Verse. 791 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

ہُوَالَّذِيْ خَلَقَكُمْ مِّنْ طِيْنٍ ثُمَّ قَضٰۗى اَجَلًا۝۰ۭ وَاَجَلٌ مُّسَمًّى عِنْدَہٗ ثُمَّ اَنْتُمْ تَمْتَرُوْنَ۝۲
Huwa allathee khalaqakum min teenin thumma qada ajalan waajalun musamman AAindahu thumma antum tamtaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هو الذي خلقكم من طين» بخلق أبيكم آدم منه «ثم قضى أجلا» لكم تموتون عند انتهائه «وأجلٌ مسمّىّ» مضروب «عنده» لبعثكم «ثم أنتم» أيها الكفار «تمترون» تشكون في البعث بعد علمكم أنه ابتدأ خلقكم ومن قدر على الإبتداء فهو على الإعادة أقدر.

2

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا الكلام يحتمل أن يكون المراد منه ذكر دليل آخر من دلائل إثبات الصانع تعالى، ويحتمل أن لا يكون المراد منه ذكر الدليل على صحة المعاد وصحة الحشر. أما الوجه الأول: فتقريره: أن الله تعالى لما استدل بخلقه السموات والأرض وتعاقب الظلمات والنور على وجود الصانع الحكيم أتبعه بالاستدلال بخلقه الإنسان، على إثبات هذا المطلوب فقال: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ } والمشهور أن المراد منه أنه تعالى خلقهم من آدم وآدم كان مخلوقاً من طين. فلهذا السبب قال: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ } وعندي فيه وجه آخر، وهو أن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث، وهما يتولدان من الدم، والدم إنما يتولد من الأغذية، والأغذية إما حيوانية وإما نباتية، فإن كانت حيوانية كان الحال في كيفية تولد ذلك الحيوان كالحال في كيفية تولد الإنسان، فبقي أن تكون نباتية، فثبت أن الإنسان مخلوق من الأغذية النباتية، ولا شك أنها متولدة من الطين، فثبت أن كل إنسان متولد من الطين. وهذا الوجه عندي أقرب إلى الصواب. إذا عرفت هذا فنقول: هنا الطين قد تولدت النطفة منه بهذا الطريق المذكور، ثم تولد من النطفة أنواع الأعضاء المختلفة في الصفة والصورة واللون والشكل مثل القلب والدماغ والكبد، وأنواع الأعضاء البسيطة كالعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها، وتولد الصفات المختلفة في المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم وذلك هو المطلوب. وأما الوجه الثاني: وهو أن يكون المقصود من هذا الكلام تقرير أمر المعاد، فنقول لما ثبت أن تخليق بدن الإنسان إنما حصل، لأن الفاعل الحكيم والمقدر الرحيم، رتب حلقة هذه الأعضاء على هذه الصفات المختلفة بحكمته وقدرته، وتلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها، وذلك يدل على صحة القول بالمعاد. وأما قوله تعالى: {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً } ففيه مباحث: المبحث الأول: لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر. قال تعالى: {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}تفسير : [الأسراء: 23] وبمعنى الخبر والاعلام. قال تعالى: {أية : وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الإسراء: 4] وبمعنى صفة الفعل إذَا تمّ. قال تعالى: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَٰواتٍ فِى يَوْمَيْنِ } تفسير : [فصلت: 12] ومنه قولهم قضى فلان حاجة فلان. وأما الأجل فهو في اللغة عبارة عن الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان هو الوقت المضروب لانقضاء عمره، وأجل الدين محله لانقضاء التأخير فيه وأصله من التأخير يقال أجل الشيء يأجل أجولاً، وهو آجل إذا تأخر والآجل نقيض العاجل. إذا عرفت هذا فقوله {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً } معناه أنه تعالى خصص موت كل واحد بوقت معين وذلك التخصيص عبارة عن تعلق مشيئته بإيقاع ذلك الموت في ذلك الوقت. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيّتُونَ } تفسير : [المؤمنون: 15]. وأما قوله تعالى: {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } فاعلم أن صريح هذه الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان. واختلف المفسرون في تفسيرهما على وجوه: الأول: قال أبو مسلم قوله {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً } المراد منه آجال الماضين من الخلق وقوله {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } المراد منه آجال الباقين من الخلق فهو خص هذا الأجل. الثاني: بكونه مسمى عنده، لأن الماضين لما ماتوا صارت آجالهم معلومة، أما الباقون فهم بعد لم يموتوا فلم تصر آجالهم معلومة، فلهذا المعنى قال: {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } والثاني: أن الأجل الأول هو أجل الموت والأجل المسمى عند الله هو أجل القيامة، لأن مدة حياتهم في الآخرة لا آخرة لها ولا انقضاء ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله سبحانه وتعالى. والثالث: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والثاني: ما بين الموت والبعث وهو البرزخ. والرابع: أن الأول: هو النوم والثاني: الموت. والخامس: أن الأجل الأول مقدار ما انقضى من عمر كل أحد، والأجل الثاني: مقدار ما بقي من عمر كل أحد. والسادس: وهو قول حكماء الإسلام أن لكل إنسان أجلين: أحدهما: الآجال الطبيعية. والثاني: الآجال الاخترامية. أما الآجال الطبيعية: فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصوناً من العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني، وأما الآجال الاخترامية: فهي التي تحصل بسبب من الأسباب الخارجية: كالغرق والحرق ولدغ الحشرات وغيرها من الأمور المعضلة، وقوله {مُّسمًّى عِندَهُ } أي معلوم عنده أو مذكور اسمه في اللوح المحفوظ، ومعنى عنده شبيه بما يقول الرجل في المسألة عندي أن الأمر كذا وكذا أي هذا اعتقادي وقولي. فإن قيل: المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفاً وجب تأخيره فلم جاز تقديمه في قوله {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } قلنا: لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة كقوله {أية : وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ }تفسير : [البقرة: 221]. وأما قوله {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } فنقول: المرية والامتراء هو الشك. وأعلم أنا إن قلنا المقصود من ذكر هذا الكلام الاستدلال على وجود الصانع كان معناه أن بعد ظهور مثل هذه الحجة الباهرة أنتم تمترون في صحة التوحيد، وإن كان المقصود تصحيح القول بالمعاد فكذلك، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ} الآية خبر، وفي معناه قولان: أحدهما ـ وهو الأشهر، وعليه من الخلق الأكثر، أن المراد آدم عليه السلام والخلق نَسْله، والفرع يضاف إلى أصله؛ فلذلك قال: «خَلَقَكُمْ» بالجمع؛ فأخرجه مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده؛ هذا قول الحسن وقَتَادة وٱبن أبي نَجِيح والسُّديّ والضّحاك وٱبن زيد وغيرهم. الثاني ـ أن تكون النطفة خلقها الله من طين على الحقيقة ثم قلبها حتى كان الإنسان منها؛ ذكره النحاس. قلت: وبالجملة فلما ذكر جل وعز خلق العالم الكبير ذكر بعدهُ خلق العالم الصغير ـ وهو الإنسان، وجعل فيه ما في العالم الكبير، على ما بينّاه في «البقرة» في آية التوحيد (والله أعلم) والحمد لله. وقد روى أبو نعيم الحافظ في كتابه عن مُرَّة عن ٱبن مسعود أن المَلك الموكَّل بالرَّحم يأخذ النطفة فيضعها على كفه ثم يقول: يا رب مُخلّقة أو غير مخلّقة؟ فإن قال مُخلّقة قال: يا رب ما الرزق، ما الأثر، ما الأجل؟ فيقول: ٱنظر في أُمّ الكتاب، فينظر في اللوح المحفوظ فيجد فيه رزقه وأثره وأجله وعمله، ويأخذ التراب الذي يدفن في بقعته ويعجن به نطفته؛ فذلك قوله تعالى: { أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } تفسير : [طه: 55]. وخرّج عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما من مولود إلا وقد ذُرَّ عليه من تُراب حُفْرته ». تفسير : قلت: وعلى هذا يكون كل إنسان مخلوقاً من طين وماء مهين، كما أخبر جل وعز في سورة «المؤمنون»؛ فتنتظم الآيات والأحاديث، ويرتفع الإشكال والتعارض، والله أعلم. وأما الإخبار عن خلق آدم عليه السلام فقد تقدّم في «البقرة» ذكره وٱشتقاقه، ونزيد هنا طرفاً من ذلك ونعته وسِنِّه ووفاته؛ ذكر ٱبن سعد في «الطَّبقات» عن أبي هُريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : الناس ولد آدم وآدم من التراب » تفسير : . وعن سعيد بن جُبير قال: خلق الله آدم عليه السلام من أرض يقال لها دَجْنَاء؛ قال الحسن: وخلق جُؤْجُؤه من ضَرِيّة؛ قال الجوهريّ: ضَرِيَّة قرية لبني كلاب على طريق البصرة وهي إلى مكة أقرب، وعن ٱبن مسعود قال: «إن الله تعالى بعث إبليس فأخذ من أَدِيم الأرض من عَذْبها وما لحها فخلق منه آدم عليه السلام فكل شيء خلقه من عَذْبها فهو صائر إلى الجنة وإن كان ٱبن كافر، وكل شيء خلقه من مالحها فهو صائر إلى النار وإن كان ٱبن تقيّ؛ فمن ثَمّ قال إبليس: { أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً } تفسير : [الإسراء: 61] لأنه جاء بالطينة؛ فسمى آدم؛ لأنه خلق من أَدِيم الأرض. وعن عبد الله بن سَلاَم قال: خلق الله آدم في آخر يوم الجمعة. وعن ابن عباس قال: لما خلق الله آدم كان رأسه يَمسُّ السماء ـ قال؛ فوَطَده إلى الأرض حتى صار ستين ذراعاً في سبعة أذرع عرضاً. وعن أُبيّ بن كعب قال: كان آدم عليه السلام طُوَالاً جَعْدا كأنه نخلة سَحُوق. وعن ٱبن عباس ـ في حديث فيه طول ـ وحج آدم عليه السلام من الهند إلى مكة أربعين حجة على رجليه، وكان آدم حين أُهبِط تمسح رأسه السماء؛ فمن ثم صَلِع وأورث ولده الصَّلَع، ونَفَرت من طوله دواب البرّ فصارت وحشا من يومئذ، ولم يمت حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً، وتُوفي على ذِرْوة الجبل الذي أنزل عليه، فقال شيث لجبريل عليهما السلام: «صَلِّ على آدم» فقال له جبريل عليه السلام: تقدّم أنت فَصَلِّ على أبيك وكَبِّر عليه ثلاثين تكبيرة، فأما خمس فهي الصلاة، وخمس وعشرون تفضيلاً لآدم. وقيل: كبّر عليه أربعاً؛ فجعل بنو شيث آدم في مغارة وجعلوا عليها حافظاً لا يقربه أحد من بني قابيل، وكان الذين يأتونه ويستغفرون له بنو شيث، وكان عمر آدم تسعمائة سنة وستا وثلاثين سنة. ويقال: هل في الآية دليل على أن الجواهر من جنس واحد؟ الجواب نعم؛ لأنه إذا جاز أن ينقلب الطين إنساناً حياً قادراً عليما، جاز أن ينقلب إلى كل حال من أحوال الجواهر؛ لتسوية العقل بين ذلك في الحكم، وقد صح ٱنقلاب الجماد إلى الحيوان بدلالة هذه الآية. قوله تعالى: {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً} مفعول. {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} ٱبتداء وخبر. قال الضحاك: «أَجَلاً» في الموت {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} أجل القيامة؛ فالمعنى على هذا: حَكَم أجلاً، وأعلمكم أنكم تقيمون إلى الموت ولم يعلمكم بأجل القيامة. وقال الحسن ومجاهد وعِكْرمة وخصيف وقَتَادة ـ وهذا لفظ الحسن ـ: قضى أجل الدنيا من يوم خلقك إلى أن تموت {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} يعني الآخرة. وقيل: {قَضَىۤ أَجَلاً} ما أُعلمناه من أنه لا نبيّ بعد محمد صلى الله عليه وسلم، {وَأَجَلٌ مُّسمًّى} من الآخرة. وقيل: {قَضَىۤ أَجَلاً} مما نعرفه من أوقات الأهلّة والزرع وما أشبههما، {وَأَجَلٌ مُّسمًّى} أجل الموت؛ لا يعلم الإنسان متى يموت. وقال ٱبن عباس ومجاهد: معنى الآية {قَضَىۤ أَجَلاً} بقضاء الدنيا، {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} لابتداء الآخرة. وقيل: الأوّل قبض الأرواح في النوم، والثاني قبض الروح عند الموت؛ عن ابن عباس أيضاً. قوله تعالى: {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} ٱبتداء وخبر: أي تَشكُّون في أنه إله واحد. وقيل: تمارون في ذلك أي تجادلون جدال الشَّاكِّين؛ والتَّمَاري المجادلة على مذهب الشّك؛ ومنه قوله تعالى: { أية : أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ } تفسير : [النجم: 12].

