٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
119
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أجمعوا على أن المراد بهذا اليوم يوم القيامة، والمعنى أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة، والدليل على أن المراد ما ذكرنا: أن صدق الكفار في القيامة لا ينفعهم، ألا ترى أن إبليس قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 22] فلم ينفعه هذا الصدق، وهذا الكلام تصديق من الله تعالى لعيسى في قوله {أية : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } تفسير : [المائدة: 117]. المسألة الثانية: قرأ جمهور القرّاء {يَوْمٍ } بالرفع، وقرأ نافع بالنصب، واختاره أبو عبيدة. فمن قرأ بالرفع، قال الزجاج: التقدير هذا اليوم يوم منفعة الصادقين، وأما النصب ففيه وجوه: الأول: على أنه ظرف لقال والتقدير: قال الله هذا القول لعيسى يوم ينفع. الثاني: أن يكون التقدير: هذا الصدق واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم، ويجوز أن تجعل ظروف الزمان أخباراً عن الأحداث بهذا التأويل كقولك: القتال يوم السبت، والحج يوم عرفة، أي واقع في ذلك اليوم، والثالث: قال الفرّاء: {يَوْمٍ } أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في يومئذ. قال البصريون هذا خطأ لأن الظرف إنما يبنى إذا أضيف إلى المبنى كقول النابغة.شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا تفسير : بنى (حين) لإضافته إلى المبنيّ، وهو الفعل الماضي، وكذلك قوله {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ} تفسير : [الإنفطار: 19] بني لإضافته إلى (لا) وهي مبنية، أما هنا فالإضافة إلى معرب لأن ينفع فعل مستقبل، والفعل المستقبل معرب فالإضافة إليه لا توجب البناء والله أعلم. ثم قال تعالى: {لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }. اعلم أنه تعالى لما أخبر أن صدق الصادقين في الدنيا ينفعهم في القيامة، شرح كيفية ذلك النفع وهو الثواب، وحقيقة الثواب: أنها منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم. فقوله {لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } إشارة إلى المنفعة الخالصة عن الغموم والهموم، وقوله {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } إشارة إلى الدوام واعتبر هذه الدقيقة، فإنه أينما ذكر الثواب قال: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } وأينما ذكر عقاب الفساق من أهل الايمان ذكر لفظ الخلود ولم يذكر معه التأبيد، وأما قوله تعالى: {رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } فهو إشارة إلى التعظيم. هذا ظاهر قول المتكلمين، وأما عند أصحاب الأرواح المشرقة بأنوار جلال الله تعالى، فتحت قوله {رّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا الله من أهلها، وقوله {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ } الجمهور على أن قوله { ذٰلِكَ } عائد إلى جملة ما تقدم من قوله {لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي } إلى قوله {وَرَضُواْ عَنْهُ } وعندي أنه يحتمل أن يكون ذلك مختصاً بقوله {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } فإنه ثبت عند أرباب الألباب أن جملة الجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله كالعدم بالنسبة إلى الوجود، وكيف والجنة مرغوب الشهوة، والرضوان صفة الحق وأي مناسبة بينهما، وهذا الكلام يشمئز منه طبع المتكلم الظاهريّ، ولكن كل ميسٌر لما خلق له.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} أي صدقهم في الدنيا فأما في الآخرة فلا ينفع فيها الصدق، وصدقهم في الدنيا يحتمل أن يكون صدقهم في العمل لله، ويحتمل أن يكون تركهم الكذب عليه وعلى رسله، وإنما ينفعهم الصدق في ذلك اليوم وإن كان نافعاً في كل الأيام لوقوع الجزاء فيه. وقيل: المراد صدقهم في الآخرة وذلك في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ، وفيما شهدوا به على أنفسهم من أعمالهم ويكون وجه النفع فيه أن يُكفوَا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة، فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم. والله أعلم. وقرأ نافع وٱبن مُحَيْصِن «يَوْمَ» بالنصب، ورفع الباقون وهي القراءة البيّنة على الابتداء والخبر، فيوم ينفع خبر لـ «هذا» والجملة في موضع نصب بالقول. وأما قراءة نافع وٱبن مُحَيْصِن فحكى إبراهيم بن حميد عن محمد بن يزيد أن هذه القراءة لا تجوز، لأنه نصب خبر الإبتداء، ولا يجوز فيه البناء. وقال إبراهيم بن السَّري: هي جائزة بمعنى قال الله هذا لعيسى ابن مريم يوم ينفع الصادقين صدقهم؛ فـ «يوم» ظرف للقول، و «هذا» مفعول القول والتقدير؛ قال الله هذا القول في يوم ينفع الصادقين. وقيل: التقدير قال الله عز وجل هذه الأشياء تنفع يوم القيامة. وقال الكسائي والفَرّاء: بني يوم ها هنا على النصب؛ لأنه مضاف إلى غير ٱسم؛ كما تقول: مضى يومئذ؛ وأنشد الكِسائي: شعر : على حينَ عاتبتُ المِشيبَ على الصِّبَا وقلتُ أَلَمَّاً أَصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ تفسير : الزّجاج: ولا يجيز البصريون ما قالاه إذا أضفت الظرف إلى فعل مضارع. فإن كان إلى ماض كان جيداً كما مرّ في البيت، وإنما جاز أن يضاف الفعل إلى ظروف الزمان؛ لأن الفعل بمعنى المصدر. وقيل: يجوز أن يكون منصوباً ظرفاً ويكون خبر الابتداء الذي هو «هذا» لأنه مشارٌ به إلى حَدثٍ، وظروف الزمان تكون أخباراً عن الأحداث، تقول: القتالُ اليوم، والخروج الساعة، والجملة في موضع نصب بالقول. وقيل: يجوز أن يكون «هذا» في موضع رفع بالابتداء و «يوم» خبر الابتداء والعامل فيه محذوف، والتقدير: قال الله هذا الذي قصصناه يقع يوم ينفع الصادقين صدقهم. وفيه قراءة ثالثة {يَوْمُ يَنفَعُ} بالتنوين {ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} في الكلام حذف تقديره «فيه» مثل قوله: { أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً } تفسير : [البقرة: 48] وهي قراءة الأعمش. قوله تعالى: {لَهُمْ جَنَّاتٌ} ابتداء وخبر. {تَجْرِي} في موضع الصفة. {مِن تَحْتِهَا} أي من تحت غُرَفها وأشجارها وقد تقدّم. ثم بيّن تعالى ثوابهم، وأنه راض عنهم رضاً لا يغضب بعده أبداً. {وَرَضُواْ عَنْهُ} أي عن الجزاء الذي أثابهم به. {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ} أي الظفر {ٱلْعَظِيمُ} أي الذي عظم خيره وكثر، وارتفعت منزلة صاحبه وشَرُف.