Verse. 789 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

لِلہِ مُلْكُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَمَا فِيْہِنَّ۝۰ۭ وَہُوَعَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۱۲۰ۧ
Lillahi mulku alssamawati waalardi wama feehinna wahuwa AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لله ملك السماوات والأرض» خزائن المطر والنبات والرزق وغيرها «وما فيهن» أتى بما تغليبا لغير العاقل «وهو على كل شيء قدير» ومنه إثابة الصادق وتعذيب الكاذب وخص العقلُ ذاته فليس عليها بقادر.

120

Tafseer

الرازي

تفسير : قيل: إن هذا جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: من يعطيهم ذلك الفوز العظيم؟ فقيل: الذي له ملك السمٰوات والأرض. وفي هذه الخاتمة الشريفة أسرار كثيرة ونحن نذكر القليل منها. فالأول: أنه تعالى قال: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا فِيهِنَّ } ولم يقل ومن فيهن فغلب غير العقلاء على العقلاء، والسبب فيه التنبيه على أن كل المخلوقات مسخرون في قبضة قهره وقدرته وقضائه وقدره، وهم في ذلك التسخير كالجمادات التي لا قدرة لها وكالبهائم التي لا عقل لها، فعلم الكل بالنسبة إلى علمه كلا علم، وقدرة الكل بالنسبة إلى قدرته كلا قدرة. والثاني: أن مفتتح السورة كان بذكر العهد المنعقد بين الربوبية والعبودية فقال: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } تفسير : [المائدة: 1] وكمال حال المؤمن في أن يشرع في العبودية وينتهي إلى الفناء المحض عن نفسه بالكلية. فالأول هو الشريعة وهو البداية والآخر هو الحقيقة وهو النهاية. فمفتتح السورة من الشريعة ومختتمها بذكر كبرياء الله وجلاله وعزته وقدرته وعلوه، وذلك هو الوصول إلى مقام الحقيقة فما أحسن المناسبة بين ذلك المفتتح، وهذا المختتم! والثالث: أن السورة اشتملت على أنواع كثيرة من العلوم. فمنها: بيان الشرائع والأحكام والتكاليف. ومنها المناظرة مع اليهود في إنكارهم شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، ومنها المناظرة مع النصارى في قولهم بالتثليث فختم السورة بهذه النكتة الوافية بإثبات كل هذه المطالب. فإنه قال: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَمَا فِيهِنَّ } ومعناه أن كل ما سوى الحق سبحانه فانه ممكن لذاته موجود بإيجاده تعالى. وإذا كان الأمر كذلك كان مالكاً لجميع الممكنات والكائنات موجداً لجميع الأرواح والأجساد، وإذا ثبت هذا لزم منه ثبوت كل المطالب المذكورة في هذه السورة. وأما حسن التكليف كيف شاء وأراد، فذاك ثابت، لأنه سبحانه لما كان مالكاً للكل، كان له أن يتصرف في الكل بالأمر والنهي والثواب والعقاب كيف شاء وأراد. فصح القول بالتكليف على أي وجه أراده الحق سبحانه وتعالى. وأما الرد على اليهود فلأنه سبحانه لما كان مالك الملك فله بحكم المالكية أن ينسخ شرع موسى ويضع شرع محمد عليهما الصلاة والسلام وأما الرد على النصارى فلأن عيسى ومريم داخلان فيما سوى الله لأنا بينا أن الموجد إما أن يكون هو الله تعالى أو غيره، وعيسى ومريم لا شك في كونهما داخلين في هذا القسم. فإذا دللنا على أن كل ما سوى الله تعالى ممكن لذاته موجود بإيجاد الله كائن بتكوين الله كان عيسى ومريم عليهما السلام كذلك. ولا معنى للعبودية إلا ذلك. فثبت كونهما عبدين مخلوقين فظهر بالتقرير الذي ذكرناه أن هذه الآية التي جعلها الله خاتمة لهذه السورة برهان قاطع في صحة جميع العلوم التي اشتملت هذه السورة عليها. والله أعلم بأسرار كلامه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية جاء هذا عقب ما جرى من دعوى النصارى في عيسى أنه إله، فأخبر تعالى أن ملك السموات والأرض له دون عيسى ودون سائر المخلوقين. ويجوز أن يكون المعنى أن الذي له ملك السموات والأرض يعطي الجنات المتقدّم ذكرها للمطيعين من عباده؛ جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. تمت سورة «المائدة» بحمد الله تعالى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خزائن المطر والنبات والرزق وغيرها {وَمَا فِيهِنَّ } أتى «بما» تغليباً لغير العاقل {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } ومنه إثابة الصادق وتعذيب الكاذب.