البيضاوي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ} أي ابتدأ خلقكم منه، فإنه المادة الأولى وأن آدم الذي هو أصل البشر خلق منه، أو خلق أباكم فحذف المضاف. {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً} أجل الموت. {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} أجل القيامة. وقيل الأول ما بين الخلق والموت، والثاني ما بين الموت والبعث، فإن الأجل كما يطلق لآخر المدة يطلق لجملتها. وقيل الأول النوم والثاني الموت. وقيل الأول لمن مضى والثاني لمن بقي ولمن يأتي، وأجل نكرة خصصت بالصفة ولذلك استغني عن تقديم الخبر والاستئناف به لتعظيمه ولذلك نكر ووصف بأنه مسمى أي مثبت معين لا يقبل التغيير، وأخبر عنه بأنه عند الله لا مدخل لغيره فيه يعلم ولا قدرة ولأنه المقصود بيانه. {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } استبعاد لامترائهم بعد ما ثبت أنه خالقهم وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم، فإن من قدر على خلق المواد وجمعها وإيداع الحياة فيها وإبقائها ما يشاء كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانياً، فالآية الأولى دليل التوحيد والثانية دليل البعث، والامتراء الشك وأصله المري وهو استخراج اللبن من الضرع. {وَهُوَ ٱللَّهُ} الضمير لله سبحانه وتعالى و {ٱللَّهِ} خبره. {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَفِى ٱلأَرْضِ} متعلق باسم {ٱللَّهِ} والمعنى هو المستحق للعبادة فيهما لا غير، كقوله سبحانه وتعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّماء إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ } تفسير : [الزخرف: 84] أو بقوله: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} والجملة خبر ثان، أو هي الخبر و {ٱللَّهِ} بدل، ويكفي لصحة الظرفية كون المعلوم فيهما كقولك رميت الصيد في الحرم إذا كنت خارجه والصيد فيه أو ظرف مستقر وقع خبراً، بمعنى أنه سبحانه وتعالى لكمال علمه بما فيهما كأنه فيهما، ويعلم سركم وجهركم بيان وتقرير له وليس متعلقاً بالمصدر لأن صفته لا تتقدم عليه. {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} من خير أو شر فيثيب عليه ويعاقب، ولعله أريد بالسر والجهر ما يخفى وما يظهر من أحوال الأنفس وبالمكتسب أعمال الجوارح. {وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايَـٰتِ رَبّهِمْ} {مِنْ} الأولى مزيدة للاستغراق والثانية للتبعيض، أي: ما يظهر لهم دليل قط من الأدلة أو معجزة من المعجزات أو آية من آيات القرآن. {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} تاركين للنظر فيه غير ملتفتين إليه. {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ} يعني القرآن وهو كاللازم ما قبله كأنه قيل: إنهم لما كانوا معرضين عن الآيات كلها كذبوا به لما جاءهم، أو كدليل عليه على معنى أنهم لما أعرضوا عن القرآن وكذبوا به وهو أعظم الآيات فكيف لا يعرضون عن غيره، ولذلك رتب عليه بالفاء. {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي سيظهر لهم ما كانوا به يستهزئون عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة، أو عند ظهور الإِسلام وارتفاع أمره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ } بخلق أبيكم آدم منه {ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلاً } لكم تموتون عند انتهائه {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } مضروب {عِندَهُ } لبعثكم {ثُمَّ أَنتُمْ } أيها الكفار {تَمْتَرُونَ } تشكون في البعث بعد علمكم أنه ابتدأ خلقكم، ومن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر.

الخازن

تفسير : {هو الذي خلقكم من طين} يعني أنه تعالى خلق آدم من طين وإنما خاطب ذريته بذلك لأنه أصلهم وهم من نسله وذلك لما أنكر المشركون البعث وقالوا مَن يحيي العظام وهي رميم أعلمهم بهذه الآية أنه خلقهم من طين وهو القادر على إعادة خلقهم وبعثهم بعد الموت. قال السدي: لما أراد الله عز وجل أن يخلق آدم بعث جبريل إلى الأرض ليأتيه بقبضة منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تقبض مني فراجع ولم يأخذ منها شيئاً فقال: يا رب عاذت بك فبعث الله ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث الله ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن أخالف أمره وأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء؛ فلذا اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والملح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم ثم قال الله لملك الموت رحم جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم اجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك عن أبي موسى الأشعري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي وأما قوله تعالى: {ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده} فاختلف العلماء في معنى ذلك فقال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول، من وقت الولادة إلى وقت الموت. والأجل الثاني: من وقت الموت إلى البعث، وهو البرزخ. ويروى نحو ذلك عن ابن عباس قال: لكل أحد أجلان: أجل إلى الموت، وأجل من الموت إلى البعث، فإن كان الرجل براً تقياً وصولاً للرحم زيد له من أجل البعث إلى أجل العمر، وإن كان فاجراً قاطعاً للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث وذلك قوله:{أية : وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب}تفسير : [فاطر: 11] وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الأجل الأول أجل الدنيا، والأجل الثاني أجل الآخرة. وقيل: الأجل هو الوقت المقدر فأجل كل إنسان مقدر معلوم عند الله لا يزيد ولا ينقص. والأجل الثاني: هو أجل القيامة وهو أيضاً معلوم مقدر عند الله لا يعلمه إلا الله تعالى وقال ابن عباس في رواية عطاء عنه ثم قضى أجلاً يعني النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع عند الانتباه وأجل مسمى عنده هو أجل الموت وقيل هما واحد ومعناه ثم قضى أجلاً يعني قدَّر مدة لأعماركم تنتهون إليها وهو أجل مسمى عنده يعني أن ذلك الأجل عنده لا يعلمه إلا هو والمراد بقوله عنده يعني في اللوح المحفوظ الذي لا يطلع عليه غيره {ثم أنتم تمترون} يعني ثم أنتم تشكون في البعث. قوله عز وجل: {وهو الله في السموات وفي الأرض} يعني وهو إله السموات وإله الأرض. وقيل: معناه وهو المعبود في السموات وفي الأرض. وقال محمد بن جرير الطبري: معناه وهو الله في السموات {يعلم سركم وجهركم} في الأرض. وقال الزجاج: فيه تقديم وتأخير تقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض. وقيل: معناه وهو المنفرد بالتدبير في السموات وفي الأرض لا شريك له فيهما. والمراد بالسر، ما يخفيه الإنسان في ضميره فهو من أعمال القلوب وبالجهر وما يظهر الإنسان فهو من أعمال الجوارح والمعنى: أن الله لا يخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض {ويعلم ما تكسبون} يعني من خير أو شر، بقي في الآية سؤال وهو أن الكسب إما أن يكون من أعمال القلوب وهو المسمى بالسر أو من أعمال الجوارح وهو المسمى بالجهر فالأفعال لا تخرج عن هذين النوعين يعني السر والجهر فقوله ويعلم ما تكسبون يقتضي عطف الشيء بالجهر فالأفعال لا تخرج عن هذين النوعين يعني السر والجهر فقوله ويعلم ما تكسبون يقتضي عطف الشيء على نفسه وذلك غير جائز فما معنى ذلك وأجيب عنه بأنه يجب حمل قوله ويعلم ما تكسبون على ما يستحقه الإنسان على فعله وكسبه من الثواب والعقاب والحاصل فيه أنه محمول على المكتسب فهو كما يقال: هذا المال كسب فلان أي مكتسبه ولا يجوز حمله على نفس الكسب وإلا لزم عطف الشيء على نفسه ذكره الإمام فخر الدين.