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مجيباً لعبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام، فيما أنهاه إليه من التبري من النصاري الملحدين الكاذبين على الله وعلى رسوله، ومن رد المشيئة فيهم إلى ربه عز وجل، فعند ذلك يقول تعالى: {هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ} قال الضحاك: عن ابن عباس يقول: يوم ينفع الموحدين توحيدهم، {لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي: ماكثين فيها، لا يحولون ولا يزولون، رضي الله عنهم، ورضوا عنه؛ كما قال تعالى: {أية : وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} تفسير : [التوبة: 72] وسيأتي ما يتعلق بتلك الآية من الحديث، وروى ابن أبي حاتم ها هنا حديثاً عن أنس فقال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا المحاربي عن ليث عن عثمان، يعني: ابن عمير، أخبرنا اليقظان عن أنس مرفوعاً، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: «حديث : ثم يتجلى لهم الرب جل جلاله، فيقول: سلوني سلوني أعطكم - قال - فيسألونه الرضا، فيقول: رضاي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني أعطكم، فيسألونه الرضا - قال: فيشهدهم أنه قد رضي عنهم سبحانه وتعالى»تفسير : وقوله: {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي: هذا الفوز الكبير الذي لا أعظم منه؛ كما قال تعالى: {أية : لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ} تفسير : [الصافات: 61] وكما قال: {أية : وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ} تفسير : [المططفين: 26] وقوله: { للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} أي: هو الخالق للأشياء، المالك لها، المتصرف فيها، القادر عليها، فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته، وفي مشيئته، فلا نظير له، ولا وزير، ولا عديل، ولا والد، ولا ولد، ولاصاحبة، ولا إله غيره، ولا رب سواه، قال ابن وهب: سمعت حيي بن عبد الله يحدث عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا } أي يوم القيامة {يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ } في الدنيا كعيسى {صِدْقُهُمْ } لأنه يوم الجزاء {لَهُمْ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهآ أَبَداً رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } بطاعاته {وَرَضُواْ عَنْهُ } بثوابه {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } ولا ينفع الكاذبين في الدنيا صدقهم فيه كالكفار لما يؤمنون عند رؤية العذاب.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} يعني يوم القيامة، وإنما نفعهم الصدق في ذلك اليوم لوقوع الجزاء فيه وإن كان في كلِّ الأيام نافعاً، وفي هذا الصدق قولان: أحدهما: أن صدقهم الذي كان منهم في الدنيا نفعهم في الآخرة جُوزُوا عليه من الثواب، فعلى هذا المراد بهذا الصدق وجهان محتملان: أحدهما: أنه صدقهم في عهودهم. والثاني: أنه تصديقهم لرسل الله وكتبه. والقول الثاني: أنه صدق يكون منهم في الآخرة ينفعهم لقيامهم فيه بحق الله. فعلى هذا في المراد بهذا الصدق وجهان محتملان: أحدهما: أنه صدقهم في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ. والثاني: صدقهم فيما شهدوا به على أنفسهم عن أعمالهم، ويكون وجه النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة، فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم. وهل هم مصروفون عنه قبل موقف العرض؟ على قولين. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
الخازن
تفسير : {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} اتفق جمهور العلماء على أن المراد بهذا اليوم يوم القيامة والمعنى أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في الآخرة لأنه يوم الإثابة والجزاء وما تقدم من صدقهم في الدنيا يتبين نفعه يوم القيامة والمراد بالصادقين النبيون والمؤمنون لأن الكفار لا ينفعهم صدقهم يوم القيامة. قال قتادة: متكلمان لا يخطئان يوم القيامة عيسى عليه السلام لأنه يقوم فيقول ما قص الله عنه ما قلت لهم إلا ما أمرتني به الآية فكان صادقاً في الدنيا والآخرة فينفعه صدقه. وأما المتكلم الآخر فإبليس فإنه يقوم فيقول وقال الشيطان لما قضى الأمر الآية فصدق عدو الله فيما قال ولم ينفعه صدقه. وقال عطاء هو يوم من أيام الدنيا لأن الآخرة دار جزاء لا دار عمل وذهب في هذا القول إلى ظاهر الآية من أن الصدق النافع إنما يكون في الدنيا وهذا القول موافق لمذهب السدي حيث يقول إن هذه المخاطبة جرت مع عيسى عليه السلام حين رفع إلى السماء، والوجه ما ذهب إليه الجمهور ثم ذكر الله تعالى ما لهم من الثواب على صدقهم فقال تعالى: {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً} فهذا إشارة إلى ما يحصل من الثواب الدائم الذي لا انقطاع له ولا انتهاء {رضي الله عنهم} يعني بطاعتهم له {ورضوا عنه} يعني بما أعطاهم من ثوابه وجزيل كرامته {ذلك} إشارة إلى ما ذكره من ثوابهم {الفوز العظيم} يعني أنهم فازوا بالجنة وبرضوانه عنهم ونجوا من النار {لله ملك السموات والأرض وما فيهن} عظم الله عز وجل نفسه عما قال فيه النصارى يعني، أن الذي له ملك السموات والأرض هو الذي يستحق الإلهية لا ما قالت النصارى من إلهة المسيح وأمه لأنهما جملة من في السموات والأرض فهما عبيده وفي ملكه. وقيل: هو جواب السؤال مضمر في الكلام كأنه لما وعد الصادقين بالثواب العظيم قيل من يعطيهم ذلك قال الذي له ملك السموات والأرض ومن فيهن {وهو على كل شيء قدير} والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الثعالبي
تفسير : {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ}؛ فدخل تحت هذه العِبَارَةِ كل مؤمن باللَّه ـــ سبحانه ـــ، وكُلُّ ما كان أتْقَىٰ، فهو أَدْخَلُ في العبارة، وجاءت هذه العبارة مُشِيرَةً إلى عيسى ـــ عليه السلام ـــ في حاله، وصدْقه؛ فيحصل له بذلك في المَوْقِفِ شَرَفٌ عظيم، وإن كان اللفظ يعمه وسواه. ثم ذكر ـــ تعالى ـــ ما أعدَّهُ لهم برحمته، وطوله، جعلنا اللَّه منهم بمَنِّهِ، وسَعَةِ جُودِهِ، لا رَبّ غيره، ولا مرجو في الدَّارَيْنِ سواه، وباقي الآية بَيِّنٌ. جعل اللَّه ما كتبناه من هذه الأحرف نوراً يَسْعَىٰ بين أيدينا بمَنِّهِ. والحمد للَّه كما هو أهْلُهُ، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وَسَلَّمَ.
