٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
118
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: معنى الآية ظاهر، وفيه سؤال: وهو أنه كيف جاز لعيسى عليه السلام أن يقول {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ } والله لا يغفر الشرك. والجواب عنه من وجوه: الأول: أنه تعالى لما قال لعيسى عليه السلام: {أية : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 116] علم أن قوماً من النصارى حكوا هذا الكلام عنه، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً حيث كذب في هذه الحكاية وغفران الذنب جائز، فلهذا المعنى: طلب المغفرة من الله تعالى، والثاني: أنه يجوز على مذهبنا من الله تعالى أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل الزُّهّاد والعُبّاد النار، لأن الملك ملكه ولا اعتراض لأحد عليه، فذكر عيسى هذا الكلام ومقصوده منه تفويض الأمور كلها إلى الله، وترك التعرض والاعتراض بالكلية، ولذلك ختم الكلام بقوله {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } يعني أنت قادر على ما تريد، حكيم في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، فمن أنا والخوض في أحوال الربوبية، وقوله إن الله لا يغفر الشرك فنقول: غفرانه جائز عندنا، وعند جمهور البصريين من المعتزلة قالوا: لأن العقاب حق الله على المذنب وفي إسقاطه منفعة للمذنب، وليس في إسقاطه على الله مضرة، فوجب أن يكون حسناً بل دلّ الدليل السمعي في شرعنا على أنه لا يقع، فلعل هذا الدليل السمعي ما كان موجوداً في شرع عيسى عليه السلام. الوجه الثالث: في الجواب أن القوم قالوا هذا الكفر فعيسى عليه السلام جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه، فقال: {إن تعذبهم } علمت أن أولئك المعذبين ماتوا على الكفر فلك أن تعذبهم بسبب أنهم عبادك، وأنت قد حكمت على كل من كفر من عبادك بالعقوبة، وإن تغفر لهم علمت أنهم تابوا عن الكفر، وأنت حكمت على من تاب عن الكفر بالمغفرة. الوجه الرابع: أنا ذكرنا أن من الناس من قال: إن قول الله تعالى لعيسى {أية : أَءنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 116] إنما كان عند رفعه إلى السماء لا في يوم القيامة، وعلى هذا القول فالجواب سهل لأن قوله {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } يعني إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وان أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الايمان، وغفرت لهم ما سلف منهم فلك أيضاً ذاك،وعلى هذا التقدير فلا إشكال. المسألة الثانية: احتج بعض الأصحاب بهذه الآية على شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في حق الفساق قالوا: لأن قول عيسى عليه السلام {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } ليس في حق أهل الثواب لأن التعذيب لا يليق بهم، وليس أيضاً في حق الكفار لأن قوله {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } لا يليق بهم فدل على أن ذلك ليس إلا في حق الفساق من أهل الايمان، وإذا ثبت شفاعة الفساق في حق عيسى عليه السلام ثبت في حق محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى لأنه لا قائل بالفصل. المسألة الثالثة: روى الواحدي رحمه الله أن في مصحف عبد الله [وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم سمعت شيخي ووالدي رحمه الله يقول {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } هٰهنا أولى من الغفور الرحيم، لأن كونه غفوراً رحيماً يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة لكل محتاج، وأما العزة والحكمة فهما لا يوجبان المغفرة، فإن كونه عزيزاً يقتضي أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأنه لا اعتراض عليه لأحد فإذا كان عزيزاً متعالياً عن جميع جهات الاستحقاق، ثم حكم بالمغفرة كان الكرم هٰهنا أتم مما إذا كان كونه غفوراً رحيماً يوجب المغفرة والرحمة، فكانت عبارته رحمه الله أن يقول: عز عن الكل. ثم حكم بالرحمة فكان هذا أكمل. وقال قوم آخرون: إنه لو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم، أشعر ذلك بكونه شفيعاً لهم، فلما قال: {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } دل ذلك على أن غرضه تفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى، وترك التعرض لهذا الباب من جميع الوجوه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} شرط، وجوابه {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} مثله. روَى النَّسائي عن أبي ذَرّ قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية ليلةً حتى أَصبح، والآية {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }. وٱختلف في تٱويله فقيل: قاله على وجه الاستعطاف لهم، والرأفة بهم، كما يستَعطف السيد لعبده؛ ولهذا لم يقل: فإنهم عَصَوك. وقيل: قاله على وجه التسليم لأمره، والاستجارة من عذابه، وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر. وقيل الهاء والميم في {إِن تُعَذِّبْهُمْ}. لمن مات منهم على الكفر، والهاء والميم في {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ} لمن تاب منهم قبل الموت؛ وهذا حسن. وأما قول من قال: إن عيسى عليه السلام لم يعلم أن الكافر لا يغفر له فقول مجترىء على كتاب الله عز وجل؛ لأن الأخبار من الله عز وجل لا تُنْسَخ. وقيل: كان عند عيسى أنهم أحدثوا معاصي، وعملوا بعده بما لم يأمرهم به، إلا أنهم على عَمُود دينه، فقال: وإن تغفِر لهم ما أحدثوا بعدي من المعاصي. وقال: {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصة من التسليم لأمره، والتفويض لحكمه. ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شِرْكه وذلك مستحيل؛ فالتقدير إن تبقِهم على كفرهم حتى يموتوا وتعذّبهم فإنهم عبادك، وإن تَهدهم إلى توحيدك وطاعتك فتغفر لهم فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده؛ الحكيم فيما تفعله؛ تضل من تشاء وتهدي من تشاء. وقد قرأ جماعة: «فإنك أنت الغفور الرحيم» وليست من المصحف. ذكره القاضي عِياض في كتاب «الشّفا» وقال أبو بكر الأنْبَاري: وقد طعن على القرآن من قال إن قوله: {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} ليس بمُشاكِل لقوله: {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ}؛ لأن الذي يُشاكل المغفرة فإنك أنت الغفور الرحيم ـ والجواب ـ أنه لا يحتمل إلا ما أنزله الله، ومتى نقل إلى الذي نقله إليه ضَعُف معناه؛ فإنه ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني فلا يكون له بالشرط الأوّل تعلّق، وهو على ما أنزله الله عز وجل، وٱجتمع على قراءته المسلمون مَقْرُونٌ بالشرطين كليهما أوّلهما وآخرهما؛ إذ تلخيصه إن تعذبهم فإنك أنت عزيز حكيم، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم في الأمرين كليهما من التّعذيب والغفران، فكان العزيز الحكيم أليق بهذا المكان لعمومه؛ فإنه يجمع الشرطين، ولم يصلح الغفور الرحيم إذ لم يحتمل من العموم ما ٱحتمله العزيز الحكيم، وما شهد بتعظيم الله تعالى وعدله والثناء عليه في الآية كلها والشرطين المذكورين أولى وأثبت معنى في الآية مما يصلح لبعض الكلام دون بعض. خرّج مسلم من غير طريق عن عبد الله بن عمرو بن العاص:حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم تلا قوله عز وجل في إبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 36] وقال عيسى عليه السلام: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي» وبكى فقال الله عز وجل: «يا جبريل ٱذهب إلى محمد ـ وربك أعلم ـ فسَلْه ما يُبكيك» فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال ـ وهو أعلم ـ فقال الله: «يا جبريل ٱذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نَسوءك»تفسير : . وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه إن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك، ووجه الكلام على نسَقِهِ أولى لما بيّناه. وبالله التوفيق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِن تُعَذِّبْهُمْ } أي من أقام على الكفر منهم {فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ } أي لمن آمن منهم {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب على أمره {ٱلْحَكِيمُ } في صنعه.
ابن عطية
تفسير : اعتراض عليك. وإن تغفر لهم أي لو غفرت بتوبة كما غفرت لغيرهم فإنك أنت العزيز في قدرتك، الحكيم في أفعالك. لا تعارض على حال. فكأنه قال إن يكن لك في الناس معذبون فهم عبادك. وإن يكن مغفور لهم فعزتك وحكمتك تقتضي هذا كله. وهذا هو عندي القول الأرجح. ويتقوى ما بعده. وذلك أن عيسى عليه السلام لما قرر أن الله تعالى له أن يفعل في عباده ما يشاء من تعذيب ومغفرة أظهر الله لعباده ما كانت الأنبياء تخبرهم به، كأنه يقول هذا أمر قد فرغ منه. وقد خلص للرحمة من خلص، وللعذاب من خلص، فقال تبارك وتعالى {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} فدخل تحت هذه العبارة كل مؤمن بالله تعالى وكل ما كان اتقى فهو أدخل في العبارة، ثم جاءت هذه العبارة مشيرة إلى عيسى في حاله تلك وصدقه فيما قال. فحصل له بذلك في الموقف شرف عظيم وإن كان اللفظ يعمه وسواه، وذكر تعالى ما أعد لهم برحمته وطوله إلى قوله {ذلك الفوز العظيم} وقرأ نافع وحده "هذا يومَ" بنصب يوم، وقرأ الباقون "يومُ" بالرفع على خبر المبتدأ الذي هو {هذا} و {يوم} مضاف إلى {ينفع}، والمبتدأ والخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول. إذ القول يعمل في الجمل، وأما قراءة نافع فتحتمل وجهين: أحدهما أن يكون "يوم" ظرفاً للقول كأن التقدير قال الله هذا القصص أو الخبر يوم. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي معنى يزيل رصف الآية وبهاء اللفظ، والمعنى الثاني أن يكون ما بعد قال حكاية عما قبلها ومن قوله لعيسى إشارة إليه، وخبر {هذا} محذوف إيجازاً، كأن التقدير قال الله: هذا المقتص يقع أو يحدث يوم ينفع الصادقين. قال القاضي أبو محمد: والخطاب على هذا لمحمد عليه السلام وأمته، وهذا أشبه من الذي قبله، والبارع المتوجه قراءة الجماعة، قال أبو علي، ولا يجوز أن تكون "يوم" في موضع رفع على قراءة نافع لأن هذا الفعل الذي أضيف إليه معرب، وإنما يكتسي البناء من المضاف إليه إذا كان المضاف إليه مبنياً نحو من عذاب يومئذ، ولا يشبه قول الشاعر: شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألمّا أصحُ والشيب وازع تفسير : لأن الماضي الذي في البيت مبني والمضارع الذي في الآية معرب وقرأ الحسن بن العباس الشامي: "هذا يومٌ" بالرفع والتنوين، وقوله تعالى: {لله ملك السماوات}... الآية، يحتمل أن يكون مما يقال يوم القيامة، ويحتمل أنه مقطوع من ذلك مخاطب به محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. وعلى الوجهين ففيه عضد ما قال عيسى، إن تعذب الناس فإنهم عبادك على تقدم من تأويل الجمهور.
ابن عادل
تفسير : فيه سؤالٌ: وهُو أنَّهُ كيف طلبَ المغفِرَة وهم كُفَّارٌ، واللَّهُ لا يغْفِرُ الشِّرْكَ؟ والجوابُ من وُجُوه: الأول: أنَّهُ تعالى لمَّا قال لعيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -: {أية : ءَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 116]، عَلِمَ أنَّ قوماً من النَّصَارى حَكوا هذا الكلام عَنْهُ والحَاكِي هذا الكُفر لا يكُون كَافِراً، بل مُذْنِباً بكذبِهِ في هذه الحكايَةِ، وغُفْرَانُ الذَّنْبِ جَائِزٌ، فلهذا طلبَ المَغْفِرَة. والثاني: أنَّهُ يجُوزُ من الله - تعالى - أنْ يدخل الكُفَّارَ الجنَّة، ويدخل الزُّهَّاد النَّار؛ لأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ، ولا اعْتِرَاض لأحدٍ عليه، فكان غَرَضُ عيسى - عليه الصلاة والسلام - بهذا الكلامِ تَفْويض الأمُور كُلّها إلى الله - تعالى -، وترك الاعْتِرَاض بالكُلِّيَّةِ، ولذَلِك ختم الكلام بقوله {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي: القادرُ على ما تُريدُ، الحكيم فيما تفعل لا اعتراض لأحد عليْكَ، وما أحسن ما قِيلَ: فإن أتَيْتُ ذَنْباً عظِيماً فأنْتَ للعَفْوِ أهْلٌ، فإن غَفَرْتَ، ففضلٌ، وإن جَزَيْتَ فعَدْلٌ. الثالث: معناهُ: "إن تُعذِّبْهُم" بإقامَتِهِم على كُفْرِهِمْ، و{إن تَغْفِرْ لَهُم} بعد الإيمان، وهذا مستقيم على قَوْلِ السديِّ [رحمه الله]: إنَّ هذا السُّؤالَ عند رفعِهِ إلى السَّمَاءِ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ؛ لأن الإيمان لا يَنْفَعُ في القِيَامةِ. الرابع: قيل هذا في فِرْقَتَيْنِ منهم، معناه: إن تُعذِّب مَنْ كفرَ مِنْهُم، وإن تغفر لِمَنْ آمَنَ منهم. قال القُرْطُبِي -[رحمه الله تعالى]- في الجوابِ عن هذا السُّؤال، بأنَّه قال ذَلِكَ على وَجْهِ الاسْتِعْطَافِ لَهُمْ والرَّأفَة، كعطف السَّيِّد لِعَبْدِه، ولهذا لم يَقُلْ: فإنْ عَصَوْكَ. وقيل: قالهُ على وجْهِ التَّسليم لأمْرِه، والاسْتِجَارة من عَذَابه، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لِكَافِرٍ. وأمَّا قول من قال: إنَّ عيسى - عليه السَّلام - لا يَعْلَمُ أنَّ الكَافِرَ لا يُغْفَرُ له، فقولُ من يَتَجَرَّأ على كتابِ الله - تبارك وتعالى-؛ لأن الأخْبَارَ من الله - تبارك وتعالى - لا تُنْسَخُ. وقيل: كان عند عيسى - عليه الصلاة والسلام - أنَّهم أحْدَثُوا معَاصِي وعَمِلُوا بَعْدَهُ بما لم يأمُرْهُم به، إلاَّ أنَّهُم على عَمُودِ دينِهِ، فقال: {وإن تَغْفِرْ لَهُمْ} ما أحْدَثُوا بَعْدِي من المَعَاصِي. قوله: {فإنك أنت العزيزُ الحكيم}: تقدَّم نظيره [البقرة 32]، وهي في قراءةِ الناس ومصاحفهم "العزيزُ الحكيم"، وفي مصحف ابن مسعود - رضي الله عنه وقرأ بها جماعة: "الغفورُ الرحيم"، وقد عبث بعض من لا يفهم كلام العرب بهذه الآية، وقال: "إنما كان المناسب ما في مصحف ابن مسعود" وخَفِي عليه أنَّ المعنى متعلق بالشرطين جميعاً، ويوضِّح هذا ما قاله أبو بكر بن الأنباري، فإنه نَقَلَ هذه القراءة عن بعض الطاعنين ثم قال: ومتى نُقِل إلى ما قاله هذا الطاعن ضَعُفَ معناه، فإنه ينفرد "الغفور الرحيم" بالشرط الثاني ولا يكون له بالشرط الأول تعلُّقٌ، وهو على ما أنزل الله وعلى ما أجمع على قراءته المسلمون معروف بالشرطين كليهما: أولهما وآخرهما، إذ تلخيصه: إنْ تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وإن تغفرْ لهم فأنت العزيزُ الحكيم في الأمرين كليهما من التعذيب والغفران، فكأنَّ "العزيز الحكيم" أليقُ بهذا المكان لعمومه وأنه يجمع الشرطين، ولم يصلُحْ "الغفور الرحيم" أنْ يحتمل من العموم ما احتمله "العزيز الحكيم". قال شهاب الدين رحمه الله تعالى: وكلامُه فيه دقةٌ، وذلك أنه لا يريد بقوله "إنه معروف بالشرطين إلى آخره" أنه جوابٌ لهما صناعةً، لأنَّ ذلك فاسدٌ من حيث الصناعةُ العربية؛ فإنَّ الأول قد أخذ جوابه وهو "فإنهم عبادُك" وهو جوابٌ مطابقٌ فإنَّ العبدَ قابل ليصرفه سيدُه كيف شاء، وإنما يريد بذلك أنه متعلق بهما من جهة المعنى. فصل