ابن عادل

تفسير : اعلم أنَّ هذا الكلام يحتمل أن يكون المراد منه ذكر دليل آخر من دلائل إثبات الصانع سبحانه وتعالى، ويحتمل أن يكون المراد منه ذكرُ الدليل على صحة المعاد وصحة الحَشْرِ. أمَّا الأول فتقريره: أنَّهُ - تعالى - لمَّا اسْتَدَلَّ بِخَلْقِهِ السَّمواتِ وتَعَاقُبِ الظُّلماتِ والنُّور على وجود الصَّانع الحكيم أتْبَعَهُ الاسْتِدلالِ بخلقه الإنسان على إثبات هذا المَطْلُوب، فقال: "هُو الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ"، والمراد منه خلق آدم [لأن آدَمَ خلق] من طِينٍ، وهو أبو البَشَرِ، ويُحتملُ أنَّ [يكون] المراد كَوْنَ الإنسان مَخْلُوقاً من المَنيِّ، ومن دَمِ الطَّمْثِ، وهما يَتَولدَانِ من الدَّمِ، والدَّمُ إنَّما يَتَولَّدُ من الأغْذِية [والأغذية] إمَّا حيوانية أو نَبَاتيَّة، فإن كانت حَيوانِيَّة كان الحالُ في [كيفية] تولُّد ذلك [الحيوان كالحال في كيفية تَوَلُّدِ الإنسان مخلوفاً من الأغذية النباتية، ولا شك أنها متولّدة من الطين، فثبت أن كل إنسان متولد من الطين. إذا عرفت هذا فنقول: هذا الطِّينُ قد تَوَلدت النُّطفة منه بهذا الطريق المذكور. ثم تولّد من النُّطفَة أنواع الأعضاء المختلفة في الصِّفة، والصورة، واللون، والشكل] مثل القلب والدِّماغ والكبد، وأنواع الأعضاء البسيطةِ كالعظام والغَضارِيفِ والرِّبَاطَاتِ والأوتار تولد الصفات المختلفة في المادة المُتَشَابِهَةِ، وذلك لا يمكنُ إلاَّ بتقْدير مُقدِّرٍ حكيمٍ. وإن قلنا: المقصود من هذا الكلام تقرير أمر المعاد، فلأن خَلْقَ بَدَنِ الإنسان وترتيبه على هذه الصفات المختلفة إنَّما حَصَل بقُدْرَةِ فاعل حكيم، وتلك الحكمة والقدرة باقيةٌ بعد موت الحَيَوانِ، فيكون قادراً على إعَادتِهَا وإعَادَةِ الحياة فيها؛ لأنَّ القادِرَ على إيجادها من العَدَم قادرٌ على إعَادَتِهَا بطريق الأوْلَى. قوله: "مِنْ طينٍ" فيه وَجْهَان: أظهرهما: أنه متعلّق بـ "خَلَقَكُمْ"، و "مِنْ" لابتداء الغَايَةِ. والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوف على أنه حَالٌ، وهل يحتَاج في هذا الكلام إلى حذف مضاف أم لا؟ فيه خلاف. ذهب [جماعة] كالمهدويِّ ومكي، إلى أنه لا حَذْفَ، وأنَّ الإنسان مَخْلُوقٌ من الطين. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْ مَولُودٍ يُولَدُ إلاَّ ويُذَّرُ على النُّطْفَةِ مِنْ تُرَابِ حُفْرَتِهِ ". تفسير : وقيل: إنَّ النُّطْفَةَ أصْلُهَا الطِّينُ كما تقدَّم. وقال أكْثرُ المُفَسِّرينَ: ثَمَّ محذوفٌ، أي: خَلَقَ أصْلكم أو أباكم من طينٍ، يعنون آدم وقَصَّتُهُ مشهورة. وقال امرؤ القيس: [الوافر] شعر : 2102-إلَى عِرْقِ الثَّرَى رَسَخَتْ عُرُوقِي وهَذَا المَوْتُ يَسْلُبُنِي شَبَابِي تفسير : قالوا: أراد بعِرْقِ الثَّرى آدم عليه الصلاة والسلام لأنَّه أصلُه. فصل في بيان معنى "خلقكم من طين" قوله: {خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ} [يعني أباكم] آدم خاطبهم به، إذ كانوا من ولدِهِ. قال السُّديُّ: بَعَثَ اللهُ جِبْرِيلَ إلى الأرض لِيأتِيَهُ بطَائفةٍ منها، فقالت الأرْضُ: إنِّي أعُوذُ باللَّهِ منك أنْ تنقض مني، فرجع جبريل، ولم يأخذ، قال يَا رَبَّ: إنَّها عَاذَتْ بِكَ، فبعث مِيكَائيل فاسْتَعَاذَتْ، فرجع، فبعث ملك الموت، فَعَاذَتْ منه باللَّهِ، فقال: وأنا أعوذُ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم، ثُمَّ عَجَنَهَا بالماء العَذْبِ والمِلْح والمُرّ، فلذلك اختلفت أخلاقهم، فقال اللَّهُ لِمَلكِ الموت: "حديث : رحم جبريل وميكائيلُ الأرْضَ، ولم ترحمهما لا جَرَمَ أجعل أرواح من خُلِقَ من هذا الطِّين بَيَدِكَ ". تفسير : وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: "حديث : خَلَق اللهُ آدَمَ مَنْ تُرَابٍ، وجَعَلَهُ طِيناً، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى كان حَمَأ مَسْنُوناً، ثُمَّ خَلَقَهُ وصوَّرَهُ وتركه حتَّى كان صَلْصَالاً كالفخَّارِ، ثُمَّ نفخَ فيه رُوحَهُ " تفسير : قال القرطبي: عن سعيد بن جُبَيْرٍ قال: "خَلَقَ اللِّهُ آدَمَ من أرضٍ يقالُ لها دَجْناء". قال الحسن: "وخَلقَ جُؤجُؤهُ من ضَرِيَّة" قال الجوهري: "ضَرِيَّة" قرية لبني كِلابٍ على طريق "البصرة"، وهي إلى "مَكَّةَ" أقربُ. وعن ابن مسعود قال: إنَّ الله بعث إبليس، فأخَذَ من أديم الأرْضِ عَذْبِها وملحها، فخلقَ منه آدم عليه الصلاة والسلام فكلُّ شيء خلقه من عَذْبها، فهو صائرٌ إلى الجَنَّةِ، وإن كان ابن كافر، وكُلُّ شيء خَلَقَهُ من ملحها فهو صائرٌ إلى النَّارِ وإنْ كان ابن تَقِي؛ فَمِنْ ثمَّ قال إبليسُ: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61]؛ لأنَّه جاء بالطينة؛ فسمي آدم، لأنه خُلِقَ من أديم الأرض. وعن عبد الله بن سلام قال: خلق الله آدم في آخر يوم الجمعة. وعن عبد الله بن عباس قال: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آد‍َم كان رأسُه يَمَسّ السماءِ - قال - فوطده إلى الأرض حتَّى صار ستِّينَ ذِرَاعاً في سَبْعَةِ أذْرُعٍ عَرْضاً". وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في حديث فيه طول: وحَجَّ آدمُ - عليه السلام - من "الهِنْدِ" أربعين حجَّةُ على رِجْلَيْهِ، وكان آدمُ حين أُهبط تمسح رأسه السَّمَاء فمن ثَمَّ صَلِعَ، وأوْرثَ ولَدُهُ الصَّلعَ، ونفَرَت من طوله دواب الأرض، فصارت وحشاً من يومئذٍ، ولَمْ يَمُتْ حتىَّ بلغ ولده وولدُ ولدِه أربعين ألفاً وتوفي على ثور الجَبَلِ الذي أنزل؛ فقال شيث لجبريل: "صَلِّ عَلَى آدَمَ" فقال له جبريلُ: تقدَّم أنْتَ فصلِّ على أبيك كبر عليه ثلاثين تكبيرة، فأما خمس فهي الصلاة، وخمس وعشرون تفضيلاً لآدم. وقيل: وكبِّرْ عليه أربعاً، فجعل بنو شيث آدم في مَغَارةٍ، وجَعَلوا عليها حافظاً لا يَقْرَبُهُ أحدٌ من بني قابيل، وكان الذين يأتونه ويَسْتَغْفِرُون له "بنو شيث" وكان عُمْرُ آدم تسعمائة سنة وستاً وثلاثين سنةً. قوله: "ثُمَّ قَضَى" إذا كان "قَضَى" بمعنى أظهر فـ "ثُمَّ" للترتيبِ الزماني على أصلها؛ لأنَّ ذلك متأخِرٌ عن خَلْقِنا، وهي صفة فعل، وإن كان بمعنى "كَتَب" و "قََدَّر" فهي للترتيب في الذِّكرِ؛ لأنَّها صِفَةُ ذاتٍ، وذلك مُقدَّمٌ على خَلْقِنا. قوله: {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} مبتدأ وخبر، وسوَّغَ الابتداء هنا شيئان: أحدهما: وَصْفُهُ، كقوله: {أية : وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ}تفسير : [البقرة: 221]. والثاني: عَطْفُهُ بـ "ثمَّ" والعطفُ من المُسَوِّغَاتِ. قال الشاعر: [البسيط] شعر : 2103-عِنْدِي اصْطِبَارٌ وشَكْوَى عِنْدَ قَاتِلَتِي فَهَلْ بأعْجَبَ مِنْ هَذَا امْرُؤٌ سَمِعَا؟ تفسير : والتنكير في الأجلين للإبهام، وهنا مُسَوَّغُ آخر، وهو التفصيل كقوله: [الطويل] شعر : 2104 إذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَه ُ بِشِقٍّ وَشِقٌ عِنْدّنَا لَمْ يُحَوَّلِ تفسير : ولم يَجِبْ هُنا تقديمُ الخبر إن كان المبتدأ نكرةً، والخبرُ ظرفاً، قال الزمخشري: "لأنَّه تخصَّصَ بالصفة فقاربَ المعرفة". قال أبو حيَّان: "وهذا الذي ذَكَر من كَوْنِهِ مُسَوِّغاً للابتداء بالنكرة لكونها وُصِفَتْ لا تتعيَّنُ، لجواز أنْ يكونَ المُسَوِّغُ التفصيلَ" ثُمَّ أنشد البيت: شعر : - 2105 إذَا مَا بَكَى................... ........................................ تفسير : قال شهابُ الدين: والزمخشري لم يَقُلْ: إنَّهُ تعيَّن ذلك حتَّى يُلْزِمَهُ به، وإنَّما ذكر أشْهَرَ المسِّوغات فإنَّ العطف والتفصيل قَلَّ مَنْ يذكرُهما في المسوِّغات. قال الزمخشري: "فإنْ قٌلت: الكلامُ السَّائِرُ أن يُقال: "عندي ثَوْبٌ جيِّدٌ، ولي عبدٌ كَيِّسٌ" فما أوجب التقديم؟. قلت: أوجبه أنَّ المعنى: وأيُّ أجَلٍ مسمى عنده، تعظيماً لشأن الساعة، فلمَّا جرى فيها هذا المعنى أوجب التقديم". قال أبو حيان: وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا كان التقدير: وأيُّ أجلٍ مسمى عنده كانت "أي" صفة لموصوف محذوف تقديره: وأجل أي أجل مسمى عنده ولا يجوز حذفُ الصفةِ إذا كانت "أيّا" ولا حَذْفُ موصوفها وإبقاؤها. لو قلت: "مررتُ بأيِّ رجل" تريدُ برجلٍ أيِّ رجل لم يَجُزْ. قال شهاب الدين: ولم أدْرِ كيف يؤاخَدُ من فَسَّر معنًى بلفظٍ لم يَدَّع أن ذلك اللَّفْظَ هُوَ أصْلُ كلام المفسر، بل قال: معناه كيت وكيت؟ فكيف يلزمه أنْ يكَون ذلك الكلام الذي فَسَّر به هو أصْل ذلك المُفَسَّر؟ على أنَّه قَدْ وَرَدَ حَذْفُ موصوف "أيّ" وإبقاؤها كقوله: [المتقارب] شعر : 2106-إذا حَارَبَ الحَجَّاجُ أيَّ مُنَافِقٍ عَلاَهُ بِسَيفٍ كُلَّمَا هَزَّ يَقْطَعُ تفسير : قوله: "ثُمَّ" أنْتُم تَمْتَرُونَ" قد تقدَّم الكلامُ على "ثُمَّ" هذه. و"تمترون" تَفْتَعُون من المِرْيَةِ، وتقدَّم معناها في "البقرةِ" عند قوله:{أية : مِنَ ٱلْمُمْتَرِين} تفسير : [البقرة:147]. وجعل أبو حيَّان هذا من باب الالْتِفَاتِ، أعني قوله: "خَلَقكُمْ ثُمَّ أنْتُم تَمْتَرُون"، يعني أنَّ قوله: "ثُمَّ الذين كفروا" غائبٌ، فالْتَفَتَ عنه إلى قوله: "خَلَقَكُمْ ثُمَّ أنْتُم" ثُمَّ كأنَّه اعترض على نفسه بأنَّ خَلْقَكم وقضاءَ الأجلِ لا يَخْتَصُّ به الكُفَّار، بل المؤمنون مِثْلُهم في ذلك. وأجاب بأنَّه إنَّما قَصَدَ الكُفَّار تَنْبِيهاً لهم على خَلْقِهِ لهم وقُدرَتِهِ وقضائه لآجالهم. قال: "وإنِّما جَعَلْتُه من الالتِفَاتِ؛ لأن هذا الخطابَ، وهو "ثُمَّ أنْتُم تَمْتَرُونَ" لا يُمكِن أنْ يَنْدَرجَ فيه مَن اصْطَفاَهُ الله تعالى بالنبوَّة والإيمان "وأجَلٌ مسمَّى" مُسَمَّو؛ لأنه من مادة الاسم، وقد تقدَّم ذلك، فقُلبت الواوُ ياءً، ثم الياء ألفاً". وتمترون أصله "تَمْتَرِيُون" فَأعِلَّ كنَظَائِرِه. فصل في معنى "قضى" والقضاء قد يَرِدُ بمعنى الحكم، والأمر قال تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}تفسير : [الإسراء: 23] وبمعنى [الخبر والإعلام، قال تعالى: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الإسراء: 4] وبمعنى صفة الفعل إذا تَمَّ، قال تعالى:] {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات} تفسير : [فصلت:12] ومنه قولهم: "قضى فلان حاجةَ فلانٍ". وأمَّا الأجَلُ فهو في اللُّغَةِ عبارةٌ عن الوَقْتِ المضروب لإنقضاء المُدَّةِ، وأجَلُ الإنسان هو المؤقت المضروب؛ لانقضاء عُمْرِهِ. وأجَلُ الدَّيْنِ: مَحلُّهُ لانْقِضَاءِ التأخير فيه، وأصْلُهُ من التَّأخيرِ يُقال: أجلَ الشَّيء يَأجَلُ أجُولاً وهو آجلٌ إذا تأخَّرَ، والآجلُ نقيض العَاجِلِ، وإذا عُرِفَ هذا فقوله، "ثُمَّ قَضَى أجَلاً" معناه: أنَّهُ - تعالى - خَصَّصَ موت كُلَّ واحَد بوقتٍ مُعَيَّنٍ، "وأجلٌ مُسَمَّى عِنْدهُ" قال الحَسَنُ: وقتادة، والضحَّاكُ: الأجَلُ الأوّل من الولادَةِ إلى الموت. والأجَلُ الثاني: مِنَ الموتِ إلى البَعْثِ، وهو البَرْزَخُ وروي عن ابن عبَّاسٍ، وقال: لِكُلِّ أحَدٍ أجلان أجل من الولادة إلى الموت أدنى، وأجَلٌ من الموتِ إلى البعثِ، فإنْ كَانَ بَرّاً تقياً وصولاً للرَّحمِ زيد له من أجل البعث في أجل العُمر، فإن كان بالعكس قاطِعاً للرحَّمِ نُقِصَ من أجَل العُمر وزيد في أجَلِ البَعْثِ مخافة. [وقال مجاهد] وسعيد بن جُبَيْرٍ: الأجَلُ الأوَّلُ أجَلُ الدنيا، والثَّاني أجَلُ الآخرة. وقال عطيةُ عن ابن عبَّاس: الأجَلُ الأوَّل: النَّوم، والثاني: الموتُ. وقال أبو مُسْلِمٍ: المرادُ بالأجَلِ الأوَّلِ: آجال الماضين من الخَلْقِ وقوله: {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ}: المرادُ منه آجَالُ الباقين، فخصَّ هذا الأجل الثاني، بكونه مُسَمًّى عِندهُ؛ لأن الماضين لما ماتوا صارت آجالهُمْ معلومة، فلهذا المعنى قال: "وأجل مسمى عنده" وقيل: الأجَلُ الأوَّلُ: الموت، والأجَلُ المُسَمَّى عِنْدَ الله تعالى هو أجَلُ القيامة لأن مُدَّة حياتهم في الآخرة، لا آخِرَ لها ولا انْقِضَاءَ، ولا يَعْلَمُ أحد كيفية الحالِ في هذا الأجَلِ إلاَّ الله تعالى. وقيل: الأجَلُ الأوَّلُ مقدار ما يُقضى من عمر كُلّ واحدٍ، والثاني: مقدارُ ما بَقِيَ من عمر كُلِّ أحدٍ. وقيل: هما وَاحِدٌ - يعني "جعل لأعماركم مُدَّة تنتهون إليها". وقوله: "وأجَلٌ مُسَمًّى عنده" يعني: وهو أجلٌ مُسَمًّى عنده لا يعلمه غيره. قال حكماءُ الإسلامِ: إنَّ لكل إنسان أجَلَيْنِ: أحدهما: الطبيعي. والثاني: الآجالُ الاخْتِرامِيَّةُ، فالطَّبيعيُّ هو الذي لو بَقِيَ ذلك المِزَاجُ مَصُوناً من العوَارض الخارجية، لانْتَهَتْ مدّةُ بَقَائِه إلى الأوْقَات الفلانية، وأمَّا الآجال الاخترامية فهي التي تحصلُ بسبب من الأسباب الخارجية كالغَرَقِ، والحَرْقِ، ولَدْغِ الحشرات وغيرها من الأمور المُعْضِلَةِ. وقوله: {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} أي: تشكُّون في البَعْثِ. وقيل: تمترون في صحة التوحيد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {هو الذي خلقكم من طين} يعني آدم {ثم قضى أجلاً} يعني أجل الموت {وأجل مسمى عنده} أجل الساعة والوقوف عند الله. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله {ثم قضى أجلاً} قال: أجل الدنيا. وفي لفظ: أجل موته {وأجل مسمى عنده} قال: الآخرة لا يعلمه إلا الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {قضى أجلاً} قال: هو النوم، يقبض الله فيه الروح ثم يرجع إلى صاحبه حين اليقظة {وأجل مسمى عنده} قال: هو أجل موت الإِنسان. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {هو الذي خلقكم من طين} قال: هذا بدء الخلق، خلق آدم من طين {أية : ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين}تفسير : [السجدة: 8] {ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده} يقول: أجل حياتك إلى يوم تموت، وأجل موتك إلى يوم البعث {ثم أنتم تمترون} قال: تشكون . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ثم قضى أجلاً} قال: أجل الدنيا الموت {وأجل مسمى عنده} قال: الآخره البعث . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة والحسن في قوله {قضى أجلاً} قالا: أجل الدنيا منذ خلقت إلى أن تموت {وأجل مسمى عنده} قال: يوم القيامه. وأخرج أبو الشيخ عن يونس بن يزيد الأيلي {قضى أجلاً} قال: ما خلق في ستة أيام {وأجل مسمى عنده} قال: ما كان بعد ذلك إلى القيامة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {ثم أنتم تمترون} قال: تشكون . وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان في قوله {ثم أنتم تمترون} يقول: في البعث. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} يقول: ما يأتيهم من شيء من كتاب الله إلا أعرضوا عنه. وفي قوله {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} يقول: سيأتيهم يوم القيامة أنباء ما استهزأوا به من كتاب الله عز وجل .