ابن عادل
تفسير : قرأ الجمهور "يومُ" بالرفع تنوين، ونافع بالنصب من غير تنوين واختاره أبو عبيدة ونقل الزمخشري عن الأعمش "يوماً" بنصبه منوناً، وابن عطية عن الحسن بن عياش الشامي: "يوم" برفعه منوناً، فهذه أربع قراءات. فأما قراءة الجمهور فواضحةٌ على المبتدأ والخبر، والجملةُ في محل نصب بالقول. وأمَّا قراءة نافع ففيها أوجه، أحدها: أنَّ "هذا" مبتدأ، و"يوم" خبره كالقراءة الأولى، وإنما بُنِي الظرفُ لإضافته إلى الجملة الفعلية وإن كانت معربةً، وهذا مذهب الكوفيين، واستدلُّوا عليه بهذه القراءةِ، وأمَّا البصريون فلا يجيزون البناء إلا إذا صُدِّرت الجملةُ المضافُ إليها بفعلٍ ماضٍ، وعليه قولُ النابغة: [الطويل] شعر : 2101- عَلَى حينَ عَاتَبْتُ المشِيبَ على الصِّبَا فَقُلْتُ: ألَمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وَازعُ تفسير : وخَرَّجوا هذه القرءاة على أن "يوم" منصوبٌ على الظرف، وهو متعلق في الحقيقة بخبر المبتدأ أي: هذا واقعٌ أو يقع في يوم ينفع، فيستوي هذا مع تخريج القراءة الأولى والثانية أيضاً في المعنى. ومنهم من خرَّجه على أنَّ "هذا" منصوبٌ بـ "قال"، وأشير به إلى المصدر فنصبه على المصدر، وقيل: بل أشير به إلى الخبر والقِصَص المتقدمةِ فيجري في نصبه خلافٌ: هل هو منصوبٌ نصب المفعول به أو نصبَ المصادر؟ لأنه متى وقع بعد القول ما يُفْهم كلاماً نحو: "قلت شعراً وخطبة" جَرَى فيه هذا الخلاف، وعلى كلِّ تقدير فـ "يوم" منصوبٌ على الظرف بـ "قال" أي: قال الله هذا القولَ أو هذه الأخبارَ في وقتِ نفع الصادقين، و"ينفع" في محلِّ خفضٍ بالإضافة، وقد تقدَّم ما يجوزُ إضافتُه إلى الجمل وأنه أحد ثلاثةِ أشياء. وأمَّا قراءة التنوين فرفعه على الخبريةِ كقراءة الجماعة، ونصبُه على الظرفِ كقراءة نافع، إلا أنَّ الجملةَ بعده في القراءتين في محل الوصفِ لما قبلها، والعائدُ محذوفٌ، وهي نظيرَةُ قوله تعالى: {أية : يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} تفسير : [البقرة: 48]، فيكونُ محلُّ هذه الجملة إما رفعاً أو نصباً. قوله: "صِدْقُهم" مرفوع بالفاعلية، وهذه قراءة العامة، وقُرِىء شاذاً بنصبه وفيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على المفعول من أجله أي: ينفعهم لأجلِ صدقهم، ذكر ذلك أبو البقاء، وتبعه أبو حيان وهذا لا يجوزُ لأنه فات شرطٌ من شروط النصب، وهو اتحاد الفاعل، فإنَّ فاعلَ النفع غيرُ فاعل الصدقِ، وليس لقائلٍ أن يقول: "يُنْصب بالصادقين فكأنه قيل: الذين يَصْدُقون لأَجل صدقهم فيلزمُ اتحادُ الفاعل" لأنه يؤدي إلى أنَّ الشيء علة لنفسِه، وللقولِ فيه مجال. الثاني: على إسقاط حرف الجر أي: بصدقهم، وهذا فيه ما عرف من أن حذف الحرف لا يطَّرد. الثالث: أنه منصوب على المفعول به، والناصب له اسم الفاعل في "الصادقين" أي: الذين صدقوا صدقهم، مبالغةً نحو: "صدقْت القتال" كأنك وعدتَ القتالَ فلم تَكْذِبْه، وقد يُقَوِّي هذا نصبُه على المفعول له، والعامل فيه اسم الفاعل قبله. الرابع: أنه مصدرٌ مؤكد كأنه قيل: الذين يَصْدُقون الصدقَ كما تقول: "صَدَق الصدقَ"، وعلى هذه الأوجه كلِّها ففاعلُ "ينفع" ضمير يعود على الله تعالى. فصل في معنى الآية أجْمَعُوا على أنَّ المُرادَ بِهَذَا اليَوْمِ هو يَوْمُ القِيَامةِ، والمَعْنَى: أنَّ صِدْقَهُم في الدُّنْيَا يَنْفَعُهُم في الآخِرَةِ؛ لأنَّ صِدْق الكُفَّار في القيامَةِ لا يَنْفَعُهُم، ألا ترى أنَّ إبْلِيس قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 22]، فَلَمْ يَنْفَعْهُ هذا الصِّدقُ، وهذا الكلامُ تَصْدِيقٌ من اللَّهِ تعالى لعيسى في قوله: {أية : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ} تفسير : [المائدة: 117]. وقيل: أرَادَ بالصَّادِقِين النَّبِيِّين. وقال الكَلْبِيُّ: يَنْفَعُ المُؤمنين إيمانُهُمْ. وقال قَتَادةُ: مُتَكَلِّمَان يَخْطُبَانِ يَوْمَ القيامةِ: عيسى - عليه الصلاة والسلام -، وهو ما قَصَّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ - وعَدُوُّ الله إبْلِيس، وهو قوله: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} تفسير : [إبراهيم: 22] فَصَدَقَ عَدُوُّ الله يومئذٍ، وكان قَبْلَ ذلك كَاذِباً، فلم يَنْفَعْهُ صِدْقُهُ، فأمَّا عيسى - عليه السَّلام - فكان صَادِقاً في الدُّنْيَا والآخِرَة فَنَفَعَهُ صِدْقُه. وقال بَعْضُهُمْ: المرادُ صِدْقُهُمْ في العملِ للَّهِ في يومٍ مِنْ أيَّامِ الدُّنْيَا؛ لأنَّ دَارَ الآخِرَة دارُ جَزَاءٍ لا دار عَمَلٍ. وقيل: المراد صِدْقُهُمْ في الآخِرَة وذلك في الشَّهادةِ لأنْبِيَائِهِم بالبلاغِ، وفيما شَهِدُوا به على أنْفُسِهِمْ كالعَدَمِ من أعْمالِهِمْ، ويكُونُ وجْهُ النَّفْع فيه أن يَكُفُّوا المُؤاخَذَة بِتَرْكِهِم كَتم الشَّهادَة، فيُغفَرُ لهم بإقْرَارِهِم لأنْبِيَائِهِم على أنْفُسِهِم، ثُمَّ بين ثَوَابَهُم، فقال: {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً}، فبيَّن أنَّ ذلك النَّفْع هو الثَّوابُ، وهو حَقِيقَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بالتَّعْظِيم. واعلم: أنَّه تبارك وتعالى إنَّما ذكر الثَّواب، قال: {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً}، فيذْكرُ معه لَفْظ التأبيد، وإنَّمَا ذكر عِقَابَ الفُسَّاقِ من أهْلِ الإيمان، فَيذْكرُ مَعَهُ لَفْظ الخُلُودِ، ولم يَذْكُرْ مَعَهُ لفظ التَّأبِيدِ وقوله: {رَضِي اللَّهُ عنهم} معناه الدعاءُ. {وَرَضُواْ عَنْهُ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} الجُمْهُور على أنَّ قوله: {ذَلِكَ الفوزُ العَظيمُ} عائِدٌ إلى جُمَلةِ ما تقدَّم من قوله: "لَهُمْ جَنَّاتٌ"، إلى قوله: "ورضُوا عَنْهُ". قال ابنُ الخطيب: وعِنْدِي أنَّه يُحْتَمَل أنْ يكون مُخْتَصّاً بقوله: {رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ}؛ لأنَّه ثَبَتَ عند أربَابِ العُقُولِ، أن جُمْلة الجنَّة بما فِيهَا بالنِّسْبَةِ إلى رضوان الله - تبارك وتعالى - بالنِّسْبَةِ إلى الوُجُودِ، وكيْفَ والجنَّة مَرْغُوبُ الشَّهْوَة، والرِّضْوَان صفةُ الحقِّ، وأيُّ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا! ثم قال - تبارك وتعالى - مُعَظِّماً لِنَفْسِهِ: {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. قيل: إنَّ هذا جواب عن سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كأنَّهُ قيل: من يُعْطِيهِمْ ذلك الفَوْز العَظِيم، فقيل: الذي لَهُ مُلْك السمواتِ والأرْضِ. قال القرطبي: جاء هذا عقب ما جرى من دعوى النصارى في عيسى أنه إله فأخبر تعالى أن ملك السموات والأرض له دون عيسى ودون سائر المخلوقين، ويجوز أن يكون المعنى أن الذي له ملك السموات والأرض يعطي الجنات المتقدم ذكرها للمطيعين من عباده. واعلم: أنَّهُ - تبارك وتعالى - قال: "ومَا فِيهِنَّ" ولم يَقُلْ: مَنْ فيهِنَّ، فَغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاَءِ على العُقَلاَءِ لفائِدَةٍ وهي: التنْبِيهُ على أنَّ كُلَّ المَخْلُوقَاتِ مُسَخَّرُون في قَبْضَةِ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وقَضَائِهِ وقدرِه، وهُمْ في ذلك التَّسْخِيرِ كالجَمَادَاتِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَهَا، وكالْبَهَائِمِ الَّتِي لا عَقْلَ لَهَا، فعلْمُ الكُلِّ بالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِه كَلاَ عِلْم، وقُدْرَةُ الكُلِّ بالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ كَلاَ قُدْرَة. رُوِي أنَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سُورة المائدةِ في خُطْبَتِهِ يَوْمِ حجَّة الوَدَاع، وقال: "حديث : يا أيُّهَا النَّاسُ: إنَّ سُورة المائدةِ من آخِرِ القُرْآنِ نُزُولاً، فأحِلُّوا حَلاَلَهَا وحَرِّمُوا حَرَامَهَا ". تفسير : وقال عَبْدُ الله بنُ عُمَر: أنْزِلَتْ على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سُورَةُ المَائِدةِ وهُو عَلَى راحِلَتِهِ، فَلمْ تَسْتَطِعْ أن تَحْمِلَهُ حَتَّى نَزَلَ عَنْهَا. وعن أبيِّ بن كَعْبٍ قال: قال رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرأ سُورَةَ المائِدةِ أعْطِيَ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَهُوديٍّ ونَصْرَانِيٍّ يَتَنَفَّسُ في دَارِ الدُّنْيَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ" تفسير : واللَّهُ - تبارك وتعالى - أعلمُ بالصَّوَاب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} قال: يقول هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} قال: هذا فصل بين كلام عيسى وهذا يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال: متكلمان تكلما يوم القيامة. نبي الله عيسى، وإبليس عدو الله، فأما إبليس فيقول {أية : إن الله وعدكم وعد الحق} تفسير : [إبراهيم: 22] إلى قوله {إلا أن دعوتكم فاستجبتم} لي وصدق عدو الله يومئذ، وكان في الدنيا كاذبا، وأما عيسى فما قص الله عليكم في قوله {أية : وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي} تفسير : [المائدة: 116] إلى آخر الآية: {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} وكان صادقاً في الحياة الدنيا وبعد الموت. قوله تعالى: {لله ملك السماوات} الآية. أخرج أبوعبيد في فضائله عن أبي الزاهرية أن عثمان رضي الله عنه كتب في آخر المائدة "لله ملك السموات والأرض والله سميع بصير".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [الآية: 119]. سمعت محمد بن الحسن البغدادى يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول: سمعت سعيد بن عثمان يقول: قال ذو النون: ثلاثة من أعلام الصدق: ملازمة الصادقين، والسكون عند نظر المتفرسين ووجدان الكراهية لتغير السر لرب العالمين. سمعت النصرآباذى يقول: سمعت إبراهيم بن عائشة يقول: سمعت أبا سعيد القرشى وقد سُئل عن الصادق فقال: الذى ظاهره مستقيم وباطنه لا يميل إلى حظ النفس لاستقامته، وعلامة صاحبه أن يجد الحلاوة فى بعض الطاعة ولا يجد فى بعضها. وإذا اشتغل بالذكر والاجتهاد يجد الروح وإذا اشتغل بحظوظ نفسه حُجب عن الله وعن الأذكار. وقال بعضهم: فى قوله {يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} حجاب الأكابر إخبارهم عن حضورهم ومن حضر نفسه لا يحضر ربه، ومن ادعى الصدق أثبت نفسه وأحضرها. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت الكتانى يقول: سألت ابن عطاء بمكة عن قوله: {يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} قال: إرادتهم فى بيان أعمالهم بجوارحهم. وقال الحسينى فى هذه الآية: إذا قابل ربه بصدق، وجهل أمر ربه، وطالب ربه بحظه ووعده يطالبه ربه بصدق صدقه فأفلسه عن رتبته وأبعده عما قصده، وينفع صدقه من لقيه الإفلاس وأيقن أنه كان مستعملاً تحت حكمه وقضيته.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً}. مَنْ تَعَجَّل ميراثَ صدقه في دنياه من قبولٍ حصل له من الناس، أو رياسةٍ عقدت له، له أو نفع وصل إليه من جاهٍ أو مالٍ. فلا شيء له في آجله من صواب صدقه، لأن الحقَّ - سبحانه - نصّ بأنَّ يومَ القيامة ينفع فيه الصادقين صدقهم. قوله جلّ ذكره: {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. ورضاءُ الحق - سبحانه - إثباتُ مَحَلِّ لهم، وثناؤه عليهم ومدحُه لهم، وتخصيصهم بأفضاله وفنون نواله. ورضاؤهم عن الحق - سبحانه في الآخرة وصولهم إلى مناهم؛ فهو الفوز العظيم والنجاة الكبرى.
