Verse. 790 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

اَلْحَمْدُ لِلہِ الَّذِيْ خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمٰتِ وَالنُّوْرَ۝۰ۥۭ ثُمَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا بِرَبِّہِمْ يَعْدِلُوْنَ۝۱
Alhamdu lillahi allathee khalaqa alssamawati waalarda wajaAAala alththulumati waalnnoora thumma allatheena kafaroo birabbihim yaAAdiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الحمد» وهو الوصف الجميل ثابت «لله» وهل المراد الإعلام بذلك للإيمان به الثناء به أوهما احتمالات أفيدها الثالث قاله الشيخ في سورة الكهف «الذي خلق السماوات والأرض» خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات للناظرين «وجعل» خلق «الظلمات والنور» أي كل ظلمة ونور وجمعها دونه لكثرة أسبابها، وهذا من دلائل وحدانيته «ثم الذين كفروا» مع قيام هذا الدليل «بربهم يعدلون» يسوون غيره في العبادة.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الكلام المستقصى في قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } قد سبق في تفسير سورة الفاتحة، ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الفوائد، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الفرق بين المدح والحَمْد والشُّكْر. اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر. أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله ولطافة خلقته، ويمدح الياقوت على نهاية صفائه وصقالته! فيقال: ما أحسنه وما أصفاه، وأما الحمد: فانه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام والإحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد. وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام سواء كان ذلك الإنعام واصلاً إليك أو إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحصل عندك. فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد، وهو أعم من الشكر. إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل المدح لله ولأنا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار، فقد يحصل لغيره. أما الحمد فانه لا يحصل إلا للفاعل المختار. فكان قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } تصريحاً بأن المؤثر في وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة وليس علة موجبة له إيجاب العلة لمعلولها، ولا شك أن هذه الفائدة عظيمة في الدين وإنما لم يقل الشكر لله، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمة بسبب انعام صدر منه ووصل إليك، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة فحينئذ يكون المطلوب الأصلي به وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة، فأما إذا قال: الحمد لله، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقاً للحمد لا لخصوص أنه تعالى أوصل النعمة إليه، فيكون الاخلاص أكمل، واستغراق القلب في مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت. المسألة الثانية: الحمد: لفظ مفرد محلى بالألف واللام فيفيد أصل الماهية. إذا ثبت هذا فنقول: قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } يفيد أن هذه الماهية لله، وذلك يمنع من ثبوت الحمد لغير الله، فهذا يقتضي أن جميع أقسام الحمد والثناء والتعظيم ليس إلا لله سبحانه. فإن قيل: إن شكر المُنْعِم واجب، مثل شكر الأستاذ على تعليمه، وشكر السلطان على عدله، وشكر المحسن على إحسانه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من لم يشكر الناس لم يشكر الله».تفسير : قلنا: المحمود والمشكور في الحقيقة ليس إلا الله، وبيانه من وجوه: الأول: صدور الاحسان من العبد يتوقف على حصول داعية الاحسان في قلب العبد، وحصول تلك الداعية في القلب ليس من العبد، وإلا لافتقر في حصولها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل، بل حصولها ليس إلا من الله سبحانه فتلك الداعية عند حصولها يجب الفعل، وعند زوالها يمتنع الفعل فيكون المحسن في الحقيقة ليس إلا الله، فيكون المستحق لكل حمد في الحقيقة هو الله تعالى. وثانيها: أن كل من أحسن من المخلوقين إلى الغير، فإنه إنما يقدم على ذلك الإحسان إما لجلب منفعة أو دفع مضرة، أما جلب المنفعة: فانه يطمع بواسطة ذلك الإحسان بما يصير سبباً لحصول السرور في قلبه أو مكافأة بقليل أو كثير في الدنيا أو وجدان ثواب في الآخرة. وأما دفع المضرة، فهو أن الإنسان إذا رأى حيواناً في ضر أو بلية فإنه يرق قلبه عليه، وتلك الرقة ألم مخصوص يحصل في القلب عند مشاهدة وقوع ذلك الحيوان في تلك المضرة فإذا حاول إنقاذ ذلك الحيوان من تلك المضرة زالت تلك الرقة عن القلب وصار فارغ القلب طيب الوقت، فذلك الإحسان كأنه سبب أفاد تخليص القلب عن ألم الرقة الحسيّة، فثبت أن كل ما سوى الحق فإنه يستفيد بفعل الإحسان إما جلب منفعة أو دفع مضرة، أما الحق سبحانه وتعالى، فإنه يحسن ولا يستفيد منه جلب منفعة ولا دفع مضرة، وكان المحسن الحقيقي ليس إلا الله تعالى، فبهذا السبب كان المستحق لكل أقسام الحمد هو الله، فقال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } وثالثها: أن كل إحسان يقدم عليه أحد من الخلق فالانتفاع به لا يكمل إلا بواسطة إحسان الله، ألا ترى أنه لولا أن الله تعالى خلق أنواع النعمة وإلا لم يقدر الإنسان على إيصال تلك الحنطة والفواكه إلى الغير، وأيضاً فلولا أنه سبحانه أعطى الإنسان الحواس الخمس التي بها يمكنه الانتفاع بتلك النعم وإلا لعجز عن الانتفاع بها. ولولا أنه سبحانه أعطاه المزاج الصحيح والبنية السليمة وإلا لما أمكنه الانتفاع بها، فثبت أن كل إحسان يصدر عن محسن سوى الله تعالى، فإن الانتفاع به لا يكمل إلا بواسطة إحسان الله تعالى. وعند هذا يظهر أنه لا محسن في الحقيقة إلا الله، ولا مستحق للحمد إلا الله. فلهذا قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } ورابعها: أن الانتفاع بجميع النعم لا يمكن إلا بعد وجود المنتفع بعد كونه حياً قادراً عالماً، ونعمة الوجود والحياة والقدرة والعلم ليست إلا من الله سبحانه والتربية الأصلية والأرزاق المختلفة لا تحصل إلا من الله سبحانه من أول الطفولية إلى آخر العمر. ثم إذا تأمل الإنسان في آثار حكمة الرحمٰن في خلق الإنسان ووصل إلى ما أودع الله تعالى في أعضائه من أنواع المنافع والمصالح علم أنها بحر لا ساحل له، كما قال تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [إبراهيم: 34] فبتقدير: أن نسلم أن العبد يمكنه أن ينعم على الغير إلا أن نعم العبد كالقطرة، ونعم الله لا نهاية لها أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً فلهذا السبب كان المستحق للحمد المطلق والثناء المطلق ليس إلا الله سبحانه فلهذا قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ }. المسألة الثالثة: إنما قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } ولم يقل: أحمد الله، لوجوه: أحدها: أن الحمد صفة القلب وربما احتاج الإنسان إلى أن يذكر هذه اللفظة حال كونه غافلاً بقلبه عن استحضار معنى الحمد والثناء، فلو قال في ذلك الوقت أحمد الله، كان كاذباً واستحق عليه الذم والعقاب، حيث أخبر عن دعوى شيء مع أنه ما كان موجوداً. أما إذا قال: الحمد لله، فمعناه: أن ماهية الحمد وحقيقته مسلمة لله تعالى. وهذا الكلام حق وصدق سواء كان معنى الحمد والثناء حاضراً في قلبه أو لم يكن، وكان تكلمه بهذا الكلام عبادة شريفة وطاعة رفيعة فظهر الفرق بين هذين اللفظين. وثانيها: روي أنه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يأمره بالشكر، فقال داود: يا رب وكيف أشكرك؟ وشكري لك لا يحصل إلا أن توفقني لشكرك وذلك التوفيق نعمة زائدة وإنها توجب الشكر لي أيضاً وذلك يجر إلى ما لا نهاية له ولا طاقة لي بفعل ما لا نهاية له. فأوحى الله تعالى إلى داود: لما عرفت عجزك عن شكري فقد شكرتني. إذا عرفت هذا فنقول: لو قال العبد أحمد الله كان دعوى أنه أتى بالحمد والشكر فيتوجه عليه ذلك السؤال. إنما لو قال: الحمد لله فليس فيه ادعاء أن العبد أتى بالحمد والثناء، بل ليس فيه إلا أنه سبحانه مستحق للحمد والثناء سواء قدر على الإتيان بذلك الحمد أو لم يقدر عليه فظهر التفاوت بين هذين اللفظين من هذا الوجه، وثالثها: أنه لو قال أحمد الله كان ذلك مشعراً بأنه ذكر حمد نفسه ولم يذكر حمد غيره. أما إذا قال: الحمد لله، فقد دخل فيه حمده وحمد غيره من أول خلق العالم إلى آخر استقرار المكلفين في درجات الجنان ودركات النيران، كما قال تعالى: {أية : وآخردَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } تفسير : [يونس: 10] فكان هذا الكلام أفضل وأكمل. المسألة الرابعة: اعلم أن هذه الكلمة مذكورة في أول سور خمسة. أولها: الفاتحة، فقال: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الفاتحة: 2] وثانيها: في تأويل هذه السورة، فقال: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } تفسير : [الأنعام: 1] والأول أعم لأن العالم عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى، فقوله {الحمد لله ربّ العالمين} يدخل فيه كل موجود سوى الله تعالى. أما قوله الحمد لله ربّ العالمين يدخل فيه كل موجود سوى الله تعالى. أما قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } لا يدخل فيه إلا خلق السموات والأرض والظلمات والنور، ولا يدخل فيه سائر الكائنات والمبدعات، فكان التحميد المذكور في أول هذه السورة كأنه قسم من الأقسام الداخلة تحت التحميد المذكور في سورة الفاتحة. وتفصيل لتلك الجملة. وثالثها: سورة الكهف، فقال: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [الكهف: 1] وذلك أيضاً تحميد مخصوص بنوع خاص من النعمة وهو نعمة العلم والمعرفة والهداية والقرآن، وبالجملة النعم الحاصلة بواسطة بعثة الرسل، ورابعها: سورة سبأ وهي قوله {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ } تفسير : [سبأ: 1] وهو أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وخامسها: سورة فاطر، فقال: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } تفسير : [فاطر: 1] وظاهر أيضاً أنه قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فظهر أن الكلام الكلي التام هو التحميد المذكور في أول الفاتحة وهو قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وذلك لأن كل موجود فهو إما واجب الوجود لذاته، وإما ممكن الوجود لذاته. وواجب الوجود لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى وما سواه ممكن وكل ممكن فلا يمكن دخوله في الوجود إلا بإيجاد الله تعالى وتكوينه والوجود نعمة فالإيجاد إنعام وتربية، فلهذا السبب قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وأنه تعالى المربي لكل ما سواه والمحسن إلى كل ما سواه. فذلك الكلام هو الكلام الكلي الوافي بالمقصود. أما التحميدات المذكورة في أوائل هذه السور فكان كل واحد منها قسم من أقسام ذلك التحميد ونوع من أنواعه. فإن قيل: ما الفرق بين الخالق وبين الفاطر والرب؟ وأيضاً لم قال ههنا {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } بصيغة فعل الماضي؟ وقال في سورة فاطر {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } بصيغة اسم الفاعل. فنقول في الجواب عن الأول: الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الحق سبحانه عبارة عن علمه النافذ في جميع الكليات والجزئيات الواصل إلى جميع ذوات الكائنات والممكنات وأما كونه فاطراً فهو عبارة عن الإيجاد والابداع، فكونه تعالى خالقاً إشارة إلى صفة العلم، وكونه فاطراً إشارة إلى صفة القدرة، وكونه تعالى رباً ومربياً مشتمل على الأمرين، فكان ذلك أكمل. والجواب عن الثاني: أن الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الله تعالى عبارة عن علمه بالمعلومات، والعلم بالشيء صح تقدمه على وجود المعلوم. ألا ترى أنه يمكننا أن نعلم الشيء قبل دخوله في الوجود. أما إيجاد الشيء، فإنه لا يحصل إلا حال وجود الأثر بناء على مذهبنا أن القدرة إنما تؤثر في وجود المقدور حال وجود المقدور. فلهذا السبب قال: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } والمراد أنه كان عالماً بها قبل وجودها، وقال: {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } والمراد أنه تعالى إنما يكون فاطراً لها وموجداً لها عند وجودها. المسألة الخامسة: في قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } قولان: الأول: المراد منه احمدوا الله تعالى، وإنما جاء على صيغة الخبر لفوائد: إحداها: أن قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } يفيد تعليم اللفظ والمعنى، ولو قال: احمدوا لم يحصل مجموع هاتين الفائدتين. وثانيها: أنه يفيد أنه تعالى مستحق الحمد سواء حمده حامد أو لم يحمده. وثالثها: أن المقصود منه ذكر الحجة فذكره بصيغة الخبر أولى. والقول الثاني: وهو قول أكثر المفسرين معناه قولوا الحمد لله. قالوا: والدليل على أن المراد منه تعليم العباد أنه تعالى قال في أثناء السورة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وهذا الكلام لا يليق ذكره إلا بالعباد. والمقصود أنه سبحانه لما أمر بالحمد وقد تقرر في العقول أن الحمد لا يحسن إلا على الإنعام، فحينئذ يصير هذا الأمر حاملاً للمكلف على أن يتفكر في أقسام نعم الله تعالى عليه. ثم إن تلك النعم يستدل بذكرها على مقصودين شريفين: أحدهما: أن هذه النعم قد حدثت بعد أن كانت معدومة فلا بدّ لها من محدث ومحصل وليس ذلك هو العبد لأن كل أحد يريد تحصيل جميع أنواع النعم لنفسه، فلو كان حصول النعم للعبد بواسطة قدرة العبد واختياره، لوجب أن يكون كل واحد واصلأً إلى جميع أقسام النعم إذ لا أحد إلا وهو يريد تحصيل كل النعم لنفسه، ولما ثبت أنه لا بدّ لحدوث هذه النعم من محدث وثبت أن ذلك المحدث ليس هو العبد، فوجب الاقرار بمحدث قاهر قادر، وهو الله سبحانه وتعالى. والنوع الثاني: من مقاصد هذه الكلمة أن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها فإذا أمر الله تعالى العبد بالتحميد، وكان الأمر بالتحميد مما يحمله على تذكر أنواع نعم الله تعالى، صار ذلك التكليف حاملاً للعبد على تذكر أنواع نعم الله عليه، ولما كانت تلك النعم كثيرة خارجة عن الحد والاحصاء، صار تذكر تلك النعم موجبة رسوخ حب الله تعالى في قلب العبد. فثبت أن تذكيرالنعم يفيد هاتين الفائدتين الشريفتين. إحداهما: الاستدلال بحدوثها عن الاقرار بوجود الله تعالى. وثانيهما: أن الشعور بكونها نعماً يوجب ظهور حب الله في القلب، ولا مقصود من جميع العبادات إلا هذان الأمران. فلهذا السبب وقع الابتداء في هذا الكتاب الكريم بهذه الكلمة، فقال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }. واعلم أن هذه الكلمة بحر لا ساحل له، لأن العالم اسم لكل ما سوى الله تعالى، وما سوى الله إما جسم أو حال فيه أو لا جسم ولا حال فيه، وهو الأرواح. ثم الأجسام إما فلكية، وإما عنصرية. أما الفلكيات فأولها العرش المجيد، ثم الكرسي الرفيع. ويجب على العاقل أن يعرف أن العرش ما هو، وأن الكرسي ما هو، وأن يعرف صفاتهما وأحوالهما، ثم يتأمل أن اللوح المحفوظ، والقلم والرفرف، والبيت المعمور، وسدرة المنتهى ما هي، وأن يعرف حقائقها، ثم يتفكر في طبقات السموات وكيفية اتساعها وأجرامها وأبعادها، ثم يتأمل في الكواكب الثابتة والسيارة، ثم يتأمل في عالم العناصر الأربعة والمواليد الثلاثة وهي المعادن والنبات والحيوان، ثم يتأمل في كيفية حكمة الله تعالى في خلقه الأشياء الحقيرة والضعيفة كالبق والبعوض، ثم ينتقل منها إلى معرفة أجناس الأعراض وأنواعها القريبة والبعيدة، وكيفية المنافع الحاصلة من كل نوع من أنواعها، ثم ينتقل منها إلى تعرف مراتب الأرواح السفلية والعلوية والعرشية والفلكية، ومراتب الأرواح المقدسة عن علائق الأجسام المشار إليها بقوله {أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } تفسير : [الأنبياء: 19] فإذا استحضر مجموع هذه الأشياء بقدر القدرة والطاقة، فقد حضر في عقله ذرة من معرفة العالم، وهو كل ما سوى الله تعالى. ثم عند هذا يعرف أن كل ما حصل لها من الوجود وكمالات الوجود في ذواتها من صفاتها وأحوالها وعلائقها، فمن إيجاد الحق ومن جوده ووجوده، فعند هذا يعرف من معنى قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } ذرة، وهذا بحر لا ساحل له، وكلام لا آخر له والله أعلم. المسألة السادسة: إنا وإن ذكرنا أن قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أُجري مجرى قوله قولوا: الحمد لله ربّ العالمين فإنما ذكرناه لأن قوله في أثناء السورة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } لا يليق إلا بالعبد فلهذا السبب افتقرنا هناك إلى هذا الاضمار. أما هذه السورة وهي قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } فلا يبعد أن يكون المراد منه ثناء الله تعالى به على نفسه. وإذا ثبت هذا فنقول: إن هذا يدل من بعض الوجوه، على أنه تعالى منزّه عن الشبيه في اللذات والصفات والأفعال وذلك لأن قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } جار مجرى مدح النفس وذلك قبيح في الشاهد، فلما أمرنا بذلك دلّ هذا على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق، فكما أن هذا قبيح من الخلق مع أنه لا يقبح من الحق، فكذلك ليس كل ما يقبح من الخلق وجب أن يقبح من الحق. وبهذا الطريق وجب أن يبطل كلمات المعتزلة في أن ما قبح منا وجب أن يقبح من الله. إذا عرفت بهذا الطريق أن أفعاله لا تشبه أفعال الخلق، فكذلك صفاته لا تشبه صفات الخلق، وذاته لا تشبه ذوات الخلق، وعند هذا يحصل التنزيه المطلق والتقديس الكامل عن كونه تعالى مشابهاً لغيره في الذات والصفات والأفعال، فهو الله سبحانه واحد في ذاته، لا شريك له في صفاته، ولا نظير له واحد في أفعاله لا شبيه له تعالى وتقدس والله أعلم. أما قوله سبحانه {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } ففيه مسألتان: الأولى: في السؤالات المتوجهة على هذه الآية وهي ثلاثة: السؤال الأول: أن قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } جار مجرى ما يقال: جاءني الرجل الفقيه. فإن هذا يدل على وجود رجل آخر ليس بفقيه، وإلا لم يكن إلى ذكر هذه الصفة حاجة كذا ههنا قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } يوهم أن هناك إلهاً لم يخلق السموات والأرض، وإلا فأي فائدة في هذه الصفة؟ والجواب: أنا بينا أن قوله (الله) جار مجرى اسم العلم. فإذا ذكر الوصف لاسم العلم لم يكن المقصود من ذكر الوصف التمييز، بل تعريف كون ذلك المعنى المُسَمّى، موصوفاً بتلك الصفة. مثاله إذا قلنا الرجل العالم، فقولنا: الرجل اسم الماهية، والماهية تتناول الأشخاص المذكورين الكثيرين. فكان المقصود ههنا من ذكر الوصف تمييز هذا الرجل بهذا الاعتبار عن سائر الرجال بهذه الصفة. أما إذا قلنا: زيد العالم، فلفظ زيد اسم علم، وهو لا يفيد إلا هذه الذات المعينة، لأن أسماء الأعلام قائمة مقام الإشارات. فإذا وصفناه بالعلمية امتنع أن يكون المقصود منه تمييز ذلك الشخص عن غيره، بل المقصود منه تعريف كون ذلك المسمى موصوفاً بهذه الصفة. ولما كان لفظ (الله) من باب أسماء الأعلام، لا جرم كان الأمر على ما ذكرناه والله أعلم. السؤال الثاني: لم قدم ذكر السماء على الأرض، مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء؟ والجواب: السماء كالدائرة، والأرض كالمركز، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس، فإن حصول المركز لا يوجب تعين الدائرة لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها، فلما كانت السماء متقدمة على الأرض بهذا الاعتبار وجب تقديم ذكر السماء على الأرض بهذا الاعتبار. السؤال الثالث: لم ذكر السماء بصيغة الجمع والأرض بصيغة الواحد مع أن الأرضين أيضاً كثيرة بدليل قوله تعالى {أية : وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ } تفسير : [الطلاق: 12]. والجواب: أن السماء جارية مجرى الفاعل والأرض مجرى القابل. فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر، وذلك يخل بمصالح هذا العالم. أما لو كانت كثيرة اختلفت الاتصالات الكوكبية فحصل بسببها الفصول الأربعة، وسائر الأحوال المختلفة، وحصل بسبب تلك الاختلافات مصالح هذا العالم. أما الأرض فهي قابلة للأثر والقابل الواحد كاف في القبول، وأما دلالة الآية المذكورة على تعدد الأرضين فقد بينا في تفسير تلك الآية كيفية الحال فيها والله أعلم. المسألة الثانية: اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر الدلالة على وجود الصانع. وتقريره أن أجرام السموات والأرض تقدرت في أمور مخصوصة بمقادير مخصوصة، وذلك لا يمكن حصوله إلا بتخصيص الفاعل المختار. أما بيان المقام الأول فمن وجوه: الأول: أن كل فلك مخصوص اختص بمقدار معين مع جواز أن يكون الذي كان حاصلاً مقداراً أزيد منه أو أنقص منه. والثاني: أن كل فلك بمقدار مركب من أجزاء، والجزء الداخل كان يمكن وقوعه خارجاً وبالعكس. فوقوع كل واحد منها في حيزه الخاص أمر جائز. والثالث: أن الحركة والسكون جائزان على كل الأجسام بدليل أن الطبيعة الجسمية واحدة. ولوازم الأمور الواحدة واحدة. فإذا صح السكون والحركة على بعض الأجسام وجب أن يصحا على كلها:فاختصاص الجسم الفلكي بالحركة دون السكون اختصاص بأمر ممكن. والرابع: أن كل حركة، فإنه يمكن وقوعها أسرع مما وقع وأبطأ مما وقع، فاختصاص تلك الحركة المعينة بذلك القدر المعين من السرعة والبطء اختصاص بأمر ممكن. والخامس: أن كل حركة، وقعت متوجهة إلى جهة، فإنه يمكن وقوعها متوجهة إلى سائر الجهات. فاختصاصها بالوقوع على ذلك الوجه الخاص اختصاص بأمر ممكن. والسادس: أن كل فلك فإنه يوجد جسم آخر إما أعلى منه وإما أسفل منه، وقد كان وقوعه على خلاف ذلك الترتيب أمراً ممكناً، بدليل أن الأجسام لما كانت متساوية في الطبيعة الجسمية، فكل ما صحّ على بعضها صح على كلها، فكان اختصاصه بذلك الحيز والترتيب أمراً ممكناً. والسابع: وهو أن لحركة كل فلك أولاً، لأن وجو، حركة لا أول لها محال. لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة. وهذا الانتقال يقتضي كونها مسبوقة بالغير. والأول ينافي المسبوقية بالغير، والجمع بينهما محال. فثبت أن لكل حركة أولاً، واختصاص ابتداء حدوثه بذلك الوقت، دون ما قبله وما بعده اختصاص بأمر ممكن. والثامن: هو أن الأجسام، لما كانت متساوية في تمام الماهية كان اتصاف بعضها بالفلكية وبعضها بالعنصرية دون العكس، اختصاصاً بأمر ممكن. والتاسع: وهو أن حركاتها فعل لفاعل مختار، ومتى كان كذلك فلها أول. بيان المقام الأول أن المؤثر فيها لو كان علة موجبة بالذات لزم من دوام تلك العلة دوام آثارها، فيلزم من دوام تلك العلة، دوام كل واحد من الأجزاء المتقومة في هذه الحركة. ولما كان ذلك محالاً ثبت أن المؤثر فيها ليس علة موجبة بالذات، بل فاعلاً مختاراً. وإذا كان كذلك، وجب كون ذلك الفاعل متقدماً على هذه الحركات، وذلك يوجب أن يكون لها بداية. العاشر: أنه ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له بدليل أنا نعلم بالضرورة أنا لو فرضنا أنفسنا واقفين على طرف الفلك الأعلى فإنا نميز بين الجهة التي تلي قدامنا وبين الجهة التي تلي خلفنا، وثبوت هذا الامتياز معلوم بالضرورة. وإذا كان كذلك ثبت أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له، وإذا كان كذلك فحصول هذا العالم في هذا الحيز الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر ممكن، فثبت بهذه الوجوه العشرة: أن أجرام السموات والأرضين مختلفة بصفات وأحوال، فكان يجوز في العقل حصول أضدادها ومقابلاتها، فوجب أن لا يحصل هذا الاختصاص الخاص إلا لمرجح ومقدر وإلا فقد ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال. وإذا ثبت هذا فنقول: إنه لا معنى للخلق إلا التقدير. فلما دل العقل على حصول التقدير من هذه الوجوه العشرة، وجب حصول الخلق من هذه الوجوه العشرة. فلهذا المعنى. قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } والله أعلم، ومن الناس من قال المقصود من ذكر السموات والأرض والظلمات والنور التنبيه على ما فيها من المنافع. واعلم أن منافع السموات أكثر من أن تحيط بجزء من أجزائها المجلدات، وذلك لأن السموات بالنسبة إلى مواليد هذا العالم جارية مجرى الأب والأرض بالنسبة إليها جارية مجرى الأم فالعلل الفاعلة سماوية والعلل القابلة أرضية وبها يتم أمر المواليد الثلاثة. والاستقصاء في شرح ذلك لا سبيل له. أما قوله {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ {جَعَلَ } يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ كقوله تعالى: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صير كقوله {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً } تفسير : [الزخرف: 19] والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير، وفي الجعل معنى التضمين والتصيير كإنشاء شيء من شيء، وتصيير شيء شيئاً، ومنه: قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } تفسير : [الأعراف: 189] وقوله {أية : وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا } تفسير : [الرعد: 38] وقوله {أية : أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إلٰهاَ وٰحِداً } تفسير : [ص: 5] وإنما حسن لفظ الجعل ههنا لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كأنه كل واحد منهما إنما تولد من الآخر. المسألة الثانية: في لفظ {ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ } قولان: الأول: أن المراد منهما الأمران المحسوسان بحس البصر والذي يقوي ذلك أن اللفظ حقيقة فيهما. وأيضاً هذان الأمران إذا جعلا مقرونين بذكر السموات والأرض، فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان والثاني: نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } أي ظلمة الشرك والنفاق والكفر والنور يريد نور الإسلام والإيمان والنبوّة واليقين. ونقل عن الحسن أنه قال: يعني الكفر والإيمان، ولا تفاوت بين هذين القولين، فكان قول الحسن كالتلخيص لقول ابن عباس. ولقائل أن يقول حمل اللفظ على الوجه الأول أولى، لما ذكرنا أن الأصل حمل اللفظ على حقيقته، ولأن الظلمات والنور إذا كان ذكرهما مقروناً بالسموات والأرض لم يفهم منه إلا ما ذكرناه. قال الواحدي: والأولى حمل اللفظ عليهما معاً. وأقول هذا مشكل لأنه حمل اللفظ على مجازه، واللفظ الواحد بالاعتبار الواحد لا يمكن حمله على حقيقته ومجازه معاً. المسألة الثالثة: إنما قدم ذكر الظلمات على ذكر النور لأجل أن الظلمة عبارة عن عدم النور عن الجسم الذي من شأنه قبول النور، وليست عبارة عن كيفية وجودية مضادة للنور، والدليل عليه أنه إذا جلس إنسان بقرب السراج، وجلس إنسان آخر بالبعد منه، فإن البعيد يرى القريب ويرى ذلك الهواء صافياً مضيئاً، وأما القريب فإنه لا يرى البعيد ويرى ذلك الهواء مظلماً، فلو كانت الظلمة كيفية وجودية لكانت حاصلة بالنسبة إلى هذين الشخصين المذكورين، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الظلمة ليست كيفية وجودية. وإذ ثبت هذا فنقول: عدم المحدثات متقدم على وجودها، فالظلمة متقدمة في التقدير والتحقق على النور، فوجب تقديمها في اللفظ، ومما يقوي ذلك ما يروى في الأخبار الإلهية أنه تعالى خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره. المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: لم ذكر الظلمات بصيغة الجمع، والنور بصيغة الواحد؟ فنقول: أما من حمل الظلمات على الكفر والنور على الإيمان، فكلامه ههنا ظاهر، لأن الحق واحد والباطل كثير، وأما من حملها على الكيفية المحسوسة، فالجواب: أن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل التناقص قليلاً قليلاً، وتلك المراتب كثيرة. فلهذا السبب عبّـر عن الظلمات بصيغة الجمع. أما قوله تعالى: {ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } فأعلم أن العدل هو التسوية. يقول: عدل الشيء بالشيء إذا سواه به، ومعنى {يَعْدِلُونَ } يشركون به غيره. فإن قيل: على أي شيء عطف قوله {ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } قلنا: يحتمل أن يكون معطوفاً على قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } على معنى أن الله حقيق بالحمد على كل ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة {ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } فيكفرون بنعمته، ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } على معنى أن خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها أحد سواه، ثم إنهم يعدلون به جماداً لا يقدر على شيء أصلاً. فإن قيل: فما معنى ثم؟ قلنا: الفائدة فيه استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} بدأ سبحانه فاتحتها بالحمد على نفسه، وإثبات الألوهية؛ أي أن الحمد كله له فلا شريك له. فإن قيل: فقد ٱفتتح غيرها بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغني عن سائره؛ فيقال: لأن لكل واحدة منه معنى في موضعه لا يؤدِّي عنه غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة، وأيضاً فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدِلون. وقد تقدّم معنى «الحمد» في الفاتحة. الثانية ـ قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أخبر عن قدرته وعلمه وإرادته فقال: الذي خلق أي اخترع وأوجد وأنشأ وٱبتدع. والخلق يكون بمعنى الاختراع، ويكون بمعنى التقدير، وقد تقدّم، وكلاهما مراد هنا؛ وذلك دليل على حدوثهما؛ فرفع السماء بغير عمد، وجعلها مستوية من غير أَوَدٍ، وجعل فيها الشمس والقمر آيتين، وزينها بالنجوم، وأودعها السحاب والغيوم علامتين؛ وبسط الأرض وأودعها الأرزاق والنبات، وبث فيها من كل دابّة آيات؛ وجعل فيها الجبال أوتاداً، وسبلاً فجاجاً، وأجرى فيها الأنهار والبحار، وفجر فيها العيون من الأحجار دلالات على وحدانيته، وعظيم قدرته، وأنه هو الله الواحد القهار، وبين بخلقه السموات والأرض أنه خالق كل شيء. الثالثة ـ خرّج مسلم قال: حدّثني سُرَيْج بن يونس وهرون بن عبد الله قالا حدّثنا حجاج بن محمد قال قال ٱبن جريج أخبرني إسماعيل بن أُمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أُمّ سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدِي فقال: « حديث : خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبَثّ فيها الدوابّ يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ». تفسير : قلت: أدخل العلماء هذا الحديث تفسيراً لفاتحة هذه السورة؛ قال البَيْهَقيّ: وزعم أهل العلم بالحديث أنه غير محفوظ لمخالفة ما عليه أهل التفسير وأهل التواريخ. وزعم بعضهم أن إسماعيل بن أُميّة إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى عن أيوب بن خالد، وإبراهيم غير محتج به. وذكر محمد بن يحيى قال: سألت عليّ بن المدِينيّ عن حديث أبي هُريرة « حديث : خلق الله التُّربة يوم السبت » تفسير : فقال عليّ: هذا حديث مدنيّ، رواه هشام بن يوسف عن ابن جُرَيْج عن إسماعيل بن أُميّة عن أيوب بن خالد عن أبي رافع مولى أُمّ سَلَمة عن أبي هُريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي؛ قال عليّ: وشَبَّك بيدي إبراهيم بن أبي يحيى، فقال لي: شَبّك بيدي أيوب بن خالد، وقال لي: شَبَّك بيدي عبد الله بن رافع، وقال لي: شَبَّك بيدي أبو هُريرة، وقال لي: شَبَّك بيدي أبو القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « حديث : خلق الله الأرض يوم السبت » تفسير : فذكر الحديث بنحوه. قال عليّ بن المَدِيني: وما أرى إسماعيل بن أُمية أخذ هذا الأمر إلا من إبراهيم ابن أبي يحيى، قال البيهقيّ: وقد تابعه على ذلك موسى بن عُبيدة الرَّبَذِي عن أيوب بن خالد؛ إلا أن موسى بن عُبيدة ضعيف. وروى عن بكر بن الشَّرُود، عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سُلَيْم، عن أيوب بن خالد وإسناده ضعيف عن أبي هُرَيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن في الجمعة ساعة لا يوافقها أحد يسأل الله عز وجل فيها شيئاً إلا أعطاه إياه » تفسير : قال فقال عبد الله بن سَلاَم: إنّ الله عز وجل ابتدأ الخلق فخلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق السموات يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وخلق الأقوات وما في الأرض يوم الخميس ويوم الجمعة إلى صلاة العصر، وما بين صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس خلق آدم، خرّجه البيهقي. قلت: وفيه أن الله تعالى بدأ الخلق يوم الأحد لا يوم السبت وكذلك تقدّم في «البقرة» عن ٱبن مسعود وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وتقدّم فيها الاختلاف أيّما خلق أوّلاً الأرض أو السماء مستوفى. والحمد لله. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} ذكر بعد خلق الجواهر خلق الأعراض لكون الجوهر لا يستغنى عنه، وما لا يستغنى عن الحوادث فهو حادث. والجوهر في ٱصطلاح المتكلمين هو الجزء الذي لا يتجزأ الحامل للعَرَض؛ وقد أتينا على ذكره في الكتاب الأسْنَى في شرح أسماء الله الحسنى في ٱسمه «الواحد». وسمى العَرَض عَرَضا؛ لأنه يعرض في الجسم والجوهر فيتغير به من حال إلى حال، والجسم هو المجتمع، وأقل ما يقع عليه ٱسم الجسم جوهران مجتمعان؛ وهذه الاصطلاحات وإن لم تكن موجودة في الصدر الأوّل فقد دل عليها معنى الكتاب والسنة فلا معنى لإنكارها. وقد ٱستعملها العلماء واصطلحوا عليها، وبَنَوا عليها كلامهم، وقَتلوا بها خصومهم، كما تقدّم في «البقرة». واختلف العلماء في المعنى المراد بالظّلمات والنّور؛ فقال السّديّ وقَتَادة وجمهور المفسرين: المراد سواد الليل وضياء النهار. وقال الحسن: الكفر والإيمان. قال ٱبن عطية: وهذا خروج عن الظاهر. قلت: اللفظ يعمه؛ وفي التنزيل: { أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ } تفسير : [الأنعام: 122]. والأرض هنا ٱسم للجنس فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها؛ وكذلك «والنور» ومثله { أية : ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } تفسير : [غافر: 67] وقال الشاعر: شعر : كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا تفسير : وقد تقدّم. وجعل هنا بمعنى خلق لا يجوز غيره؛ قاله ٱبن عطية. قلت: وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النَّسق؛ فيكون الجمع معطوفاً على الجمع والمفرد معطوفاً على المفرد، فيتجانس اللفظ وتظهر الفصاحة، والله أعلم. وقيل: جمع «الظُّلُمَاتِ» ووحّد «النور» لأن الظلمات لا تتعدّى والنور يتعدّى. وحكى الثعلبيّ أن بعض أهل المعاني قال: «جعل» هنا زائدة؛ والعرب تزيد «جعل» في الكلام كقول الشاعر: شعر : وقد جَعلتُ أَرَى الاثنين أربعةً والواحد ٱثنينِ لَمّا هَدَّنِي الكِبَرُ تفسير : قال النحاس: جعل بمعنى خلق، وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعدّ إلا إلى مفعول واحد، وقد تقدّم هذا المعنى، ومحامل جعل في «البقرة» مستوفى. الخامسة ـ قوله تعالى: {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ٱبتداء وخبر، والمعنى: ثم الذين كفروا يجعلون لله عدلاً وشريكاً، وهو الذي خلق هذه الأشياء وحده. قال ٱبن عطية: فـ «ثم» دالة على قبح فعل الكافرين؛ لأن المعنى: أن خلقه السموات والأرض قد تقرّر، وآياته قد سطعت، وإنعامه بذلك قد تَبيّن، ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم؛ فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تَشتمني. ولو وقع العطف بالواو في هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثُمَّ، والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَالأَرْضَ} أخبر بأنه سبحانه وتعالى حقيق بالحمد، ونبه على أنه المستحق له على هذه النعم الجسام حمد أو لم يحمد، ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون، وجمع السموات دون الأرض وهي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات، وقدمها لشرفها وعلو مكانها وتقدم وجودها. {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ} أنشأهما، والفرق بين خلق وجعل الذي له مفعول واحد أن الخلق فيه معنى التقدير والجعل فيه معنى التضمن. ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيهاً على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها، أو لأن المراد بالظلمة الضلال، وبالنور الهدى والهدى واحد والضلال متعدد، وتقديمها لتقدم الإِعدام على الملكات. ومن زعم أن الظلمة عرض يضاد النور احتج بهذه الآية ولم يعلم أن عدم الملكة كالعمى ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل. {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ} عطف على قوله الحمد لله على معنى أن الله سبحانه وتعالى حقيق بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته، ويكون بربهم تنبيهاً على أنه خلق هذه الأشياء أسباباً لتكونهم وتعيشهم، فمن حقه أن يحمد عليها ولا يكفر، أو على قوله خلق على معنى أنه سبحانه وتعالى خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه. ومعنى ثم: استبعاد عدولهم بعد هذا البيان، والباء على الأول متعلقة بكفروا وصلة يعدلون محذوفة أي يعدلون عنه ليقع الإِنكار على نفس الفعل، وعلى الثاني متعلقة بـ {يَعْدِلُونَ} والمعنى أن الكفار يعدلون بربهم الأوثان أي يسوونها به سبحانه وتعالى.

ابن كثير

تفسير : يقول الله تعالى مادحاً نفسه الكريمة، وحامداً لها على خلقه السموات والأرض قراراً لعباده، وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمع لفظ الظلمات ووحد لفظ النور، لكونه أشرف، كقوله تعالى: {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ} تفسير : [النحل: 48] وكما قال في آخر هذه السورة: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الأنعام: 153] ثم قال تعالى: {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}، أي: ومع هذا كلِّه كَفَر به بعضُ عباده، وجعلوا له شريكاً وعِدْلاً، واتخذوا له صاحبةً وولداً، تعالى الله عز وجل عن ذلك عُلُوّاً كبيراً. وقولهُ تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ} يعني: أباهم آدم الذي هو أصلُهم ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب. وقولُه: {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} قال سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً}، يعني: الموت، {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} يعني: الآخرة، وهكذا رُوِي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جُبَير، والحسن وقَتادَة والضحَّاكِ، وزيد بن أسلَم وعَطِيَّة والسدي، ومقاتل بن حيان وغيرهم. وقولُ الحسن في رواية عنه: {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً} وهو ما بين أن يخلق إلى أن يموت {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} وهو ما بين أن يموت إلى أن يبعث، هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها، ثم انتهائها وانقضائها وزوالها،! وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة. وعن ابن عباس ومجاهد: {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً} يعني: مدة الدنيا، {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} يعني: عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الأنعام: 60] الآية. وقال عطية: عن ابن عباس {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً} يعني: النوم، يقبض فيه الروح، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة، {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} يعني: أجل موت الإنسان، وهذا قول غريب. ومعنى قوله: {عِندَهُ} أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله: {أية : إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأعراف: 178] وكقوله: {أية : &#1649يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَـٰهَآ } تفسير : [النازعات:42-44] وقوله تعالى: {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} قال السدي وغيره: يعني: تشكون في أمر الساعة. وقوله تعالى: { وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول القائلين - تعالى عن قولهم علواً كبيراً - بأنه في كل مكان، حيث حملوا الآية على ذلك، فالأصح من الأقوال: أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحده ويقرّ له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله ويدعونه رغباً ورهباً، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول، كقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِى ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} أي: هو إله من في السماء، وإله من في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} خبراً، أو حالاً. [والقول الثاني] أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، من سر وجهر، فيكون قوله: يعلم، متعلقاً بقوله: {فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلأَرْضِ} تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم، في السموات وفي الأرض، ويعلم ما تكسبون، [والقول الثالث]: أن قوله: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ} وقف تام، ثم استأنف الخبر، فقال: {وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} وهذا اختيار ابن جرير، وقوله: {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} أي: جميع أعمالكم خيرها وشرها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلْحَمْدُ } وهو الوصف بالجميل ثابت {لِلَّهِ } وهل المراد الإعلام بذلك للإِيمان به أو الثناء به، أو هما؟ احتمالات أفْيَدُها الثالث قاله الشيخ في (سورة الكهف) [1:18] {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات للناظرين {وَجَعَلَ } خلق {ٱلظُّلُمَٰت وَٱلنُّورِ } أي كل ظلمة ونور، وجمعها دونه لكثرة أسبابها، وهذا من دلائل وحدانيته {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } مع قيام هذا الدليل {بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } يسوّون به غيره في العبادة.