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ} تحقيقٌ للحق وتنبـيهٌ على كذِب النصارى وفسادِ ما زعَموا في حق المسيحِ وأمِّه، أي له تعالى خاصةً مُلك السمواتِ والأرض وما فيهما من العقلاء وغيرِهم، يتصرَّفُ فيها كيف يشاء، إيجاداً وإعداماً، إحياءً وإماتة، وأمراً ونهياً، من غير أن يكون لشيء من الأشياء مدخلٌ في ذلك، وفي إيثار (ما) على (من) المختصة بالعقلاء على تقدير تناولها للكل، مراعاةٌ للأصل وإشارةٌ إلى تساوي الفريقين في استحالة الربوبـية حسَب تساويهما في تحقُّق المربوبـية، وعلى تقدير اختصاصِها بغير العقلاء تنبـيهٌ على كمال قصورهم عن رتبة الألوهية، وإهابةٌ بهم بتغليب غيرِهم عليهم {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء} من الأشياء {قَدِيرٌ} مبالِغٌ في القدرة. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ سورة المائدة أُعطِيَ من الأجر عشرَ حسنات، ومُحيَ عنه عشرُ سيئات، ورُفع له عشرُ درجات، بعدد كل يهوديٍّ ونصرانيٍّ يتنفس في الدنيا «

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ}. تَمَدَّحَ لحقُّ - سبحانه - بقدرته القديمة الشاملة لجميع المقدورات، الصالحة لإيجاد المصنوعات، ولم يتجمل بإضافة غيرٍ إلى نفسه من اسمٍ أو أثرٍ، أو عينٍ أو طلل. قوله جلّ ذكره: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. من الإبعاد والإسعاد، والصد والرد، والدفع والنفع، والقمع والمنع.

اسماعيل حقي

تفسير : {لله ملك السموات والارض وما فيهن} تحقيق للحق وتنبيه على كذب النصارى وفساد ما زعموا فى حق المسيح وامه اى له تعالى خاصة ملك السموات والارض وما فيهما من العقلاء وغيرهم يتصرف فيها كيف يشاء ايجادا واعداما واماتة واحياء وامرا ونهيا من غير ان يكون لشىء من الاشياء مدخل فى ذلك {وهو على كل شىء قدير} بالغ فى القدرة منزه عن العجز والضعف ومقدس تبارك وتعالى وتقدس شعر : نيست خلقش را دكركس مالكى شركتش دعوى كندجز هالكى واحد اندر ملك واورا يارنى بندكانش را جزاو سالارنى تفسير : واعلم ان الآية نطقت بنفع الصدق يوم القيامة فلا ينفع الكذب والرياء بوجه من الوجوه اصلا شعر : دلا دلالت خيرت كنم براه نجات مكن بفسق مباهات وزهد هم مفروش تفسير : فعلى العاقل ان يجتهد فى طريق الصدق فان الصدق بعد الايمان يجر الى الاحسان وقبل الايمان الى الايمال ـ كما حكى ـ عن ابراهيم الخواص قدس سره انه كان اذا اراد سفرا لم يعلم احدا ولم يذكره وانما يأخذ ركوته ويمشى قال حامد الاسود فبينما نحن معه فى مسجد اذ تناول ركوته ومشى فاتبعته فلما وافيا القادسية قال لى يا حامد الى اين قلت يا سيدى خرجت بخروجك قال انا اريد مكة ان شاء الله تعالى قلت وانا اريد مكة ان شاء الله تعالى فلما كان بعد ايام اذا بشاب قد انضم الينا فمشى يوما وليلة معنا لا يسجد لله سجدة فقربت من ابراهيم وقلت ان هذا الغلام لا يصلى فجلس وقال يا غلام مالك لا تصلى والصلاة اوجب عليك من الحج فقال يا شيخ ما على صلاة قلت ألست بمسلم قال لا قلت فأى شىء انت قال نصرانى ولكن اشارتى فى النصرانية الى التوكل وادعت نفسى انها احكمت حال التوكل فلم اصدقها فيما ادعت حتى اخرجتها الى هذه الفلاة التى ليس فيها موجود غير المعبود اثير ساكنى وامتحن خاطرى فقام ابراهيم ومشى وقال دعه معك فلم يزل سائرا معنا حتى وافينا بطن مرو فقام ابراهيم ونزع خلقانه فطهرها بالماء ثم جلس وقال له ما اسمك قال عبد المسيح فقال يا عبد المسيح هذا دهليز مكة يعنى الحرم وقد حرم الله على امثالك الدخول اليه قال الله تعالى{أية : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} تفسير : [التوبة: 28]. والذى اردت ان تكشف من نفسك قد بان لك فاحذر ان تدخل مكة فان رأيناك بمكة انكرنا عليك قال حامد فتركناه ودخلنا مكة وخرجنا الى الموقف فبينما نحن جلوس بعرفات اذا به قد اقبل عليه ثوبان وهو محرم يتصفح وجوه الناس حتى وقف علينا فاكب على ابراهيم فقبل رأسه فقال له ما وراءك يا عبد المسيح فقال له هيهات انا اليوم عبد من المسيح عبده فقال له ابراهيم حدثنى حديثك قال جلست مكانى حتى اقبلت قافلة الحجاج فقمت وتنكرت فى زى المسلمين كأنى محرم فساعة وقعت عينى على الكعبة اضمحل عندى كل دين سوى دين الاسلام فاسلمت فاغتسلت واحرمت وها انا اطلبك يومى فالتفت الى ابراهيم وقال يا حامد انظر الى بركة الصدق فى النصرانية كيف هداه الى الاسلام ثم صحبناه حتى مات بين الفقراء رحمه الله سبحانه وتعالى شعر : سلام على السادات من كل صادق سلام على ذى الوجد من كل عاشق سلام على ذى الصحو من سكر غفلة سلام على الناجين من كل كلفة سلام على من مات من قبل موته سلام على من فات من قبل فوته تفسير : اللهم اجعلنا من الناجين فاننا من زمرة المحتاجين آمين يا معين.