ابو السعود

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ} استئنافٌ مَسوقٌ لبـيان بطلان كفرهم بالبعث، مع مشاهدتهم لما يوجب الإيمانَ به إثرَ بـيانِ بطلانِ إشراكِهم به تعالى، مع معاينتهم لموجِبات توحيدِه، وتخصيصُ خلقِهم بالذكر من بـين سائر دلائل صِحةِ البعث، مع أن ما ذُكر من خلق السموات والأرض من أوضحها وأظهرها، كما ورد في قوله تعالى: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم}تفسير : [يس، الآية 81] لما أن محلَّ النزاعِ بعثُهم، فدلالةُ بدءِ خلقِهم على ذلك أظهرُ وهم بشؤون أنفسهم أعرفُ، والتعامي عن الحجة النيِّرة أقبح، والالتفاتُ لمزيد التشنيع والتوبـيخ، أي ابتدأ خلقَكم منه، فإنه المادة الأولى للكل لما أنه منشأ آدمَ عليه السلام، وهو المخلوقُ منه حقيقةً بأن يقال: هو الذي خلق أباكم الخ، مع كفاية علمهم بخلقه عليه السلام منه في إيجاب الإيمانِ بالبعثِ وبطلانِ الامتراءِ لتوضيحِ منهاجِ القياس، وللمبالغة في إزاحةِ الاشتباه والالتباس، مع ما فيه من تحقيق الحق والتنبـيه على حكمةٍ خفية هي أن كل فردٍ من أفراد البشر له حظٌّ من إنشائه عليه السلام منه، حيث لم تكن فطرتُه البديعة مقصورةً على نفسه بل كانت أُنموذَجاً منطوياً على فطرة سائرِ آحادِ الجنس انطواءً إجمالياً مستتبِعاً لجَرَيان آثارِها على الكل، فكأن خلقَه عليه السلام من الطين خلقٌ لكل أحد من فروعه منه، ولما كان خلقُه على هذا النمط الساري إلى جميع أفراد ذريتِه أبدعَ من أن يكون ذلك مقصوراً على نفسه كما هو المفهومُ من نسبة الخلق المذكورِ إليه وأدلَّ على عِظَم قُدرة الخلاق العليم وكمالِ علمِه وحكمتِه وكان ابتداءُ حال المخاطَبـين أولى بأن يكون معياراً لانتهائها فَعلَ ما فعل، ولله درُ شأن التنزيل، وعلى هذا السرِّ مدارُ قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ }تفسير : [الأعراف، الآية 11] الخ، وقوله تعالى: {أية : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } تفسير : [مريم، الآية 9] كما سيأتي، وقيل: المعنى خلق أباكم منه على حذف المضاف. وقيل: المعنى خلقهم من النطفة الحاصلةِ من الأغذية المتكوِّنة من الأرض، وأياً ما كان ففيه من وضوح الدلالة على كمال قدرتِه تعالى على البعث ما لا يخفى، فإن من قدَرَ على إحياء ما لم يشَمَّ رائحةَ الحياة قط كان على إحياءِ ما قارنها مدةً أظهرَ قدرة. {ثُمَّ قَضَى} أي كتب لموتِ كلِّ واحد منكم {أَجَلاً} خاصاً به أي حداً معيناً من الزمان يفنىٰ عند حلولِه لا محالة، وكلمةُ (ثم) للإيذان بتفاوتِ ما بـين خلقِهم وبـين تقديرِ آجالِهم حسبما تقتضيه الحِكَم البالغة {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} أي حدٌّ معينٌ لبعثكم جميعاً وهو مبتدأ لتخصُّصه بالصفة كما في قوله تعالى: {أية : وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ } تفسير : [البقرة، الآية 221] ولوقوعِه في موقع التفصيل كما في قول من قال: [الطويل] شعر : إذا ما بكَى مِنْ خلفِها انصرَفَتْ له بشِقٍّ وشقٌ عنْدنا لم يُحَوَّلِ تفسير : وتنوينُه لتفخيم شأنه وتهويلِ أمره، ولذلك أُوثر تقديمُه على الخبر الذي هو {عِندَهُ} مع أن الشائعَ المستفيضَ هو التأخير كما في قولك: عندي كلامٌ حقٌّ ولي كتابٌ نفيسٌ كأنه قيل: وأيُّ أجلٍ مسمى مُثْبتٍ معينٍ في علمه لا يتغيرُ ولا يقفُ على وقت حلولِه أحدٌ لا مجملاً ولا مفصّلاً، وأما أجلُ الموت فمعلومٌ إجمالاً وتقريباً بناءً على ظهور أَماراتِه أو على ما هو المعتادُ في أعمار الإنسان، وتسميتُه أجلاً إنما هي باعتبار كونِه غايةً لمدة لُبْثهم في القبور، لا باعتبار كونِه مبدأً لمدةِ القيامة، كما أن مدار التسمية في الأجل الأول هو كونُه آخِرُ مدة الحياةَ لا كونُه أولِ مدةِ الممات لِما أن الأجلَ في اللغة عبارةٌ عن آخِرِ المدة لا عن أولها، وقيل: الأجلُ الأول ما بـين الحياة والموت، والثاني ما بـين الموت والبعث من البرزخ، فإن الأجل كما يُطلق على آخِرِ المدة يُطلق على كلِّها وهو الأوفق، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن الله تعالى قضى لكل أحدٍ أجلين: أجلاً من مولده إلى موته، وأجلاً من موته إلى مبعثه، فإن كان بَرّاً تقياً وَصولاً للرحِم زيد له من أجل البعث في أجَل العمر، وإن كان فاجراً قاطعاً نُقِصَ من أجل العُمُر وزيد في أجل البعث، وذلك قوله تعالى: {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } تفسير : [فاطر، الآية 11] فمعنى عدمِ تغيـيرِ الأجل حينئذ عدمُ تغيُّر آخره، والأولُ هو الأشهرُ الأليقُ بتفخيم الأجل الثاني المنوطِ باختصاصه بعلمه تعالى، والأنسبُ بتهويله المبنيِّ على مقارنته للطامّة الكبرى، فإن كونَ بعضِه معلوماً للخلق ومُضِيِّه من غير أن يقعَ فيه شيءٌ من الدواهي كما يستلزمه الحملُ على المعنى الثاني مُخِلٌّ بذلك قطعاً، ومعنى زيادةِ الأجل ونقصِه فيما رُوي تأخيرُ الأجل الأول وتقديمُه. {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} استبعادٌ واستنكارٌ لامترائهم في البعث بعد معاينتهم لما ذُكر من الحُجج الباهرة الدالةِ عليه، أي تمترون في وقوعه وتحقّقِه في نفسه مع مشاهدتكم في أنفسِكم من الشواهدِ ما يقطع مادةَ الامتراءِ بالكلية، فإن مَنْ قدَر على إفاضة الحياة وما يتفرَّع عليها من العلم والقدرة وسائِرِ الكمالاتِ البشرية على مادةٍ غيرِ مستعدّةٍ لشيء منها أصلاً كان أوضحَ اقتداراً على إفاضتها على مادةٍ قد استعدت لها وقارنَتْها مدةً، ومن هٰهنا تبـين أن ما قيل من أن الأجلَ الأولَ هو النومُ والثانيَ هو الموتُ أو أن الأول أجلُ الباقين أو أن الأول مقدارُ ما مضى من عُمُر كلِّ أحدٍ والثانيَ مقدارُ ما بقِيَ منه مما لا وجهَ له أصلاً، لما رأيتَ مِنْ أن مَساقَ النظم الكريم استبعادُ امترائهم في البعث الذي عبَّر عن وقته بالأجل المسمّى، فحيثُ أُريد به أحدُ ما ذُكر من الأمور الثلاثة ففي أيِّ شيء يمترون؟ ووصْفُهم بالامتراء الذي هو الشكُّ، وتوجيهُ الاستبعاد إليه مع أنهم جازمون بانتفاءِ البعث مُصِرّون على إنكاره كما يُنْبىء عنه قولُهم: {أية : أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } تفسير : [الصافات، الآية 16] ونظائرُه للدلالة على أن جزمَهم المذكورَ في أقصى مراتبِ الاستبعاد والاستنكار.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ} [الآية: 2]. قال الحسن: ردَّهم إلى قيمتهم فى أصل الخليفة، ثم أوقع عليهم نور السيد وخاصية الخلقة، فتميزوا بذلك عن جملة الحيوانات بالمعرفة والعلم واليقين.