الشوكاني

تفسير : بدأ سبحانه هذه السورة بالحمد لله، للدلالة على أن الحمد كله لله، ولإقامة الحجة على الذين هم بربهم يعدلون. وقد تقدّم في سورة الفاتحة ما يغني عن الإعادة له هنا، ثم وصف نفسه بأنه الذي خلق السموات والأرض إخباراً عن قدرته الكاملة، الموجبة لاستحقاقه لجميع المحامد، فإن من اخترع ذلك وأوجده، هو الحقيق بإفراده بالثناء وتخصيصه بالحمد، والخلق يكون بمعنى الاختراع، وبمعنى التقدير. وقد تقدّم تحقيق ذلك، وجمع السموات لتعدد طباقها، وقدّمها على الأرض لتقدّمها في الوجود {أية : وَٱلأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 30]. قوله: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } معطوف على خلق. ذكر سبحانه خلق الجواهر بقوله: {خَلقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } ثم ذكر خلق الأعراض بقوله: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } لأن الجواهر لا تستغني عن الأعراض. واختلف أهل العلم في المعنى المراد بالظلمات والنور؛ فقال جمهور المفسرين: المراد بالظلمات سواد الليل، وبالنور ضياء النهار. وقال الحسن: الكفر والإيمان. قال ابن عطية: وهذا خروج عن الظاهر انتهى. والأولى أن يقال: إن الظلمات تشمل كل ما يطلق عليه اسم الظلمة، والنور يشمل كل ما يطلق عليه اسم النور، فيدخل تحت ذلك ظلمة الكفر ونور الإيمان {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ}تفسير : [الأنعام: 122] وأفرد النور لأنه جنس يشمل جميع أنواعه، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها وتعدد أنواعها. قال النحاس: جعل هنا بمعنى خلق، وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعدّ إلا إلى مفعول واحد، وقال القرطبي: جعل هنا بمعنى خلق لا يجوز غيره. قال ابن عطية: وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق، فيكون الجمع معطوفاً على الجمع، والمفرد معطوفاً على المفرد، وتقديم الظلمات على النور لأنها الأصل، ولهذا كان النهار مسلوخاً من الليل. قوله: {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } معطوف على الحمد لله، أو على خلق السموات والأرض، و"ثم" لاستبعاد ما صنعه الكفار من كونهم بربهم يعدلون مع ما تبين من أن الله سبحانه حقيق بالحمد على خلقه السموات والأرض والظلمات والنور، فإن هذا يقتضي الإيمان به وصرف الثناء الحسن إليه، لا الكفر به واتخاذ شريك له، وتقديم المفعول للاهتمام، ورعاية الفواصل، وحذف المفعول لظهوره، أي يعدلون به مالا يقدر على شيء مما يقدر عليه، وهذا نهاية الحمق وغاية الرقاعة حيث يكون منه سبحانه تلك النعم، ويكون من الكفرة الكفر. قوله: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ } في معناه قولان: أحدهما، وهو الأشهر، وبه قال الجمهور أن المراد آدم عليه السلام، وأخرج مخرج الخطاب للجميع، لأنهم ولده ونسله. الثاني، أن يكون المراد جميع البشر باعتبار أن النطفة التي خلقوا منها مخلوقة من الطين، ذكر الله سبحانه خلق آدم وبنيه بعد خلق السموات والأرض إتباعاً للعالم الأصغر بالعالم الأكبر، والمطلوب بذكر هذه الأمور دفع كفر الكافرين بالبعث، وردّ لجحودهم بما هو مشاهد لهم لا يمترون فيه. قوله: {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } جاء بكلمة «ثم» لما بين خلقهم وبين موتهم من التفاوت. وقد اختلف السلف ومن بعدهم في تفسير الأجلين، فقيل: {قَضَى أَجَلاً } يعني الموت {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } يعني القيامة، وهو مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومجاهد، وعكرمة، وزيد بن أسلم، وعطية والسديّ وخصيف، ومقاتل وغيرهم، وقيل الأوّل: ما بين أن يخلق إلى أن يموت؛ والثاني: ما بين أن يموت إلى أن يبعث، وهو قريب من الأوّل. وقيل الأوّل مدّة الدنيا؛ والثاني عمر الإنسان إلى حين موته. وهو مرويّ عن ابن عباس ومجاهد. وقيل: الأوّل قبض الأرواح في النوم؛ والثاني قبض الروح عند الموت. وقيل: الأوّل ما يعرف من أوقات الأهلة والبروج وما يشبه ذلك؛ والثاني أجل الموت. وقيل: الأوّل لمن مضى. والثاني لمن بقي ولمن يأتي. وقيل: إن الأوّل الأجل الذي هو محتوم؛ والثاني الزيادة في العمر لمن وصل رحمه، فإن كان برّاً تقياً وصولاً لرحمه زيد في عمره، وإن كان قاطعاً للرحم لم يزد له، ويرشد إلى هذا قوله تعالى: {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } تفسير : [فاطر: 11]. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم تزيد في العمر، وورد عنه أن دخول البلاد التي قد فشا بها الطاعون والوباء من أسباب الموت؛ وجاز الابتداء بالنكرة في قوله: {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } لأنها قد تخصصت بالصفة. قوله: {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } استبعاد لصدور الشك منهم مع وجود المقتضى لعدمه، أي كيف تشكون في البعث مع مشاهدتكم في أنفسكم من الابتداء، والابتداء ما يذهب بذلك ويدفعه، من خلقكم من طين، وصيركم أحياء تعلمون وتعقلون، وخلق لكم هذه الحواس والأطراف، ثم سلب ذلك عنكم فصرتم أمواتاً، وعدتم إلى ما كنتم عليه من الجمادية، لا يعجزه أن يبعثكم ويعيد هذه الأجسام كما كانت، ويردّ إليها الأرواح التي فارقتها بقدرته وبديع حكمته. قوله: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَفِى ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } قيل: إن في السموات وفي الأرض متعلق باسم الله باعتبار ما يدل عليه من كونه معبوداً ومتصرفاً ومالكاً، أي هو المعبود أو المالك أو المتصرف في السموات والأرض كما تقول: زيد الخليفة في الشرق والغرب، أي حاكم أو متصرف فيهما؛ وقيل المعنى: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض، فلا تخفى عليه خافية، فيكون العامل فيهما ما بعدهما. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل فيه. وقال ابن جرير: هو الله في السموات ويعلم سركم وجهركم في الأرض. والأوّل أولى، ويكون {يعلم سركم وجهركم} جملة مقرّرة لمعنى الجملة الأولى، لأن كونه سبحانه في السماء والأرض، يستلزم علمه بأسرار عباده وجهرهم، وعلمه بما يكسبونه من الخير والشرّ، وجلب النفع ودفع الضرر. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن عليّ أن هذه الآية أعني {الحمد لله}، إلى قوله: {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } نزلت في أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في الزنادقة، قالوا: إن الله لم يخلق الظلمة ولا الخنافس، ولا العقارب، ولا شيئاً قبيحاً، وإنما يخلق النور وكل شيء حسن، فأنزلت فيهم هذه الآية. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } قال: الكفر والإيمان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة قال: إن الذين بربهم يعدلون هم أهل الشرك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السديّ مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال: {يَعْدِلُونَ } يشركون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } قال: الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله، وليس لله عدل ولا ندّ، وليس معه آلهة ولا اتخذ صاحبة ولا ولداً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ } يعني آدم {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً } يعني أجل الموت {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } أجل الساعة والوقوف عند الله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عنه في قوله: {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً } قال: أجل الدنيا، وفي لفظ أجل موته {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } قال: الآخرة لا يعلمه إلا الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه {قَضَى أَجَلاً } قال: هو اليوم يقبض فيه الروح، ثم يرجع إلى صاحبه من اليقظة {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } قال: هو أجل موت الإنسان.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ...} الآية قال وهب بن منبه: فاتحة التوارة فاتحة الأنعام إلى قوله: {يَعْدِلُونَ}، وخاتمة التوراة خاتمة هود. وقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} جاء على صيغة الخبر وفيه معنى الأمر، وذلك أولى من أن يجيء بلفظ الأمر فيقول احْمِدِ الله، لأمرين: أحدهما: أنه يتضمن تعليم اللفظ والمعنى، وفي الأمر المعنى دون اللفظ. والثاني: أن البرهان إنما يشهد بمعنى الخبر دون الأمر. {الَّذِي خَلَقَ السَمَوَاتِ والأرضَ} لأن خلق السموات والأرض نِعَمٌ تستوجب الحمد، لأن الأرض تقل، والسماء تظل، وهي من أوائل نعمه على خلقه، ولذلك استحمد بخلقها وأضاف خلقها إلى نفسه عند حمده، على أن مستحق الحمد هو خالق السموات والأرض، ليكون باستحقاق الحمد منفرداً لانفراده بخلق السموات والأرض. وفي جمع السموات وتوحيد الأرض وجهان: أحدهما: لأن السموات أشرف من الأرض، والجمع أبلغ في التفخيم من الوحيد كقوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلَنَا الذِّكْرَ} تفسير : [الحجر: 9]. والثاني: لأن أوامره إلى الأرض تخترق جميع السماوات السبع. وفي تقديم السموات على الأرض وجهان: أحدهما: لتقدم خلقها على الأرض. والثاني: لشرفها فقدمها على ذكر الأرض وإن كانت مخلوقة بعد الأرض. وهذان الوجهان من اختلاف العلماء أيهما خُلِقَ أولاً. {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} يعني وخلق، فغاير بين اللفظ ليكون أحسن في النظم، والمراد بالظلمات والنور هنا ثلاثة أوجه: أحدها: وهو المشهور من قول قتادة، قدم الظلمة على النور لأنه قدم خلق الظلمة على خلق النور، وجمع الظلمات ووحد النور لأن الظلمات أعم من النور. والثاني: أن الظلمات: الليل، والنور: النهار. والثالث: أن الظلمات: الكفر، والنور: الإِيمان، قاله السدي. ولأصحاب الخواطر، فيه ثلاثة أوجه أُخَر: أحدها: أن الظلمات: الأجسام، والنور: الأرواح. الثاني: أن الظلمات: أعمال الأبدان، والنور: ضمائر القلوب. والثالث: أن الظلمات: الجهل، والنور: العلم. {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أي يجعلون له مع هذه النَّعَمْ عِدْلاً، يعني مثلاً. وفيه قولان: أحدهما: أنهم يعدلون به الأصنام التي يعبدونها. والثاني: أنهم يعدلون به إلهاً غيره لم يُخْلَق مثل خلقه. {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمَّى عِندَهُ} في هذين الأجلين أربعة أقاويل: أحدها: أن الأجل الأول الذي قضاه أجل الحياة إلى الموت، والأجل الثاني المسمى عنده أجل الموت إلى البعث، قاله الحسن، وقتادة. الثاني: أن الأجل الأول الذي قضاه أجل الدنيا، والأجل الثاني المسمى عنه ابتداء الآخرة، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثالث: أن الأجل الأول الذي قضاه هو حين أخذ الميثاق على خلقه في ظهر آدم، والأجل الثاني المسمى عنده الحياة في الدنيا، قاله ابن زيد. والرابع: أن الأجل الذي قضاه أجل من مات، والأجل المسمى عنده أجل من يموت بعد، قاله ابن شجرة. {تَمْتَرُونَ} فيه وجهان: أحدهما: تشكون، والامتراء: الشك. والثاني: تختلفون، مأخوذ من المراء وهو الاختلاف. قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن معنى الكلام وهو اله المُدَبِّر في السموات وفي الأرض. {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} أي ما تخفون، وما تعلنون. والثاني: وهو الله المعبود في السموات، وفي الأرض. والثالث: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، وتقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض، لأن في السموات الملائكة، وفي الأرض الإِنس والجن، قاله الزجاج. {وََيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} أي ما تعلمون من بعد، ولا يخفى عليه ما كان منكم، ولا ما سيكون، ولا ما أنتم عليه في الحال من سر، وجهر.

ابن عطية

تفسير : هذا تصريح بأن الله تعالى هو الذي يستحق الحمد بأجمعه. لأن الألف واللام في {الحمد} لاستغراق الجنس، فهو تعالى له الأوصاف السنية والعلم والقدرة والإحاطة والأنعام، فهو أهل للمحامد على ضروبها وله الحمد الذي يستغرق الشكر المختص بأنه على النعم، ولما ورد هذا الإخبار تبعه ذكر بعض أوصافه الموجبة للحمد، وهي الخلق "للسماوات والأرض" قوام الناس وأرزاقهم، {والأرض} ها هنا للجنس فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها، والبادي من هذا الترتيب أن السماء خلقت من قبل الأرض، وقد حكاه الطبري عن قتادة، وليس كذلك لأن الواو لا ترتب المعاني، والذي ينبني من مجموع آي القرآن أن الله تعالى خلق الأرض ولم يدحها ثم استوى إلى السماء فخلقها ثم دحا الأرض بعد ذلك، و {جعل} ها هنا بمعنى خلق لا يجوز غير ذلك، وتأمل لم خصت {السماوات والأرض} بـ {خلق} و {الظلمات والنور} بـ {جعل}؟ وقال الطبري {جعل} هذه هي التي تتصرف في طرق الكلام كما تقول جعلت كذا فكأنه قال وجعل إظلامها وإنارتها. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير جيد، لأن {جعل} إذا كانت على هذا النحو فلا بد أن يرتبط معها فعل آخر كما يرتبط في أفعال المقاربة كقولك كاد زيد يموت، "جعل" زيد يجيء ويذهب، وأما إذا لم تربط معها فعل فلا يصح أن تكون تلك التي ذكر الطبري، وقال السدي وقتادة والجمهور من المفسرين: {الظلمات} الليل و {النور} النهار، وقالت فرقة: {الظلمات} الكفر و {النور} الإيمان. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير جيد لأنه إخراج لفظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى باطن لغير ضرورة، وهذا هو طريق اللغز الذي برىء القرآن منه، و {النور} أيضاً هنا للجنس فإفراده بمثابة جمعه. وقوله تعالى: {ثم} دالة على قبح فعل {الذين كفروا} لأن المعنى أن خلقه "السموات والأرض" وغيرهما قد تقرر، وآياته قد سطعت، وأنعامه بذلك قد تبين ثم بعد هذا كله عدلوا بربهم، فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني، أي بعد مهلة من وقوع هذا كله، ولو وقع العطف في هذا ونحوه بالواو لم يلزم التوبيخ كلزومه بـ {ثم} ، {الذين كفروا} في هذا الموضع هم كل من عبد شيئاً سوى الله قال قتادة: هم أهل الشرك صراحية، ومن خصص من المفسرين في ذلك بعضاً دون بعض فلم يصب إلا أن السابق من حال النبي صلى الله عليه وسلم أن الإشارة إلى عبدة الأوثان من العرب لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضاً يشير إلى المانوية ويقال الماننية العابدين للنور القائلين إن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلام، وقول ابن أبزى إن المراد أهل الكتاب بعيد، و {يعدلون} معناه يسوون ويمثلون، وعدل الشيء قرينه ومثيله، والمنوية مجوس، وورد في مصنف أبي داود حديث وهو القدرية مجوس هذه الأمة ومعناه الإغلاظ عليهم والذم لهم في تشبيههم بالمجوس وموضع الشبه هو أن المجوس تقول الأفعال خيرها خلق النور وشرها خلق الظلمة فجعلوا خالقاً غير الله، والقدرية تقول الإنسان يخلق أفعاله فجعلوا خالقاً غير الله تعالى عن قولهم، وذهب أبو المعالي إلى التشبيه بالمجوس إنما هو قول القدرية: إن الخير من الله وإن الشر منه ولا يريده، وإنما قلنا في الحديث إنه تغليظ لأنه قد صرح أنهم من الأمة ولو جعلهم مجوساً حقيقة لم يضفهم إلى الأمة، وهذا كله أن لو صح الحديث والله الموفق. وقوله تعالى: {هو الذين خلقكم من طين} الآية قال مجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم.. المعنى خلق آدم من طين والبشر من آدم فلذلك قال: {خلقكم من طين} وحكى المهدوي عن فرقة أنها قالت بل المعنى أن النطفة التي يخلق منها الإنسان أصلها من طين ثم يقلبها الله نطفة، وذكره مكي والزهراوي، والقول الأول أليق بالشريعة لأن القول الثاني إنما يترتب على قول من يقول بأن الطين يرجع بعد التولد والاستحالات الكثيرة نطفة، وذلك مردود عند الأصوليين، واختلف المفسرون في هذين الأجلين، فقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة والضحاك، {أجلاً} أجل الإنسان من لدن ولادته إلى موته، والأجل المسمى عنده من وقت موته إلى حشره، ووصفه بمسمى عنده لأنه استأثر بعلم وقت القيامة، وقال ابن عباس: {أجلاً}، الدنيا، {أجل مسمى} الآخرة، وقال مجاهد: {أجلاً} الآخرة، {وأجل مسمى} ، الدنيا بعكس الذي قبله، وقال ابن عباس أيضاً: {أجلاً} ، وفاة الإنسان بالنوم، {وأجل مسمى} وفاته بالموت وقال ابن زيد، الأجل الأول هو في وقت أخذ الميثاق على بني آدم حين استخرجهم من ظهر آدم، وبقي "أجل" واحد مسمى في هذه الحياة الدنيا، وحكى المهدوي عن فرقة {أجلاً} ، ما عرف الناس من آجال الأهلة والسنين والكوائن، {وأجل مسمى} قيام الساعة، وحكي أيضاً عن فرقة {آجلاً} ما عرفناه من أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، {وأجل مسمى} الآخرة. قال القاضي أبو محمد: رضي الله عنه. وينبغي أن تتأمل لفظة {قضى} في هذا الآية فإنها تحتمل معنيين، فإن جعلت بمعنى قدر وكتب ورجعت إلى سابق علمه وقدره فيقول إن ذلك ولا بد قبل خلقه آدم من طين، وتخرج ثم من معهودها في ترتيب زمني وقوع القصتين ويبقى لها ترتيب زمني الإخبار عنه، كأنه قال: أخبركم أنه خلقكم من طين ثم أخبركم أنه قضى أجلاً، وإن جعلت {قضى} بمعنى أوجد وأظهر ويرجع ذلك إلى صفة فعل فيصح أن يكون خلق آدم من طين قبل إظهار هذا الأجل وإبدائه وتكون ثم على بابها في ترتيب زمني وقوع القضيتين، و {تمترون} معناه تشكون، والمرية الشك، وقوله: {ثم أنتم} على نحو قوله: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} في التوبيخ على سوء الفعل بعد مهلة من وضوح الحجج.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْحَمْدُ لِلَّهِ} خبر بمعنى الأمر، وهو أولى من قوله {احمدوا} لما فيه من تعليم اللفظ، ولأن البرهان يشهد للخبر دون الأمر. {السَّمَاوَاتِ} جمعها تفخيماً لها، لأن الجمع يقتضي التفخيم {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} تفسير : [الحجر: 9] قدّم السموات والظلمات في الذكر لتقدم خلقهما على خلق الأرض والنور. {يَعْدِلُونَ} به الأصنام، أو إلهاً لم يخلق كخلقه.

النسفي

تفسير : مكية وهي مائة وخمس وستون آية كوفي أربع وستون بصرى بسم الله الرحمٰن الرحيم {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } تعليم اللفظ والمعنى مع تعريض الاستغناء أي الحمد له وإن لم تحمدوه {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ } جمع السمٰوات لأنها طباق بعضها فوق بعض. والأرض وإن كانت سبعة عند الجمهور فليس بعضها فوق بعض بل بعضها موال لبعض. «جعل» يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ كقوله {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } وإلى مفعولين إن كان بمعنى «صير» كقوله {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً }تفسير : [الزخرف: 19] وفيه رد قول الثنوية بقدم النور والظلمة، وأفرد النور لإرادة الجنس ولأن ظلمة كل شيء تختلف باختلاف ذلك الشيء، نظيره ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الموضع المظلم يخالف كل واحد منها صاحبها، والنور ضرب واحد لا يختلف كما تختلف الظلمات، وقدم الظلمات لقوله عليه السلام: «حديث : خلق اللّه خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل»تفسير : {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بعد هذا البيان {بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } يساوون به الاوثان، تقول عدلت بذا أي ساويته به، والباء في {بِرَبِّهِمْ } لا للكفر، أو ثم الذين كفروا بربهم يعدلون عنه أي يعرضرن عنه فتكون الباء صلة للكفر وصلة {يَعْدِلُونَ } أي عنه محذوفة، وعطف {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } على {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } على معنى أن الله حقيق بالحمد على ما خلق إلا نعمة، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته، أو على خلق السماوات على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه. ومعنى «ثم» استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته. {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ } «من» لابتداء الغاية أي ابتداء خلق أصلكم يعنى آدم منه {ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلاً } أي حكم أجل الموت {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ } أجل القيامة، أو الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ. أو الأول، والثاني الموت، أو الثاني هو الأول وتقديره: وهو أجل مسمى أي معلوم، و {أَجَلٍ مُّسَمًّى } مبتدأ والخبر {عِندَهُ } وقدم المبتدأ وإن كان نكرة والخبر ظرفاً وحقه التأخير لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } تشكون من المرية أو تجادلون من المراء. ومعنى «ثم» استبعاد أن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم {وَهُوَ ٱللَّهُ } مبتدأ وخبر {ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ } متعلق بمعنى اسم الله كأنه قيل: وهو المعبود فيهما كقوله {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّماء إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ }تفسير : [الزخرف: 84] أو المعروف بالإلهية فيهما، أو هو الذي يقال له الله فيهما، والأول تفريع على أنه مشتق وغيره على أنه غير مشتق {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } خبر بعد خبر أو كلام مبتدأ أي هو يعلم سركم وجهركم {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } من الخير والشر ويثيب عليه ويعاقب، و «من» في {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ } للاستغراق وفي {مِّنْ ءايَـٰتِ رَبِّهِمْ } للتبعيض أي وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } تاركين للنظر لا يلتفتون إليه لقلة خوفهم وتدبرهم في العواقب {فَقَدْ كَذَّبُواْ } مردود على كلام محذوف كأنه قيل: إن كانوا معرضين على الآيات فقد كذبوا {بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ } أي بما هو أعظم آية وأكبرها وهو القرآن الذي تُحدوا به فعجزوا عنه {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَـٰؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } إي أنباء الشيء الذي كانوا به يستهزءون وهو القرآن أي أخباره وأحواله يعني سيعلمون بأي شيء استهزؤوا وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا، أو يوم القيامة، أو عند ظهور الإسلام وعلو كلمته. {أَلَمْ يَرَوْاْ } يعني المكذبين {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } هو مدة انقضاء أهل كل عصر وهو ثمانون سنة أو سبعون {مَّكَّنَّـٰهُمْ } في موضع جر صفة لـ «قرن» وجمع على المعنى {فِي ٱلأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ } التمكين في البلاد إعطاء المكنة والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَاءَ } المطر {عَلَيْهِم مِّدْرَاراً } كثيراً وهو حال من السماء {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَـٰرَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ } من تحت أشجارهم والمعنى عاشوا في الخصب بين الأنهار والثمار وسقيا الغيث المدرار {فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ } ولم يغن ذلك عنهم شيئاً {وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءَاخَرِينَ } بدلاً منهم {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً } مكتوباً {فِي قِرْطَاسٍ } في ورق {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} هو للتأكيد لئلا يقولوا سكرت أبصارنا ومن المحتج عليهم العمى { لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } تعنتاً وعناداً للحق بعد ظهوره {وَقَالُواْ لَوْلآ } هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ } على النبي صلى الله عليه وسلم {مَلَكٌ } يكلمنا أنه نبي فقال الله {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ } لقضي أمر هلاكهم {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين لأنهم إذا شاهدوا ملكاً في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون. ومعنى «ثم» بعدما بين الأمرين قضاء الأمر وعدم الإنظار، جعل عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجأه الشدة أشد من نفس الشدة {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً } ولو جعلنا الرسول ملكاً كما اقترحوا لأنهم كانوا يقولون تارة لولا أنزل على محمد ملك، وتارة يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة {لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } لأرسلناه في صورة رجل كما كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعم الأحوال في صورة دحية، لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة في صورهم {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } ولخلطنا وأشكلنا عليهم من أمره إذا كان سبيله كسبيلك يا محمد، فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة الإنسان هذا إنسان وليس بملك. يقال لبست الأمر على القوم وألبسته إذا أشبهته وأشكلته عليهم. ثم سلى نبيه على ما أصابه من استهزاء قومه بقوله {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } فأحاط بهم الشيء الذي كانوا يستهزئون به وهو الحق حيث أهلكوا من أجل استهزائهم به و «منهم» متعلق بـ «سخروا» كقوله {أية : فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ }تفسير : [التوبة: 79] والضمير للرسل والدال مكسورة عند أبي عمرو وعاصم لا لتقاء الساكنين، وضمها غيرهما إتباعاً لضم التاء {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ } والفرق بين فانظروا وبين {ثُمَّ ٱنْظُرُواْ } إن النظر جعل مسبباً عن السير في «فانظروا» فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين. ومعنى {سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ } إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها وإيجاب النظر في آثار الهالكين على ذلك بـ «ثم» لتباعد ما بين الواجب والمباح {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } «من» استفهام و «ما» معنى الذي في موضع الرفع على الابتداء و «لمن» خبره {قُل لِلَّهِ } تقرير لهم أي هو لله لا خلاف بيني وبينكم، ولا تقدرون أن تضيفوا منه شيئاً إلى غيره {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } أصل كتب أوجب ولكن لا يجوز الإجراء على ظاهره إذ لا يجب على الله شيء للعبد، فالمراد به أنه وعد ذلك وعداً مؤكداً وهو منجزه لا محالة. وذكر النفس للاختصاص ورفع الوسائط، ثم أوعدهم على إغفالهم النظر و إشراكهم به من لا يقدر على خلق شيء بقوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فيجازيكم على إشراككم {لاَ رَيْبَ فِيهِ } في اليوم أو في الجمع {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } نصب على الذم أي أريد الذين خسروا أنفسهم باختيارهم الكفر {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } وقال الأخفش: «الذين» بدل من «كم» في {لَيَجْمَعَنَّكُمْ } أي ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم و الوجه هو الأول لأن سيبويه قال: لا يجوز «مررت بي المسكين ولا بك المسكين» فتجعل «المسكين» بدلاً من الياء أو الكاف لأنهما في غاية الوضوح فلا يحتاجان إلى البدل والتفسير.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض} قال كعب الأحبار: هذه الآية أول آية في التوراة وآخر آية في التوراة قوله تعالى:{أية : وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً}تفسير : [الإِسراء: 111] الآية وفي رواية عنه أن آخر آية في التوراة آخر سورة هود قال ابن عباس: افتتح الله الخلق بالحمد فقال الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وختمه بالحمد فقال تعالى: {أية : وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين}تفسير : [الزمر: 75] وفي قوله: الحمد لله، تعليم لعباده كيف يحمدونه أي: قولوا الحمد لله. وقال أهل المعاني لفظه خبر ومعناه الأمر أي احمدوا الله وإنما جاء على صيغة الخبر وفيه معنى الأمر لأنه أبلغ من البيان من حيث إنه جمع الأمرين ولو قيل احمدوا الله لم يجمع الأمرين فكان قوله الحمد لله أبلغ وقد تقدم معنى الحمد في تفسير سورة فاتحة الكتاب بما فيه مقنع الذي خلق السموات والأرض أي احمدوا الله خلق السموات والأرض وإنما خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد لأن السماء بغير عمد ترونها وفيها العبر والمنافع والأرض مسكن الخلق وفيها أيضاً العبر والمنافع {وجعل الظلمات والنور} الجعل هنا بمعنى الخلق أي وخلق الظلمات والنور. قال السدي: يريد بالظلمات، ظلمات الليل والنهار، وبالنور، نور النهار. وقال الحسن: يعني بالظلمات الكفر وبالنور الإيمان. وقيل: يعني بالظلمات الجهل وبالنور العلم. وقيل: الجنة والنار. وقال قتادة: خلق الله السموات قبل الأرض وخلق الظلمات قبل النور وخلق الجنة قبل النار. روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه ضل"تفسير : ذكره البغوي بغير سند {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} يعني والذين كفروا بعد هذا البيان بربهم يشركون وأصل العدل، مساواة الشيء بالشي. والمعنى: أنهم يعدلون بالله غير الله ويجعلون له عديلاً من خلقه فيعبدون الحجارة مع إقرارهم بأن الله خلق السموات والأرض. وقال النضر بن شميل: الباء في قوله بربهم بمعنى عن أي عن ربهم يعدلون وينحرفون من العدول عن الشيء وقيل دخول ثم في قوله ثم الذين كفروا بربهم يعدلون دليل على معنى لطيف وهو أنه تعالى دل به على إنكاره على الكفار العدل به وعلى تعجيب المؤمنين من ذلك ومثال ذلك: أن تقول لرجل أكرمتك وأحسنت إليك وأنت تنكرني وتجحد إحساني إليك فتقول ذلك منكراً عليه ومتعجباً من فعله.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {وأنشأنا} بغير همز حيث كان: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف. {ولقد استهزىء} وبابه بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم، وقرأ يزيد والشموني وحمزة في الوقف بغير همز الباقون بغير همز مطلقاً {فحاق} بالإمالة حيث كان حمزة. الوقوف: {والنور} ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار {يعدلون} ه {أجلاً} ط {تمترون} ه {وفي الأرض} ج وقيل: لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض. {تكسبون} ه {معرضين} ه {لما جاءهم} ط للابتداء بالتهديد {يستهزؤن} ه {مدراراً} ص لعطف المتفقين {آخرين} ه {سحر مبين} ه {عليه ملك} ط {لا ينظرون} ه {يلبسون} ه {يستهزؤن} ه {المكذبين} ه. التفسير: عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"حديث : نزلت الأنعام جملة واحدة وتنزلت، معها من الملائكة سبعون ألف ملك فملؤا ما بين الأخشبين"تفسير : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتبوها من ليلتهم سوى آيات معدودات. وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لقد بعث إليّ بها جبريل مع خمسين ملكاً أو خمسين ألف ملك تحفها حتى أقروها في صدري كما يقرّ الماء في الحوض ولقد أعزني الله تعالى وإياكم بها عزاً لا يذلنا بعدها أبداً فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لا يخلفه"تفسير : ولاشتمال هذه السورة على دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد ولنزولها جملة ذهب علماء الكلام إلى أن علم الأصول مع جلالة قدره يجب تعلمه على الفور لا على التراخي بخلاف الأحكام فإنها نزلت كفاء المصالح وبحسب الحوادث والنوازل. وأعلم أن قوله {الحمد لله} مذكور في أوائل سور خمس واختص كل منها بصفة، لكن أعمها صدر فاتحة الكتاب {أية : الحمد لله رب العالمين} تفسير : [الفاتحة:1] فإن العالم كل موجود سوى الله سبحانه فكان سائر السور تفاصيل لهذه الجملة. أثنى الله سبحانه على نفسه بقوله {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض} والثناء على النفس قبيح في الشاهد ففيه دليل على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق، فكما أنه واحد في ذاته فهو واحد في صفاته وأفعاله لا اعتراض لأحد عليه. والتحقيق فيه أن استحقاق المدح بحسب الفضيلة والكمال ولا يوجد في الممكن صفة كمال إلا وهي مشوبة بالنقص والاختلال أدناه الأفول في أفق الإمكان بخلاف واجب الوجود فإنه لا غاية لكماله ولا نهاية لعظمته وجلاله. فلا ينبغي أن يمدح إلا هو، ولا أن يثنى إلا عليه، ولا أن يشكر ويحمد إلا له. ثم الأوصاف الجارية عليه سبحانه إنما تذكر زيادة في المدح لا لأجل التوضيح والكشف. شعر : أساميا لم تزده معرفة وإنما لذة ذكرناها تفسير : وقد تقدم في الأسماء أن معنى الخلق راجع إلى التقدير والتقدير عائد إلى العلم، فالمراد أنه أوجد السموات والأرض على حسب علمه الأزلي. قال بعض العلماء: السماء كالدائرة والأرض كالمركز، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها فلهذا ذكر السماء قبل الأرض مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء. وجمع السموات حقيقة وكذا إفراد الأرض، وقد تجمع الأرض باعتبار الطبقات وسوف يجيء تقرير ذلك في قوله {أية : ومن الأرض مثلهن} تفسير : [الطلاق: 12] والمقصود من هذا الوصف إلزام المشركين، وأن تخصيص حجم الفلك بمقدار معين وتخصيص كل من أجزائه بحيز معين وتخصيص الفلك بالحركة والأرض بالسكون مع اشتراكهما في الطبيعة الجسمية، وتخصيص كل حركة بحد معين من السرعة والبطء وبجهة معينة دلائل ظاهرة على وجود فاعل مختار واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله. وأيضاً إن لحركة كل فلك أوّلاً لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة فتقتضي المسبوقية بالغير، وعدم الأولية ينافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال. وإذا ثبت أن لكل حركة أوّلاً فاختصاص ابتداء حدوثه بوقت معين يدل على الفاعل المختار وكذا اتصاف بعض الأجسام بالفلكية وبعضها بالعنصرية مع تساوي الكل في تمام الماهية. وأيضاً إن خارج العالم الجسماني خلاء لا نهاية له كما ثبت في الكلام، فحصول هذا العالم في حيزه الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر ممكن يحتاج إلى مرجح قادر مختار حكيم يفعل ما يشاء كما يشاء. هذا إذا نظرنا في ذوات هذه الأجرام، أما إن اعتبرنا منافعها وكيفية تأثير الأثيريات وهي - الآباء - في العنصريات - وهي الأمهات - لتحصيل المواليد الثلاثة: المعادن والنباتات والحيوانات، ارتقينا من ذلك أيضاً إلى وجود صانع قدير وحكيم خبير رتبته أعلى وأجل من رتب الممكنات. أما قوله {وجعل الظلمات والنور} فمعناه أحدث وأنشأ، ولهذا اقتصر على مفعول واحد، ولو كان بمعنى "صير" اقتضى مفعولين. وإنما لم يقل "وخلق" لأنه أراد التضمين أعني إنشاء شيء من شيء كقوله {أية : وخلق منها زوجها} تفسير : [النساء: 1] فالنور والظلمة لما تعاقبا صار كأن كل واحد منهما تولد من الآخر. وقيل: لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار، ولهذا جمع الظلمات إذ لكل حرم ظل والظل ظلمة. ووحد النور لأن النار واحد وهو منها، والظلمة والنور ههنا هما الأمران المحسوسان بالبصر، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة والقرينة ذكر السموات والأرض. وعن ابن عباس أن الظلمة ظلمة الشرك والنفاق، والنور نور الإسلام واليقين، وعلى الأوّل فإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل التناقص قليلاً وتلك المراتب كثيرة، أو لأنه قصد بالنور الجنس. وعلى الثاني فذلك لأن الحق واحد والباطل أكثر من أن يحصى. وإنما قدمت الظلمة على النور لأن عدم المحدثات سابق على وجودها، والظلمة عدمية عند من يجعلها عدم النور أو شبيهة بالعدم عند من يجعلها هيئة مضادة للنور. وقد ورد في الأخبار أن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.وقوله: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} معطوف على قوله: {الحمد لله} والمعنى أنه حقيق بالحمد على ما خلق ثم الذين كفروا يعدلون عن طريق الإنصاف فيكفرون بربهم، أو على {خلق السموات} معناه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون أي يسوّون به ما لا يقدر على شيء من ذلك. فعلى المعنى الأول يعدلون من العدول، وعلى الثاني هو من العدل. ومعنى "ثم" ههنا وفي قوله {ثم أنتم تمترون} تراخي الرتبة واستبعاد مضموني الجملتين أحدهما عن الآخر. ثم ذكر دليلاً آخر على إثبات الصانع وعلى صحة المعاد الجسماني فقال {هو الذي خلقكم من طين} أي من آدم لأنه مخلوق من الطين، أو خلقكم من النطفة المتولدة من الأغذية المنتهية إلى العناصر، ولا ريب أن خلق الأغذية المتنوعة من العناصر المتشابهة الأجزاء، ثم توليد النطفة المتشابهة الأجزاء من تلك الأغذية المختلفة، ثم تخليق الأعضاء المختلفة في الصفة والصور واللون والشكل كالقلب والدماغ والكبد والعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها من المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم. ثم إن تلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها وذلك يدل على صحة القول بالمعاد. أما قوله {ثم قضى أجلاً} فاعلم أن لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} تفسير : [الإسراء: 23] وبمعنى الخبر والإعلام {أية : وقضينا إلى بني إسرائيل} تفسير : [الإسراء: 4] وبمعنى صفة الفعل إذا تم {أية : فقضاهن سبع سموات} تفسير : [فصلت: 12] ومنه قولك: قضى فلان حاجة فلان. والأنسب ههنا هو الأول. والأجل في اللغة بمعنى الوقت المضروب لانقضاء الأمد. وأصله من التأخير ومنه الآجل نقيض العاجل. ثم إن صريح الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان. فقال أبو مسلم: الأول آجال الماضين لأنهم لما ماتوا صارت آجالهم معلومة، والثاني آجال الباقين لأنها غير معلومة بعد وإنما هي مسماة عند الله تعالى. وقيل: الأول أجل الموت، والثاني أجل القيامة لأنه لا آخر له ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله تعالى. وقيل: الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ. وقيل: الأول النوم، والثاني الموت. وقيل: الأول مقدار ما انقضى من عمل كل أحد، والثاني ما بقي من عمره. وقال حكماء الإسلام: الأول الأجل الطبيعي الذي يمكن بالنسبة إلى المزاج الأول لكل شخص لو بقي مصوناً عن الآفات الخارجية، والثاني الأجل الاخترامي الذي يحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالغرق والحرق والقتل واللدغ وغيرها من الأمور المنفصلة. ومعنى {مسمى} أي مذكور اسمه في اللوح المحفوظ. ومعنى {عنده} أي في حكمه وعلمه كما تقول: هذه المسألة عند الشافعي كذا وعند أبي حنيفة كذا. وارتفع {أجل} بالابتداء وجاز ذلك مع تنكيره لمكان وصفه فقارب المعرفة. وإنما لم يقل "وعنده أجل مسمى" تعظيماً لشأن هذا الأجل فكأنه قيل: وأي أجل مسمى عنده؟ والمرية والامتراء الشك. ومعنى "ثم" تبعيد الامتراء عن مثل هذه الحجة الباهرة الموجبة للتيقن في أمر المبدأ والمعاد، ثم قرر أنه سبحانه عالم بجميع المعلومات ردّاً على من زعم أنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو فقال {وهو الله في السموات وفي الأرض} وزعمت المجسمة بهذا وبنحو قوله {أية : أم أمنتم من في السماء} تفسير : [الملك: 17] أنه سبحانه مستقر في السماء قالوا: ويؤكده وقف بعض القراء على السموات والابتداء بقوله {وفي الأرض يعلم سركم} أي يعلم سرائركم الموجودة في الأرض. ولو سلم أن لا وقف فالإجماع حاصل على أنه ليس موجوداً في الأرض، ولا يلزم من ترك العلم بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من دليل. ونوقض بأنه تعالى قال في مواضع {أية : لله ما في السموات} تفسير : [البقرة: 284] فلو كان هو في السماء لزم أن يكون مالكاً لنفسه، ولا يخفى ضعف هذا النقض لأنه مخصوص بالقرينة كقوله {أية : إن الله على كل شيء قدير} تفسير : [البقرة: 20] وبأنه إما أن يراد كونه في سماء واحدة وهو ترك الظاهر، أو في جميع السموات وهو يقتضي كونه ذا أجزاء أو حصول المتحيز الواحد في مكانين وكلاهما محال. والحق أنه لا يلزم من استصحاب المكان الافتقار إليه ولا التجسيم والتجزئة وهو دقيق يفهمه من وفق له، وبأنه لو كان موجوداً في السموات لكان محدوداً متناهياً فيكون قابلاً للزيادة والنقصان، فيكون اختصاصه بمقدار معين لمخصص فيكون محدثاً. ويرد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون في السموات وفوقها إلى ما لا يتناهى لا سيما عند من يقول إن وراء هذا العالم خلاء غير متناه، وبأنه لو كان في السموات فإن لم يقدر عل عالم آخر فوقها لزم تعجيزه، وإن قدر فلو فعل لحصل تحت ذلك العالم والقوم ينكرون كونه تحت العالم، والاعتراض أنه لا يلزم من القدرة الإيجاد، وقال غير المجسمة: المراد وهو الله في تدبير السموات والأرض كما يقال: فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاحه. وعلى هذا يكون {في السموات} خبراً بعد خبر، ويوقف على اسم الله ثم يبتدأ بما بعد ذلك ويكون المعنى أنه يعلم في السموات والأرض سرائر الملائكة والإنس والجن، أو المراد وهو المعبود فيهما، أو المعروف بالإلهية أو المتوحد بها، أو هو الذي يقال له الله فيهما لا شريك له في هذا الإسم. والسر من صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف، والجهر من أعمال الجوارح، ولأن الأول مقدم على الثاني طبعاً فلا جرم قدم عليه وضعاً. والجملة أعني قوله {يعلم سركم وجهركم} مقررة لما قبلها أو خبر ثالث أو كلام مبتدأ. {ويعلم ما تكسبون} الكسب أخص من الأعمال السرية والجهرية لأنه الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو اندفاع ضر ولهذا لا يوصف فعل الله تعالى بأنه كسب. وإفراد الأخص بالذكر بعد الأعم للتقرير والتأكيد، أو لكونه أهم حسن لا يلزم منه عطف الشيء على نفسه. والمراد أنه عالم بما يستحقه الإنسان على أفعاله من ثواب أو عقاب. ثم لما فرغ من دلائل التوحيد والمعاد شرع في النبوات فرتب أحوال الكفار مع الأنبياء في ثلاث مراتب: الأولى كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل وذلك قوله {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} "من" الأولى للاستغراق والثانية للتبعيض. والمراد وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا وهم على حالة الإعراض لقلة تدبرهم وفرط غفلتهم. الثانية: كونهم مكذبين وهذه شر مما قبلها لأن الإعراض قد يكون للغفلة لا للتكذيب وإذا كذب فقد أعرض وزاد. قال علماء المعاني: ههنا حذف كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وهو الحق. قال أنس: هو انشقاق القمر بمكة انفلق فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة. وقيل: هو القرآن الذي تحدّوا به فعجزوا عنه. وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل شرعه. وقيل: وعده ووعيده وتبشيره وإنذاره. والأولى الحمل على الكل. المرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين لأن التكذيب إذا انضم معه الاستهزاء كان غاية في الغواية وذلك قوله {فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا} أي أخبار الشيء الذي كانوا {به يستهزؤن} وهو القرآن وغيره من المعجزات. وليس المراد نفس الأنباء بل العذاب الذي أنبأ الله تعالى به كقوله {أية : ولتعلمن نبأه بعد حين} تفسير : [ص: 88] والحكيم إذا توعد فربما قال: ستعرف نبأ هذا إذا نزل بك ما تحذره. وذلك أن الغرض من الخبر حصول العلم بالمخبر عنه وذلك إنما يتحقق بعد المعاينة. ومعنى الآية سيعلمون بأي شيء استهزؤا وأنه لم يكن موضع استهزاء وذلك عند نزول العقاب بهم في الدنيا كيوم بدر وغيره أو في الآخرة. ثم لما زجرهم عن الإعراض والتكذيب والاستهزاء وأوعدهم على ذلك عاد إلى الموعظة والنصيحة بتذكير أحوال الأمم الماضية والقرون الخالية. والقرن القوم المقترنون في زمان من الدهر المفترقون بعد ذلك بالموت وذلك الزمان في الأغلب ستون سنة. وقيل: سبعون. وقيل: ثمانون. والأقرب أنه غير مقدر بزمان لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، ولكنه إذا انقضى الأكثر من أهل كل عصر فقد انقضى القرن. وليس المراد أن يصدّق الكفار محمداً في هذه الأخبار لانهم بصدد التكذيب فسيكذبونه فيها أيضاً، وإنما المراد أن ما يختص بالمتقدمين منهم مشهور بين الناس فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا تلك الحكايات ومجرّد سماعها يكفي في الاعتبار. ثم وصف تلك القرون بثلاثة أوصاف: الأول: تمكينهم في الأرض. مكن له في الأرض جعل له مكاناً، ومكنه فيها أثبته، وهما متقاربان ولهذا جمع بينهما في الآية. والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما آتينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال وأسباب الدنيا. الثاني: إرسال السماء عليهم مدراراً يعني الغيث أو السحاب أو الخضراء، لأن المطر ينزل من ذلك الصوب والمدرار كثير الدرّدرّ اللين إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير. ومدراراً نعت المطر ويقال أيضاً سحاب مدراراً إذا تتابع أمطاره. ومفعال من أبنية المبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث. الثالث {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي من تحت أمكنتهم والمراد أنهم أصحاب البساتين والقصور والمنتزهات. فإن قيل: الهلاك غير مختص بهم وإنما يجري ذلك على الأنبياء والمؤمنين أيضاً، قلنا: لدفع هذا الإشكال كرر فقال {فأهلكناهم بذنوبهم} فإن الإهلاك بسبب المعاصي والآثام لا يكون إلا بالعذاب والإيلام. ثم نبه بقوله {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} على كمال عزته واستغنائه ونهاية قدرته واستعلائه كقوله {أية : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} تفسير : [فاطر: 16] فالبلاد بلاده والعباد عباده بيده التخريب والتعمير وإليه الإعدام والإيجاد. ثم ان الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف متعددة. منهم من بالغ في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها على وفق هواه ومناه لا على قانون الخير والعدل فمنعه ذلك عن التزام التكاليف وهو المذكور في الآية، وفيه أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باقٍ، وليس من العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات الفانية. ومنهم من حملته العصبية والعناد على تكذيب معجزات الأنبياء وجعلها من قبيل السخر الذي لا أصل له وهم الذين عنوا بقوله {ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس} والمعنى أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه عياناً لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر. وههنا سؤال وهو أن نزول الكتاب من السماء جملة إن لم يكن باب المعجزات لم يكن إنكاره منكراً، وإن كان من قبيل الإعجاز فالملك يقدر على إنزاله من السماء وقبل الإيمان بصدق الرسل لم تكن عصمة الملائكة معلومة، وحينئذ يجوز أن يكون نزول ذلك من قبل بعض الجن والشياطين، أو من بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم فلا يكون دليلاً على الصدق. وأجيب بأن المقصود من الآية ليس بيان الإعجاز، ولكن المراد أنهم إذا لمسوه بأيديهم يقوى الإدراك البصري بالإدراك اللمسي وبلغ الغاية في القوة والظهور. ثم إن هؤلاء يبقون شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود أم لا، وذلك يدل على أنهم بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة. قال القاضي: في الآية دليل على وجوب اللطف لأنه بيَّن أنه إنما لم ينزل هذا الكتاب من حيث إنه لو أنزله لقالوا هذا القول فيفهم منه أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة، وزيف بأن المفهوم ليس بحجة، ولو سلم فوقوع اللطف لا يدل على وجوبه. ومن الكفرة من قابل النبوات بإيراد الشبهات والاقتراحات. قال الكلبي: إن مشركي مكة قالوا: يا محمد والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله وذلك قوله {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} فأجاب الله تعالى عن مقترحهم بقوله {ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون} ومعنى القضاء الإتمام والإلزام كما مر. وتقرير الجواب أن إنزال الملك على البشر آية باهرة وحينئذ ربما لم يؤمنوا فيجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال، أو لعلهم إذا شاهدوا الملك زهقت أرواحهم. ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى جبرائيل على صورته الأصلية غشي عليه؟ وأن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشرة كأضياف إبراهيم ولوط، وكالذين تسوّروا المحراب، وأن جبرائيل تمثل لمريم بشراً سوياً؟ وفائدة ثمَّ أن عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجاة الشدة أفظع من نفس الشدة. ثم إنهم كانوا يطعنون في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى وهي أنه بشر مثلهم ويقولون: {أية : لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً}تفسير : [الفرقان: 7] وتقرير الشبهة أن الرسل إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر وقدرتهم أشد ومهابتهم أعظم وامتيازهم عن الخلق أكمل والاشتباه في نبوتهم ورسالتهم أقل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم اختار ما هو أسرع إفضاء إلى المطلوب، فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله {ولو جعلناه} أي الرسول {ملكاً لجعلناه رجلاً} لأن إنزال الملك آية ظاهرة جارية مجرى الإلجاء وإزالة الاختيار وذلك منافٍ لغرض التكليف، ولأن الجنس إلى الجنس أميل، ولأن البشر لا يطيق رؤية الملك، ولأن طاعات الملك كثيرة فيحقرون طاعات البشر ويستعظمون إقدامهم على المعاصي فلا يصبرون معهم، ولأن إنزال الملك يقوي الشبهة من وجه آخر وذلك أن أيّ معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة لفعلنا مثل ما فعلت. ثم قال {وللبسنا عليهم ما يلبسون} لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً ومنه لبس الثوب لأنه يفيد الستر. والمعنى إذا جعلنا الملك في صورة البشر كان فعلنا نظيراً لفعلهم في التلبيس، وإنما كان ذلك لبساً لأن الناس يظنونه ملكاً مع أنه ليس بملك، أو يظنونه بشراً مع أنه ليس ببشر وإنما كان فعلهم لبساً لأنهم يخلطون على أنفسهم ويقولون إن البشر لا يصلح للرسالة فلا ينقطع السؤال أبداً ويبقى الأمر في حيز الاشتباه. وعلى هذا التفسير يكون قوله {ما يلبسون} مفعولاً مطلقاً. ويجوز أن يراد ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فيكون مفعولاً به يعني أن القوم إذا رأوا الملك في صورة الإنسان اشتبه الأمر عليهم، وإذا كنا قد فعلنا ذلك كان اللبس منسوباً إلينا. ثم إنه سبحانه وتعالى سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقى من قومه بقوله {ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق} أي نزل. وقال الفراء: عاد عليهم والتركيب يدور على الإحاطة ومنه الحوق بالضم ما استدار بالكمرة {ما كانوا} أي الشيء الذي كانوا يستهزؤن به وهو الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أسند الحق إليه حيث أهلكوا لأجل الاستهزاء به. ويحتمل أن يراد بلفظة "ما" العذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله وهم يستهزؤن بذلك، ثم أمر رسوله بأن يقول لهم: لا تغتروا بما وجدتم من زخارف الدنيا وسيروا في الأرض لتشاهدوا آثار الأمم السالفة الذين كذبوا رسلهم ونزل بهم ما نزل فإن الأسفار تورث الاعتبار وتفيد الاستبصار. واعلم أنه سبحانه قال ههنا {ثم انظروا} وفي موضع آخر {أية : فانظروا} تفسير : [آل عمران: 137] فالفاء لمجرد اعتبار ترتيب النظر على السير. وثم لتباعد ما بين المباح والواجب فإن السير مباح والنظر واجب. وأيضاً شتان بين السير الصوري بقدم الأشباح وبين السير المعنوي بقدم الأرواح والله أعلم. التأويل: حمد نفسه القديم الأزلي بكلامه القديم الأزلي على أن خلق سموات القلوب وأرض النفوس وجعل الظلمات. أي الصفات البهيمية والسبعية في النفوس والنور في القلوب وهو صفاتها الملكية والروحانية، فخص الجعل بالمعاني التي هي من عالم الأمر والخلق بالأعيان لأنها من عالم الصورة، ولهذا لما ذكر صورة آدم قال {أية : إني خالق بشراً من طين} تفسير : [ص: 71] وحيث أراد معناه قال {أية : إني جاعل في الأرض خليفة} تفسير : [البقرة: 30] ثم بعد هذا الجعل والخلق مال نفوس الكفار بغلبات الظلمات إلى طاغوت الهوى فجعلوه عديلاً لربهم {ثم قضى أجلاً} للروح المفارق عن حضرته لأيام فراقه {وأجل مسمى عنده} وهو أجل الوصال بعد الفراق بجذبة {أية : ارجعي إلى ربك} تفسير : [الفجر: 28] {ثم أنتم تمترون} يا أهل الوصال كما يمتري أهل الفراق وهذا محال {وهو الله} في سموات القلوب وفي أرض النفوس يعلم سر الخلافة الذي أودع فيكم {وجهركم} الذي يظهر عنكم {ويعلم ما تكسبون} باستعمال الاستعداد السري والجهري في المأمورات والمنهيات في الخير أو الشر {من آية من آيات ربهم} في الآفاق وفي أنفسهم مكناهم في طلب الحق من قهر النفس وأسباب الخيرات والطاعات. وأرسلنا مطر الواردات من سماء القلوب عليهم مدراراً متوالياً، وجعلنا أنهار الحكمة تجري من تحت نظرهم فأهلكنا مع هذه المقدمات أرواحهم بسموم ذنوب طلب الدنيا مالها وجاهها {وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين} من الطلاب الصادقين التائبين المستقيمين {لجعلناه رجلاً} ليفهموا خطابه ويكون واقفاً على الأحوال البشرية فيعالجهم بما يرى فيه صلاح حالهم كما قال {أية : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} تفسير : [إبراهيم: 4] قل سيروا في أرض النفوس بقدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب فتشاهدوا بأنوار الله المودعة فيها عاقبة من هلكوا في بوادي القطيعة إذ ساروا بقدم الطبيعة.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالَىٰ: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ}. قال علي بن عبد الرحمن اليفرني في شرحه لـ «البرهانية»: قال الإمام الفَخْرُ: لفظ الحمد مُعَرَّفاً لا يُقَالُ إلا في حَقِّ اللَّه عز وجل؛ لأنه يدلُّ على التعظيم، ولا يجوز أن يقال: الحمد لِزَيْدٍ. قاله سيبويه. وذكر ابن العَرَبِيِّ في «القانون» عن أنس؛ أن النبيِ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدَ، وأَبْلَغُ الحَمْدِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».تفسير : قال ابن العربي: وفي بعض الآثار: «حديث : ما من نِعْمَةٍ عَظْمَتْ إلا والحمد للَّه أعْظَمُ منها»تفسير : . انتهى. قال * ع *: و {جَعَلَ} هاهنا بمعنى: «خلق»، ولا يجوز غَيْرُ ذلك. قال قتادة، والسُّدِّيُّ؛ وجمهور من المفسرين: الظلمات الليل، والنور النهار. وقالت فرقة: الظُّلمات الكُفْرُ، والنور الإيمان. قال * ع *: وهذا على جهة التَّشْبِيهِ صحيح، وعلى ما يفهمه عُبَّادُ الأوثان غير جيد؛ لأنه إخراج لَفْظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى بَاطِنٍ لغير ضَرُورَةٍ، وهذا هو طريق اللُّغْزِ الذي بَرِىءَ القُرْآنُ منه، والنور أيضاً هنا لِلْجِنْسِ. وقوله تعالى: {ثُمَّ} دالة على قُبْحِ فعل الذين كَفَرُوا؛ لأن المعنى: أن خلقه السَّمَوَاتِ والأَرْض، وغيرها الموجبة لحمده، وتوحيده قد تقرر، وآياته قد سَطَعَتْ، وإنعامه بِذَلِكَ على العباد قد تَبَيَّنَ، فكان الواجب عليهم إخْلاَصَ التوحيد له، ثم هم بعد هذا كله بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ؛ أي: يُسَوّون، ويمثلون، وعدل الشيء قرينه ومَثِيلُهُ. و {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في هذا المَوْضِعِ كل من عَبَدَ شَيْئاً سوى اللَّه إلا أن السَّابِقَ من حال النبي صلى الله عليه وسلم أن الإشَارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثان من العرب؛ لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضاً يشير إلى المَانَوِيَّةِ العابدين للنور، القائلين: إن الخَيْرَ من فِعْلِ النور، والشر من فِعْلِ الظلام. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ} فالمعنى: خَلَقَ آدم من طِينٍ. وقوله سبحانه: {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} اختلف في هذين الأَجَلَيْنِ، فقال الحسن بن أبي الحَسَنِ وغيره: {أَجَلاً} أَجَلُ الإنسان من لَدُنْ وِلاَدَتِهِ إلى موته، والأجل المسمى عنده من وَقْت موته إلى حَشْره، ووصفه بـ {مُّسمًّى عِندَهُ}؛ لأنه استأثر ـــ سبحانه ـــ بعِلْمِ وَقْتِ القيامة. وقال ابن عباس: {أَجَلاً} الدنيا، {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} الآخرة. وقيل غير هذا. {وتمْتَرُونَ} معناه: تشكون.