اطفيش

تفسير : {للهِ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالأَرضِ وَمَا فِيهنَّ}: من العقلاء وغير العقلاء، فكل ما فيهن مما يعبد من دون الله كعيسى وأمه، والملائكة مملوك لله كسائر الجمادات، لا فرق فى البعد عن كونهن آلهة، واستحالته فهى تكذيب للنصارى اذ سموهما الهين، ولمن يعبد الملائكة ولذلك لم يقل ومن، بل جاء بما الموضوعة لغير العقلاء أى لا تستعمل للعقلاء الا لنكتة كتغليب غير العقلاء بنكتة كما رأيت، كأنه كانت العقلاء غير العقلاء من حيث استحالة الألوهية عنهم. وقيل: أن ما يصح اطلاقها فى عموم العقلاء وغيرهم بمرة بلا قصد تغليب، واختاره بعض. {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ}: أراد كل شىء من الممكنات، ومنها أثابة المطيع وعقاب العاصى، أو أراد على كل ما شاءه فان أصل شىء مصدر شاء. اللهم ببركة هذه السورة، ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم أحز النصارى والمشركين كلهم، وغلب المسلمين والموحدين عليهم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

اطفيش

تفسير : {لِله مُلْكُ السَّمَاواتِ والأَرْضِ وَمَا فِيهنَّ} منافع ذلك كالمطر والنبات والرزق، ومضاره كالقحط والزلازل والصواعق والموت، ولا مالك لذلك فى أَحد ولا لعيسى ولا لمريم والكل عبيد له عز وجل، وما تغليب لغير العاقل، وقيل تطلق على عموم العاقل وغيره بلا تغليب بخلاف من فإِنها تطلق فى العموم على غيره تغليباً، وفى التعبير بما تلويح على أَن العقلاءَ والحيوانات والجمادات سواءٌ فى انتفاء الأُلوهية واستحقاقها، فالنصارى سفهاء فى دعواهم فى عيسى ومريم {وَهُوَ عَلَى كُلّ شَئٍ قَدِير} ومنه خزى النصارى وتعذيبهم دنيا وأخرى وإِثابة المسلمين فيهما ونصرهم فيهما: وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلى العظيم.