البقلي
تفسير : {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} وقع صدقهم على رؤية فناء الحدث فى القدم حيث ما ادركوا الحق الا بالعجز عن ادراكه فلما ليم يدركوه قبل العجز وبعد العجز الا به اقروا بالجهل عن معرفته وهذا من كمال معرفتهم بربهم وهذا هو الصدق الذى ذكره الله لهم فلا جرم ينفعهم هذا العجز عند بروز طوارق مشاهدة عظمته وكشوف سطوات عزته بان يدركهم فى محل فنائهم ويلبسهم صفة بقائه حتى بقوا مع الحق ابدا بلا حجاب ولا عتاب قال الحسين فى هذه الأية اذا قابل ربه بصدقه وجهل امر ربه وطالب ربه يخطه ووعده يطالب ربه يصدق صدقه فافلسه عن رتبتة وابعده عما قصده وينفع صدقة من لقبه بالافلاس وايقن انه كان مستعملا تحت حكمه وقضيته قوله تعالى {لَهُمْ جَنَّاتٌ} اى جنات المشاهدات الذاتية التى تجرى تحتها عيون الصفات بنعت تجليها لهم حظة فلحظة {خَالِدِينَ فِيهَآ} باقين بالإتصاف بها {أَبَداً} بلا افنقطاع {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} حيث ودهم متحيرين عن ادراك كنه القدم بعد فنائهم فيه {وَرَضُواْ عَنْهُ} بما وجدوا منه من لذة مشاهدته وحلاوة خطابه وهذا الرضا انسداد ابوب كشوف القدم عليهم وابقاؤهم فيما هم فيه ولو عرفوا قلت حفظهم عن القدم لماتوا جميعا فى الحيرة وكيف رضى عنه من عرفة وكيف سكن عنه وان كان فى مشاهدته من ادركه بنعت التوحيد ولولا فضله ورحمته لفنوا فى قهر سلطان كبريائه ولم يبقوا بعد فبقاؤهم وتخليصهم من فنائهم فيه فبقوز عظيم وظفر كريم ليتمتعوا الوصا له ابدا {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خص ملك الايجاد والابداع بحضرته وازال عمن سواء ملكه.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال الله} اى يقول الله تعالى يوم القيامة عقيب جواب عيسى عليه السلام مشيرا الى صدقه فى ضمن بيان حال الصادقين الذين هو فى زمرتهم {هذا} اى يوم القيامة وهو مبتدأ وخبره ما بعده {يوم ينفع الصادقين صدقهم} المراد الصدق فى الدنيا فان النافع ما كان حال التكليف فالجانى المعترف يوم القيامة بجنايته لا ينفعه اعترافه وصدقه وكذا الجانى المعترف فى الدنيا بجنايته لا ينفعه يومئذ اعترافه وصدقه فانه ليس المراد كل من صدق فى أى شىء كان بل فى الامور الدينية التى معظمها التوحيد الذى نحن بصدده والشرائع والاحكام المتعلقة به والصادقون الرسل الناطقون بالصدق الداعون الى ذلك والامم المصدقون لهم المعتقدون بهم عقدا وعملا {لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا} كأنه قيل ما لهم من النفع فقيل لهم نعيم دائم وثواب خالد وهو الفوز الكبير. قوله ابدا اى الى الابد تأكيد للخلود يعنى بالفارسية [زمان بود ايشان نهايت ندارد] {رضى الله عنهم} بالطاعة {ورضوا عنه} بنيل الكرامة والرضوان فيض زائد على الجنات لا غاية وراءه ولذلك قال تعالى {ذلك} اى نيل الرضوان {هو الفوز العظيم} اى النجاة الوافرة وحقيقة الفوز نيل المراد وانما عظم الفوز لعظم شأن المطلوب الذى تعلق به الفوز وهو الرضى الذى لا مطلب وراءه اصلا.
الطوسي
تفسير : قرأ {يوم ينفع} بفتح الميم نافع. الباقون بضمها. من رفع (يوما) جعله خبر المبتدأ الذي هو (هذا) وأضاف (يوما) الى (ينفع). والجملة التي هي من المبتدأ والخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول، كما تقول: قال زيد عمر أخوك. ومن نصب احتمل أمرين: أحدهما - ان يكون مفعول قال وتقديره قال الله هذا القصص، وهذا الكلام {يوم ينفع الصادقين} فيوم ظرف للقول (وهذا) اشارة الى ما تقدم ذكره من قوله: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم} وجاء على لفظ الماضى وان كان المراد به المستقبل، كما قال {أية : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار} تفسير : ونحو ذلك على ما بيناه. وليس ما بعد (قال) حكاية في هذا الوجه كما كان إياها في الوجه الآخر. ويجوز ان يكون المعنى على الحكاية وتقديره قال الله تعالى {هذا يوم ينفع} أي هذا الذي أقتصصنا. به يقع أو يحدث يوم ينفع، فـ "يوم" خبر المبتدأ الذي هو (هذا) الامر إِشارة الى حدث. وظروف الزمان تكون اخبارا عن الاحداث. والجملة في موضع نصب بأنها في موضع مفعول، قال الفراء: {يوم} منصوب لانه مضاف الى الفعل وهو في موضع رفع بمنزلة (يومئذ) مبني على الفتح في كل حال، قال الشاعر: شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا فقلت ألما تصح والشيب وازع تفسير : قال الزجاج هذا خطأ عند البصريين، لانهم لا يجيزون هذا يوم آتيتك، يريدون هذا يوم اتيانك، لان (آتيتك) فعل مضارع فالاضافة اليه لا يزيل الاعراب عن جهته، ولكنهم يجيزون (ذلك يوم يقع زيد أصدقه) لان الفعل الماضي غير مضارع للمتمكن فهي اضافة الى غير متمكن والى غير ما ضارع المتمكن ويجوز {هذا يوم} منونا {ينفع الصادقين} على إِضمار هذا يوم ينفع شعر : وما الدهر الا تارتانا فمنهما أموت وأخرى ابتغي العيش اكدح تفسير : والمعنى فمنهما تارة أموت فيها. وقوله {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين} يعني يوم القيامة، ودل على أن قول الله للمسيح {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمى إِلهين من دون الله} يكون يوم القيامة، ثم بين ان الصادقين ينفعهم صدقهم وهو ما صدقوا فيه في دار التكليف، لان يوم القيامة لا تكليف فيه على أحد، ولا يخبر أحد فيه الا بالصدق، ولا ينفع الكفار صدقهم الذي يقولونه يوم القيامة اذا أقروا على أنفسهم بسوء أعمالهم، ثم بين ان {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار}، وأنهم {خالدون فيها أبدا} في نعيم مقيم لا يزول، وان الله قد {رضى عنهم ورضوا} هم عن الله وبين ان ذلك {هو الفوز العظيم} وهو ما يحصلون فيه من الثواب والنجاة من النار، ثم قال تعالى: {لله ملك السماوات والأرض وما فيهن} يعني ان ملك السماوات والارض وما بينهما له بالقدرة على التصرف فيهما وفيما بينهما على وجه ليس لاحد منعه منه ولا معارضته فيه خاصة، ثم بين انه تعالى: {على كل شيء قدير} مما كان ويكون مما يصح ان يكون مقدورا له.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ ٱللَّهُ} انّى اغفر للصّادق منهم فى قوله غير متجاوز من حدّه وحدّ عيسى (ع) لانّ {هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} وفى تقدّم رضا العبد على رضا الله او رضا الله على رضا العبد ما مرّ عند قوله فتاب عليه انّه هو التّواب الرّحيم وعند قوله فاذكرونى اذكركم من سورة البقرة {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. عن امير المؤمنين عليه السّلام قال: كان القرآن ينسخ بعضها بعضاً وانّما يؤخذ من امر رسول الله (ص) بآخره وكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة فنسخت ما قبلها ولم ينسخها شيءٌ، ولقد نزلت عليه وهو على بغلةٍ شهباء وثقل عليه الوحى حتّى وقفت وتدلّى بطنها حتّى رأيت سرّتها تكاد تمسّ الارض وأغمى على رسول الله (ص) حتّى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب، ثمّ رفع ذلك عن رسول الله (ص) فقرأ علينا سورة المائدة فعمل رسول الله (ص) وعملنا. وعن الصّادق (ع): نزلت المائدة كملاً ونزلت معها سبعون الف الف ملكٍ.