ابن عادل

تفسير : قَالَ كَعْبُ الأحْبارِ - رضي الله عنه -: هذه الآيةُ [الكريمة] أوَّلُ آية في التوراة، وآخرُ آية في التوراة قوله تعالى: { أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ }تفسير : [الإسراء: 111] الآية الكريمة. قال ابنُ عَبَّاس - رضي الله عنهما -: فَتَحَ اللَّهُ بالحَمْدِ، فقال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}، وخَتَمَهُمْ بالحَمْدِ، فقال: "وقَضَى بَيْنهُمْ بالحقِّ"، وقيل:{أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الزمر:75]. فقوله: "الحمدُ لِلَّهِ" فحمدَ اللَّهُ نَفْسَهُ تعليماً لعباده، أي: احمدوا اللَّهَ الذي خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ خصهما بالذِّكر؛ لأنَّهما أعْظَمُ المَخْلُوقََات فيما يرى العِبَادُ، وفيهما العبرةُ والمنافعُ للعباد. واعلم أنَّ المَدْحَ أعَمُّ من الحَمْدِ، والحَمْدُ أعَمُّ من الشكرِ؛ لأنَّ المْدْحَ يَحْصُلُ للعاقلِ وغيرِ العاقلِ، فكما يُمْدَحُ الرَّجُلُ العاقلُ بفضله، كذلِك يُمْدَحُ اللُّؤلُؤُ لحُسْنِ شَكْلِهِ، ولَطَافَةِ خِلْقَتِهِ، ويُمْدَحُ اليَاقُوتُ لِصَفَائهِ وصَقَالتِهِ. وأمَّا الحمْدُ فلا يحصلُ إلاَّ للفاعل المُخْتَارِ على ما يَصْدُرُ عنه من الإنعام، وإنَّما كونُ الحَمْدِ أعم من الشُّكْر؛ فلأنَّ الحَمْد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام، سواء كان ذلك الإنعام واصلاً إليك أو إلى غيرك. وأمَّا الشُّكْرُ فهو عِبَارةٌ عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليكَ، وإذا عُرِفَ ذلك، فإنَّمَا لَمْ يَقُلْ: المَدْحُ لله تبارك وتعالى لأنَّا بَيَّنَّا أنَّ المَدحَ كما يَحْصُلُ للفاعل المختار، فقد يَحْصُلُ لغيره. وأمَّا الحَمْدُ فلا يَحْصُلُ إلا للفاعل المختار، وإنَّما لم يَقُلْ: "الشُّكر لِلَّهِ" لِمَا بَيَّنَّا أنَّ الشُّكْرَ عبارة عن تعظيم بسبب إنعام صدر منه، فيكون المطلوب الأصلي، وقبول النعمة إليه، وهذه دَرَجَةٌ حقيرةٌ. وقوله: "الحَمْدُ لِلَّهِ" يَدُلُّ على أنَّ العَبْدَ حَمَدَهُ لأجل كونه مستحقاً للحمدِ، لا لخصوص كونه - تعالى - أوْصَلَ النِّعْمَةَ إليه فَيَكُونُ الإخلاصُ. فصل في بيان لفظ الحمد قوله: "الحَمْدُ" لفظٌ مفردٌ محلًّى بالألف واللام، فيفيد أنَّ هذه الماهية للهِ، وذلك يَمْنَعُ من ثبوت الحَمْدِ لغير اللهِ، وهذا يقتضي أنَّ جميع أقْسَامِ الحَمْدِ والثناء والتعظيم ليس إلاَّ للَّهِ تبارك وتعالى، فإن قيل: إنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجب مِثلَ شُكْرِ الأسْتَاذِ على تعليمه، وشُكرِ السلطانِ على عَدْلِه، وشكر المُحْسِن على إحسانه، قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : مَنْ لم يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ"تفسير : فالجوابُ أنَّ المَحْمُودَ والمَشْكُورَ في الحقيقة هو اللَّهُ تعالى؛ لأنَّ صدور الإحسان من [قلب] العَبْدِ يتوقف على حُصُول داعية الإحسان في قلب العبد، وحصول تلك الدَّاعية في القلب ليس من العَبْدِ، وإلاَّ لافْتَقَرَ في حصولها إلى داعيةٍ أخْرَى، ولَزِمَ التَّسلسُلُ، بل حصولها ليس إلاَّ من اللَّهِ تعالى، فتلك الدَّاعِيةُ عند حصولها يجب الفعلِ، وعند زوالها يَمْتَنِعُ الفِعْلُ فيكون المحسنُ في الحقيقة لَيْسَ إلاَّ اللَّه تبارك وتعالى، فيكون المُسْتَحِقُّ لكُلِّ حَمْدٍ في الحقيقةِ هو اللَّه تعالى. وأيضاً فإنَّ إحْسَانَ العَبْدِ إلى الغَيْرِ لا يَكْمُلُ إلاَّ بواسطة إحْسَانِ اللهِ تعالى؛ لأنَّه لولا أنَّ اللَّهَ - تعالى - خَلَقَ أنواع النِّعَمِ، وإلاَّ لم يقدر الإنسانُ على إيصالِ تلك الحِنْطَةِ والفواكه إلى الغَيْرِ، فظهر أنَّه لا محسن في الحقيقة إلاَّ اللَّهُ تعالى، ولا مُسْتَحِقَّ للحمد في الحقيقة إلا الله، فلهذا قال: "الحمد لله". فصل في بيان قوله: "الحمد لله" بالألف واللام وإنَّما قال: "الحَمْدُ للَّهِ" ولم يقل: أحْمَدُ اللَّهَ؛ لأنَّ الحَمْدَ صفةُ القلب، فرُبَّمَا احْتَاجَ الإنسان إلى أن يذكر هذه اللَّفْظَة حال كونه غافلاً عند اسْتِحْضَارِ معنى الحَمْدِ، فلو قال وقت غَفْلَتِهِ: أحْمَدُ الله [تبارك وتعالى] كان كَاذِباً، واسْتَحقَّ عليه الذَّنْب والعِقَاب حيثُ أخبر عن وجود شيءٍ لم يُوجَدْ، فإذا قال: الحَمْدُ لله، فمعناه أنَّ ماهيَّةَ الحَمْدِ مُسْتَحِقَّةٌ لِلَّهِ عزَّ وجلَّ، وهذا حقٌّ وصدقٌ، سواء كان معنى الحَمْدِ حَاضراً في قَلْبِهِ، أو لم يَكُنْ، وكان الكلام عِبَادَةً شَرِيفةً وطاعةً، وظَهرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعلمُ. فصل هذه الكلمة مذكورة في أوائل خَمْسَةٍ، أوَّلهَا سورةُ "الفاتحة"{أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِين} تفسير : [الفاتحة:2]. وثانيها: هذه السورة {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ } [الأنعام: 1] والأول أعَمُّ، لأنَّ العالمَ عبارةٌ عن كل موجود سوى اللَّه تعالى. وقوله:{ٱلْحَمْدُُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} لا يَدْخُلُ فيه إلاَّ خَلْقُ السماوات والأرض، والظُّلُمَات والنور، ولا يدخل فيه سَائِرُ الكائنات، فكان هذا بَعْض الأقسام الداخلة تحت التَّحْمِيدِ المذكور في سورة "الفاتحة". وثالثها: سورةُ الكَهْفِ: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [الكهف:1]. وهذا أيضاً تحميدٌ مخصوصٌ بنوع خاصٍ من النعمة وهي نعمة العلم والمعرفَةِ والهِدايَةِ والقرآن، وبالجملة النعمُ الحاصلةٌ بِسَبَب بَعْثَةِ الرُّسُلِ عليهم الصلاة والسلام. ورابعها: سورة "سبأ":{أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الآية:1]. وهذا أيضاً تحميدٌ على كَوْنِهِ مَالِكاً لِكُلِّ ما في السَّمواتِ والأرضِ، وهو قِسْمٌ من الأقسام الدَّاخِلَةِ في قوله:{أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الفاتحة:2]. وخامسها: سورةُ "فاطر"{أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الآية: 1]. وهو أيضاً قِسْمٌ من الأقسام الدَّاخِلَةِ تحتَ قوله تبارك وتعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الفاتحة:2]. فإن قيل: ما الفرقُ بين الخالق وبين الفاطرِ والرَّبِّ؟ وأيضاً لم قال هَاهُنا: "خَلَق السَّمواتِ والأرْضَ" بصيغة فعل الماضي، وقال في سورة "فاطر": "الحَمْدُ للَّهِ فاطر السَّمواتِ" بصيغة اسم الفاعل؟. فالجواب عن الأول، أنَّ الخَلْقَ عبارة عن التَّقديرِ، وهو في حقِّ الله - تعالى - عبارةٌ عن علمه النَّافِذِ في جميع الكُلِّيات والجزئيات، وأمَّا كونُه فاطراً فهو عبارةٌ عن الإيجاد والإبداع، فكونه تعالى خالقاً إشارة إلى صفة العلم، وكونه فاطراً إشارة إلى صفة القدرة، وكونه تعالى رَبًّا ومُرَبياً مُشْتَمِلاً على الأمْرَيْنِ فكان ذلك أكمل. وأمَّا الجَوابُ عن الثَّاني، فالحق أن الخَلْقَ عبارة عن التَّقدير، وهو في حقِّ الله - تعالى - عبارةٌ عن علمه بالمَعْلُومَاتِ، والعلم بالشيء يصحُّ تقدُّمُهُ على وجود المَعْلُومِ؛ لأنه لا يمكن أن يعلم الشيء قَبَلَ وجوده، وأمَّا إيجادُ الشيء، فإنَّه لا يَحْصُل إلاَّ حالَ وجوده. فصل في قوله: "الحمد لله" قوله: "الحَمْدُ للَّهِ" فيه قولان: الأول: المرادُ احْمَدُوا اللَّهَ، وإنَّما جاء على صِفَةِ الخَبَرِ لوجوه: أحدها: أن قوله: "الحَمْدُ للَّهِ" يفيد تَعْظِيم اللفظ والمعنى، ولو قال: "احمدوا" لم يحصل مجموع هاتين الفَائدتَيْنِ. وثانيهما: أنه يُفيدُ كونه - تعالى - مُسْتحقّاً للحَمْدِ سَوَاءً حَمِدَهُ حَامدٌ أو لم يَحْمَدْهُ. وثالثها: أنَّ المَقْصُودَ منه ذِكْرُ الحُجَّة فَذكْرُهُ بصيغة الخَبَرِ أوْلَى. والقول الثاني: أن المراد منه تعليم العِبَادِ، وهو قولُ أكثره المفسرين. قوله:{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} فيه ثلاث سؤالات: السؤال الأول: قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} جار مجرى قولك: "جاءني الرَّجُلُ الفَقِيهُ" فإن هذا يدلُّ على وجود رَجُلٍ آخر ليس بفقيه، وإلاَّ لم يكن لِذِكْرِ ذلك فَائِدةٌ، وكذا هاهنا قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْض} يوهم أن هناك إلهاً لم يَخْلُق السماوات والأرض، وإلاَّ فأيُّ فائدة في ذِكْرِ هذه الصِّفَةِ. والجواب: أنا بَيَّنَّا أن قوله: "الله" جِارٍ مجرى اسم العلم، فإذا ذكر الوصف لاسم العلم لم يكن المقصود من ذكر الوَصْفِ التمييز، بل تعريف كون ذلك المُسَمَّى مَوْصُوفاً بتلك الصِّفَةِ. مثاله: إذا قلنا: الرَّجُلُ اسمٌ للمَاهِيَّةِ، فيتناول الأشخاص الكثيرين، فكان المقصود هاهنا من ذِكر الوصفِ تَمْييز هذا الرجل عن سَائِرِ الرجال بهذه الصفة. أمَّا إذا قلنا: زيدٌ العالم، فلفظُ "زيد" اسم عَلَمٍ، وهو لا يُفيد إلا هذه الذَّات المُعَيَّنَة؛ لأنَّ أسماء الأعلام قائمة مَقَامَ الإشَارَاتِ، فإذا وَصَفْنَاهُ بالعلمية امتنع أنْ يكون المقصودُ منه تَمْييز ذلك الشخص عن غيره، بل المقصود منه تعريف كون ذلك المُسمى مَوْصُوفاً بهذه الصفة ولما كان لفظ "الله" من باب أسماء الأعلام لا جَرَم كان الأمر على ما ذكرناه. السؤال الثاني: لم قَدَّمَ "السَّمَاء" على "الأرضِ" مع أنَّ ظاهر التنزيل يَدُلُّ على أنَّ خَلْقَ الأرْضِ مُقدَّمٌ على خَلْقِ السماءِ. فالجواب: أنَّ السَّمَاءَ كالدَّائرة، والأرْض كالمركز، وحُصُولُ الدَّائرة يوجبُ تعيين المَرْكَزِ، ولا يَنْعَكِسُ، فإنَّ حصول المَرْكَزِ لا يوجبُ تعيين الدَّائرةِ لإمْكَانِ أنْ يُحيطَ بالمركز الوَاحِدِ دَوَائِرُ لا نهاية لها، فلمَّا تَقَدَّمت السماءُ على الأرضِ بهذا الاعتبارِ، وجب تقديم ذِكْرِ السماءِ على الأرض، وعلى قوله من قالَ: إنَّ السمواتِ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ الأرضِ، وهو قول قتادَةَ، فالسُّؤال زائدٌ. السؤال الثالث لم ذكر السماء بصيغة الجَمْعِ، والأرض بصيغة الواحدِ، مع أنَّ الأرضِينَ أيضاً كثيرةٌ لقوله: {أية : وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق:12]؟. فالجوابُ: أنَّ السَّماءَ جَارِيَةٌ مجرى الفاعل، والأرض مجرى القابل، فلو كانت السَّمَاءُ واحدةً لتَشَابَهَ الأمرُ، وذلك يخلُّ بمصَالِحِ هذا العَالَمِ، فإذا كانت كثيرةٌ اخْتَلَفَتِ الاتِّصَالاَتُ الكَوْكَبِيَّةُ، فحَصَلَ بسببها الفُصُولُ الأرَبعة، وسائر الأحوال المختلفة، وحَصَلَ بسبب تلك الاختلافات مصالح [هذا] العالم. أمَّا الأرض فهي قابلة للأثَرِ، والقَابِلُ الوَاحدُ كافٍ في القبول. قوله: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّور}. "جَعَلَ" هنا تتعدَّى لمعفول واحد؛ لأنها بمعنى "خَلَقَ"، هكذا عِبَارةُ النحويين، ظاهرها أنهما مُتَرَادِفَانِ، إلاَّ أنَّ الزَّمخْشَرِيَّ فَرَّقَ بينهما فقال: "والفَرقُ بين الخَلْقِ والجَعْلِ أنَّ الخَلْقَ فيه معنى التقدير، وفي الجَعْلُ معنى التَّصْييرِ كإنشاء شيء من شيء أو تَصْييرِ شيء شيئاً، أو نَقْلِهِ من مكان إلى مكان، ومن ذلك {أية : وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [الأعراف: 189]، {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ}؛ لأنَّ الظُلمَاتِ من الأجْرَامِ المُتَكَاثِفَةِ، والنُّور مِنَ النَّارِ". وقال الطَّبَرِيُّ: "جَعَلَ" هنا هي التي تتصَرَّفُ في طَرَفِ الكلام، كما تقول: "جَعَلْتُ أفعل كذا". فكأنه قال: "جَعَلَ إظلامها وإنارتها"، وهذا لا يُشبه كلام أهل اللسان، ولكونها عند الزمخشري لَيْست بمعنى "خَلَقَ" فسَّرها هُنا بمعنى "أحدث" و "أنشأ". وكذا الراغب جعلها بمعنى "أوْجَدَ". ثم إنَّ أبَا حيَّان اعْتَرَضَ عليه هنا لمَّا اسْتَطْرَدَ، وذكر أنها تكون بمعنى صَيَّر ومثل بقوله: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} تفسير : [الزخرف:19]. فقال وما ذكر من أن جعل بمعنى صَيَّر في قوله {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَة} تفسير : [الزخرف:19] لا يصحُّ؛ لأنهم لم يُصَيِّروهم إناثاً وإنما ذكرَ بعضُ النحويين أنها هنا بمعنى "سمَّى". قال شهابُ الدين: ليس المُرَادُ بالتصيير التصيير بالفعل، بل المُراد التصيير بالقول، وقد نصَّ الزمخشري على ذلك، على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، وقد ظهر الفرقُ بين تخصيص السَّمواتِ والأرض بالخَلْقِ، والظُّلُمَاتِ والنور بالجَعْل بما ذكره الزمخشري. فصل قال أبو العباس المقري: ورد لفظ الجَعْل في القرآن على خمسة أوجه: الأول: بمعنى "خلق" قال تعالى: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ}، وقوله {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا} تفسير : [فصلت:10]، وقوله: {أية : جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً} تفسير : [الفرقان:62]. والثاني: بمعنى "بعث" قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً} تفسير : [الفرقان:35]. والثالث: بمعنى "قدره" قال تعالى {أية : وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} تفسير : [الزمر:8] وقوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاَّ} تفسير : [الزخرف:19] وقوله تعالى: {أية : أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً}تفسير : [فصلت: 9] أي تقولون. الرابع: بمعنى "بَيّن" قال تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} تفسير : [الزخرف:3] أي: بَيَّنَّاه بحَلالِه وحَرَامِهِ. الخامس: بمعنى "صَيَّرَ" قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} تفسير : [الإسراء: 46] أي: صيرنا، وقوله {أية : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ} تفسير : [التوبة:19]، وقوله {أية : وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ} تفسير : [النمل:61]، وقوله: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ} تفسير : [يس:8]. فإن قيل: لِم وَحًّد النُّورَ، وجمعَ الظُّلمَاتِ. فالجواب من وجوه: أحدها: إنْ قُلْنَا: إنَّ الظُّلُمَاتِ هي الكُفْرُ، والنُّور هو الإيمان فظاهرٌ؛ لأنَّ الحقَّ واحِدٌ، والباطِلُ كثيرٌ. وإنْ قٌلنا: إنَّ الظُّلْمَة الكيفية المحسوسة، فالنُّور [عبارة] عن تلك الكَيْفِيَّةِ الكَامِلَةِ القَويَّةِ وكذلك الظُّلْمةُ الكاملة القوية، ثمَّ إنَّها تقبلُ التَّناقٌص قليلاً [قليلاً] وتلك المَرَاتِبُ كثيرة، فلهذا عَبَّرَ عن الظُّلُمَاتِ بصيغة الجَمْعِ. وثانيها: أنَّ النُّور من جِنْسٍ واحِدٍ، وهو النار، والظُّلُمَاتُ كثيرة، فإنَّ مَا مِن جرْمٍ إلاَّ وله ظِلٌّ وظُلْمَةٌ. وثالثها: أنَّ الصِّلَةَ التي قبلها تقدمَّ فيها جَمْعٌ ثُمَّ مفردٌ، فعطفت هذه عليها كذلك، وقَدْ تقَدَّمَ في "البقرة" الحِكْمَةُ في جَمْع السماوات، وإفراد الأرض. فإنْ قيل: لِمَ قُدِّمت الظُّلُمات [على النور] في الذكر؟. فالجوابُ: لأنه مُوَافِقٌ في الموجودِ؛ إذا الظُّلمة قَبْلَ النُّور عِنْدَ الجمهور. فصل في المراد بالظلمات والنور قال الوَاقِدِيُّ: كُلُّ مَا في القرآنِ من الظُّلُمَاتِ والنُّورِ هو الكُفْرُ والإيمان، إلاَّ في هذه الآية، فإنَّهُ يُريُد به اللَّيْلَ والنَّهَارَ. وقال الحسنُ: المُرَادُ الكُفْرُ والإيمان. ونقل الوَاحِدِيُّ عن ابن عبَّاس معناه. وقيل: المرادُ بالظُّلمات الجَهْلُ، وبالنُّور العِلْمُ. وقال قتادة: يعني الجَنَّةَ والنَّار. وقيل: معناها خَلْقُ السموات والأرض، وقد جَعَلَ الظلمات والنُّور؛ لأنه خلقَ الظُّلْمَة والنُّور قبل السمواتِ والأرضِ. قال قتادة: خلق الله السَّمواتِ قَبْلَ الأرض، وخَلَقَ الظُّلْمَةّ قَبْلَ النُّورِ، والجنَّة قبل النَّار. وروى عبد الله بن عمرو بن العَاص أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله خَلَقَ خَلْقَهُ في ظُلْمَةٍ، ثُمَّ ألْقَى عَلَيْهِم مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، ومَنْ أخْطأهُ ضَلَّ ". تفسير : قوله تعالى: {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. "ثُمَّ" هذه ليست للتَّرْتِيبِ الزَّمَاني، وإنِّما هي للتَّراخي بين الرُّتبتينِ، والمُرَادُ اسْتِبْعَادُ أنْ يَعْدِلوا به غيره مع ما أوضحَ من الدِّلالاتِ، وهذه عطفٌ: إمَّا على قوله: "الحمدُ لله"، وإمَّا على قوله: "خَلَقَ السَّمواتِ". قال الزمخشري: "فإن قلت فما معنى "ثم"؟ قلت: استبعاد أنْ يَعْدِلُوا به بعد وضوح آيَاتِ قُدْرَتِهِ، وكذلك "ثُمَّ أنْتُم تَمْتَرُونَ" استبعاد لأنْ يمتروا فيه بعدما ثبتَ أنَّهُ مُحْييهمْ، ومُميتُهُمْ وباعثهم". وقال ابن عطية: "ثُمَّ" دَالَّةٌ على قُبْحِ فِعْلِ الذين كَفَرُوا، فإنَّ خلْقَهُ للسموات والأرض وغيرهما قد تَقَرَّرَ، وآيَاتُهُ قَدْ سَطَعَتْ، وإنْعَامُه بذلك قد تَبيَّنَ، ثمَّ مع هذا كُلِّهِ يَعْدِلُون به غيره. قال أبو حيَّان: ما قَالاَهُ من أنَّها للتَّوْبيخ والاسْتِبْعَادِ ليس بصحيح؛ لأنها لم تُوضع لذلك، والاسْتِبعَادُ والتَّوْبِيخُ مُسْتَفَادٌ من الَسِّيَاقِ لا من "ثُمَّ"، ولم أعلم أحداً من النحويين ذكر ذلك، بل "ثمَّ" هنا للمُهْلَةِ في الزَّمَانِ، وهي عَاطِفَةٌ جملةً اسميةً [على جملةٍ اسميةٍ] يعني على "الحَمْدُ للِّهِ". ثُمَّ اعترض على الزمخشري في تَجْوِيزِه أن تكون معطوفةً على "خَلَقَ" [لأنَّ "خَلَقَ"] صِلَةٌ، فالمعطوف عليها يُعطى حكمها، ولكن ليس ثم رابطٌ يعودُ [منها] على الموصول. ثُمَّ قال: "إلاَّ أنْ يكون على رَأي من يَرَى الرَّبْطَ بالظَّاهِرِ كقولهم: "أبو سعيدٍ الذي رَوَيْتُ عن الخدري" وهو قليلٌ جداً لا ينبغي أنْ يُحْمَلَ عليه كتابُ اللِّهِ". قال شهابُ الدين: إنَّ الزمخشري إنَّما يريدُ العَطْفَ بـ "ثم" لتراخي ما بين الرتبتين، ولا يريدُ التَّرَاخي في الزَّمَانِ كما قد صَرَّحَ به هو، فكيف يلزمه ما ذكر من الخُلُوِّ عن الرابط؟. وكيفَ يتخيل كونها لِلمُهْلَة في الزمان كما ذكر أبو حيان. قوله: "بِربِّهمْ" يجوز أن يتعلَّق بـ "كَفَرُوا"، فيكون "يَعْدلُون" بمعنى يَمِيلُون عنه، من العُدُولِ، ولا مفعول له حينئذٍ، ويجوز أنْ يتعلَّقَ بـ "يَعْدِلُون" وقدِّم للفَوَاصِلِ، وفي "الباء" حينئذٍ احتمالان: أحدهما: أن تكون بمعنى "عن" و"يَعْدلون" مِنَ العدول أي: يعدلون عن ربهم إلى غيره. والثاني: أنها للتعدية ويعدلون من العَدْلِ وهو التسوية بين الشَّيْئَيْنِ، أي: ثُمَّ الذين كفروا يُسَوونَ بربِّهم غَيْرَه من المَخْلُوقِينَ، فيكون المَفْعُولُ محذوفاً. وقيل معنى الآية كقول القائل "أنْعَمْتُ عليكم بكذا، وتَفَضَّلْتُ عليكم بكذا، ثُم تكفرون نعمتي".