الالوسي

تفسير : {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ } تحقيق للحق وتنبيه بما فيه من تقديم الظرف المفيد للحصر على كذب النصارى وفساد ما زعموه في حق المسيح وأمه عليهما السلام. وقيل: استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام السابق كأنه قيل: من يملك ذلك ليعطيهم إياه؟ فقيل: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} الخ فهو المالك والقادر على الإعطاء ولا يخفى بعده. وفي إيثار {مَا } على من المختصة بالعقلاء على تقدير تناولها للكل مراعاة ـ كما قيل ـ للأصل وإشارة إلى تساوي الفريقين في استحاله الربوبية حسب تساويهما في تحقق المربوبية. وعلى تقدير اختصاصها بغير العقلاء كما يشير إليه خبر ابن الزبعرى رضي الله تعالى عنه تنبيه على كمال قصورهم من رتبة الألوهية، وفي تغليب غير العقلاء على العقلاء على خلاف المعروف ما لا يخفى من حط قدرهم. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء } من الأشياء {قَدِيرٌ } أي مبالغ في القدرة. وفسرها الغزالي بالمعنى الذي به يوجد الشيء متقدراً بتقدير الإرادة والعلم واقعاً على وفقهما، وفسر الموصوف بها على الإطلاق بأنه الذي يخترع كل موجود اختراعاً ينفرد به ويستغني به عن معاونة غيره وليس ذاك إلا الله تعالى الواحد القهار. والظرف متعلق بقدير والتقديم لمراعاة الفاصلة، ولا يخفى ما في ذكر كبرياء الله تعالى وعزته وقهره وعلوه في آخر هذه السورة من حسن الاختتام، وأخرج أبو عبيد عن أبـي الزاهرية أن عثمان رضي الله تعالى عنه كتب في آخر المائدة (ولله ملك السماوات والأرض والله سميع بصير). ومن باب الإشارة في الآيات: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ } هي عندهم حضرة الجمع المحرمة على الأغيار، وقيل: قلب المؤمن، وقيل: الكعبة المخصوصة لا باعتبار أنها جدران أربعة وسقف بل باعتبار أنها مظهر جلال الله تعالى. وقد ذكروا أنه سبحانه يتجلى منها لعيون العارفين كما يشير إليه قوله عز شأنه على ما في التوراة جاء الله تعالى من سينا فاستعلن بساعير وظهر من فاران {قِيَاماً لّلنَّاسِ } من موتهم الحقيقي لما يحصل لهم بواسطة ذلك {وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } وهو زمن الوصول أو مراعاة القلب أو الفوز بذلك التجلي الذي يحرم فيه ظهور صفات النفس أو الالتفات إلى مقتضيات القوى الطبيعية أو نحو ذلك {وَٱلْهَدْىَ } وهي النفس المذبوحة بفناء حضرة الجمع أو الواردات الإلٰهية التي ترد القلب أو ما يحصل للعبد من المنن عند ذلك التجلي {وَٱلْقَلَـٰئِدَ } وهي النفس الشريفة المنقادة أو هي نوع مما يحصل للعبد من قبل مولاه يقوده قسراً إلى ترك السوى {ذٰلِكَ لِتَعْلَمُواْ } بما يحصل لكم { أية : أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } تفسير : [المائدة: 97] أي يعلم حقائق الأشياء في عالمي الغيب والشهادة وعلمه محيط بكل شيء {قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ} [المائدة: 100] من النفوس والأعمال والأخلاق والأموال {وَٱلطَّيّبُ } من ذلك {أية : وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ}تفسير : [المائدة: 100] بسبب ملاءمته للنفس فإن الأول موجب للقربة دون الثاني {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الإيمان البرهاني {لاَ تَسْأَلُواْ } من أرباب الإيمان العياني {عَنْ أَشْيَاء } غيبية وحقائق لا تعلم إلا بالكشف {إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } تهلككم لقصوركم عن معرفتها فيكون ذلك سبباً لإنكاركم والله سبحانه غيور وإنه ليغضب لأوليائه كما يغضب الليث للحرب. وفي هذا ـ كما قيل ـ تحذير لأهل البداية عن كثرة سؤالهم من الكاملين عن أسرار الغيب وإرشاد لهم إلى الصحبة مع التسليم {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ} الجامع للظاهر والباطن المتضمن لما سئلتم عنه { أية : تُبْدَ لَكُمْ } تفسير : [المائدة: 101] بواسطته {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ } وهي النفس التي شقت أذنها لسماع المخالفات {وَلاَ سَآئِبَةٍ } وهي النفس المطلقة العنان السارحة في رياض الشهوات {وَلاَ وَصِيلَةٍ } وهي النفس التي وصلت حبال آمالها بعضاً ببعض فسوفت التوبة والاستعداد للآخرة { أية : وَلاَ حَامٍ } تفسير : [المائدة: 103] وهو من اشتغل حيناً بالطاعة ولم يفتح له باب الوصول فوسوس إليه الشيطان، / وقال: يكفيك ما فعلت وليس وراء ما أنت فيه شيء فارح نفسك فحمى نفسه عن تحمل مشاق المجاهدات. ونقل النيسابوري عن الشيخ نجم الدين المعروف بداية أن البحيرة إشارة إلى الحيدرية والقلندرية يثقبون آذانهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويتركون الشريعة، والسائبة إشارة إلى الذين يضربون في الأرض خالعين العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة، والوصيلة إشارة إلى أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد، والحام إشارة إلى المغرور بالله عز وجل يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفة الشريعة، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } من الأحكام {وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } لمتابعته {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } من الأفعال التي عاشوا بها وماتوا عليها {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً} من الشريعة والطريقة { أية : وَلاَ يَهْتَدُونَ } تفسير : [المائدة: 104] إلى الحقيقة. {يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} فاشتغلوا بتزكيتها {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ} عما أنتم فيه فأنكر عليكم { أية : إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } تفسير : [المائدة: 105] وزكيتم أنفسكم، وإنما ضرر ذلك على نفسه. وقوله تعالى: { أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ } تفسير : [المائدة: 106] الآيتين لم يظهر للعبد فيه شيء يصلح للتحرير، وقد ذكر النيسابوري في تطبيقه على ما في الأنفس ما رأيت الترك له أنفس {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} وهو يوم القيامة الكبرى {فَيَقُولُ} لهم {مَاذَا أجبتم} حين دعوتم الخلق {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا } بذلك { أية : إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } تفسير : [المائدة: 109] فتعلم جواب ما سئلنا، وهذا على ما قيل عند تراكم سطوات الجلال وظهور رداء الكبرياء وإزار العظمة ولهذا بهتوا وتاهوا وتحيروا وتلاشوا ولله سبحانه تجليات على أهل قربه وذوي حبه فيفنيهم تارة بالجلال ويبقيهم ساعة بالجمال ويخاطبهم مرة باللطف ويعاملهم أخرى بالقهر وكل ما فعل المحبوب محبوب. وقال بعض أهل التأويل: يجمع الله تعالى الرسل في عين الجمع المطلق أو عين جمع الذات فيسألهم هل اطلعتم على مراتب الخلق في كمالاتهم حين دعوتموهم إليّ؟ فينفوا العلم عن أنفسهم ويثبتوه لله تعالى لاقتضاء مقام الفناء ذلك {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ } للأحباب والمريدين {نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وٰلِدَتِكَ } لتزداد رغبتهم في واشكر ذلك لأزيدك مما عندي فخزائني مملوءة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } وهو الروح الذي أشرق من صبح الأزل وهي روحه الطاهرة، وقيل: المراد أيدتك بجبرائيل حيث عرفك رسوم العبودية {تُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ } أي مهد البدن أو المهد المعلوم والمعنى نطقت لهم صغيراً بتنزيه الله تعالى وإقرارك له بالعبودية {وَكَهْلاً } أي في حال كبرك، والمراد أنك لم يختلف حالك صغراً وكبراً بل استمر تنزيهك لربك ولم ترجع القهقرى {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ } وهو كتاب الحقائق والمعارف {وَٱلْحِكْــمَةِ } وهي حكمة السلوك في الله عز وجل بتحصيل الأخلاق والأحوال والمقامات والتجريد والتفريد {وَٱلتَّوْرَاةَ } أي العلوم الظاهرة والأحكام المتعلقة بالأفعال وأحوال النفس وصفاتها {وَٱلإِنجِيلَ } العلوم الباطنة ومنها علم تجليات الصفات والأحكام المتعلقة بأحوال القلب وصفاته {وَإِذْ تَخْلُقُ } بالتربية أو بالتصوير {مِنَ ٱلطّينِ } وهو الاستعداد المحض أو الطين المعلوم {كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } أي كصورة طير القلب الطائر إلى حضرة القدس أو الطير المشهور {فَتَنفُخُ فِيهَا } من الروح الظاهرة فيك {فَيَكُونُ طَيْرًا } نفساً مجردة طائرة بجناح الصفاء والعشق أو طيراً حقيقة {بِإِذْنِى} حيث صرت مظهراً لي {وَتُبْرِىء ٱلأَكْمَهَ} أي المحجوب / عن نور الحق {وَٱلأَبْرَصَ} أي الذي أفسد قلبه حب الدنيا وغلبة الهوى {بِإِذْنِى وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ } بداء الجهل من قبور الطبيعة {بِإِذْنِى وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرٰءيلَ } وهي القوى النفسانية أو المحجوبين عن نور تجليات الصفات {عَنكَ } فلم ينقصك كيدهم شيئاً { أية : إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } تفسير : [المائدة: 110] وهي الحجج الواضحة أو القوى الروحانية الغالبة {وَإِذْ أَوْحَيْتُ} بطريق الإلهام {إِلَى ٱلْحَوَارِيّينَ} وهم الذين طهروا نفوسهم بماء العلم النافع ونقوا ثياب قلوبهم عن لوث الطبائع {أَنْ آمِنُواْ بِي} إيماناً حقيقياً بتوحيد الصفات { أية : وَبِرَسُولِى } تفسير : [المائدة: 111] برعاية حقوق تجلياتها على التفصيل. وذكر بعض السادة أن الوحي يكون خاصاً ويكون عاماً فالخاص ما كان بغير واسطة والعام ما كان بالواسطة من نحو الملك والروح والقلب والعقل والسر وحركة الفطرة وللأولياء نصيب من هذا النوع. ولوحي الخاص مراتب وحي الفعل ووحي الذات. فوحي الذات يكون في مقام التوحيد عند رؤية العظمة والكبرياء، ووحي الفعل يكون في مقام العشق والمحبة وهناك منازل الأنس والانبساط {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} أي المربـي لك والمفيض عليك ما كملك {أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً} أي شريعة مشتملة على أنواع العلوم والحكم والمعارف والأحكام {مّنَ ٱلسَّمَاء } أي من جهة سماء الأرواح {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي اجعلوه سبحانه وقاية لكم فيما يصدر عنكم من الأفعال والأخلاق { أية : إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } تفسير : [المائدة: 112] ولا تسألوا شريعة مجددة {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } بأن نعمل بها {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } فإن العلم غذاء {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا } في الإخبار عن ربك وعن نفسك { أية : وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } تفسير : [المائدة: 113] فنعلم بها الغائبين وندعوهم إليها {قَالَ ٱللَّهُ إِنّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ } بها منكم ويحتجب عن ذلك الدين {بَعْدَ } أي بعد الإنزال { أية : فَإِنّى أُعَذّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذّبُهُ أَحَداً مّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [المائدة: 115] وذلك بالحجاب عني لوجود الاستعداد ووضوح الطريق وسطوع الحجة والعذاب مع العلم أشد من العذاب مع الجهل. قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 116] الخ كلام الشيخ الأكبر قدس سره وكلام الشيخ عبد الكريم الجيلي فيه شهير منتشر على ألسنة المخلصين والمنكرين فيما بيننا. والله تعالى أعلم بمراده نسأل الله تعالى أن ينزل علينا موائد كرمه ولا يقطع عنا عوائد نعمه ويلطف بنا في كل مبدأ وختام بحرمة نبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام.

ابن عاشور

تفسير : تذييل مؤذن بانتهاء الكلام، لأنّ هذه الجملة جمعت عبودية كلّ الموجودات لله تعالى، فناسبت ما تقدّم من الردّ على النصارى، وتضمّنت أنّ جميعها في تصرّفه تعالى فناسبت ما تقدّم من جزاء الصادقين. وفيها معنى التفويض لله تعالى في كلّ ما ينزل، فآذنت بانتهاء نزول القرآن على القول بأنّ سورة المائدة آخر ما نزل، وباقتراب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما في الآية من معنى التسليم لله وأنّه الفعّال لما يريد. وتقديم المجرور باللام مفيد للقصر أي له لا لغيره. وجيء بالموصول (ما) في قوله {وما فيهن} دون (من) لأنّ (ما) هي الأصل في الموصول المبهم فلم يعتبر تغليب العقلاء، وتقديم المجرور بـــ {على} في قوله: {على كل شيء قدير} للرعاية على الفاصلة المبنيّة على حرفين بينهما حرف مدّ. {وما فيهنّ} عطف على {ملك} أي لله ما في السماوات والأرض، كما في سورة البقرة (284) {أية : لله ما في السماوات وما في الأرض}تفسير : فيفيد قصرها على كونها لله لا لغيره. وليس معطوفاً على السماوات والأرض إذ لا يحسن أن يقال: لله مُلك ما في السماوات والأرض لأنّ الملك يضاف إلى الأقطار والآفاق والأماكن كما حكى الله تعالى: {أية : أليس لي مُلك مصر}تفسير : [الزخرف: 51] ويضاف إلى صاحب الملك كما في قوله: {أية : على ملك سليمان}تفسير : [البقرة: 102]. ويقال: في مدّة مُلك الأشوريين أو الرومان.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (120) - اللهُ خَالِقُ كُلَّ شَيءٍ، وَهُوَ المَالِكِ المُتَصَرِّفُ بِجَمِيعِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُنَّ، وَالقَادِرُ عَلَيْهِ، وَالجَمِيعُ مُلْكُهُ وَتَحْتَ قَهْرِهِ، وَالمَسِيحُ وَأمُّهُ اللَّذَانِ عَبَدَهُمَا الكَافِرُونَ، مِنْ دُونِ اللهِ، دَاخِلاَنِ تَحْتَ قَبْضَتِهِ، فَلاَ يَنْبَغِي لأحَدٍ أنْ يَتَّكِلَ عَلَى شَفَاعَتِهِما فِيهِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والسماء والأرض هما ظرفان للوجود وللكائنات كلها من أبراج وكواكب وشمس وقمر ونجوم وهواء وغمام وماء وحيوان وإنسان. فالأرض وهي المُلْك الأسفل الذي نراه وما فيه من أقوات وحيوان وإنسان. والسماء وما تحوي وتضم من الملكوت الأعلى، هما جميعاً لله مِلْكا ومُلْكاً فهو - سبحانه - الذي يملك كل شيء ويملك كذلك المالك للشيء. وقول الحق: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ينطبق مع قول المسيح ابن مريم: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة: 118]. أي أنه ليس لشيء من خلق الله أن يخرج عن مرادات الله، أما في الدنيا فقد جعل الله أسبابها في أيدي الناس، رزق إنسان في يد إنسان آخر، ومَلَّك بعضنا أمر بعض، فهناك مالك الطعام ومالك الثوب، ولكن ليس كل مالك مَلِكاً؛ لأن المَلِك هو الذي يملك المالك، وهذه سنن الكون. وفي الآخرة هناك مالك واحد هو مالك يوم الدين. فكأن الحق أنهى هذه السورة بالحديث عن نهاية الحياة؛ لأنه سبحانه قد بدأها بالحديث عن أحكام الله فقال: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} تفسير : [المائدة: 1]. لقد تكلم سبحانه في الأحكام عن الصيد في البر والصيد في البحر وعن الحلال والحرام من الأنعام وعن النكاح، وعن كل ما يتعلق بمسئوليات الحياة، ومَلَّكَ بعضنا أمر بعض، لكن في اليوم الآخر فالمسألة مختلفة. فبدأ السورة بأمر هو {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}. إن كل أمر ورد من الأمر الأعلى، فالمأمور يفعل أو لا يفعل. فهناك من الناس من يؤمن ومن يعصي، ومعنى ذلك أن المأمورين لهم حرية الاختيار، فلو كان الأمر لا بد أن يفعل دون اختيار لكان الآمر قد خلق الخلق وهم مفطورون على أن يفعلوا فيكون بذلك قد قهرهم، لكن الآمر الأعلى ترك هذه الأوامر لاختيار البشر، وهم صالحون للطاعة والوفاء بالعقود، وهم صالحون للمعصية. لقد بدأ سبحانه السورة بمنطقة الاختيار في الإنسان التي خلقها الله لينشأ عنها التكليف. وأوضح بعد ذلك أن للاختيار أمداً محدداً سينتهي، ويجمع الله الناس يوم ينفع الصادقين صدقهم ويكون الأمر كله لله. ويختم الحق السورة بقوله سبحانه: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي أنه سبحانه يملك الكون كله، والكون - كما نعلم - مكون من أجناس متعددة. وأول جنس في الكون هو الخادم الذي لا يُخْدَم هو الجماد، والجماد قد يكون ماءً أو جبالاً أو حديداً، أو شمساً، أو قمراً، أو نجوماً، كل هذه جمادات، أي ليس لها حس. وهذه الجمادات تخدم أول ما تخدم النبات. والنبات يخدم الحيوان، والحيوان يخدم الإنسان. هكذا يكون الجماد خادماً لكل ما يعلوه من نبات وحيوان وإنسان. النبات يخدم الحيوان والإنسان. والحيوان يخدم الإنسان. وكل هذه الأشياء التي تخدم الإنسان لا اختيار لها وكلها مقهورة لخدمة الإنسان؛ فالشمس لم تغضب يوماً على البشر فلم تمدهم بحرارتها