اطفيش
تفسير : {قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُم}: هذا مبتدأ خبره محذوف والاشارة الى ما يثاب به عيسى فى الآخرة أى هذا جزاء صدقك فى الدنيا، ويوم ظرف متعلق بقال، وقال للاستقبال مجاز، أو نزل المستقبل منزلة الماضى، والقول فى الآخرة يجوز أن يكون هذا مبتدأ، ويوم متعلق بمحذوف خبره، والاشارة الى كلام عيسى أى هذا الذى ذكر عن عيسى من الكلام يقع يوم ينفع الصادقين صدقهم، والقول فى الدنيا. وقال الكوفيون: هذا مبتدأ ويوم فى محل رفع خبره، وبنى لاضافته للجملة، والجملة غير معربة والاشارة ليوم القيامة، والقول فى يوم القيامة، والبصريون لا يجيزون هذا، لأن المضارع معرب، فلو بنى لاحدى النونات أو كان الفعل ماضياً لجاز البناء عندهم للظرف المضاف، والصدق لا بد فى الدنيا، لأنه النافع وذلك قراءة نافع، وقرأ غيره يوم بالرفع على أنه خبر لهذا، والاشارة الى يوم القيامة والقول فيه وكذا قرأ الأعمش بالرفع، لكن لم يضف لفظ يوم للجملة، بل نونه ووصفه بالجملة، وحذف الرابط أى ينفع فيه. وقال عطاء: الاشارة الى الدنيا على أن المعنى هذا اليوم هو يوم ينفع الصادقين صدقهم، ومعنى نفع صدقهم فيه أى يعتبر فيدخر لهم ثوابه، والقول فى الدنيا، والجمهور على أن اليوم والاشارة ليوم القيامة، والقول فيه والصادقون على كل قول هم الأنبياء والمؤمنون، اذ لا ينفع الكافرين صدقهم. وقال قتادة: متكلمان لا يخطئان يوم القيامة: مسلم وكافر، والكافر لا ينفعه صدقه، المؤمن عيسى بقول: {أية : ما قلت لهم الا ما أمرتنى به }تفسير : الى آخره والكافر ابليس بقول: {أية : ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتم }تفسير : الى آخره. {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدَا رَّضِى اللهُ عَنْهُم}: وفقهم وقبل طاعتهم وأثابهم عليها. {وَرَضُوا عَنْهُ}: علموا بما أمرهم به وتركوا ما نهاهم عنه فى الدنيا، أو قنعوا يوم القيامة بثوابه وقوله: {لَهُمْ جَنَّات} الى قوله: {عَنْهُ} بيان للنفع. {ذَلِكَ}: المذكور من ثبوت الجنات مع الأنهار، والخلود ورضا الله ورضاهم. {الفَوْزُ العَظِيمُ}: أى الاتصال بما أحبوا، والنجاة مما كرهوا وهو النار.
اطفيش
تفسير : {قَالَ اللهُ} يقول الله، فالماضى لتحقق الوقوع {هَذَا} مفعول للقول لأَنه إِشارة إِلى الجملة وهى قوله "أية : يا عيسى ابن مريم أَأَنت قلت للناس اتخذونى وأُمى إِلهين من دون الله"تفسير : [المائدة: 116] {يَوْمَ} متعلق، يقال أَعاد ذكر الجملة ليرتب عليها قوله {يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ} قولا وفعلا واعتقادا فى الدنيا كعيسى فإِن ما أَخبر به عن نفسه يوم القيامة إِخبار عما صدق به فى الدنيا، أَو من صدق فى الآخرة لم ينفعه صدقه إِن لم يصدق فى الدنيا، هذا كما تؤمن الكفار فى الآخرة ويقولون الحق ولا ينفعهم، ومن ذلك قول إِبليس "أية : إِن الله وعدكم وعد الحق"تفسير : [إبراهيم: 22] الآية {صِدْقُهُمْ} إِلخ، أَو المعنى يقول الله يوم القيامة هذا اليوم يوم ينفع الصادقين صدقهم، وبنى يوم على الفتح لإِضافته للجملة في قراءَة نافع وهو جائز، ولو كان الفعل معرباً أَجازه الكوفيون وابن مالك، أَو المعنى يقول الله ينفع إِلخ، فالفتح إِعراب، بيَّن النفع بقوله {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبداً رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ} أَى عليهم، أَى أَعطاهم، أَو عن لمجاوزه ضد الرضى عنهم، ورضاه قبوله لأَعمالهم أَو إثابته لهم أَو علمه بأَنهم سعداء، أَو إِسعاده إِياهم أَو مدحه لهم {وَرَضُوا عَنْهُ} عملوا بما أَمرهم به وانتهوا عما نهى، أَو قبلوا أَحكامه ولم يسخطوها، لم يكرهوا ما يجرى، شق عليهم فصبروا أَو لم يشق عليهم اختياراً لما لله عما لهم، قال الجنيد: الرضى يكون على قدر قوة العلم والرسوخ فى المعرفة، والرضى حال يصحب العبد فى الدنيا والآخرة وليس محله محل الخوف والرجاء والصبر والإشفاق وسائر الأَحوال التى تزول عن العبد فى الآخرة، قال: بل العبد يتنعم فى الآخرة بالرضى ويسأَل الله الرضى فيوحى إِليهم: رضائى أَحلكم دارى، قال محمد ابن الفضل: الروح والراحة فى الرضى، واليقين والرضى باب الله الأَعظم ومحل استراحة العابدين {ذَلِكَ} أَى جميع ما تقدم عند الحسن، أَو ذلك المذكور من نيل الرضوان {الفَوْزُ العَظِيمُ}.