البقاعي

تفسير : مقصودها الاستدلال على ما دعا إليه الكتابُ في السورة الماضية من التوحيد بأنه الحاوي لجميع الكمالات من الإيجاد والإعدام والقدرة على البعث وغيره، وأنسب الأشياء المذكورة فيها لهذا المقصد الأنعام، لأن الإذن فيها - كما يأتي - مسبب عما ثبت له من الفلق والتفرد بالخلق، تضمن باقي ذكرها إبطال ما اتخذوه من أمرها ديناً، لأنه لم يأذن فيه ولا أذن لأحد معه، لأنه المتوحد بالإلهية، لا شريك له، وحصر المحرمات من المطاعم التي هي جُلُّها في هذا الدين وغيره، فدل ذلك على إحاطة علمه، وسيأتي في سورة طه البرهان الظاهر على أن إحاطة العلم ملزومة لشمول القدرة وسائر الكمالات، وذلك عين مقصود السورة، وقد ورد من عدة طرق - كما بينتُ ذلك في كتابي "مصاعد النظر" أنها نزلت جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتسبيح، وفي رواية: إن نزولها كان ليلاً، وإن الأرض كانت ترتج لنزولها. وهي كلها في حجاج المشركين وغيرهم من المبتدعة والقدرية وأهل الملل الزائغة، وعليها مبنى أصول الدين لاشتمالها على التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب الملحدين، وإنزالها على الصورة المذكورة يدل على أن أصول الدين في غاية الجلالة، وأن تعلّمه واجب على الفور لنزولها جملة، بخلاف الأحكام فإنها تفرق بحسب المصالح، ولنزولها ليلاً دليلٌ على غاية البركة لأنه محل الأنس بنزوله تعالى إلى سماء الدنيا، وعلى أن هذا العلم لا يقف على أسراره إلا البصراء الأيقاظ من سنة الغفلات، أولو الألباب أهل الخلوات، والأرواح الغالبة على الأبدان وهم قليل. {بسم الله} الذي بين دلائل توحيده بأنه الجامع لصفات الكمال {الرحمن} الذي أفاض على سائر الموجودات من رحمته بالإيجاد والإعدام ما حيَّر لعمومه الأفهام، فضاقت به الأوهام {الرحيم *} الذي حبا أهل الإيمان بنور البصائر حتى كان الوجود ناطقاً لهم، بالإعلام بأنه الحي القيوم السلام. {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله}. لما ختم سبحانه تلك بتحميد عيسى عليه السلام لجلاله في ذلك اليوم في ذلك الجمع، ثم تحميد نفسه المقدسة بشمول الملك والقدرة، إذ الحمد هو الوصف بالجميل؛ افتتح سبحانه وتعالى هذه السورة بالإخبار بأن ذلك الحمد وغيره من المحامد مستحق له استحقاقاً ثابتاً دائماً قبل إيجاد الخلق وبعد إيجاده سواء شكره العباد أو كفروه، لما له سبحانه وتعالى من صفات الجلال والكمال - على ما تقدمت الإشارة إليه في الفاتحة - فأتى بهذه الجملة الاسمية المفتتحة باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أنواعه الدالة على الاستغراق، إما بأن اللام له عند الجمهور، أو بأنها للجنس - كما هو مذهب الزمخشري، ويؤول إلى مذهب الجمهور، فإن الجنس إذا كان مختصاً به لم يكن فردٌ منه لغيره، إذ الجنس لا يوجد إلا ضمن أفراده، فمتى وجد فرد منه لغيره كان الجنس موجوداً فيه فلم يكن الجنس مختصاً به وقد قلنا: إنه مختص، وهذا التحميد صار بوصفه فرداً من أفراد تحميد الفاتحة تحقيقاً لكونها أمّاً، وعقبها سبحانه بالدليل الشهودي على ما ختم به تلك من الوصف بشمول القدرة بوصفه بقوله: {الذي خلق}. ولما كان تعدد السماوات ظاهراً بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة والبطوء واستتار بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير ذلك مما هو محرر عند أهله: جمعها فقال: {السماوات} أي على علوها وإحكامها، قدمها لما تقدم قريباً {والأرض} أي على تحليها بالمنافع وانتظامها. ولما كان في الجعل معنى التضمن فلا يقوم المجعول بنفسه قال: {وجعل} أي أحدث وأنشأ لمصالحكم {الظلمات} أي الأجرام المتكاثفة كما تقدم {والنور *} وجمع الأول تنبيهاً على أن طرق الشر والهلاك كثيرة تدور على الهوى، وقد تقرر بهذا ما افتتح به السورة، لأن من تفرد باختراع الأشياء كان هو المختص بجميع المحامد، ومن اختص بجميع المحامد لم يكن إله سواه ولم يكن له شريك، لا ثاني اثنين ولا ثالث ثلاثة ولا غير ذلك، وما أحسن ختمها - بعد الإشارة إلى هذه المقاصد المبعدة لأن يكفر به أو يعدل به شيء - بقوله: {ثم الذين كفروا} أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من أدلة وحدانيته التي لا خفاء بها عن أحد جرّد نفسه من الهوى، وعالج أدواءه بأنفع دواء، لإحاطته بجميع صفات الكمال، وزاد الأمر تقبيحاً عليهم بإبدال ما كان الأصل في الكلام من الضمير بقوله: {بربهم} أي المحسن إليهم الذي لم يروا إحساناً إلا منه {يعدلون *} أي يجعلون غيره ممن لا يقدر على شيء معادلاً له مع معرفتهم به بأنه الذي أبدع الأشياء، كفراً لنعمته وبُعداً من رحمته، فبعضهم عدل به بعض الجواهر من خلقه من السماء كالنجوم، أو من الأرض كالأصنام، أو بعض ما ينشأ عن بعض خلقه من الأعراض وهو خلقه كالنور والظلمة، والحال أن تقلباتهما تدل بأدنى النظر على أمرين: الأول بُعدهما عن الصلاحية للإلهية لتغيرهما {أية : قال لا أحب الآفلين} تفسير : [الأنعام: 76]، والثاني قدرة خالقهما ومغيرهما على البعث لإيجاد كل منهما بعد إعدامه كما هو شأن البعث - إلى غير ذلك من الأسرار التي تدق عن الأفكار، وتقديمُ الظلمة مناسب لسياق العادلين، والتعبير بثم للتنبيه على ما كان ينبغي لكل راوٍ لهذا الخلق من الإبعاد عن الكفر لبعده عن الصواب، فقد لاح أن مقصد السورة الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب الذي تبين أنه الهدى من توحيد الله والاجتماع عليه والوفاء بعهوده بأنه سبحانه وحده الخالق الحائز لجميع الكمالات من القدرة على البعث وغيره، وما أنسب ذلك بختم المائدة بذكر يوم الجمع وأن لِمَلِكِه جميع الملك، وهو على كل شيء قدير، وهذه السورة أول السور الأربع المشيرة إلى جميع النعم المندرجة تحت النعم الأربع التي اشتملت عليها الفاتحة، وكل سورة منها مشيرة إلى نعمة من النعم الأربع، فقوله: {خلق السماوات والأرض} - الآية ثم {خلقكم من طين} ثم {أية : وما من دابة في الأرض} تفسير : [الأنعام: 38] - الآية، متكفل بتفصيل نعمة الإيجاد الأول لجميع العالمين من السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من آدمي وغيره المشار إليه في الفاتحة برب العالمين كما تقدم. ولما تكفلت السور المتقدمة بالرد على مشركي العرب واليهود والنصارى مع الإشارة إلى إبطال جميع أنواع الشرك، سيق مقصود هذه السورة في أساليب متكفلة بالرد على بقية الفرق، وهم الثنوية من المجوس القائلون بإلهين اثنين وبأصلين: النور والظلمة، ويقرون بنبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقط، والصابئة القائلون بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية متوسطين إلى رب الأرباب، وينكرون الرسالة في الصورة البشرية، وأصحاب الروحانيات، أعني مدبرات الكواكب والأفلاك، وينتسبون إلى ملة إبراهيم عليه السلام، ويدعون أنه منهم - وقد أعاذه الله من ذلك، والسُّمْنية القائلون بإلهية الشمس، مع تأكيد الرد على الفرق المتقدمة على أن جميع فرقهم يجتمعون في اعتبار النجوم، يتبين ذلك لمن نظر في كتب فتوح بلاد الفرس في أيام الصديق والفاروق رضي الله عنهما، وقال تنكلوشا البابلي في أول كتابه في أحكام الدرج الفلكية: إن القدماء من الكسدانيين استنبطوا غوامض أسرار الفلك، وكان عندهم أجل العلوم ولم يكونوا يظهرون علم الفلك لكل الناس، بل كانوا يخفون أكثره عن عامتهم، ويعطونهم منه بمقدار ما يصلح، ويتدارسون الباقي بينهم مطوياً بين علمائهم وحكمائهم، ثم ذكر تقسيمهم درج الفلك على ثلاثمائة وستين، ثم قال: وقسموا الدرج أقساماً كثيرة حتى قالوا: إن بعضها ذكور وبعضها إناث، وبعضها مسعدة وبعضها منحسة، ثم قال: كل ذلك يريدون فيه الدلالة منها على ما تدل عليه في عالمنا وعلى أحوالنا حتى جعلوا لكل درجة عالماً وخلقاً منفرداً بمدته، وأن ذلك العالم والخلق يندرسون وينشأ بعدهم غيرهم - إلى غير ذلك من الكلام الذي يرجع إلى اعتقاد تأثير النجوم بنفسها - تعالى الله عن أن يكون له شريك أو يكون له كفواً أحد. ولما قرر سبحانه أنه هو الذي خلق السماوات والأرض اللتين منهما وفيهما الأصنام والكواكب والأجرام التي عنها النور والظلمة، فثبت وجوده على ما هو عليه من الإحاطة بأوصاف الكمال التي أثبتها الحمد، فبطلت جميع مذاهبهم، فعجب منهم بكونهم يعدلون به غيره، أتبع ذلك اختصاصه بخلق هذا النوع البشري، وهو - مع ما فيه من الشواهد له بالاختصاص بالحمد والرد على المُطرِين لعيسى عليه السلام المخلوق من الطين بخلق أبيهم آدم عليه السلام - مؤكدٌ لإبطال مذهب الثنوية، وذلك أنهم يقولون: إن النار خالق الخير، والظلمة خالقة الشر، فإذا ثبت أنه الخالق لنوع الآدميين الذين منهم الخير والشر من شيء واحد، وهو الطين الذي ولد منه المني الذي جعل منه الأعضاء المختلفة في اللون والصورة والشكل من القلب وغيره من الأعضاء البسيطة كالعظام والغضاريف، والرباطات والأوتار، ثبت أن خالق أوصافهم من الخير والشر واحد قدير عليم، لأن توليد الصفات المختلفة من المادة المتشابهة لا يكون إلا ومبدعه واحد مختار، لا اثنان، وهو الذي خلق الأرض التي منها أصلهم، وهو الله الذي اختص بالحمد فقال: {هو الذي خلقكم} ولما كانوا يستبعدون البعث لصيرورة الأموات تراباً واختلاط تراب الكل بعضه ببعض وبتراب الأرض، فيتعذر التمييز، وكان تمييز الطين لشدة اختلاط أجزائه بالماء أعسر من تميز التراب قال: {من طين} أي فميز طينة كل منكم - مع أن منكم الأسود والأبيض وغير ذلك والشديد وغيره - من طينة الآخر بعد أن جعلها ماء ثخيناً له قوة الدفق ونماها إلى حيث شاء من الكبر. ولما كان من المعلوم أن ما كانا من شيء واحد كانت مدة بقائهما واحدة، نبه بأداة التراخي على كمال قدرته واختياره من المفاوتة بين الآجال فقال: {ثم قضى} أي حكم حكماً تاماً وبتّ وأوجد {أجلاً} أي وقتاً مضروباً لانقضاء العمر وقطع التأخر لكل واحد منكم خيراً كان أو شريراً، قوياً كان أو ضعيفاً، من أجل يأجل أجولاً - إذا تأخر، وجعل تلك الآجال - مع كونها متفاوتة - متقاربة لا مزية لأحد منكم بصفة على آخر بصفة مغائرة لها، وفاعل ذلك لا يكون إلا واحداً فاعلاً باختيار. ولما ذكر الأجل الأول الذي هو الإبداع من الطين إشارة إلى ما فرع منه من الآجال المتفاوتة، ذكر الأجل الآخر الجامع للكل، لأن ذكر البداية يستدعي ذكر النهاية، فقال مشيراً إلى تعظيمه بالاستئناف والتنكير: {وأجل} أي عظيم {مسمى} أي لكم أجمعين لانقضاء البرزخ للإعادة التي هي في مجاري عاداتكم أهون من الابتداء لمجازاتكم والحكم بينكم الذي هو محط حكمته ومظهر نعمته ونقمته في وقت واحد، يتساوى فيه الكل، وستر علمه عن الكل كما أشار إليه بالتنكير، وهذا لا يصح أن يكون إلا لواحد، لا متعدد، وإلا لتباينت المقادير والإرادات وانشق كل مقدور في صنف لا يتعداه، وإلا لعلا بعضهم على بعض وانهتكت أسرار البعض بالبعض - سبحان الله وتعالى عما يصفون، وغير السياق إلى الاسمية إشارة إلى اختصاصه بعلمه وأنه ثابت لا شك فيه! ويؤكده إثبات قوله: {عنده} في هذه الجملة وحذفها من الأولى هنا وفي قوله {أية : ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى} تفسير : [الأنعام: 60]، وقدم المبتدأ مع تنكيره - والأصل تأخيره - إفادة لتعظيمه. ولما كان في هذا البيان لوحدانيته وتمام قدرته لا سيما على البعث الذي هو مقصود حكمته ما يبعد معه الشك في الإعادة، أشار إليه بأداة التراخي وصيغة الافتعال فقال: {ثم أنتم تمترون *} أي تكلفون أنفسكم الشك في كل من الوحدانية والإعادة التي هي أهون على مجاري عاداتكم من الابتداء بتقليد الآباء، والركون إلى مجرد الهوى والإعراض عن الأدلة التي هي أظهر من ساطع الضياء، وهذه الآية نظير آية الروم {أية : أولم يتفكروا في أنفسهم} تفسير : [الروم: 8] أي كيف خلقهم الله من طين، وسلط بعضهم على بعض بالظلم والعدوان، وجعل لهم آجالاً فاوت بينها وساوى في ذلك بين الأصل والفرع، فأنتج هذا أنه ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، أي بسبب إقامة العدل في جميع ما وقع بينكم من الاختلاف كما هو شأن كل مالك في عبيده {وأجل مسمى} - الآية. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بين سبحانه وتعالى حال المتقدمين وهو الصراط المستقيم، وأوضح ما يظهر الحذر من جانبي الأخذ والترك، وبين حال من تنكب عنه ممن كان قد يلمحه، وهم اليهود والنصارى، وكونهم لم يلتزموا الوفاء به وحادوا عما أنهج لهم، وانقضى أمر الفريقين، ذماً لحالهم وبياناً لنقضهم وتحذيراً للمتقين أن يصيبهم ما أصابهم، وختم ذلك ببيان حال المؤقنين في القيامة يوم ينفع الصادقين صدقهم، وقد كان انجرّ مع ذلك ذكر مشركي العرب وصممهم عن الداعي وعماهم عن الآيات، فكانوا أشبه بالبهائم منهم بالأناسي، أعقب ذلك تعالى بالإشارة إلى طائفة مالت إلى النظر والاعتبار، فلم توفق لإصابة الحق وقصرت عن الاستضاءة بأنوار الهدى. وليسوا ممن يرجع إلى شريعة قد حرفت وغيرت، بل هم في صورة من هَمَّ، أن يهتدي بهدى الفطرة ويستدل بما بسط الله تعالى في المخلوقات فلم يمعن النظر ولم يوفق فضلَّ وهم المجوس وسائر الثنوية ممن كان قصارى أمره نسبة الفعل إلى النور والإظلام، ولم يكن تقدم لهؤلاء ذكر ولا إخبار بحال فقال تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} فبدأ تعالى بذكر خلق السماوات والأرض التي عنها وجد النور والظلمة، إذ الظلمة ظلال هذه الأجرام، والنور عن أجرام نيرة محمولة فيها وهي الشمس والقمر والنجوم، فكان الكلام: الحمد لله الذي أوضح الأمر لمن اعتبر واستبصر، فعلم أن وجود النور والظلمة متوقف بحكم السببية التي شاءها تعالى على وجود أجرام السماوات والأرض وما أودع فيها، ومع بيان الأمر في ذلك حاد عنه من عمي عن الاستبصار {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام: 1] وقوله تعالى: {هو الذي خلقكم من طين} [الأنعام: 2] مما يزيد هذا المعنى وضوحاً، فإنه تعالى ذكر أصلنا والمادة التي عنها أوجدنا، كما ذكر للنور والظلمة ما هو كالمادة، وهو وجود السماوات والأرض، وأشعر لفظ {جعل} بتوقف الوجود بحسب المشيئة على ما ذكر، وكان قد قيل: أيّ فرق بين وجود النور والظلمة عن وجود السماوات والأرض وبين وجودكم عن الطين حتى يقع امتراء فيه عن نسبة الإيجاد إلى النور والظلمة، وهما لم يوجدا إلا بعد مادة أو سبب كما طرأ في إيجادكم؟ فالأمر في ذلك أوضح شيء {ثم أنتم تمترون} [الأنعام: 2] ثم مرت السورة من أولها إلى آخرها منبهة على بسط الدلالات في الموجودات مع التنبيه على أن ذلك لا يصل إلى استثمار فائدته إلا من هيئ بحسب السابقة فقال تعالى: {أية : إنما يستجيب الذين يسمعون} تفسير : [الأنعام: 36] ثم قال تعالى: {أية : والموتى يبعثهم الله} تفسير : [الأنعام: 36]، وهو - والله أعلم - من نمط {أو من كان ميتاً فأحييناه}، أجمل هنا ثم فسر بعد في السورة بعينها، والمراد أن من الخلق من جعله الله سامعاً مطيعاً متيقظاً معتبراً بأول وهلة، وقد أري المثال سبحانه وتعالى في ذلك في قصة إبراهيم عليه السلام في قوله: {أية : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} تفسير : [الأنعام: 75]، فكأنه يقول لعباده المتقين: تعالوا فانهجوا طريق الاعتبار ملة أبيكم إبراهيم كيف نظر عليه السلام نظر السامع المتيقظ! فلم يعرج في أول نظره على ما سبب وجوده بيِّنٌ فيحتاج فيه إلى غرض في الكواكب والقمر والشمس، بل نظر فيما عنه صدر النور، لا في النور، فلما جن عليه الليل رأى كوكباً، فتأمل كونه عليه السلام لم يطول النظر بالتفات النور، ثم كان يرجع إلى اعتبار الجرم الذي عنه النور، بل لما رأى النور عن أجرام سماوية تأمل تلك الأجرام وما قام بها من الصفات، فرأى الأفول والطلوع والانتقال والتقلب فقال: هذا لا يليق بالربوبية لأنها صفات حدوث، ثم رقى النظر إلى القمر والشمس فرأى ذلك الحكم جارياً فيهما فحكم بأن وراءها مدبراً لها يتنزه عن الانتقال والغيبة والأفول فقال: {أية : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} تفسير : [الأنعام: 79] وخص عليه السلام ذكر هذين لحملهما أجرام النور وسببيتهما في وجود الظلمة، ثم تأمل هذا النظر منه عليه السلام وكيف خص بالاعتبار أشرف الموجودين وأعلاهما، فكان في ذلك وجهان من الحكمة: أحدهما علو النظر ونفوذ البصيرة في اعتبار الأشرف الذي إذا بان منه الأمر فهو فيما سواه أبين، فجمع بين قرب التناول وعلو التهدي، والوجه الثاني التناسب بين حال الناظر والمنظور فيه والتناول والجري على الفطرة العلية "وهو من قبيل أخذ نبينا صلى الله عليه وسلم اللبن حين عرض عليه اللبن والخمر فاختار اللبن، فقيل له: اخترت الفطرة! فكان قد قيل: هذا النظر والاعتبار بالهام، لا نظر من أخلد إلى الأرض فعمد الضياء والظلام، وينبغي أن يعتمد في قصة إبراهيم عليه السلام في هذا الاعتبار أنه صلى الله عليه وسلم في قوله: {هذا ربي} إنما قصد قطع حجة من عبد شيئاً من ذلك إذ كان دين قومه، فبسط لهم الاعتبار والدلالة، وأخذ يعرض ما قد تنزه قدرُه عن الميل إليه، فهو كما يقول المناظر لمن يناظره: هب أن هذا على ما تقول. يريد بذلك إذعان خصمه واستدعاءه للاعتبار حتى يكون غير مناظر له ما لا يعتقده، ليبني على ذلك مقصوده ليقلع خصمه وهو على يقين من أمره، فهذا ما ينبغي أن يعتمد هنا لقول يوسف عليه السلام {أية : ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} تفسير : [يوسف: 38]، فالعصمة قد اكتنفتهم عما يتوهمه المبطلون ويتقوله المفترون، ويشهد لما قلناه قوله تعالى: {أية : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه}تفسير : [الأنعام: 83] فهذه حال من علت درجته من الذين يسمعون، فمن الخلق من جعله الله سامعاً بأول وهلة وهذا مثال شاف في ذلك، ومنهم الميت، والموتى على ضربين: منهم من يزاح عن جهله وعمهه، ومنهم من يبقى في ظلماته ميتاً لا حراك به، يبين ذلك قوله تعالى: {أية : أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} تفسير : [الأنعام: 122]؛ ولما كانت السورة متضمنة جهات الاعتبار ومحركة إلى النظر ومعلنة من مجموع آيها أن المعتبر والمتأمل - وإن لم يكن متيقظاً بأول وهلة، ولا سامعاً أول محرك، ولا مستجيباً لأول سامع - قد ينتقل حاله عن جموده وغفلته إلى أن يسمع ويلحق بمن كان يتيقظ في أول وهلة؛ ناسب تحريكُ العباد وأمرهم بالنظر أن تقع الإشارة في صدر السورة إلى حالتين: حالة السامعين لأول وهلة، وحالة السامعين في ثاني حال، فقيل: {أية : إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله} تفسير : [الأنعام: 36] ولم تقع هنا إشارة إلى القسم الثالث مع العلم به، وهو الباقي على هموده وموته ممن لم يحركه زاجر ولا واعظ ولا اعتبار، ولأن هذا الضرب لو ذكر هنا لكان فيه ما يكسل من ضعفت همته، رجعت حالةُ ابتدائه، فقيل: {والموتى يبعثهم الله} وأطلق ليعمل الكل على هذا البعث من الجهل والتيقظ من سِنة الغفلة كما دعا لكل إلى الله دعاء واحداً فقيل: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} ثم اختلفوا في إجابة الداعي بحسب السوابق هكذا، وردّ هذا {والموتى يبعثهم الله} إسماعاً للكل، وفي صورة التساوي مناسبة للدعاء لتقوم الحجة على العباد، حتى إذا انبسطت الدلائل وانشرحت الصدور لتلقيها وتشبثت النفوس وتعلقت بحسب ما قدر، وفاز بالخير أهله، قال تعالى بعد آي: {أية : أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} تفسير : [الأنعام: 122] وكان قد قيل لمن انتقل عن حالة الموت فرأى قدر نعمة الله عليه بإحيائه: هل يشبه الآن حالك النيرة - بما منحت حين اعتبرت - بحالك الجمادية؟ فاشكر ربك واضرع إليه في طلب الزيادة، واتعظ بحال من لزم حال موته فلم تغن عنه الآيات، وهو المشار إليه بقوله: {كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} {أية : سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} تفسير : [البقرة: 6] وكان القسم المتقدم الذي سمع لأول وهلة لم يكن ليقع ذكره هنا من جهة قصد أن أراه قدر هذه النعمة وإنقاذ المتصف بها من حيرة شك موقعها فيما تقدم من قوله {أية : إنما يستجيب الذين يسمعون} تفسير : [الأنعام: 36] فذكر هنا ما هو واقع في إراءة قدر نعمة الإنقاذ والتخليص من عمى الجهل، هذا حال من انتقل بتوفيق الله وحال من بقي على موته، أو يكون الضربان قد شملهما قوله {أية : أو من كان ميتاً فأحييناه} تفسير : [الأنعام: 122] وأما الثاني وهو الذي ثبتت فيه صورة النقل فأمره صريح من الآية وأما الضرب الأول وهو السامع لأول وهلة المكفي المؤنة لواقي العصمة من طوارق الجهل والشكوك، فدخوله تحت مقتضى هذا اللفظ من حيث إن وقايته تلك أو سماعه بأول وهلة ليس من جهته ولا بما سبق أو تكلف، بل بإسداء الرحمة وتقديم النعمة، ولو أبقاه لنفسه أو وكله إليها لم يكن كذلك {أية : وما بكم من نعمة فمن الله} تفسير : [النحل: 53]، فبهذا النظر قد تكون الآية قد شملت الضروب الثلاثة وهو أولى، أما سقوط الضرب الثالث من قوله: {أية : إنما يستجيب الذين يسمعون} تفسير : [الأنعام: 36] فلِما تقدم - والله أعلم بما أراد؛ ولما تضمنت هذه السورة الكريمة من بسط الاعتبار وإبداء جهات النظر ما إذا تأمله المتأمل علم أن حجة الله قائمة على العباد، وأن إرسال الرسل رحمة ونعمة وفضل وإحسان، وإذا كانت الدلالات مبسوطة والموجودات مشاهدة مفصحة، ودلالة النظر من سمع وأبصار وأفئدة موجدة، فكيف يتوقف عاقل في عظيم رحمته تعالى بإرسال الرسل! فتأكدت الحجة وتعاضدت البراهين، فلما عرف الخلق لقيام الحجة عليهم بطريقي الإصغاء إلى الداعي والاعتبار بالصنعة؛ قال تعالى: {أية : قل فللّه الحجة البالغة} تفسير : [الأنعام: 149] {أية : فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة} تفسير : [الأنعام: 157] فيما عذر المعتذر بعد هذا؟ أتريدون كشف الغطاء ورؤية الأمر عياناً! لو استبصرتم لحصل لكم ما منحتم، {أية : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} تفسير : [الأنعام: 158]، ثم ختمت السورة من التسليم والتفويض بما يجدي مع قوله: {أية : فلو شاء لهداكم أجمعين} تفسير : [الأنعام: 149] وحصل من السور الأربع بيان أهل الصراط المستقيم وطبقاتهم في سلوكهم وما ينبغي لهم التزامه أو تركه، وبيان حال المتنكبين عن سلوكه من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والمجوس - انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن الضريس في فضائل القرآن وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن كعب قال: فتحت التوراة {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} وختمت بـ {الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً} الى قوله {وكبره تكبيراً} . وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} قال: هي في التوراة بستمائة آية . وأخرج أبو الشيخ عن قتادة {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} حمد نفسه فأعظم خلقه. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي. أنه أتاه رجل من الخوارج فقال: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون أليس كذلك؟. قال: نعم. فانصرف عنه ثم قال: ارجع. فرجع فقال: أي قل إنما أنزلت في أهل الكتاب . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أنه أتاه رجل من الخوارج فقرأ عليه {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور} الآية. ثم قال: أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ قال: بلى. فانصرف عنه الرجل، فقال له رجل من القوم: يا ابن ابزى إن هذا أراد تفسير الآية غير ما ترى إنه رجل من الخوارج. قال: ردوه علي. فلما جاء قال: أتدري فيمن أنزلت هذه الآية؟ قال: لا. قال: نزلت في أهل الكتاب فلا تضعها في غير موضعها . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في الزنادقة {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} قال قالوا: إن الله لم يخلق الظلمة، ولا الخنافس، ولا العقارب، ولا شيئاً قبيحاً، وإنما خلق النور وكل شيء حسن، فأنزل فيهم هذه الآية . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: نزل جبريل مع سبعين ألف ملك معهم سورة الأنعام، لهم زجل من التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، وقال: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض فكان فيه رد على ثلاثة أديان منهم، فكان فيه رد على الدهرية لأن الأشياء كلها دائمة، ثم قال {وجعل الظلمات والنور} فكان فيه رد على المجوس الذين زعموا أن الظلمة والنور هما المدبران، وقال: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} فكان فيه رد على مشركي العرب، ومن دعا دون الله إلهاً . وأخرج ابن جرير عن أبي روق قال: كل شيء في القرآن (جعل) فهو خلق . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {وجعل الظلمات والنور} قال: الكفر والإيمان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {الحمد لله الذي خلق السمٱوات والأرض وجعل الظلمات والنور} قال: خلق الله السموات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} قال: كذب العادلون بالله فهؤلاء أهل الشرك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وجعل الظلمات والنور} قال: الظلمات ظلمة الليل، والنور نور النهار {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} قال: هم المشركون. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} قال: يشركون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} قال: الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله تعالى وليس لله عدل، ولا ند، وليس معه آلهة، ولا اتخذ صاحبة ولا ولداً.

ابو السعود

تفسير : (مكية غير ست آيات أو ثلاث من قوله تعالى {قُل تَعالُوا أَتلُ}. وهى مائة وخمس وستون آية). {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} تعليقُ الحمد المعرَّفِ بلام الحقيقة أولاً باسم الذات عليه يدور كافةُ ما يوجبه من صفات الكمال، وإليه يؤُول جميعُ نعوتِ الجلال والجمال، للإيذان بأنه عز وجل هو المستحِقُّ له بذاته، لما مر من اقتضاء اختصاصِ الحقيقة به سبحانه، لاقتصار جميعِ أفرادِها عليه بالطريق البرهاني، ووصفه تعالى ثانياً بما يُنْبىء عن تفصيل بعض موجِباته المنتظمةِ في سلك الإجمالِ من عظائم الآثارِ وجلائلِ الأفعال، من قوله عز وجل: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} للتنبـيه على استحقاقه تعالى له واستقلالِه به باعتبار أفعالِه العِظام، وآلائِه الجِسام أيضاً. وتخصيصُ خلقِهما بالذكر لاشتمالهما على جملة الآثار العُلوية والسُفلية وعامةِ الآلاءِ الجليةِ والخفية، التي أجلُها نعمةُ الوجودِ الكافية في إيجاب حمدِه تعالى على كل موجود، فكيف بما يتفرَّع عليها من فنون النعم الأنفسية والآفاقية، المنوطِ بها مصالحُ العباد في المعاش والمعاد؟ أي أنشأهما على ما هما عليه من النّمط الفائِق والطراز الرائق، منطويَتَيْن من أنواع البدائعِ وأصنافِ الروائع على ما تتحيَّر فيه العقولُ والأفكار، من تعاجيب العبر والآثار، تبصرةً وذكرى لأولي الأبصار. وجمعُ السموات لظهور تعدّدِ طبقاتِها واختلاف آثارها وحركاتِها، وتقديمُها لشرفها وعلوِّ مكانها وتقدُّمها وجوداً على الأرض كما هي. {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ} عطْفٌ على (خَلَق) مترتب عليه لكون جعلهما مسبوقاً بخلق مَنْشَئِهما ومحلِّهما، داخلٌ معه في حكم الإشعار بعِلَّة الحمد، فكما أن خلقَ السموات والأرضِ وما بـينهما ـ لكونه أثراً عظيماً ونعمةً جليلة ـ موجبٌ لاختصاص الحمد بخالقهما جل وعلا، كذلك جعلُ الظلماتِ والنور لكونه أمراً خطيراً ونعمةً عظيمةً مقتضٍ لاختصاصه بجاعلهما، والجعلُ هو الإنشاءُ والإبداع كالخلق، خلا أن ذلك مختصٌّ بالإنشاء التكوينيِّ، وفيه معنى التقدير والتسوية، وهذا عام له كما في الآية الكريمة، والتشريعيَّ أيضا كما في قوله تعالى: {أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ }تفسير : [المائدة، الآية 103] الآية. وأياً ما كان فهو إنباءٌ عن ملابسةِ مفعولِه بشيءٍ آخرَ بأن يكونَ فيه، أوْ له، أوْ منه، أو نحوُ ذلك، ملابسةٌ مصحِّحةٌ لأن يتوسَّطَ بـينهما شيءٌ من الظروف لغواً كان أو مستقراً، لكن لا على أن يكونَ عُمدةً في الكلام بل قيداً فيه، كما في قوله عز وجل: {أية : وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً }تفسير : [الفرقان، الآية 53] وقوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ }تفسير : [فصلت، الآية 10] وقوله تعالى: {أية : وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } تفسير : [النساء، الآية 75] الآية، فإن كل واحد من هذه الظروف، إما متعلقٌ بنفس الجعل أو بمحذوفٍ وقع حالاً من مفعولِه تقدّمت عليه لكونه نكرة، وأياً ما كان فهو قيدٌ في الكلام حتى إذا اقتضىٰ الحالُ وقوعَه عمدةً فيه يكون الجعلُ متعدياً إلى اثنين هو ثانيهما، كما في قوله تعالى: {أية : يَجْعَلُونَ أَصْـٰبِعَهُمْ فِى ءاذَانِهِم }تفسير : [البقرة، الآية 19] وربما يَشتبِهُ الأمرُ فيُظن أنه عمدةٌ فيه، وهو في الحقيقة قيدٌ بأحد الوجهين كما سلف في قوله تعالى: {أية : إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة، الآية 30] حيث قيل: إن الظرف مفعولٌ ثان لجاعل، وقد أشير هناك إلى أن الذي يقضي به الذوق السليم وتقتضيه جزالةُ النظم الكريم، أنه متعلقٌ بجاعل أو بمحذوفٍ وقع حالاً من المفعول، وأن المفعولَ الثانيَ هو خليفة، وأن الأول محذوف على ما مر تفصيله. وجمعُ الظلمات لظهور كثرةِ أسبابها ومَحالِّها عند الناس، ومشاهدتهم لها على التفصيل، وتقديمُها على النور لتقدم الإعدام على المَلَكات مع ما فيه من رعاية حسن المقابلة بـين القرينتين، وقوله تعالى: {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ} معطوفٌ على الجملة السابقة الناطقةِ بما مر من موجبات اختصاصِه تعالى بالحمد، المستدعي لاقتصار العبادة عليه، كما حُقِّق في تفسير الفاتحة الكريمة، مَسوقٌ لإنكار ما عليه الكفرة واستبعادِه من مخالفتهم لمضمونها واجترائِهم على ما تقضي ببُطلانه بديهةُ العقول. والمعنى أنه تعالى مختصٌّ باستحقاق الحمدِ والعبادةِ باعتبار ذاتِه وباعتبار ما فصَّل من شؤونه العظيمة الخاصة به، الموجبة لقصر الحمد والعبادة عليه، ثم هؤلاء الكفرةُ لا يعملون بموجبه ويعدِلون به سبحانه، أي يسوُّون به غيره في العبادة التي هي أقصى غايات الشكر الذي رأسُه الحمدُ، مع كونِ كلِّ ما سواه مخلوقاً له غيرَ متّصفٍ بشيء من مبادىء الحمد، وكلمة (ثم) لاستبعاد الشرك بعد وضوحِ ما ذُكر من الآيات التكوينية القاضية ببطلانه، لا بعد بـيانِه بالآياتِ التنزيلية، والموصولُ عبارةٌ عن طائفةِ الكفار جارٍ مَجرى الاسمِ لهم، من غير أن يُجعلَ كفرُهم بما يجب أن يُؤْمَنَ به ـ كلاًّ أو بعضاً ـ عنواناً للموضوع، فإن ذلك مُخِلٌّ باستبعاد ما أُسند إليهم من الإشراك، والباء متعلقة بـيعدلون، ووضعُ الربِّ موضعَ ضميرِه تعالى لزيادة التشنيع والتقبـيح، والتقديم لمزيد الاهتمامِ والمسارعةِ إلى تحقيق مدارِ الإنكار والاستبعادِ، والمحافظةِ على الفواصل، وتركُ المفعولِ لظهوره أو لتوجيه الإنكار إلى نفس الفعل بتنزيله منزلةَ اللازم، إيذاناً بأنه المدارُ في الاستبعاد والاستنكار لا خصوصيةُ المفعول، هذا هو الحقيقُ بجزالة التنزيل والخليقُ بفخامة شأنه الجليل. وأما جعلُ الباء صلةً لكفروا ـ على أنّ (يعدلون) من العدول، والمعنى أن الله تعالى حقيقٌ بالحمد على ما خلقه نعمةً على العباد، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمتَه ـ فيردّه أن كفرهم به تعالى لا سيما باعتبار ربوبـيته تعالى لهم، أشدُّ شناعةً وأعظمُ جنايةً من عدولهم عن حمده عز وجل لتحققه، مع إغفاله أيضاً، فجعلُ أهون الشرَّيْن عمدةً في الكلام مقصودُ الإفادة، وإخراجُ أعظمِهما مُخرجَ القيدِ المفروغِ عنه مما لا عهدَ له في الكلام السديد، فكيف بالنظم التنزيلي؟ هذا وقد قيل: إنه معطوف على (خلَقَ السموات) والمعنى أنه تعالى خلق ما خلق مما لا يقدِر عليه أحدٌ سواه، ثم هم يعدلون به سبحانه ما لا يقدِر على شيءٍ منه، لكن لا على قصد أنه صلةٌ مستقلة ليكونَ بمنزلة أن يقالَ: الحمدُ لله الذي عدَلوا به، بل على أنه داخلٌ تحت الصلة بحيث يكون الكلُّ صلةً واحدة، كأنه قيل: الحمد لله الذي كان منه تلك النعمُ العظامُ، ثم من الكفرة الكفّرُ، وأنت خبـير بأن ما ينتظِمُ في سلك الصلة المنبئةِ عن موجبات حمده عز وجل حقُّه أن يكون له دخلٌ في ذلك الإنباء ولو في الجملة، ولا ريب في أن كفرهم بمعزلٍ منه، وادعاءُ أن له دَخْلاً فيه لدلالته على كمال الجود، كأنه قيل: الحمد لله الذي أنعم بمثل هذه النعمِ العِظام على من لا يحمَده، تعسّفٌ لا يساعده النظام، وتعكيسٌ يأباه المقام، كيف لا ومَساقُ النظم الكريم كما تُفصِحُ عنه الآياتُ الآتية تشنيعُ الكفرة وتوبـيخُهم ببـيانِ غايةِ إساءتِهم مع نهاية إحسانه تعالى إليهم، لا بـيانِ نهايةِ إحسانِه تعالى إليهم مع غاية إساءتهم في حقه تعالى، كما يقتضيه الادعاءُ المذكور، وبهذا اتضح أنه لا سبـيلَ إلى جعل المعطوف من روادف المعطوف عليه، لما أن حقَّ الصلة أن تكون غيرَ مقصودةِ الإفادة، فما ظنُّك بما هو من روادفها؟ وقد عرفت أن المعطوف هو الذي سيق له الكلام فتأمل وكن على الحق المبـين.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} [الآية: 1]. قيل: حمد نفسه بنفسه حين علم عجز الخلق عن بلوغ حمده. وقيل: حمد نفسه على ما أبدى الخلق من مصالحهم ومعايشهم لغفلة الخلق عن ذلك. وقيل فى قوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} قال: السماوات سماوات المعرفة، والأرض أرض الخدمة. وقيل فى هذه الآية من ذا الذى يستحق الحمد، إلا من يقدر على مثل هذا الخلق من السماوات والأرض وما فيهما. وسُئل الواسطى رحمة الله عليه ما الحكمة فى إظهار الكون بقوله خلق السماوات والأرض؟ فقال: لا حاجة به إلى الكون، لأن فقد الكون ظهوره وظهوره فقده عنده، فإن قيل لإظهار الربوبية قيل: ربوبيته كانت ظاهرة ولم يظهر ربوبيته لغيره قط، لأنه لا طاقة لأحد فى ظهور ربوبيته، بل أظهر الكون وحجب الكون بالكون، لئلا تظهر لأحد الربوبية فينطمس، لأن الحق لا يحتمله إلا الحق. وسُئل بعضهم: ما الحكمة فى إظهار الكون؟ قال: ارتفاع العلة، فإذا ارتفعت العلة ظهرت الحكمة. قوله تعالى: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ}. قال بعضهم: أبدأ الظلمات فى الهياكل والنور فى الأرواح. وقال بعضهم: جعل الظلمات الكفر والمعاصى، وجعل النور الإيمان والطاعات. وقال الواسطى: هو الكفر والمعاصى والنور والإيمان، وأصله الافتراق والاقتران. وقال بعضهم: جعل الظلمات والنور، الظلمات: أعمال البدن والنور: فى التفويض.

القشيري

تفسير : بدأ الله - سبحانه - بالثناء على نفسه، فحمد نفسه بثنائه الأزليّ وأخبر عن سنائه الصمدي، وعلائه الأحدي فقال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ}. وقوله عز وجل: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}: "فالذي" إشارة و {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} عبارة. استقلت الأسرارُ بسماع "الذي" لتحققها بوجوده، ودوامها لشهوده، واحتاجت القلوب عند سماع "الذي" إلى سماع الصلة لأن "الذي" من الأسماء الموصولة بكوْنِ القلوب تحت ستر الغيب فقال: {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}. قوله جلّ ذكره: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}. خَلَقَ ظلمةَ الليل وضياءَ النهار، ووحشةَ الكفر والشِرْك، ونور العرفان والاستبصار. ويقال جَعَلَ الظلماتِ نصيبَ قوم لا لجُرْمٍ سَلَفَ، والنورَ نصيبَ قومٍ لا لاستحقاقٍ سبق، ولكنه حُكْمٌ به جرى قضاؤه. ويقال جعل ظلماتِ العصيان محنةَ قومٍ، ونور العرفان نزهةَ قوم.

البقلي

تفسير : { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} جعل حمده فى الازل طريقا للعباد الى حمده دلاله وثناء جماله علم فى القدم نفسه واوجب الحمد قطعا قبل كون الكون مقابل عين الذات والصفات فلم ير بحمل حمده فحمل بنفسه حمد نفسه فحمد نفسه ورفع الحمد عن الحدث علما بان الحدث يكون مثلا شيئا اوائل حمده لان حمده لا يكون الا بمعرفة المحمود حقيقة بجميع ذاته وصفاته وذلك مستحيل لان حقيقة ذاته وصفاته غير متناهه وكيف يدرك المتناهى صفات الذى هو غير متناه وايضا قطع الحمد عن غير نفسه وبين ان لا يستحق الحمد الحقيقى الا وجوده القديم وليس للحدث فيه نصيب لان حمده ازلى والحمد الازلى لا يليق الا بالازلى قيل حمد نفسه بنفسه حين علم عجز الخلق عن بلوغ حمده قال جنيد الحمد صفة الله لانه حمد نفسه بتمام الصفة ولو حمد الخلائق كلهم لم يقدر الاقامة ذرة من صفته وبيان قوله خلق السموات والارض الا هذا الحمد بالحقيقة لمن هذا صنعه وقدرته وما دام لم يقدر معرفة نعمته فى صفة وفعله لم تقدروا على حمده وثناؤه له سموات واخص سماواته المقدسة وله ارضون واخصها القلب السليم الصفى بوضوح الفطرة الصافية فيه الروح سماء القلب لان منها تنزل عليه فطرات الالهام ويقع عليها منها انوار الرحكمن والقلب ارضها لانه ينبت ازهار الحكمة وانوار المعرفة قيل السموات المعرفة والارض لخدمة قوله تعالى {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} اى الذى خلق الروح والقلب جعل فى الروح نور العقل العرفان الأيات والشواهد وجعل فى القلب ظلمة النفس الامارة لظهور العبودية فى محل الامتحان وايضا سرج فى القلب نور الايمان من سراج الغيب وانشا فى النفس ظلمة الشهوات من عالم الريب وايضا نور الروح بنور المشاهدة وادخل القلب فى ظلمة المجاهدة قال بعضهم ابدا الظلمات فى الهياكل النور فى الارواح وقال بعضهم جعل الظلمات اعمال البدن ونور احوال القلوب وسئل الواسطى الحكمة فى اظهار الكون وقوله خلق السموات والارض قال لا حاجة له الى الكون لان فقد الكون ظهوره وظهوره فقده عنده فان قيل اظهار الربوبية قيل ربوبيته كانت ظاهرة ومل تظهر ربوبيته لغيره قيل لانه لا طاقة لاحد فى ظهور ربوبيته بل اظهر الكون وحجب الكون الكون لئى تظهر لاحد الربوبية فنطمس لان الحق فى الحكمة لا يحتمله الا الحق وسئل بعضهم ما الحكمة فى اظهار الكون قال ارتفاع العلة فاذا ارتفعت العلة ظهرت الحكمة باظهار الكون ان الله سبحانه كان موصفا بالعلم الازلى وكان فى علمه كون الكون كما هى فاظهر الكون باسبق علمه فى ذاته ورادته السابقة فى الازل بوجود الكون وكيف لا يظهر الكون والعلم والارادة سابقان فى الازل بايجاده فاذا بقاء الكون فى العدم مستحيل وايضا ذاته تعالى معدن صفاته وصفاته فعله فظهر فوائد الذات فى الصفات وظهر فوائد الصفات فى الفعل كان قدرته المنزهة حاملة الافعال فوضعتها بالمادة القديمة فى اخص زمان لقوله يوم خلق السموات والارض وايضا كان فى الازل عاشقا على عشاقه الى المشتاقين اليه ليظهر كنوز جلال الذات وجمال الصفات بنعت التعريف لاحبائه لقوله سحانه كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فسبب اظهار الكون شرفه الى جمال المشتاقين ومحبته السابقة للمحبين قال الاستاد فى قوله الذى خلق المسوات والارض فالذى اشارة وخلق السموات والارض عبادة فاشتغلت الاسرار بسماع الذى لتحققها بوجوده ودوامها بشهوده واحتاجت القلوب عند سماع الذى الى سماع الصلة لان الذى من الاسماء الموصلوة لكون القلب تحت ستر الغيب فقال خلق السموات والارض وبان لى اشارة ان قوله تعالى الحمد لله ظاهر الالوهية لاهل العبودية وقوله الذى باطن المشاهدة لاهل المحبة لان المحبة والمشاهدة من لطائف الاسرار فاشار اليها بلفظ الغيبة.

اسماعيل حقي

تفسير : {الحمد لله} الالف واللام فى الحمد لاستغراق الجنس واللام فى لله للاختصاص لانه تعالى قال بربهم يعدلون ودفع تسويتهم بربهم مما جعل مقصودا بالذات. وفى التأويلات النجمية اللام لام التمليك يعنى كل حمد يحمده اهل السموات والارض فى الدنيا والآخرة ملك له وهو الذى اعطاهم استعداد الحمد ليحمدوه بآثار قدرته على قدر استعدادهم واستطاعتهم لكن حمد الخلق له مخلوق فان وحمده لنفسه قديم باق فان قيل أليس شكر المنعم واجبا مثل شكر الاستاذ على تعليمه وشكر السلطان على عدله وشكر المحسن على احسانه قال عليه السلام "حديث : من لم يشكر الناس لم يشكر الله" تفسير : فالجواب ان الحمد والتعظيم المتعلق بالعبد المنعم نظرا الى وصول النعمة من قبله وهو فى الحقيقة راجع اليه تعالى لانه تعالى لو لم يخلق نفس تلك النعمة ولو لم يحدث داعية الاحسان فى قلب العبد المحسن لما قدر ذلك العبد على الاحسان والانعام فلا محسن فى الحقيقة الا الله ولا مستحق للحمد الا هو تعالى. وفى تعليق الحمد باسم الذات المستجمع لجميع الصفات اشارة الى انه المستحق له بذاته سواء حمده حامد او لم يحمده. قال البغوى حمد الله نفسه تعليما لعباده اى احمدوه: وفى المثنوى شعر : جو نكه آن خلاق شكر وحمد جوست آدمى را مدح جوبى نيز خوست خاصه مرد حق كه در فضلت جست برشود زان بادجون خيك درست ورنبا شد اهل زان باد دروغ خيك بدريد امت كى كيرد فروغ تفسير : {الذى خلق السموات} بما فيها من الشمس والقمر والنجوم {والارض} بما فيها من البر والبحر والسهل والجبل والنبات والشجر خلق السموات وما فيها فى يومين يوم الاحد ويوم الاثنين وخلق الارض وما فيها فى يومين يوم الثلاثاء ويوم الاربعاء. وفى تعليق الحمد بالخلق تنبيه على استحقاقه تعالى باعتبار افعاله وآلائه ايضا وتخصيص خلق السموات والارض بالذكر لانهما اعظم المخلوقات فيما يرى العباد وفيهما العبرة والمنافع لهم وجمع السموات دون الارض وهى مثلهن لان طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات قالوا ما بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام. السماء الدنيا موج مكفوف اى متصادم بعضه على بعض يمنع بعضه بعضا اى ممنوع من السيلان. والثانية مر مرة بيضاء. والثالثة حديدة. والرابعة نحاس او صفر. والخامسة فضة. والسادسة ذهب. والسابعة ياقوتة حمراء واما الارض فهى تراب لا غير. والا كثرون على تفضيل الارض على السماء لان الانبياء خلقوا من الارض وعبدوا فيها ودفنوا فيها وان الارض دار الخلافة ومزرعة الآخرة وافضل البقاع على وجه الارض البقعة التى ضمت جسم الحبيب صلى الله تعالى عليه وسلم فى المدينة المنورة لان الجزء الاصلى من التراب محل قبره صلى الله عليه وسلم ثم بقعة الحرم المكى ثم بيت المقدس والشام منه ثم الكوفة وهى حرم رابع وبغداد منه {وجعل الظلمات والنور} الجعل هو الانشاء والابداء كالخلق خلا ان ذلك مختص بالانشاء التكوينى وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له كما فى الآية الكريمة وللتشريعى ايضا كما فى قوله {أية : ما جعل الله من بحيرة} تفسير : [المائدة: 103] الآية. اى ما شرع وما سن وجمع الظلمات لكثرة اسبابها فان سببها تخلل الجرم الكثيف ومن النير والمحل المظلم وذلك التخلل يتكثر بتكثر الاجرام المتخللة بخلاف النور فان سببه ليس الا النار حتى ان الكواكب منيرة بناريتها فهى اجرام نارية وان الشهب منفصلة من نار الكوكب. قال الحدادى وانما جمع الظلمات ووحد النور لان النور يتعدى والظلمة لا تتعدى ـ روى ـ ان هذه الآية نزلت تكذيبا للمجوس فى قولهم الله خالق النور والشيطان خالق الظلمات. وفى التيسير انه رد على التنويه فى اضافتهم خلق النور الى يزدان وخلق الظلمات الى اهرمن وعلى ذلك خلق كل خير وشر {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} عطف على الجملة السابقة. وثم لاستبعاد الشرك بعد وضوح ماذكر من الآيات التكوينية ببطلانه. والباء متعلقة بيعدلون وقدم المعمول على العامل للاهتمام وتحقيق الاستبعاد ويعدلون من العدل وهو التسوية يقال عدلت هذا بهذا اذا ساويته والمعنى انه تعالى مختص باستحقاق الحمد والعبادة باعتبار ما فصل من شؤونه العظيمة الخاصة به الموجبة لقصر الحمد والعبادة عليه ثم هؤلاء الكفرة لا يعملون بموجبه ويعدلون به سبحانه اى يسوون به غيره فى العبادة التى هى اقصى غايات الشكر الذى رأسه الحمد مع كون كل ما سواه مخلوقا له غير متصف بشئ من مبادى الحمد. والاشارة ان الله تعالى خلق سموات القلوب وارض النفوس وجعل الظلمات فى النفوس وهى صفاتها البهيمية والحيوانية واخلاقها السبعية والشيطانية والنور فى القلوب وهو صفاتها الملكية واخلاقها الروحانية الباقية فمن غلب عليه النور وهو صفة الملكية الروحانية يميل على عبودية الحق تعالى ويقبل دعوة الانبياء ويؤمن بالله ورسوله ويتحلى بحلية الشريعة فالله تعالى يكون وليه فيخرجه من ظلمات الصفات الخلقية الحيوانية الى الصفات الملكية كقوله تعالى {أية : الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور} تفسير : [البقرة: 257]. فهذا معنى قوله تعالى {أية : والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات} تفسير : [البقرة: 257]. فهذا معنى قوله تعالى {م الذين كفروا بربهم يعدلون} يعنى بعد ان خلق سموات القلوب وارض النفوس وجعل فيهن الظلمات النفسانية والنور الروحانى مال نفوس الكفار بغلبات صفاتها الى طاغوت الهوى فعبدوه وجعلوه عديلا لربهم كذا فى التأويلات النجمية ـ حكى ـ انه جاء جماعة من فقهاء اليمن الى الشيخ العارف بالله ابى الغيث ابن جميل قدس سره يمتحنونه فى شىء فلما دنوا منه قال مرحبا بعبيد عبدى فاستعظموا ذلك فلحقوا شيخ الطريقين وامام القريقين ابا الذبيح اسماعيل بن محمد الحضرمى قدس سره فاخبروه بما قاله الشيخ ابو الغيث المذكور لهم فضحك وقال صدق الشيخ انتم عبيد الهوى والهوى عبده. شعر : غلام همت آنم كه زير جرخ كبود زهرجه رنك تعلق بذيرد آزادست

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ثم الذين كفروا}: عطف على جملة الحمد؛ على معنى: أن الله حقيق بالحمد على ما خلقه، نعمةً على العباد، ثم الذين كفروا بربهم الذي ربَّاهم بهذه النعم، يَعدِلون به سواه من الأصنام، يقال: عدَلت فلانًا بفلان؛ جعلته نظيره، أو عطف على "خلَق وجعل": على معنى أنه خلق وقدّر ما لا يقدر عليه غيره، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء. ومعنى {ثم}: استبعاد عدولهم بعد هذا البيان. والباء في "بربهم" متعلقة بكفروا، على الأول، وبيعدلون على الثاني، قاله البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {الحمد لله} أي: جميع المحامد إنما يستحقها الله، إذ ما بكم من نعمة فمن الله. {الذي خلق السماوات} التي تُظِلُّكم، مشتملة على الأنوار التي تضيء عليكم، ومحلاً لنزول الرحمات والأمطار عليكم، {و} خلق {الأرض} التي تُقلُّكم، وفيها نبات معاشكم في العادة، وفيها قراركم في حياتكم وبعد مماتكم، مشتملة على بحار وأنهار، وفواكه وثمار، وبهجة أزهار ونِوار، {وجعل الظلمات} التي تستركم، راحة لأبدانكم وقلوبكم، كظلمات الليل الذي هو محل السكون. {و} جعل {النور} الذي فيه معاشكم وقوام أبدانكم وأنعامكم. {ثم الذين كفروا} بعد هذا كله، {يعدلون} عنه إلى غيره، أو يعدلون به سواه، فيُسوَونه في العبادة معه. قال البيضاوي: وجمع السماوات دون الأرض وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة الآثار والحركات، وقدَّمها؛ لشرفها وعلو مكانها. ثم قال أيضًا: وجمع الظلمات؛ لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها، أو لأن المراد بالظلمة: الضلال، وبالنور: الهُدى. والهدى واحد والضلال متعدد. وتقديمها لتقدم الإعدام على المَلَكَهِ. ومن زعم أن الظلمة عرَضٌ يُضاد النور احتج بهذه الآية، ولم يعلم أن عدم الملكَة كالعمي ليس صِرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل. هـ. الإشارة: أثنى الحقّ ـ جلّ جلاله ـ على نفسه بإنشاء هذه العوالم، التي هي محل ظهور عظمته وجلاله وجماله وبهائه. فأنشأ سموات الأرواح، التي هي مظهر لشروق أنوار ذاته وصفاته، ومحل لظهور عظمة ربوبيته، وأنشأ أرض النفوس، التي هي مظهر لتصرف أقداره، ومحل لظهور آداب عبوديته، وتجلى بين الضدين؛ بين الظلمات والنور، ليقع الخفاء في الظهور، كما قال بعض الشعراء: شعر : ................ لقد تكامَلَت الأضدادُ في كاملِ البهَا تفسير : ثم بعد هذا الظهور التام، عدل عن معرفتهُ جلُ الأنام، إلا من سبقت له العناية من المِلك العلام، وبالله التوفيق. ثم برهن على كمال قدرته، فقال: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ}.