ولا المطية تأبت على صاحبها. والإنسان فيه قسمان: قسم مقهور للحق فلا يستطيع الإنسان أن يتحكم فيه أو يسيطر عليه مثل المرض أو الموت وهو في ذلك يشترك مع الحيوان والنبات والجماد، وقسم يكون الإنسان فيه مختاراً وهو تطبيق المنهج. إننا إذا نظرنا إلى الجانب الذي قهر فيه الحق الإنسان نجده لمصلحة الإنسان. فالإنسان لا يختار أن يتنفس ولا أن يسري الدم في عروقه ولا أن تعمل كليتاه. إنه مقهور في كل ذلك. ومن رحمة الله بالخلق أن جعلهم مسيّرين ومقهورين في هذه النواحي، فلم يجعل تنفس أحد بيد صاحبه ولا جعل القلب يعمل بإرادة الإنسان. والإنسان - إذن - يُخير في مسائل التكليف فقط. وكأن الحق يذكر الإنسان أن منطقة الاختيار هي عقد بين المؤمن وربه؛ لأن الاختيار سيسلب من العباد يوم القيامة، ويكون كل العباد مقهورين ويصير الكائن البشري مثل الجماد والنبات والحيوان. ولذلك يقول الحق سبحانه: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 120]. إنّ الإنسان يوم القيامة سيصير بلا اختيار لأن الحق استعمل "ما" هنا وهي تدل على الأشياء غير العاقلة أي التي لا اختيار لها. كأن العقل له عمل في الدنيا وهو التمييز بين البدائل، أما في الآخرة فالكل متساوٍ أمام خالقه. وعلمنا من قبل الفارق بين "مُلْك" و "ملكوت" وكلنا يقرأ قول الحق: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 75]. كأن الحق ينبهنا إلى أن العالم فيه ما يقع تحت الإحساس والإدراك، وفيه ما لا يقع تحت الإحساس والإدراك. فالذي يقع تحت الحس والإدراك هو عالم المُلْك. والذي لا يقع تحت الحس والإدراك هو عالم الملكوت. ولا نعرف عن عالم الملكوت إلا ما أخبرنا به الله. وهناك في عالم الملك ما يخفيه الله عنا، وسبحانه وحده هو القادر على كل شيء، والحق يطلب منا أن نعتبر بما في العالم المشهود من ظواهر. وله سبحانه مطلق العلم بعالم "الملكوت" أي ببواطن هذه الظواهر غير المشهودة. و "الملك" و "الملكوت" موجودان في الدنيا والآخرة، إلا أن المُلْك ظاهر والملكوت خفي. ويوزع الحق سبحانه وتعالى أسباب الملك في الدنيا بين أيدي خلقه، ويملك التصرف فيما بين أيدينا وفيما خفي عنا، ويشاء الحق أن ينهي هذه المسألة من مبررات الخلافة للإنسان على الإنسان وفي الأرض فيقول: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ} فلله الملكوت، ولكم بعض الملك أيها العباد في ظواهر نسبة الأشياء إلى أسبابها وذلك في الدنيا، أما يوم القيامة فكل شيء ينتهي إلى الله. ولكن لماذا قال الحق: {وَمَا فِيهِنَّ} على الرغم من أن الحق استخلف الإنسان في الأرض، والإنسان عاقل وكان من حقه أن يُغلب فيأتي القول: ومن فيهن؛ لأن (مَن) للعاقل، لقد أراد الحق بذلك أن ينبئنا أن الكل أصبح لا اختيار له، وأصبح مقهوراً على المراد منه فقد تساوى الجميع عاقلهم وغير عاقلهم فيقول لنا: {وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. وبهذه الآية ختمت سورة المائدة. وهي سورة مدنية، وهي من آخر ما نزل من القرآن الكريم، وفيها التشريع. وفيها التكاليف. وفيها الأحكام. وفيها ما يتعلق بكل السور المدنية من بيان اعوجاج أهل الكتاب. ومن بعد ذلك جاءت سورة الأنعام، وهي مكية. وجاءت المكية بعد المدنية في الترتيب المصحفي حسب ما انتهى إليه آخر عرض للقرآن في آخر رمضان من حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام. ومن المعلوم أن القرآن له "ترتيب نزولي" و "ترتيب مصحفي". والترتيب النزولي حسب ما نزلت سورة القرآن في مكة أو المدنية. ورب قائل يقول: إن الحق أنزل هذا القول الكريم فوق عرفات وهو قوله سبحانه: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} تفسير : [المائدة: 3]. فكيف يقال ذلك؟ نقول: لنفهم معاً معنى الاصطلاح القائل: "مدني" و "مكي"، هناك آيات من القرآن نزلت بالمدينة، وآيات أخرى نزلت بمكة، وآيات ثالثة فيما بينهما، وآيات رابعة نزلت بين السماء والأرض. وجاء الاصطلاح "مكي" على الآيات التي نزلت قبل الهجرة، وجاء الاصطلاح "المدني" على الآيات التي نزلت من بعد الهجرة، وإن نزلت بمكة. وأراد الحق أن يكون للقرآن ترتيب نزولي وترتيب مصحفي، وقد شاء سبحانه أن يعدل بالقرآن ميزان الكون الإنساني المضطرب، واضطراب الكون الإنساني إنما يكون بواسطة أناس لا يؤمنون بإله، أو بأناس يؤمنون بإله ويشركون معه غيره فيعبدون أوثاناً، ويقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} أو بأناس يعبدون النار، أو بأناس تابعين لمنهج سماوي ولكن حرفوا فيه قليلاً أو كثيراً. إننا نجد أن الأقرب إلى الإيمان بالله هم الأجناس الذين آمنوا بالرسالات السابقة على رسول الله، فقد جاءتهم الرسل ومعهم المعجزات، ومعهم كتب المناهج، والمنطق يقتضي أن يكون هؤلاء هم الأقرب للإيمان من غيرهم، ولذلك كان من المطلوب أن نواجه أولاً الوثنيين ونصفي المعركة مع أهل الكتاب من بعد ذلك؛ لأن أهل الكتاب لهم إلف بنزول منهج السماء إلى الأرض بواسطة الرسل. إذن ففي نزول القرآن كانت الأمور المكية التي تتعلق بالعقيدة الأساسية هي الظاهرة. وهي الاعتراف بألوهية واحدة تحكم الكون. أما في المدينة فد ناقش الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب في كل أمور الدين بعد أن استتب أمر التوحيد. لقد كان هذا الترتيب منطقياً مع هذه الحقيقة. فقد كان في العالم موجتان اثنتان: موجة إلحاد، وموجة تغيير في منهج الله السماوي. ولذلك كانت قلوب المسلمين مع قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب؛ لأنهم على الأقل يؤمنون بإله، وأن الإله يرسل الرسل ومعهم المنهج الإلهي والمعجزات الدالة على صدق رسالتهم، وحتى الذين انحرفوا من أهل الكتاب كانوا يتمسحون في هذا الكتاب المنزل إليهم بالرغم من أنهم حرفوه. لقد وجدنا الرسول صلى الله عليه وسلم يقف بجانب الروم عندما واجهوا فارس. وعندما هزمت الروم حزن المسلمون وفرح الكفار؛ لأن الروم كانوا أهل كتاب؛ إنهم كانوا نصارى، وكانت هزيمتهم تعني انهزام منطق السماء أمام منطق الإلحاد، لذلك حزن المسلمون، وفرح الكفار. وأراد الله أن يصور لنا الموقف، وأن يوجه قلوبنا إلى الذين يؤمنون أيضاً بأن هناك إلهاً حتى ولو كانوا قد أخطأوا في تصور هذا الإله وفي البلاغ عنه، أو أخطأوا في تأويل ما جاءت به الرسل فقال سبحانه: {أية : الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الروم: 1-5]. إنّ المسلمين يفرحون بنصر الروم على فارس؛ لأن الروم لهم علاقة بالسماء، والرسل، والمناهج، والوحي. وجعل الله الأمر واضحاً هكذا لكي يبين موقفنا وليجعلها إعجازاً لكتابه ولرسوله؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان موجوداً بمقر الدعوة وهو الجزيرة العربية، وليس عنده سفارات ولا مخابرات ولا مكتب حربي حتى يأتيه بالأخبار وينبئه عن استعدادات الروم التي تُجري لرد الهزيمة. هذا الرسول يتنبأ بخبر معركة قادمة بين الفرس والروم، وينتصر فيها الروم، معركة تحدث بعد سبع أو تسع سنوات. وعندما راهن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه المشركين على ذلك، وجعل بينه وبينهم خمس سنين أجلاً لغلبة الروم وظهورهم على الفرس، ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: "حديث : البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل" تفسير : فكانت مائة بعير إلى تسع سنين. إن الرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم كلام الواثقين، لأنه ينقل الخبر عن الله، وجعله الله قرآناً يتلى ويصلى به، ومحفوظاً أبد الدهر، ولا يمكن أن يكذب هذا القائل إنه - سبحانه - هو الذي يملك ميزان الكون كله، وأي إنسان من رجالات الحرب المعاصرين لا يمكنه أن يتنبأ بمصير معركة قادمة، على الرغم مما قد يُجمع لها ويحشد من معلومات عن القوة والعدة والعتاد. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغ عن الله وهو واثق تمام الوثوق مما يبلغ. وقد واجه الرسول صلى الله عليه وسلم الخصم الإلحادي، وكان قلبه مع أهل الكتاب، ونرى أيضاً أن أهل الكتاب كانوا يستبشرون بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم, ألم يقل بعض أهل الكتاب وهم اليهود في المدينة للأوس والخزرج: قد أظل زمان نبي يُبعث وسنتبعه ونقتلكم قتل عاد وإرم. ولكنهم كفروا بالرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ذلك؛ لأنه سيسلب منهم السيادة، والسلطة الزمنية. إذن فنزول القرآن أولاً كان في مكة، ومن بعد ذلك نزل في المدينة. لكن في الترتيب المصحفي - كما قلنا - جاءت المدنيات أولاً، وبعد ذلك جاءت المكيات. وذلك حسب ما أراد الله عندما راجع رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن مع جبريل عليه السلام في رمضان الأخير من حياة الرسول الكريم. إنَّ أصل الإيمان واحد، وهو الإيمان بإله، ووحي، ورسل، ومنهج، وكل ذلك له فائدة إقامة نظام يحكم الحياة. وهو نظام ضروري لتنصلح حال الحياة سواء آمن الناس بإله أو كفر بعضهم. وجاء هذا النظام الذي يحكم في السور المدنية أولاً ولم يغفله الحق في بعض السور المكية. إنّ الحق شاء لرسوله أن يوحد القلوب المؤمنة بإله واحد أولاً ليواجهوا معكسر الإلحاد. ولكن هناك من اختلف وتخلف عن مؤازرة موكب الإيمان. وهكذا تنتهي خواطرنا حول سورة المائدة، ومع أن سورة المائدة مدنية وسورة الأنعام مكية إلا أن السياق بين تذييل المائدة وافتتاح الأنعام فيه اتساق واضح. فالحق يقول في آخر سورة المائدة: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ويقول سبحانه في أول سورة الأنعام: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1] فسبحانه وتعالى قدير ويملك كل الكون، ولم يأخذ ذلك الملك افتئاتاً أو ادعاء، ولكنه جل شأنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو الذي جعل الظلمات والنور.