع، وفى معناه قول الفارسى إِن المعنى إِن كنت الآن قد قلته فيما مضى لأَن كونه الآن متصفاً بأَنه قاله فى الماضى منتظراً لصحته، وكذا علمته أَى فقد تبين الآن علمكه، فكان كغيرها للاستقبال بعد أَداة الشرط، والآية من انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم فإِن كون عيسى قائلا بذلك يستلزم علم الله تعالى بكونه قال، فإِذا انتفى علم الله به فهو لم يكن {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى} أَجاز بعض كون العلم بمعنى المعرفة ولم يشرط للمعرفة تقدم الجهل فله مفعول واحد، ومن شرط ذلك قدر تعلم ما فى نفسى ثابتاً، والنفس الذات أَو القلب {وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ} ما فى معلوماتك التى لم تطلعنا عليها أَو ما عندك، وعبر بالنفس للمشاكلة لأَنه جل وعلا لا يتصف بالقلب، وكذا لا يقال لا أَعلم ما فى ذاتك لأَنه تعالى لا يكون ظرفاً، وإِن فسرنا النفس بالذات فالمشاكلة بلفظ فى نفسى جناس، ومن هذا المعنى "أية : كتب ربكم على نفسه الرحمة" تفسير : [الأنعام: 54] "أية : واصطنعتك لنفسى" تفسير : [طه: 41] "أية : ويحذركم الله نفسه" تفسير : [آل عمران: 28، 30] وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَقسم ربى على نفسه أَن لا يشرب عبد خمراً ولم يتب إِلى الله تعالى منه إِلا سقاه من طينة الخبال"تفسير : ، وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليس أَحد أَحب إِليه المدح من الله عز وجل، ولذلك مدح نفسه"تفسير : ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سبحان الله عدد خلقه ورضا نفسه"تفسير : ، أَو نفسك بمعنى غيبك وأَجيز أَن النفس الثانية نفس عيسى أَيضاً أضافها إِلى الله تعالى لأَنه سبحانه خالقها ومالكها {إِنَّكَ أَنْتَ} لا أَنا ولا غيرى {عَلاَّمُ الغُيُوبِ} تقرير بمنطوقه لقوله: تعلم ما فى نفسى، وتقرير بمفهومه لقوله: لا أَعلم ما فى نفسك.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } عطف على { أية : إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } تفسير : [المائدة: 112] منصوب بما نصبه من الفعل المضمر أو بمضمر مستقل معطوف على ذلك. وصيغة الماضي لما مضى. والمراد يقول له عليه الصلاة والسلام: {ءأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} يوم القيامة توبيخاً للكفرة وتبكيتاً لهم باقراره عليه الصلاة والسلام على رؤوس الأشهاد بالعبودية وأمرهم بعبادته عز وجل. وقيل: قاله سبحانه له عليه الصلاة والسلام في الدنيا وكان ذلك بعد الغروب فصلى عليه الصلاة والسلام المغرب ثلاث ركعات شكراً لله تعالى حين خاطبه بذلك، وكان الأولى: لنفي الألوهية عن نفسه. والثانية: لنفيها عن أمه. والثالثة: لإثباتها لله عز وجل. فهو عليه الصلاة والسلام أول من صلى المغرب ولا يخفى أن ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الآيات يأبى ذلك ولا يصح أيضاً خبر فيه. ثم إنه ليس مدار أصل الكلام عند بعض المحققين أن القول متيقن والاستفهام لتعيين القائل كما هو المتبادر من إيلاء الهمزة المبتدأ على الاستعمال المشهور وعليه قوله تعالى: { أية : أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا } تفسير : [الأنبياء: 62] ونحوه بل على أن المتيقن هو الاتخاذ. والاستفهام لتعيين أنه بأمره عليه الصلاة والسلام أو أمر من تلقاء أنفسهم كما في قوله تعالى: { أية : أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ } تفسير : [الفرقان: 17] وقال بعض: لما كان القول قد وقع من رؤسائهم في الضلال كان مقرراً كالاتخاذ فالاستفهام لتعيين / من صدر منه فلذا قدم المسند إليه، وقيل: التقديم لتقوية النسبة لأنها بعيدة عن القبول بحيث لا تتوجه نفس السامع إلى أن المقصود ظاهرها حتى يجيب على طبقه فاحتاجت إلى التقوية حتى يتوجه إليها المستفهم عنها، وفيه كمال توبيخ الكفرة بنسبة هذا القول إليه. وفي قوله: {ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ } دون واتخذوني ومريم توبيخ على توبيخ كأنه قيل: أأنت قلت ما قلت مع كونك مولوداً وأمك والدة والإلٰه لا يلد ولا يولد. وأنت تعلم أن في ندائه عليه الصلاة والسلام على الكيفية المذكورة إشارة إلى إبطال ذلك الاتخاذ. ولام {لِلنَّاسِ} للتبليغ، والاتخاذ إما متعد لاثنين فالياء مفعوله الأول و {إِلـٰهَيْنِ} مفعوله الثاني وإما متعد لواحد فإلٰهين حال من المفعول و {مِن دُونِ ٱللَّهِ} حال من فاعل الاتخاذ أي متجاوزين الله تعالى أو صفة لإلهين أي كائنين من دون الله تعالى أي غيره منضماً إليه سبحانه فالله تعالى إلٰه وهما بزعم الكفرة إلٰهان فالمراد اتخاذهما بطريق اشتراكهما معه عز وجل. وهذا كما في قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } إلى قوله سبحانه: { أية : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تفسير : [يونس: 18] وأيد ذلك بأن التوبيخ والتبكيت إنما يتأتى بذلك. وقال الراغب: إن ظاهر ذلك القول استقلالهما عليهما الصلاة والسلام بالألوهية وعدم اتخاذ الله سبحانه وتعالى معهما إلٱهاً ولا بد من تأويل ذلك لأن القوم ثلثوا والعياذ بالله تعالى فإما أن يقال: إن من أشرك مع الله سبحانه غيره فقد نفاه معنى لأنه جل شأنه وحده لا شريك له ويكون إقراره بالله تعالى كلا إقرار. وحينئذٍ يكون {مِن دُونِ ٱللَّهِ } مجازاً عن مع الله تعالى أو يقال: إن المراد بمن دون الله التوسط بينهما وبينه عز شأنه فيكون الدون إشارة لقصور مرتبتهما عن مرتبته جل جلاله لأنهم قالوا: هو عز اسمه كالشمس وهما كشعاعها. وزعم بعضهم أن المراد اتخاذهما بطريق الاستقلال، ووجهه أن النصارى يعتقدون أن المعجزات التي ظهرت على يدي عيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام لم يخلقها الله تعالى بل هما خلقاها فصح أنهم اتخذوهما في حق بعض الأشياء إلهين مستقلين ولم يتخذوه إلٰهاً في حق ذلك البعض، ولا يخفى أن الأول كالمتعين وإليه أشار العلامة ونص على اختياره شيخ الإسلام. واستشكلت الآية بأنه لا يعلم أن أحداً من النصارى اتخذ مريم عليها السلام إلٰهاً. وأجيب عنه بأجوبة. الأول: أنهم لما جعلوا عيسى عليه الصلاة والسلام إلهاً لزمهم أن يجعلوا والدته أيضاً كذلك لأن الولد من جنس من يلده فذكر {إِلـٰهَيْنِ } على طريق الإلزام لهم. والثاني: أنهم لما عظموها تعظيم الإلٰه أطلق عليها اسم الإلٰه كما أطلق اسم الرب على الأحبار والرهبان في قوله تعالى: { أية : ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 31] لما أنهم عظموهم تعظيم الرب. والتثنية حينئذٍ على حد ـ القلم أحد اللسانين ـ. والثالث: أنه يحتمل أن يكون فيهم من قال بذلك. ويعضد هذا القول ما حكاه أبو جعفر الإمامي عن بعض النصارى أنه قد كان فيما مضى قوم يقال لهم: المريمية يعتقدون في مريم أنها إلٰه. وهذا كما كان في اليهود قوم يعتقدون أن عزيراً ابن الله عز اسمه وهو أولى الأوجه عندي. وما قرره الزاعم من أن النصارى يعتقدون الخ غير مسلم في نصارى زماننا ولم ينقله أحد ممن يوثق به عنهم أصلاً. وإظهار الاسم الجليل لكونه في حيز القول المسند إلى عيسى عليه الصلاة والسلام. {قَالَ } استئناف مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام وهو ظاهر. وفي بعض الآثار أنه عليه الصلاة / والسلام حين يقول له الرب عز وجل ما يقول ترتعد مفاصله وينفجر من أصل كل شعرة من جسده عين من دم خيفة من ربه جلت عظمته، وفي بعضها أنه عليه الصلاة والسلام يرتعد خوفاً ولا يفتح له باب الجواب خمسمائة عام ثم يلهمه الله تعالى الجواب بعد فيقول: {سُبْحَـٰنَكَ } أي تنزيهاً لك من أن أقول ذلك أو يقال في حقك كما قدره ابن عطية، وقدره بعضهم من أن يكون لك شريك فضلاً من أن يتخذ إلهان دونك، وآخرون من أن تبعث رسولاً يدعى ألوهية غيرك ويدعو إليها ويكفر بنعمتك، والأول أوفق بسياق النظم الكريم. وسبحان على سائر التقادير ـ على أحد الأقوال فيه وقد تقدمت ـ علم للتسبيح