الطوسي

تفسير : آية في الكوفي والبصري، وآيتان في المدنيين، قوله {والنور} آخر آية أخبر الله تعالى في هذه الآية أن المستحق للحمد من خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور أي خلقهما لما أشتملا عليه من عجائب الخلق ومتقن الصنع. ثم عجب ممن جعل له شركاء مع ما ترى في السماوات والارض من الدلالة على أنه الواحد الذي لا شريك له، وقد بينا فيما تقدم وجه دلالة ذلك على أنه واحد ليس باثنين. وقوله {بربهم يعدلون} أي يجعلون له مثلا يستحق العبادة مأخوذ من قولك: لا أعدل بفلان أحدا، أي لا نظير له عندي ولا أحد يستحق ما يستحقه. قال الكسائي: يقال عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولا اذا ساويته، وعدل في الحكم يعدل عدلا. وقال الحسن ومجاهد: معنى يعدلون يشركون. وانما ابتدأ تعالى هذه السورة بالحمد احتجاجا على مشركي العرب، وعلى من كذب بالبعث والنشور فابتدأ، فقال {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} فذكر أعظم الاشياء المخلوقة، لان السماء بغير عمد ترونها، والارض غير مائدة بنا. ثم ذكر الظلمات والنور، وذكر الليل والنهار، وهما مما به قوام الخلق. فأعلم الله تعالى أن هذه خلق له، وأن خالقها لا شىء مثله. وروي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: ان الانعام نزلت جملة، وشيعها سبعون الف ملك حين أنزلت على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فعظموها، وبجلوها، فان اسم الله تعالى فيها في سبعين موضعا. ولو يعلم الناس ما في قراءتها من الفضل ما تركوها.

الجنابذي

تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} قد مضى {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} الخلق قد يطلق على مطلق الايجاد سواء كان مسبوقاً بمدّة ومادّةٍ وهو الخلق بالمعنى الاخصّ كالمواليد او مسبوقاً بمادّة دون المدّة وهو الاختراع كالافلاك وما فى جوفها من العناصر، او لم يكن مسبوقاً بشيءٍ منها مع التعلّق بالمادّة وهو الانشاء كالنّفوس، او بدونه وهو الابداع كالعقول، والجعل المتعدّى لواحد بمعنى الخلق لكنّ الاغلب استعماله فيما له تعلّق بمحلٍّ او شيءٍ آخر عرضاً كان او جوهراً كقوله {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} تفسير : [الملك:23] لما فيه من شوب معنى التّصيير، ولمّا كان النّور والظّلمة العرضيّان متعلّقين بالمحلّ ذكر الخلق بالمعنى الاعمّ فى ايجاد السّماوات والارض والجعل فى ايجاد النّور والظّلمة، والسّماء اسم لما له ارتفاع وتأثير فيما دونه والافلاك الطّبيعيّة احد مصاديقها، فانّ العقول الطّوليّة يعنى الملائكة المقرّبين والّذين هم قيام لا ينظرون والعقول العرضيّة يعنى الملائكة الصّافات صفّاً والنّفوس الكلّيّة المدبّرات امراً والنّفوس الجزئيّة الرّكّع والسّجّد والاشباح المثاليّة ذوات الاجنحة كلّها سماوات، والارض اسم لما فيه تسفّل وقبول عن الغير فالارض الغبراء وعالم الطّبع بسمائها وارضها والاشباح الظّلمانيّة يعنى عالم الجنّة والشّياطين بل الاشباح النّوريّة كلّها ارض بالنّسبة الى عالم الارواح لتسفّلها وتأثّرها عنه، والمادّة الاولى المسمّاة بالهيولى والثّانية المسمّاة بالجسم والثّالثة المسمّاة بالعنصر والرّابعة المسمّاة بالجماد والخامسة المسمّاة بالنّبات والسّادسة المسمّاة بالحيوان والسّابعة المسمّاة بالبشر كلّها اراضٍ بالنّسبة الى الصّور والنّفوس وكلّها طبقات متراكمة ودركات متلاحمة فى وجود الانسان، والارض الغبراء ارض بالنّسبة الى الافلاك ودركات العالم الظّلمانىّ السّفلىّ الّذى فيه الجنّة والشّياطين ودركات الجحيم ودار المعذّبين اراضٍ بالنّسبة الى عالم المثال، ومن الارض مثلهنّ اشارة الى ما ذكر من مراتب العالم السّفلىّ او مراتب الموادّ وقد اطلق فى الاخبار السّماء والارض على غير ما ذكر من الصّفات والاخلاق وطبقات السّماء باعتبار محيطيّتها ومحاطيتها والكلّ راجع الى ما ذكر لهما من المفهوم وقد قيل بالفارسيّة: شعر : آسمانها ست در ولايت جان كار فرماى آسمان جهان تفسير : وفى الاخبار ما يدلّ على تعدّد السّماوات فى عالم الارواح ولتقدّم السّماوات شرفاً ووجوداً ورتبةً وعلّيّةً من حيث النّزول قدّمها على الارض، وجمع السّماوات وافراد الارض ههنا وفى اكثر الآيات للاشارة الى كثرة السّماوات وقلّة الارض وانّ الارض مع تعدّدها وكثرتها من حيث محاطيّتها امر واحد وانّ طبقاتها متراكمة بحيث انّ الدّانية فانية فى العالية ومتّحدة معها، وليست السّماوات كذلك فانّها كثيرة محيطة مستقلّة غير متراكمة، بين كلّ سماء وسماء مسافة بعيدة، والنّور اسم للظّاهر بذاته والمظهر لغيره وهذا المعنى حقيقةً حقّ حقيقة الوجود الّتى هى حقيقة الحقّ الاوّل تعالى شأنه، فانّه ظاهر بذاته من غير علّة وفاعل يظهره ومظهر لغيره من الانوار الحقيقيّة والعرضيّة وظلمات المهيّات والحدود ونقائص الاعدام وطلسمات عالم الطّبع وعالم الجنّة والشّياطين فالحق الاوّل تعالى احد مصاديق النّور والمقصود ههنا غيره تعالى لتعلّق الجعل به وليس الاوّل تعالى مجعولاً والاولى بالنّوريّة بعد الحقّ الاوّل تعالى الحقّ المضاف الّذى هو فعل الاوّل تعالى وكلمته واضافته الاشراقيّة والحقيقة المحمّديّة (ص) والمشيّة الّتى خلق الاشياء بها وهو ايضاً حقيقة واحدة بوحدة الحقّ الاوّل وهو ظهوره وتجليّه الفعلىّ واسمه الاعظم وهو تجلّيه تعالى على الاشياء. ولمّا كان الحقّ المضاف لا بشرطٍ والّلا بشرط يجتمع مع الف شرطٍ كان متّحداً مع الاشياء الّتى ظهر هو فيها ومقوّماً لها ومعها وليست الاشياء سواها والحقّ الاوّل من حيث فاعليّته هو الحقّ المضاف، فانّ الفاعليّة هى نفس الفعل ولولا الفعل لما كان الفاعليّة والفعل بوحدته عين المنفعلات من حيث انّها منفعلات فصحّ ما قيل انّ بسيط الحقيقة كلّ الاشياء يعنى من حيث الفعل وصحّ ما نسب الى الفتوحات وهو قوله: سبحان من اظهر الاشياء وهو عينها، يعنى بحسب الفعل ومثال ذلك النّفس حيث انّها بوحدتها كلّ القوى فانّها فى البصر عين البصر، وفى السّمع عين السّمع، وهكذا فى غيرها مع ذلك ما انثلم وحدتها وما تنزّلت عن مرتبتها العالية الغيبيّة ولولا هذا الاتّحاد والعنيّة لما صحّ نسبة فعل القوى اليها حقيقةً كما انّه لولا عينيّة الحقّ الاوّل مع الاشياء لما صح نسبة افعالها اليه حقيقة وكان قول القدريّة صحيحاً وقول الثنويّة حقّاً، وهذا النّور حقيقة واحدة ظلّيّة مضيئةٌ لسطوح المهيّات والحدود والكثرة المترائاة انّما هى بعرض المهيّات ولا ينثلم بها وحدتها الذّاتيّة كما انّ النّور العرضىّ الشّمسىّ حقيقة واحدة وتكثّره بتكثّر السّطوح لا ينثلم به وحدته، والظّلمة عبارة عن عدم النّور فهى خافية فى نفسها مخفية لغيرها وهذا شأن المهيّات والحدود والاعدام الّتى نشأت من تنزّل الوجود وضعفه، وكلّما زاد التنزّل والضّعف ازدادت الحدود والمهيّات والخفاء والاخفاء حتّى اذا وصل الى عالم الطّبع الّذى اختفى فيه صفات الوجود، وقد علمت انّ الكثرة بالّذات للحدود وبالحدود يتميّز الوجود كما انّ بالسّطوح تميّز النّور العرضىّ ولولاها لما ظهر، ولذلك قدّم الظّلمات مجموعاً واخّر النّور مفرداً عكس الاوّل فقال تعالى {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} ولمّا كان الدّهريّة والطبيعيّة والقائلون بالبخت والاتّفاق والقائلون بالاجزاء الّتى لا تتجزّى وغيرهم من الفرق الملحدة قائلين بقدم العالم بصورته ومادّته او بمادّته فقط كانت الفقرة الاولى منعاً لدعويهم، ولمّا كان اكثر الثّنويّة قائلين بقدم النّور والظّلمة وانّها مبدءان للعالم وقد مضى وجه مغالطتهم فى اوّل سورة النّساء عند قوله {أية : إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} تفسير : [النساء: 17] ، كانت الفقرة الثّانية منعاً لدعويهم {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} فيه معنى التّعجّب، وتخلّل ثمّ للاشارة الى استبعاد التّسوية مع كونه خالقاً للسّماوات والظّلمات والنّور، ولمّا كان الايمان به ينفتح باب القلب وبانفتاحه يوقن بالله وصفاته وملائكته وكتبه ورسله، وبدون ذلك الانفتاح لا يمكن الايمان بالله ولذا اختصّ الايمان بمن بايع عليّاً (ع) وخلفائه ودخل البيعة فى قلبه ما به ينفتح بابه الى الملكوت كان الكفر هو ستر باب القلب وعدم انفتاحه بتلك البيعة فالكافر من لم يبايع عليّاً (ع) بالبيعة الخاصّة الولويّة، ولذلك فسّر الكفر فى اكثر الآيات بالكفر بالولاية والكفر بعلىّ (ع) والرّبّ المضاف كما ورد عنهم فى تفسير {أية : وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً} تفسير : [الفرقان:55] هو الرّبّ فى الولاية والرّب المطلق هو ربّ الارباب، والوجه فى ذلك انّ الولاية هي اضافة الله الاشراقيّة الى الخلق فمعنى الآية بحسب المقصود ثمّ الّذين كفروا بعلىّ (ع) بستر وجه القلب بترك بيعة علىّ (ع) وعدم دخول الايمان فى قلوبهم بعلىّ (ع) يسوّون سائر افراد البشر ويمكن تعلّق بربّهم بكفروا وكون يعدلون بمعنى يسوّون او بمعنى يخرجون من الحقّ وبحسب التّنزيل ثمّ الّذين كفروا بالله بترك بيعة محمّد (ص) وعدم قبول الاسلام او ثمّ الّذين كفروا بالله بترك الاقرار بالله او بوحدانيّته بربّهم الّذى هو ربّ الارباب يسوّون الاصنام، وهذه الفقرة ردّ بحسب الظّاهر على مشركى العرب وغيرهم من عابدى الوثن والعجل وغيرهما، وبحسب التّأويل ردّ على كلّ من انحرف عن الولاية.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض} قال مقاتل: قال المشركون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من ربك؟ قال: "الذي خلق السموات والأرض" فكذبوه فأنزل الله تعالى حامداً لنفسه دالاًّ بصفته على وجوده وتوحيده، قوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور}، قيل: ظلمة الليل ونور النهار، وقيل: ظلمة النار ونور الجنة، وقدَّم الظلمات لأنها خلقت قبل النور، قال قتادة: خلق الله السموات قبل الأرض، وقال في الثعلبي عن وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلماً ثم خلق جوهرة فأضاءت ذلك المكان ثم نظر إلى الجوهرة نظرة الهيبة فصارت ماء، فارتفعت بخارها وزبدها فخلق من البخار السماوات، ومن الزبد الأرضين، قوله تعالى: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} يعني بعد هذا البيان يعدلون إلى عبادة الأوثان، أي يشركون، يقال عدلت الشيء بالشيء إذا سويت به غيره.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الأنعام وهي مكية كلها في قول بعضهم وقال الكلبي: إلا ثلاث آيات مدنيات في آخرها: {قُلْ تَعَالَوا اتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}... إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ} حمد نفسه، وهو أهل للحمد. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إنه ليس أحد أحبَّ إليه الحمد من الله ولا أكثر معاذير من الله تفسير : .أي أنه قطع العذر الذي بينه وبين خلقه حتى لا يجدوا عذراً. قوله: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} أي وخلق الظلمات والنور. الظلمات الليل، والنور ضوء النهار. قال بعضهم خلق السماوات قبل الأَرض، والنور قبل الظلمة، والجنة قبل النار. قال: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} يعني المشركين، عدلوا به الآلهة وهي أصنامهم التي عبدوها من دون الله. ذكروا عن كعب قال: فتحت التوراة بهذه الآية: {الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} وختمت بـ (أية : الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) تفسير : [الإِسراء:111].

اطفيش

تفسير : <b>بسم الله الرحمن الرحيم</b> {الحمدُ للهِ الَّذى خَلَق السَّماوات والأرضَ} إخبار بأن الله جل جلاله هو أهل الحمد، فإذا كان إهلاله وجب حمده، فهو مقيد للأمر من هذه الجهة، وقيل: اللفظ إخبار، والمعنى أمر، أى احمدوا الله، أو قالوا: "الحمد لله" ولو قال: احمدوا الله لم يفد الدوام والثبوت، ولم يفد تعليل صفة الحمد، وعلل الحمد بخلق السماوات والأرض، لأن فيهن منافع الدنيا والآخرة لنا، ولكونهن منافع وعبراً، وأعظم ما ترى من الأجسام خصَّهن بالذكر، فهو حقيق بالحمد لخلقه هذه المنافع والأجسام العظام، حمد أو لم يحمد، فهو حجة على الذين كفروا وعدلوا بربهم، وجمع السماء دون الأرض، مع أن الأرض أيضاً أرضون، لأن طبقات السماوات مختلفات، بعضها موج، وبعضها فضة، وهكذا... ومتفاوتات الآثار والحركات والأرضين كلهن تراب وحجر، ساكنات لا تفاوت فيهن بحركة أو أثر. وقدم السماوات لشرفهن بالملائكة وبالعبادات الدائمة والخلو عن المعاصى، وبالنيرات، وعلوّ مكانهن وتقدم وجودها كذا قيل إنه تقدم وجودها، وذلك تفضيل يظهر للحسن، وأما باعتبار أن رسول الله صلى الله وسلم خلق من الأرض، فهذه الأرض أفضل، وذلك الحمد شكر أيضاً لتعلقه بالمنافع، وإنما جعلت قوله: {الذى خلق} تعليلا وتعليقاً، لأن الموصول وصلته كالوصف، وتعليق الحكم بالوصف يؤذن بعليته. وحكى الفخر عن سيبويه أنهُ لا يقال: الحمد بالتعريف إلا فى الله، لأنه يدل على التعظيم، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من شئ أحب إلى الله من الحمد" تفسير : وقالوا: أبلغ الحمد الحمد لله على كل حال، وما من نعمة عظمت إلا والحمد لله أعظم منها، والمراد خلق السماوات والأرض وما فيهما وغير ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أذن لى أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاه فى الأرض السفلى، وقرناه على العرش، ما بين شحمة أذنه وعاتقه خفقان الطير مسيرة مائة عام، وهو يقول: سبحان الله، وهو اسمه روقيل " تفسير : {وجَعَل الظُّلمات والنُّور}: جعل بمعنى أنشأ، ولذلك تعدى لواحد، والفرق بين الجعل الذى بمعنى أنشأ الخلق، وأن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين، قال السعد فى حاشية الكشاف: معنى التضمين جعل شئ فى ضمن شئ، بأن يحصل منه أو يصير إياه، أو ينتقل منه إليه، وذلك أن النور والظلمة لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية وهم مجوس، وخلق الظلمة إلى هرمز وهو الشيطان، وبنوا على ذلك أن الله خلق الخير، والشيطان خلق الشر. زعمت المنانية منهم أن النور والظلمة حيان فعالان درا كان حساسان، وما زالا مفترقين حتى بغت الظلمة على النور فمازجته، فعند ذلك تكونت الأشياء من امتزاجهما، فكل ما حدث من نور وخير وعلم وبر، فهو من الأصل النورى، وكل ما يحدث من ظلمة وشر وجهل وفجور، وكل شئ قبيح، فهو من الأصل الظلمى، ورد عليهما أن افتراقهما قبل الممازجة إن كان لطبيعة فلا يتمازجان بعد، لأن الطبيعة تلزم، وإن كان اختياراً فلعلهما قد امتزجا قبل هذا الافتراق الذى أثبتم، ومن أين لكم أنهما لم يمتزجا قبل، ويرد عليهما أيضا أنهما لم يزل بصفة كذا لا يزول عنها، فإذا قلتم، لم يزالا مفترقين فكيف يزول الافتراق؟ فإن ما لا أول لهُ لا يزول، وأيضا إن لم يحدث عن ممازجتهما شئ فلعلهما لم يفترقا، وإن حدث بها نور أو ظلمة لزم حدوث النور كله أو الظلمة كلها، لأن الشاهد يدل على الغائب، والقليل على الكثير، والكثير على القليل، وأنتم قلتم لم يزالا قديمين، وإن حدث شئ غير نور ولا ظلمة بطل قولهم إذا ثبتوا ثالثاً، وأيضا إن كان الامتزاج لتحركها إلى النور حتى مازجته فالتحرك أماله ابتداء فقبله سكون طبعى لها فلا تتحرك، أو سكون غير طبعى كتحرك غير طبعى، فلزم الاختيار وأقروا بالحادث وأما ما لتحريكها ابتداء فكيف تصل النور والمسافة بينهما لا تتناها؟ وأيضا من أين لهم انهما امتزجا ثم افترقا، ولا يمتزجان أبداً، ولعلهما يمتزجان ويفترقان ألف مرة فأكثر، وأى شاهد لهم على ذلك. وأيضا إن قتل رجل رجلا فإن قالوا: قتله النور تركوا قولهم، وإن قالوا: الظلمة فقد أقرت والإقرار خير لا شر، فإن تاب وقالوا: تابت الظلمة، ففساد قولهم ظاهر، وإن قالوا تاب النور فلا قتل له فضلا عن أن يتوب، فكذب النور وكان فاعلا للشر وهو الكذب، وإن أقرت الظلمة بالقتل واعترفت، فذلك صدق، والصدق خير. وأيضا من فعل خيراً ثم شراً فإن قالوا: الذى فعل الشر هو الذى فعل الخير تركوا مذهبهم، وإن قالوا غيره فهذا هو أعجب شئ فى الدنيا، رضى عمرو على زيد، ولما غضب عليه صار غير عمرو. وأيضا إن أراد رجل قتل آخر، فجاء من شفع فإن كان مريد القتل النور تركوا مذهبهم، وإن كان الظلمة فالشافع إما ظلمة والشفعة خير، وأما نور فمريد القتل الظلمة وعفت، والعفو خير، وإن عفا نور فالعافى مريد الشر، ومن قال أنا ظالم فإن كذب فالنور لا يكذب، وإن صدق فالظلمة لا تصدق. وقالت الديصانية كالمنانية، إلا أنهم قالوا: النور حى والظلمة ميتة، وأن النور هو الذى مازج الظلمة، ويرد عليهم أن هذه الممازجة إن كانت خيراً فكيف تكون ممازجة الخير لشر خيراً؟ وإن كانت خيراً لقدرته على التخلص منها، فعدم مخالطته لها أولى، وكان هو الحكمة، وهو أولى بالحكمة، وإن مازجها ليدع فيها جزءاً منها تستلذ به ناحيتها، فلعل هذا الجزء لا يتخلص فيعود من جنسها. وأيضاً إذا كانت الظلمة ميتة فكيف تفعل الشر، فإن فعله النور فهو لا يفعل الشر، وإن كذب فالكاذب غير حكيم، ولا يتناقض قوله أو قوله مع فعله، وما ورد على المنانية ورد عليهم، وكل ما يرد به على الدهرية يرد به عليهما وعلى المرنية أيضا، الزاعمين أن الأشياء من نور وظلمة قديمين وثالث متوسط بينهما وهو الإنسان. والرد عليهم فى نحو الممازجة كالرد عليهما. وإن قالوا: الإنسان طلب المزاج بينهما بنفسه، فإن كان شريراً فلا يكون ثالثاً لهما وهو جاهل شرير التحق بالظلمة، والظلمة شر منه، وإن كان خيراً التحق بالنور، وإن كان حكيما فكيف يجب ممازجة الظلمة، وجمع الظلمة لكثرة أسبابها، والأجرام حاملة لها، وسببها تخلل الجرم الكثيف بين النير وبين ما يقع عليه نوره، بخلاف النور، فسببه النار والشمس والقمر وسائر الكواكب والبرق ونحو ذلك، والنور كيفية محسة تدركها الباصرة أولا بواسطتها تدارك سائر المبصرات، والظلمة عدم النور فى الجسم الذى فى شأنه قبول النور. وقيل: الكيفية الوجودية المضادة للنور زعما أن الإعدام غير مخلوقه والحق إلا الإعدام الصرفة غير مخلوقة، كعدم خلق جبل فى موضع من الأرض ليس فيها، وكعدم خلق زيد قبل أن يخلق، والإعدام الوجودية مخلوقة كالظلمة إذا قيل إنها عدم النور، فقبلت الجعل لأنها ليست عدماً محضاً، والموت إذا قيل إنه عدم الحياة والتقابل بين النور والظلمة تقابل العدم والملكة، أى الوجود إذا قلنا إنها عدم النور عما من شأنه أن يقبل النور أو استدل على أنها عدم بقوله: "جعل الظلمات والنور" ولم يقل خلق وهو استدلال مشكل لذكر النور يجعل أيضا. والدليل على أنها أمر عدمى رؤية الجالس فى الغار المظلم الخارج إذا وقع على الخارج ضوء، والخارج عنه لا يرى الجالس فيه، فهذا مما يبطل قول من قال: إنها كيفية وجودية مانعة عن الإبصار وإن تقابل بينها وبين النور تقابل الضدين، فهى عرض مضاد للنور، ولو كانت الظلمة أمراً حقيقياً قائماً بالهواء، مانعاً من الإبصار لم ير أيضاً داخل الغار خارجه الواقع عليه الضوء، إلا أن يقال: قد يكون العائق عن الرؤية ظلمة تحيط بالمرئى، لا الظلمة المحيطة بالرائى، ولا الظلمة مطلقاً، كما أن شرط الرؤية ضوء محيط بالمرئى لا الضوء مطلقاً، ولا الضوء المحيط بالرائى، ومراد بالإحاطة أن يحيط بما رئى وبعضاً، فإذا رئى بعض الإنسان فقط لكون باقيه فى الظلمة، فقد أحيط بذلك لبعض، واستدل أيضا بكونها عدمية بأنا إذا قدرنا خلو الجسم من النور من غير انضياف صفة أخرى إليه، لم تكن حاله إلا هذه الظلمة التى نتخيلها أمراً محساً فى الهواء، وليس هناك أمر محس. ألا ترى أنا إذا أغمضنا العين كان حالنا كما إذا فتحناها فى الظلمة الشديدة، ولا شك أنا لا نرى فى حال التغميض شيئاً فى جفوننا، بل لنا فى هذه الحالة أن لا نرى شيئاً فنتخيل أنا نرى كيفية السواد، وكذا الحال فى تخيلنا الظلمة أمراً محساً، والضوء شرط وجود اللون فى نفسه، فاللون إنما يحدث فى الجسم بالفعل عند حصول الضوء فيه، وأنه أى اللون غير موجود فى الظلمة، لفقد شرط وجوده، بل الجسم فى الظلمة مستعد لأن يحصل فيه عند الضوء اللون المعين، فإنا لا نراه فى الظلمة، فعدم رؤيتنا له إما لعدمه فى نفسه أو لوجود العائق وهو الهواء المظلم، والثانى باطل، لأن الهواء المظلم غير مانع من الإبصار، فإن الجالس فى الغار المظلم يرى من وقع عليه الضوء خارجه، فلم يعقه الهواء المظلم بينهما، والمختار عندى وعليه الفخر أن الضوء شرط لرؤيته لا لوجوده، لأن رؤيته زائدة على ذاته، والمتحقق المتيقن عدم رؤيته فى الظلمة، وأما عدمه فى نفسه فلا. والجالس فى الغار إنما لا يراه الخارج لعدم إحاطة الضوء به، والألوان تصفف بحسب ضعف الضوء، فكل طبقة من الضوء شرط الطبقة من اللون، فإذا انتفى طبقات الأضواء انتفى طبقات الألوان، كذا قيل. قلت: لا يصح بل الألوان باقية فى الظلمة، لكن عجزت الأبصار عن إدراكها، فالمختلف بحسب مراتب الأضواء الرؤية لا اللون، فالرؤية جلاء وخفاء بحسب شدة الأضواء وضعفها، والمرئى باق على حاله من اللون، والله أعلم. وقيل: إن الظلمات الشرك والمعاصى والجهل، وإن النور غير ذلك من الهدى، وعلى هذا فجمع الظلمات التعدد الضلال والحق واحد، وقدم الظلمات لتقدم وجودها، والنور حادث، وكذا الذى هو مطلق عدم المعرفة بالله، وعدم العمل سابق حتى الذى يولد على الفطرة وهو الطفل، فقد مضى وقت وليس موجوداً فى البطن، ومضى عليه وقت فى البطن لا روح فيه، وعن قتادة والسدى وجمهور المفسرين: الظلمات الليل، والنور النهار، والظلمة سابقة على النهار، والأولى أن ينسب إلى الجمهور أن الظلمات كل ظلمة، ولو فى نهار كظلمة البيت المغلق، والنور كل ضوء ولو ليلا، ولعل هذا المراد، والليل والنهار تمثيل، وقيل: الظلمات الجهل، والنور العلم، وقيل: هما الجنة والنار، والجنة مخلوقة قبل النار، والسماوات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، قاله قتادة، وقيل خلقت الأرض قبل السماء ثم دحيت بعد السماء. {ثم الَّذين كَفرُوا بربِّهم يَعْدِلُونَ}: العطف على قوله: "الحمد لله" وثم تفاوت وتباعد أن يسووا غير الله به فى العبادة، ويميلوا منه إلى غيره، ويكفروا نعمته التى هى من السماوات والأرض، ومن الظلمات والنور، فمن منفعة الظلمة استراحة البصر عن النظر المؤدية إلى النوم، مع أن غيره لا يقدر على خلق السماوات والأرض، ولا جعل الظلمات والنور، ولا على ترتيبهم من طور إلى طور، والله هو المربى لهم، أو العطف على خلق السماوات والأرض عطف اسمية على فعلية، فهى صلة للذين أيضا بواسطة العطف، والرابط هو لفظ رب من وضع الظاهر موضع المضمر، ليدل أنه مربيهم بمنافع السماوات والأرض، والظلمات والنور، فكيف يكفرون نعمته، ويميلون عنها إلى غيره، أو يسوون به غيره، مع أن غيره لا نعمة له عليهم بالحقيقة، ولا يخلق ما يخلق الله. والباء على كل وجه تتعلق بيعدلون، سواء فسر بيميلون عن عبادة الله وشكر نعمه، أو يسوون به غيره، وعلى كل وجه أيضاً يجوز تعليقها بكفروا، أى الذين كفروا بربهم يعدلون به غيره، أو يميلون عنه فيعدلون بمعنى يميلون متعد بالحرف، أى يميلون عنه، وبمعنى يسوون متعد بنفسه، أى يسوون به غيره وهو ما يعبدون من الأصنام وغيرها، والمستبعد على تعلق الباء بيعدلون هو قوله: "بربهم" فقدم لذلك، والفاصلة إذا كانوا يعدلون، فكيف يكون العدول بربهم، والمستبعد على تعليقه بكفروا هو قوله: يعدلون، قال النظر بن شميل: الباء بمعنى عن متعلق بيعدلون بمعنى يميلون، قال عمرو بن العاص: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق خلقه فى ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل"

اطفيش

تفسير : قوله تعالى{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ} إِخبار بأن جميع الحمد لله عز وجل، حتى حمد مخلوق لمخلوق على نعمة؛ لأَنَّ الله عز وجل هو الخالق لها الموفق لإعطائها والملقى الإِحسان فى قلب المعطى، فالله أَهل للحمد حمد أَو لم يحمد، وإِذا قلنا الحمد لله إِخبار منا على جهة تعظيم الله بأَنه أَهل للحمد فقد حمدنا، ولا سيما إِن قصدنا الإنشاء بالجملة الاسمية على القلة، فقد حصل الحمد إِلا أَن الوجه الأَول أَحسن لعمومه من قصد الإِنشاء. فإِن قصده مطابق لقول من يقول: المراد أَحمد الله حمداً فنقل للجملة الاسمية، فإِن قولك أَحمد يوهم أَداءَ حق الحمد ولو على قصد الاستمرار مع أَن حق الحمد لا يفى به أَحد، فإِن كل الحمد نعمة توجب الحمد على التسلسل، لأَن كل الحمد بتوفيق، وهو نعمة كما قال داود ذلك فأَوحى الله إِليه: الآن شكرتنى إِذ عرفت عجزك عن شكرى، ولما قال: إِياك نعبد وإِياك نستعين، علمنا أَن المراد بالحمد أَول الفاتحة والأَنعام وغيرهما تعليم العباد اللفظ الذى يلفظون به فى إِيقاع الحمد، ويجوز أَن تكون الجملة إِنشاءَ الخلق الحمد قولوا: الحمد لله، وجمع السماوات لتخالفها بالذات كذهب وفضة وموج، بخلاف الأَرضين فإِنهن وإِن كن سبعاً كالسماوات لكنهن كلهن تراب، وورد فى بعض الأَخبار تخالفهن، والله أَعلم بصحة ذلك وعدمه، وأَما كونهن سبعاً فهو الحق كما قال: {أية : ومن الأَرض مثلهن} تفسير : [الطلاق: 12]، والتأويل خلاف الأَصل، وقد روى الترمذى عن أَبى هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم أَن الأَرضين سبع، بين الواحدة والواحدة خمسمائة عام، وقدم السماوات لشرفهن بالوحى والملائكة وعبادتهم وعدم المعصية فيها إِلا ما وقع من إِبليس لتقدم خلقهن كما هو ظاهر من قوله تعالى: {أية : والأَرض بعد ذلك دحاها} تفسير : [النازعات: 30]، ويقال: خلق الله عز وجل إِبليس تحت الأَرض السابعة فعبده أَلف سنة، وفى السابعة أَلفين وفى السادسة ثلاثة آلاف والخامسة أَربعة آلاف، وفى الرابعة خمسة آلاف، وفى الثالثة ستة آلاف، وفى الثانية سبعة آلاف، وفى الأولى ثمانية آلاف، ثم فى السماء الأُولى تسعة آلاف، وفى الثانية عشرة آلاف، وفى الثالثة أَحد عشر ألفاً، وفى الرابعة اثنى عشر أَلفاً، وفى الخامسة ثلاثة عشر ألفاً، وفى السادسة أَربعة عشر أَلفاً، وفى السابعة خمسة عشر ألفاً، وذلك مائة وعشرون أَلفاً، وقدام العرش ضعف ذلك مائتين وأَربعين أَلف سنة، ولم يبق موضع فى الأَرض إِلا سجد فيه، وقال: يا رب، هل بقى موضع لم أسجد فيه؟، قال: نعم، هو فى الأرض فاهبط، فهبط، فقال: ما هو؟ فقال: هو آدم فاسجد له، فقال: هل بقى موضع سوى آدم؟ فقال: لا، قال: لم أَمرتنى بالسجود له، وفضلته علىَّ؟ قال: أَنا المختار أَفعل ما أَشاءُ، لا أُسأَل عما أَفعل، فارتعدت الملائكة وله ستمائة أَلف جناح مرصع بالجواهر، ولباس من نور، وزالت كلها لما أَبى، وقيل: رأَى آدم صورة من طين بين مكة والطائف، فاحتقره لطينته، فزال ذلك كله عنه {وَجَعَلَ} أَى خلق، فله مفعول واحد كخلق، والفرق أَن فى الخلق معنى التقدير كقوله: {أية : فتبارك الله أَحسن الخالقين} تفسير : [المؤمنون: 14]. وقول الشاعر: شعر : وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى . تفسير : فذلك إِيحاء من الله بقدر وتسوية، والعطف على خلق السماوات والأَرض لا على الحمد لله، وفى الجعل تحصيل شئ من شئ، أَو تصييره إِياه، أَو نقل منه إليه، ولذلك سلط على قوله {الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} إِذ لم تقم الظلمة والنور بأَنفسهما كما زعمت المجوس الثنوية أَن النور والظلمة قائمان بأَنفسهما غير مخلوقين وأَن خالق كل خير النور وكل شر الظلمة، ومن المجوس من قال: النور خلقه هرمز، أَى الله، والظلمة خلقها الشيطان، ومن المجوس من قال: يزدان خلق النور وهو الله، وهرمز خلق الشر، وهرمز فى هذا القول الشيطان، والآية رد عليهم، والله خالق كل شئٍ إِلا أَنه خص الظلمات والنور لأنهما أَعظم المخلوقات للناظرين، وأَل للاستغراق أَو الحقيقة، حتى أَنه قيل: شملت نور العلم والإِيمان وظلمة الجهل والكفر، كما شملت نور الشمس والقمر والنجوم والنار، وكل ما له نور، وظلمة الليل والكسوف والخسوف. وقيل: الأَجرام النيرة كالكواكب لا ضوءَ لها ولا ظلمة، وجمع الظلمة لكثرة الأَجرام الحاصلة لها، وكثرة أَسبابها، وهو تحلل الجرم الكثيف بين النير والمحل المظلم وكل جرم له ظل وهو ظلمة، بخلاف النور فإن سببه ليس إِلا النار والكواكب، بل قيل: الكواكب وكل نير من النار، أَلا ترى أَن الضوءَ القوى حار، كما قيل الكواكب نورية نارية، وأَن الشهب تنفصل عنها، والنور يدركه البصر أَولا وبواسطته يدرك سائر المبصرات، والظلمة عدم النور فيما يقبله، وقيل: الكيفية الوجودية المضادة للنور استدلالا بقوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور}، كما أَن الأَعدام غير مخلوقة، قلت: الحق أن الأَعدام التى بعد الأَزل المنبئة على وجود ضدها الثابتة بفقد ضدها وجودية مخلوقة كالظلمة بعد النور، والأَعدام الصرفة غير وجودية فلم تخلق، وأَما كثرة الظلمة بمعنى الضلال، وقلة النور بمعنى الهدى، فلأَن الهدى واحد، ووجوه الضلال متعددة، والظلمة عرض يضاد النور ووجودى بدليل الجعل فى الآية وقدمها لتقدم الأَعدام على الملكة، أَعنى الوجود. والظلمة سابقة على النور، {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} عطف على الحمد لله، لأَن المعنى أن الله حقيق بالحمد على صفاته وأَفعاله ونعمه، وهو لم يوفوه حقه فى الحمد، بل الذين كفروا عدلوا أَى سووا به غيره مما ليس له ذلك الوصف وما معه من الأَوثان وغيرها، وثم لبعد ذلك عقلا وشرعا مبالغة فى ذمهم، كما بالغ فيه بتقديمه تحقيقا للاستبعاد، وبالإظهار فى موضع الإِضمار تحقيقا لاستبعاد أَن يكفر بمن هو رب منعم قادر، أَو تعلق الباء بكفروا ويقدر مثله ليعدلون، أَو يقدر يعدلون عنه أَى يميلون، والكفر بمعنى الإِشراك، وبمعنى كفر النعمة، والآية دليل على التوحيد، والتى بعدها إِلى قوله "أية : تمترون" تفسير : [الأنعام: 2] دليل على البعد.