القشيري

تفسير : أثبت الأصل من الطين وأدعها عجائب (السير) وأظهر عليها ما لم يظهر على مخلوق، فالعِبْرَةُ بالوَصْلِ لا بالأصل؛ فالوَصْلُ قُرْبَةٌ وَالأصل تُرْبةٌ، الأصل من حيث النُّطفة والقطرة، والوصل من حيث القربة والنَّصرة. قوله {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ}: جعل للامتحان أجلاً، ثم جعل للامتنان أجلاً، فَأَجَلُ الامتحان في الدنيا، وأَجَلُ الامتنان في العُقبى. ويقال ضَرَبَ للطلب أجلاً وهو وقت المهلة، ثم عقبه بأجل بعده وهو وقت الوصلة؛ فالمهلة لها مدًى ومنتهى، والوصلة بلا مدًى ولا منتهى؛ فوقتُ الوجودِ له ابتداء وهو حين تطلع شموس التوحيد ثم يتسرمد فلا غروب لها بعد الطلوع.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ} السموات جسد وقلب ذلك الجسد الارض وان الله سبحانه خص قلب السموات باشراق جالاه فيه بقوله واشرقت الارض بنور ربها ومن تلك الخاصية خلق صورة أدم من قلب العالم فكان قلبيا لا جسديا لانه تعالى اودع الارض ودائع حكمته ولطائف فظرته من الارواح القدسية والاشباح المكوتية وجعل لفظ الطين نكرة غير معينة اى من طين الجنة خلق اجسام المؤمنين ومن طين الحضرة اى القربة اجساد الموقينن من طين المحبة اشباح المحبين والمشتاقين كما اخبر سبانه لداؤد عليه السلام خلقت قلوب المشتاقين من نورى ورقمتها ونعمتها بجمالى وخلقت طينة احبائى من طينة ابراهيم خليلى وموسى كليمى وعيسى روحى ويحيى صفي ومحمد حبيبى وقال الحسين ردهم الى قيمتهم فى اصل الخلق ثم اوقع عليهم نور اليه وخاصية الخلقة فتميز وبذلك عن جملة الحيوانات بالمعرفة واليقين.

اسماعيل حقي

تفسير : {هو} اى الله تعالى {الذى خلقكم} اى ابتدأ خلقكم ايها الناس {من طين} اى تراب مخلوط بالماء فانه المادة الاولى للكل لما انه منشأ لآدم الذى هو اصل البشر. قال السعدى بعث الله جبريل الى الارض ليأتيه بطائفة منها فقالت الارض انى أعوذ بالله منك ان تنقص منى فرجع جبرائيل ولم يأخذ شيئاً قال جلال الدين رومى قدس سره فى المثنوى شعر : معدن شرم وحيا بد جبرائيل بست آن سوكندها بروى السبيل تفسير : قال يا رب انها عاذت بك فبعث ميكائيل فاستعاذت كالمرة الاولى فرجع شعر : خاك لرزيد ودر آمد در كريز كشت اولابه وكنان اشك ريز رفت ميكائيل سوى رب دين خالى از مقصود دست وآستين كفت اسرافيل را يزدان ما كه بروازان خاك بركن كف بيا آمد اسرافيل هم سوى زمين باز آغازيد خاكستان حنين زود اسرافيل باز آمد يشاه كفت عذر وما جرا نزد آله تفسير : فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال وانا اعوذ بالله ان اخالف امره فاخذ من وجه الارض فيخلط الحمراء والسوداء والبيضاء فلذلك اختلف الوان ابن آدم ثم عجنها بالماء العذب والملح المر فلذلك اختلف اخلاقهم فقال الله تعالى لملك الموت رحم جبرائيل وميكائيل الرض ولم ترحمها لا جرم اجعل ارواح من اخلق من هذا الطين بيدك شعر : كفت يزدان كه بعلم روشنم من ترا جلاد اين خلقان كنم تفسير : ـ وروى ـ عن ابى هريرة خلق الله آدم من تراب وجعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا اى اسود متغيرا منتنا ثم خلقه وصوره وتركه حتى كان صلصالا كالفخار اى يابسا مصوتا كالمطبوخ بالنار ثم نفخ فيه من روحه وانما خلق من تراب لان مقام التراب مقام التواضع والمسكنة ومقام التواضع الرفعة والثبات ولذا ورد (من تواضع رفع الله) و"حديث : كان دعاؤه صلى الله عليه وسلم "احينى مسكينا وامتنى مسكينا""تفسير : . وهو الحكمة فى تعذيب الانسان بالنار لا بالماء لان الظرف المعمول من التراب اذا تنجس ببول او قذر آخر لا يطهر بالماء فالانسان المتنجس بنجاسة المعاصى لا يطهر الا بالنار. وهو الحكمة أيضا فى التيمم عند عدم الماء ويقبر كل جسد فى الموضع الذى اخذت منه طينته التى خمرت فى اول نشأة ابناء آدم عليه السلام. قال الامام مالك لا اعرف اكبر فضل لابى بكر وعمر رضى الله عنهما من انهما خلقا من طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقرب قبرهما من حضرة الروضة المقدسة المفضلة على الا كوان باسرها زاردها الله تشريفا وتعظيما ومهابة {ثم قضى} اى كتب لموت كل واحد منكم {أجلا} خاصا به اى حدا معينا من الزمان يفنى عند حلوله لا محالة وثم للايذان بتفاوت ما بين خلقهم وبين تقدير آجالهم {وأجل مسمى} اى حد معين لبعثكم جميعا وهو مبتدأ خبره قوله {عِنده} اى مثبت معين فى علمه لا يتغير ولا يقف على وقت حلوله احد لا مجملا ولا مفصلا واما اجل الموت فمعلوم اجمالا وتقريبا بناء على ظهور اماراته او على ما هو المعتاد فى اعمار الانسان وتسميته اجلا انما هى باعتبار كونه لمدة لبثهم فى القبور لا باعتبار كونه مبدأ لمدة القيامة كما ان مدار التسمية فى الاجل الاول هو كونه آخر مدة الحياة لا كونه اول مدة الممات لما ان الاجل فى اللغة عبارة عن آخر المدة لا عن اولها قال حكماء الاسلام ان لكل انسان اجلين. احدهما الآجال الطبيعية. والثانى الآجال الاخترامية. اما الآجال الطبيعية فهو الذى لو بقى الشخص على طبيعته ومزاجه ولم يعترضه العوارض الخارجية والآفات المهلكة لانتهت مدة بقائه الى ان تتحلل رطوبته وتنطفئ حرارته الغريزتان. واما الآجال الاخترامية فهى التى تحصل بسبب من الاسباب الخارجية كالحرق والغرق ولدغ الحشرات وغيرها من الامور المنفصلة. قال بعض الافاضل الاجل هو الوقت المضروب لطريان الزوال على كل ذى روح ولا يطرأ عليه الا عند حلول ذلك الوقت لا يتأخر عنه ولا يسبقه كما يدل عليه قوله تعالى {أية : ما تسبق من امة اجلها وما يستأخرون} تفسير : [الحجر: 5]. فان قلت قوله تعالى {أية : واتقوه واطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم الى أجل مسمى} تفسير : [نوح: 3-4] صريح فى الدلالة على السبق على المسمى. قلت تعدد الاجل انما هو بالنسبة الينا واما بالنسبة اليه تعالى فهو واحد قطعا تحقيقه انه تعالى عالم فى الازل كل الموجودات ومقدر لها حسبما شمله علمه فهو يقول فى الازل مثلا ان فلانا ان اتقى واطاع يبلغ الى اجله المسمى والمراد بالاجل ههنا الاجل الثانى الاطول ويوصيفه بالمسمية ليس للتخصيص لان الاجل المسمى على كل حال وان لم يتق ولم يطع لم يبلغ هذه المرتبة لكن يعلم انه يفعل احد الفعلين معينا فيقدر له الاجل المعين فيكون المقدر في علم الله الاجل المعين وانا لعدم اطلاعنا فى علم الله تعالى لم تعلم ان ذلك الفلان أى الفعلين فعل وايما الاجلين قضى له فاذا فعل احدهما المعين وحل الاجل المرتب عليه علمنا ان ذلك هو المقدر المسمى فالتردد بالنسبة الينا لا في التقدير والا يلزم ان لا يكون علم الله تعالى بما فعل العبد قبل الوقوع وعلى هذا قول الله للكافر اسلم تدخل الجنة ولا تكفر تدخل النار مع علمه وتقديره عدم اسلامه في الازل والامر والنهى لاظهار الاطاعة او المخالفة فى الظاهر كمن يريد اظهار عدم اطاعة عبده له للحاضرين فيأمره بشئ وهو يعلم انه لا يفعله والعلم بعدم الاطاعة للحاضرين المترددين انما يحصل بامره وكذا صورة الطاعة وجميع المقدرات الالهية من افعال العباد الاختيارية من هذا القبيل فظهر ان التردد بالنسبة الينا دون علم الله الا ان يطلعنا عليه باخباره الواقع في علمه كما اطلع نبيه عليه السلام على بعض ما وقع من حال الكفار في زمانه بقوله {أية : ءأنذرتهم ام لم تنذرهم لا يؤمنون} تفسير : [البقرة: 6] وقوله {أية : ختم الله على قلوبهم} تفسير : [البقرة: 7] وقوله {أية : فاغشيناهم فهم لا يبصرون} تفسير : [يس: 9] فهذا اخبار بما في علمه من انهم لا يختارون الايمان هذا غاية ما يقال في هذا المقام والعلم عند الله الملك العلام {ثم انتم تمترون} استبعاد لامترائهم فى البعث بعد ما تبين انه تعالى خالقهم وخالق اصولهم ومحييهم الى آجالهم فان من قدر على خلق المواد وجمعها وابداع الحياة فيها وابقائها ما يشاء كان اقدر على جمع تلك المواد واحيائها والمرية هي الشك المجتلب بالشبهة اصلها من مريت الناقة اذا مسحت ضرعها ليدر لبنها للحلب والمرى استخراج اللبن من الضرع. قال ابو السعود وصفهم بالامتراء الذي هو الشك وتوجيه الاستبعاد اليه مع انهم جازمون بانتفاء البعث مصرون على انكاره كما ينبئ عنه قولهم {أية : ءاذا متنا وكنا ترابا وعظاما ائنا لمبعوثون} تفسير : [المؤمنون: 82] ونظائره للدلالة على ان جزمهم المذكور فى اقصى مراتب الاستبعاد والاستنكار. واعلم ان الانسان وقت كونه نطفة ينكر صبرورته بشرا سويا في الزمان الآتى وعند تصوره بصورة البشر يلزمه الحجة فانكاره الحشر انكار عين ما كان فيه: وفي المثنوى شعر : بس مثال توجو آن حلقه زنيست كزدرونش خواجه كويدخواجه نيست حلقه زن زين نيست دريابدكه هست بس زحلقه برندارد هيج دست بس هم انكارت مبيّن ميكند كز جماد اوحشر صدفن ميكند تفسير : والاشارة {ثم} ان الله تعالى {قضى} للروح من حكمته {اجلا} لايام فراقه عن الحضرة وبعده عن وطنه الحقيقى {واجل مسمى عنده} وهو اجل الوصلة بعد الفرقة فى مقام العندية كقوله {أية : فى مقعد صدق عند مليك مقتدر} تفسير : [القمر: 55] فلاجل الفرقة مدى ومنتهى ولاجل الوصلة لا مدى ولا منتهى وانما قال مسمى لان وقت الوصلة مسمى عنده وهو حين يجذبه اليه بجذبة ارجعى الى ربك ولايام ابتداء وهو حين تطلع شمس التوحيد من مشرق القلوب الى ان تبلغ حد استواء الوحدة ثم تتسرمد فلا غروب لها {ثم انتم تمترون} يا اهل الوصلة كما يمترى أهل الفرقة هذا محال جدا فعلى العاقل الاجتهاد قبل حلول الاجل والتهيئ للوصول بحسن التوجه والعمل. قال بعض المشايخ من ضيع حكم وقته فهو جاهل ومن قصر فيه فهو غافل وفى الحديث "حديث : ان لله خواص يسكنهم الرفيع من الجنان كانوا اعقل الناس كان هممهم المسابقة الى ربهم عز وجل والمسارعة الى ما يرضيه زهدوا فى الدنيا وفى فضولها وفى رياستها ونعيمها فهانت عليهم فصبروا قليلا واستراحوا طويلا" تفسير : - روى - ان السرى السقطى قدس سره دخل عليه ابو القاسم الجنيد قدس سره وهو يبكى فقال له ما يبكيك قال جاءتنى البارحة الصبية فقالت يا ابت هذه ليلة حارة وهذا الكوز تعلقه ههنا قال السرى فغلبتنى عيناى فنمت فرأيت جارية من احسن الخلق قد نزلت من السماء فقلت لمن انت قالت لمن لا يشرب الماء المبرد فى الكيزان فتناولت الكوز وضربت به الارض قال الجنيد فرأيت الخزف المكسور ولم يرفعه حتى عفا عليه التراب يا هذا انظر الى تركهم النعيم لم يرضوا لأنفسهم ان يشربوا ماء باردا او يأكلوا طعاماً لذيذا فحين راقبوا الاوقات عوضهم الله حالات خارجة عن حسابات الساعات فلا انتهاء لاذواقهم اصلا.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أجل}: مبتدأ. و {مُسَمى}: صفته. و {عنده}: خبر، وتخصيصه بالصفة أغنَى عن تقديم الخبر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {هو الذي خلقكم من طين} أي: ابتدأ خلقكم منه، وهو آدم، لأنه المادة الأولى، وهو أصل البشر. {ثم قضى أجلاً} تنتهون في حياتكم إليه. وهو الموت. {وأجل مسمى} مُعيَّن للبعث، لا يقبل التغيير، ولا يتقدم ولا يتأخر،(عنده) استأثر بعلمه، لا مدخل لغيره فيه بعلم ولا قدرة، وهو المقصود بالبيان، {ثم أنتم تمترون} أي: تشكُّون في هذا الأجل المسمى الذي هو البعث. و {ثم}: لاستبعاد امترائهم بعد ما ثبت عنه أنه خالقهم، وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم، فإن مَن قدر على خلق المواد وجمعها، وإيداع الحياة فيها وإبقائها ما شاء، كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانيًا. قاله البيضاوي. الإشارة: القوالب من الطين، والأرواح من نور رب العالمين، فالطينية ظرف لنور الربوبية، الذي هو الروح؛ لأن الروح نور من أنوار القدس، وسر من أسرار الله، فمن نظَّف طينته ولطَّفها ظهرت عليها أسرار الربوبية والعلوم اللدنية، وكُشف للروح عن أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، وانخنَست الطينية، واستولت عليها الروح النورانية، ومن لطّخ طينته بالمعاصي وكثّفها باتباع الشهوات، انحجبت الأنوار واستترت، واستولت الطينية الظُلمانية على الروح النُورانية، وحجبتها عن العلوم اللدنية والأسرار القدسية، بحكمته تعالى وعدله وظهور قهره. وبالله التوفيق. ثم برهن على وحدانيته الخاصة، فقال: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ}.