وانتصابه على المصدرية ولا يكاد يذكر ناصبه. وفيه من المبالغة في التنزيه من حيث الاشتقاق من السبح وهو الإبعاد في الأرض والذهاب، ومن جهة النقل إلى صيغة التفعيل والعدول عن المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة المشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن وإقامته مقام المصدر مع الفعل ما لا يخفى. وقوله سبحانه: {مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ } استئناف مقرر للتنزيه ومبين للمنزه عنه. وما الثانية سواء كانت موصولة أو نكرة موصوفة مفعول {أقول} والمراد بها على التقديرين القول المذكور أو ما يعمه وغيره ويدخل فيه القول المذكور دخولاً أولياً، ونصب القول للمفردات نحو الجملة والكلام والشعر مما لا شك في صحته كنصبه الجمل الصريحة فلا حاجة إلى تفسير أقول بأذكر كما يتوهم. واسم {لَّيْسَ } ضمير عائد إلى ما و {بِحَقّ } خبره، والجار والمجرور فيما بينهما للتبيين فيتعلق بمحذوف كما في سقياً لك. وإيثار ليس على الفعل المنفي على ما يحق لي لظهور دلالته على استمرار انتفاء الحقية وإفادة التأكيد بما في حيزه من الباء المطرد زيادتها في خبر {لَّيْسَ }. ومعنى {مَا يَكُونُ لِى } أي لا ينبغي ولا يليق وهو أبلغ من لم أقله فلذا أوثر عليه: والمراد لا ينبغي أن أقول قولاً لا يحق لي قوله أصلاً في وقت من الأوقات، وجوز أبو البقاء أن يكون {لِى } خبر (ليس) و {بِحَقّ } في موضع الحال من الضمير في الجار والعامل فيه ما فيه من معنى الاستقرار. وأن يكون متعلقاً بفعل محذوف على أنه مفعول له والباء للسببية أي ما ليس يثبت لي بسبب حق. وأن يكون خبر (ليس) و {لِي } صفة (حق) قدم عليه فصار حالاً، وهذا مخرج على رأي من أجاز تقديم حال المجرور عليه، وقيل: إن {لِي } متعلق بحق وهو الخبر. وهو أيضاً مبني على قول بعض النحاة المجوز تقديم صلة المجرور على الجار. والجمهور على عدم الجواز ولا فرق عندهم في المنع بين أن يكون الجار زائداً أو غيره. وقوله عز وجل: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } استدلال على براءته من صدور القول المذكور عنه فإن صدوره عنه مستلزم لعلمه به تعالى قطعاً والعلم به منتف فينتفي الصدور ضرورة أن انتفاء اللازم مستلزم لانتفاء الملزوم. واستشكلت هذه الجملة بأن المعنى على المضي هنا وإن تقلب الماضي مستقبلاً. وأجاب عن ذلك المبرد بأن كان قوية الدلالة على المضي حتى قيل إنها موضوعة له فقط دون الحدث وجعلوه وجهاً لكونها ناقصة فلا تقدر (إن) على تحويلها إلى الاستقبال. وأجاب ابن السراج بأن التقدير إن أقل كنت قلته الخ وكذا يقال فيما كان من أمثال ذلك، وقد نقل ذلك عثمان بن يعيش وضعفه ابن هشام في «تذكرته»، والجمهور على أن المعنى إن صح قولي ودعواي ذلك فقد تبين علمك به. {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى } استئناف جار مجرى التعليل لما قبله فقوله جل شأنه: {وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } بيان / للواقع وإظهار لقصوره عليه السلام، وللنفس في كلامهم إطلاقات فتطلق على ذات الشيء وحقيقته وعلى الروح وعلى القلب وعلى الدم وعلى الإرادة، قيل: وعلى العين التي تصيب وعلى الغيب وعلى العقوبة. ويفهم من كلام البعض أنها حقيقة في الإطلاق الأولى مجاز فيما عداه، وفسر غير واحد النفس هنا بالقلب، والمراد تعلم معلومي الذي أخفيه في قلبـي فكيف بما أعلنه ولا أعلم معلومك الذي تخفيه، وسلك في ذلك مسلك المشاكلة كما في قوله: شعر : قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه قلت اطبخوا لي جبة وقميصاً تفسير : إلا أن ما في الآية كلا اللفظين وقع في كلام شخص واحد وما في البيت ليس كذلك. وفي «الدر المصون» أن هذا التفسير مروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وحكاه عنه أيضاً في «مجمع البيان». وفسرها بعضهم بالذات وادعى أن نسبتها بهذا المعنى إلى الله تعالى لا تحتاج إلى القول بالمشاكلة، ومن ذلك قوله تعالى: { أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } تفسير : [الأنعام: 54] { أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى } تفسير : [طه: 41] { أية : وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } تفسير : [آل عمران: 28 و 30] وقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أقسم ربـي على نفسه أن لا يشرب عبد خمراً ولم يتب إلى الله تعالى منه إلا سقاه من طينة الخبال » تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : ليس أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل ولأجل ذلك مدح نفسه » تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : سبحان الله عدد خلقه ورضا نفسه » تفسير : إلى غير ذلك من الأخبار. وقال المحقق الشريف في «شرح المفتاح» وغيره: إن لفظ النفس لا يطلق عليه تعالى وإن أريد به الذات إلا مشاكلة وليس بشيء لما علمت من الآيات والأحاديث، وادعاء أن ما فيها مشاكلة تقديرية كما قيل ذلك في قوله تعالى: { أية : صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً } تفسير : [البقرة: 138] لا يخفى أنه من سقط المتاع فالصحيح المعول عليه جواز إطلاقها بمعنى الذات على الله تعالى من غير مشاكلة، نعم قيل: إن لفظ النفس في هذه الآية وإن كان بمعنى الذات لا بد معه من اعتبار المشاكلة لأن لا أعلم ما في ذاتك ليس بكلام مرضي فيحتاج إلى حمله على المشاكلة بأن يكون المراد لا أعلم معلوماتك فعبر عنه بلا أعلم ما في نفسك لوقوع التعبير عن تعلم معلومي بتعلم ما في نفسي. وعلى ذلك حمل العلامة الثاني كلام صاحب «الكشاف» ولا يخفى ما فيه، والتحقيق أن الآية من المشاكلة إلا أنها ليست في إطلاق النفس بل في لفظ {فِى } فإن مفادها بالنظر إلى ما في نفس عيسى عليه السلام الارتسام والانتقاش ولا يمكن ذلك نظراً إلى الله تعالى. وإلى هذا يشير كلام بعض المحققين ومنه يعلم ما في «كتب الأصول» من الخبط في هذا المقام، وقال الراغب: يجوز أن يكون القصد إلى نفي النفس عنه تعالى فكأنه قال: تعلم ما في نفسي ولا نفس لك فأعلم ما فيها كقول الشاعر: شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : وهو على بعده مما لا يحتاج إليه. ومثله ما ذكره بعض الفضلاء من أن النفس الثانية هي نفس عيسى عليه السلام أيضاً، وإنما أضافها إلى ضمير الله تعالى باعتبار كونها مخلوقة له سبحانه كأنه قال: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما فيها. {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } تقرير لمضمون الجملتين منطوقاً ومفهوماً لما فيه من الحصر ومدلوله الإثبات فيقرر {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى } لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب ويلزمه النفي فيقرر لا أعلم ما في نفسك لأنه غيب أيضاً، ومدلول النفي أنه لا يعلم الغيب غيره تعالى شأنه.
ابن عاشور