الالوسي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} جملة خبرية أو إنشائية. وعين بعضهم الأول لما في حملها على الإنشاء من إخراج الكلام عن معناه الوضعي من غير ضرورة بل لما يلزم على كونها إنشائية من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد ضرورة أن الإنشاء يقارن معناه لفظه في الوجود. وآخرون الثاني لأنه لو كانت جملة الحمد إخباراً يلزم أن لا يقال لقائل الحمد لله حامد إذ لا يصاغ للمخبر عن غيره لغة من متعلق إخباره اسم قطعاً فلا يقال لقائل زيد له القيام قائم واللازم باطل فيبطل الملزوم. ولا يلزم هذا على تقدير كونها إنشائية فإن الإنشاء يشتق منه اسم فاعل صفة للمتكلم به فيقال لمن قال: بعت بائع. واعترض بأنه لا يلزم من كل إنشاء في ذلك وإلا لقيل لقائل: ضرب ضارب والله تعالى شأنه القائل { أية : وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ } تفسير : [البقرة: 233] مرضع بل إنما يكون ذلك إذا كان إنشاء لحال من أحوال المتكلم كما في صيغ العقود ولا فرق حينئذ بينه وبين الخبر فيما ذكر، والذي عليه المحققون جواز الاعتبارين في هذه الجملة. وأجابوا عما يلزم كلاً من المحذور. نعم رجح هنا اعتبار الخبرية لما أن السورة نزلت لبيان التوحيد وردع الكفرة والإعلام بمضمونها على وجه الخبرية يناسب المقام وجعلها لإنشاء الثناء لا يناسبه، وقيل: إن اعتبار خبريتها هنا / ليصح عطف ما بعد (ثم) الآتي عليها. ومن اعتبر الإنشائية ولم يجوز عطف الإنشاء على الإخبار جعل العطف على صلة الموصول أو على الجملة الإنشائية بجعل المعطوف لإنشاء الاستبعاد والتعجب. ولا يخفى ما في ذلك من التكلف والخروج عن الظاهر وفي تعليق الحمد أولاً: باسم الذات ووصفه تعالى ثانياً: بما وصف به سبحانه تنبيه على تحقق الاستحقاقين تحقق استحقاقه عز وجل الحمد باعتبار ذاته جل شأنه وتحقق استحقاقه سبحانه وتعالى باعتبار الإنعام المؤذن به ما في حيز الموصول الواقع صفة. ومعنى استحقاقه سبحانه وتعالى الذاتي عند بعض استحقاقه جل وعلا الحمد بجميع أوصافه وأفعاله وهو معنى قولهم: إنه تعالى يستحق العبادة لذاته وأنكر هذا صحة توجه التعظيم والعبادة إلى الذات من حيث هي. وقد صرح الإمام في «شرح الإشارة» عند ذكر مقامات العارفين أن الناس في العبادة ثلاث طبقات. فالأولى: في الكمال والشرف الذين يعبدونه سبحانه وتعالى لذاته لا لشيء آخر. والثانية: وهي التي تلي الأولى في الكمال الذين يعبدونه لصفة من صفاته وهي كونه تعالى مستحقاً للعبادة. والثالثة: وهي آخر درجات المحققين الذين يعبدونه لتكمل نفوسهم في الانتساب إليه. ولا يشكل تصور تعظيم الذات من حيث هي لأنه ـ كما قال الشهاب ـ لو وقع ذلك ابتداء قبل التعقل بوجوه الكمال كان مشكلاً أما بعد معرفة المحمود جل جلاله بسمات الجمال وتصوره بأقصى صفات الكمال فلا بدع أن يتوجه إلى تمجيده تعالى وتحميده عز شأنه مرة أخرى بقطع النظر عما سوى الذات بعد الصعود بدرجات المشاهدات. ولذا قال أهل الظاهر: شعر : صفاته لم تزد معرفة لكنها لذة ذكرناها تفسير : فما بالك بالعارفين الغارقين في بحار العرفان وهم القوم كل القوم. والذي حققه السيالكوتي وجرينا عليه في الفاتحة أن الاستحقاق الذاتي ما لا يلاحظ معه خصوصية صفة حتى الجميع لا ما يكون الذات البحت مستحقاً له فإن استحقاق الحمد ليس إلا على الجميل. وسمي ذاتياً لملاحظة الذات فيه من غير اعتبار خصوصية صفة أو لدلالة اسم الذات عليه أو لأنه لما لم يكن مسنداً إلى صفة من الصفات المخصوصة كان مسنداً إلى الذات. وذكر بعض محققي المتأخرين كلاماً في هذا المقام رد به فيما عنده على كثير من العلماء الأعلام. وحاصله أن اللام الجارة في «لله» لمطلق الاختصاص دون الاختصاص القصري على التعيين بدليل أنهم قالوا في مثل { أية : له الحمد } تفسير : [سبأ: 1] إن التقديم للاختصاص القصري فلو أن اللام الجارة تفيده أيضاً لما بقي فرق بين الحمد لله و{له الحمد} غير كون الثاني أوكد من الأول في إفادة القصر والمصرح به التفرقة بإفادة أحدهما القصر دون الآخر وأن الاختصاصات على أنحاء وتعيين بعضها موكول إلى العلة التي يترتب عليها الحكم وتجعل محموداً عليه غالباً وغيرها من القرائن فإذا رأيت الحكم على أوصافه تعالى المختصة به سبحانه وتعالى وجب كون الحمد مقصوراً عليه تعالى فيحمل الحكم المعلل على القصر ليطابق المعلول علته ومع ذلك إذا كانت الأوصاف المختصة به عز وجل مما يدل على كونه عز شأنه منعماً على عباده وجب كون الحمد حقاً لله تعالى واجباً على عباده سبحانه فيحمل الحكم المعلل على الاستيجاب للتطابق أيضاً وإذا لم يعلل الحكم بشيء أو قطع النظر عن العلة التي رتب عليها الحكم فإنما يثبت في الحكم أدنى مراتب الاختصاص الذي هو كونه تعالى حقيقاً بالحمد مجرداً عن القصر والاستيجاب. ويعضد ما أشير إليه اختلاف عبارات العلامة البيضاوي في بيان مدلولات جمل الحمد وأن المراد من الاستيجاب الذي جعله بعض النحاة من معاني اللام ما هو بمنزلة مطلق الاختصاص / الذي قرره لا المعنى الذي رمز إليه فعلى هذا يكون مفهوم جملة {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} فيما نحن فيه أنه تعالى حقيق بالحمد ولا دلالة فيها من حيث هي هي مع قطع النظر عن المحمود عليه الذي هو علة الحكم على قصر الحقيقية بالحمد عليه سبحانه وتعالى ولا على بلوغها حد الاستيجاب، نعم في ترتب الحكم على ما في حيز الصفة تنبيه على كون الحمد حقاً لله تعالى واجباً على عباده مختصاً به عز شأنه مقصوراً عليه سبحانه حيث إن ترتب الحكم كما قالوا على الوصف يشعر بمنطوقه بعلية الوصف للحكم وبمفهومه بانتفاء الحكم عمن ينتفي عنه الوصف. ثم قال: وبالجملة إن جملة {ٱلْحَمْدُ ٱللَّهِ} مدعى ومدلول. وقوله سبحانه وتعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ } الخ دليل وعلة وليس هناك إلا حمد واحد معلل بما في حيز الوصف لا حمد معلل بالذات المستجمع لجميع الصفات أو بالذات البحت أولاً على ما قيل وبالوصف ثانياً حتى يكون بمثابة حمدين باعتبار العلتين لأن لفظ الجلالة علم شخصي ولا دلالة له على الأوصاف بإحدى الدلالات الثلاث فكيف يكون محموداً عليه وعلة لاستحقاق الحمد، ولذلك لا يكاد يقع الحكم باستحقاق الحمد إلا معللاً بالأمور الواضحة الدالة على صفاته سبحانه وتعالى الجليلة وأفعاله الجميلة ولا يكتفي باسم الذات اللهم إلا في تسبيحات المؤمنين وتحميداتهم لا في محاجة المنكرين التي نحن بصدد بيانها، وأيضاً اقتضاء الذات البحت من حيث هو الذات ماذا يفيد في الاحتجاج على القوم الذين عامتهم لا يبصرون ولا يسمعون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل. وأما ما يقال: إنما قيل {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} بذكر اسم الذات المستجمع لجميع الصفات ولم يقل للعالم أو للقادر إلى غير ذلك من الأسماء الدالة على الجلال أو الإكرام لئلا يتوهم اختصاص الحمد بوصف دون وصف فكلام مبني على ما ظهر لك فساده من كون الذات محموداً عليه. وقد يقال: إن ذكر اسم الذات ليس إلا لأن المشركين المحجوبين الجهال لا يعرفونه تعالى ولا يذكرونه فيما بينهم ولا عند المحاجة إلا باسمه سبحانه العليم لا بالصفات كما يدل على ذلك أنه تحكى أجوبتهم بذكر ذلك الاسم الشريف في عامة السؤالات إلا ما قل حيث كان جوابهم فيه بغير اسم الذات كقوله تعالى: { أية : لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } تفسير : [الزخرف: 9] على أن البعض جعل هذا لازم مقولهم. وما يدل عليه إجمالاً أقيم مقامه فكأنهم قالوا: (الله) كما حكى عنهم في مواضع وحينئذ فكأنه قيل: الإلٰه الذي يعرفونه ويذكرونه بهذا الاسم هو المستحق للحمد لكونه خالق السموات والأرض ولكونه كذا وكذا. وإذا عرفت أن الذات لا يلائم أن يكون محموداً عليه وإنما الحقيق لأن يكون محموداً عليه هو الصفات وأن ما يترتب عليه الحمد في كل موضع بعض الصفات بحسب اقتضاء المقام لا جميع الصفات عرفت أن من ادعى أن ترتيب الحمد على بعض الصفات دون بعض يوهم اختصاص استحقاق الحمد بوصف دون وصف يلزم عليه أن يقع في الورطة التي فر منها كما لا يخفى. فالحق أن المحمود عليه هو الوصف الذي رتب عليه استحقاق الحمد وأن تخصيص بعض الأوصاف لأن يترتب عليه استحقاق الحمد في بعض المواقع إنما هو باقتضاء ذلك المقام إياه فإن قلت: فما الرأي في الحمد باعتبار الذات البحت أو باعتبار استجماعه جميع الصفات ـ على ما قيل ـ: هل له وجه أم لا؟ قلت: أما كون الذات الصرف محموداً عليه، وكذا كون الذات محموداً عليه باستجماعه جميع الصفات في أمثال هذه المواضع التي نحن فيها فلا وجه له. / وأما ما ذكروه في شرح خطب بعض الكتب من أن الحمد باعتبار الذات المستجمع لجميع الصفات فلعل منشأه هو أن الحمد لما اقتضى وصفاً جميلاً صالحاً لأن يترتب عليه الحكم باستحقاق الحمد ويكون محموداً عليه فحيث لم يذكر معه وصف كذلك ولم يدل عليه قرينة بل اكتفى بذكر الذات المتصف بجميع الصفات الجميلة ثبت اعتبار الوصف الجميل هناك اقتضاء، ثم من أجل أن تعيين البعض بالاعتبار دون البعض الآخر لا يخلو عن لزوم الترجيح بلا مرجح يلزم اعتبار الصفات الجميلة برمتها فيكون الحمد باعتبار جميعها وحيث ذكر معه وصف جميل صالح لأن يكون محموداً عليه ودل عليه بعينه قرينة استغنى عن ذلك الاعتبار لأن المصير إليه كان عن ضرورة ولا ضرورة حينئذ كما لا يخفى، ومن لم يهتد إلى الفرق بين ما وقع في القرآن المجيد لمقاصد وما وقع في خطب الكتب لمجرد التيمن ولا إلى الفرق بين ما ذكر فيه المحمود عليه صريحاً أو دلت عليه بعينه قرينة وبين ما لم يكن كذلك ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء فخلط مقتضيات بعض المقامات ببعض ولم يدر أن كلام الله تعالى على أي شرف وكلام غيره في أي واد. وقصارى الكلام أن ترتب الحكم الذي تضمنته جملة {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } هنا على الوصف المختص به سبحانه من خلق السماوات والأرض وما عطف عليه يفيد الاختصاص القصري على الوجه الذي تقدم، ويشير إلى ذلك كلام العلامة البيضاوي في تفسيره الآية لمن أمعن النظر إلا أن ما ذكره عليه الرحمة في أول سبأ من الفرق بين { أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [سبأ: 1] وبين { أية : وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلآخِرَةِ } تفسير : [سبأ: 1] مما محصله أن جملة {لَهُ ٱلْحَمْدُ } جيء بها بتقديم الصلة ليفيد القصر لكون الإنعام بنعم الآخرة مختصاً به تعالى بخلاف جملة {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى لَهُ } الخ فإنها لم يجىء بها بتقديم الصلة حتى لا يفيد القصد لعدم كون الإنعام مختصاً به تعالى مطلقاً بحيث لا مدخل فيه للغير إذ يكون بتوسط الغير فيستحق ذلك لغير الحمد بنوع استحقاق بسبب وساطته آب عنه، إذ حاصل ما ذكره في تلك السورة هو أنه لا قصر في جملة {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى لَهُ} الخ بخلاف جملة {لَهُ ٱلْحَمْدُ}، وحاصل ما أشار إليه في هذه وكذا في الفاتحة هو أن جملة {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} إذا رتب على الأوصاف المختصة كالخلق والجعل المذكورين مفيد للقصر أيضاً غاية ما في البال أن طريق إفادة القصر في البابين متغاير، ففي إحداهن تقديم الصلة وفي الآخرى مفهوم العلة فتدبر ذاك والله تعالى يتولى هداك. وجمع سبحانه السماوات وأفرد الأرض مع أنها على ما تقتضيه النصوص المتعددة متعددة أيضاً والمؤاخاة بين الألفاظ من محسنات الكلام فإذا جمع أحد المتقابلين أو نحوهما ينبغي أن يجمع الآخر عندهم. ولذا عيب على أبـي نواس قوله: شعر : ومالك فاعلمن فينا مقالا إذا استكملت آجالاً ورزقاً تفسير : حيث جمع وأفرد إذ جمع لنكتة سوغت العدول عن ذلك الأصل، وهي الإشارة إلى تفاوتهما في الشرف فجمع الأشرف اعتناء بسائر أفراده وأفرد غير الأشرف. وأشرفية السماء لأنها محل الملائكة المقدسين على تفاوت مراتبهم وقبلة الدعاء ومعراج الأرواح الطاهرة ولعظمها وإحاطتها بالأرض على القول بكريتها الذاهب إليه بعض منا وعظم آيات الله فيها ولأنها لم يعص الله تعالى فيها أصلاً وفيها الجنة التي هي مقر الأحباب ولغير ذلك. والأرض وإن كانت دار تكليف ومحل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فليس ذلك إلا للتلبيغ وكسب ما يجعلهم متأهلين للإقامة في حضيرة القدس لأنها ليس بدار قرار، وخلق أبدان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منها ودفنهم فيها مع كون أرواحهم التي هي منشأ الشرف ليست منها ولا تدفن فيها لا يدل / على أكثر من شرفها، وأما أنه يدل على أشرفيتها فلا يكاد يسلم لأحد، وكذا كون الله تعالى وصف بقاعاً منها بالبركة لا يدل على أكثر مما ذكرنا، ولهذا الشرف أيضاً قدمت على الأرض في الذكر، وقيل: إن جمع السماوات وإفراد الأرض لأن السماء جارية مجرى الفاعل والأرض جارية مجرى القابل فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر وهو يخل بمصالح هذا العالم، وأما الأرض فهي قابلة والقابل الواحد كاف في القبول. وحاصله أن اختلاف الآثار دل على تعدد السماء دلالة عقلية والأرض وإن كانت متعددة لكن لا دليل عليه من جهة العقل فلذلك جمعها دون الأرض. واعترض بأنه على ما فيه ربما يقتضي العكس، وقال بعضهم: إنه لا تعدد حقيقياً في الأرض، ولهذا لم تجمع، وأما التعدد الوارد في بعض الأخبار نحو قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من غصب قيد شبر من أرض طوقه إلى سبع أرضين » تفسير : فمحمول على التعدد باعتبار الأقاليم السبعة، وكذا يحمل ما أخرجه أبو الشيخ والترمذي عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : هل تدرون ما هذه هذه أرض هل تدرون ما تحتها؟ قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم قال: أرض أخرى وبينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين خمسمائة عام » تفسير : والتحتية لا تأبـى ذلك فإن الأرض كالسماء كروية، وقد يقال للشيء إذا كان بعد آخر هو تحته، والمراد من قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : بينهما خمسمائة عام » تفسير : أن القوس من إحدى السماوات المسامت لأول إقليم وأول الآخر خمسمائة عام ولا شك أن ذلك قد يزيد على هذا المقدار وكثيراً ما يقصد من العدد التكثير لا الكم المعين. وقوله تعالى: { أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ } تفسير : [الطلاق: 12] محمول على المماثلة في السبعة الموجودة في الأقاليم لا على التعدد الحقيقي، ولا يخفى أن هذا من التكلف الذي لم يدع إليه سوى اتهام قدرة الله تعالى وعجزه سبحانه عن أن يخلق سبع أرضين طبق ما نطق به ظاهر النص الوارد عن حضرة أفصح من نطق بالضاد وأزال بزلال كلامه الكريم أوام كل صاد، وحمل المماثلة في الآية أيضاً على المماثلة التي زعمها صاحب القيل خلاف الظاهر. ولعل النوبة تفضي إن شاء الله تعالى إلى تتمة الكلام في هذا المقام. وذكر بعض المحققين في وجه تقديم السمٰوات على الأرض تقدم خلقها على خلق الأرض ولا يخفى أنه قول لبعضهم. وعن الشيخ الأكبر قدس سره أن خلق المحدد سابق على خلق الأرض وخلق باقي الأفلاك بعد خلق الأرض، وقد تقدم بعض الكلام في هذا المقام. وتخصيص خلقهما بالذكر لاشتمالهما على جملة الآثار العلوية والسفلية وعامة الآلاء الجلية والخفية التي أجلها نعمة الوجود الكافية في إيجاب حمده تعالى على كل موجود فكيف بما يتفرع عليها من صنوف النعم الآفاقية والأنفسية المنوط بها مصالح العباد في المعاش والمعاد. والمراد بالخلق الإنشاء والإيجاد أي أوجد السمٰوات والأرض وأنشأهما على ما هما عليه مما فيه آيات للمتفكرين. {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ} عطف على {خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} داخل معه في حكم الإشعار بعلة الحمد وإن كان مترتباً عليه لأن جعلهما مسبوق بخلق منشئهما ومحلهما كما قيل «والجعل ـ كما قال شيخ الإسلام ـ الإنشاء والإبداع كالخلق خلا إن ذلك مختص بالإنشاء التكويني، وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له كما في الآية وللتشريعي أيضاً كما في قوله سبحانه: { أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ } تفسير : [المائدة: 103] وأياً ما كان ففيه إنباء عن ملابسة مفعوله بشيء آخر بأن يكون / فيه أو له أو منه أو نحو ذلك ملابسة مصححة لأن يتوسط بينهما شيء من الظروف لغواً كان أو مستقراً لكن لا على أن يكون عمدة في الكلام بل قيداً فيه» وقيل: «الفرق بين الجعل والخلق أن الخلق فيه معنى التقدير والجعل فيه معنى التضمين» أي كونه محصلاً من آخر كأنه في ضمنه ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيهاً على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية. واعترض بأن الثنوية يزعمون أن النور والظلمة جسمان قديمان سميعان بصيران أولهما خالق الخير والثاني خالق الشر فهما حينئذٍ ليسا بالمعنى الحقيقي المتعارف فمدعاهم الفاسد يبطل بمجرد هذا، وأيضاً أن الرد يحصل لكونهما محدثين بقطع النظر عما اعتبر في مفهوم الجعل ولو أتى بالخلق بدله حصل المقصود منه، وأيضاً أن الجعل المتعدي لواحد كما فيما نحن فيه لا يقتضي كونه غير قائم بنفسه ألا ترى إلى قوله سبحانه: { أية : وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ ٱلأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا } تفسير : [النحل: 80] { أية : وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } تفسير : [الفرقان: 53] إلى غير ذلك. وأجيب بما لا يخلو عن نظر. وجمع الظلمات وأفرد النور ليحسن التقابل مع قوله سبحانه: {خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أو لما قدمناه في البقرة. وقيل: لأن المراد بالظلمة الضلال وهو متعدد وبالنور الهدى وهو واحد، ويدل على التعدد والوحدة قوله تعالى: { أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } تفسير : [الأنعام: 153] واختار غير واحد حمل الظلمة والنور هنا على الأمرين المحسوسين وإن جاء في الكتاب الكريم بمعنى الهدى والضلال وكان له هنا وجه أيضاً لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته وقد أمكن مع وجود ما يلائمه ويقتضيه اقتضاءً ظاهراً حيث قرنا بالسمٰوات والأرض. وعن قتادة أن المراد بهما الجنة والنار ولا يخفى بعده. وللعلماء في النور والظلمة كلام طويل وبحث عريض حتى أنهم ألفوا في ذلك الرسائل ولم يتركوا بعد مقالاً لقائل. وذكر الإمام أن النور كيفية هي كمال بذاتها للشفاف من حيث هو شفاف أو الكيفية التي لا يتوقف الإبصار بها على الإبصار بشيء آخر، وأن من الناس من زعم أنه أجسام صغار تنفصل عن المضىء وتتصل بالمستضىء وهو باطل، أما أولاً: فلأن كونها أنواراً إما أن يكون هو عين كونها أجساماً وإما أن يكون مغايراً لها والأول باطل لأن المفهوم من النورية مغاير للمفهوم من الجسمية ولذلك يعقل جسم مظلم ولا يعقل نور مظلم، وأما إن قيل: إنها أجسام حاملة لتلك الكيفية تنفصل عن المضىء وتتصل بالمستضىء فهو أيضاً باطل لأن تلك الأجسام الموصوفة بتلك الكيفيات إما أن تكون محسوسة أو لا فإن كان الأول لم يكن الضوء محسوساً وإن كان الثاني كانت ساترة لما تحتها ويجب أنها كلما ازدادت اجتماعاً ازدادت ستراً لكن الأمر بالعكس، وأما ثانياً: فلأن الشعاع لو كان جسماً لكانت حركته بالطبع إلى جهة واحدة لكن النور مما يقع على كل جسم في كل جهة، وأما ثالثاً: فلأن النور إذا دخل من كوة ثم سددناها دفعة فتلك الأجزاء النورانية إما أن تبقى أو لا فإن بقيت فإما أن تبقى في البيت وإما أن تخرج فإن قيل: إنها خرجت عن الكوة قبل السد فهو محال وإن قيل: إنها عدمت فهو أيضاً باطل فكيف يمكن أن يحكم أن جسماً لما تخلل بين جسمين عدم أحدهما فإذن هي باقية في البيت ولا شك في زوال نوريتها عنها. وهذا هو الذي نقول من أن مقابلة المستضىء سبب لحدوث تلك الكيفية وإذا ثبت ذلك في بعض الأجسام ثبت في الكل. وأما رابعاً: فلأن الشمس إذا طلعت من الأفق يستبين وجه الأرض كله دفعة ومن البعيد أن تنتقل تلك الأجزاء من الفلك الرابع إلى وجه الأرض في تلك اللحظة اللطيفة سيما والخرق على الفلك محال عندهم. واحتج المخالف بأن / الشعاع متحرك وكل متحرك جسم فالشعاع جسم (بيان الصغرى بثلاثة أوجه)، الأول: أن الشعاع منحدر من ذيه والمنحدر متحرك بالبديهة. والثاني: أنه يتحرك وينتقل بحركة المضىء. والثالث: أنه قد ينعكس عما يلقاه إلى غيره والانعكاس حركة والجواب: أن قولهم: الشعاع منحدر فهو باطل وإلا لرأيناه في وسط المسافة بل الشعاع يحدث في المقابل القابل دفعة ولما كان حدوثه من شيء عال توهم أنه ينزل. وأما حديث الانتقال فيرد عليه أن الظل ينتقل مع أنه ليس بجسم فالحق أنه كيفية حادثة في المقابل، وعند زوال المحاذاة عنه إلى قابل آخر يبطل النور عنه ويحدث في ذلك الآخر، وكذلك القول في الانعكاس فإن المتوسط شرط لأن يحدث الشعاع من المضىء في ذلك الجسم. ثم القائلون بأنه كيفية اختلفوا فمنهم من زعم أنه عبارة عن ظهور اللون فقط وزعموا أن الظهور المطلق هو الضوء، والخفاء المطلق هو الظلمة، والمتوسط بين الأمرين هو الظل وتختلف مراتبه بحسب مراتب القرب والبعد عن الطرفين وأطالوا الكلام في تقرير ذلك بما لا يجدي نفعاً ولا يأبـى أن يكون الضوء كيفية وجودية زائدة على ذات اللون كما يدل عليه أمور. الأول: أن ظهور اللون إشارة إلى تجدد أمر فهو إما أن يكون اللون أو صفة غير نسبية أو صفة نسبية، والأول: باطل لأنه لا يخلو إما أن يجعل النور عبارة عن تجدد اللون أو عن اللون المتجدد والأول يقتضي أن لا يكون الشيء مستنيراً إلا آن تجدده. والثاني: يوجب أن يكون الضوء نفس اللون فلا يبقى لقولهم الضوء ظهور اللون معنى، وإن جعلوا الضوء كيفية ثبوتية زائدة على ذات اللون وسموه بالظهور عاد النزاع لفظياً. وإن زعموا أن ذلك الظهور تجدد حالة نسبية فذاك باطل لأن الضوء أمر غير نسبـي فلا يمكن أن يفسر بالحالة النسبية. الثاني: أن البياض قد يكون مضيئاً ومشرقاً وكذلك السواد فإن الضوء ثابت لهما جميعاً فلو كان كون كل منهما مضيئاً نفس ذاته لزم أن يكون الضوء بعضه مضاداً للبعض وهو محال إذ الضوء لا يقابله إلا الظلمة. الثالث: أن اللون يوجد من غير الضوء فإن السواد مثلاً قد لا يكون مضيئاً وكذلك الضوء قد يوجد بدون اللون مثل الماء والبلور إذا كانا في ظلمة ووقع الضوء عليه وحده فإنه حينئذٍ يرى ضوؤه فذلك ضوء وليس بلون فإذا وجد كل منهما دون الآخر فلا بد من التغاير. الرابع: أن المضىء للون تارة ينعكس منه الضوء وحده إلى غيره وتارة ينعكس منه الضوء واللون وذلك إذا كان قوياً فيهما جميعاً فلو كان الضوء ظهور اللون لاستحال أن يفيد غيره بريقاً ساذجاً، وكون هذا البريق عبارة عن إظهار لون ذلك القابل يرد عليه أنه لماذا إذا اشتد لون الجسم المنعكس منه وضوؤه أخفى لون المنعكس إليه وأبطله وأعطاه لون نفسه إلى غير ذلك من الأدلة، وفرق الإمام بين النور والضوء والشعاع والبريق بأن الأجسام إذا صارت ظاهرة بالفعل مستنيرة فإن ذلك الظهور كيفية ثابتة فيها منبسطة عليها من غير أن يقال: إنها سواد أو بياض أو حمرة أو صفرة، والآخر اللمعان وهو الذي يترقرق على الأجسام ويستر لونها وكأنه شيء يفيض منها وكل واحد من القسمين إما أن يكون من ذاته أو من غيره فالظهور للشىء الذي من ذاته كما للشمس والنار يسمى ضوءاً والظهور الذي للشيء من غيره يسمى نوراً، والترقرق الذي للشيء من ذاته كما للشمس يسمى شعاعاً. والذي يكون للشيء من غيره كما للمرآة يسمى بريقاً. وقد تقدم لك الكلام في الفرق بين النور والضوء في سورة البقرة أيضاً، وكذا الكلام في الظلمة والنسبة بينها وبين النور، والمشهور أن بينهما تقابل العدم والملكة، ولهذا قدمت الظلمات على النور في الآية الكريمة / فقد صرحوا بأن الأعدام مقدمة على الملكات. وتحقيق ذلك على ما ذكره بعض المحققين أنه إذا تقابل شيئان أحدهما وجودي فقط فإن اعتبر التقابل بالنسبة إلى موضوع قابل للأمر الوجودي إما بحسب شخصه أو بحسب نوعه أو بحسب جنسه القريب أو البعيد فهما العدم والملكة الحقيقيان أو بحسب الوقت الذي يمكن حصوله فيه فهما العدم والملكة المشهوران، وإن لم يعتبر فيهما ذلك فهما السلب والإيجاب، فالعدم المشهوري في العمى والبصر هو ارتفاع الشيء الوجودي كالقدرة على الإبصار مع ما ينشأ من المادة المهيئة لقبوله في الوقت الذي من شأنها ذلك فيه كما حقق في «حكمة العين وشرحها»، فإذا تحقق أن كل قابل لأمر وجودي في ابتداء قابليته واستعداده متصف بذلك العدم قبل وجود ذلك الأمر بالفعل تبين أن كل ملكة مسبوقة بعدمها لأن وجود تلك الصفة بالقوة وهو متقدم على وجودها بالفعل. وقال المولى ميرزاجان: لا بد في تقابل العدم والملكة أن يؤخذ في مفهوم العدمي كون المحل قابلاً للوجودي، ولا يكفي نسبة المحل القابل للوجودي من غير أن يعتبر في مفهوم العدمي كون المحل قابلاً له، ولذا صرحوا بأن تقابل العدم والوجود تقابل الإيجاب والسلب. قال في «الشفاء»: العمى هو عدم البصر بالفعل مع وجوده بالقوة، وهذا مما لا بد منه في معناه المشهور انتهى، وبه يندفع بعض الشكوك التي عرضت لبعض الناظرين في هذا المقام، وقيل في تقدم عدم الملكة على الوجود: إن عدم الملكة عدم مخصوص والعدم المطلق في ضمنه وهو متقدم على الوجود في سائر المخلوقات. ولذا قال الإمام: إنما قدم الظلمات على النور لأن عدم المحدثات متقدم على وجودها كما جاء في حديث رواه أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص «ان الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره» وفي أخرى «ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه نوره اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك جف القلم بما هو كائن» وعليه الظلمة في الخبر بمعنى العدم والنور بمعنى الوجود ولا يلائمه سياق الحديث، والظاهر ما قيل الظلمة عدم الهداية وظلمة الطبيعة والنور الهداية، ومن المتكلمين من زعم أن الظلمة عرض يضاد النور واحتج لذلك بهذه الآية ولم يعلم أن عدم الملكة كالعمى ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل، وتحقيقه ـ على ما قيل ـ أن الجعل هنا ليس بمعنى الخلق والإيجاد بل تضمين شيء شيئاً وتصييره قائماً به قيام المظروف بالظروف أو الصفة بالموصوف والعدم من الثاني فصح تعلق الجعل به وإن لم يكن موجوداً عينياً، وفي «الطوالع» أن العدم المتجدد يجوز أن يكون بفعل الفاعل كالوجود الحادث فافهم ذاك والله تعالى يتولى هداك. {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } يحتمل أن يكون {يَعْدِلُونَ } فيه من العدل بمعنى العدول أو منه بمعنى التسوية، والكفر يحتمل أن يكون بمعنى الشرك المقابل للإيمان أو بمعنى كفران النعمة، والباء يحتمل أن تتعلق بكفروا وأن تتعلق بيعدلون، وعلى التقادير فالجملة إما إنشائية لإنشاء الاستبعاد أو إخبارية واردة للإخبار عن شناعة ما هم عليه، ثم هي إما معطوفة على جملة {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } إنشاءً أو إخباراً أو على قوله سبحانه: {خُلِقَ } صلة {ٱلَّذِى } أو على {ٱلظُّلُمَـٰتِ } مفعول {جَعَلَ } فالاحتمالات ترتقي إلى أربعة وستين حاصلة من ضرب ستة عشر احتمالات المعطوف في أربعة أعني احتمالات المعطوف عليه وإذا لوحظ هناك أمور / أخر مشهورة بلغت الاحتمالات أربعة آلاف وزيادة ولكن ليس لنا إلى هذه الملاحظة كبير داع، والذي اختاره كثير من المحققين من تلك الاحتمالات أن تكون الجملة معطوفة على جملة الحمد والعدل بمعنى العدول أي الانصراف والجار متعلق بكفروا وهو من الكفر بمعنى الشرك أو كفران النعمة ويقدر مضاف بعد الجار، والمعنى ان الله تعالى حقيق بالحمد على ما خلق من النعم الجسام التي أنعم بها على الخاص والعام ثم الذين أشركوا به أو كفروا بنعمه يعدلون فيكفرون نعمه، وأن تكون معطوفة على جملة الصلة والعدل بمعنى التسوية والجار متعلق به والكفر بأحد المعنيين. والمعنى أنه سبحانه خلق هذه النعم الجسام والمخلوقات العظام التي دخل فيها كل ما سواه، ثم إن هؤلاء الكفرة أو هؤلاء الجاحدين للنعم يسوون به غيره ممن لا يقدر عليها وهم في قبضة تصرفه ومهاد تربيته. و {ثُمَّ } لاستبعاد ما وقع من الذين كفروا أو للتوبيخ عليه كما قال ابن عطية، وجعلها أبو حيان لمجرد التراخي في الزمان وهو وإن صح هنا باعتبار أن كل ممتد يصح فيه التراخي باعتبار أوله والفور باعتبار آخره كما حققه النحاة إلا أن ما ذكر أوفق بالمقام، ونكتة وضع الرب موضع ضميره تعالى على كل تقدير تأكيد أمر الاستبعاد، ووجه جعل الباء متعلقة بيعدلون على أحد احتماليه وبكفروا على الاحتمال الآخر أنه إذا كان من العدل بمعنى التسوية يقتضي التوصل بالباء بخلاف ما إذا كان منه بمعنى العدول، فالظاهر أنها حينئذٍ متعلقة بما قبلها، وما قاله المحقق التفتازاني من أنه لا مخصص لكل من توجيهي {بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } بواحد من العطفين يمكن دفعه بأن وجه تخصيص كل بما خصص به اتساق نظم الآية حينئذٍ وظهور شدة المناسبة بين ما عطف بثم الاستبعادية وبين ما عطف عليه، وذلك لأنه إذا قيل مثلاً في الصورة الأولى إن الله تعالى استحق جميع المحامد من العباد فهم أن العدول عنه تعالى والإعراض عن حمده سبحانه في غاية الاستبعاد فيناسب أن يقال: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون عنه فلا يحمدونه ولا يلتفتون لفتة، ولا يناسب أن يقال: إنهم يسوون به غيره إذ لم يسبق صريحاً وبالقصد الأولي ما ينفي التسوية، وإذا قيل مثلاً في الصورة الثانية: إنه جعل شأنه خلق هذه الأجسام العظام مما لا يقدر عليه أحد ناسب في الاستبعاد أن يقال: ثم الذين كفروا يسوون به ما لا يقدر على شيء لا أنهم لا يحمدونه ويعرضون عنه. وقال بعض المحققين: إذا كان المعنى على الأول: الحمد والثناء مستحق للمنعم بهذه النعم الشاملة سائر الأمم فكيف يتأتى من الكفرة والمشركين المستغرقين في بحار إحسان العدول عنه، وعلى الثاني: المعروف بالقدرة على إيجاد هذه المخلوقات العظام التي دخل فيها كل ما سواه من الخاص والعام كيف يتسنى لهؤلاء الكفرة أو لهؤلاء الجاحدين للنعم أن يسووا به غيره وهم في قبضته، فوجه التخصيص في الأول: أنه لا يخفى استبعاد انصراف العبد عن سيده وولى نعمته إلى سواه بخلاف التسوية فإن المنعم قد يساويه غيره ممن يحسن إلى غيره، وفي الثاني: أن استبعاد التسوية عليه مما لا يكاد يتصور بخلاف العدول عنه فإنه قد يتصور لجهل العادل بحقه وما يليق بحقه فإن العدول لا ينافي عدم المعرفة بخلاف التسوية فإنه لا يسوي بين شيئين لا يعرفهما بوجه ما فتدبر. واعترض غير واحد على العطف على الصلة بأنه لا وجه لضم ما لا دخل له في استحقاق الحمد / إلى ماله ذلك ثم جعل المجموع صلة في مقام يقتضي كون الصلة محموداً عليه. وأجيب بأن في الكلام على ذلك التقدير إشارة إلى علو شأنه تعالى وعموم إحسانه للمستحق وغيره حيث ينعم بمثل تلك النعم الجليلة على من لا يحمده ويشرك به جل شأنه، وفي ذلك تعظيم منبىء عن كمال الاستحقاق، وقد يقال: وقوع هذا المعطوف موقع المحمود عليه باعتبار معنى التعظيم المستفاد من إنكار مضمونه فكأنه قيل الحمد لله جل جنابه عن أن يعدل به شيء لكن لا يخفى أن المحمود عليه يجب في المشهور أن يكون جميلاً اختيارياً، وما ذكر ليس كذلك فعليه لا بد من التأويل. وذكر شيخ الإسلام في الاعتراض على العطف المذكور «أن ما ينتظم في سلك الصلة المنبئة عن موجبات حمده تعالى حقه أن يكون له دخل في ذلك الإنباء [ولو] في الجملة ولا ريب في أن كفرهم بمعزل عنه، وادعاء أن له دخلاً فيه لدلالته على كمال الجود كأنه قيل: الحمد لله الذي أنعم بمثل هذه النعم العظام على من لا يحمده تعسف لا يساعده النظام وتعكيس يأباه المقام كيف لا وسياق النظم الكريم كما تفصح عنه الآيات [الآتية] لتوبيخ الكفرة ببيان غاية إساءتهم في حقه سبحانه وتعالى مع نهاية إحسانه تعالى إليهم لا بيان [نهاية] إحسانه تعالى إليهم مع غاية إساءتهم في حقه عز وجل كما يقتضيه الادعاء المذكور، وبهذا اتضح أنه لا سبيل إلى جعل المعطوف من روادف المعطوف عليه لما أن حق الصلة أن تكون غير مقصودة الإفادة فما ظنك بروادفها؛ وقد عرفت أن المعطوف هو الذي سيق له الكلام» انتهى. ورد بأنه لا شك في أنه على هذا الوجه يراد الحمد لله الذي أنعم بهذه النعم الجسام على من لا يحمده ولا تعسف فيه لبلاغته، وادعاء التعكيس ممنوع فإن المقام مقام الحمد كما تفيده الجملة المصدر بها وما بعده كلام آخر ولا يترك مقتضى مقام لأجل مقتضى مقام آخر إذ لكل مقام مقال. واعترض أيضاً بأنه لا يصح من جهة العربية لأن الجملة خالية من رابط يربطها بالموصول اللهم إلا أن يخرج على نحو قولهم: أبو سعيد رويت عن الخدري حيث وضع الظاهر موضع الضمير وكأنه قيل: ثم الذين كفروا به يعدلون إلا أن هذا من الندور بحيث لا يقاس عليه فلا ينبغي حمل كتاب الله تعالى على مثله مع إمكان حمله على الوجه الصحيح الفصيح. وأجيب بأنه لا يلزم من ضعف ذلك في ربط الصلة ابتداء ضعفه فيما عطف عليها فكثيراً ما يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره، والجواب بأن هذا العطف لا يحتاج إلى الرابط عجيب لأنه لم يقل أحد من النحاة: إن المعطوف على الصلة بثم يجوز خلوه عن الرابط وغاية ما ذكروه أنه نكتة للربط بالاسم. واعترض شيخ الإسلام على احتمال أن يراد بالعدل العدول مع اعتبار التشنيع عليهم بعدم الحمد «بأن كفرهم به تعالى لا سيما باعتبار ربوبيته أشد شناعة وأعظم جناية من عدولهم عن حمده سبحانه [لتحققه مع إغفاله أيضاً] فجعل أهون الشرين عمدة في الكلام مقصوداً بالإفادة وإخراج أعظمهما مخرج القيد المفروغ منه مما لا عهدة له في الكلام السديد فكيف بالنظم التنزيلي». وأجيب بأنه لما كان المقام مقام الحمد ناسب التشنيع عليهم بذلك فلا يرد اعتراض الشيخ وقد ذكر هو قدس سره توجيهاً للآية وادعى أنه الحقيق بجزالة التنزيل، وحط عليه الشهاب فيه ولعل الأمر أهون من ذلك. والذي تصدح به كلماتهم أن صلة {يَعْدِلُونَ } على تقدير أن يكون من العدل بمعنى العدول متروكة ليقع الإنكار على نفس الفعل، وإنما قدروا له مفعولاً على تقدير أن يكون من العدل / بمعنى التسوية فقالوا: غيره أو الأوثان لأنه لا يحسن إنكار العدل بخلاف إنكار العدول. ونظر في ذلك بأن مجرد العدول بدون اعتبار متعلقه غير منكر ألا ترى أن العدول عن الباطل لا ينكر فالظاهر اعتبار المتعلق إلا أنه حذف لأجل الفاصلة كما أن تقديم {بِرَبّهِمْ} على احتمال تعلقه بما بعد لذلك، ويجوز أن يكون للاهتمام. وقال بعض المحققين: إن هذا وإن تراءى في بادىء النظر لكنه عند التحقيق ليس بوارد لأن العدول وإن كان له فردان أحدهما مذموم وهو العدول عن الحق إلى الباطل وممدوح وهو العدول عن الباطل إلى الحق لكن العدول الموصوف به الكفار لا يحتمل الثاني فلتعينه لا يحتاج إلى تقدير متعلق وتنزيله منزلة اللازم أبلغ عند التأمل بخلاف التسوية فإنها من النسب التي لا تتصور بدون المتعلق فلذا قدروه. ومن هذا يعلم أن تنزيل الفعل منزلة اللازم الشائع فيما بينهم إنما يكون أو يحسن فيما ليس من قبيل النسب. هذا وأخرج ابن الضريس في «فضائل القرآن». وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن كعب قال: فتحت التوراة بـ {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ} وختمت بـ {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } إلى قوله سبحانه وتعالى { أية : وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا } تفسير : [الإسراء: 111].