الطوسي

تفسير : معنى قوله {هو الذي خلقكم} أي انشأكم، وأخترعكم {من طين} ومعناه خلق أباكم - الذي هو آدم وانتم من ذريته، وهو بمنزلة الاصل لنا - من طين، فلما كان أصلنا من الطين جازان يقول {خلقكم من طين}. وقوله {ثم قضى} معناه حكم بذلك. والقضاء يكون حكما، ويكون أمرا ويكون الاتمام والاكمال. وقوله {أجلا وأجل مسمى عنده} قيل في معنام قولان: أحدهما - قال ابو علي: كتب للمرء أجلا في الدنيا، وحكم بأنه أجل لنا، وهو الاجل الذي يحيى فيه أهل الدنيا الى أن يموتوا، وهو أوقات حياتهم، لان أجل الحياة، هو وقت الحياة، وأجل الموت هو وقت الموت {وأجل مسمى عنده} يعني آجالكم في الآخرة، وذلك أجل دائم ممدود لا آخر له، وانما قال له {مسمى عنده}، لانه مكتوب في اللوح المحفوظ، في السماء وهو الموضع الذي لا يملك فيه الحكم على الخلق سواه. وقال الزجاج: أحد الاجلين أجل الحياة، وهو الوقت الذي تحدث فيه الحياة، ويحيون فيه {وأجل مسمى عنده} يعني أمر الساعة والبعث. وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك. وقال بعضهم: {قضى أجلا} يعني أجل من مضى من الخلق {وأجل مسمى عنده} أجل الباقين. والذي نقوله: ان الاجل هو الوقت الذي تحدث فيه الحياة أو الموت ولا يجوز ان يكون المقدر أجلا، كما لا يجوز أن يكون ملكا، فان سمي - ما يعلم الله تعالى أنه لو لم يقتل فيه لعاش اليه - أجلا، كان ذلك مجازا، لان الحي لا يعيش اليه. ولا يمتنع أن يعلم الله من حال المقتول أنه لو لم يقتله القاتل لعاش الى وقت آخر. وكذلك ما روي: أن الصدقة وصلة الرحم تزيد في الاجل، وما روي في قصة قوم يونس وأن الله صرف عنهم العذاب، وزاد في آجالهم، لا يمنع منه مانع، وانما منع من التسمية لما قلناه. وقوله: {ثم أنتم تمترون} خطاب للكفار الذين يشكوُّن في البعث والنشور. احتج الله بهذه الآية على الذين عدلوا به غيره، فأعلمهم انه خلقهم من طين، ونقلهم من حال الى حال، وقضى عليهم الموت، فهم يشاهدون ذلك، ويقرون بأنه لا محيص منه. ثم عجبهم من امترائهم أي من شكهم في انه الواحد القهار على ما يشاء، وفي أنه لم يعبث بخلقهم وابقائهم واماتتهم بعد ذلك، وأنه لا بد من جزاء المسيىء والمحسن، ومثله قوله:{أية : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإِنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم}تفسير : ان الذي قدر على ذلك قادر على أن يبعثكم بعد أن تكونوا ترابا. وقوله {وأجل مسمى عنده} رفع على الابتداء وتم الكلام عند قوله: {ثم قضى أجلا}.

الجنابذي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ} باعتبار مادّتكم الاولى منع لمن ادّعى الآلهيّة لنفسه او لغيره من افراد البشر {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً} اى حتم اجلاً لا تخلّف عنه {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} لا يطلع عليه احداً من ملائكته ورسله فانّه علم استأثره لنفسه يقدّم منه ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، وامّا العلم الّذى يطلع عليه ملائكته ورسله فانّه محتوم لا يكذب ملائكته ورسله والبداء والمحو والاثبات فى ذلك الاجل المسمّى عنده، وتحقيق مسئلة البداء والمحو والاثبات والحكمة المودعة فيه من التّرغيب فى الصّلات والدّعوات والتضرّعات والصّدقات وسائر العبادات، وسرّ استجابة الدّعوات مع عدم تأثّر العالى عن الدّانى موكول الى محلّ آخر من هذا الكتاب {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} فيه معنى التّعجّب واستبعاد الامتراء بالنّسبة الى الخالق.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من طين} يعني خلق آدم (عليه السلام) فأخرج مخرج الخطاب لهم، قال في الثعلبي: بعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تقبض مني فرجع، فقال: يا رب انها عاذت، فبعث الله ميكائيل فاستعاذت، فبعث الله ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أخالف أمره، فأخذ من وجه الأرض فخلط الأسود والأبيض والأحمر فلذلك اختلفت أخلاقهم، قوله تعالى: {ثم قضى أجلاً} المقضي أجل الموت، والمسمى: أجل القيامة، وعن ابن عباس: هو أجلاً بقضاء الدنيا، والأجل المسمى هو أجل ابتداء الآخرة، وقيل: الأول النوم، والثاني الموت {ثم أنتم تمترون} تشكون في البعث {وهو الله في السموات وفي الأرض} يعني وهو إله السموات وإله الأرض {ويعلم ما تكسبون} من الخير والشر {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} يعني كفار أهل مكة والآيات من انشقاق القمر وغيره {إلا كانوا عنها معرضين} تاركين لها مكذبين بها {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} يعني القرآن، وقيل: النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} وهو القرآن أي أخباره وأحواله يعني سيعلمون بأي شيء استهزأوا وذلك عند ارسال العذاب عليهم في الدنيا ويوم القيامة أو عند ظهور الاسلام وعلو كلمته، قوله تعالى: {ألم يرواْ كم أهلكنا من قبلهم من قرن} يعني الأمم الماضية والقرون الخالية، والقرون الجماعة من الناس {مكنّاهم في الأرض ما لم نمكَّن لكم} يعني لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عاداً وثموداً وغيرهم من البسط في الأجسام، والسعة في الأموال {وأرسلنا السماء عليهم} أي المطر {مدراراً} أي غزيراً كثيراً روى ذلك الثعلبي {فأنشأنا من بعدهم} أي وجعلنا وابتدأنا {قرناً آخرين} قوله تعالى: {ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم} الآية نزلت في النضر بن الحرث، وعبد الله بن أمية، ونوفل بن خالد، قالوا: لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة أملاك يشهدون لك بالنبوة يعني لو فعلنا ذلك {لقال الذي كفروا إن هذا إلاَّ سحر مبين}، قوله تعالى: {ولو أنزلنا ملكاً} الآية، يعني: ولو أننا نزلنا اليهم الملائكة لم يكن بدّ من إهلاكهم كما أهلكنا أصحاب المائدة، وقيل: إنهم إذا شاهدوه في صورته زهقت أرواحهم، من هول ما يشاهدون {لقضي الأمر} يعني أمر هلاكهم {ثم لا ينظرون} بعد نزوله طرفة عين لأنهم إذا عاينوا الملك في صورته زهقت أرواحهم قوله تعالى: {ولو جعلناه ملكاً} يعني لو جعلنا الرسول ملكاً كما اقترحوا لأنهم كانوا يقولون لولا أنزل على محمد ملك، وتارة يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة {لجعلناه رجلاً} لأرسلناه في صورة رجل كما كان جبريل (عليه السلام) ينزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في صورة دحية الكلبي {وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ، فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة الانسان هذا إنسان وليس بملك، فإن قال لهم الدليل على أني ملك جئت بالقرآن المعجز وهو ناطق بأني ملك لا بشر كذبوه كما كذبوا محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا فعلوا ذلك خذلوا كما هم مخذولون الآن {ولقد استهزئ برسل من قبلك} تسلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عما كان يلقى من قومه {فحاق بالذين سخروا منهم} يعني أحاط بهم الشيء الذي كانوا يستهزئون به وهو الحق الذي أهلكوا من أجل الاستهزاء {قل سيروا في الأرض}، قال جار الله: معناه إباحة السير في الأرض للتجارات وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في آثار الهالكين ونبَّه على ذلك بثم ليباعد ما بين الواجب والمباح.