الالوسي
تفسير : {قَالَ ٱللَّهُ} كلام مستأنف ختم به حكاية ما حكى مما يقع يوم يجمع الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وأشير إلى نتيجته ومآله. وصيغة الماضي لما تحقق. والمراد بقول الله تعالى عقيب جواب عيسى عليه السلام مشيراً إلى صدقه ضمن بيان حال الصادقين الذين هو في زمرتهم وبذلك يزول أيضاً عنه عليه السلام خوفه من صورة ذلك السؤال لا أن إزالته هي المقصودة من القول على ما قيل. {هَـٰذَا } أي اليوم الحاضر {يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ } أي المستمرين على الصدق في الأمور المطلوبة منهم التي معظمها التوحيد الذي نحن بصدده والشرائع والأحكام المتعلقة به من الرسل الناطقين بالحق والصدق الداعين إلى ذلك وبه تحصل الشهادة بصدق عيسى عليه السلام ومن الأمم المصدقين لأولئك الكرام عليهم الصلاة والسلام المقتدين بهم عقداً وعملاً (وبه يتحقق المقصود بالحكاية من ترغيب السامعين في الإيمان) برسول الله صلى الله عليه وسلم {صِدْقُهُمْ } أي فيما ذكر في الدنيا إذ هو المستتبع للنفع والمجازاة يومئذٍ، وقيل: في الآخرة. والمراد من الصادقين الأمم ومن صدقهم صدقهم في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ وهو ينفعهم لقيامهم فيه بحق الله تعالى وهو كما ترى، وقيل: المراد صدقهم المستمر في دنياهم إلى آخرتهم ليتسنى كون ما ذكر شهادة بصدق عيسى عليه السلام فيما قاله جواباً عن السؤال على ما يقتضيه السوق، ويكون النفع باعتبار تحققه في الدنيا / والمطابقة لما يقتضيه السوق باعتبار تقرره ووقوع بعض جزئياته في الآخرة، والمستمر هو الأمر الكلي الذي هو الاتصاف بالصدق، ولا يلزم من هذا محذور مدخلية الصدق الأخروي في الجزاء، ولا يحتاج إلى جعل الصدق الأخروي شرطاً في نفع الصدق الدنيوي والمجازاة عليه، ولعل فيما تقدم غنى عن هذا كما لا يخفى على الناظر، وقيل: المراد من الصادقين النبيون ومن صدقهم صدقهم في الدنيا بالتبليغ ويكون مساق الآية للشهادة بصدقه عليه السلام في قوله: { أية : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } تفسير : [المائدة: 117] وأنت تعلم أن هذا الغرض حاصل على تقدير التعميم وزيادة. وقيل: المراد من الصدق الصدق في الدنيا إلا أن المراد من الصادقين الأمم، والكلام مسوق لرد عرض عيسى عليه السلام المغفرة عليه سبحانه وتعالى كأنه قيل: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لا غير فلا مغفرة لهؤلاء، ولا يخفى أن التعميم لا ينافي كون الكلام مسوقاً لما ذكر على تقدير تسليم ذلك. واسم الإشارة مبتدأ و {يوم} بالرفع وهي قراءة الجمهور خبره. وقرأ نافع وحده {يوم} بالنصب على أنه ظرف لقال و {هَـٰذَا } مبتدأ خبره محذوف أي كلام عيسى عليه السلام أو حق أو نحو ذلك أو ظرف مستقر وقع خبراً؛ والمعنى هذا الذي مر من جواب عيسى عليه السلام أو السؤال والجواب واقع يوم ينفع، وجوز أن يكون {هَـٰذَا } مفعولاً به للقول لأنه بمعنى الكلام والقصص أو مفعولاً مطلقاً لأنه بمعنى القول، وقيل: إن {هَـٰذَا } مبتدأ و {يوم} خبره وهو مبني على الفتح بناءً على أن الظرف يبنى عليه إذا أضيف إلى جملة فعلية وإن كانت معربة وهو مذهب الكوفيين واختاره ابن مالك وغيره، والبصريون لا يجيزون البناء إلا إذا صدرت الجملة المضاف إليها بفعل ماض كقوله: شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا تفسير : وألحقوا بذلك الفعل المنفي، ويخرجون هذه القراءة على أحد الأوجه السابقة. وقرأ الأعمش {يوم} بالرفع والتنوين على أنه خبر {هَـٰذَا } والجملة بعده صفته بحذف العائد، وقرأ {صِدْقهُمْ} بالنصب على أن يكون فاعل {ينفَعُ} ضمير الله تعالى، و {صِدْقَهُمْ} كما قال أبو البقاء إما مفعول له أي لصدقهم أو منصوب بنزع الخافض أي بصدقهم أو مصدر مؤكد أو مفعول به على معنى يصدقون الصدق كقولك: صدقته القتال، والمراد يحققون الصدق {لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } تفسير للنفع ولذا لم يعطف عليه كأنه قيل: ما لهم من النفع؟ فقيل: لهم نعيم دائم وثواب خالد، وقوله سبحانه: {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } بيان لكونه تعالى أفاض عليهم غير ما ذكر وهو رضوانه عز وجل الذي لا غاية وراءه كما ينبىء عن ذلك قوله سبحانه: {وَرَضُواْ عَنْهُ } إذ لا شيء أعز منه حتى تمد إليه أعناق الآمال {ذٰلِكَ} إشارة إلى نيل رضوانه جل شأنه كما اختاره بعض المحققين أو إلى جميع ما تقدم كما اختاره في «البحر» وإليه يشير ما روي عن الحسن {ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} الذي لا يحيط به نطاق الوصف ولا يوقف على مطلب يدانيه أصلاً.
ابن عاشور
تفسير : جواب عن قول عيسى، فلذلك فصلت الجملة على طريقة الحوار. والإشارة إلى يوم القيامة وهو حاضر حين تجري هذه المقاولة. وجملة: {ينفع الصادقين صدقهم} مضاف إليها {يوم}، أي هذا يوم نفْع الصدق. وقد قرأ غير نافع من العشرة {يومُ} ـــ مضموماً ضمّة رفع ـــ لأنّه خبرُ {هذا}. وقرأه نافع ـــ مفتوحاً ـــ على أنّه مبني على الفتح لإضافته إلى الجملة الفعلية. وإضافة اسم الزمان إلى الجملة الفعلية تسوّغ بناءه على الفتح، فإن كانت ماضوية فالبناء أكثر، كقول النابغة:شعر : على حينَ عَاتبتُ المشيبَ على الصّبا تفسير : وإن كانت مضارعية فالبناء والإعراب جائزان كما في هذه الآية، وهو التحقيق. وإضافة الظرف إلى الجملة تقتضي أنّ مضمونها يحصل فيه، فنفع الصدق أصحابه حاصل يومئذٍ. وعموم الصادقين يشمل الصدق الصادر في ذلك اليوم والصادر في الدنيا، فنفع كليهما يظهر يومئذٍ؛ فأمّا نفع الصادر في الدنيا فهو حصول ثوابه، وأمّا نفع الصادر في الآخرة كصدق المسيح فيما قاله فهو برضى الله عن الصادق أو تجنّب غضبه على الذي يكذّبه فلا حيرة في معنى الآية. والمراد بِـــ {الصادقين} الذين كان الصدق شعارهم لم يعدلوا عنه. ومن أوّل مراتب الصدق صدق الاعتقاد بأن لا يعتقدوا ما هو مخالف لما في نفس الأمر ممّا قامَ عليه الدليل العقلي أو الشرعي. قال الله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين}تفسير : [التوبة: 119]. ومعنى نفع الصدق صاحبه في ذلك اليوم أنّ ذلك اليوم يوم الحقّ فالصادق ينتفع فيه بصدقه، لأنّ الصدق حسن فلا يكون له في الحقّ إلاّ الأثر الحسن، بخلاف الحال في عالم الدنيا عالم حصول الحقّ والباطل فإنّ الحقّ قد يجرّ ضرّاً لصاحبه بتحريف الناس للحقائق، أو بمؤاخذته على ما أخبر به بحيث لو لم يخبر به لما اطّلع عليه أحد. وأمّا ما يترتّب عليه من الثواب في الآخرة فذلك من النفع الحاصل في يوم القيامة. وقد ابتلي كعب بن مالك ـــ رضي الله عنه ـــ في الصدق ثم رأى حُسن مغبَّته في الدنيا. ومعنى نفع الصدق أنّه إن كان الخبر عن أمر حسن ارتكبه المخبر فالصدق حسن والمخبَر عنه حسن فيكون نفعاً محضاً وعليه جزاءان، كما في قول عيسى: {أية : سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقّ}تفسير : [المائدة: 116] إلى آخره، وإن كان الخبر عن أمر قبيح فإنّ الصدق لا يزيد المخبر عنه قبحاً لأنّه قد حصل قبيحاً سواء أخبر عنه أم لم يخبر، وكان لقبحه مستحقّاً أثراً قبيحاً مثله. وينفع الصدق صاحبه مرتكب ذلك القبيح فيناله جزاء الصدق فيخفّ عنه بعض العقاب بما ازداد من وسائل الإحسان إليه. وجملة: {لهم جنات} مبيّنة لجملة: {ينفع} باعتبار أنّها أكمل أحوال نفع الصدق. وجملة {تجري من تحتها الأنهار} صفة لـــ {جنَّات} و{خالدين} حال. وكذلك جملة {رضي الله عنهم ورضوا عنه}. ومعنى: {رضوا عنه} المسرة الكاملة بما جازاهم به من الجنّة ورضوانه. وأصل الرضا أنّه ضدّ الغضب، فهو المحبّة وأثرها من الإكرام والإحسان. فرضي الله مستعمل في إكرامه وإحسانه مثل محبّته في قوله: {يحبّهم}. ورضي الخلق عن الله هو محبّته وحصول ما أمَّلوه منه بحيث لا يبقى في نفوسهم متطلّع. واسم الإشارة في قوله {ذلك} لتعظيم المشار إليه، وهو الجنّات والرضوان.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّادِقِينَ} {جَنَّاتٌ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} (119) - وَحِينَ تَبَرَّأ عِيسَى، عَلَيهِ السَّلاَمُ، مِنْ عِباَدَةِ مَنْ عَبَدُوهُ، وَاللهُ تَعَالَى أعْلَمُ بِصِدْقِهِ، قَالَ تَعَالَى: هَذَا هُوَ اليَوْمُ الذِي يَنْفَعُ فِيهِ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، وَالمُوَحِّدِينَ تَوْحِيدُهُمْ، وَسَتَكُونُ للصَّادِقِينَ جَنَّاتٌ تَجْرِي الأنْهَارُ فِي جَنَبَاتها، جَزَاءً وفَاقاً لَهُمْ، وَسَيَكُونُونَ فِيهَا خَالِدِينَ أبَداً، وَلَقَدْ فَازُوا بِرِضَا رَبِّهِمْ وَرِضْوَانِهِ، وَرَضُوْا عَمَّا أكْرَمَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ، وَأنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ الذِي لاَ أعْظَمَ مِنْهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نعرف أن هناك صدقاً ينفع يوم القيامة وهو الصدق الموصول بصدق الدنيا. وهناك صدق لا ينفع يوم القيامة ومثال ذلك قول إبليس اللعين كما يحكي القرآن الكريم: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 22]. مثل هذا الصدق لا ينفع أحداً؛ لأن الآخرة ليست دار التكليف. لكن الصدق الموصول بصدق الدنيا هو قول عيسى عليه السلام: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ}. ولذلك يقول الله في الصدق الموصول: {هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}. ذلك أن صدق الصادقين يوم القيامة هو صدق موصول بصدقهم في زمن التكليف وهو الدنيا ويتلقون رضاء الله: {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} وإن تساءل إنسان: كيف يرضى العبد عن ربه؟. نقول: إن العباد المؤمنين عندما يعاينون الجزاء المعد لهم في الآخرة يمتلئون بالحبور ويقولون: {أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} تفسير : [الزمر: 74]. هذه الآية التي تتحدث عن يوم ينفع الصادقين صدقهم بقوله: {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} كأن هناك فوزاً سطحياً، وفوزاً عظيماً، والفوز السطحي: هو ما يعطيه الإنسان لنفسه في دار التكليف من متعة قصيرة العمر والأجل فيبدو ظاهرياً وكأنه قد فاز، وفي الحقيقة ليس هو الفوز العظيم لأن الندم سيعقبه، وأي لذة يعقبها الندم ليست فوزاً؛ لأن الدنيا بكل ما فيها من نعيم هو نعيم على قدر إمكانات الإنسان وتصوره، وهو نعيم مهدد بشيئين؛ أن يزول النعيم عن الإنسان، وكثيراً ما رأينا منعمين زال عنهم النعيم، أو أن يترك الإنسان هذا النعيم بالموت، ونرى ذلك كثيراً. أما النعيم الذي هو الفوز العظيم فهو النعيم الموصول الذي لا يمنعه أحد، ولا يقطعه شيء. ويختم الحق سبحانه سورة المائدة بقوله: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):