سيد قطب

تفسير : إنها اللمسات العريضة للحقيقة الكبيرة؛ والإيقاعات المديدة في مطلع السورة. وهي ترسم القاعدة الكلية لموضوع السورة ولحقيقة العقيدة: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون}.. إنها اللمسات الأولى.. تبدأ بالحمد لله. ثناء عليه، وتسبيحاً له، واعترافاً بأحقيته للحمد والثناء، على ألوهيته المتجلية في الخلق والإنشاء.. بذلك تصل بين الألوهية المحمودة وخصيصتها الأولى.. الخلق.. وتبدأ بالخلق في أضخم مجالي الوجود.. السماوات والأرض.. ثم في أضخم الظواهر الناشئة عن خلق السماوات والأرض وفق تدبير مقصود.. الظلمات والنور.. فهي اللمسة العريضة التي تشمل الأجرام الضخمة في الكون المنظور، والمسافات الهائلة بين تلك الأجرام، والظواهر الشاملة الناشئة عن دورتها في الأفلاك.. لتعجب من قوم يرون صفحة الوجود الضخمة الهائلة الشاملة تنطق بقدرة الخالق العظيم كما تنطق بتدبيره الحكيم، وهم بعد ذلك كله لا يؤمنون ولا يوحدون ولا يحمدون؛ بل يجعلون لله شركاء يعدلونهم به ويساوونه: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون}.. فيا للمفارقة الهائلة بين الدلائل الناطقة في الكون، وآثارها الضائعة في النفس! يا للمفارقة التي تعدل الأجرام الضخمة، والمسافات الشاسعة، والظواهر الشاملة.. بل تزيد.. واللمسة الثانية: {هو الذي خلقكم من طين، ثم قضى أجلاً، وأجل مسمى عنده، ثم أنتم تمترون}: إنها لمسة الوجود الإنساني، التالي في وجوده للوجود الكوني. ولظاهرتي الظلمات والنور. لمسة الحياة الإنسانية في هذا الكون الخامد. لمسة النقلة العجيبة من عتمة الطين المظلم إلى نور الحياة البهيج؛ تتناسق تناسقاً فنياً جميلاً مع {الظلمات والنور}.. وإلى جانبها لمسة أخرى متداخلة: لمسة الأجل الأول المقضى للموت، والأجل الثاني المسمى للبعث.. لمستان متقابلتان في الهمود والحركة كتقابل الطين الهامد والخلق الحي في النشأة.. وبين كل متقابلين مسافة هائلة في الكنه والزمن.. وكان من شأن هذا كله أن ينقل إلى القلب البشري اليقين بتدبير الله، واليقين بلقائه. ولكن المخاطبين بالسورة يشكون في هذا ولا يستيقنون: {ثم أنتم تمترون}.. واللمسة الثالثة تضم اللمستين الأوليين في إطار واحد؛ وتقرر ألوهية الله في الكون والحياة الإنسانية سواء: {وهو الله في السماوات وفي الأرض، يعلم سركم وجهركم، ويعلم ما تكسبون}.. إن الذي خلق السماوات والأرض هو الله في السماوات وفي الأرض. هو المتفرد بالألوهية فيهما على السواء. وكل مقتضيات الألوهية متحققة عليهما، من خضوع للناموس الذي سنه الله لهما، وائتمار بأمره وحده. وكذلك ينبغي أن يكون الشأن في حياة الإنسان. فلقد خلقه الله كما خلق السماوات والأرض؛ وهو في تكوينه الأول من طين هذه الأرض؛ وما رزقه من خصائص جعلت منه إنساناً رزقه إياه الله؛ وهو خاضع من ناحية كيانه الجسمي للناموس الذي سنه الله له - رضي أم كره - يعطى وجوده وخلقه ابتداء بمشيئة الله، لا بمشيئته هو ولا بمشيئة أبيه وأمه: فهما يلتقيان ولكن لا يملكان أن يعطيا جنيناً وجوده! وهو يولد وفق الناموس الذي وضعه الله لمدة الحمل وظروف الولادة! وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده الله بمقاديره هذه؛ ويتنفسه بالقدر وبالكيفية التي أرادها الله له. وهو يحس ويتألم، ويجوع ويعطش، ويأكل ويشرب.. وبالجملة يعيش.. وفق ناموس الله، على غير إرادة منه ولا اختيار.. شأنه في هذا شأن السماوات والأرض سواء. والله - سبحانه - يعلم سره وجهره. ويعلم ما يكسب في حياته في سره وجهره. والأليق به أن يتبع - إذن - ناموس الله في حياته الاختيارية - فيما يتخذه من تصورات اعتقادية، وقيم اعتبارية، وأوضاع حيوية - لتستقيم حياته الفطرية المحكومة بناموس الله؛ مع حياته الكسبية حين تحكمها شريعة الله. ولكي لا يناقض بعضه بعضاً، ولا يصادم بعضه بعضاً؛ ولا يتمزق مزقاً بين ناموسين وشرعين: أحدهما إلهي والأخر بشري وما هما بسواء.. إن هذه الموجة العريضة الشاملة في مطلع السورة، إنما تخاطب القلب البشري والعقل البشري بدليل "الخلق" ودليل "الحياة" ممثلين في الآفاق وفي الأنفس.. ولكنها لا تخاطب بهما الإدراك البشري خطاباً جدلياً لاهوتياً أو فلسفياً! ولكن خطاباً موحياً موقظاً للفطرة، حيث يواجهها بحركة الخلق والإحياء؛ وحركة التدبير والهيمنة؛ في صورة التقرير لا في صورة الجدل؛ وبسلطان اليقين المستمد من تقرير الله؛ ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير فيما تراه. ووجود السماوات والأرض، وتدبيرهما وفق هذا النظام الواضح؛ ونشأة الحياة - وحياة الإنسان في قمتها - وسيرها في هذا الخط الذي سارت فيه.. كلاهما يواجه الفطرة البشرية بالحق، ويوقع فيها اليقين بوحدانية الله.. والوحدانية هي القضية التي تستهدف السورة كلها - بل القرآن كله - تقريرها. وليست هي قضية "وجود" الله. فلقد كانت المشكلة دائماً في تاريخ البشرية هي مشكلة عدم معرفة الإله الحق، بصفاته الحقة؛ ولم تكن هي مشكلة عدم الإيمان بوجود إله! ومشركو العرب الذين كانت هذه السورة تواجههم ما كانوا يجحدون الله البتة؛ بل كانوا يقرون بوجوده سبحانه، وبأنه الخالق الرازق، المالك، المحيي المميت.. إلى كثير من الصفات - كما يقرر القرآن ذلك في مواجهتهم، وفي حكاية أقوالهم - ولكن انحرافهم الذي وصمهم بالشرك هو أنهم ما كانوا يعترفون بمقتضى اعترافهم ذاك: من تحكيم الله - سبحانه - في أمرهم كله؛ ونفي الشركاء له في تدبير شؤون حياتهم؛ واتخاذ شريعته وحدها قانوناً، ورفض مبدأ تحكيم غير الله في أي شأن من شؤون الحياة. هذا هو الذي وصمهم بالشرك وبالكفر؛ مع إقرارهم بوجود الله سبحانه، ووصفه بتلك الصفات، التي من مقتضاها أن يتفرد سبحانه بالحكم في شأنهم كله، بما أنه الخالق الرازق المالك، كما كانوا يعترفون.. ومواجهتهم في مطلع هذه السورة بصفات الله هذه من الخلق للكون وللإنسان، ومن تدبيره لأمر الكون وأمر الإنسان؛ ومن علمه وإحاطته بسرهم وجهرهم وعملهم وكسبهم.. إنما هو المقدمة التي يرتب عليها ضرورة إفراده سبحانه بالحاكمية والتشريع، كما أوضحنا في التعريف المجمل بخط السورة ومنهجها. ودليل الخلق ودليل الحياة كما أنهما صالحان لمواجهة المشركين لتقرير الوحدانية، ولتقرير الحاكمية، هما كذلك صالحان لمواجهة اللوثات الجاهلية الحديثة التافهة في إنكار الله.. والحقيقة أن هناك شكاً كثيراً فيما إذا كان هؤلاء الملحدون يصدقون أنفسهم! فأغلب الظن أنها بدأت مناورة في وجه الكنيسة؛ ثم استغلها اليهود لرغبتهم في تدمير قاعدة الحياة البشرية الأساسية، كي لا يبقى على وجه الأرض من يقوم على هذه القاعدة غيرهم - كما يقولون في بروتوكولات حكماء صهيون - ومن ثم تنهار البشرية وتقع تحت سيطرتهم، بما أنهم هم وحدهم الذين سيحافظون على مصدر القوة الحقيقية الذي توفره العقيدة! واليهود - مهما بلغ من كيدهم ومكرهم - لا يملكون أن يغلبوا الفطرة البشرية، التي تجد في قرارتها الإيمان بوجود إله - وإن كانت تضل فقط في معرفة الإله الحق بصفاته الحقة؛ كما أنها تنحرف بعدم توحيد سلطانه في حياتها، فتوصم بالشرك والكفر على هذا الأساس - ولكن بعض النفوس تفسد فطرتها، وتتعطل فيها أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية. وهذه النفوس وحدها هي التي يمكن أن يفلح معها كيد اليهود الذي يستهدف نفي وجود الله فيها. ولكن هذه النفوس المعطلة الفطرة ستظل قليلة وشاذة في مجموع البشر في كل زمان.. والملحدون الحقيقيون على ظهر الأرض اليوم لا يتجاوزون بضعة ملايين في روسيا والصين من بين مئات الملايين الذين يحكمهم الملحدون بالحديد والنار؛ على الرغم من الجهد الناصب خلال أربعين عاماً في نزع الإيمان بكل وسائل التعليم والإعلام! إنما يفلح اليهود في حقل آخر. وهو تحويل الدين إلى مجرد مشاعر وشعائر. وطرده من واقع الحياة. وإيهام المعتقدين به أنهم يمكن أن يظلوا مؤمنين بالله؛ مع أن هناك أرباباً أخرى هي التي تشرع لحياتهم من دون الله! ويصلون بذلك إلى تدمير البشرية فعلاً، حتى مع وهمها أنها لا تزال تؤمن بالله. وهم يستهدفون الإسلام - قبل كل دين آخر - لأنهم يعرفون من تاريخهم كله، أنهم لم يغلبهم إلا هذا الدين يوم كان يحكم الحياة. وأنهم غالبو أهله طالما أهله لا يحكمونه في حياتهم؛ مع توهمهم أنهم ما يزالون مسلمين مؤمنين بالله! فهذا التخدير بوجود الدين - وهو غير موجود في حياة الناس - ضروري لتنجح المؤامرة.. أو يأذن الله فيصحو الناس! وأحسب - والله أعلم - أن اليهود الصهيونيين، والنصارى الصليبيين، كليهما، قد يئسوا من هذا الدين في هذه المنطقة الإسلامية الواسعة في إفريقية وآسيا وأوربا كذلك.. يئسوا من أن يحولوا الناس فيها إلى الإلحاد - عن طريق المذاهب المادية - كما يئسوا كذلك من تحويلهم إلى ديانات أخرى عن طريق التبشير أو الاستعمار.. ذلك أن الفطرة البشرية بذاتها تنفر من الإلحاد وترفضه حتى بين الوثنيين - فضلاً على المسلمين - وأن الديانات الأخرى لا تجرؤ على اقتحام قلب عرف الإسلام، أو حتى ورث الإسلام! وأحسب - والله أعلم - أنه كان من ثمرة اليأس من هذا الدين أن عدل اليهود والصهيونيون والنصارى الصليبيون عن مواجهة الإسلام جهرة عن طريق الشيوعية أو عن طريق التبشير؛ فعدلوا إلى طرائق أخبث، وإلى حبائل أمكر.. لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع في المنطقة كلها تتزيا بزي الإسلام؛ وتتمسح في العقيدة؛ ولا تنكر الدين جملة.. ثم هي تحت هذا الستار الخادع، تنفذ جميع المشروعات التي أشارت بها مؤتمرات التبشير وبروتوكولات صهيون، ثم عجزت عن تنفيذها كلها في المدى الطويل! إن هذه الأنظمة والأوضاع ترفع راية الإسلام - أو على الأقل تعلن احترامها للدين - بينما هي تحكم بغير ما أنزل الله؛ وتقصي شريعة الله عن الحياة؛ وتحل ما حرم الله؛ وتنشر تصورات وقيماً مادية عن الحياة والأخلاق تدمر التصورات والقيم الإسلامية؛ وتسلط جميع أجهزة التوجيه والإعلام لتدمير القيم الأخلاقية الإسلامية، وسحق التصورات والاتجاهات الدينية؛ وتنفذ ما نصت عليه مؤتمرات المبشرين وبروتوكولات الصهيونيين، من ضرورة إخراج المرأة المسلمة إلى الشارع، وجعلها فتنة للمجتمع، باسم التطور والتحضر ومصلحة العمل والإنتاج؛ بينما ملايين الأيدي العاملة في هذه البلاد متعطلة لا تجد الكفاف! وتيسر وسائل الانحلال وتدفع الجنسين إليها دفعاً بالعمل والتوجيه.. كل ذلك وهي تزعم أنها مسلمة وأنها تحترم العقيدة! والناس يتوهمون أنهم يعيشون في مجتمع مسلم، وأنهم هم كذلك مسلمون! أليس الطيبون منهم يصلون ويصومون؟ أما أن تكون الحاكمية لله وحده أو تكون للأرباب المتفرقة، فهذا ما قد خدعتهم عنه الصليبية والصهيونية والتبشير والاستعمار والاستشراق وأجهزة الإعلام الموجهة؛ وأفهمتهم أنه لا علاقة له بالدين. وأن المسلمين يمكن أن يكونوا مسلمين؛ وفي دين الله؛ بينما حياتهم كلها تقوم على تصورات وقيم وشرائع وقوانين ليست من هذا الدين! وإمعاناً في الخداع والتضليل؛ وإمعاناً من الصهيونية العالمية والصليبية العالمية في التخفي، فإنها تثير حروباً مصطنعة - باردة أو ساخنة - وعداوات مصطنعة في شتى الصور، بينها وبين هذه الأنظمة والأوضاع التي أقامتها والتي تكفلها بالمساعدات المادية والأدبية، وتحرسها بالقوى الظاهرة والخفية، وتجعل أقلام مخابراتها في خدمتها وحراستها المباشرة! تثير هذه الحروب المصطنعة والعداوات المصطنعة، لتزيد من عمق الخدعة؛ ولتبعد الشبهة عن العملاء، الذين يقومون لها بما عجزت هي عن إتمامه في خلال ثلاثة قرون أو تزيد؛ من تدمير القيم والأخلاق؛ وسحق العقائد والتصورات؛ وتجريد المسلمين في هذه الرقعة العريضة من مصدر قوتهم الأول.. وهو قيام حياتهم على أساس دينهم وشريعتهم.. وتنفيذ المخططات الرهيبة التي تضمنتها بروتوكولات الصهيونيين ومؤتمرات المبشرين؛ في غفلة من الرقباء والعيون! فإذا بقيت بقية في هذه الرقعة لم تجز عليها الخدعة؛ ولم تستسلم للتخدير باسم الدين المزيف؛ وباسم الأجهزة الدينية المسخرة لتحريف الكلم عن مواضعه؛ ولوصف الكفر بأنه الإسلام؛ والفسق والفجور والانحلال، بأنه تطور وتقدم وتجدد.. إذا بقيت بقية كهذه سلطت عليها الحرب الساحقة الماحقة؛ وصبت عليها التهم الكاذبة الفاجرة وسحقت سحقاً، بينما وكالات الأنباء العالمية وأجهزة الإعلام العالمية خرساء صماء عمياء!!! ذلك بينما الطيبون السذج من المسلمين يحسبون أنها معركة شخصية، أو طائفية، لا علاقة لها بالمعركة المشبوبة مع هذا الدين؛ ويروحون يشتغلون في سذاجة بلهاء - من تأخذه الحمية للدين منهم وللأخلاق - بالتنبيه إلى مخالفات صغيرة، وإلى منكرات صغيرة، ويحسبون أنهم أدوا واجبهم كاملاً بهذه الصيحات الخافتة..بينما الدين كله يسحق سحقاً، ويدمر من أساسه؛ وبينما سلطان الله يغتصبه المغتصبون، وبينما الطاغوت - الذي أمروا أن يكفروا به - هو الذي يحكم حياة الناس جملة وتفصيلاً! إن اليهود الصهيونيين والنصارى الصليبيين يفركون أيديهم فرحاً بنجاح الخطة وجواز الخدعة؛ بعدما يئسوا من هذا الدين أن يقضوا عليه مواجهة باسم الإلحاد، أو يحولوا الناس عنه باسم التبشير، فترة طويلة من الزمان.. إلا أن الأمل في الله أكبر؛ والثقة في هذا الدين أعمق، وهم يمكرون والله خير الماكرين. وهو الذي يقول: {أية : وقد مكروا مكرهم، وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال. فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله، إن الله عزيز ذو انتقام }.. تفسير : أما مواجهة دليل الخلق ودليل الحياة للوثة الإلحاد، فهي مواجهة قوية، لا يجد الملحدون إزاءها إلاّ المماحلة والمغالطة والالتواء: إن وجود هذا الكون ابتداء، بهذا النظام الخاص، يستلزم - بمنطق الفطرة البديهي وبمنطق العقل الواعي على السواء - أن يكون وراءه خالق مدبر.. فالمسافة بين الوجود والعدم مسافة لا يملك الإدراك البشري أن يعبرها، إلا بتصور إله ينشئ ويخلق ويوجد هذا الوجود. والذين يلحدون يعمدون إلى هذه الفجوة فيريدون ملأها بالمكابرة. ويقولون: إنه لا داعي لأن نفترض أنه كان هناك عدم قبل الوجود!.. ومن هؤلاء فيلسوف عرف بأنه فيلسوف "الروحية" المدافع عنها في وجه "المادية". وعلى هذا الأساس ربما أشاد به بعض المخدوعين من "المسلمين" واستأنسوا بأقواله لدينهم كأنما ليؤازروا دين الله بقول عبد من العبيد.. هذا الفيلسوف هو "برجسون".. اليهودي!!! إنه يقول: إن هذا الوجود الكوني لم يسبقه عدم! وإن فرض الوجود بعدم العدم ناشئ من طبيعة العقل البشري الذي لا يستطيع أن يتصور إلا على هذا النحو.. فإلى أي منطق يا ترى يستند برجسون إذن في إثبات أن الوجود الكوني لم يسبقه عدم؟ إلى العقل؟ لا. فإن العقل - كما يقرر - لا يمكن أن يتصور إلا وجوداً بعد عدم! إلى وحي من الله؟ إنه لا يدعي هذا. وإن كان يقول: إن حدس المتصوفة كان دائماً يجد إلهاً ولا بد أن نصدق هذا الحدس المطرد (الإله الذي يتحدث عنه برجسون ليس هو الله إنما هو الحياة!).. فأين المصدر الثالث الذي يعتمد عليه (برجسون) إذن في إثبات أن الوجود الكوني غير مسبوق بعدم؟ لا ندري! إنه لا بد من الالتجاء إلى تصور خالق خلق هذا الكون.. لا بد من الالتجاء إلى هذا التصور لتعليل مجرد وجود الكون.. فكيف إذا كان الحال أنه لم يوجد مجرد وجود. ولكنه وجد محكوماً بنواميس لا تتخلف، محسوباً فيها كل شيء بمقاييس، قصارى العقول البشرية أن تدرك أطرافاً منها، بعد التدبر الطويل؟! كذلك نشأة هذه الحياة. والمسافة بينها وبين المادة - أياً كان مدلول المادة ولو كان هو الإشعاع - لا يمكن تعليلها إلا بتصور وجود إله خالق مدبر. يخلق الكون بحالة تسمح بنشأة الحياة فيه؛ وتسمح بكفالة الحياة أيضاً بعد وجودها. والحياة الإنسانية بخصائصها الباهرة درجة فوق مجرد الحياة.. وأصله من طين.. أي من مادة هذه الأرض وجنسها؛ ولا بد من إرادة مدبرة تمنحه الحياة، وتمنحه خصائص الإنسان عن قصد واختيار. وكل المحاولات التي بذلها الملحدون لتعليل نشأة الحياة باءت بالفشل - عند العقل البشري ذاته - وآخر ما قرأته في هذا الباب محاولة (ديورانت) المتفلسف الأمريكي للتقريب بين نوع الحركة الذي في الذرة - وهو يسميه درجة من الحياة - ونوع الحياة المعروف في الأحياء. وذلك في جهد مستميت لملء الفجوة بين المادة الهامدة والحياة النابضة. بقصد الاستغناء عن الإله الذي ينشئ الحياة في الموات! ولكن هذه المحاولة المستميتة لا تنفعه ولا تنفع الماديين في شيء.. ذلك أنه إن كانت الحياة صفة كامنة في المادة، ولم يكن وراء هذه المادة قوة أخرى ذات إرادة، فما الذي يجعل الحياة التي في المادة الكونية تتبدى في درجات بعضها أرقى وأعقد من بعض؟ فتتبدى في الذرة مجرد حركة آلية غير واعية. ثم تتبدى في النبات في صورة عضوية. ثم تتبدى في الأحياء المعروفة في صورة عضوية أكثر تركيباً وتعقيداً.. ما الذي جعل المادة - المتضمنة للحياة كما يقال - يأخذ بعضها من عنصر الحياة أكثر مما يأخذ البعض الأخر، بلا إرادة مدبرة؟ ما الذي جعل الحياة الكامنة في المادة، تختلف في مدارجها المترقية؟! إننا نفهم هذا التفاوت يوم نقدر أن هناك إرادة مدبرة هي التي تصنع ذلك مختارة مريدة. فأما حين تكون المادة (الحية ولنفرض ذلك!) هي وحدها، فإنه يستحيل على العقل البشري ذاته أن يفهم هذا التفاوت أو يعلله! إن التعليل الإسلامي لانبثاق الحياة في درجاتها المتفاوتة هو الحل الوحيد لهذه الظاهرة التي لا تعللها المحاولات المادية البائسة! وإذ كنا - في هذه الظلال - لا نخرج عن المنهج القرآني؛ فإننا لا نمضي أكثر من هذا في مواجهة لوثة الإلحاد ببراهين الخلق والتدبير والحياة.. فالقرآن الكريم لم يجعل قضية وجود الله قضيته. لعلم الله أن الفطرة ترفض هذه اللوثه. إنما القضية هي قضية توحيد الله؛ وتقرير سلطانه في حياة العبد؛ وهي القضية التي تتوخاها السورة في هذه الموجة التي استعرضناها.

ابن عاشور

تفسير : جملة {الحمد لله} تفيد استحقاق الله تعالى الحمد وحده دون غيره لأنّها تدلّ على الحصر. واللام لتعريف الجنس، فدلّت على انحصار استحقاق هذا الجنس لله تعالى. وقد تقدّم بيان ذلك مستوفى في أول سورة الفاتحة. ثم إنّ جملة {الحمد لله} هنا خبر لفظاً ومعنىً إذ ليس هنا ما يصرف إلى قصد إنشاء الحمد بخلاف ما في سورة الفاتحة لأنّه عقّب بقوله: {أية : إيّاك نعبد}تفسير : [الفاتحة: 5] إلى آخر السورة، فمن جوّز في هذه أن تكون إنشاء معنى لم يُجد التأمّل. فالمعنى هنا أنّ الحمد كُلّه لا يستحقّه إلاّ الله، وهذا قصر إضافي للردّ على المشركين الذين حمدوا الأصنام على ما تخيّلوه من إسدائها إليهم نعماً ونصراً وتفريج كربات، فقد قال أبو سفيان حين انتصر هو وفريقه يوم أحُد: أعلُ هُبل لنا العُزّى ولا عُزّى لكم. ويجوز أن يكون قصراً حقيقياً على معنى الكمال وأنّ حمد غيره تعالى من المنعمين تسامح لأنّه في الحقيقة واسطة صورية لجريان نعمة الله على يديه، والمقصود هو هو، وهو الردّ على المشركين، لأنّ الأصنام لا تستحقّ الحمد الصوري بله الحقيقي كما قال إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ «لمَ نعْبُدُ ما لا يسمع ولا يُبْصر ولا يُغْني عنك شيئاً». ولذلك عقّبت جملة الحمد على عظيم خلق الله تعالى بجملة {ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون}. والموصول، في محلّ الصفة لاسم الجلالة، أفاد مع صلته التذكير بعظيم صفة الخلق الذي عمّ السماوات والأرض وما فيهنّ من الجواهر والأعراض. وذلك أوجز لفظ في استحضار عظمة قدرة الله تعالى. وليس في التعريف بالموصولية هنا إيذان بتعليل الجملة التي ذكرت قبله، إذ ليست الجملة إنشائية كما علمت. والجملة الخبرية لا تعلّل، لأنّ الخبر حكاية ما في الواقع فلا حاجة لتعليله. فالمقصود من الأوصاف التمهيد لقوله بعدُ {ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون}. وجمع: {السماوات} لأنّها عوالم كثيرة، إذ كلّ كوكب منها عالم مستقلّ عن غيره، ومنها الكواكب السبعة المشهورة المعبّر عنها في القرآن بالسماوات السبع فيما نرى. وأفرد الأرض لأنّها عالم واحد، ولذلك لم يجيء لفظ الأرض في القرآن جمعاً. وقوله: {وجعل الظلمات والنور} أشار في «الكشاف» أنّ (جعلَ) إذا تعدّى إلى مفعول واحد فهو بمعنى أحدث وأنشأ فيقارب مرادفة معنى (خلق). والفرق بينه وبين (خلق)؛ فإنّ في الخلق ملاحظة معنى التقدير، وفي الجعل ملاحظة معنى الانتساب، يعني كون المجعول مخلوقاً لأجل غيره أو منتسباً إلى غيره، فيعْرف المنتسب إليه بمعونة المقام. فالظلمات والنور لمّا كانا عرضين كان خلقهما تكويناً لتُكيَّف موجودات السماوات والأرض بهما. ويعرف ذلك بذكر {الظلمات والنور} عقب ذكر {السماوات والأرض}، وباختيار لفظ الخلق للسماوات والأرض، ولفظ الجعل للظلمات والنور، ومنه قوله تعالى: {أية : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها}تفسير : [الأعراف: 189] فإنّ الزوج وهو الأنثى مراعى في إيجاده أن يكون تكملة لخلق الذكر، ولذلك عقّبه بقوله: {أية : ليسكن إليها} تفسير : [الأعراف: 189] والخلق أعمّ في الإطلاق ولذلك قال تعالى في آية أخرى {أية : يا أيها النّاس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها}تفسير : [النساء: 1] لأنّ كلّ تكوين لا يخلو من تقدير ونظام. وخَصّ بالذكر من الجواهر والأعراض عرضين عظيمين، وهما: الظلمات والنور فقال {وجعل الظلمات والنور} لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما. وبذكر هذه الأمور الأربعة حصلت الإشارة إلى جنسي المخلوقات من جواهر وأعراض. فالتفرقة بين فعل (خلق) وفعل (جعل) هنا معدود من فصاحة الكلمات. وإنّ لكلّ كلمة مع صاحبتها مقاماً، وهو ما يسمّى في عرف الأدباء برشاقة الكلمة ففعل (خلق) ألْيق بإيجاد الذوات، وفعل (جعل) أليق بإيجاد أعراض الذوات وأحوالها ونظامها. والاقتصار في ذكر المخلوقات على هذه الأربعة تعريض بإبطال عقائد كفار العرب فإنّهم بين مشركين وصابئة ومجوس ونصارى، وكلّهم قد أثبتوا آلهة غير الله؛ فالمشركون أثبتوا آلهة من الأرض، وَالصابئة أثبتوا آلهة من الكواكب السماوية، والنصارى أثبتوا إلهية عيسى أو عيسى ومريم وهما من الموجودات الأرضية، والمجوس وهم المانوية ألّهوا النور والظلمة، فالنور إله الخير والظلمة إله الشرّ عندهم. فأخبرهم الله تعالى أنّه خالق السماوات والأرض، أي بما فيهم، وخالق الظلمات والنور. ثم إنّ في إيثار الظلمات والنور بالذكر دون غيرهما من الأعراض إيماء وتعريضاً بحالِيْ المخاطبين بالآية من كفر فريق وإيمان فريق، فإنّ الكفر يشبه الظلمة لأنّه انغماس في جهالة وحيرة، والإيمان يشبه النور لأنّه استبانة الهدى والحقّ. قال تعالى: {أية : يخرجهم من الظلمات إلى النور}تفسير : [البقرة: 257]. وقدّم ذكرالظلمات مراعاة للترتّب في الوجود لأنّ الظلمة سابقة النور، فإنّ النور حصل بعد خلق الذوات المضيئة، وكانت الظلمة عامّة. وإنّما جُمع {الظلمات} وأفرد {النور} اتّباعاً للاستعمال، لأنّ لفظ (الظلمات) بالجمع أخفّ، ولفظ (النور) بالإفراد أخفّ، ولذلك لم يرد لفظ (الظلمات) في القرآن إلاّ جمعاً ولم يرد لفظ (النور) إلاّ مفرداً. وهما معاً دالاّن على الجنس، والتعريف الجنسي يستوي فيه المفرد والجمع فلم يبق للاختلاف سبب لاتّباع الاستعمال، خلافاً لما في «الكشاف». {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}. عُطفت جملة {ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون} على جملة: {الحمد لله الذي خلق السماوات}. فـــ {ثم} للتراخي الرتبي الدالّ على أنّ ما بعدها يتضمّن معنى من نوع ما قبله، وهو أهمّ في بابه. وذلك شأن (ثم) إذا وردت عاطفة جملة على أخرى، فإنّ عدول المشركين عن عبادة الله مع علمهم بأنّه خالق الأشياء أمر غريب فيهم أعجب من علمهم بذلك. والحجّة ناهضة على الذين كفروا لأنّ جميعهم عدا المانوية يعترفون بأنّ الله هو الخالق والمدبّر للكون، ولذلك قال الله تعالى: {أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذّكّرون}تفسير : [النحل: 17]. والخبر مستعمل في التعجيب على وجه الكناية بقرينة موقع {ثم} ودلالة المضارع على التجدّد، فالتعجيب من شأن المشركين ظاهر وأمّا المانوية فالتعجيب من شأنهم في أنّهم لم يهتدوا إلى الخالق وعبدوا بعض مخلوقاته. فالمراد بـــ {الذين كفروا} كلّ من كفر بإثبات إله غير الله تعالى سواء في ذلك من جعل له شريكاً مثل مشركي العرب والصابئة ومن خصّ غير الله بالإلهية كالمانوية. وهذا المراد دلّت عليه القرينة وإن كان غالب عرف القرآن إطلاق الذين كفروا على المشركين. ومعنى {يعدلون} يُسوّون. والعدل: التسوية. تقول: عدلت فلاناً بفلان، إذا سوّيته به، كما تقدّم في قوله: {أية : أو عَدْل ذلك صياماً}تفسير : [المائدة: 95]، فقوله {بربّهم} متعلّق بـــ {يعدلون} ولا يصحّ تعليقه بـــ {الذين كفروا} لعدم الحاجة إلى ذلك. وحذف مفعول {يعدلون}، أي يعدلون بربّهم غيره وقد علم كلّ فريق ماذا عدل بالله. والمراد يعدلونه بالله في الإلهيّة، وإن كان بعضهم يعترف بأنّ الله أعظم كما كان مشركو العرب يقولون: لَبَّيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وكما قالت الصابئة في الأرواح، والنصارى في الابن والروح القدس. ومعنى التعجيب عامّ في أحوال الذين ادّعوا الإلهيّة لغير الله تعالى سواء فيهم من كان أهلاً للاستدلال والنظر في خلق السماوات والأرض ومن لم يكن أهلاً لذلك، لأنّ محلّ التعجيب أنّه يخلقهم ويخلق معبوداتهم فلا يهتدون إليه بل ويختلقون إلهيّة غيره. ومعلوم أنّ التعجيب من شأنهم متفاوت على حسب تفاوت كفرهم وضلالهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}. في قوله تعالى {يَعْدِلُونَ} وجهان للعلماء: أحدهما: أنه من العدول عن الشيء بمعنى الانحراف، والميل عنه، وعلى هذا فقوله {بِرَبِّهِمْ} متعلق بقوله {كَفَرُوْا}، وعليه فالمعنى: إن الذين كفروا بربهم يميلون وينحرفون عن طريق الحق إلى الكفر والضلال، وقيل على هذا الوجه: إن "الباء" بمعنى "عن" أي يعدلون عن ربهم، فلا يتوجهون إليه بطاعة، ولا إيمان. والثاني: أن "الباء" متعلقة بيعدلون، ومعنى يعدلون يجعلون له نظيراً في العبادة من قول العرب: عدلت فلاناً بفلان إذا جعلته له نظيراً وعديلاً. ومنه قول جرير: شعر : أثعلبة الفوارس أم رياحاً عدلت بهم طهية والخشابا تفسير : يعني أجعلت طهية والخشاب نظراء وأمثالاً لبني ثعلبة، وبني رياح، وهذا الوجه الأخير يدل له القرآن، كقوله تعالى عن الكفار الذين عدلوا به غيره: {أية : تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 97-98]، وقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 165]، وأشار تعالى في آيات كثيرة إلى أن الكفار ساووا بين المخلوق والخالق - قبحهم الله تعالى - كقوله: {أية : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}تفسير : [الرعد: 16]، وقوله: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [النحل: 17]، وقوله: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} تفسير : [الروم: 28]، الآية إلى غير ذلك من الآيات، وعدل الشيء في اللغة مثله، ونظيره، قال بعض علماء العربية: إذا كان من جنسه، فهو عدل - بكسر العين - وإذا كان من غير جنسه، فهو عدل - بفتح العين - ومن الأول قول مهلهل: شعر : على أن ليس عدلاً من كليب إذا برزت مخبأة الخدور على أن ليس عدلاً من كليب إذا اضطرب العضاه من الدبور على أن ليس عدلاً من كليب غداة بلابل الأمر الكبير تفسير : يعني أن القتلى الذين قتلهم من بكر بن وائل بأخيه كليب الذي قتله جساس بن مرة البكري لا يكافؤونه، ولا يعادلنه في الشرف. ومن الثاني قوله تعالى: {أية : أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} تفسير : [المائدة: 95]، لأن المراد نظير الإطعام من الصيام، وليس من جنسه، وقوله: {أية : وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} تفسير : [الأنعام: 70]، وقوله: {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ} تفسير : [البقرة: 123] والعدل: الفداء، لأنه كأنه قيمة معادلة للمفدي تؤخذ بدله قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 3] الآية في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه للعلماء من التفسير وكل واحد منها لا مصداق في كتاب الله تعالى: الأول: أن المعنى، وهو الله في السماوات وفي الأرض، اي وهو الإله المعبود في السماوات وفي الأرض، لأنه جل وعلا هو المعبود وحده بحق في الأرض والسماء، وعلى هذا فجملة "يعلم" حال، أو خبر وهذا المعنى يبينه، ويشهد له قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} تفسير : [الزخرف: 84] أي، وهو المعبود في السماء والأرض بحق، ولا عبرة بعبادة الكافرين غيره، لأنها وبال عليهم يخلدون بها في النار الخلود الأبدي، ومعبوداتهم ليست شركاء لله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} تفسير : [النجم: 23] {أية : وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} تفسير : [يونس: 66]. وهذا القول في الآية أظهر الأقوال، واختاره القرطبي. الوجه الثاني: أن قوله {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} يتعلق بقوله {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ} أي وهو الله يعلم سركم في السماوات وفي الأرض ويبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى: {أية : قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الفرقان: 6] الآية. قال النحاس: وهذا القول من أحسن ما قيل في الآية نقله عنه القرطبي. الوجه الثالث: وهو اختيار ابن جرير، أن الوقف تام على قوله في {ٱلسَّمَاوَاتِ} وقوله {وَفِي ٱلأَرْضِ} يتعلق بما بعده، أي يعلم سركم وجهركم في الأرض، ومعنى هذا القول: إنه - جل وعلا - مستو على عرشه فوق جميع خلقه، مع أنه يعلم سر أهل الأرض وجهرهم لا يخفى عليه شيء من ذلك. ويبين هذا القول، ويشهد له قوله تعالى: {أية : أَأَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (*) أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} تفسير : [الملك: 16-17]؟ الآية، وقوله: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه: 5]، مع قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4]، وقوله: {أية : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} تفسير : [الأعراف: 7] وسيأتي إن شاء الله تحقيق هذا المقام بإيضاح في سورة الأعراف. واعلم أن ما يزعمه الجهمية "من أن الله تعالى في كل مكان" مستدلين بهذه الآية على أنه في الأرض ضلال مبين، وجهل بالله تعالى، لأن جميع الأمكنة الموجودة أحقر وأصغر من أن يحل في شيء منها رب السماوات والأرض الذي هو أعظم من كل شيء، وأعلى من كل شيء، محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء، فالسماوات والأرض في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى، فلو كانت حبة خردل في يد رجل فهل يمكن أن يقال: إنه حال فيها، أو في كل جزء من أجزائها. لا وكلا، هي أصغر وأحقر من ذلك، فإذا علمت ذلك فاعلم أن رب السماوات والأرض أكبر من كل شيء وأعظم من كل "شيء محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء، ولا يكون فوقه شيء {أية : لاَ يَعْزُبَ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 3]، سبحانه وتعالى علواً كبيراً لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه {أية : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} تفسير : [طه: 110].

الواحدي

تفسير : {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور} وخلق اللَّيل والنَّهار {ثمَّ الذين كفروا} بعد قيام الدَّليل على وحدانيَّته بما ذكر من خلقه {بربهم يعدلون} الحجارةَ والأصنام فيعبدونها معه. {هو الذي خلقكم من طين} يعني: آدم أبا البشر {ثمَّ قضى أجلاً} يعني: أجل الحياة إلى الموت {وأجل مسمى عنده} من الممات إلى البعث {ثم أنتم} أيُّها المشركون بعد هذا {تمترون} تشكُّون وتكذِّبون بالبعث. يريد: إنَّ الذي ابتدأ الخلق قادرٌ على إعادته. {وهو الله} أَي: المعبود المعظَّم المتفرِّد بالتَّدبير {في السموات وفي الأرض}. {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} الدَّالَّة على وحدانيَّته، كما ذكر من خلق آدم، وخلق اللَّيل والنَّهار {إلاَّ كانوا عنها معرضين} تاركين التًّفكُّر فيها.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- الثناء والذكر الجميل لله، الذى خلق السموات والأرض، وأوجد الظلمات والنور لمنفعة العباد بقدرته وعلى وفق حكمته، ثم مع هذه النعم الجليلة يشرك به الكافرون، ويجعلون له شريكاً فى العبادة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الحمد: الثناء باللسان على المحمود بصفات الجمال والجلال. خلق: أنشأ وأوجد. يعدلون: يسوون به غيره فيعبدونه معه. الأجل: الوقت المحدد لعمل ما من الأعمال يتم فيه أو ينتهي فيه، والأجل الأول أجل كل إنسان، والثاني أجل الدنيا. تمترون: تشكُّون في البعث الآخر والجزاء: كما تشكون في وجوب توحيده بعبادته وحده دون غيره. وهو الله في السماوات: أي معبود في السماوات وفي الأرض. ما تكسبون: أي من خير وشر، وصلاح فساد. معنى الآيات: يخبر تعالى بأنه المستحق للحمد كله وهو الوصف بالجلال والجمال والثناء بهما عليه وضمن ذلك يأمر عباده أن يحمدوه كأنما قال قولوا الحمد لله، ثم ذكر تعالى موجبات حمده دون غيره فقال: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ}، فالذي أوجد السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من سائر المخلوقات وجعل الظلمات والنور وهما من أقوى عناصر الحياة هو المستحق للحمد والثناء لا غيره ومع هذا فالذين كفروا من الناس يعدلون به أصناماً وأوثاناً ومخلوقات فيعبدونها معه يا للعجب!!. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [1] أما الآية الثانية [2] فإنه تعالى يخاطب المشركين موبخاً لهم على جهلهم مندداً بباطلهم فيقول: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ} لأن آدم أباهم خلقه من طين ثم تناسلوا منه فباعتبار أصلهم هم مخلوقون من طين ثم الغذاء الذي هو عنصر حياتهم من طين، ثم قضى لكلٍ أجلاً وهو عمره المحدد له وقضى أجل الحياة كلها الذي تنتهي فيه وهو مسمى عنده معروف له لا يعرفه غيره ولا يطلع عليه سواه ولحكم عالية أخفاه، ثم أنتم أيها المشركون الجهلة تشكُّون في وجوب توحيده، وقدرته على إحيائكم بعد موتكم لحسابكم ومجازاتكم على كسبكم خيره وشره، حسنه وسيئه، وفي الآية الثالثة [3] يخبر تعالى أنه هو الله المعبود بحق في السماوات وفي الأرض لا إله غيره ولا رب سواه {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} من خير وشر فهو تعالى فوق عرشه بائن من خلقه ويعلم سر عباده وجهرهم ويعلم أعمالهم وما يكتسبون بجوارحهم يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لذا وجبت الرغبة فيما عنده من خير، والرهبة مما لديه من عذاب، ويحصل ذلك لهم بالإِنابة إليه وعبادته والتوكل عليه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب حمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله. 2- لا يصح حمد أحد بدون ما يوجد لديه من صفات الكمال ما يحمد عليه. 3- التعجب من حال من يسوون المخلوقات بالخالق عز وجل في العبادة. 4- التعجب من حال من يرى عجائب صنع الله ومظاهر قدرته ثم ينكر البعث والحياة الآخرة. 5- صفة العلم لله تعالى وأنه تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يعلم السر وأخفى.

القطان

تفسير : الحمد: الثناء الحق والذكر الجميل. الظلمة: الحال التي يكون عليها كل مكان لا نور فيه، والنور قسمان: حِسّي وهو ما يدرك بالبصر، ومعنويّ وهو ما يدرَك بالبصيرة. الجَعل: الانشاء والابداع كالخلق، الا ان الجعل مختص بالإنشاء التكويني كما في هذه الآية، وبالتشريعي كما في قوله تعالى: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ} الآية. ولم يذكر النور في القرآن إلا مفرداً، والظلمة إلا جمعاً. وذلك لأن النور واحد حتى لو تعددت مصادره، فيما تتم الظُلمة بعد حجب النور واعتراضه، ومصادر ذلك كثيرة. وكذلك حال النور المعنوي، فهو شيء واحد فيما الظلمات متعددة. فالحق واحد لا يتعدد، والباطل الذي يقابله كثير. والهدى واحد، والضلال المقابل له كثير. وقُدمت الظلمات في الذكر على النور لأنها سابقة عليه في الوجود، فقد وُجدت مادة الكون وكانت سديما كما يقول علماء الفلك، ثم تكوّنت الشموس والأجرام بما حدث فيها من الاشتعال لشدة الحركة. والى هذا يشير حديث عبد الله بن عمرو: "حديث : ان الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رشّ عليهم من نوره، فمن أصابه نورُه اهتدى، ومن أخطأهُ ضل"تفسير : رواه احمد والترمذي. ويؤيده قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}. ومثلُ ما سبق أن الظلمات المعنوية أسبقُ في الوجود، فان نور العلم والهداية كسبيٌ في البشر، وغير الكسبيِّ منه الوحي، وظلمات الجهل والأهواء سابقة على هذا النور {وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. يعدلون: يجعلون له عديلاً مساوياً في العبادة، أي: يتخذون له أندادا. الأجَل: المدة المقدَّرة. تمترون: تشكّون في البعث. { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ...}. الثناء والذِكر الجميل لله، الذي خلق هذا الكون وما فيه مما نراه وما لا نراه، وأوجد الظلمات والنور لمنفعة العباد. ثم مع هذه النعم الجليلة يُشرِك به الكافرون ويجعلون له شريكاً في العبادة!! بدأت سورة الأنعام هنا في آياتها الأولى، فركّزت اتجاهها نحو القضايا الثلاث التي اشرنا اليها: الالوهية، الوحي والرسالة، وقضية البعث بعد الموت فقررت في اولاها ما يوجب النظَر في التوحيد، وأثبتت لِلّه في سبيل ذلك استحقاق الحمد بحقيقته الشاملة لجميع أنواع صوره،واهابات بالعقول أن تلتفت الى أنه هو الذي خلق الكون بمادته وجوهرة، فلا أحد غيره يستحق شيئا من الحمد والثناء، لأن الله هو وحده المصدر، ولا يصح في عقلٍ أن يتجه بالعبادة والتقديس الى غيره، فما أضلَّ اولئك الذين تنكبوا طريق العقل السليم واتخذوا له شركاء هو الّذي خلقهم في جملة ما خلق. ففي الآية الكريمة إشارة الى عظمة الخلق ووحدته، وعظمةُ الخلق تدل على وحدانية الخالق وجلاله: فالسماوات بنجومها وكواكبها، والأرض وما عليها من حيوان ونبات، وما في باطنها من معادن جامدة وسائلة، والبحار وما يسبح فيها من لآلئ وأحياء- كلها تدل على وحدانية الخالق. وكذلك النور الواحد والظلمات المنوعة، كظلمة الصخر والبحر والكهف والضباب المتكاثف... كل هذا يدل على ابداع الخالق. {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ...}. هو الذي بدأ خلْقكم من طين هذه الأرض، ثم قدّر لحياة كل واحد منكم زمناً ينتهي بموته، واجلاً مسمّى عنده. وهذا يعني ان الله تعالى قضى لعباده أجلَين: أجَلاً لحياة الفرد قبل مماته، وأجلاً آخر محدداً عنده تعالى لبعث جميع الناس بعد انقضاء عمر الدنيا. ثم أنتم ايها الكافرون بعد هذا تجادلون في قدرة الله على البعث! ما دام الله هوا لذي خلق الإنسان من طين، وسخّر له ما في الأرض والسماوات ينتفع بما فيها، فكيف يشك اي إنسان في ان له حياة اخرى!‍! {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ...}. هو وحده المستحقُّ للعبادة في السماوات وفي الأرض، يعلم ما أخفيتموه وما أظهرتموه، ويعلم ما تكسِبون من الخير والشر فيحصي ذلك عليكم ليجازيكم به. تقرر هذه الآية الكريمة خاصة الألوهية من العلم الشامل وعموم القدرة، وهما الاساسان في فهم الحق بالنسبة الى الألوهية، وبالنسبة الى البعث والجزاء، وبالنسبة الى الوحي والرسالة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلظُّلُمَاتِ} (1) - الحَمْدُ وَالشُّكْرُ للهِ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَنْ فِيِهِنَّ، وَجَعَلَ الأَرْضَ قَراراً للنَّاسِ، فَهُوَ المُسْتَوْجِبُ لِلْحَمْدِ عَلَى أَنْعُمِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَهُوَ الذِي خَلَقَ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ وَنُورَ النَّهَارِ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: المُرادُ بِالظُّلْمَةِ وَالنُّورِ هُنَا الكُفْرُ والإِيْمَانُ)، وَمَعَ وُضُوحِ ذلِكَ لِكُلِّ ذِي بَصِيرَةٍ فَإِنَّ الذِينَ كَفَرُوا يَعْدِلُونَ باللهِ سِوَاهُ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ وَالكَوَاكِبِ وَالمَخْلُوقَاتِ الأُخْرَى، وَيُسَوُّونَهُمْ بِهِ في العِبَادَةِ، مَعَ أنَّ هؤُلاءِ الأَرْبَابَ والشُّرَكَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً. جَعَلَ - أَنْشَأَ وَأَبْدَعَ وَخَلَقَ. بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ - يُسَوُّونَ غَيْرَهُ بِهِ فِي العِبَادَةِ.