تفسير : {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ} عطف على قوله: {أية : إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك}تفسير : [المائدة: 110] فهو ما يقوله الله يوم يجمع الرسل وليس ممّا قاله في الدنيا، لأنّ عبادة عيسى حدثت بعد رفعه، ولقوله: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم}. فقد أجمع المفسّرون على أنّ المراد به يوم القيامة. وأنّ قوله: {وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس} قول يقوله يوم القيامة. وهذا مبدأ تقريع النصارى بعد أن فُرغ من تقريع اليهود من قوله: {أية : إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك}تفسير : [المائدة: 110] إلى هنا. وتقريع النصارى هو المقصود من هذه الآيات كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : يوم يجمع الله الرسل}تفسير : [المائدة: 109] الآية، فالاستفهام هنا كالاستفهام في قوله تعالى للرسل {أية : ماذا أجبتم}تفسير : [المائدة: 109] والله يعلم أنّ عيسى لم يقل ذلك ولكن أريد إعلان كذب من كفر من النصارى. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: {أأنت قلت للناس} يدلّ على أنّ الاستفهام متوجّه إلى تخصيصه بالخبر دون غيره مع أنّ الخبر حاصل لا محالة. فقول قائلين: اتّخِذوا عيسى وأمّه إلهين، واقع. وإنّما ألقي الاستفهام لعيسى أهو الذي قال لهم ذلك تعريضاً بالإرهاب والوعيد بتوجّه عقوبة ذلك إلى من قال هذا القول إن تنصّل منه عيسى فيعلم أحبارهم الذين اخترعوا هذا القول أنّهم المراد بذلك. والمعنى أنّه إن لم يكن هو قائل ذلك فلا عذر لمن قاله لأنّهم زعموا أنّهم يتّبعون أقوال عيسى وتعاليمه، فلو كان هو القائل لقال: اتّخذوني وأمّي، ولذلك جاء التعبير بهذين اللفظين في الآية. والمراد بالناس أهل دينه. وقوله: {من دون الله} متعلّق بِــ {اتّخذوني}، وحرف {من} صلة وتوكيد. وكلمة {دون} اسم للمكان المجاوز، ويكثر أن يكون مكاناً مجازياً مراداً به المغايرة، فتكون بمعنى (سوى). وانظر ما تقدّم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرّاً ولا نفعاً}تفسير : [المائدة: 76]. والمعنى اتّخذوني وأمّي إلهين سوى الله. وقد شاع هذا في استعمال القرآن قال تعالى: {أية : ومن الناس من يتّخذ من دون الله أنداداً يحبّونهم كحبّ الله}تفسير : [البقرة: 165]، وقال: {أية : ويعبدون من دون الله ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله}تفسير : [يونس: 18]، وغير ذلك من الآيات التي خوطب بها المشركون مع أنّهم أشركوا مع الله غيره ولم ينكروا إلهيّة الله. وذُكر هذا المتعلّق إلزاماً لهم بشناعة إثبات إلهية لغير الله لأنّ النصارى لمّا ادّعوا حلول الله في ذات عيسى توزّعت الإلهية وبطلت الوحدانية. وقد تقدّم بيان هذا المذهب عند تفسير قوله تعالى: {أية : لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم} تفسير : في هذه السورة (17). وجواب عيسى عليه السلام بقوله: {سبحانك} تنزيه لله تعالى عن مضمون تلك المقالة. وكانت المبادرة بتنزيه الله تعالى أهمّ من تبرئته نفسه، على أنّها مقدّمة للتبرّي لأنّه إذا كان ينزّه الله عن ذلك فلا جرم أنّه لا يأمر به أحداً. وتقدّم الكلام على {سبحانك} في قوله تعالى: {أية : قالوا سبحانك لا علم لنا} تفسير : في سورة البقرة (32). وبرّأ نفسه فقال: ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق}؛ فجملة {ما يكون لي أن أقول} مستأنفة لأنّها جواب السؤال. وجملة {سبحانك} تمهيد. وقوله: {ما يكون لي} مبالغة في التبرئة من ذلك، أي ما يوجد لديّ قول ما ليس لي بحقّ، فاللام في قوله: {ما يكون لي} للاستحقاق، أي ما يوجد حقّ أن أقول. وذلك أبلغ من لم أقله لأنّه نفى أن يوجد استحقاقه ذلك القول. والباء في قوله {بحقّ} زائدة في خبر {ليس} لتأكيد النفي الذي دلّت عليه {ليس}. واللام في قوله {ليس لي بحقّ} متعلّقة بلفظ {حقّ} على رأي المحقّقين من النحاة أنّه يجوز تقديم المتعلّق على متعلّقه المجرور بحرف الجرّ. وقدّم الجارّ والمجرور للتنصيص على أنّه ظرف لغو متعلّق {بحقّ} لئلا يتوهّم أنّه ظرف مستقرّ صفة لــ {حقّ} حتى يفهم منه أنّه نفى كون ذلك حقّاً له ولكنّه حقّ لغيره الذين قالوه وكفروا به، وللمبادرة بما يدلّ على تنصّله من ذلك بأنّه ليس له. وقد أفاد الكلام تأكيدَ كون ذلك ليس حقّاً له بطريق المذهب الكلامي لأنّه نفى أن يباح له أن يقول ما لا يحقّ له، فعُلم أنّ ذلك ليس حقّاً له وأنّه لم يقله لأجل كونه كذلك. فهذا تأكيد في غاية البلاغة والتفنّن. ثم ارتقى في التبرّىء فقال: {إن كنت قلته فقد علمته}، فالجملة مستأنفة لأنّها دليل وحجّة لمضمون الجملة التي قبلها، فكانت كالبيان فلذلك فصلت. والضمير المنصوب في {قلته} عائد إلى الكلام المتقدّم. ونصْب القول للمفرد إذا كان في معنى الجملة شائع كقوله تعالى: {أية : كلاّ إنّها كلمة هو قائلها}تفسير : [المؤمنون: 100]، فاستدلّ على انتفاء أن يقوله بأنّ الله يعلم أنّه لم يقله، وذلك لأنّه يتحقّق أنّه لم يقله، فلذلك أحال على علم الله تعالى. وهذا كقول العرب: يعلم الله أني لم أفعل، كما قال الحارث بن عبّاد:شعر : لَم أكُنْ من جُنَاتِهَا عَلِمَ الله وأني لِحرّها اليومَ صالٍ تفسير : ولذلك قال: {تعلم ما في نفسي}، فجملة {تعلم ما في نفسي} بيان لجملة الشرط {إن كنت قلته فقد علمته} فلذلك فُصلت. والنفس تطلق على العقل وعلى ما به الإنسان، إنسان وهي الروح الإنساني، وتطلق على الذات. والمعنى هنا: تعلم ما أعتقده، أي تعلم ما أعلمه لأنّ النفس مقرّ العلوم في المتعارف. وقوله: {ولا أعلم ما في نفسك} اعتراض نشأ عن {تعلم ما في نفسي} لقصد الجمع بين الأمرين في الوقت الواحد وفي كلّ حال. وذلك مبالغة في التنزيه وليس له أثر في التبرّىء، والتنصّل، فلذلك تكون الواو اعتراضية. وإضافة النفس إلى اسم الجلالة هنا بمعنى العلم الذي لم يُطلع عليه غيره، أي ولا أعلم ما تعلمه، أي ممّا انفردت بعمله. وقد حسّنه هنا المشاكلة كما أشار إليه في «الكشاف». وفي جواز إطلاق النفس على ذات الله تعالى بدون مشاكلة خلاف؛ فمن العلماء من منع ذلك وإليه ذهب السعد والسيد وعبد الحكيم في شروح «المفتاح» و«التخليص». وهؤلاء يجعلون ما ورد من ذلك في الكتاب نحو {أية : ويحذّركم الله نفسه}تفسير : [آل عمران: 28] من قبيل المتشابه. ومن العلماء من جوّز ذلك مثل إمام الحرمين كما نقله ابن عرفة في «التفسير» عند قوله تعالى: {أية : كتب ربّكم على نفسه الرحمة} تفسير : في سورة الأنعام (54)، ويشهد له تكرّر استعماله في القرآن وكلام النبي كما في الحديث القدسي فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي}. وقوله: {إنّك أنت علاّم الغيوب} علّة لقوله: {تعلم ما في نفسي} ولذلك جيء بِــ (إنّ) المفيدة التعليل. وقد جمع فيه أربع مؤكّدات وطريقة حصر، فضمير الفصل أفاد الحصر، وإنّ وصيغة الحصر، وجمع الغيوب، وأداة الاستغراب. وبعد أن تبرّأ من أن يكون أمرَ أمّته بما اختلقوه انتقل فبيّن أنّه أمرهم بعكس ذلك حسبما أمره الله تعالى فقال {ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به}، فقوله: {ما قلت لهم} ارتقاء في الجواب، فهو استئناف بمنزلة الجواب الأول وهو {ما يكون لي أن أقول} الخ... صرّح هنا بما قاله لأنّ الاستفهام عن مقاله. والمعنى: ما تجاوزتُ فيما قلتُ حدّ التبليغ لما أمرتني به، فالموصول وصلته هومقول {ما قلت لهم} وهو مفرد دالّ على جُمل، فلذلك صحّ وقوعه منصوباً بفعل القول. و{أنْ} مفسّرة {أمرتني} لأنّ الأمر فيه معنى القول دون حروفه وجملة {اعبدوا الله ربّي وربّكم} تفسيرية لِـــ{أمرتني}. واختير {أمرتني} على (قلت لي) مبالغة في الأدب. ولمّا كان {أمرتني} متضمّناً معنى القول كانت جملة {اعبدوا الله ربّي وربّكم} هي المأمورُ بأن يبلّغه لهم فالله قال له: قل لهم اعبدوا الله ربّي وربّكم. فعلى هذا يكون {ربّي وربّكم} من مقول الله تعالى لأنّه أمره بأن يقول هذه العبارة ولكن لما عبّر عن ذلك بفعل {أمرتني به} صح تفسيره بحرف {أن} التفسيرية فالذي قاله عيسى هو عين اللفظ الذي أمره الله بأن يقوله. فلا حاجة إلى ما تكلّف به في «الكشاف» على أنّ صاحب «الانتصاف» جوّز وجهاً آخر وهو أن يكون التفسير جرى على حكاية القول المأمور به بالمعنى، فيكون الله تعالى قال له: قل لهم أن يعبدوا ربّك وربّهم. فلمّا حكاه عيسى قال: اعبدوا الله ربّي وربّكم اهــ. وهذا التوجيه هو الشائع بين أهل العلم حتى جعلوا الآية مثالاً لحكاية القول بالمعنى. وأقول: هو استعمال فصيح قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: {أية : مكنّاهم في الأرض ما لم نمكّن لكم} تفسير : في سورة الأنعام (6) إذَا أخبرت أنّك قلت لغائب أو قيل له أو أمرت أن يقال له: فلك في فصيح كلام العرب أن تحكي الألفاظ المقولة بعينها، فتجيء بلفظ المخاطبة، ولك أن تأتي بالمعنى في الألفاظ بذكر غائب دون مخاطبة اه. وعندي أنّه ضعيف في هذه الآية. ثمّ تبرّأ من تبعتهم فقال وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} أي كنت مشاهداً لهم ورقيباً يمنعهم من أن يقولوا مثل هذه المقالة الشنعاء. و{ما دمت} (ما) فيه ظرفية مصدرية، و(دام) تامّة لا تطلب منصوباً، و{فيهم} متعلّق بِـــ {دمتُ}، أي بينهم، وليس خبراً لِـــ (دام) على الأظهر، لأنّ (دام) التي تطلب خبراً هي التي يراد منها الاستمرار على فعل معيّن هو مضمون خبرها، أمّا هي هنا فهي بمعنى البقاء، أي ما بقيت فيهم، أي ما بقيت في الدنيا. ولذلك فرّع عنه قوله: {فلمّا توفّيتني كنتَ أنتَ الرقيبَ عليهم}، أي فلمّا قضيت بوفاتي، لأنّ مباشر الوفاة هو ملك الموت. والوفاة الموت، وتوفّاه الله أماته، أي قضى به وتوفّاه ملك الموت قبض روحه وأماته. وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى {أية : إنّي متوفّيك} تفسير : في سورة آل عمران (55). والمعنى: أنّك لمّا توفّيتني قد صارت الوفاة حائلاً بيني وبينهم فلم يكن لي أن أنكر عليهم ضلالهم، ولذلك قال {كنتَ أنتَ الرقيب عليهم}، فجاء بتضير الفصل الدّال على القصر، أي كنت أنتَ الرقيب لا أنا إذ لم يبق بيني وبين الدنيا اتّصال. والمعنى أنّك تعلم أمرهم وترسل إليهم من يهديهم متى شئت. وقد أرسل إليهم محمداً صلى الله عليه وسلم وهداهم بكلّ وجوه الاهتداء. وأقصى وجوه الاهتداء إبلاغهم ما سيكون في شأنهم يوم القيامة. وقوله: {وأنت على كلّ شيء شهيد} تذييل، والواو اعتراضية إذ ليس معطوفاً على ما تقدّم لئلاّ يكون في حكم جواب {لمّا}. وقوله: {إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم} فوّض أمرهم إلى الله فهو أعلم بما يجازيهم به لأنّ المقام مقام إمساك عن إبداء رغبة لشدّة هول ذلك اليوم، وغاية ما عرّض به عيسى أنه جوّز المغفرة لهم رحمة منه بهم. وقوله: {فإنّك أنت العزيز الحكيم} ذكر العزيز كناية عن كونه يغفر عن مقدرة، وذكر الحكيم لمناسبته للتفويض، أي المحكِم للأمور العالم بما يليق بهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 116- واذكر - أيها النبى - ما سيحدث يوم القيامة، حين يقول الله لعيسى ابن مريم قولا يعلن الحق: أأنت الذى قلت لهم: اجعلونى أنا وأمى إلهين، تاركين إفراد الله بالعبودية؟ قال عيسى: أنزهك تنزيهاً تاماً عن أن يكون لك شريك، ولا يصح لى أن أطلب طلباً ليس لى أدنى حق فيه. لو كنت قلت ذلك لعلمته، لأنك تعلم خفايا نفسى، فضلا عن مظاهر قولى، ولا أعلم ما تخفيه عنى، - إنك وحدك - صاحب العلم المحيط بكل خفى وغائب. 117- ما قلت لهم: إلا ما أمرتنى بتبليغه لهم. قلت لهم: اعبدوا الله - وحده - فإنه مالك أمرى وأمركم. وكنت أعلم حالهم وأنا موجود بينهم، فلما انتهى أجل إقامتى الذى قَدَّرته بينهم، كنت أنت - وحدك - المطلع عليهم، وأنت مطلع على كل شئ. 118- إن تعذبهم بما فعلوا فإنهم عبادك تتصرف فيهم كما تريد، وإن تعف عنهم، فإنك - وحدك - القاهر الذى لا يغلب، ذو الحكمة البالغة فى كل ما يصدر عنه. 119- يقول الله: هذا هو اليوم الذى ينفع فيه الصادقين صدقُهم، لهم حدائق تجرى تحت أشجارها الأنهار، وهم مقيمون فيها لا يخرجون منها أبداً، يتمتعون فيها برضوان الله عنهم ورضاهم بثوابه، وذلك النعيم هو الفوز العظيم. 120- لله - وحده - ملك السموات والأرض وما فيهن، فهو - وحده - المستحق للعبادة، وهو ذو القدرة التامة على تحقيق كل ما يريد.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إلهين: معبودين يعبدان من دوني. سبحانك: تنزيهاً لك وتقديساً. ما يكون لي: ما ينبغي لي ولا يتأتى لي ذلك. شهيداً: رقيباً. الرقيب: الحفيظ. إن تعذبهم: أي بنارك فإنهم عبادك تفعل بهم ما تشاء. وإن تغفر لهم: أي تستر عليهم وترحمهم بأن تدخلهم جنتك. العزيز الحكيم: العزيز: الغالب الذي لا يحال بينه وبين مراده، الحكيم: الذي يضع كل شيء في موضعه فيدخل المشرك النار، والموحد الجنة. الصادقين: جمع صادق: وهو من صدق ربه في عبادته وحده. ورضوا عنه: لأنه أثابهم بأعمالهم جنات تجري من تحتها الأنهار. على كل شيء قدير: أي على فعل أي شيء تعلقت به إرادته وأراد فعله فإنه يفعله ولا يعجزه بحال من الأحوال. معنى الآيات: يقول الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم واذكر لقومك {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ} تعالى يوم يجمع الرسل ويسألهم ماذا أجبتم، ويسأل عيسى بمفرده توبيخاً للنصارى على شركهم {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ} أي معبودين يقرره بذلك فينفي عيسى ذلك على الفور ويقول منزهاً ربه تعالى مقدساً {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}، ويؤكد تفصيه مما وجه إليه توبيخاً لقومه: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} يا ربي، إنك {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} فكيف بقولي وعملي، وأنا {وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} إلا أن تعلمني شيئاًً، لأنك {أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} ما {قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ} أن أقوله لهم وهو {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أي رقيباً {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} برفعي إليك {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} ترقب أعمالهم وتحفظها لهم لتجزيهم بها. {وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} رقيب وحفيظ. {إِن تُعَذِّبْهُمْ} أي من مات منهم على الشرك بأن تصليه نارك فأنت على ذلك قدير، {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ} أي لمن مات على التوحيد فتدخله جنتك فإنه لذلك أهل فإنك أنت العزيز الغالب على أمره الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه فلا ينعم من أشرك به ولا يعذب من أطاعه ووحده. فأجابه الرب تبارك وتعالى قائلا: {هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}: صدقوا الله تعالى في إيمانهم به فعبدوه وحده لا شريك له ولم يشركوا سواه. ونفعه لهم أن أُدْخِلُوا به جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها لا يخرجون منها أبداً، مع رضى الله تعالى عنهم ورضاهم عنه بما أنعم به عليهم من نعيم لا يفنى ولا يبيد، {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} إنّه النّجاة من النار ودخول الجنات. وفي الآية الأخيرة [120] يخبر تعالى أنه له {مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ} من سائر المخلوقات والكائنات خلقاً وملكاً وتصرفاً يفعل فيها ما يشاء فيرحم ويعذب {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- توبيخ النصارى في عرصات القيامة على تأليه عيسى ووالدته عليهما السلام. 2- براءة عيسى عليه السلام مِنْ مشركي النصارى وأهل الكتاب. 3- تعذيب المشركين وتنعيم الموحدين قائم على مبدأ الحكمة الإِلهية. 4- فضيلة الصدق وأنه نافع في الدنيا والآخرة، وفي الحديث: "حديث : عليكم بالصدق فإنه يدعو إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ". تفسير : 5- سؤال غير الله شيئاً ضرب من الباطل والشرك، لأن غير الله لا يملك شيئاً، ومن لا يملك كيف يعطي ومن أين يعطي؟
القطان
تفسير : كان الكلام قبل هذه الآيات في تعداد النعم التي أنعم الله بها على عيسى، وفي إلهامه للحواريين بالإيمان به وبرسوله، وفي طلب الحواريين من عيسى انزال مائدة من السماء، وبقية القصة، اما في هذه الآيات فنحن أمام أحد مشاهد يوم القيامة، ذلك اليوم العظيم الذي يُكشَف فيه كل شيء، على مرأى من الناس جميعا. يومذاك يأتي جواب سيدنا عيسى الصريح بأنه بريء من كل ما افتروا عليه، وانه يفوّض الأمر لله العلي القدير. أّذكر ايها النبي ما سيحدث يوم القيامة، حين يقول الله مخاطبا عيسى ابن مريم على رؤوس الأشهاد: أأنتَ يا عيسى قلتَ للناس اجعلوني أنا وأمّي إلَهين، من دون الله؟ فيقول عيسى: سبحانك. إنني أنزّهك تنزيهاً تاماً عن أن يكون لك شريك، ولا يصح لي ان طلب طلبا ليس لي أدنى حق فيه. ولو كنتُ يا ربّي قلتُ ذلك لعلمتَه سبحانك، فأنت تعلم خفايا نفسي، ولا أعلم ميط بكل شيء، أما أنا فلا أعلم شيئاً. وبعد تنزيه ربه، وتبرئة نفسه مما نُسب إليه، بيّن المسؤول حقيقةَ ما قاله لقومه وأن ذلك لم يتعدّ تبليغ الرسالة التي كُلِّف بها، وأنه أعلن عبوديته وعبوديتهم لله، ودعاهم الى عبادته. {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} ما قلتُ لهم إلا ما أمرتَني بتبليغه لهم. قلتُ لهم: اعبدوا الله وحده مالكَ أمري وأمركم، وانك ربي وربهم، وانني عبد من عبادك مثلهم. {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} كنت قائما عليهم أراقبُهم وأشهد على ما يقولون ويفعلون مدة وجودي بينهم. {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} فلمّا انتهى أجل إقامتي الذي قدّرتَه لي بينهم، وقبضتني إليك، ظللتَ انت وحدك المطلع عليهم، لأني إنما شهِدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهُرهم، فكل شيء غيّروه بعدي لا عِلم لي به، وأنت تشهَد على ذلك كله. وظاهر النصوص القرآنية يفيد أن الله تعالى توفّى عيسى ابنَ مريم ثم رفعه إليه، فيما تفيد بعض الآثار أنّه حيّ عند الله. وليس هناك أي تعارض، فإن الله تعالى قد توفّاه من حياة الأرض، لكنّه حيٌّ عنده، مثل بقيّة الشهداء.. فهم يموتون في الأرض وهم عند الله أحياء. اما صورة حياتهم عند ربهم فشيء لا نعرف كيفَه. وقد جاء في إنجيل يوحنا نص صريح بأن المسيح رسول: "وهذه هِي الحياةُ الأبدية، ان يعرفوك انت الإلَه الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي ارسلته". فالتبديل في العقيدة والتغيير، انما حدث بعد غياب المسيح. وقد تكلم المفسّرون والعلماء في موضوع الرفع الذي نطرقه واطالوا في ذلك، وقد بحث أستاذنا المرحوم الشيخ محمود شلتوت هذا الموضوع بحثا مستفيضا في فتاواه، وخلاصه ما قال: "والمعنى ان الله توفىعيسى ورفعه اليه وطهره من الذين كفروا. وقد فسّر الألوسي قوله تعالى {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} بمعنى: إني مُسْتوفٍ أجَلَك ومميتُك حتفَ أنفك لا اسلِّط عليك من يقتُلُك، وهو كنايةٌ عن عصمته من الأعداء وما كانوا بصدَدِه من الفتك به عليه السلام. وظاهرٌ ان الرفع ـ الذي يكون بعد استيفاء الأجَل هو رفْع المكانةِ لا رفع الجسد، خصوصاً وقد جاء بجانبه قولُه: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} مما يدل على أن الأمر أمرُ تشريفٍ وتكريم. وقد جاء الرفع في القرآن كثير بهذا المعنى، {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ}، {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ}، {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}، {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. الى ان يقول وبعد، فما عيسى إلا رسولٌ قد خلَتْ من قبلِه الرسل، ناصَبَه قومُه العداء، وظهرت على وجوههم بوادرُ الشر بالنسبة إليه، فالتجأ إلى الله، فأنقذه الله بعزته وحكمته وخيّب مكر أعدائه. هذا هو ما تضمنته الآيات {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} إلى آخرها، بين الله فيها قوة مَكره بالنسبة الى مكرهم، وأن مكرهم في اغتيال عيسى قد ضاع اذ قال: {يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، فهو يبشِّرُه بإنجائه من مكرِهم وردِّ كيدهم في نحورهم، وانه سَيَسْتوفي أجَله حتى يموت من غير قتل ولا صلب، ثم يرفعه الله إليه. الخ". ثم ينتهي عيسى ابن مريم إلى التفويض المطلق في أمرهم إلى الله تعالى وحده: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. ان تعذِّبهم بما فعلوا من تبديل وتغيير فإنهم عِبادُك، تتصرف فيهم كما تريد، وإن تعفُ عنهم فإنك وحدك مالكُ أمرِهم، والقاهر الذي لا يُغلَب. ومهما تدفعه من عذاب فلا دافع له من دونك، ومهما تمنحهم من مغفرة فلا يستطيع أحد حرمانهم منها بحَوْلِك وقوّتك، لأنك أنت العزيز الذي لا يُغلب، والحكيم الذي يضع كل شيء موضعه. ثم يعقّب على كل هذا المشهد بقوله تعالى: {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} أي أن هذا اليوم هو يومُ القيامة، اليوم الّذي ينفع فيه الصادقين صدقُهم في إيمانهم، وفي سائر أقوالهم وأحوالهم. فهؤلاء الصادقون أعَدّ الله لهم جناتٍ يعجز عنها الوصف تجري من تحت أشجارها الأنهار، ثواباً من عند الله. وهم مقيمون فيها لا يخرجون منها ابدا. قراءات: قرأ نافع "هذا يوم" بالنصب، والباقون "هذا يوم" بالرفع. وبعد أن بيّن ما أعدّ لأهل الصدق عنده من الجزاء الحق في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ختم هذه السورة المباركة بختام عظيم بيّن فيه تعالى أنه وحده له ملكُ السماوات والأرض وما فيهن، فهو وحده المستحق للعبادة. {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ....} أي ان الملك كله والقدرة كلها لله وحده فلا يجوز لانسان ان يتوجه الا اليه. وقد روى الامام أحمد والنّسائي والحاكم والبيهقي عن جُبير بن نفير الحضرمي الشامي، (أحد المخضرمين، أسلم في زمن أبي بكر) قال: حججتْ فدخلت على عائشة، فقالت: يا جبير، تقرأ المائدة؟ قلت: نعم. فقالت: أما إنها اخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه، وما وجدتم من حرام فحرموه. والحقيقة ان سورة المائدة من اعظم السور في القرآن الكريم لما اشتملت عليه من احكام وارشادات وبيان للحقائق بعد ان استتب الأمر للمسلمين. وفيها ما يرشد الى الوقت الذي نزلت فيه، والحالة الّتي صار إليها المسلمون في ذلك الوقت. فقد جاء فيها بعد ان فصّل الله المحرّمات قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً} تُقَرِّر أن المشركين الذين كانوا يعملون دائما على قهر المسلمين واذلالهم وتشتيتهم وتفريق كلمتهم وفتنتهم عن دينهم ـ صاروا من كل ذلك في عجز وضعف، واستولى عليهم اليأس في الوصول الى أغراضهم. وعليه فيجب على المسلمين وقد عَصَمهم الله من اعدائهم، وبدّل بضعفهم قوة، وبخوفهم أمنا، ان يشكروا الله رب هذه النعمة، وان لا يكترثوا في اقامة دينه وتنفيذ احكامه بأحد سواه. فلقد يئس المشركون بإكمال الدين. وإكمالُ الدين يتناول إكمالَه بالبيان والتشريع، وبالقوة والتركيز. وقد روي أن رجلاً من اليهود جاء الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ان في كتابكم آية تقرؤونها لو أنها أُنزلت علينا ـ معشر اليهود ـ لاتخذْنا اليوم الذي أُنزلت فيه عيدا. قال عمر: وأية آية؟ قال {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً}. فقال عمر: إنّي والله لأعلم اليوم الذي أُنزلت فيه والساعة التي نزلت فيها. نزلت على رسول الله عشيّة عَرَفة في يوم جمعة، والحمدُ لله الذي جعله لنا عيدا. وفي هذه السورة المباركة ظواهر تنفرد بها لا نكاد نجد شيئا منها في غيرها من السور المدنية حتى في أطول سوَر القرآن وهي سورة البقرة. ولذلك نرى ان كل ما يدور الحديث عنه في سورة المائدة يتعلق بأمرين بارزين: تشريع للمسلمين في خاصة أنفسهم وفي معاملة من يخالطون، وارشاداتٍ لطُرق المحاجّة في المزاعم التي كان يثيرها أهل الكتاب. وفي سياق هذه المحاجَة تعرض السورة لكثير من مواقف الماضين من اسلاف أهل الكتاب مع انبيائهم، تسليةَ للنبي من جهة، وتنديداً بهم عن طريق أسلافهم من جهة اخرى. وقد اشتملت على عدة نداءات الَهية للمؤمنين، يُعتبر كل واحد منها قانوناً لشأن من الشئون، فنادى الله تعالى عباده المؤمنين بما شرع لهم من احكام، وأرشد اليه من اخلاق في مواضع لم نر عددها في أطول سورة وهي البقرة، نذكرها بالترتيب: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ....}. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ....}. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ....}. {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ....}. {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ....}. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ....} {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ....} {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ....} {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ....} {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ....} {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ....} {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ....} {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ....} {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ....} {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ....} {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ....} هذه ستة عشرة نداءً وُجّهت الى المؤمنين خاصة، يعتبر كل نداء منها قانوناً ينظم ناحية من نواحي الحياة عند المسلمين بأنفسهم، وفيما يختص بعلاقتهم بأهل الكتاب. وفيها كذلك نداءان من الله لرسوله، وليس هناك نداء له عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف في غير هذه السورة: وهما قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ}، وقوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}. وقد وجهت نداءين الى أهل الكتاب: وهما قوله تعالى: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ}، وقوله تعالى: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ}. وأمرت الرسول الكريم ثلاث مرات ان يوجه اليهم النداء في موضوعات ثلاثة في شأن ما يثيرون به الخلاف بينه وبينهم. {قُلْ يَـۤأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ}. {قُلْ يَـۤأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ}. {قُلْ يَـۤأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ}. هذه جملة النداءات التي وجهت الى الرسول صلى الله عليه وسلم، والى المسلمين، والى اهل الكتاب، أو أُمر النبي بتوجيهها اليهم في هذه السورة، وقد مرت كلها في اثناء الكلام عليها باختصار، ومن اراد زيادة تفصيل فليرجع الى ما كتبه في التفسير استاذنا المرحوم الشيخ شلتوت. نسأل الله تعالى ان يجعلنا ممن توجهت قلوبهم اليه، ولم يعتمدوا في قبولهم ونجاتهم الا عليه، وان يجعل ثمرة ايماننا زكاة نفوسنا، وثبات قلوبنا، وصلاح اعمالنا، وفكاك اسارنا. {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}. والحمد الله رب العالمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰعِيسَى} {أَأَنتَ} {سُبْحَانَكَ} {عَلاَّمُ} (116) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ مَا يَقُولُهُ رَبُّكَ لِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ، فَيَسْأَلُهُمْ عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أمَمُهُمْ، ثُمَّ يُذكِّر عِيسَى بِأفْضَالِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى وَالِدَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ بِحُضُورِ مَن اتَّخَذُوهُ وَأمَّهُ إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ: هَلْ أنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأمِّي إلهِيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ؟ - أيْ مُتَجَاوِزَيْنِ بِذَلِكَ تَوْحِيدَ اللهِ وَإفْرَادَهُ بِالعُبُودِيَّةِ؟ فَيُنْكِرُ عِيسَى أنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ، وَيَقُولُ للهِ تَعَالَى: سُبْحَانَكَ! وَتَنَزَّهَ اسْمُكَ، لَيْسَ لِي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لِي حَقٌّ بِقَوْلِهِ، فَإِذَا كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ أنْتَ، لأنَّكَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ، وَتَعْلَمُ مَا تُخْفِي العِبَادُ وَمَا تُعْلِنُ، وَأنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي، لأنَّكَ رَبِّي وَخَالِقِي، وَأنَا عَبْدُكَ لاَ أَعْرِفُ مَا فِي نَفْسِكَ. سُبْحَانَكَ - تَنْزِيهاً لَكَ مِنْ أنْ أقُولَ ذَلِكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونعرف أن هذا هو الحوار الذي سوف يدور بين الحق وبين عيسى ابن مريم عليه السلام يوم يجمع الحق سبحانه وتعالى الرسل: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [المائدة: 109]. وقد يقول قائل: ولماذا جاء الحق سبحانه وتعالى بهذا الحوار في صيغة الفعل الماضي؟: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [المائدة: 116]. وكلنا يعرف أن لكل حدث زمناً ومكاناً. وزمان الحدث هو يوم القيامة. ومكان هذا الحدث في ساحة المشهد والحشر، وسبحانه هو خالق كل زمن وكل مكان، وله أن يتحدث عن أي أمر بأي صيغة شاء، سواء أكانت صيغة الماضي أم الحاضر أم المستقبل، فقد أوجد كل شيء من ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل، وبيده أمر كل ما خلق ومن خلق. وهو أزلي قيوم، أما نحن بنو الإنسان فأمر الزمن يختلف، الزمن بالنسبة لأفعالنا هو واحد من ثلاثة؛ ماضٍ: أي أن يكون الحدث قد وقع قبل أن أتكلم؛ مثل قولي "قابلني زيد"، ومعنى ذلك أن الفعل قد تم وصار محققاً. وحاضر: أي أن يكون الحدث في حالة وقوعه، أي يحصل الآن مثل قولي: "يقابلني زيد" وأنت تقصد الحال أي أنه يقابلني الآن. إن معنى ذلك أن العين ترى زيداً وليس مع العين أين. ومستقبل: أي أن يكون الحادث سوف يقع مقولي: "سيقابلني زيد". وهنا لا يملك الإنسان نفسه أن يحدث منه الحدث، ولا يملك ألا يقع على الإنسان الذي سوف يقابله أمرٌ قد يمنعه من إتمام الحدث، ولا يملك الإنسان أن يظل السبب للمقابلة قائماً. إذن فمع المستقبل لا يصح للإنسان أن يحكم بشيء، لأنه لا يملك أي عنصر من عناصر الحدث. والذي يملك هذا هو الحق سبحانه وتعالى وحده. ولذلك يعلمنا القرآن شرف الصدق في الكلمة بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الكهف: 23-24]. وعلى الإنسان أن يحترم قدرته المحدودة، وان يتذكر دائماً قدرة الحق سبحانه وتعالى عليه. وهذا لا يعني أن الحق سبحانه يمنعنا من التخطيط للمستقبل، لا، بل يطلب منا أن نخطط وأن ندرس كل الاحتمالات، وعلينا أن نقول: "إن شاء الله"؛ لأننا بذلك نقدم مشيئة من يملك كل أمر وهو الله - سبحانه وتعالى-. وقد حاول بعض المستشرقين من أعداء الإسلام أن ينفذوا بسمومهم إلى عقول المسلمين بالتساؤل عن عدم ترتيب الأفعال على نسق حدوثها في بعض من آيات القرآن، فقال قائل منهم: كيف يقول الحق - سبحانه -: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [النحل: 1]. وهذا خبر عن يوم القيامة فكيف يأتي به الله على صيغة الماضي، ثم يقول بعد ذلك: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}؟ واستعجال الشيء لا يكون إلاّ إذا لم يكن قد حدث، فكأن في الكلام تناقضاً، ذلك لأنه يقول: أتى، ويقول بعد ذلك: فلا تستعجلوه؟ ونقول: إن الذي يتكلم هو الحق سبحانه وتعالى وليس إنساناً مثلك محكوماً بأزمانه. بل المتكلم هو صاحب كل الأزمان وخالقها. وعندما يقول سبحانه: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} فمعنى ذلك أن أمر الله آتٍ لا محالة، لأنه لا قدرة تخرج مراده على ألاّ يكون. وأي فعل من الحق سبحانه وتعالى إنما يتجرد عن ملابسات الزمان وعن ملابسات المكان، فإن كنا نقرأ على سبيل المثال قوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 100]. فليس معنى ذلك أن مغفرة الله ورحمته قد مضى زمانها وانقضى وقتها. ولكن لنقل: كان الله غفوراً رحيماً ولا يزال غفوراً رحيماً، فسبحانه وتعالى غفور ورحيم قبل أن يوجد من يغفر له ويرحمه، ومن باب أولى يكون غفورا رحيما بعد أن يوجد من يستحق المغفرة والرحمة. وسبحانه منزه عن أن تعتريه الأحداث فيتغير؛ لأن الزمن مخلوق من الله، فلا تقل متى أو أين؛ لأنهما به وجدا. والحق يأتي بالماضي لأنه متحقق الوقوع، ليثبت حدوث أمر لم يحدث بعد، ذلك لأن الله إذا قال عن شيء إنه سيحدث فلا بد أن يحدث. ويؤكد الحق سبحانه في أي كلام من عيسى ابن مريم على أنه "ابن مريم" وهنا يسأل الحق عيسى - عليه السلام - : {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} ونعرف أن السؤال إنما يأتي دائماً على وجهين: إما سؤال يعرف به السائل ما كان يجهله فيريد أن يعلمه من المسئول، كقول القائل: أقابلك فلان أمس؟ وإما أن يأتي السؤال لا ليعلم السائل من المسئول، ولكن ليقرر السائل المسئولَ. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - يسأل التلميذ أستاذه ليتعلم منه وليخبره الأستاذ بعلم جديد وخبر جديد. وأيضاً يسأل الأستاذ التلميذ ليقرره بالحقيقة ويوافقه عليها لتستقر لدى التلميذ. وسؤال الله عيسى من النوع الأخير؛ ليكون ذلك حجة على من قال بألوهية عيسى أو بنوته لله. وحاول بعض المستشرقين أن يشككوا في القرآن فقالوا: إن هناك تناقضاً في القرآن - والعياذ بالله - واستندوا على ذلك بقول الحق: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} تفسير : [الصافات: 24]. أي أن الحق يقرر أن كل كائن مسئول عما يفعل ويعتقد، ولكنه سبحانه يقول في موضع آخر من القرآن الكريم: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39]. فهل معنى ذلك أنهم لن يُسألوا؟ لا، بل سوف يُسألون ليقرروا ما فعلوا لا ليعلم الله منهم ما فعلوا، فهو سبحانه عليم بكل شيء. وهؤلاء المستشرقون لا يعلمون أن السؤال يرد عند العرب على وجهين، وجه ليعلم السائل، ووجه ليقرر المسئول، وسؤال الحق للناس يوم القيامة ليقرروا ما فعلوا وكان منهم؛ لأن الإقرار سيد الأدلة، وليس سؤال الحق سبحانه هو سؤال من يرغب في أن يعلم فسبحانه عليم بكل شيء، وعلى الإنسان أن يحتفظ بالمقام الذي وضعه فيه ربه، وكذلك كان عيسى ابن مريم. وكذلك يكون سؤال الله لعيسى، إنه لتقريع وتأنيب وتوبيخ من قالوا عن عيسى ما لم يبلغهم إياه. إن عيسى عليه السلام لم يبلغهم ولم يطلب منهم أن يتخذوه هو وأمه إلهين من دون الله؛ لأن عيسى ابن مريم، إنما يبلغ ما أُوحي إليه من ربه فقط، ولهذا تأتي إجابة عيسى رداً على أي تزَيُّد من الأتباع: {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} وساعة نسمع {سُبْحَانَكَ} فلنعرف أنها إجمال التنزيه لله، وهو تنزيه أن يشابهه خلق من خلق الله، فلله وجود، وللإنسان وجود، ولكن إياك أيها الإنسان أن تقول: إن وجودي كوجود الله؛ لأن وجود الله ذاتي، ووجودك غير ذاتي وكل ما فيك موهوب لك من الله؛ لذلك فلا غناك مثل غنى الله، بل غناه ذاتي وغناك موهوب منه سبحانه، ولا أي صفة من صفاتك كصفات الله، فله سبحانه مطلق القدرة والقوة، وعليك أن تأخذ كل شيء يتعلق بالله في نطاق "سبحانه" "وليس كمثله شيء". وكذلك يكون تنزيه عيسى لربه وخالقه: {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} فعيسى ابن مريم يعلم أن الرسول المصطفى من الله ليس له أن يقول إنه إله. ويرد عيسى على ذلك بقضية متفق عليها: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} لأن الكل متفق على أن الله يعلم كل ما يبدر من العباد من سلوك وأقوال وأفعال {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ}. والكل يعلم ارتفاع الحق وتنزهه عن أن يوجد له معلوم جديد لم يعلمه من قبل. والكل يعلم - كذلك - أن الله يعلم خفايا الصدور؛ لذلك يقول عيسى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} ويقرر أن الحق العليم بكل شيء يعلم أن ذلك لم يخطر له على بال، وهذه هي العلة في إيراد ثلاث صور في هذه الآية. الصورة الأولى هي قوله سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} وهذا تنزيه من عيسى لربه، والصورة الثانية هي قول عيسى: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ}، والصورة الثالثة هي: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}. إذن فلا شيء من عند عيسى، وقد يسأل سائل: وماذا يكون في النفس؟ الذي يكون في النفس هو ما أسِرُّ به ولم يظهر؛ لأن النفس تُطلق مرة ويراد بها الذات التي تضم الروح والجسد معا، وعندما تُطلق على ذات الله فنحن ننزهها عن أن تكون أبعاضاً، ولكنها ذاته المأخوذة في نطاق التنزيه. والمثال هو قول الحق: {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} تفسير : [الأنعام: 54]. وهكذا يكون فهمنا لمجيء كلمة "نفس" منسوبة لله، إنه المنزه أن يكون مثلنا، فلله وجه ولنا وجه، ولكن وجه الله نفهمه في نطاق {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وكذلك يد الله وكذلك كل صفات الله. ونعلم أن لله أسماء أعلمنا ببعضها، وعَلَّم بعضاً من خلقه بعضها، واستأثر ببعضها لذاته. وهناك بعض من الصفات لله تأتي لمجرد المشاكلة، كقول الحق: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} تفسير : [النساء: 142]. ولا نقول أبداً: إن الله مخادع، ولكن الصفة هنا جاءت للمشاكلة لذكرها في مقابلة يخادعون الله. ولذلك لا نأخذ منها اسماً لله، بل إنه جاء للرد على ما يبدو من أعداء الله. ويختم عيسى ابن مريم قوله: {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} هي مبالغة في ذات الحدث، ومبالغة في تكرير الحدث، فهو سبحانه يعلم غيب كل واحد من خلقه وغيب كل ما في كونه، وهكذا جاء القرآن برد عيسى عليه السلام وهو رد يستوعب كل مجالات الإنكار على الذين قالوا مثل هذا القول: ويتابع القرآن على لسان سيدنا عيسى عليه السلام ما يناقض ما قاله بعض من أتباعه فيقول: {مَا قُلْتُ لَهُمْ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إظهار عزته مع خواصه وصفوته بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [المائدة: 116]، إشارة أن الحكمة في الخطاب مع عيسى عليه السلام بقوله تعالى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله مع علمه بأنه لم يقل من وجوه: أولها: لأن يستخرج منه قوله {قَالَ سُبْحَانَكَ} [المائدة: 116]، وذلك المعنيين أحدهما ليعلم أمته والناس أجمعون أن حضرة جلالته، وشدة كماله أعظم وأعلى من أن يكون معه إله غيره. والثاني: ليعلموا أن ليس لعيسى عليه السلام ولا أمه ولأحد من خلقه مرتبة الأولوهية ولهذا قال: {مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [المائدة: 116]؛ يعني: ليس لي استحقاق الإلهية ولكن كان حقيقة مع الأمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة، ولا ينظر إليهم فكلم عيسى عليه السلام بدلاً عنهم وكان الكلام حقيقة معهم. والوجه الثالث: أنه تعالى نفى بهذا القول عن عيسى عليه السلام تهمة هذا المقام؛ لأنه ذكره بألف الاستفهام {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} والإثبات بعد الاستفهام نفي كما أن النفي بعد الاستفهام إثبات؛ كقوله تعالى: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172]؛ أي: أنا ربكم ونظيره في النفي والإثبات كقوله تعالى: {أية : أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ}تفسير : [النمل: 60]؛ أي: ليس مع الله إله فمعناه قلت أنت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، ولكنهم بجهلهم قد بالغوا في تعظيمك حتى طردك وجاوزا حدك في المدح ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ". تفسير : والوجه الرابع: قوله تعالى: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} يشير به إلى القول بأمر التكوين كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} تفسير : [النحل: 40]، أانت خلقت فيهم اتخاذك وأمك بالإلهية أم أنا خلقت فيهم خذلانا؛ لعلمي بحالهم إنهم يستحقون لهذا الخذلان نظيره قوله تعالى: {أية : ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}تفسير : [الواقعة: 64]، وقوله {أية : ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ}تفسير : [الواقعة: 59]، وهذا نفي الفعل التكوين عن المخلوقين وإثباته لرب العالمين، كقوله تعالى: {أية : هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [فاطر: 3]، قال عيسى عليه السلام تعظيماً لله تعالى: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أن أقول هذا القول للتكوين {إِن كُنتُ قُلْتُهُ} [المائدة: 116]؛ أي: هذا القول {فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [المائدة: 116]؛ لأني لا أقدر على هذا القول إلا بإذن توجده في وتكونه بقولك كن {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} [المائدة: 116]، أوجدته وكونته وما ستوحده فيها {وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116]، من صفاتك القديمة بالذات كما هي، وتعلم ما في نفسي من العجز والضعف والحاجة، ولا أعلم ما في نفسك من كمال القدرة والقوة والغنا {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} [المائدة: 116]، وهي نوعين: الغيب، وغيب الغيب؛ فالغيب ما غاب عن الخلق ولم يحتمل لهم أن يعلموه فهو حقيقة الذات وكمالية الصفات {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [النمل: 65]، يشير إلى غيب الغيب؛ لأن ما سواه يعلمونه بإعلام الله إياهم. ثم قال: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ } [المائدة: 117]؛ أي: بأمر التكوين خلقت في حتى قلت لهم: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 117]؛ يعني: لما أقررت بربوبيتك وعبودية نفسي كيف أقول لهم اتخذوني وأمي إلهيم من دون الله {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} [المائدة: 117]؛ أي: كنت شاهداً على إقرارهم بوحدانيتك {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 117]؛ أي: كنت القادر على أن تحفظهم على التوحيد؛ إذ كنت رقيباً والرقيب هو الحافظ، وكنت عليهم شهيداً وليس للشهيد إلا الحضور والشهادة {وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117]؛ يعني: كما كنت شهيداً عليهم ما دمت فيهم كنت أيضاً عليهم شهيداً، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم والشهيد وما كنت شهيداً ولا رقيباً. وكان لك القدرة على محافظتهم على التوحيد وكنت عاجزاً عن محافظتهم في الحياة والوفاة {إِن تُعَذِّبْهُمْ} [المائدة: 118]، بسبب التوحيد عنهم وإيجاد الشرك فيهم {فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: 118]؛ يعني: إني اشهد لهم إنهم عبدوك يوماً ما لأني شهيد ليس علي إلا الشهادة كما قال تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} تفسير : [النساء: 41]، {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ} [المائدة: 118]، بأنهم عبدوك يوماً، وما كان لهم الخيرة أن تسلب عنهم التوحيد {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ} [المائدة: 118]، تعز بعزتك من تشاء ليس لأحد أن يعترض على ما تشاء ويمنعك عما تشاء {ٱلْحَكِيمُ} [المائدة: 118]، في كل حال أن تعذبهم فلا يخلو على حكمة وإن تغفر لهم فلا يخلو عن حكمة. ثم أخبر عن صدق قول عيسى عليه السلام ونفع صدقه بقوله تعالى: {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119]، إلى آخر السورة، والإشارة فيها أن الله تعالى إنما خص يوم القيامة بنفع الصادقين؛ لأن الصدق يحتمل في الدنيا النفع والضر للصادق مثل أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر من صدقه؛ فتصيبه منه مضرة في نفسه وماله أو جاهه، ولعله ينال من ثمرة الصدق قبولاً وجاهاً ومالاً وملكاً يشغله عن الله تعالى فيضره وربما يكون الصادق صدق في طلب الحق في الدنيا، ثم يضر عنه ولم يبق له ذلك الصدق، فأشار بقوله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم إلى الذين ماتوا على الصدق ووردوا القيامة مع صدقهم. ثم أخبر عن نفع صدقهم بقوله تعالى: {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [المائدة: 119]، وهذا الجزاء للصادقين فوز كبير كقوله تعالى: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} تفسير : [آل عمران: 185]، فهو قوله تعالى: {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [المائدة: 119]؛ أي: رضا الله عن الصادقين إذا ثبتوا على قدم الصدق في طلب الحق بعلو الهمة، وتقربوا إلى الله تعالى بأداء الفرائض، والإقدام على النوافل في اتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى أحبهم الله، فكان له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً ومؤيداً به يسمعون وبه يبصرون وبه يبطشون، فرضوا عنه به وفنوا عن وجودهم المجازي وإبقائهم بوجوده الحقيقي، وهذا هو الحكمة في إيجاد العالم بما فيه؛ ليكون هؤلاء السادة ثمار شجرة ويفوزوا بظهور الكنز المخفي الذي خلق لمعرفته، كما قاله تعالى: "حديث : كنت كنزاً مخفياً... الحديث"تفسير : {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [المائدة: 119]، والله أعلم. ثم أخبر عن فناء وجودهم المجازي بقوله تعالى: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ} [المائدة: 120]، كما أخبر عنه بعد فناء العالم بمن فيه بقوله: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [غافر: 16]، فلما لم يكن موجود يجيبه سوى وجوده الحقيقي الأزلي الأبدي، فأجاب نفسه فقال: {أية : لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]، ثم قال تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 120]؛ يعني: على كل شيء قدير في الأزل من الإنسان وفوزه بظهور الكنز المخفي بأن خلق العالم وما فيه؛ لأجله كان قادراً فخلقه كما أراد وإثمه على ما أراد كيف أراد والله ولي التوفيق.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [118] 180- أنا محمد بن بشار، حدثني إسحاق بن يوسف، / نا سفيان. وأنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، نا إسحاق، عن سفيان، عن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: حديث : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فوعظهم وقال: "يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حُفاة عُراة غُرْلا" ثم قرأ: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104] فيُجاء برجال من أمتي فيُؤخذ بهم ذات الشمال، فأقُول: يا ربِّ، أمَّتي أمَّتي، فيُقال: هل تعلم ما أحدثوا بعدك؟ فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} [117] إلى {ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فيُقال: إنهم لم يزالوا مرتدِّن على أعقابهم من فارقتَهم ". تفسير : 181- أنا نوح بن حبيب، نا يحيى - يعني ابن سعيد، نا قُدامة بن عبد الله، حدثتني جَسْرَة بنت دجاجة قالت: سمعت أبا ذرٍّ يقول: قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصبح بآية، والآية {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. 182- نا زكريا بت يحيى، نا محمد، نا سفيان، عن عمرو، عن طاووس، عن أبي هريرة قال: تُلقَّى عيسى عليه السلام حُجَّته لقَّاهُ الله في قوله {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ}. قال أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فلقَّاه الله {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ} الآية كلها ".
همام الصنعاني
تفسير : 766- حدّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، في قوله تعالى: {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ}: [الآية: 116]، متى يكون؟ قال قتادة: يوم القيام. ألا ترى أنه يقول {هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}: [الآية: 119]. 767- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [الآية: 117]، قال: الحفظ عَليْهم. 768- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}: [الآية: 118]، فقال: واللهِ، ما كَانوا طعَّانينَ وَلاَ لعَّانِين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):