الهواري

تفسير : قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ} قال: خلق آدم من طين، ثم جعل نسله بعد من سلالة من ماء مهين. قوله: {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِندَهُ} قضى أجلاً، يعني الموت، وأجل مسمّى عنده، ما بين الموت إلى البعث. فأنت يا ابن آدم بين أجلين من الله. وقال مجاهد: قضى أجلاً، أي: أجل الدنيا، وأجل مسمّى عنده، يعني الآخرة. قوله: {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} أي: تشكّون في الساعة. قوله: {وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} أي ما تعملون. يحذرهم سرَّهم وعلانيتَهم لأنه يعلم ذلك كله. ذكروا عن الحسن قال: اجتمع أربعة أملاك فقال أحدهم: جئت من السماء السابعة من عند ربي. وقال أحدهم: جئت من الأرض السفلى من عند ربي، وقال أحدهم: جئت من المشرق من عند ربي، وقال أحدهم: جئت من المغرب من عند ربي، ثم تلا هذه الآية: (أية : هُوَ الأَوَّلُ وَالأَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)تفسير : [الحديد:3]. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه خفقان الطير مسيرة سبعمائة سنة، وهو يقول سبحانك تفسير : . قال بعضهم: بلغنا أن اسمه روفيل. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تتفكّروا في الله وتفكّروا فيما خلق .

اطفيش

تفسير : {هُو الَّذِى خَلقكُم مِن طِينٍ} بخلق أبيكم آدم منه، وعن ما ظهر لى بلفظه ومعناه، والله الذى لا إله إلا هو، ثم رأيت السيوطى ذكره ولم يتقدم لى فيه مطالعة، ولأن المأكول نبت من الطين، وما لم ينبت منه كاللحم غير الحوت فغذاؤه يكون مما نبت، واللبن أيضا مما غذاؤه مما ينبت من الطين، والنطفة تتولد من الغذاء، أو يقدر مضاف أى خلق أباكم من طين. {ثُمَّ قَضَى}: كتب {أجلاً} أجل الموت، بأن أمر ملك الأرحام عند وقوع النطفة التى يتولد بها الإنسان أن يكتب أجله كما كتبهُ الله قبل ذلك، وسبق علمه الأزلى به لا إله إلا الله. {وأجلٌ مُسمًّى} محدود معين عنده تعالى {عنده} وهو المدة بين موته وبعثه، كذا ظهر لى، ثم رأيته كذلك للحسن وقتادة والضحاك وابن عباس، وروى عنه أنه قال: لكل أحد أجلان أجل إلى الموت، وأجل من الموت إلى البعث، فإن كان الرجل يرى تقياً وصولا بالرحم زيد لهُ من أجل البعث فى أجل العمر، وإن كان فاجراً قاطعاً للرحم نقص من أجل العمر وزيد فى أحد البعث، بمعنى قضى لهُ فى الأزل بأن يطول عمره أو يقصر كذا، وقيل: الأجل الأول نفس الوقت الذى يموت فيه، والثانى نفس وقت قيام الساعة، فإن الأجل يطلق على الجملة، ويطلق على الجزء الأخير، ويطلق على الجزء الأول. وقيل: الأول بمن مضى، والثانى لمن حضر فى الوجود، ولمن يأتى، وخص الثانى بكونه مسمى عنده، لأن من مضى قد علم أجله بخلاف غيره فإنه لا يدرى إلا الله قدر حياته حتى يموت، ولا مدخل لغيره فيه بعلم، وقال ابن عباس وابن عطاء: الأول للنوم، والثانى للموت، وخص بمسمى لذلك، وبقى لى الكلام على ثم، والخطاب فى خلقكم فأقول والله أعلم: الخطاب لمن فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت الآية، فثم للترتيب فى الإسناد على أصلها، ويقاس من مضى ومن يأتى بهم وهو ظاهر على ما فسرت به الأجلين. وأما على باقى الأقوال فلعلها للترتيب الذكرى، وأجل مبتدأ، ومسمى نعته، وعند خبر، وقدم المبتدأ لأنه المقصود بيانه لتعظيمه، وكذلك نكر ووصف بأنه مسمى لا يقبل النقص والزيادة، ولما لم يكن الأجل كذلك لم يستأنف به، بل جعل مفعولا لقضى، وقيل: الأجلان واحد، ولو كانا نكرتين معاً، وذلك تعظيم، والأصل أن يكون كل منهما غير الآخر فتنكيرهما، وكذا لو نكر الثانى وعرف الأول. {ثمَّ أنتم تَمتَرُون} تشكون فى البعث، وثم لاستبعاد الشك فى البعث بعد أن صح أن الله جل جلاله خالقهم وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم، فالبعث والخلق الأول سواء شرعاً وعقلا صحيحا، ولبادئ الرأى يكون البعث أسهل من الخلق الأول، فخلْقه السموات والأرض، وجعله الظلمات والنور، دليل للتوحيد، ولذلك رتب عليه التوبيخ لهم، إذ لم يوحدوا بقوله: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} وخَلْقه الناس من طين دليل بعثهم.

اطفيش

تفسير : {هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} بخلق أَبيكم آدم منه إِذ ما كنتم إِلا منه، وهو من طين فكأَنهم من طين بلا توسط آدم، ويروى عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : ما من مولود إِلا ويذر على النطفة من تراب قبرهتفسير : ، وعلى هذا فهو من طين بلا توسط من آدم، قلت: وعلى تقدير صحة الحديث لا نسلم أََن ذر التراب على النطفة خلق من التراب، ويجوز أَن تكون الواسطة الغذاءَ المتولد من تراب أَو مما تولد منه، أَو يقدر مضاف، أَى خلق أَباكم من طين، ومن خلق من طينى فهو طينى، والخطاب للكفار على طريق الالتفات، وخلق السماوات والأَرض والظلمة والنور دلائل قوية على قدرته تعالى على البعث، وعقبها بخلقهم من طين لأَن دليل الأَنفس أقرب إِلى الناظر {ثُمَّ قَضَى} في الأَزل، أَى قدر وحكم {أَجَلاً} للموت وثم لترتيب الذكر، لأَن الخلق متأَخر عن القضاء الذى هو الإِرادة الأَزلية، والعناية الإِلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر وجودهن خارجا، وهو تعلق تلك الإِرادة بالأَشياءِ فى أَوقاتها، أَو قضى بمعنى أَظهر فى اللوح المحفوظ وللملائكة فتكون ثم لترتيب الزمان، وفى البخارى ومسلم وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِن أَحدكم يجمع خلقه فى بطن أُمه أَربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إِليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأَربع كلمات يكتب رزقه، وأَجله وعمله،وشقى أَو سعيد"تفسير : ، {وَأَجَلٌ مُسَمَّى} مثبت معين لا يقبل التغيير، ومعلوم ومذكور في اللوح المحفوظ {عِنْدَهُ} هو يوم القيامة وصفه بأَنه عنده إِشعاراً بأَنه لا مدخل ولا قدرة لغيره فيه، ولا علم بخلاف الأَجل المذكور أَولا، فقد يكون معلوماً عندنا على التعيين كما يوحى به للأنبياءِ، ونعلم أَيضاً مدة حياة الإِنسان إِذا شاهدنا موته، أَو أَخبرنا به، وعلمنا عمره، وذلك بعد الموت، وإِنما انتفى قبل موته. قال الله عز وجل فى موضع موته: "أية : وما تدرى نفس بأَى أَرض تموت"،تفسير : [لقمان: 34] والأَجل آخر المدة، وقد يطلق أَيضاً على المدة، كما قال ابن عباس رضى الله عنهما: لكل أَحد أَجلان، أَجل من ابتداءِ الخلق إِلى الموت، وأَجل من الموت إِلى البعث فان كان تقيا وصولا لرحمه زيد له من أَجل البعث في أَجل العمر، وإِن كان فاجرا قاطعا لها نقص من أَجل العمر فى أَجل البعث، والآية قابلة لهذا المعنى، إِنه قضى له بطول العمر لبره، أَو بقصره لفجوره، وقيل: الزيادة والنقص البركة فى العمر وعدمها، أَو أَجل الأَول فى الآية أَجل الماضين، والثانى أَجل الباقين، وخص الثانى بالعندية لأَنه لا يعلمه غيره، أَو الأَول أَجل الطبيعة الذى لو بقى الشخص على طبيعته ومزاجه المختص به ولم تعرض له فيه آفة لانتهت إِلى أَن تنحل رطوبته وتنطفئَ حرارته الغريزية فيموت، وكل ذلك بخلق الله عز وجل، والثاني أَجل الاخترام بنحو القتل والغرق، أَو الأَول للنوم، والثانى للموت، وقيل: الأَول الأَجل وقت حياته فى الدنيا، والثانى أَجل الآخرة الذى لا آخر له، ونسب لمجاهد وسعيد بن جبير، وانظر كيف يطلق الأَجل على المدة التى لا نهاية لها. الجواب أَن المراد بالأَجل مدة لها نهاية وزمان لا ينتهى، {ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} تشكون أَيها المشركون فى البعث، وثم لاستبعاد أَن يكون امتراؤهم حقا جائزاً بعد أَن ثبت عندهم أَنه خالقهم وخالق أُصولهم ومحييهم إِلى آجالهم، فكيف لا يقدر على ردهم بعد الموت؟ فإِنه أَهون من خلقهم فى بادئ الرأى وسواء فى الحقيقة.