الثعلبي

تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} الآية. قال مقاتل: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم من ربك؟ قال: الذي خلق السماوات والأرض فكذبوه فأنزل اللّه عز وجل حامداً نفسه دالاّ بصفته على وجوده وتوحيده. {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ} في يومين: يوم الأحد ويوم الأثنين {أية : ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ}تفسير : [فصلت: 9] يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار. وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور يعني الكفر والإيمان. وقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى. وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام. وقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدَّني الكبر مجاز الآية: الحمد للّه الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض. وقال قتادة: خلق اللّه السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار. وقال وهب: أول ما خلق اللّه مكاناً مظلماً ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دماً فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين. وروى عبد اللّه بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن اللّه عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور إهتدى ومن أخطأه ضلّ" تفسير : {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}. قال قطرب: هو مختصر يعني الذين كفروا بعد هذا البيان بربهم يعدلون الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به. وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: {بِرَبِّهِمْ} بمعنى عن، وقوله: {يَعْدِلُونَ} من العدول. أي يكون ويعرفون. وأنشد: شعر : وسائلة بثعلبة بن سير وقد علقت بثعلبة العلوق تفسير : وأنشد: شعر : شرين بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر لهن نئيج تفسير : أي من البحر قال اللّه تعالى: {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} تفسير : [الإنسان: 6] أي منها. محمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وختم بالحمد، فقال: {أية : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الزمر: 75]. حماد عن عبد اللّه بن الحرث عن وهب قال: فتح اللّه التوراة بالحمد فقال: الحمد للّه الذي خلق السماوات والأرض وختمها بالحمد فقال: {أية : وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} تفسير : [الإسراء: 111] الآية. قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ} [الأنعام: 2] يعني آدم (عليه السلام) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده. وقال السدي: بعث اللّه جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ باللّه منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه باللّه فقال: أنا أعوذ باللّه أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال اللّه عز وجل لملك الموت رَحِمَ جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن اللّه خلق آدم من تراب جعله طيناً ثم تركه حتى كان حمأً مسنوناً خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالاً كالفخار [فكان ابليس يمرّ به فيقول] خلقت لأمر عظيم ثم نفخ اللّه فيه روحه" تفسير : {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ}. قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثم قضى أجلاً يعني أجل الدنيا وأجل مسمىً عنده وهو الآخرة. عطية عن ابن عباس: ثم قضى أجلاً هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} هو أجل موت الإنسان. ثم قضى أجلاً يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وأجل مسمى يعني وهو أجل مسمى عنده لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل. {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} تشكون في البعث {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} يعني وهو إله السماوات وإله الأرض. مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو اللّه يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} تعملون من الخير والشر {وَمَا تَأْتِيهِم} يعنى كفار أهل مكّة {مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ} مثل انشقاق القمر وغيره {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} لها تاركين وبها مكذبين {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ} يعني القرآن وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام {لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن {مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ} يعني أعطيناهم ما لم نعطكم. قال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال: مكنته ومكنت له فجاء [......] جميعاً {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ} يعني المطر {عَلَيْهِم مِّدْرَاراً}. تقول العرب: مازلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدراراً أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث. قال الشاعر: شعر : وسقاك من نوء الثريا مزنة سعراً تحلب وابلاً مدراراً تفسير : وقوله: {مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ} من خطاب التنوين كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} تفسير : [يونس: 22]. وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ} وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد اللّه ما أكرمه وقلت لعبد اللّه أكرمك {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا} وخلقنا وابتدأنا {مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ * وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً} الآية. وقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبدالله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند اللّه ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند اللّه وأنك رسول فأنزل اللّه عز وجل فلو نزلنا عليك كتاباً {فِي قِرْطَاسٍ} في صحيفة مكتوباً من عند الله {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} لما سبق فيهم من علمي {وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ} على محمد {مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلاّ بالوحي [والحلال] {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} الكافرون ولا يمهلون. قال مجاهد: لقضي الأمر أي لقامت الساعة. وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا. وقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لعجل لهم العذاب ولم يؤخروا طرفة عين {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً} يعني ولو أرسلنا إليهم ملكاً {لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة {وَلَلَبَسْنَا} ولشبهنا وخلطنا {عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي. وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس اللّه عليهم ما لبسوا على أنفسهم. وقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلاّ لبس الله عليهم. وقرأ الأزهري: وللبسنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبساً وإلتبس عليهم الأمر ألبسه لبساً {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} كما استهزىء بك يا محمد يعزي نبيّه صلى الله عليه وسلم {فَحَاقَ}. قال الربيع بن أنس: ترك.عطاء: أحل. مقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة. قال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يحيق المكر السيّىء. وقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب. {بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ} هزئوا {مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين {سِيرُواْ} سافروا في الأرض معتبرين {ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فإن أجابوك وإلاّ {قُل للَّهِ} يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [.....] والأصنام ثم قال {كَتَبَ} ربكم أي قضى وأوجب فضلاً وكرماً {عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}. وذكر النفس ها هنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بإنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة. هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لما قضى اللّه الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش "إن رحمتي سبقت غضبي ". تفسير : وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه اللّه من خلقه؟ فقال كعب: كتب اللّه كتاباً لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أنا اللّه لا إله إلاّ أنا سبقت رحمتي غضبي. وقال سلمان وعبدالله بن عمر: إن للّه تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده. ثم قال {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: واللّه ليجمعنكم {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} يعني في يوم القيامة إلى يعني في، وقيل: معناه ليجمعنكم في [غيركم] إلى يوم القيامة {لاَ رَيْبَ فِيهِ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ} غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} ويجوز أن يكون رفعاً بالإبتداء وخبره فهم لا يؤمنون، فأخبر اللّه تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويبدأ سبحانه سورة الأنعام بقوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} وساعة تسمع كلمة الحمد، فعليك أن تفهم أنها كلمة المدح والثناء والشكر. فالحمد أمر فطري موجود ونوجهه لله، فقد أخذ - سبحانه - بأيدينا ووضح وبين لنا أن الحمد لله حتى لا نختلف في مجال توجيهه؛ لأنه سبحانه هو الذي أمد كل إنسان بشيء من أسبابه. وحين تسأل أحداً عن شيء فإن سلسلات ما أمدك به منسوبة لله. إذن فكل حمد يجب أن يتوجه إلى الله. وأضرب هذا المثل: هب أن إنساناً وقعت به طائرة في مكان ما موحش، لا يوجد به أي شيء من أسباب الحياة، وأراد ان يأكل ويشرب ويستتر حتى ينام، لكنه لم يجد شيئاً من هذا: وأخذته سنة من النوم ثم استيقظ فجأة فوجد مائدة عليها كل أطايب الطعام والشراب، وبجانب ذلك وجد خيمة فيها فراش وغطاء وصنبور للغسيل. وساعة يرى كل ذلك فهو لا يبدأ في استخدام أي شيء قبل أن يتساءل عن مصدره، لأنه يريد أن يشكر الذي أنعم عليه كل هذه النعم السابغة. فكأنك أيها الإنسان حين واجهت الكون ووجدت أشياء تخدمك ولا عمل لك فيها، ولا للسابقين عليك عمل فيها؛ لأن أحداً لم يدعها لنفسه، فوجدت شمساً تشرق، وهواءً يهب، وماءً يروى، وأرضاً تُزرع، وغير ذلك من كل ما يخدمك، وأخبرك الحق أنه هو الذي منحك كل هذا ألا تشكره إذن؟ إن البشرية عندما استفادت من المصباح الكهربائي قامت الضجة لتكريم اديسون الذي اخترعه، فما بالنا بخالق الشمس التي تنير الكون كله؟ إن الاختراعات البشرية تخلد أصحابها وتقوم الضجة لتكريمهم. فما بالنا بخالق الكون كله؟ ما بالنا نكرم صانع المصباح الذي ينير مساحات ضيقة مهما اتسعت بالقياس إلى الأرض ويغفل بعضنا عن تنزيه خالق الشمس التي تنير الأرض في النهار وتختفي نصف اليوم حتى يستريح الإنسان؟ ولكنها تسير سيرا دائماً، فإن غابت عنك فقد أشرقت على غيرك فهي في فلكها تسبح. إذن فالحمد لله حينما استقبل الإنسان هذا الوجود. ووجد كل مقومات الحياة التي لا يمكن أن تخضع لقوة بشر، ولا لادعاء بشر. إن الحمد أمر واجب الوجود وإن اختلف الناس حول من يوجه له الحمد. إننا نوجهه إلى الله تعالى لأنه هو واهب النعم. وسور القرآن التي بدأها الخالق بالحمد لله خمس سور هي: الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر، وتتركز حول شيئين: تربية مادية بإقامة البنيان بالقوت أو بقاء النوع بالتزاوج أو بتربيتهم تربية روحية قيمية، فيمدهم بمنهج السماء. فمرة يقول الحق: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. وكلمة "رب" تعني أنه تولى تربية الخلق إلى غاية ومهمة، والتربية تحتاج إلى مقومات مادية ومقومات معنوية، روحية ومنهجية؛ لذلك يأتي بها الحق شاملة للكون كله كما في فاتحة الكتاب: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الفاتحة: 2]. فهو سيد كل العالمين ومالكهم ومربيهم، وهو الذي ينشئهم التنشئة التي تجعلهم صالحين لأداء مهمتهم في الحياة بقوة البنيان وببقاء النوع بالتزاوج وبقوة القيم. ومرة ثانية يأتي الحق بالمنهج وحده، مثل قوله الحق سبحانه: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [الكهف: 1]. ومرة أخرى يأتي الحق بالأشياء المنظورة فقط فيقول: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} [الأنعام: 1]. إنه سبحانه يأتي هنا بأشياء تختص بالمادة المنظورة، كالسمٰوات والأرض، والظلمات والنور، وهي أشياء يمكنك أن تراها بوضوح، ومرة يأتي الحق بأشياء غير منظورة مع الأشياء المنظورة كقوله الحق: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} تفسير : [فاطر: 1]. ويأتي بالمجموع كله في فاتحة الكتاب، ويأتي بالمنهج فقط كما في سورة الكهف، ويأتي بالكون المادي كما في سورة الأنعام، ويأتي بالكون المادي والمعنوي كما في سورة فاطر. إذن فالحمد مُسْتَحَقٌّ مستحق، ويُوجه الله حتى ولو كانت أسبابه الظاهرة من غير الله؛ لأن كل أسباب الدنيا والكون تنصرف أخيراً إلى الله. وهنا - في سورة الأنعام - خص الحق الحمد لله خالق السموات والأرض بما فيهما من كائنات، وأتى من بعد ذلك بالظلمات والنور. والخلق كما نعلم إيجاد من عدم. والجعل يأتي لشيء مخلوق ويوجه إلى الغاية منه. ولذلك قال الحق: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} والظلمة أمر عدمي، والنور أمر إيجابي، والنور يبدد الظلمة. إذن فالأصل هو وجود الظلمة التي تختلف في ألوانها، مثال ذلك: ظلمة الكهف، وظلمة البحر، وظلمة البر، ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} تفسير : [النور: 40]. إنها يده يعرف اتجاهها ولكنه لا يكاد يراها. إذن فالحق يخصص الحمد هنا لخلق السمٰوات والأرض لأنها ظرف كل الكائنات. وقال العلماء: لا تأخذ الظلمة على أنها الظلمة المادية التي لا ترى فيها الأشياء لا غير، ولا تأخذ النور على أنه النور الحسي الذي ترى به الأشياء فقط، ولكن لنأخذ الظلمات والنور على الأمر المعنوي والأمر الحسي كذلك - وسبحانه - جعل الظلمات في هذه الآية جمعا وجعل النور مفردا، لأن الظلمات تتعدد أسبابها لكن النور ليس له إلا سبب واحد. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الأنعام: 153]. والسبل هي جمع، وسبيل الله مفرد لأنه واحد. كأن سبل الشيطان متعددة، وسبل الناس كذلك متعددة حسب أهوائهم، لكن سبيل الله واحد؛ لذلك يجعل الهداية نوراً والضلال ظلمات. {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ونقول: - ولله المثل الأعلى - إنك إيها الإنسان عندما يفيض الله عليك ويجعل من بين يديك ما تعديه من جميل إلى غيرك فأنت تقول: أنا صنعت لفلان كذا وكذا ثم ينكر من بعد ذلك. كأن "ثم" تأتي هنا للاستبعاد. إن "ثم" تأتي للعطف مثل حرف "الفاء". ولكن الفاء تكون للجمع بين شيئين ليست بينهما مسافة زمنية، مثال ذلك قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} تفسير : [عبس: 21]. ومن يحب إنساناً ومات هذا الإنسان فهو يعجل بدفنه، وذلك حتى لا يرم ويتعفن أمامه. ولذلك يقول الحق سبحانه من بعد الإقبار: {أية : ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} تفسير : [عبس: 22]. كأن فترة زمنية قد تطول حتى تقوم القيامة فينشر الحق خلقه. وقد يكون البعد بُعْدَ رتبة أو منزلة، ولذلك يأتي الحق بـ "ثم" هنا كفاصلة بين خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وبين الذين كفروا بربهم، {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} إنهم الذين يساوون الله بغيره. ونستطيع أن نجعل "يعدلون" من متعلقات كفرهم. . أي أنه بسبب كفرهم يسوون الله بغيره. أو يكون المراد أنهم يعدلون أي يميلون عن الإله الحق إلى غير الإله، أو يجعلون لله شركاء. وهو قول ينطبق على الملحدين أو المشركين بالله. لقد أوجد سبحانه السموات والأرض من عدم وليس لأحد أن يجترئ ليقول الله: كيف خلقت السموات والأرض؟ لأنه سبحانه يقول في آية أخرى: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. وأوجد سبحانه السموات والأرض من عدم، فالسماء والأرض ظرف للكون وتم خلقهما قبل الإنسان وقبل سائر الخلق، ولم يشهد خلقهم أحد من الخلق، فلا يصح أن يسأل أحد عن كيفية الخلق، بل عليه أن يأخذ خبر الخلق من خالقهما وهو الله. وقد أتى بعض الناس وقالوا: إن الإرض انفصلت عن الشمس ثم بردت، وهذا مجرد ظنون لا تثبت؛ لأن أحداً منهم لم ير خلق السموات والأرض. وهؤلاء هم أهل الظنون الذين يدخلون في قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. لقد قال القرآن ذلك من قبل أن يأتي هؤلاء. وكأنه سبحانه يعطينا التنبؤ بمجيء هؤلاء المضلين قبل أن يوجدوا، فهم لم يشهدوا أمر الخلق، بل طرأوا - مثلنا جميعاً - على السموات والأرض، وكان من الواجب ألا يخوضوا في أمر لم يعرفوه ولم يشاهدوه. وكذلك قولهم عن خلق الإنسان كقرد وهم لم يكونوا مع الله لحظة خلق الكون والإنسان، ولا كانوا شركاء له، ولذلك يعلمنا الحق الأدب معه فيقول سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} تفسير : [الإسراء: 36]. وعلينا أن نأخذ خبر الخلق عن الله القائل: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله:{ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الآية: 1]. يعني: يشركون. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {قَضَىۤ أَجَلاً} يعني الآخرة، {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} [الآية: 20]. يعني: الدنيا. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الآية: 7]. يقول: لو لمسوه، ونظروا إِليه لم يصدقوا به.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {يَعْدِلُونَ} يسوّون به غيره ويجعلون له عِدْلاً وشريكاً يقال: عدل فلاناً بفلان أى سواه به {تَمْتَرُونَ} تشكّون يقال امترى في الأمر إِذا شك فيه {قَرْنٍ} القرن: الأمة المقترنة في مدةٍ من الزمان ومنه حديث "حديث : خير القرون قرني" تفسير : وأصل القرن مائة سنة ثم أصبح يطلق على الأمة من الناس التي تعيش في ذلك العصر قال الشاعر: شعر : إِذا ذهب القرنُ الذي كنتَ فيهم وخُلِّفت في قرنٍ فأنت غريب تفسير : {مِّدْرَاراً} غزيرة دائمة {قِرْطَاسٍ} القرطاس: الصحيفة التي يكتب فيها {لَبَسْنَا} خلطنا يقال لَبسْتُ عليه الأمر أي خلطته عليه حتى اشتبه {حَاقَ} نزل بهم وأصابهم {وَلِيّاً} ناصراً ومعيناً. سَبَبُ النّزول: روي أن مشركي مكة قالوا: يا محمد والله لا نؤمن لك حتى تأتينا بكتابٍ من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله فأنزل الله {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}. التفسِير: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} بدأ تعالى هذه السورة بالحمد لنفسه تعليماً لعباده أن يحمدوه بهذه الصيغة الجامعة لصنوف التعظيم والتبجيل والكمال وإِعلاماً بأنه المستحق لجميع المحامد فلا نِدَّ له ولا شريك، ولا نظير ولا مثيل ومعنى الآية: احمدوا الله ربكم المتفضل عليكم بصنوف الإِنعام والإِكرام الذي أوجد وأنشأ وابتدع خلق السماوات والأرض بما فيهما من أنواع البدائع وأصناف الروائع، وبما اشتملا عليه من عجائب الصنعة وبدائع الحكمة، بما يدهش العقول والأفكار تبصرة وذكرى لأولي الأبصار {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} أي وأنشأ الظلمات والأنوار وخلق الليل والنهار يتعاقبان في الوجود لفائدة العوالم بما لا يدخل تحت حصر أو فكر، وجمع الظلمات لأن شعب الضلال متعددة، ومسالكه متنوعة، وأفرد النور لأن مصدره واحد هو الرحمن منوّر الأكوان قال في التسهيل: وفي الآية ردٌّ على المجوس في عبادتهم للنار وغيرها من الأنوار، وقولهم إِن الخير من النور والشر من الظلمة، فإِن المخلوق لا يكون إِلهاً ولا فاعلاً لشيء من الحوادث {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أي ثم بعد تلك الدلائل الباهرة والبراهين القاطعة على وجود الله ووحدانيته يشرك الكافرون بربهم فيساوون به أصناماً نحتوها بأيديهم، وأوهاماً ولّدوها بخيالهم، ففي ذلك تعجيب من فعلهم وتوبيخ لهم قال ابن عطية: والآية دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى أن خلقه السماوات والأرض وغيرها قد تقرر، وآياته قد سطعت، وإِنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد هذا كله قد عدلوا بربهم فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتُك وأكرمتُك وأحسنتُ إِليك ثم تشتمني؟ أي بعد وضوح هذا كله {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ} أي خلق أباكم آدم من طين {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً} أي حكم وقدَّر لكم أجلاً من الزمن تموتون عند انتهائه {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} أي وأجلٌ آخر مسمّى عنده لبعثكم جميعاً، فالأجل الأول الموتُ والثاني البعثُ والنشور {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} أي ثم أنتم أيها الكفار تشكّون في البعث وتنكرونه بعد ظهور تلك الآيات العظيمة {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} أي هو الله المعظّم المعبود في السماوات والأرض قال ابن كثير: أي يعبده ويوحده ويقر له بالألوهية من في السماوات والأرض ويدعونه رغباً ورهباً ويسمونه الله {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} أي يعلم سركم وعَلَنكم {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} أي من خير أو شر وسيجازيكم عليه، ثم أخبر تعالى عن عنادهم وإِعراضهم فقال {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ} أي ما يظهر لهم دليل من الأدلة أو معجزة من المعجزات أو آية من آيات القرآن {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} أي إِلاّ تركوا النظر فيها ولم يلتفتوا إليها قال القرطبي: والمراد تركهم النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله عز وجل، والمعجزات التي أقامها لنبيه صلى الله عليه وسلم التى يستدل بها على صدقه في جميع ما أتى به عن ربه {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} أي كذبوا بالقرآن الذي جاءهم من عند الله {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي سوف يحل بهم العقاب ان عاجلاً أو آجلاً ويظهر لهم خبر ما كانوا به يستهزئون، وهذا وعيدٌ بالعذاب والعقاب على استهزائهم، ثم حضهم تعالى على الاعتبار بمن سبقهم من الأمم فقال {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} أي ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم الأنبياء ألم يعرفوا ذلك؟ {مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ} أي منحناهم من أسباب السعة والعيش والتمكين في الأرض ما لم نعطكم يا أهل مكة {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً} أي أنزلنا المطر غزيراً متتابعاً يدرُّ عليهم درّاً {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ} أي من تحت أشجارهم ومنازلهم حتى عاشوا في الخِصب والريف بين الأنهار والثمار {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أي فكفروا وعصوا فأهلكناهم بسبب ذنوبهم، وهذا تهديد للكفار أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء على حال قوتهم وتمكينهم في الأرض {وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} أي أحدثنا من بعد إِهلاك المكذبين قوماً آخرين غيرهم قال أبو حيان: وفيه تعريض للمخاطبين بإِهلاكهم إِذا عصوا كما أهلك من قبلهم {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ} أي لو نزّلنا عليك يا محمد كتاباً مكتوباً على ورقٍ كما اقترحوا {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} أي فعاينوا ذلك ومسّوه باليد ليرتفع عنهم كل إِشكال ويزول كل ارتياب {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي لقال الكافرون عند رؤية تلك الآية الباهرة تعنتاً وعناداً ما هذا إِلا سحرٌ واضح، والغرضُ أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم أوضح الآيات وأظهر الدلائل {وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} أي هلاّ أنزل على محمد ملك يشهد بنبوته وصدقه و{لولا} بمعنى هلاّ للتحضيض قال أبو السعود: أي هلاّ أُنزل عليه ملك بحيث نراه ويكلمنا أنه نبيّ وهذا من أباطيلهم المحقّقة وخرافاتهم الملفّقة التي يتعللون بها كلما ضاقت عليهم الحِيَل وعييت بهم العلل {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي لو أنزلنا الملك كما اقترحوا وعاينوه ثم كفروا لحقَّ إِهلاكهم كما جرت عادة الله بأن من طلب آية ثم لم يؤمن أهلكه الله حالاً {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} أي ثم لا يُمهلون ولا يُؤخرون، والآية كالتعليل لعدم إجابة طلبهم، فإِنهم - في ذلك الإِقتراح - كالباحث عن حتفه بظِلْفه {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} أي لو جعلنا الرسول ملكاً لكان في صورة رجل لأنهم لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم، فإِنهم لو رأوا الملك في صورة إِنسان قالوا هذا إِنسانٌ وليس بملك قال ابن عباس: لو أتاهم ملكٌ ما أتاهم إِلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور، ثم قال تعالى تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} أي والله لقد استهزأ الكافرون من كل الأمم بأنبيائهم الذين بعثوا إِليهم {فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي أحاط ونزل بهؤلاء المستهزئين بالرسل عاقبة استهزائهم، وفي هذا الإِخبار تهديد للكفار {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين الساخرين: سافروا في الأرض فانظروا وتأملوا ماذا حلّ بالكفرة قبلكم من العقاب وأليم العذاب لتعتبروا بآثار من خلا من الأمم كيف أهلكهم الله وأصبحوا عبرةً للمعتبرين {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي قل يا محمد لمن الكائنات جميعاً خلقاً وملكاً وتصرفاً؟ والسؤال لإِقامة الحجة على الكفار فهو سؤال تبكيت {قُل للَّهِ} أي قل لهم تقريراً وتنبيهاً هي لله لأن الكفار يوافقون على ذلك بالضرورة لأنه خالق الكل إِما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} أي ألزم نفسه الرحمة تفضلاً وإِحساناً والغرضُ التلطف في دعائهم إِلى الإِيمان وإِنابتهم إِلى الرحمن {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي ليحشرنكم من قبوركم مبعوثين إِلى يوم القيامة الذي لا شك فيه ليجازيكم بأعمالكم {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي أضاعوها بكفرهم وأعمالهم السيئة في الدنيا فهم لا يؤمنون ولهذا لا يقام لهم وزن في الآخرة وليس لهم نصيب فيها سوى الجحيم والعذاب الأليم {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي لله عز وجل ما حلّ واستقر في الليل والنهار الجميع عباده وخلقه وتحت قهره وتصرفه، والمراد عموم ملكه تعالى لكل شيء {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي السميع لأقوال العباد العليم بأحوالهم {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} الاستفهام للتوبيخ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين أغير الله أتخذ معبوداً؟ {فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} أي هو جل وعلا يرْزق ولا يُرْزَق قال ابن كثير: أي هو الرازق لخلقه من غير احتياج إليهم {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} أي قل لهم يا محمد إِن ربي أمرني أن أكون أول من أسلم لله من هذه الأمة {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} أي وقيل لي: لا تكوننَّ من المشركين قال الزمخشري ومعناه: أُمرتُ بالإِسلام ونُهيتُ عن الشرك {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي قل لهم أيضاً إِنني أخاف إِن عبدتُ غير ربي عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ} أي من يصرف عنه العذاب فقد رحمه الله {وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} أي النجاة الظاهرة {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} أي إِن تنزل بك يا محمد شدةٌ من فقرٍ أو مرضٍ فلا رافع ولا صارف له إِلا هو ولا يملك كشفه سواه {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} أي وإن يصبك بخيرٍ من صحةٍ ونعمة فلا رادّ له لأنه وحده القادر على إِيصال الخير والضر قال في التسهيل: والآية برهان على الوحدانية لانفراد الله تعالى بالضر والخير وكذلك ما بعد هذا من الأوصاف براهين ورد على المشركين {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} قال ابن كثير: أي هو الذي خضعت له الرقاب وذلّت له الجبابرة وعنت له الوجوه وقهر كل شيء وهو الحكيم في جميع أفعاله الخبير بمواضع الأشياء. البَلاَغَة: 1- {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} الصيغة تفيد القصر أي لا يستحق الحمد والثناء إلا الله رب العالمين. 2- {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ} فيه من المحسنات البديعية الطباق. 3- {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} فيه استبعاد أن يعدلوا به غيره بعد وضوح آيات قدرته ووضع الرب {رَبِّهِم} موضع الضمير لزيادة التشنيع والتقبيح. 4- {سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} بينهما طباق. 5- {مِّن قَرْنٍ} أي أهل قرن فهو مجاز مرسل. 6- {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً} أي المطر عبَّر عنه بالسماء لأنه ينزل من السماء فهو مجاز أيضاً. 7- {ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ} تنكير رسل للتفخيم والتكثير. 8- {ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} من صيغ المبالغة. فَائِدَة: في القرآن العظيم خمس سور ابتدأت بـ {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} وهي سورة الفاتحة {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الآية: 2] والأنعام {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} [الآية: 1] وسورة الكهف {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [الآية: 1] وسورة سبأ {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الآية: 1] وسورةُ فاطر {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الآية: 1].

زيد بن علي

تفسير : أَخبرنا أَبو جعفر، قَالَ حدّثنا عَليُّ بن أَحمد، قَالَ حدَّثنا عطاءُ بن السائب قالَ: حدَّثنا أبو خالد الواسطي عَن الإِمَامِ الشَّهيدِ أَبي الحسين زيد بن علي عليهما السَّلامُ. في قولهِ تعالى: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ} معناهُ خَلَقَها. والظُّلماتُ الكُفرُ. والنُّورُ: الإِيمانُ. تفسير : وقوله تعالى: {بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} معناهُ يَجْعَلُونَ لَهُ مِثْلاً. ويُشْركُونَ بهِ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} الآية، هذه السورة مكية كلها إلا آيات وقيل: إلا آيات نزلت بالمدينة، ومناسبة افتتاحها لآخر المائدة أنه تعالى لما ذكر ما قالته النصارى في عيسى وأمه من كونهما إلهين من دون الله وجرت تلك المحاورة وذكر ثواب الصادقين وأعقب ذلك بأن له ملك السماوات والأرض وما فيهن وأنه قادر على كل شيء؛ ذكر بأن الحمد لله المستغرق جميع المحامد فلا يمكن أن يثبت معه شريك في الإِلهية فيحمد، ثم نبه على العلة المقتضية لجميع المحامد والمقتضية كون ملك السماوات والأرض وما فيهن له بوصف خلق السماوات والأرض، لأن الموجد للشيء المنفرد باختراعه له الاستيلاء والسلطنة عليه. ولما تقدم قولهم في عيسى وكفرهم بذلك وذكر الصادقين وجزاءهم أعقب خلق السماوات والأرض بجعل الظلمات والنور فكان ذلك مناسباً للكافر والصادق. وقال الزمخشري: يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشا، كقوله: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ}، وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صير كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً}تفسير : [الزخرف: 19]، والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير، وفي الجعل معنى التصيير كإِنشاء شىء من شىء أو تصيير شىء شيئاً أو نقله من مكان إلى مكان، ومنه: جعل الظلمات والنور، لأن الظلمات من الاجرام المتكاتفة والنور من النار. "انتهى". وما ذكره من أن جعل بمعنى صير في قوله: وجعلوا الملائكة، لا يصح لأنهم لم يصيروهم إناثاً وإنما قال بعض النحويين: إنها هنا بمعنى سمى. وتقدم الكلام في البقرة على جمع السماوات وإفراد الأرض وجمع الظلمات وإفراد النور وثم كما تقرر في اللسان العربي أصلها للمهلة في الزمان. قال ابن عطية: ثم دالة على قبح فعل الذين فروا لأن المعنى أن خلقه السماوات والأرض وغيرهما قد تقرر وآياته قد سطعت وإنعامه بذلك قد تبين ثم بعد هذا كله عدلوا بربهم، فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني، أي بعد وضوح هذا كله ولو وقع العطف في هذا ونحوه بالواو لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم. "انتهى". وقال الزمخشري: فإِن قلت: فما معنى ثم قلت استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته وكذلك ثم أنتم تمترون استبعاد لأن يمتروا فيه بعدما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم. انتهى. وهذا الذي ذهب إليه ابن عطية في أن ثم للتوبيخ والزمخشري من أن ثم للاستبعاد ليس بصحيح لأن ثم لم توضح لذلك وإنما التوبيخ والاستبعاد مفهوم من سياق الكلام لا من مدلول ثم، ولا أعلم أحداً من النحويين ذكر ذلك بل ثم هنا للمهلة في الزمان وهي عاطفة جملة إسمية على جملة إسمية أخبر تعالى بأن الحمد له، ونبه على العلة المقتضية للحمد من جميع الناس وهي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور ثم أخبر أن الكافرين به يعدلون فلا يحمدونه. وقال الزمخشري: فإِن قلت: علام عطف قوله: ثم الذين كفروا؟ قلت: اما على قوله: الحمد لله، على معنى ان الله حقيق بالحمد على ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة ثم الذين كفروا بربهم يعدلون فيكفرون نعمه. وأما على قوله: خلق السماوات والأرض، على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه. "انتهى". وهذا الوجه الثاني الذي جوزه لا يجوز لأنه إذ ذاك يكون معطوفاً على الصلة والمعطوف على الصلة صلة فلو جعلت الجملة من قوله تعالى: {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، صلة لم يصح هذا التركيب لأنه ليس فيها رابط يربط الصلة بالموصول إلا إن خرج على قولهم أبو سعيد الذي رويت عن الخدري يريد رويت عنه فيكون الظاهر قد وقع موقع المضمر فكأن قيل: ثم الذين كفروا به يعدلون، وهذا من الندور بحيث لا يقاس عليه ولا يحمل كتاب الله عليه مع ترجيح حمله على التركيب الصحيح الفصيح، والذين كفروا الظاهر فيه العموم فيندرج فيه عبدة الأصنام وأهل الكتاب فعبدت النصارى المسيح، واليهود عزيراً، واتخذوا أحبارهم أرباباً من دون الله، والمجوس عبدوا النار، والمانوية عبدوا النور. والباء في بربهم يحتمل أن تتعلق بكفروا وفيه إشارة إلى أن مالكهم لا ينبغي أن يكفروا به ويعدلوا عن طاعته، ويحتمل أن تتعلق بيعدلون وتكون الباء بمعنى عن أي يعدلون عنه إلى غيره مما لا يخلق ولا يقدر أو يكون المعنى يعدلون به غيره أي يسوون به غيره في اتخاذه رباً وإلهاً وفي الخلق والإِيجاد وعدل الشىء بالشىء التسوية به وفي الآية رد على القدرية في قولهم: الخير من الله، والشر من الإِنسان، فعدلوا به غيره في الخلق والإِيجاد. {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ} ظاهره إنا مخلوقون من الطين - وذكر ذلك المهدوي ومكي والزهراوي عن فرقة والنطفة التي يخلق منها الإِنسان أصلها من طين ثم يقلبها الله نطفة. قال ابن عطية: وهذا يترتب على قول من يقول يرجع بعد التوالد والاستحالات الكثيرة نطفة، وذلك مردود عند الأصوليين. "انتهى". والمشهور عند المفسرين أن المخلوق من الطين هو آدم. قال مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم: المعنى خلق آدم من طين والبشر من آدم فلذلك قال: خلقكم من طين. وذكر ابن سعد في الطبقات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الناس من ولد آدم وآدم من ترابتفسير : . وقال بعض شعراء الجاهلية: شعر : إلى عرق الثرى وشجت عروقي وهذا الموت يسلبني شبابي تفسير : فسّره الشراح بأن عرق الثرى هو آدم فعلى هذا يكون التأويل على حذف مضاف. أما في خلقكم أي خلق أصلكم، وإما من طين أي من عرق طين أو فرعه. {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً} الآية قضى إن كانت هنا بمعنى قدر وكتب كانت هنا للترتيب في الذكر لا في الزمان، لأن ذلك سابق على خلقنا إذ هي صفة ذات وان كانت بمعنى أظهر كانت للترتيب الزماني على أصل وضعها لأن ذلك متأخر عن خلقنا فهي صفة فعل. والظاهر من تنكير الأجلين أنه تعالى أبهم أمرهما، وقيل: الأول أجل الدنيا من وقت الخلق إلى الموت، والثاني أجل الآخرة لأن الحياة في الآخرة لا انقضاء لها ولا يعلم كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله تعالى. وقال الزمخشري: فإِن قلت: المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفاً وجب تقديمه فلم جاز تقديمه في قوله: وأجل مسمى عنده؟ قلت: لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة كقوله تعالى: {أية : وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ}تفسير : [البقرة: 221] "انتهى". وهذا الذي ذكره من مسوغ الابتداء بالنكرة لكونها وصفت لا بتعين هنا أن يكون هو المسوغ لأنه يجوز أن يكون المسوغ هو التفصيل لأن من مسوغات الابتداء بالنكرة أن يكون الموضع موضع تفصيل نحو قوله: شعر : إذا ما بكى من خلفها انحرفت له بشق وسِقٌ عندنا لم يحوّل تفسير : قال الزمخشري: فإِن قلت الكلام السائر أن يقال: عندي ثوب جيد ولي كيْس وما أشبه ذلك. قلت: أوجبه أن المعنى وأي أجل مسمى عنده تعظيماً لشأن الساعة فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم. "انتهى". وهذا لا يجوز لأنه إذا كان التقدير وأي أجل مسمى عنده كانت أي صفة لموصوف محذوف تقديره وأجل أي أجل مسمى عنده، ولا يجوز حذف الصفة إذا كانت أياً ولا حذف موصوفها وإبقاؤها، فلو قلت: مررت بأي رجل، تريد برجل أي رجل لم يجز، وقوله: أي منافق، ضعيف إذ حذف موصوف أي والكلام في ثم هنا كالكلام فيها في قوله: ثم الذين كفروا، والذي يظهر أن قوله: هو الذي خلقكم، على جهة الخطاب هو التفات من الغائب الذي هو قوله: ثم الذين كفروا، وإن كان الخلق وقضاء الأجل ليس مختصاً بالكفار إذ اشترك فيه المؤمن والكافر لكنه قصد به الكافر تنبيهاً له على أصل خلقه وقضاء الله عليه وقدرته، وإنما قلت: انه من باب الإِلتفات، لأن قوله: ثم أنتم تمترون، لا يمكن أن يندرج في هذا الخطاب من اصطفاه الله تعالى بالإِيمان والنبوة.

الجيلاني

تفسير : {ٱلْحَمْدُ} والثناء المشعر بالإطاعة والانقياد المنبأ عن التعظيم والتبجيل الذاتي الصادر عن ألسنة جميع من يدخل في حيطة الوجود، المعترف بتوحيده سبحانه وتفريده استقلالاً ثابتاً {للَّهِ} المستقل بالألوهية، المتوحد في الربوبية، المستحق في العبودية، وكيف لا يستحق سبحانه مع أنه القادر {ٱلَّذِي خَلَقَ} وقدر {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي: أظهر علويات الأسماء والصفات وسفليات الطبيعة العدمية القابلة لانعكاس أشعة العلويات {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ} أي: أنشأ حجب التعينات {وَٱلنُّورَ} أيك ظل الوجود المنبسط عليها {ثْمَّ} بعدما ظهر إشراق نور الوجود، ولمع أضاء شمس الذات {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ} أي: ستروا بهويتهم الباطلة هويته الحقيقة السارة في الآفاق أزلاً وأبداً {يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] يميلون وينحرفون عن طريق الحق جهلاً وعناداً. وكيف تعدلون عن طريق الحق وتسترون هويته مع هوياتكم الباطلة أيها التائهون في تيه الضلال؟! إنه: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} أي: قدر وجودكم {مِّن طِينٍ} جماد قريب من العدم {ثُمَّ قَضَىۤ} وقدر {أَجَلاً} لحياتكم في النشاة الأولى {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} مقدر {عِندَهُ} لفنائكم فيه في النشأة الأخرى {ثُمَّ أَنتُمْ} بعدما علمتم وتحققتم منشأكم ونشأتكم الأولى {تَمْتَرُونَ} [الأنعام: 2] تشكون في النشأة الأخرى. {وَ} كيف تمتمرون وتشكون فيها مع أنه {هُوَ ٱللَّهُ} القادر المتوحد المتفرد المتجلي {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} بالاستقلال والانفراد {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3] من خير وشر ونفعوضر في نشأتكم الأولى. {وَ} من أمارات كفرهم وسترهم أنهم {مَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ} عظيمة دالة على توحيد الحق بلسان رسول من الرسل العظام {مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ} المتوحد بالربوبية {إِلاَّ كَانُواْ} من غاية كفرهم وجهلهم {عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [الأنعام:4]. ومن غاية إعراضهم وإلحادهم عن طريق الرشاد {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ} المطابق المواقع الذي هو القرآن الجامع {لَمَّا جَآءَهُمْ} بلسان من هو أعلى مرتبة ومكانة عند الله، وأكمل ديناً وأقوم طريقاً فكذبوه واستهزءوا به {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ} وسيظهر لهم في النشأة الأولى والأخرى {أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} [الأنعام: 5] حين نزول العذاب عليهم في الدنيا بضرب الذلة والمسكنة والجزية والصغار، وفي الآخرة العذاب والنكال المخلد.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} [الأنعام: 1]، الإشارة فيها أن الله تعالى ذكر الحمد بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس، وفي قوله تعالى: {للَّهِ} لام التمليك يعني: في حمد يحمده أهل السماوات والأرض في الدنيا والآخرة ملك له، وهو الذي أعطاهم استعداد الحمد يحمده بآثار قدرته على قدر استعدادهم واستطاعتهم؛ فأين المحامد للجن والإنس متسعات لحد جناب القدس؟! بل هو حمد نفسه القديم الأزلي، وقال: "الحمد لله حمد الخلق له مخلوق"، فإن حمده لنفسه قديم باقٍ، ثم عرف نفسه بصنعته، فقال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}؛ أي: سماوات القلوب في أرض النفوس وجعل الظلمات في النفوس، وهي صفاتها البهيمية والحيوانية وأخلاقها السبعية والشيطانية والنور في القلوب، وهي صفاتها الروحانية الباقية، وإنما ذكر بلفظ الجعل؛ لأن النور والظلمة من عالم المعاني وهو عالم الأمر كقوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ}تفسير : [الأعراف: 54]، ألا له الخلق والأمر فالسماوات والأرض من عالم الصورة ذكرها بلفظ الخلق كقوله تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} والنور والظلمة من عالم المعنى ذكره بلفظ الجعل. وقال: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ} [الأنعام: 1]، كما أنه تعالى مهما ذكر آدم وأخبر عن معناه ذكره بلفظ الجعل، كقوله تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة: 30]، فهذا هو الفرق بين الجعل والخلق فمن غلب عليه النور، فهو صفة الملكية الروحانية يميل إلى عبودية الخلق تعالى ويقبل دعوة الأنبياء - عليهم السلام - ويؤمن بالله ورسله ويتحلى بحلية الشريعة، فإن الله تعالى يكون وليه فيخرج من ظلمات صفات الخلقية الحيوانية إلى صفات الملكية الروحانية، كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257]، ومن غلبت عليه ظلمات البشرية الحيوانية واتبع طاغوت الهوى واستلذ بشهوات الدنيا، فالطاغوت يكون وليه فيخرجه من نور الروحانية إلى ظلمات الصفات الحيوانية، كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ} تفسير : [البقرة: 257]، فهذا معنى قوله تعالى: {ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1]؛ يعني: بعد أن خلق سماوات القلوب وأرض النفوس، وجعل فيهن الظلمات النفسانية والنور الروحاني مالت نفوس الكفار بغلبات صفاتها إلى طاغوت الهوى تعبدوه وجعلوه عديلاً لربهم. ثم أخبر عن الهوية بهويته بقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ} [الأنعام: 2]، الإشارة فيها أنه تعالى يعرف نفسه سبحانه بإظهار كمال قدرته على أن يخلق من الطين بشراً وأولاداً، كما قال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ}، فيسويه بحكمته قابلاً لفتح الروح الخاص منه فيه يستحق سجود الملائكة، كقوله تعالى: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [ص: 71-72]، {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً } [الأنعام: 2]؛ يعني: الروح المفارق عن مكثه قضي إجلالاً لأيام فراقه عن الحضرة وبُعده عن وطن الحقيقي {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} [الأنعام: 2]، وهو أجل الوصلة بعد الغرفة في مقام العندية، كقوله تعالى: {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55]، فلأجل الفرقة مدى ومنتهى ولأجل الوصلة لا مدى ولا منتهى وإنما قال تعالى مسمى لأن وقت الوصلة مسمى عنده، وهو حين يجذب إليه بجذبة {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28]، فلأيام الوصلة ابتداء، وهو حين تطلع شمس التوحيد عن شرق القلوب إلى أن تبلغ حق شراء الوحدة، ثم شروق فلا غروب لها {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام: 2]، يا أهل الوصلة كما يمترون أهل الفرقة هذا محال جدّاً. ثم أخبر عن مرام وجههم بقوله تعالى: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} [الأنعام: 3]، إلى قوله: {يَسْتَهْزِءُونَ} [الأنعام: 5]، والإشارة فيها أنه هو الله في سماوات القلوب وفي أرض النفوس {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ } [الأنعام: 3]، الذي أودع فيكم وهو سر الخلافة الذي اختص به الإنسان لقبول الفيض الإلهي {وَجَهْرَكُمْ} [الأنعام: 3]؛ أي: ما هو ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والأخلاق النفسانية {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3]، باستعمال الاستعداد السر والجهر والمأمورات والمنهيات من الخير والشر، وقد خص الإنسان بهذا الكسب أيضاً من الملك والحيوان، فإن الملك لا يقدر أن يكسب من الصفات الحيوانية شيئاً، ولا الحيوان قادر على أن يكسب من الصفات الملكية شيئاً والإنسان متصرف في هاتين الصفتين، وله اكتساب التخلق بأخلاق الله، بالتقرب إلى الله بأداء ما فرض عليه والتزام النوافل واجتناب النواهي إلى أن يصير خير البرية، وأيضاً أن يكتب من الشر ما يصير به شر البرية، فيكون من أحواله ما أخبر عنه. وقال تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ} [الأنعام: 4]، في الآفاق وفي أنفسهم من المعجزات والكرامات والإلهامات {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [الأنعام: 4]، وذلك لإقبالهم على الدنيا وزينتها وشهواتها، فصاروا كأنعام فكسبوا ما صاروا به من جملته بل هم أضل، وذلك لأن لأنعام ما كذبوا بالحق وأنهم {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} [الأنعام: 5]، فتكذيب الحق صاروا أضل من الأنعام {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ} [الأنعام: 5]، في الدنيا والآخرة {أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} [الأنعام: 5]، أما في الدنيا فقد استهزءوا بأقوال الأنبياء والأولياء وأحوالهم يعميهم الله، ويعمي أبصارهم فلا يهتدون إلى الحق ولا إلى حقيقته سبيلاً، وأما في الآخرة فيعذبهم بعذاب القطيعة والبعد والحرمان والخلود في النيران.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا إخبار عن حمده والثناء عليه بصفات الكمال، ونعوت العظمة والجلال عموما، وعلى هذه المذكورات خصوصا. فحمد نفسه على خلقه السماوات والأرض، الدالة على كمال قدرته، وسعة علمه ورحمته، وعموم حكمته،وانفراده بالخلق والتدبير، وعلى جعله الظلمات والنور، وذلك شامل للحسي من ذلك، كالليل والنهار، والشمس والقمر. والمعنوي، كظلمات الجهل، والشك، والشرك، والمعصية، والغفلة، ونور العلم والإيمان، واليقين، والطاعة، وهذا كله، يدل دلالة قاطعة أنه تعالى، هو المستحق للعبادة، وإخلاص الدين له، ومع هذا الدليل ووضوح البرهان { ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } أي يعدلون به سواه، يسوونهم به في العبادة والتعظيم، مع أنهم لم يساووا الله في شيء من الكمال، وهم فقراء عاجزون ناقصون من كل وجه. { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ } وذلك بخلق مادتكم وأبيكم آدم عليه السلام. { ثُمَّ قَضَى أَجَلا } أي: ضرب لمدة إقامتكم في هذه الدار أجلا تتمتعون به وتمتحنون، وتبتلون بما يرسل إليكم به رسله. { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } ويعمركم ما يتذكر فيه من تذكر. { وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ } وهي: الدار الآخرة، التي ينتقل العباد إليها من هذه الدار، فيجازيهم بأعمالهم من خير وشر. { ثُمَّ } مع هذا البيان التام وقطع الحجة { أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ } أي: تشكون في وعد اللهو ووعيده، ووقوع الجزاء يوم القيامة. وذكر الله الظلمات بالجمع، لكثرة موادها وتنوع طرقها. ووحد النور لكون الصراط الموصلة إلى الله واحدة لا تعدد فيها،، وهي: الصراط المتضمنة للعلم بالحق والعمل به، كما قال تعالى: {أية : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ }.