٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
117
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى حكاية عن عيسى {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ } أن مفسرة والمفسر هو الهاء في به الراجع إلى القول المأمور به والمعنى ما قلت لهم إلا قولاً أمرتني به وذلك القول هو أن أقول لهم:اعبدوا الله ربي وربكم.واعلم أنه كان الأصل أن يقال:ما أمرتهم إلا بما أمرتني به إلا أنه وضع القول موضع الأمر، نزولاً على موجب الأدب الحسن، لئلا يجعل نفسه وربه أمرين معاً، ودلّ على الأصل بذكر أن المفسرة. ثم قال تعالى: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } أي كنت أشهد على ما يفعلون ما دمت مقيماً فيهم. {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى } والمراد منه، وفاة الرفع إلى السماء، من قوله {أية : إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } تفسير : [آل عمران: 55]. {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } قال الزجاج: الحافظ عليهم المراقب لأحوالهم. {وَأَنتَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } يعني أنت الشهيد لي حين كنت فيهم وأنت الشهيد عليهم بعد مفارقتي لهم، فالشهيد الشاهد ويجوز حمله على الرؤية، ويجوز حمله على العلم، ويجوز حمله على الكلام بمعنى الشهادة فالشهيد من أسماء الصفات الحقيقية على جميع التقديرات.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ} يعني في الدنيا بالتوحيد. {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} «أَنْ» لا موضع لها من الإعراب وهي مفسرة مثل { أية : وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ } تفسير : [صۤ: 6] ويجوز أن تكون في موضع نصب؛ أي ما ذكرت لهم إلا عبادة الله. ويجوز أن تكون في موضع خفض؛ أي بأن ٱعبدوا الله؛ وضم النون أولى؛ لأنهم يستثقلون كسرة بعدها ضمة، والكسر جائز على أصل التقاء الساكنين. قوله تعالى: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أي حفيظاً بما أمرتهم، {مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} «ما» في موضع نصب أي وقت دوامي فيهم. {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} قيل: هذا يدل على أن الله عز وجل توفاه قبل أن يرفعه؛ وليس بشيء؛ لأن الأخبار تظاهرت برفعه، وأنه في السماء حي، وأنه ينزل ويقتل الدَّجَّال ـ على ما يأتي بيانه ـ وإنما المعنى فلما رفعتني إلى السماء. قال الحسن: الوفاة في كتاب الله عز وجل على ثلاثة أوجه: وفاة الموت. وذلك قوله تعالى: { أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } تفسير : [الزمر: 42] يعني وقت انقضاء أجلها. ووفاة النوم؛ قال الله تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ } تفسير : [الأنعام: 60] يعني الذي ينيمكم. ووفاة الرفع، قال الله تعالى: { أية : يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ } تفسير : [آل عمران: 55].وقوله {كُنتَ أَنتَ} «أنت هنا» توكيد {الرَّقِيبَ} خبر {كُنتَ} ومعناه الحافظ عليهم، والعالم بهم والشاهد على أفعالهم؛ وأصله المراقبة أي المراعاة؛ ومنه المَرْقَبة لأنها في موضع الرقيب من علوّ المكان. {وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي من مقالتي ومقالتهم. وقيل: على من عصى وأطاع؛ خرّج مسلم حديث : عن ٱبن عباس قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً بموعظة فقال: «يأيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حُفاة عُرَاةً غُرْلاً» {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104] أَلاَ وإن أوّل الخلائق يُكْسى يوم القيامة إبراهيمُ ـ عليه السلام؛ أَلاَ وإنه سيُجاءُ برجال من أُمتي فيؤخذ بهم ذاتَ الشمال فأقول يا ربّ أصحابي فيقال إنك لا تَدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} قال: «فيقال لي إنّهم لم يزالوا مدبرين مرتدين على أعقابهم منذ فارقتَهم».
البيضاوي
تفسير : {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} تصريح بنفي المستفهم عنه بعد تقديم ما يدل عليه. {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّي وَرَبَّكُمْ} عطف بيان للضمير في به، أو بدل منه وليس من شرط البدل جواز طرح المبدل منه مطلقاً ليلزم بقاء الموصول بلا راجع، أو خبر مضمر أو مفعوله مثل هو أو أعني، ولا يجوز إبداله من ما أمرتني به فإن المصدر لا يكون مفعول القول ولا أن تكون أن مفسرة لأن الأمر مسند إلى الله سبحانه وتعالى، وهو لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم والقول لا يفسر بل الجملة تحكي بعده إلا أن يؤول القول بالأمر فكأن قيل: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به أن {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ}. {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} أي رقيباً عليهم أمنعهم أن يقولوا ذلك ويعتقدوه، أو مشاهداً لأحوالهم من كفر وإيمان. {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} بالرفع إلى السماء لقوله: {أية : إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ } تفسير : [آل عمران: 55] والتوفي أخذ الشيء وافياً، والموت نوع منه قال الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا }تفسير : [الزمر: 42] {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} المراقب لأحوالهم فتمنع من أردت عصمته من القول به بالارشاد إلى الدلائل والتنبيه عليها بإرسال الرسل وإنزال الآيات. {وَأَنتَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} مطلع عليه مراقب له. {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} أي إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه، وفيه تنبيه على أنهم استحقوا ذلك لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك. {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فلا عجز ولا استقباح فإنك القادر القوي على الثواب والعقاب، الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم، فإن عذبت فعدل وإن غفرت ففضل. وعدم غفران الشرك بمقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته ليمنع الترديد والتعليق بأن. {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ} وقرأ نافع {يَوْم} بالنصب على أنه ظرف لقال وخبر هذا محذوف، أو ظرف مستقر وقع خبراً والمعنى هذا الذي مر من كلام عيسى واقع يوم ينفع. وقيل إنه خبر ولكن بني على الفتح بإضافته إلى الفعل وليس بصحيح، لأن المضاف إليه معرب والمراد بالصدق الصدق في الدنيا فإن النافع ما كان حال التكليف. {لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} بيان للنفع. {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تنبيه على كذب النصارى وفساد دعواهم في المسيح وأمه، وإنما لم يقل ومن فيهن تغليباً للعقلاء وقال {وَمَا فِيهِنَّ} اتباعاً لهم غير أولي العقل إعلاماً بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية والنزول عن رتبة العبودية، وإهانة لهم وتنبيهاً على المجانسة المنافية للألوهية، ولأن ما يطلق متناولاً للأجناس كلها فهو أولى بإرادة العموم. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا».
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مآ أَمَرْتَنِى بِهِ } وهو {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } رقيباً أمنعهم مما يقولون {مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى } قبضتني بالرفع إلى السماء {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } الحفيظ لأعمالهم {وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ } من قولي لهم وقولهم بعدي وغير ذلك {شَهِيدٌ } مطلع عالم به.
الخازن
تفسير : قوله تعالى إخباراً عن عيسى {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} يعني ما قلت لهم إلا قولاً أمرتني به {أن اعبدوا الله} يعني قلت لهم اعبدوا الله {ربي وربكم} يعني وحده ولا تشركوا به شيئاً {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} يعني وكنت أشهد ما يفعلون وأحصره ما دمت مقيماً فيهم {فلما توفيتني} يعني فلما رفعتني إلى السماء فالمراد به وفاة الرفع لا الموت {كنت أنت الرقيب عليهم} يعني الحفيظ عليهم المراقب لأعمالهم وأحوالهم والرقيب الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء {وأنت على كل شيء شهيد} يعني أنت شهدت مقالتي التي قلتها لهم وأنت الشهيد عليهم بعد ما رفعتني إليك لا تخفى عليك خافية فعلى هذا الشهيد هنا بمعنى الشاهد لما كان وما يكون أن يجوز أن يكون الشهيد هنا بمعنى العليم يعني أنت العالم بكل شيء فلا يعزب عن علمك شيء. قوله عز وجل إخباراً عن عيسى عليه السلام {إن تعذبهم} يعني إن تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة بأن تميتهم على كفرهم {فإنهم عبادك} لا يقدرون على دفع ضر نزل بهم ولا جلب نفع لأنفسهم وأنت العادل فيهم لأنك أوضحت لهم طريق الحق فرجعوا عنه وكفروا {وإن تغفر لهم} يعني لمن تاب من كفره منهم بأن تهديه إلى الإيمان فإن ذلك بفضلك ورحمتك {فإنك أنت العزيز} يعني في الانتقام ممن تريد الانتقام منه لا يمتنع عليك ما تريده {الحكيم} في أفعالك كلها وهذا التفسير إنما يصح على قول السدي لأنه قال كان سؤال الله عز وجل لعيسى عليه السلام حين رفعه إلى السماء قبل يوم القيامة. أما على قول جمهور المفسرين إن هذا السؤال إنما يقع يوم القيامة ففي قوله {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} إشكال وهو أنه يليق بعيسى عليه السلام طلب المغفرة لهم مع علمه بأن الله تعالى لا يغفر لمن يموت على الشرك والجواب عن هذا الإشكال من وجوه أحدها أنه ليس هذا على طريق طلب المغفرة ولو كان كذلك لقال فإنك أنت الغفور الرحيم ولكنه على تسليم الأمر إلى الله وتفويضه إلى مراده فيهم لأنه العزيز في ملكه الحكيم في فعله ويجوز في حكمته وسعة مغفرته ورحمته أن يغفر للكفار، لكنه تعالى أخبر أنه لا يفعل ذلك بقوله {إن الله لا يغفر أن يشرك به} الوجه الثاني: قيل معناه أن تعذبهم يعني أقامتهم على كفرهم إلى الموت وإن تغفر لهم يعني لمن آمن منهم وتاب ورجع عن كفره، الوجه الثالث: قال ابن الأنباري: لما قال الله لعيسى {أية : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله}تفسير : [المائدة: 116]. لم يقع لعيسى إلا أن النصارى حكت عنه الكذب لأنه لم يقل ذلك وقول الكذب ذنب فيجوز أن يسأل له المغفرة والله أعلم بمراده وأسرار كتابه (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم {أية : رب إنهن أضللن كثراً من الناس فمن تبعني فإنه مني}تفسير : [إبراهيم: 36] الآية وقول عيسى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فرفع يديه وقال اللهم أمتي أمتي فبكى فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فاسأله ما يبكيك، فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. عن أبي ذرحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حتى أصبح بآية والآية {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} تفسير : أخرجه النسائي قوله عز وجل.
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ} استئنافٌ مَسوقٌ لبـيان ما صدر عنه قد أُدرج فيه عدمَ صدورِ القول المذكور عنه على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، حيثُ حكم بانتفاء صدور جميع الأقوالِ المغايِرَةِ للمأمور به، فدخل فيه انفاءُ صدور القولِ المذكور دخولاً أولياً، أي ما أمرتُهم إلا بما أمرتني به، وإنما قيل: (ما قلت لهم) نزولاً على قضية حسن الأدب، ومراعاةً لما ورد في الاستفهام. وقوله تعالى: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ} تفسيرٌ للمأمور به، وقيل: عطفُ بـيانٍ للضمير في به، وقيل: بدلٌ منه، وليس من شرط البدل جوازُ طرحِ المُبْدَل منه مُطلقاً ليلزَمَ بقاءُ الموصول بلا عائد، وقيل: خبرُ مُضمرٍ أو مفعولُه مثلُ هو أو أعني. {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} رقيباً أراعي أحوالهم وأحمِلُهم على العمل بموجب أمرك، وأمنعهم عن المخالفة، أو مشاهداً لأحوالهم من كفر وإيمان {مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} ما مصدرية ظرفية تقدَّر بمصدرٍ مضافٍ إليه زمانٌ، ودمت صلتها، أي كنت شهيداً عليهم مدة دوامي فيما بـينهم {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى} بالرفع إلى السماء كما في قوله تعالى: {أية : إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ }تفسير : [آل عمران، الآية 55] فإن التوفيَ أخذُ الشيء وافياً، والموتُ نوع منه، قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا } تفسير : [الزمر، الآية 42] {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} لا غيرَك، (فأنت) ضميرُ الفصل أو تأكيدٌ، وقرىء (الرقيبُ) بالرفع على أنه خبرُ (أنت) والجملة خبرٌ لكان وعليهم متعلق به، أي أنت كنت الحافظَ لأعمالهم والمراقبَ فمنعتَ من أردت عِصْمتَه عن المخالفة، بالإرشاد إلى الدلائل والتنبـيه عليها، بإرسال الرسل وإنزال الآياتِ، وخذَلْتَ من خذلتَ من الضالين فقالوا ما قالوا {وَأَنتَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ} اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لما قبله، فيه إيذانٌ بأنه تعالى كان هو الشهيدَ على الكل حين كونِه عليه السلام فيما بـينهم، و(على) متعلقةٌ بشهيد، والتقديم لمراعاة الفاصلة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ} [الآية: 117]. قيل أنى يكون لى لسان القول إلا بعد الإذن بعد قولك {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255]. قوله تعالى: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ}. قيل: لما أسقطت عنى ثقل الإبلاغ، كنت أنت أعلم من إقبالهم بما أجريت عليهم من محتوم قضائك. وقال أبو بكر الفارسى فى هذه الآية: الموحد ذاهب عن حاله ووصفه وعمَّا لَهُ وعليه، وإنما هو ناظر بما يرد ويصدر ليس بينه وبين الحق حجاب، إن نطق فعنه وإن سكت فيه، حيث ما نظر كان للحق منظوره، وإن أخلده النار لم يلتمس فرجًا لأن رؤية الحق وطنه ونجاته، وهلكته من عين واحدة لم يبق حجاب إلا طمسه برؤية التفريد وكان المخاطِبُ والمخاطَب واحدًا، وإنما يخاطب الحق نفسه بنفسه لنفسه، قد تاهت العقول ودرست الرسوم وبطل ما كانوا يعملون.
القشيري
تفسير : ما دعوتُهم إلا لعبادتك، وما أمرتهم إلا لتوحيدك وتقديسك، وما دمت حياً فيهم كنت (....) على هذه الجملة، فلما فارقتُهم كان تصرفهم في قبضتك على مقتضى مشيئتك، فأنت أعلم بما كانوا عليه من وَصْفَي وفاقهم وخلافهم، ونِعَمَتَيْ اقتصادهم وإسرافهم.
البقلي
تفسير : {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ} قلت لهم الا ما امرتنى به اى ما قلت لهم الا بافراد قدمك عن الحدوث واسقاط الغير عن البين وهو قوله تعالى {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} اظهر عبوديته فى عبوديتهم فرد للموحد النزه عن الانداد والاشباه قوله تعالى {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} اى فى الدنيا فى طاعتهم وعصيانهم وما كشف لى من بعض سرائرهم ايضا اى كنت عليهم شهيدا {مَّا دُمْتُ} فى مقام الرسالة وابلاغ الوحى اليهم اما اذا افنيت عن الاكوان من صولة مشاهدتك فغاب عن اخبار اهل الكون وتصديق ذلك قوله تعالى {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} اى كيف تخفى عليك ما خلقت ظاهره وباطنه وانت قديم محيط بكل ذرة من العرش اىل الثرى فالعجز عن ذلك صفة من يتلاشى فيك كما انا حين توفيتنى عنى اليك قيل فى قوله ما قلت لهم الا ما امرتنى به انى لى لسان القول الا بعد الاذن بقولك من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه وقيل فى قوله فلما توفيتنى كنت انت الرقيب عليهم اى لما اسقطت عنى ثقل الاب رغ كنت مراقبا لهم بما اجريت عليهم من محتوم قضايك قال ابو بكر الفارسى فى هذه الأية الموحد ذاهب عن حاله ووصفه عن ماله وعليه وانما هو ناظر بما يرد ويصدر ليس بينه وبين الحق حجاب ان نطق نعته وان سكت فيه حيث ما نظر وكان الحق منظوره وان ادخله النار لم يلتمس فرجا لان رؤية الحق وطنه ونجاته وهلاكه من عين واحدة لم يبق حجاب الا طمسه برؤية التفريد وكان المخاطب والمخاطب واحدا وانما كان يخاطب الحق نفسه بنفسه لنفسه قد تاهت العقول ودرست الرسوم وبطل ما كانوا يعلمون.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به} تصريح بنفى المستفهم عنه بعد تقديم ما يدل عليه اى ما امرتهم الا ما امرتنى به وانما قيل ما قلت لهم نزولا على قضية حسن الادب ومراعاة لما ورد فى الاستفهام {ان اعبدوا الله ربى وربكم} تفسير للضمير فى به وفى امرت معنى القول وليس تفسيرا لما فى قوله ما امرتنى لانه مفعول لصريح القول والتقدير الا ما امرتنى به بلفظ هو قولك ان اعبدوا الله ربى وربكم {وكنت عليهم شهيدا} رقيبا اراعى احوالهم واحملهم على العمل بموجب امرك وامنعهم عن المخالفة او مشاهدا لاحوالهم من كفر وايمان {ما دمت فيهم} اى مدة دوامى فيما بينهم {فلما توفيتنى} اى قبضتنى اليك من بينهم ورفعتنى الى السماء {كنت أنت الرقيب عليهم} اى انت لا غيرك كنت الحافظ لاعمالهم والمراقب لها فمنعت من اردت عصمته عن المخالفة بالارشاد الى الدلائل والتنبيه عليها بارسال الرسول وانزال الآيات وخذلت من خذلت من الضالين فقالوا ما قالوا {وأنت على كل شىء شهيد} مطلع عليه مراقب له فعلى متعلقة بشهيد والتقديم لمراعاة الفاصلة.
الطوسي
تفسير : هذا اخبار عن عيسى (ع) أنه يقول لله تعالى في جواب ما قرره عليه اني لم أقل للناس الا ما أمرتني به، من الاقرار لك بالعبودية وأنك ربي وربهم وإِلهي والههم، وأمرتهم بأن يعبدوك وحدك ولا يشركوا معك في العبادة. وقال: اني كنت شهيداً أي شاهداً عليهم ما دمت فيهم بما شاهدته منهم وعلمته وبما بلغتهم من رسالتك التي حملتنيها وأمرتني بأدائها اليهم ما دمت حياً بينهم {فلما توفيتني} أي قبضتني اليك وأمتني {كنت أنت الرقيب عليهم} والرقيب هو الذي يشاهد القوم ويرقب ما يعملون ويعرف ذلك، ثم اعترف بأنه تعالى {على كل شيء شهيد} لانه عالم بجميع الاشياء لا يخفى عليه خافية ولا يغيب عنه شيء فهو يشهد على العباد بكل ما يعملونه. وفي اخباره تعالى عن المسيح أنه نفى القول الذي أدعوه عليه تأكيد لتبكيت النصارى وتكذيب لهم وتوبيخ على ما ادعوه من ذلك عليه. قال الجبائي وفي الآية دلالة على انه تعالى أمات عيسى (ع) وتوفاه عندما رفعه، لانه بيَّن انه كان شهيداً عليهم. وتوفيه اياه بعد ان كان بينهم انما كان عند رفعه اياه الى السماء عندما أرادوا قتله. وعندي أن الذي ذكره لا يدل على أنه أماته، لان التوفي هو القبض اليه ولا يستفاد منه الموت الا بشاهد الحال. ولذلك قال تعالي {أية : الله يتوفي الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها}تفسير : فبين انه يتوفى التي لم تمت فنفس التوفي لا يفيد الموت بحال. وقوله {أن اعبدوا الله} يجوز أن تكون (أن) بمعنى (أي) مفسرة في قول سيبويه، كما قال {أية : وانطلق الملأ منهم أن امشوا}تفسير : أي أمشوا، لانها مفسرة لما قبلها. والمعنى ما قلت لهم إِلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله. ويجوز أن تكون (أن) في موضع خفض على البدل من الهاء وتكون (أن) موصولة بـ {اعبدوا الله}. ومعناه الا ما أمرتني به بأن يعبدوا الله، ويجوز أن تكون موضعها نصبا على البدل من (ما) والمعنى ما قلت لهم شيئا الا أن أعبدوا الله، أي ما ذكرت لهم إِلا عبادة الله. وقوله {أن اعبدوا الله ربي وربكم} شاهد بلفظ الانجيل فأنه ذكر في الفصل الرابع من انجيل لوقا، قال المسيح:، مكتوب أن اسجد لله ربك وإِياه وحده فأعبد، وهذا لفظه وهو صريح التوحيد.
الجنابذي
تفسير : {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} ان تفسيريّة بمنزلة اى تفسير للقول بجعل القول بمعنى الامر او تفسير لامرتنى بتقدير امر من القول بعد ان، والتّقدير ما قلت لهم الاّ ما امرتنى به ان قل اعبدوا الله وحينئذٍ لا حاجة الى تكلّف فى ذكر ربّى وربّكم بعد اعبدوا الله، او مصدريّة بدلاً او بياناً لما والقول بمعنى الامر او للضّمير المجرور ولا يلزم فى البدل جواز طرح المبدل منه حتّى يقال: يلزم منه بقاء الموصول بدون العائد، او ان تفسيريّة تفسير لامرتنى من دون تقديرٍ ويكون ذكر ربّى وربّكم حكاية لما قال لهم من عند نفسه منضمّاً الى المحكّى اشعاراً بانّه حين أمرهم بالعبادة اقرّ لنفسه بالعبوديّة وانّ اقرارهم بالرّبوبيّة له كان لاتّباع الهوى لا بشبهةٍ نشأت من قوله ويجوز ان يكون خبر مبتدء محذوف او مفعول فعل محذوف {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} مراقباً لهم على اعمالهم {مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تعميم بعد تخصيص دفعاً لتوهّم التّخصيص.
الهواري
تفسير : {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَن اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} وهذه وفاة الرفع إلى السماء {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} أي الحفيظ عليهم {وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} أي: فبإقامتهم على كفرهم {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ} فَبِتَوْبَةٍ كانت منهم {فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}. {قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} والصادقون هاهنا هم النبيون. {يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} أي: أنهم قد بلغوا الرسالة. وهي تقرأ على وجه آخر: هذا يومٌ، منونة، يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} وقد فسّرنا الأنهار في غير هذا الموضع. {خَالِدِينَ فِيهَا} لا يموتون ولا يخرجون منها. {رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} أي الثواب. {ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ}. قال بعضهم: فازوا من النار إلى الجنة. وقال الحسن: الفوز العظيم: النجاة العظيمة. {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ} [أي وملك ما فيهن] {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
اطفيش
تفسير : {مَا قُلتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِى بِهِ}: قيل تصريح بنفى المستفهم عنه بعد تقديم ما يدل عليه، وقيل: ان دلالة الحصر على ما احترز عنه بالحصر مفهوم لا منطوق، فكون عيسى لم يقل لهم ما لم يأمره به مفهوم، لقوله: {مَا قُلتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِى بِهِ} أو منطوق له قولان محلهما علم البيان والأصول. {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبَّى وَرَبَّكُمْ}: المصدرية داخلة على فعل أمر، والمصدر مما بعدها عطف بيان على هاء به بناء على جواز عطف البيان على الضمير، ومنعه ابن مالك وابن السيد، لأنه فى الجوامد كالنعت فى المشتقات، والضمير لا ينعت، فكذا لا يعطف عليه عطف بيان، أو بدل منها مطلق، ولو كان لا يصح اسقاط المبدل منه لخلو الموصول عن الرابط، وليس كل مبدل منه يصح اسقاطه، بل تارة وانما المعتمد أن المراد بالذات البدل، ولو قلت فى: نفعنى زيد علمه نفعنى علمه لبقى الهاء بلا مرجع، أو خبر لمحذوف أى هو أن اعبدوا الله بناء على جواز الاخبار بالطلب، أو مفعول لمحذوف، أى أعنى أن اعبدوا الله، ولا يجوز أن يكون بدلا من ما الموصولة، أو عطف بيان عليها، لأنها مفعول للقول والمصدر مفرد ليس فى معنى الجملة، والقول لا ينصب المفرد الا ان كان من معنى الجملة أو الجمل، كقلت كلاماً، وقلت قصيدة الا أن يقال اغتفر هنا فى الثانى ما لم يغتفر فى الأول. أو يقال لما كان اللفظ قبل التأويل بالمصدر جملة، صح أن ينصب المصدر غير الصريح، أو يضمن قلت معنى ذكرت، وأما ما فهى فى معنى الجملة، لأن الله جل أمره بقوله: {أية : اعبدونى }تفسير : فالله قال: {أية : اعبدونى }تفسير : وعيسى قال: يقول لكم الله اعبدونى، ولا يجوز أن تكون ان مفسرة، لأنها تكون مفسرة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، ولأن الله تعالى لا يقول: اعبدوا ربى، اللهم الا أن يقال القول بمعنى الأمر، واللام تأكيد مع مناسبة لفظ القول لها، ويقدر معنى الياء فيما أمرتنى أى ما أمرتهم الا بما أمرتنى به، فيبقى أن الله جل جلاله لا يقول: اعبدوا ربى وربكم، فيجاب بما مر آنفاً أنه لا يلزم صلاحه وقوع البدل فى موضع المبدل منه، فلا يضر أنه لا يصح أن يقول الله اعبدوا ربى وربكم. وأيضا يعتبر لفظ عيسى لهم أى الا ما أمرتنى أن أقوله، وهو أن أقول لهم: {اعْبُدُوا اللهَ رَبَّى وَرَبَّكُمْ} ومعنى اعبدوا الله ربى وربكم اعبدوه وحده، وفهم ذلك من وصفه بأنه ربهم فلا يسوغ أن يعبدوا غير من هو الرب عز وجل. {وَكُنتُ عَلَيْهِم شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهمْ}: رقيباً عليهم نهاهم عن الاشراك، وأمرهم بالتوحيد والعبادة، وترك المعصية فلا أقول لهم اتخذونى وأمى الهين من دون الله، أو مشاهداً لأحوالهم من كفر وايمان. {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى}: قبضتنى بالرفع الى السماء بلا موت، أو بعد موت كما مر فى محله، والتوفى أخذ الشىء وافياً ومنه قيل للموت وفاة. {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم}: المراقب لأحوالهم من كفر وايمان، وطاعة ومعصية، فتعصم من أردت عصمته، وتخذل من سبقت له الشقاوة، ولكن بعد أن بينت له سبيل الرشاد، فاختار الضلال والبيان بما سبق قبل عيسى من الرسل والكتب، وبعيسى وانجيله وما بعده وهو القرآن ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. {وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ شَهِيدٌ}: رقيب مطلع عليه عالم به، فأنت تعلم ما قلت لهم يا رب.
اطفيش
تفسير : {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعْبُدُوا الله رَبِّى وَرَبَّكمْ} تأكيد لقوله سبحانك، ولقوله ما يكون لى أَن أَقول ما ليس لى بحق، وللمراد بقوله إِن كنت قلته فقد علمته، فإِنه انتفاء من أَن يقوله، وأَن اعبدوا الله ربى وربكم تفسير لقوله ما أَمرتني فيكون فى قوله ربى وربكم التفات من الغيبة إِلى غيرها، والأَصل ان اعبدوا الله رب كل شئ ومن كان ربا لعيسى ومخاطبيه يكون رباً لكل شئ فلا يكون قوله ربى وربكم مانعاً من التفسير، وذلك التفات، وأَجاز بعض أَن يكون المعنى ما قلت لهم شيئاً سوى قولك قل لهم أَن اعبدوا الله ربى وربكم، وضع القول موضع الأَمر فصح ذلك بلا تأْويل بالالتفات السكاكى وفيه تكلف، ويجوز تضمين القول معنى الأَمر فيصح أَن يكون تفسيراً للقول وأَما على إِبقائه على ظاهره فلا لأَن (أن) التفسيرية لا تتوسط بين القول ومحكيه، وقال ابن الصائغ وأَبو حيان أَن تفسيرية لاعبدوا الله، ومن أَجاز دخول أَن المصدرية على الأَمر والنهى أَجاز أَن يكون مصدر اعبدوا بدلا أَو بياناً من ما فى قوله إِلا ما أَمرتنى به، والقول يحكى به الجملة والمفرد الذى فى معنى الجملة مثل ما هذه فإِنها حكيت بالقول مع أَنها مفرد، ومثل لفظ العبادة فى مقام الأَمر بها فإنها تؤدى بقولك اعبدوا، فمعنى قولك ما قلت لهم إِلا العبادة إِلا الأَمر بها، ولا سيما أَن الجملة قبل التأويل بالمصدر موجودة، أَو يضمن القول معنى الذكر فينصب المفرد، وذكر العبادة أَمر بها أَو بدلا أَو بياناً من هاء به، ولا يشترط في البدل أَن يحل محل المبدل منه من كل وجه، فلو قلت في أَكلت الرغيف ثلثه أَكلت ثلثه لم يتبين مرجع الضمير، فكذا لو قلت ما قلت لهم إِلا ما أمرتنى عبادة الله ربى وربكم لبقى الموصول بلا عائد {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} رقيباً أَنهاهم عن الكفر، وشاهداً لأَحوالهم من كفر وإِيمان {مَا دُمْتُ فِيهِمْ} أى مدة الماضية من كونى فيهم {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى} أَمتنى فى الأَرض بلا قتل كما قيل أَنه مات، وأَحياه الله ورفعه إِلى السماء، ويبعد أَن يقال أَمتنى عند قرب الساعة فكنت عليهم شهيداً فيما بقى من الدنيا بعدى، وقبل ذلك كنت شاهداً عليهم قبل الرفع وفى السماء بعد الرفع بأَن يؤتى بأَخبارهم إِليه فى المساء، أَو المراد بالتوفى إِليه رفعه بلا موت أَى أَخذتنى وافياً إِلى السماء لأَن التوفى بمعنى الأَخذ وارد، والجمهور على أَنه رفع بلا موت قبله، وقيل مات وأَحياه ورفعه، وكذا تقول النصارى {كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} الحافظ لأَعمالهم والمراقب لأَحوالهم والموفق لمن أَردت والخاذل لمن أَردت، أَو الرقيب بارسال الدلائل وإِقامة الحجج، قال الغزالى: الرقيب أَخص من الحافظ؛ لأَن الرقيب هو الذى يراعى الشئَ ولا يغفل عنه أَصلا ويلاحظه ملاحظة واجبة لازمة ولو كانا فى صفة الله سواءً {وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَئْ} ومنه قولى لهم وقولهم معى وبعدى {شَهِيدٌ} مطلع عالم.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } استئناف ـ كما قال شيخ الإسلام ـ مسوق لبيان ما صدر عنه عليه السلام قد أدرج فيه عدم صدور القول المذكور عنه على أبلغ وجه وآكده حيث حكم بانتفاء صدور جميع الأقوال / المغايرة للمأمور به فدخل فيه انتفاء صدور القول المذكور دخولاً أولياً. والمراد عند البعض ما أمرتهم إلا بما أمرتني به إلا أنه قيل: {مَا قُلْتُ لَهُمْ } نزولاً على قضية حسن الأدب لئلا يجعل ربه سبحانه ونفسه معاً آمرين ومراعاة لما ورد في الاستفهام. ودل على ذلك بإقحام أن المفسرة في قوله تعالى: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ }. ولا يرد أن الأمر لا يتعدى بنفسه إلى المأمور به إلا قليلاً كقوله: شعر : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به تفسير : فكذا ما أول به لأنه ـ كما قال ابن هشام ـ لا يلزم من تأويل شيء بشيء أن يتعدى تعديته كما صرحوا به لأن التعدية تنظر إلى اللفظ. نعم قيل في جعل أن مفسرة بفعل الأمر المذكور صلته نحو أمرتك بهذا أن قم نظر أما في طريق القياس فلأن أحدهما مغن عن الآخر. وأما في الاستعمال فلأنه لم يوجد. ونظر فيما ذكر في طريق القياس لأن الأول لا يغني عن الثاني والثاني لا يغني عن الأول وللتفسير بعد الإبهام شأن ظاهر. وادعى ابن المنير أن تأويل هذا القول بالأمر كلفة لا طائل وراءها وفيه نظر. وجوز إبقاء القول على معناه و {أَنِ ٱعْبُدُواْ } إما خبر لمضمر أي هو أن اعبدوا أو منصوب بأعني مقدراً، وقيل: عطف بيان للضمير في {بِهِ }، واعترض بأنه صرح في «المغني» بأن عطف البيان في الجوامد بمنزلة النعت في المشتقات فكما أن الضمير لا ينعت لا يعطف عليه عطف بيان، وأجيب بأن ذلك من المختلف فيه وكثير من النحاة جوزوه. وما في «المغني» قد أشار شراحه إلى رده، وقيل: بدل من الضمير بدل كل من كل. ورده الزمخشري في «الكشاف» بأن المبدل منه في حكم التنحية والطرح فيلزم خلو الصلة من العائد بطرحه، وأجيب عنه بأن المذهب المنصور أن المبدل منه ليس في حكم الطرح مطلقاً بل قد يعتبر طرحه في بعض الأحكام كما إذا وقع مبتدأ فإن الخبر للبدل نحو زيد عينه حسنة ولا يقال حسن. وقد يقال أيضاً: إنه ليس كل مبدل منه كذلك بل ذلك مخصوص فيما إذا كان البدل بدل غلط، وأجاب بعضهم بأنه وإن لزم خلو الصلة من العائد بالطرح لكن لا ضير فيه لأن الاسم الظاهر يقوم مقامه كما في قوله: شعر : وأنت الذي في رحمة الله أطمع تفسير : ولا يخفى أن في صحة قيام الظاهر هنا مقام الضمير خلافاً لهم، وجوز أن يكون بدلاً من {مَا أَمَرْتَنِى بِهِ }، واعترض بأن {مَا } مفعول القول ولا بد فيه أن يكون جملة محكية أو ما يؤدي مؤداها أو ما أريد لفظه وإذا كان العبادة بدلاً كانت مفعول القول مع أنها ليست واحداً من هذه الأمور فلا يقال: ما قلت لهم إلا العبادة، وفي «الانتصاف» «أن العبادة وإن لم تقل فالأمر بها يقال وأن الموصولة بفعل الأمر يقدر معها الأمر فيقال هنا ما قلت لهم إلا الأمر بالعبادة ولا ريب في صحته لأن الأمر مقول بل قول على أن جعل العبادة مقولة غير بعيد على طريقة { أية : ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } تفسير : [المجادلة: 3] أي الوطء الذي قالوا قولاً يتعلق به وقوله تعالى: { أية : وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } تفسير : [مريم: 80] ونحو ذلك»، وفي «الفرائد» أن المراد ما قلت لهم إلا عبادته أي الزموا عبادته فيكون هو المراد من {مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } ويصح كون هذه الجملة بدلاً من (ما أمرتني به) من حيث إنها في حكم المراد لأنها مقولة و {مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } مفرد لفظاً وجملة معنى ولا يخلو عن تعسف، وجوز إبقاء القول على معناه وأن مفسرة إما لفعل القول أو لفعل الأمر، واعترض بأن فعل القول لا يفسر بل يحكي به ما بعده من الجمل ونحوها وبأن فعل الأمر مسند إلى الله تعالى وهو لا يصح تفسيره بأعبدوا الله ربـي وربكم بل بأعبدوني أو أعبدوا الله ونحوه، وأجيب عن هذا بأنه «يجوز أن يكون حكاية بالمعنى كأنه عليه السلام حكى معنى قول / الله عز وجل بعبارة أخرى وكأن الله تعالى قال له عليه السلام: مرهم بعبادتي أو قال لهم على لسان عيسى عليه السلام: اعبدوا الله رب عيسى وربكم فلما حكاه عيسى عليه السلام قال: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ } فكنى عن اسمه الظاهر بضميره كما قال الله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: { أية : قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى * ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ } تفسير : [طه: 52-53] فإن موسى عليه السلام لا يقول فأخرجنا بل فأخرج الله تعالى لكن لما حكاه الله تعالى عنه عليه السلام رد الكلام إليه عز شأنه وأضاف الإخراج إلى ذاته عز وجل على طريقة المتكلم لا الحاكي وإن كان أول الكلام حكاية. ومثله قوله تعالى: { أية : لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } تفسير : [الزخرف: 9] إلى قوله سبحانه: { أية : فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } تفسير : »[الزخرف: 11] إلى غير ذلك. وقال أبو حيان: «يجوز أن يكون المفسر {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } ويكون {رَبّى وَرَبَّكُمْ } من كلام عيسى عليه السلام على إضمار أعني [أي أعني ربي وبكم] لا على الصفة» لله عز اسمه واعتمده ابن الصائغ وجعله نظير قوله تعالى: { أية : إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 157] على رأي. وفي «أمالي ابن الحاجب» إذا حكى حاك كلاماً فله أن يصف المخبر عنه بما ليس في كلام المحكي عنه، واستبعد ذلك الحلبـي والسفاقسي وهو الذي يقتضيه الإنصاف. وقيل على الأول: إن بعضهم أجاز وقوع أن المفسرة بعد لفظ القول ولم يقتصر بها على ما في معناه فيقع حينئذٍ مفسراً له لكن أنت تعلم أنه لا ينبغي الاختلاف في أنه لا يقترن المقول المحكي بحرف التفسير لأن مقول القول في محل نصب على المفعولية والجملة المفسرة لا محل لها فلعل مراد البعض مجرد الوقوع والتزام أن المقول محذوف وهو المحكي وهذا تفسير له أي ما قلت لهم مقولاً فتدبر فقد انتشرت كلمات العلماء هنا. {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } أي رقيباً أراعي أحوالهم وأحملهم على العمل بموجب أمرك من غير واسطة ومشاهداً لأحوالهم من إيمان وكفر. و {عَلَيْهِمْ } كما قال أبو البقاء متعلق بشهيداً، لعل التقديم لما مر غير مرة {مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } أي مدة دوامي فيما بينهم {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى } أي قبضتني بالرفع إلى السماء كما يقال توفيت المال إذا قبضته. وروي هذا عن الحسن وعليه الجمهور. وعن الجبائي أن المعنى أمتني وادعى أن رفعه عليه السلام إلى السماء كان بعد موته وإليه ذهب النصارى وقد مر الكلام في ذلك. {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } أي الحفيظ المراقب فمنعت من أردت عصمته عن المخالفة بالإرشاد إلى الدلائل والتنبيه عليها بإرسال الرسول وإنزال الآيات وخذلت من خذلت من الضالين فقالوا ما قالوا، وقيل: المراد بالرقيب المطلع المشاهد، ومعنى الجملتين إني ما دمت فيهم كنت مشاهداً لأحوالهم فيمكن لي بيانها فلما توفيتني كنت أنت المشاهد لذلك لا غيرك فلا أعلم حالهم ولا يمكنني بيانها، ولا يخفى أن الأول أوفق بالمقام، وقد نص بعض المحققين أن الرقيب والشهيد هنا بمعنى واحد وهو ما فسر به الشهيد أولاً ولكن تفنن في العبارة ليميز بين الشهيدين والرقيبين لأن كونه عليه الصلاة والسلام رقيباً ليس كالرقيب الذي يمنع ويلزم بل كالشاهد على المشهود عليه ومنعه بمجرد القول وأنه تعالى شأنه هو الذي يمنع منع إلزام بالأدلة والبينات. و {أَنتَ } ضمير فصل أو تأكيد و {الرَّقِيبَ } خبر كان. وقرىء {الرقيب} بالرفع على أنه خبر (أنت)، والجملة خبر كان و {عَلَيْهِمْ } في القراءتين متعلق بالرقيب. وقوله سبحانه: {وَأَنتَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } تذييل مقرر لمضمون ما قبله وفيه ـ على ما قيل ـ إيذان بأنه سبحانه كان / هو الشهيد في الحقيقة على الكل حين كونه عليه السلام فيما بينهم. و {عَلَىٰ } متعلقة بشهيد، والتقديم لمراعاة الفاصلة.
الواحدي
تفسير : {وكنتُ عليهم شهيداً} أَيْ: كنت أشهد على ما يفعلون ما كنتُ مقيماً فيهم {فلما توفيتني} [يعني: رفعتني] إلى السَّماء {كنت أنت الرقيب} الحفيظ {عليهم وأنت على كلِّ شيء شهيد} أَيْ: شهدت مقالتي فيهم، وبعد ما رفعتني شهدتَ ما يقولون من بعدي. {إن تعذبهم} أَيْ: من كفر بك {فإنهم عبادك} وأنت العادل فيهم {وإن تغفر لهم} أَيْ: مَنْ تاب منهم وآمن فأنت عزيرٌ لا يمتنع عليك ما تريد، حيكمٌ في ذلك. {قال الله: هذا يوم} يعني: يوم القيامة {ينفع الصادقين} في الدُّنيا {صدقهم} لأنَّه يوم الإِثابة والجزاء {رضي الله عنهم} بطاعته {ورضوا عنه} بثوابه {ذلك الفوز العظيم} لأنهم فازوا بالجنَّة. {لله ملك السموات والأرض} عظَّم نفسه عمَّا قالت النصارى: إنَّ معه إلهاً.
د. أسعد حومد
تفسير : (117) - إِنَّنِي لَمْ أَقُلْ لَهُمْ فِي أمْرِ الإِيْمَانِ، وَأَسَاسِ الدِّينِ إلا الذِي أرْسَلْتَنِي بِهِ، وَأمَرْتَنِي بِإِبْلاَغِهِ، وَهُوَ أنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، وَكُنْتُ شَهِيداً عَلَى أعْمَالِهِمْ حِينَ كُنْتُ حَيّاً بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الشَّاهِدَ الرقِيبَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ. تَوَفَّيْتَنِي - أَخَذْتَنِي إلَيْكَ وَافِياً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد عرض سيدنا عيسى عليه السلام - من خلال قوله لربه تبارك وتعالى - المنهج الذي جاء به على الناس جميعاً وبلغه تمام البلاغ، فقد أبلغ أنه عبد الله وأنه لرسوله، ومادام الحق علاّم الغيوب فهو أعلم بكل شيء حتى بما في النفس، كأنه يثبت أيضاً أن نفسه لم تحدثه بأي خاطر من تلك الخواطر. ويعلن أنه لم يبلغ إلا ما أمر به ربه. {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117]. والشهيد هو الرائي الذي لا عمل له في تحريك المشهود إلى غير ما شهده. ويقول عيسى ابن مريم عليه السلام: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْْ} وأمر توفيه الحق لرسالة عيسى ورفعه إليه، قد ذكرناه من قبل في خواطرنا ولكن أضيف الآن بعضاً من اللمحات؛ لأني أرى أنّ من حق كل قارئ أو متلق لهذه الخواطر أن يجد الخلاصة الملائمة التي تغنيه عن الرجوع إلى ما سبق من قول في هذا الأمر، وذلك حتى تتصل المعاني في ذهن القارئ. لقد كان لميلاد عيسى عليه السلام ضجة، وكذلك كان لمسألة توفِّي الله له ضجة. ولقد شبه الله لقتلة عيسى أنهم قتلوه، فعندما أرادوا أن يقتلوه دخل خوخة، والخوخة هي باب في باب، وهذا نظام البيوت القديمة حيث يوجد باب كبير لإدخال الأشياء الكبيرة وفي هذا الباب الكبير يوجد باب صغير يسمح بمرور الأفراد. وفي سقف هذا البيت فتحة. وعندما دخل رجل يدعى "تطيانوس" طالباً لعيسى عليه السلام نظر عيسى لأعلى ووجد شيئاً قد رفعه، واستبطأ القوم تطيانوس وخرج عليهم من بعد ذلك، فتساءلوا: إن كان هذا تطيانوس فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين تطيانوس؟ إذن فقد اختلط عليهم الشبه بعد أن ألقى الله شبه عيسى على تطيانوس. أو أن عيسى حينما دخلوا عليه كان معه الحواريون وقال عيسى للحواريين: أيكم يُلقى شبهي عليه وله الجنة؟. وكان كل حواري يعلم أنه لا رسالة له مثل عيسى عليه السلام. فماذا إذن يريد الحواري لنفسه أكثر من الجنة؟. وتقدم "سرخس" فألقي عليه شبه المسيح عليه السلام وقتل اليهود سرخس. أو أن الذين ذهبوا لقتل عيسى وعرفوا أنه رفع فخافوا أن تنتشر حكاية رفع عيسى بين الناس فيؤمنوا به، ولهذا جاء القتلة بشخص وقتلوه، أو أن القتيل هو واحد ممن باعوا عيسى لليهود وتيقظت في نفسه ملكة التوبة فقدم نفسه بدلاً وفداءً للرسول. ومسألة التوفي - كما نعلم - هي الأخذ كاملاً دون نقض للبنية بالقتل، ونحن - المسلمين - نعرف أن الحق رفع محمداً صلى الله عليه وسلم بالإسراء والمعراج إلى السموات وعاد إلينا مرة أخرة ليكمل رسالته؛ لذلك نصدق أمر رفع عيسى وأن الله توفاه، أي استرده كاملاً دون نقض للبنية، وأنه سيعود مرة أخرى ليصلي خلف مؤمن بالله وبمحمد رسول الله. وإن أمر الرفع في الإسلام مقبول. فقد رفع الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالمعراج، ودار بينه وبين إبراهيم عليه السلام حوار، وكذلك دار حوار بينه وبين يحيى عليه السلام، وآدم عليه السلام وغيرهم من الأنبياء، وفرض الحق الصلاة على أمة المسلمين في تلك الرحلة. نحن - إذن - نصدق تماماً مسألة صعود الإنسان بشحمه ولحمه إلى السماء كأمر وارد وحاصل، أما طول المدة أو عدمها فذلك لا ينقض المبدأ. أما مسألة ارتباط نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض بقيام الساعة، فالنصوص في هذه المسألة من القرآن الكريم محتملة وغير قطعية الدلالة، وقد وردت في السنة النبوية المطهرة، ولكنها غير معلومة من الدين بالضرورة فلا نكفر من يتأبى عليه فهمها، وقد أراد الحق سبحانه الرحمة بالخلق؛ لذلك فكل شيء يقف فيه العقل ولا يزيد به حكم من الأحكام يأتي به الله في أسلوب لا يسبب الفتنة. فإن صدقنا أن عيسى رفع فلن يزيد ذلك علينا حكماً ولن ينقض حكماً، ولذلك جاء الحق سبحانه بمسألة الإسراء بنص قطعي، أما مسألة المعراج فلم تأت نصاً في القرآن بل جاءت التزاماً لأن الحق سبحانه قال: {أية : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النجم: 13-15]. وهكذا فالإسراء آية أرضية، والمعراج آية سماوية. والآية الأرضية يمكن أن يقيم رسول الله الدليل عليها، وقد ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ووصفه لهم بقوله سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} تفسير : [الإسراء: 1]. لقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أوصاف القوافل التي رآها في طريق العودة، إذن كان الإسراء آية أرضية، أما الآية السماوية وهي المعراج فجاءت التزاماً وكذلك أمر رفع عيسى عليه السلام، فمن يرى أن ذلك جاء من طلاقة قدرة الله فهو يصدق ذلك. ومن يقف عقله نقول له: إن وقوف عقلك لا يخرجك عن الإيمان واليقين. وعندما نتأمل بالدقة اللغوية كلمة "توفيتني" نجد "توفاه" قد تعني أماته، فالحق سبحانه يقول: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} تفسير : [السجدة: 11]. والحق سبحانه وتعالى يقول أيضاً: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} تفسير : [الزمر: 42]. إنه سبحانه يسمي النوم وفاة، وسماه - أيضاً - موتاً. وهو أمر فيه إرسال وفيه قبض. ومعنى الموت في بعض مظاهره غياب حس الحياة، والذي ينام إنما يغيب عن حس الحياة، إذن فمن الممكن أن تكون الوفاة بمعنى النوم. ويقال أيضاً عن الدِّين توفيت دَيني عند فلان أي أخذت دَيني كاملاً غير منقوص. وكذلك أمر قتل المسيح قال فيه الحق جل وعلا القول الفصل: {أية : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 157]. ونعرف أن الموت يقابله القتل أيضاً، فالحق يقول: {أية : أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} تفسير : [آل عمران: 144]. فالموت خروج الروح مع بقاء الأبعاض سليمة، أما القتل فهو إحداث إتلاف في البنية فتذهب الروح.وقد قال الحق على لسان المسيح: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} أي أخذتني كاملاً غير منقوص. وهذه مسألة لا تنقض الرفع. ونعلم أن كل ذلك سيكون مجالاً للحوار بين عيسى ابن مريم والحق سبحانه يوم المشهد الأعظم جاء به القرآن لنا ليخبرنا بالذي يُثَبِّت صدق الإيمان. إن عيسى عليه السلام يقول عن نفسه: إنه مجرد شهيد على قومه في زمن وجوده بينهم، ولكن بعد أن رفعه الله إليه فالرقابة على القوم تكون لله، فالحق سبحانه شهيد دائماً ورقيب دائماً، ولكن عيسى ببشريته يقدر أن يشهد فقط، والله القادر وحده على أن يشهد ويغير ويمنع. ويخبرنا الحق من بعد ذلك بما جاء على لسان عيسى ابن مريم في قوله الكريم: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ...}
الأندلسي
تفسير : {مَا قُلْتُ لَهُمْ} أخبر أنه لم يتعد أمر الله تعالى في أن أمر بعبادته وأقر بربوبيته. وفي قوله: ربي وربكم، براءته مما ادعوه فيه. قال الحوفي وابن عطية: وان في أن اعبدوا مفسرة لا موضع لها من الإِعراب ويصح أن يكون بدلاً، وما ويصح أن تكون بدلاً من الضمير في به، وزاد ابن عطية أنه يصح أن تكون في موضع خفض على تقدير بأن اعبدوا وأجاز أبو البقاء الجر على البدل من الهاء، والرفع على إضمار هو، والنصب على إضمار أعني أو بدلاً من موضع به. وقال أبو عبد الله الرازي: كان الأصل أن يقال ما أمرتني به، إلا أنه وضع القول موضع الأمر نزولاً على موجب الأدب. قال الحسن: إنما عدل لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معاً، ودل على أن الأصل ما ذكر أن المفسرة. "انتهى". وقال الزمخشري: أن في قوله: أن اعبدوا الله، إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بد من مفسر، والمفسر اما فعل القول واما فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له، اما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن توسط بينهما حرف التفسير لا نقول ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله، ولكن ما قلت لهم إلا اعبدوا الله، وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله تعالى فلو فسرته باعبدوا الله ربي وربكم لم يستقم لأن الله تعالى لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها موصولة بالفعل لم يخل من أن تكون بدلاً من ما أمرتني به أو من الهاء في به، وكلاهما غير مستقيم، لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه، ولا يقال ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله بمعنى ما قلت لهم إلا عبادته لأن العبادة لا يقال، وكذلك إذا جعلته بدلاً من الهاء لأنك لو أقمت أن اعبدوا الله مقام الهاء فقلت: إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله، لم يصح لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته. فإِن قلت: كيف تصنع؟ قلت: يحمل فعل القول على معناه لأن معنى ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم، ويجوز أن تكون موصولة عطفاً على بيان الهاء لا بدلاً. "انتهى". وفيه بعض تعقب. أما قوله: وأما فعل الأمر إلى آخر المنع، وقوله: لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، فإِنما لم يستقم لأنه جعل الجملة وما بعدها مضمومة إلى فعل الأمر ويستقيم فعل الأمر أن يكون مفسراً بقوله: اعبدوا الله ويكون ربي وربكم من كلام عيسى عليه السلام على إضمار أعني، أي أعني ربي وربكم، لا على الصفة التي فهمها الزمخشري فلم يستقم ذلك عنده. وأما قوله: لأن العبادة لا تقال، فصحيح لكن ذلك يصح على حذف مضاف أي ما قلت لهم إلا القول الذي أمرتني به قول عبادة الله أي القول المتضمن عبادة الله، وأما قوله: لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته، فلا يلزم في كل بدل أن يحل محل المبدل منه ألا ترى إلى تجويز النحويين زيد مررت به أبي عبد الله. ولو قلت: مررت بأبي عبد الله لم يحز ذلك إلا على رأي الأخفش. وأما قوله: عطفاً على بيان للهاء، فهذا فيه بعد لأن عطف البيان أكثره بالجوامد الاعلام، وما اختاره الزمخشري وجوزه من كون أن مفسرة لا يصح لأنها جاءت بعد الا وكل ما كان بعد إلا المستثنى بها فلا بد أن يكون له موضع من الإِعراب وأن التفسيرية لا موضع لها من الإِعراب ويظهر لي أن تكون أن مفسرة لفعل محذوف يدل على معنى القول وتقديره أمرتهم أن اعبدوا الله، ويدل على هذا الفعل قوله: ما أمرتني، وإذا أمره الله بشيء فلا بد أن يأمر به عباده، والذي صدر من عيسى عليه السلام في غير موضع أمره بعبادة الله تعالى. ومنه وقال المسيح: يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم، وقال: إن الله ربي وربكم فاعبدوه، ولو ذهب ذاهب إلى أنّ انْ زائدة لمجرد التوكيد، وإن قوله: اعبدوا الله ربي وربكم، من قوله: ما أمرتني به، لكان وجهاً حسناً سائغاً، وصار التقدير إلا ما أمرتني به اعبدوا الله ربي وربكم. {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} أي رقيباً كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من قول ذلك أن يتدينوا به وأتى بصيغة فعيل للمبالغة كثير الحفظ عليهم والملازمة لهم، وما ظرفية، ودام تامة أي ما بقيت فيهم أي شهيداً في الدنيا. {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} هي وفاة رفعه عليه السلام إلى السماء لا وفاة الموت ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ}تفسير : [النساء: 157-158]. وتظافرت الأخبار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه في السماء حي وأنه ينزل ويقتل، وقال تعالى: {أية : وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}تفسير : [النساء: 159]، به أي بعيسى قبل موته أي الموتة الحقيقية. {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الآية قال أهل السنة: مقصود عيسى عليه السلام تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى وترك الاعتراض بالكلية، ولذلك ختم الكلام بقوله: فإِنك أنت العزيز الحكيم، أي قادر على كل ما تريد حكيم في كل ما تفعل لا اعتراض عليك. {هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} قرأ الجمهور: هذا يوم، بالرفع على أن هذا مبتدأ ويوم خبره والجملة محكية يقال: وهو في موضع المفعول به لقال. وقرأ نافع: هذا يوم بفتح الميم فخرجه الكوفيون على أنه مبني خبراً لهذا ويبنى لإِضافته إلى الجملة الفعلية المصدرة بالمضارع فتتحد القراءتان والبصريون لا يجيزون بناء الظرف إلا إذا كانت الجملة مصدرة بالفعل الماضي نحو: عجبت من يوم قدم زيد، وهذه المسألة ذكرت في علم النحو. {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} هذا كأنه جواب سائل سأل ما لهم جزاء على الصدق فقيل: لهم جنات. {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} إشارة إلى تأييد الديمومة في الجنة. {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} ذلك إشارة إلى ما تقدم من كينونة الجنة لهم على التأييد وإلى رضوان الله عنهم، لأن الجنة بما فيها كالعدم بالنسبة إلى رضوان الله تعالى. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يطلع الله على أهل الجنة فيقول: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون يا ربنا وكيف لا نرضى وقد بعدتنا عن نارك وأدخلتنا. فيقول الله عز وجل: ولكم عندي أفضل من ذلك. فيقولون: وما أفضل من ذلك؟ فيقول الله عز وجل: عليكم رضائي فلا أسخط عليكم بعدها أبداًتفسير : . وقال أبو عبد الله الرازي: مفتتح السورة كان بذكر العهد المنعقد بين الربوبية والعبودية فيشرع العبد في العبودية وينتهي إلى الفناء المحصن عن نفسه بالكلية، فالأول هو الشريعة وهو البداية، والآخر هو الحقيقة وهو النهاية، فمفتتح السورة من الشريعة ومختتمها بذكر كبرياء الله وجلاله وقهره وعزته وعلوه وذلك هو الوصول إلى مقام الحقيقة فما أحسن المناسبة بين ذلك المفتتح وهذا المختتم. "انتهى". وليست الحقيقة والشريعة والتمييز بينهما من ألفاظ الصحابة والتابعين وإنما ذلك من ألفاظ الصوفية ولهم في ذلك كلام طويل.
الجيلاني
تفسير : ثم بسط عيسى الكلام مع ربه؛ تشفياً، فقال: {مَا قُلْتُ لَهُمْ} قولاً {إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ} أي: بتبليغه وإيصاله إليهم، وهو {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الذي هو {رَبِّي} أوجدني من العدم، ورباني بأنواع اللطف والكرم {وَرَبَّكُمْ} أيضاً أوجدكم من العدم مثلثي، ورباكم، فتكون نسبة إيجاده وتربيته علي وعليكم على السواء، ما ترى من تفاوت في خلقه {وَكُنتُ} بأمرك وإرسالك ووحيك {عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أحفظهم بتوفيقكم عن أمثال هذه الهذيانات الباطلة {مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} ورفعتني بجودك إلى ما رفعتني {كُنتَ} بذاتك وأسمائك وأوصافك {أَنتَ الرَّقِيبَ} المحافظ {عَلَيْهِمْ} المولي لأمورهم، تضلهم وتهديهم، ترشدهم وتغويهم {وَأَنتَ} المنزه بذاتك عن جميع الأكوان {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من الأمور الكائنة {شَهِيدٌ} [المائدة: 117] حاضر غير مغيب. {إِن تُعَذِّبْهُمْ} عدلاً {فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} فلك أن تتصرف فيهم على أي وجه تتعلق إرادتكم ومشيئتك {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ} فضلاً وطولاً {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب على الإنعام والانتقام {ٱلْحَكِيمُ} [المائدة: 118] المتقن في إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، ومنعه عنه بلا مشاركة ولا مظاهرة. فلمَّا بثَّ وبسط عسى مع الله الكلام، وبالغ في التفويض والرجوع إليه في جميع الأمور، خصوصاً أمر قومه {قَالَ ٱللَّهُ} سبحانه: يا عيسى {هَـٰذَا يَوْمُ} لا يكتسب فيه الخير، ولا يتسجلب النفع، ولا يدفع الضر، بل {يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ} الذين صدقوا في النشأة الأولى { صِدْقُهُمْ} السابق {لَهُمْ} شفي هذه النشأة لهؤلاء الصادقين إلى {جَنَّاتٌ} منتزهات المعارف والحقائق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} مملوءة بمياه المكاشفات والمشاهدات المثمرة للحياة الأبدية والبقاء السرمدي {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} لا يتحولون عنها أصلاً {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} لتحققهم بمقام الصدق والإخلاص {وَرَضُواْ عَنْهُ} لإيصالهم إلى غاية ما جبلوا عليه لأجله بلا منتظر {ذٰلِكَ} الوصول والتحقق هو {ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [المائدة: 119] والفضل العميم، واللطف الجسيم لأهل العناية الفائزين من عنده بهذه المرتبة العلية. ولا يستبعد من الله أمثال هذه الكرامات مع أرباب الولاء الباذلين مهجهم في سلوك طريق الفناء؛ إذ {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} إظهاراً وتصرفاً واستقلالاً {وَمَا فِيهِنَّ} من المكونات، فله التصرف فيها كيف يشاء حسب إرادته واختياره {وَهُوَ} بذاته {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من عموم مراداته ومقدوراته {قَدِيرٌ} [المائدة: 120] فله أن صول خلَّص عباده إلى فضاء فنائه بإفنائهم عن هوياتهم الباطلة، وإبقائهم بهويتهم الحقيقية السارية، الظاهرة في الأكوان. خاتمة السورة. عليك أيها المحمدي المتوجه لمرتبة الفناء المثمر للبقاء الأبدي شكران سعيك وأوصلك إلى غاية مبتغاك أن تجعل قرينك الرضا في جميع ما جرى عليك من القضاء؛ إذ كل ما يجري في عالم الأكوان والفساد إنما هو على مراد الله، ومقتضى مشيئته حسب تجلياته الجمالية والجلالية، واللطيفة والقهرية، والعارف إذا تحقق بمقام الرضا الذي هو نهاية مراتب العبودية فقد خلص عن الإضافات مطلقاً، ومتى ارتفعت الإضافات لا يشوشه السراء والضراء، ولا اللذة ولا الفناء؛ إذ كل ذلك من لوازم الإمكان وأمارات البعد. فعليك أن تصفي نفسك عن جميع الأمراض الباطنة من العُجب والرياء والرعونة والهوى، وتلازم العزلة والإعراض عن أبناء الدنيا، والالتجاء إليهم والمخالطة معهم وتقلل عن حوائجك وحظوظك سوى سدِّ جوعة وكنٍّ ولباسٍ كيف اتفق، وعليك أن تروض نفسك في زاوية الخمول، وركن القناعة، ومنزل الفراغة. وإياك أن تصاحب مع أهل الأهواء وتراجعهم، سيما في الأمور التي تتعلق بالمعاش المستعار، وكن في ورطة الدنيا كأنك غريب ليس لك ألف ومؤانسة مع من فيها وما فيها أو كعابر سبيل يروح فيها ويغدو بلا تمكن وقرار. وبالجملة: عدّ نفسك من أصحاب القبور، وافعل مثل ما تشاهد منهم بالنسبة إلى الدنيا، بل موتك الأرادي لا بد أن يكون أعرق في قطع التعلق، وترك المألوف من الموت الصوري؛ لأن أكثر الأموات بالموت الصوري يخرجون من الدنيا متحسرين بحسرة عظيمة، والعارف المتحقق بمرتبة الموت الإرادي له مسرة ولذة، بحيث لو عاد على ما عليه لتغمم، بل هلك خوفاً، فذلك أن تشمر ذيلك عنها وعن لذاتها بالمرة وتداوم الاستفادة الاسترشاد من كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، وملتقطات المشايخ العظام التي ساتنبطوها منها بسعي بليغ - شكر الله مساعيهم - وتصرف عنان عزمك عمَّا سواها من الأباطيل الزائفة، والمنسوبة إلى أصحاب الحجج والاستدلال، الضالين بتغريرات عقولهم القاصرة عن منهج الحق ومحجة اليقين. جعلنا الله ممَّن أيد من عنده فتأيد، وأطلق عنان عزمه نحو الحق ولم يتقيد، بمنِّه وجوده.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):