قوله: {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} قيل: فيه تَقْدِيمٌ وتأخِيرٌ تقديرُهُ: وإنْ تغفِرْ لهم فإنَّهُم عبادُكَ، وإن تُعذِّبْهُم، فإنَّك أنْتَ العزيزُ في المُلْكِ، الحكيمُ في القضاءِ، لا يَنْقُصُ من عزِّك شَيءٌ، ولا يَخْرجُ عَنْ حُكْمِكَ، ويدخُلُ في حُكْمِهِ، وسِعَتْ رَحْمَتُهُ مَغْفِرةُ الكُفَّارِ، ولكِنَّه أخْبَرَ أنَّه لا يَغْفِرُ لَهُمْ، وهُوَ لا يُخلِفُ خَبَرهُ. روى عَمْرُو بنُ العَاصِ: "حديث : أنَّ النبيَّ - عليه الصَّلاة والسَّلام - تَلاَ قولَهُ تبارك وتعالى: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} [إبراهيم: 36] الآية، وقول عيسى - عليه السَّلام: {إنْ تُعَذِّبْهُم فإنَّهُمْ عِبَادُك وإنْ تَغْفِرْ لَهُم فإنَّك أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}، فرفعَ يَديهِ وقال: "اللَّهُمَّ أمَّتِي، اللَّهُمَّ أمَّتِي" فقال اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: يا جِبْريلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ - عليه الصَّلاة والسَّلام - وَرَبُّكَ أعْلَمُ، فسله ما يُبْكِيه، فأتَاهُ جِبْرِيلُ فسألَه، فأخْبَرَهُ رَسُولُ الله، فقال اللَّهُ: يا جبريلُ اذهبْ إلى رسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فأخْبِرْهُ وقلْ لَهُ إنَّا سَنُرْضِيكَ في أمَّتِكَ وَلاَ نَسُوءُكَ ".
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا الذي سلف كله سؤالاً وجواباً وإخباراً حمد الله تعالى وثناء عليه بما هو أهله بالتنزيه له والاعتراف بحقه والشهادة له بعلم الخفايا والقدرة والحكمة وغير ذلك من صفات الجلال والجمال، وكان هذا السؤال يفهم إرادة التعذيب للمسؤول عنهم مشيراً إلى الشفاعة فيهم على وجه الحمد لله سبحانه وتعالى والثناء الجميل عليه لأن العذاب ولو للمطيع عدل، والعفو عن المعاصي بأيّ ذنب كان فضل مطلقاً، وغفران الشرك ليس ممتنعاً بالذات، قال: {إن تعذبهم} أي القائلين بهذا القول {فإنهم عبادك} أي فأنت جدير بأن ترحمهم ولا اعتراض عليك في عذابهم لأن كل حكمك عدل {وإن تغفر لهم} أي تمح ذنوبهم عيناً وأثراً {فإنك أنت} أي خاصة أنت {العزيز} فلا أحد يعترض عليك ولا ينسبك إلى وهن {الحكيم *} فلا تفعل شيئاً إلا في أعلى درج الإحكام، لا قدرة لأحد على تعقيبه ولا الاعتراض على شيء منه. ولما انقضى جوابه عليه الصلاة والسلام على هذا الوجه الجليل، تشوف السامع إلى جواب الله له، فقال تعالى مشيراً إلى كون جوابه حقاً ومضمونه صدقاً، منبهاً على مدحه حاثاً على ما بنيت عليه السورة من الوفاء بالعقود: {قال الله} أي الملك المحيط بالجلال والإكرام جواباً لكلامه {هذا} أي مجموع يوم القيامة؛ ولما كان ظهور الجزاء النافع هو المقصود قال: {يوم} هذا على قراءة الجماعة بالرفع، وقراءة نافع بالنصب غير منون أيضاً لإضافته إلى متمكن بمعنى: هذا الذي ذكر واقع؛ أو قال الله هذا الذي تقدم يوم {ينفع الصادقين} أي العريقين في هذا الوصف نفعاً لا يضرهم معه شيء {صدقهم} أي الذي كان لهم في الدنيا وصفاً ثابتاً، فحداهم على الوفاء بما عاهدوا عليه، فكأنه قيل: ينفعهم بأيّ شيء؟ فقال: {لهم جنات} أي هي من ريّ الأرض الذي يستلزم زكاء الشجر وطيب الثمر بحيث {تجري} ولما كان تفرق المياه في الأراضي أبهج، بعض فقال: {من تحتها الأنهار} ولما كان مثل هذا لا يريح إلا إذا دام قال: {خالدين فيها} وأكد معنى ذلك بقوله: {أبداً}. ولما كان ذلك لا يتم إلا برضى المالك قال: {رضي الله} أي الذي له صفات الكمال {عنهم} أي بجميع ما له من الصفات، وهو كناية عن أنه أثابهم بما يكون من الراضي ثواباً متنوعاً بتنوع ما له من جميع صفات الكمال والجمال؛ ولما كان ذلك لا يكمل ويبسط ويجمل إلا برضاهم قال: {ورضوا عنه} يعني أنه لم يدع لهم شهوة إلا أنالهم إياها، وقال ابن الزبير بعدما أسلفته عنه: فلما طلب تعالى المؤمنين بالوفاء فيما نقض به غيرهم، وذكّرهم ببعض ما وقع فيه النقض وما أعقب ذلك فاعله، وأعلمهم بثمرة التزام التسليم والامتثال، أراهم جل وتعالى ثمرة الوفاء وعاقبته، فقال تعالى {أية : وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس} تفسير : [المائدة: 116] إلى قوله - {هذا يوم ينفع الصادقين} - إلى آخرها. فيحصل من جملتها الأمر بالوفاء فيما تقدمها وحالُ من حاد ونقض، وعاقبة من وفى، وأنهم الصادقون، وقد أمرنا أن نكون معهم {أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} تفسير : [التوبة: 119] - انتهى. ولما كان سبحانه قد أمرهم أول السورة بالوفاء شكراً على ما أحل لهم في دنياهم، ثم أخبر أنه زاد الشاكرين منهم ورقاهم إلى أن أباحهم أجلّ النفائس في أخراهم، ووصف سبحانه هذا الذي أباحه لهم إلى أن بلغ في وصفه ما لا مزيد عليه، أخذ يغبطهم به فقال: {ذلك} أي الأمر العالي لا غيره {الفوز العظيم *}. ولما كان هذا الذي أباحه لهم وأباحهم إياه لا يكون إلا بأسباب لا تسعها العقول، ولا تكتنه بفروع ولا أصول، علل إعطاءه إياه وسهولته لديه بقوله مشيراً إلى أن كل ما ادعيت فيه الإلهية مما تقدم في هذه السورة وغيرها بعيد عن ذلك، لأنه ملكه وفي ملكه وتحت قهره: {لله} أي الملك الذي لا تكتنه عظمته ولا تضعف قدرته، لا لغيره {ملك السماوات} بدأ بها لأنها أشرف وأكبر، وآياتها أدل وأكثر {والأرض} على اتساعهما وعظمهما وتباعد ما بينهما {وما فيهن} أي من جوهر وعرض. ولما كان ذلك أنهى ما نعلمه، عمم بقوله: {وهو على كل شيء} أي من ذلك وغيره من كل ما يريد {قدير *} فلذلك هو يحكم ما يريد لأنه هو الإله وحده، وهو قادر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء، وإحلال ما شاء وتحريم ما شاء، والحكم بما يريد ونفع الصادقين الموفين بالعقود الثابتين على العهود، لأن له ملك هذه العوالم وما فيها مما ادعى فيه الإلهية من عيسى وغيره، والكل بالنسبة إليه أموات، بل موات جديرون بأن يعبر عنهم بـ "ما" لا بـ "من"، فمن يستحق معه شيئاً ومن يملك معه ضراً أو نفعاً! وقد انطبق آخر السورة على أولها كما ترى أي انطباق، واتسقت جميع آياتها أخذاً بعضها بحجز بعض أيّ اتساق؛ فسبحان من أنزل هذا القرآن على أعظم البيان! مخجلاً لمن أباه من الأمم، معجزاً لأصحاب السيف والقلم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد والنسائي وابن مردويه والبيهقي في سننه حديث : عن أبي ذر قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها {إن تعذبهم فإنهم عبادك...} الآية. فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت؟! قال: إني سألت ربي الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئاً ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أبي ذر قال "قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح يرددها {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}". وأخرج مسلم والنسائي وابن أبي الدنيا في حسن الظن وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمرو بن العاص "حديث : أن نبي الله تلا قول الله في إبراهيم {رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني...} [إبراهيم: 36] الآية. وقال عيسى بن مريم {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فرفع يديه فقال: اللهم أمتي أمتي وبكى. فقال الله: جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر قال "بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة يشفع لأمته، فكان يصلي بهذه الآية {إن تعذِّبهم فإنهم عبادك...} إلى آخر الآية. كان بها يسجد، وبها يركع، وبها يقوم، وبها يقعد حتى أصبح". وأخرج ابن مردويه حديث : عن أبي ذر قال: "قلت للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي يا رسول الله قمت الليلة بآية من القرآن، ومعك قرآن لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه؟ قال: دعوت لأمتي. قال: فماذا أجبت؟ قال: أجبت بالذي لو اطَّلع كثير منهم عليه تركوا الصلاة. قال: أفلا أبشر الناس؟ قال: بلى. فقال عمر: يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناس بهذا نكلوا عن العبادة، فناداه أن ارجع فرجع، وتلا الآية التي يتلوها {إن تعذِّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} " . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {إن تعذبهم فإنهم عبادك} يقول: عبيدك قد استوجبوا العذاب بمقالتهم {وإن تغفر لهم} أي من تركت منهم ومد في عمره حتى أهبط من السماء إلى الأرض يقتل الدجال، فنزلوا عن مقالتهم ووحدوك، وأقروا إنا عبيد {وإن تغفر لهم} حيث رجعوا عن مقالتهم {فإنك أنت العزيز الحكيم}". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {إن تعذبهم فإنهم عبادك} يقول: إن تعذبهم تميتهم بنصرانيتهم فيحق عليهم العذاب فإنهم عبادك {وإن تغفر لهم} فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام {فإنك أنت العزيز الحكيم} هذا قول عيسى عليه السلام في الدنيا.
ابو السعود
تفسير : {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} وقد استحقوا ذلك حيث عبدوا غيرك {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ} أي القويُّ القادر على جميع المقدورات، ومن جملتها الثوابُ والعقاب {ٱلْحَكِيمُ} الذي لا يُريد ولا يفعل إلا ما فيه حكمةٌ ومصلحة، فإن المغفرة مستحسَنة لكل مجرم، فإن عذّبت فعدلٌ، وإن غفرت ففَضْلٌ، وعدمُ غفرانِ الشرك إنما هو بمقتضى الوعيد، فلا امتناعَ فيه لذاته ليمنعَ الترديدُ بالنسبة إلى فرقتين، والمعنى إن تعذبْهم أي مَنْ كفر منهم، وإن تغفرْ لهم أي من آمن منهم. {قَالَ ٱللَّهُ} كلامٌ مستأنَفٌ خَتَم به حكايةَ ما حُكيَ، مما يقعُ يوم يجمع الله الرسلَ عليهم الصلاة والسلام، وأُشير إلى نتيجته ومآله، أي يقول الله تعالى يومئذ عَقيبَ جواب عيسى عليه السلام، مشيراً إلى صدقه في ضمن بـيان حال الصادقين الذين هو في زمرتهم، وصيغةُ الماضي لما مرَّ في نظائره مراراً، وقوله تعالى: {هَـٰذَا} إشارة إلى ذلك اليوم، وهو مبتدأ خبرُه ما بعده، أي هذا اليوم الذي حُكيَ بعضُ ما يقع فيه إجمالاً وبعضُه تفصيلاً {يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ} بالرفع والإضافة، والمراد بالصادقين كما ينبىء عنه الاسم، المستمرّون في الدارين على الصدق في الأمور الدينية التي معظمُها التوحيدُ الذي نحن بصدده، والشرائعُ والأحكام المتعلقة به من الرسل الناطقين بالحق والصدق الداعين إلى ذلك، وبه تحصُل الشهادةُ بصِدْق عيسى عليه السلام، ومن الأمم المصدِّقين لهم المقتدين بهم عقداً وعملاً، وبه يتحقق المقصودُ بالحكاية من ترغيب السامعين في الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم لا كلِّ من صدَقَ في أي شيء كان، ضرورةَ أن الجانِيَ المعترِفَ في الدنيا بجِنايته لا ينفعُه يومئذ اعترافُه وصِدْقُه {صِدْقُهُمْ} أي صدقهم فيما ذُكر من أمور الدين في الدنيا، إذ هو المستتبِعُ للنفع يومئذ، واعتبارُ استمراره في الدارين مع أنه لا حاجة إليه كما عرفت، ولا دخل له في استتباع النفع والجزاء مما لا وجه له، وهذه القراءةُ هي التي أطبق عليها الجمهورُ وهي الأليق بسياق النظم الكريم وسباقِه، وقد قرىء (يومَ) بالنصب إما على أنه ظرف لقال، فهذا حينئذ إشارةٌ إلى قوله تعالى: {أَأَنتَ قُلتَ} الخ، وإما على أنه خبرٌ لهذا، فهو حينئذ إشارة إلى جواب عيسى عليه السلام، أي هذا الجواب منه عليه السلام واقعٌ يوم ينفع الخ، أو إلى السؤال والجواب معاً، وقيل: هو خبر ولكنه بني على الفتح، وليس بصحيح عند البصريـين لأنه مضافٌ إلى متمكنَ، وقرىء (يومٌ) بالرفع والتنوين كقوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي} تفسير : [البقرة: الآيتان، الآية 48 و123] . {لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً} استئناف مَسوقٌ لبـيان النفع المذكور كأنه قيل: ما لهم من النفع؟ فقيل: لهم نعيمٌ دائم وثوابٌ خالد، وقوله تعالى: {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} استئنافٌ آخرُ لبـيان أنه عز وجل أفاض عليهم غيرَ ما ذُكر من الجنات ما لا قدْرَ لها عنده، وهو رضوانُه الذي لا غايةَ وراءَه كما ينبىء عنه قوله تعالى: {وَرَضُواْ عَنْهُ} إذ لا شيء أعزُّ منه حتى يمتدَّ إليه أعناقُ الهمم {وَذٰلِكَ} إشارةٌ إلى نيل رضوانه تعالى، وقيل: إلى نيل الكل {ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} لما أن عِظَمَ شأنِ الفوز تابعٌ لعِظَم شأن المطلوب الذي تعلّق به الفوز. وقد عرفت ألا مطلبَ وراء ذلك أصلاً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [الآية: 118]. قال الوراق: إن تعذبهم بتقصيرهم فى طاعتك، فإنهم عبادك مقرُّون لك بالتقصير، وإن تغفر لهم ذنوبهم فأنت أهل العزة والكرم. وقال بعضهم: نزل عيسى عليه الصلاة والسلام له انبساط فى السؤال للأمة وترك المحاكمة فى أفعاله، ونبينا صلى الله عليه وسلم لا يزال يشفع ويشفع ويقول: أمتى أمتى حتى يجاب فى الكل من أمته، وهذا هو المقام المحمود الذى خُصَّ به، ويغبطه عليه الأولون والآخرون حيث راجع الحق منبسطًا ويُجاب بقوله قل يُسمع واشفع تشفع. قوله تعالى: {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الآية: 118]. قال الواسطى رحمة الله عليه: عَزَّ كلامه ونعوته وعزت صفاته وبيانه وأساميه فلم يبدها إلا لمن خلقه لها ومن كان هو أحق بها وأهلها.
القشيري
تفسير : بيَّن أن حكم المولى في عبيده نافذ بحكم إطلاق ملكه، فقال إن تعذبهم يحسن منك تعذيبهم وكان ذلك لأنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم أي المُعِز لهم بمغفرتك لهم. ويقال أنت العزيز الحكيم الذي لا يضركَ كُفْرُهم. ويقال {ٱلْعَزِيزُ} القادر على الانتقام منهم فالعفو (عند) القدرة سِمَةُ الكرمِ، وعند العجز أمارةُ الذُّل. ويقال إن تغفر لهم فإنك أعزُّ من أن تتجمل بطاعة مطيعٍ أو تنتقص بِزِلَّةِ عاصٍ. وقوله {ٱلْحَكِيمُ} ردٌّ على من قال: غفران الشّركِ ليس بصحيح في الحكمة.
البقلي
تفسير : اتفق اهل التفسير ان الله لا يغفر للمشركين الذين ماتوا على شركهم ذلك مذهب المسلمين جميعا وقدارى ههنا لطيفة وهى ان الله تعالى اجرى على لسان عيسى سرا مكتوما مبهما على قلوب جميع الخلائق الا من كان من اهل خالصة سره وجمال ان اخفى على عيسى ان من مات على الشرك وهو غير مغفور فى ظاهر العلم ووارد الشرع ونما نطق بذلك من عالم السر المكتوم فى الغيب ومفهوم اصل خطاب فى ذلك كانه اشار الى ما اشار ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهم فى قوله تعالى {أية : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} تفسير : فلا يومر النار ان تاكلهم وتفنيهم ثم تجدد خلقهم قال ابن مسعود ليياتين على جهنم زمان يخفق وابوابها ليس فيها احد وذلك بعد ما يلبثون فيها احقابا قال الشعبى جهنم اسرع الدارين يرمانا واسارعهما خرابا لا ترى الى صورة اللفظ ان تعذهبم يغنى بكفرهم فانهم عبادك فهو حق لاطلاق الملك لك وان تغفر لهم فه فى الدنيا اليوم يمنعك عن ذلك وانت العزيز الواحد بالوحدانية فى ملك لست بجاهل فى غفرانهم فانك حكيم فى امرك وماردك وامضاء مشيتك ونحن لا نقول اكثر من هذا فانه موضع الاسرار وايضا ان تعذيبهم بدعوى المعرفة بان توقعهم فى درك الحيرة والفناء فى عظمتك وان تغفر لهم بان تدخلهم فى مقام الا لتباس حتى لا يدركوك بنعوت الوحدانية وبقوا فى حجاب حظوظهم عنك بك قال الوراق ان تعذبهم بتقصيرهم فى طاعتك فانهم عبادك مقرين لك بالتقصير وان تغفر لهم ذنوبهم فانت اهل العزة والكرم فلم يبدلها الا لمن خلقه لها ومن حق بها واهلها قال بعضهم ترك عيسى الانبساط فى السوال للأمة وترك المحاكمة مع الحق فى افعاله ونبينا صلى الله عليه وسلم لا تزال يشفع ويقول امنى امنى حتى يحاب فى الكل من امته وهذا هو المقام المحمود الذى خص به ويغبط عليه الاولون والاخرون حيث يراجع الحق منبسط ويجاب بقوله قل نسمع واشفع نشفع.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان تعذبهم فانهم عبادك} اى فانك تعذب عبادك ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه. وفيه تنبيه على انهم استحقوا التعذيب حيث عبدوا غيره تعالى {وإن تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم} اى فلا عجز ولا استقباح فانك القادر والقوى على الثواب والعقاب الذى لا يثيب ولا يعاقب الا عن حكمة وصواب فان المغفرة مستحسنة لكل مجرم فان عذبت فعدل وان غفرت ففضل. فان قلت مغفرة المشرك قطيعة الانتفاء بحسب الوجود وتعذيبه قطعى الوجود فما معنى ان المستعمل فيما كان كل واحد من جانبى وجوده وعدمه جائزا محتمل الوقوع. قلت كون غفران المشرك قطعى الانتفاء بحسب الوجود لا ينافى كونه جائز الوجود بحسب العقل فصح استعمال كلمة ان فيهما لانه يكفى فى صحة استعمالها مجرد الامكان الذاتى والجواز وقيل الترديد بالنسبة الى فرقتين والمعنى ان تعذبهم اى من كفر منهم وان تغفر لهم اى من آمن منهم ـ "حديث : روى ـ انه لما نزلت هذه الآية احيى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ليلته وكان بها يقوم وبها يقعد وبها يسجد ثم قال "امتى امتى يا رب" فبكى فنزل جبرائيل عليه السلام فقال الله يقرئك السلام ويقول لك انا سنرضيك فى امتك ولا نسوءك ".
الطوسي
تفسير : ظاهر هذه الآية يدل على أن عيسى لم يكن أعلمه الله أن الشرك لا يغفر على كل حال، فلذلك قال {إن تعذبهم فإنهم عبادك} الذين كفروا بك وجحدوا إِلهيتك وكذبوا رسلك {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}. وقال البلخي: ان عيسى (ع) أخبر أنه لا علم له بما صنعوا بعده من الكفر به حتى قيل له: ماذا أجبت؟ قال لا علم لي، ثم قال: ان كانوا كفروا فعذبتهم فهم عبادك وان كانوا ثبتوا على ما دعوتهم اليه أو تابوا من كفرهم فغفرت لهم فأنت العزيز الحكيم. ومن ذهب الى أن قول الله {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس} إِخبار عما مضى وأن الله قال ذلك عندما رفعه اليه، قال: انما عنى عيسى ان تعذبهم بمقامهم على معصيتك فانهم عبادك وان تغفر لهم بتوبة تكون منهم، لان القوم كانوا في الدنيا لان عيسى لم يشك في الآخرة أنهم مشركون. وقد أنطقعت التوبة، وانما قال ذلك في الدنيا وجعل قول الله تعالى {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} جوابا للرسل حين سألهم ماذا أجبتم {قالوا لا علم لنا} فصدقهم الله في ذلك. ومثل ذلك قال عمرو ابن عبيد والجبائي والزجاج وكلهم شرط التوبة. وهذا الذي ذكروه ترك للظاهر وزيادة شرط في ظاهرها ليس عليه دليل. وقوله {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به}تفسير : انما هو اخبار لامة نبينا بأن لا يغفر الشرك ولا نعلم ان مثل ذلك أخبر به الامم الماضية فلا متعلق بذلك. ويمكن أن يكون الوجه في الآية مع تسليم ان كان عارفا بأن الله لا يغفر أن يشرك به وانه أراد بذلك تفويض الامر الى مالكه وتسليمه الى مدبره والتبري من أن يكون له شيء من أمر قومه، كما يقول الواحد منا اذا تبرء من تدبير أمر من الامور ويريد تفويضه الى غيره: هذا الامر لا مدخل لي فيه فان شئت أن تفعله وان شئت ان تتركه مع علمه ان أحدهما لا يكون منه. وقوله {فإنك أنت العزيز الحكيم} معناه انك القادر الذي لا يغالب وأنت حكيم في جميع أفعالك فيما تفعله بعبادك. وقيل معناه {إنك أنت العزيز} القدير الذي لا يفوتك مذنب ولا يمتنع من سطوتك مجرم {الحكيم} فلا تضع العقاب والعفو الا موضعهما. ولو قال: الغفور الرحيم كان فيه معنى الدعاء لهم والتذكير برحمته، على أن العذاب والعفو قد يكونان غير صواب ولا حكمة فالاطلاق لا يدل على الحكمة والحسن. والوصف بالعزيز الحكيم يشتمل على العذاب والرحمة اذا كانا صوابين. وقال الحسين بن علي المغربي رأيت على باب بمصر في موضع يقال له (بيطار بلال) معروف لوحا قديماً من ساج عليه هذا العشر وفيه {فإنك أنت الغفور الرحيم} وتأريخ الدار سنة سبعين من الهجرة أو نحوها ولعلها باقية الى اليوم. فان قيل قول عيسى ان تعذبهم فأنهم عبادك يدل على ان الله تعالى له أن يعاقب عبيده من غير جرم كان منهم لانه علل حسن ذلك بكونهم عبيدا لا بكونهم عصاة، وذلك خلاف ما تذهبون اليه؟ قلنا: لا يجوز ان يريد عيسى (ع) بكلامه ما يدل على أن الفعل على كونه غير جائز عليه تعالى. ولا يحسن منه تعالى أيضا أن يترك انكار ذلك فلما عملنا أن الله تعالى لا يجوز ان يعاقب خلقه من غير معصية سبقت منهم من حيث كان ذلك ظلماً محضاً، علمنا ان عيسى أراد بقوله ذلك {إن تعذبهم فإنهم عبادك} الجاحدون لك المتخذون معك إِلهاً غيرك لان ما تقدم من الكلام دل عليه فلم يحتج ان يذكره في اللفظ فبطل ما توهموه.
الجنابذي
تفسير : {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} تفعل بهم ما تشاء شروع فى الشّفاعة باحسن وجه {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ} لا مانع لك من المغفرة {ٱلْحَكِيمُ} تعلم بلطف علمك استحقاقهم لها وقدر استحقاقهم.
اطفيش
تفسير : {إِن تُعَذِّبْهُم}: على مقالتهم التى نسبوها الى اذ زعموا أنى قلت لهم اتخذونى وأمى الهين من دون الله، بأن خذلتهم فلم يتوبوا عنها وعن كل ما يرديهم. {فَإِنَّهُم عِبَادُكَ}: ملك لك، فلا معارض لك فى ملكك، اذ ملكك على الاطلاق من وجه، واختار لفظ عباد ليشير الى استحقاقهم العذاب، اذ كانوا عبادا لله لا لغيره فعبدوا غيره. {وَإِن تَغْفِر لَهُم}: بأن وفقهم الى التوبة النصوح فذكر اللازم وهو الغفران مكان الملزوم وهو التوبة، وليس من الحكمة أن يغفر الله للمشرك والمصر بلا توبة فلا ينسب ذلك الى الله، ولا يقال بجوازه ولا بوقوعه ولا تفويض الأمر اليه فى ذلك، والواجب اعتقاد أن ذلك لا يجوز فى حكمته، كما لا يجوز وصفه بغير صفته وقوعاً ولا امكاناً ولا تفويضاً، فلا يقال: ان شاء اتخذ صاحبة، أو ان شاء غفر للمشرك. {فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ}: الغالب لا يعجزك من أردت الانتقام منه. {الحَكِيمُ}: لا تفعل الا ما هو عدل وصواب، فلا يقبح منك التوفيق للتوبة بعد المبالغة فى العصيان، ولا الانتقام من المصر على شرك أو ما دونه، فان ذلك هو الحكمة، وذلك هو الذى ظهر لى فى الرد على المخالفين، وانما صح الاستقبال فى تغفر لأنه قال ذلك حين رفعه الله، وان قلنا: انه قال له يوم القيامة تنزيلا له منزلة الواقع، فالمعنى ان كنت تظهر اليوم جزاء ما فعلوا فى الدنيا من التوبة والوفاء، ولا بد من ظهوره. قال أبو ذر رضى الله عنه: حديث : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة القدر بقوله تعالى: {إِن تُعَذِّبْهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} قال عمرو بن العاص: قرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية وقوله تعالى: {رب انهن أضللن كثيراً} الآية، ورفع يديه فقال: اللهم أمتى وبكى، فقال الله لجبريل: يا جبريل اذهب الى محمد وربك أعلم، واسأله ما يبكيك، وربك أعلم بما يبيكه، فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره، فصعد وقال ما أخبره، فقال له الله جل وعلا: يا جبريل اذهب الى محمد فقل له: انه سيرضيك فى أمتك ولا يسوءك .
اطفيش
تفسير : {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ} لإِصرارهم فلا اعتراض عليك أَو فأَنت عدل فى تعذيبهم أَو غير ظالم لهم، أَو لا يمتنعوا من عذابك لأَنهم في أَسر ملكك كما قال {فَإِنَّهُمْ} لأَنهم {عِبَادُكَ} مملوكك، وعن ابن عباس وقد عبدوا غيرك فهم أَهل التعذيب {وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ} بأَن تابوا وماتوا غير مصرين على الشرك أَو ما دونه، والكلام كل لا كلية لأَنهم لم يصروا جميعاً ولم يتوبوا جميعاً، فقد أَحسنت إِليهم وقبلت توبتهم {فَإِنَّكَ} لأَنك {أَنْتَ العَزِيزُ} الغالب في أَمره لا يرد له قضاء ولا فعل {الحكِيمُ} الذى لا يعبث ولا يسفه ولا يضع الشئَ فى غير موضعه، وقيل: ذلك من كلام عيسى فى الدنيا، إِن تعذبهم بإِبقائهم على الكفر فإِنهم عبادك، وإِن تغفر لهم بالتوفيق إِلى الإِسلام فانك أَنت العزيز الحكيم، تلا صلى الله عليه وسلم إِن تعذبهم فإِنهم إِلخ، وقوله تعالى "أية : رب إِنهن أَضللن"تفسير : [إبراهيم: 36] إِلخ وبكى ورفع يديه وقال: حديث : اللهم أمتى أمتى، فأَوحى الله تعالى إِليه: إِنا سنقر عينك فى أَمتك ولا نسوءك .
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } على معنى إن تعذبهم لم يلحقك بتعذيبهم اعتراض لأنك المالك المطلق لهم ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعله بملكه، وقيل: على معنى: إن تعذبهم لم يستطع أحد منهم على دفع ذلك عن نفسه لأنهم عبادك الأرقاء في أسر ملكك وماذا تبلغ قدرة العبد في جنب قدرة مالكه، وقيل: المعنى إن تعذبهم فإنهم يستحقون ذلك لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك وخالفوا أمرك وقالوا ما قالوا، ونسب ذلك إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو بعيد عن النظم، نعم لا يبعد أن يكون في النظم إشارة إليه. {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي فإن تغفر لهم ما كان منهم لا يلحقك عجز بذلك ولا استقباح فإنك القوي القادر على جميع المقدورات التي من جملتها الثواب والعقاب الحكيم الذي لا يريد ولا يفعل إلا ما فيه حكمة. والمغفرة للكافر لم يعدم فيها وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول بل متى كان المجرم أعظم جرماً كان العفو عنه أحسن لأنه أدخل في الكرم وإن كانت العقوبة أحسن في حكم الشرع من جهات أخر، وعدم المغفرة للكافر بحكم النص والإجماع لا للامتناع الذاتي فيه ليمتنع الترديد والتعليق بإن. وقد نقل الإمام «أن غفران الشرك عندنا جائز وعند جمهور البصريين من المعتزلة قالوا: لأن العقاب حق الله تعالى على المذنب [وفي إسقاطه منفعة للمذنب] وليس في إسقاطه على الله سبحانه مضرة». وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن السدي أن معنى الآية إن تعذبهم فتميتهم بنصرانيتهم فيحق عليهم العذاب فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام فإنك أنت العزيز الحكيم، وهذا قول عيسى عليه السلام في الدنيا اهـ. ولا يخفى أنه مخالف لما يقتضيه السباق والسياق، وقيل: الترديد بالنسبة إلى فرقتين، والمعنى إن تعذبهم أي من كفر منهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم وتعف عمن آمن منهم فإنك الخ وهو بعيد جداً، وظاهر ما قالوه أنه ليس في قوله سبحانه {وَإِن تَغْفِرْ } الخ تعريض بسؤال المغفرة وإنما هو لإظهار قدرته سبحانه وحكمته، ولذا قال سبحانه {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } دون الغفور الرحيم مع اقتضاء الظاهر لهما، وما جاء في الأخبار مما أخرجه أحمد في «المصنف» والنسائي والبيهقي في «سننه» حديث : عن أبـي ذر قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } الخ فلما أصبح قلت: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت قال: إني سألت ربـي سبحانه الشفاعة فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله تعالى من لا يشرك بالله تعالى شيئاً» تفسير : وما أخرجه مسلم وابن أبـي الدنيا في «حسن الظن» والبيهقي في «الأسماء والصفات» وغيرهم عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: حديث : «أن النبـي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله سبحانه في إبراهيم عليه السلام {رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى} [إبراهيم: 36] الآية، وقوله عز وجل في عيسى ابن مريم: {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ } الخ فرفع يديه فقال: اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله جلت رحمته: يا جبرائيل اذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقل له: إنا سنقر عينك في أمتك ولا نسوءك» تفسير : وما أخرجه ابن مردويه حديث : عن أبـي ذر قال: «قلت للنبـي صلى الله عليه وسلم بأبـي أنت وأمي يا رسول الله قمت الليلة بآية من القرآن يعني بها هذه الآية ومعك قرآن لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه قال: دعوت الله / سبحانه لأمتي قال: فماذا أجبت؟ قال: أجبت بالذي لو اطلع كثير منهم عليه تركوا الصلاة قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: بلى فقال عمر: يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناس بهذا ويتكلوا ويدعوا العبادة فناداه أن ارجع فرجع» تفسير : لا يقوم دليلاً على أن في الآية تعريضاً بطلب المغفرة للكافر إذ لا يبعد منه صلى الله عليه وسلم الدعاء لأمته وطلب الشفاعة لهم بهذا النظم لكن لا على الوجه الذي قصده عيسى عليه السلام منه، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم اقتبس ذلك من القرآن مؤدياً به مقصوده الذي أراده وليس ذلك أول اقتباس له عليه الصلاة والسلام فقد صرح بعض العلماء أن دعاء التوجه عند الشافعية من ذلك القبيل والصلاة لا تنافي الدعاء، وما أخرجه مسلم ومن معه ليس فيه أكثر من أن ما ذكر آثار كأمن شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته فدعا لهم بما دعا وذلك لا يتوقف على أن في الآية تعريضاً لسؤال المغفرة للكافر، ثم إن للعلماء في بيان سر ذكر ذينك الاسمين الجليلين في الآية كلاماً طويلاً حيث أشكل وجه مناسبتهما لسياق ما قرنا به حتى حكي عن بعض القراء أنه غيرهما لسخافة عقله فكان يقرأ فإنك أنت الغفور الرحيم إلى أن حبس وضرب سبع درر، ووقع لبعض الطاعنين في القرآن من الملاحدة أن المناسب ما وقع في مصحف ابن مسعود فإنك أنت العزيز الغفور كما نقل ذلك ابن الأنباري، وقد علمت أحد توجيهاتهم لذلك. وقيل: إن ذكرهما من باب الاحتراس لأن ترك عقاب الجاني قد يكون لعجز في القدرة أو لإهمال ينافي الحكمة فدفع توهم ذلك بذكرهما. وفي «أمالي العز بن عبد السلام» أن العزيز معناه هنا الذي لا نظير له، والمعنى وإن تغفر لهم فإنك أنت الذي لا نظير لك في غفرانك وسعة رحمتك، وأنت أولى من رحم وأجدر من غفر وستر الحكيم الذي لا يفعل شيئاً إلا في مستحقه وهم مستحقون ذلك لفضلك وضعفهم، وهذا ظاهر في أن في الآية تعريضاً بطلب المغفرة ولا أظنك تقول به. وادعى بعضهم أنهما متعلقان بالشرطين لا بالثاني فقط وحينئذٍ وجه مناسبتهما لا سترة عليه فإن من له الفعل والترك عزيز حكيم، وذكر أن هذا أنسب وأدق وأليق بالمقام.
د. أسعد حومد
تفسير : (118) - يَرُدُّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، الأمْرَ وَالمَشِيئَةَ إلَى اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ الفَعَّالُ لِمَا يُريدُ، لاَ يُسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَيَقُولُ: إِنَّ أَمْرَ العِبَادِ مَوْكُولٌ إلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنْ عَذَّبَهُمْ فَبِذُنُوبِهِمْ، فَهُوَ رَبُّهُمْ وَهُمْ عِبَادُهُ، وَإِنْ يَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّهُ تَعَالَى الغَفَّارُ الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَحُكْمِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولقائل أن يقول: أليس في ذلك الأمر إشكالٌ واضح؟. لقد ادّعى بعض أتباع عيسى أنهم أبلغوا من عيسى أن يتخذوه هو وأمه إلهين من دون الله. فكيف يطلب لهم عيسى المغفرة في هذه الآية. ونقول: إن عيسى لم يقل: "يا رب اغفر لهم" ولكنه قال: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي أن عيسى قد ترك الأمر لطلاقة المشيئة الإلهية، وهو كرسول من عند الله يعلم أن رحمة الله سبقت غضبه، وأن له سبحانه طلاقة القدرة، فلا قدرة تقيده فطلاقة المشيئة موجودة. وهم عباد الله باختيارهم. إننا نعرف أن كل خلق الله هم عبيد الله. ولكن المطيعين لله والمؤمنين به خاصة هم عباد الله. إذن فالخلق نوعان: عباد الله ذهبوا لله إيماناً ومحبة وطاعة، والنوع الثاني هم العبيد الذي يُقهرون لقاهرية سيدهم، وحتى الكافر لم يكفر رغما عن الله. بل كفر بما آتاه الله من قدرة اختيار في أن يفعل أو لا يفعل، وكان الحق قادراً على أن يخلق خلقاً لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يأمرهم به الله. وقد فعل الحق ذلك مع الملائكة. لكن قدرة القهر تثبت لله صفة القهار على المقهور ولا تثبت صفة المحبة، فالمحبة تأتي من أن يكون المخلوق مختاراً أن يؤمن أو أن يكفر، ثم يختار الإيمان. إنه بذلك آمن بالمحبة لا بالقهر. وهكذا يريد الله خلقه المؤمنين به. إن كل الوجود - ما عدا الإنسان - مقهور، ولا يقدر على المعصية: الشمس، والقمر، والمطر، والهواء، والسحاب وكل ما في الكون مقهور لله. إذن لو أراد الله خلقاً مقهورين على الإيمان به ما استطاع أحد من خلقه أن يكفر به، ولكن الحق أراد أن يثبت صفة القهر فيما دون الإنسان، أما في الإنسان فقد خلقه الله مختاراً بين الكفر والإيمان حتى يأتي بعض من العباد ليصنعوا ما يحبه الله ويرضاه ويتبعوا منهج الله، وهم يعلمون أن الله لم يكلفهم ما لا طاقة لهم به. فلا يكلف - سبحانه - أحداً بأن يموت أو يمرض، ولا يكلف فاقد آلة الاختيار وهي العقل، ولا يكلف من لم يبلغ رشد العقل؛ لأن التكليف للإنسان لا يتم إلا بوجود ثلاثة شروط: الأول: أن يوجد العقل، والثاني: أن يكون العقل في تمام النضج وهو الرشد، والثالث: ألا تكون هناك قوة تهدد حياته وتقهره على فعل ما. وهكذا نعلم أن هناك ثلاثة يخرجون من دائرة التكليف. وهم: المجنون وغير ناضج العقل لأنه لم يبلغ الرشد، والمقهور بفعل فاعل. وقد أعطى الحق مع التكليف الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وبذلك ليس لأحد عند الله حجة، ومن دخل التكليف طائعاً فهو من عباد الله. ومن عصى الله وخرج عن التكليف فهو من العبيد المقهورين في كل شيء فيما عدا التكاليف التي خيرّوا فيها. إذن فالعبادة هم الذين دخلوا العبادية بأن وازنوا بين الإيمان ونقيضه الكفر . . أي بين المراد لله وغير المراد لله. فكيف إذن يقول عيسى ابن مريم على الرغم من علمه بكفرهم: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ}؟. ونقول: إن معنى "العباد" و "العبيد" الذي شرحناه سابقاً هو وضع الإنسان في الدنيا وما يكون عليه فيها، ولكن الحوار الذي نقرؤه في القرآن بين عيسى عليه السلام والحق سبحانه وتعالى يكون في الآخرة، وكلنا في الآخرة عباد طائعون. وعندما نستقرئ كلمة "عباد" في القرآن نجد أن العباد هم الصفوة المختارة التي اختارت مراد الله فوق اختيارهم فاستوت مع المقهور تماماً. ومثال ذلك قول الحق سبحانه: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} تفسير : [الفرقان: 63]. أنه يأتي هنا بالخصال الجميلة لهذه الصفوة من العباد. والشيطان نفسه يعلن عدم استطاعته إغواء العباد المخلصين كما يقرر القرآن الكريم: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 83]. أما في الآخرة فكلنا عباد، وها هوذا الحق سبحانه يخاطب الذين أضلوا غيرهم بقوله تعالى: {أية : أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي} تفسير : [الفرقان: 17]. إن الكل عباد لله يوم القيامة، والكل ينفذ مراد الله، ولا ولاية لأحد على أي شيء من أبعاضه وجوارحه، فالعين التي كانت مسخرة للعبد في الدنيا تأتمر بأمر العبد فيختار أن يرى الحلال أو يرى الحرام، هذه العين تسترد حريتها من صاحبها فلا ولاية له عليها في اليوم الآخر، وكذلك اليد واللسان والجلد والقدم، وكل الأبعاض. وتكون النفس الإنسانية في الدنيا كقائد لكل الأبعاض والجوارح تنفذ أوامر الإنسان سواء للخير أو للشر، وسواء للطاعة أو للمعصية. لكن هذه الأبعاض والجوارح تنطلق يوم القيامة لتشهد على كل ما فعل الإنسان، فليس لأحد مراد غير مراد الله: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. لقد انتهت مرادات البشر وبقي مراد الله فصار الكل عباداً لله. وعلى هذا فليس هناك إشكال في قول عيسى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ}. ونعلم أيضاً أن كلمة "عبيد" تشملنا كلنا فيما نحن غير مخبرين فيه مثل إرادة التنفس أو ميعاد الميلاد أو ميعاد الموت، ولكن المؤمنين يرتقون من "العبيدية" إلى "العبادية" بتنفيذ منهج الله، أما الكافرون والعصاة فهم يعصون الله بما لهم من اختيار ويسيرون في درب العصيان معاندة لمنهج الله. وحتى يثبت الحق لنا جميعاً أن الكافرين مجرد عبيد فهو يصيبهم بالمرض والفاقة والآلام النفسية العميقة ولا يجرؤ واحد منهم أن يصادم مراد الله في هذه الأحداث التي يجريها عليهم. ولذلك فالمؤمن يشكر الحق باختياره لأن الله حماه بأدوات الاختيار وجوداً ونضجاً وعدم إكراه. ولنا أن نلحظ أننا كلنا في يوم القيامة - كما قلنا من قبل - نصير عباداً لله فلا مراد لأحد فينا على أي شيء، وكل المراد يكون لله، وقد أورد الحق سبحانه ما جاء على لسان عيسى عليه السلام فقال: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} وهذا التذييل لكلمات عيسى ابن مريم لم يأت باعتذار أو طلب الحنان من الله على الذين كفروا بالله وأشركوا به، فالعزيز الحكيم هو الذي لا يغلب على أمره ولا تسيطر عليه قوة ولا تحمي هؤلاء الناس قوة من دون الله، فهو القادر العزيز، إن شاء غفر لهم فلا راد لمشيئته. وبعض السطحيين الذين يتلمسون الأخطاء في القرآن قالوا: ألم يكن الأجدر أن يقول عيسى: إن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم؟. ونرد على هؤلاء السطحيين فنقول: إن كل كلمة في القرآن جاذبة لمعناها، وكل معنى في القرآن عاشق لكلمته. ولذلك جاء التذييل في هذه الآية بما يخدم طلاقة المشيئة في تعذيبهم أو في الغفران لهم، فإن عذبهم فليس هناك قوة ثانية تستطيع أن تحميهم من عذابه؛ لأنه - سبحانه - عزيز، وإن غفر لهم فلا توجد قوة أعلى تسأله: كيف غفرت لهم وقد كانوا كافرين؟ إذن فسبحانه لا يسأل عما يفعل لأنه عزيز حكيم. وأيضاً فقولهم: كان الأنسب أن يقول: فإنك أنت الغفور الرحيم. نقول لهم: هي تناسب قوله {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ} ولكنها لا تناسب {إِن تُعَذِّبْهُمْ} فكان لا بد أن يأتي تذييل الآية بما يناسب {إِن تُعَذِّبْهُمْ} وبما يناسب قوله تعالى: {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ}. والحق بعد ذلك يقول: {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):