الالوسي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ} استئناف مسوق لبيان [بطلان] كفرهم بالبعث والخطاب وإن صح كونه عاماً لكنه هنا خاص بالذين كفروا كما يدل عليه الخطاب الآتي ففيه التفات. والنكتة فيه زيادة التشنيع والتوبيخ، وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر أدلة صحة البعث مع أن ما تقدم من أظهر أدلته لما أن دليل الأنفس أقرب إلى الناظر من دليل الآفاق الذي في الآية السابقة، ومعنى خلق المخاطبين من طين أنه ابتدأ خلقهم منه فإنه المادة الأولى [للكل] لما أنه أصل آدم عليه الصلاة والسلام وهو أصل سائر البشر، ولم ينسب سبحانه الخلق إليه عليه الصلاة والسلام مع أنه المخلوق منه حقيقة وكفاية ذلك في الغرض الذي سيق له الكلام توضيحاً لمنهاج القياس ومبالغة في إزاحة الشبهة والالتباس، وقيل في توجيه خلقهم منه: إن الإنسان مخلوق من النطفة والطمث وهما من الأغذية الحاصلة من التراب بالذات أو بالواسطة. وقال المهدوي في ذلك: إن كل إنسان مخلوق ابتداءً من طين لخبر « حديث : ما من مولود يولد إلا ويذر على نطفته من تراب حفرته » تفسير : ، وفي القلب من هذا شيء، والحديث إن صح لا يخلو عن ضرب من التجوز، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي خلق آباءكم، وأياً ما كان ففيه من وضوح الدلالة على كمال قدرته تعالى شأنه على البعث ما لا يخفى فإن من قدر على إحياء ما لم يشم رائحة الحياة قط كان على إحياء ما قارنها مدة أظهر قدرة. {ثُمَّ قَضَى} أي قدر وكتب {أَجَلاً} أي حداً معيناً من الزمان للموت. و {ثُمَّ} للترتيب في الذكر دون الزمان لتقدم القضاء على الخلق، وقيل: الظاهر الترتيب في الزمان، ويراد بالتقدير والكتابة ما تعلم به الملائكة وتكتبه كما وقع في حديث «الصحيحين» « حديث : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد تفسير : . {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} أي حد معين للبعث من القبور، وهو مبتدأ وصح الابتداء به لتخصيصه بالوصف أو لوقوعه في موقع التفصيل و {عِندَهُ } هو الخبر، وتنوينه لتفخيم شأنه وتهويل أمره. وقدم على خبره الظرف / مع أن الشائع في النكرة المخبر عنها به لزوم تقديمه عليها وفاء بحق التفخيم، فإن ما قصد به ذلك حقيق بالتقديم فالمعنى وأجل أي أجل مستقل بعلمه سبحانه وتعالى لا يقف على وقت حلوله سواه جل شأنه لا إجمالاً ولا تفصيلاً. وهذا بخلاف أجل الموت فإنه معلوم إجمالاً بناءاً على ظهور أماراته أو على ما هو المعتاد في أعمال الإنسان. وقيل: وجه الإخبار عن هذا أو التقييد بكونه عنده سبحانه وتعالى أنه من نفس المغيبات الخمس التي لا يعلمها إلا الله تعالى، والأول: أيضاً وإن كان لا يعلمه إلا هو قبل وقوعه كما قال تعالى: { أية : وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ } تفسير : [لقمان: 34] لكنا نعلمه للذين شاهدنا موتهم وضبطنا تواريخ ولادتهم ووفاتهم فنعلمه سواء أريد به آخر المدة أو جملتها متى كان وكم مدة كان. وذهب بعضهم إلى أن الأجل الأول ما بين الخلق والموت، والثاني: ما بين الموت والبعث. وروي ذلك عن الحسن وابن المسيب وقتادة والضحاك واختاره الزجاج ورواه عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه حيث قال: قضى أجلاً من مولده إلى مماته وأجل مسمى عنده من الممات إلى البعث لا يعلم ميقاته أحد سواه سبحانه فإذا كان الرجل صالحاً واصلاً لرحمه زاد الله تعالى له في أجل الحياة من أجل الممات إلى البعث وإذا كان غير صالح ولا واصل نقصه الله تعالى من أجل الحياة وزاد في أجل الممات، وذلك قوله تعالى: { أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } تفسير : [فاطر: 11] وعليه فمعنى عدم تغير الأجل عدم تغير آخره، وقيل: الأجل الأول الزمن الذي يحيـى به أهل الدنيا إلى أن يموتوا والأجل الثاني أجل الآخرة الذي لا آخر له، ونسب ذلك إلى مجاهد وابن جبير واختاره الجبائي. ولا يخفى بعد إطلاق الأجل على المدة الغير المتناهية، وعن أبـي مسلم أن الأجل الأول أجل من مضى والثاني أجل من بقي ومن يأتي، وقيل: الأول النوم والثاني الموت. ورواه ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأيده الطبرسي بقوله تعالى: { أية : وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } تفسير : [الزمر: 42] ولا يخفى بعده لأن النوم وإن كان أخا الموت لكنه لم تعهد تسميته أجلاً وإن سمي موتاً، وقيل: إن كلا الأجلين للموت ولكل شخص أجلان أجل يكتبه الكتبة وهو يقبل الزيادة والنقص وهو المراد بالعمر في خبر «إن صلة الرحم تزيد في العمر» ونحوه وأجل مسمى عنده سبحانه وتعالى لا يقبل التغيير ولا يطلع عليه غيره عز شأنه وكثير من الناس قالوا: إن المراد بالزيادة الواردة في غير ما خبر الزيادة بالبركة والتوفيق للطاعة، وقيل: المراد طول العمر ببقاء الذكر الجميل كما قالوا: ذكر الفتى عمره الثاني وضعفه الشهاب، وقيل: الأجلان واحد والتقدير وهذا أجل مسمى فهو خبر مبتدأ محذوف و {عِندَهُ} خبر بعد خبر أو متعلق بمسمى وهو أبعد الوجوه. {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} أي تشكون في البعث كما أخرجه أبن أبـي حاتم عن خالد بن معدان، وعن الراغب المرية التردد في المتقابلين وطلب الإمارة مأخوذ من مرى الضرع إذا مسحه للدر. ووجه المناسبة في استعماله في الشك أن الشك سبب لاستخراج العلم الذي هو كاللبن الخالص من بين فرث ودم. قيل: الامتراء الجحد، وقيل: الجدال. وأياً ما كان فالمراد استبعاد امترائهم في وقوع البعث وتحققه في نفسه مع مشاهدتهم في أنفسهم من الشواهد ما يقطع مادة ذلك بالكلية فإن من قدر على إفاضة الحياة وما يتفرع عليها على مادة غير مستعدة لشيء من ذلك كان أوضح اقتداراً على إفاضته على مادة قد استعدت له وقارنته مدة. ومن هذا يعلم أن شطراً من تلك الأوجه / السابقة آنفاً لا يلائم مساق النظم الكريم، وتوجيه الاستبعاد إلى الامتراء على التفسير الأول مع أن المخاطبين جازمون بانتفاء البعث مصرون على جحوده وإنكاره كما ينبىء عنه كثير من الآيات للدلالة على أن جزمهم ذلك في أقصى مراتب الاستبعاد والاستنكار. وذكر بعض المحققين أن الآية الأولى دليل التوحيد كما أن هذه دليل البعث، ووجه ذلك بأنها تدل على أنه لا يليق الثناء والتعظيم بشيء سواه عز وجل لأنه المنعم لا أحد غيره ويلزم منه أنه لا معبود، ولا إلٰه سواه بالطريق الأولى، وزعم بعضهم أنها لا تدل على ذلك إلا بملاحظة برهان التمانع إذ لو قطع النظر عنه لا تدل على أكثر من وجود الصانع، ومنشأ ذلك حمل الدليل على البرهان العقلي أو مقدماته التي يتألف منها أشكاله وليس ذلك باللازم. ومن الناس من جعل الآية الأولى أيضاً دليلاً على البعث على منوال قوله تعالى: { أية : أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاء بَنَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 27] ولا يخفى أنه خلاف الظاهر.

ابن عاشور

تفسير : استئناف لغرض آخر للتعجيب من حال المشركين إذ أنكروا البعث، فإنّه ذكّرهم ابتداء بخلق السماوات والأرض، وعجّب من حالهم في تسويتهم ما لم يخلق السماوات ولا الأرض بالله تعالى في الإلهيّة. ثم ذكّرهم بخلقهم الأول، وعجّب من حالهم كيف جمعوا بين الاعتراف بأنّ الله هو خالقهم الخلق الأول فكيف يمترون في الخلق الثاني. وأتي بضمير (هو) في قوله {هو الذي خلقكم} ليحصل تعريف المسند والمسند إليه معاً، فتفيد الجملة القصر في ركني الإسناد وفي متعلّقها، أي هو خالقكم لا غيره، من طين لا من غيره، وهو الذي قضى أجلاً وعنده أجل مسمّى فينسحب حكم القصر على المعطوف على المقصور. والحال الذي اقتضى القصر هو حال إنكارهم البعث لأنّهم لمّا أنكروه وهو الخلق الثاني نزّلوا منزلة من أنكر الخلق الأول إذ لا فرق بين الخلقين بل الإعادة في متعارف الصانعين أيسرُ كما قال تعالى: {أية : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه}تفسير : [الروم: 27] وقال {أية : أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خَلق جديد} تفسير : [ق: 15]. والقصر أفاد نفي جميع هذه التكوينات عن غير الله من أصنامهم، فهو كقوله: {أية : الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء}تفسير : [الروم: 40]. والخطاب في قوله {خلقكم} موجّه إلى الذين كفروا، ففيه التفات من الغيبة إلى الخطاب لقصد التوبيخ. وذكر مادّة ما منه الخلق بقوله: {من طين} لإظهار فساد استدلالهم على إنكار الخلق الثاني، لأنّهم استبعدوا أن يعاد خلق الإنسان بعد أن صار تراباً. وتكرّرت حكاية ذلك عنهم في القرآن، فقد اعترفوا بأنّهم يصيرون تراباً بعد الموت، وهم يعترفون بأنّهم خلقوا من تراب، لأنّ ذلك مقرّر بين الناس في سائر العصور، فاستدلّوا على إنكار البعث بما هو جدير بأن يكون استدلالاً على إمكان البعث، لأنّ مصيرهم إلى تراب يقرّب إعادة خلقهم، إذ صاروا إلى مادة الخلق الأوّل، فلذلك قال الله هنا {هو الذي خلقكم من طين} وقال في آيات الاعتبار بعجيب تكوينه {أية : إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج}تفسير : [الإنسان: 2]، وأمثال ذلك. وهذا القدح في استدلالهم يسمّى في اصطلاح علم الجدل القولَ بالموجَب، والمنبّهُ عليه من خطأ استدلالهم يسمّى فساد الوضع. ومعنى {خلقكم من طين} أنّه خلق أصل النّاس وهو البشر الأوّل من طين، فكان كلّ البشر راجعاً إلى الخلق من الطين، فلذلك قال {خلقكم من طين}. وقال في موضع آخر {أية : إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج}تفسير : [الإنسان: 2] أي الإنسان المتناسل من أصل البشر. و{ثم} للترتيب والمهلة عاطفة فعل {قضى} على فعل {خلق} فهو عطف فعل على فعل وليس عطف جملة على جملة. والمهلة هنا باعتبار التوزيع، أي خلق كلّ فرد من البشر ثم قضى له أجله، أي استوفاه له، فــ{قضى} هنا ليس بمعنى (قدّر) لأنّ تقدير الأجل مقارن للخلق أو سابق له وليس متأخّراً عنه ولكن {قضى} هنا بمعنى (أوفى) أجل كلّ مخلوق كقوله: {أية : فلمّا قضينا عليه الموت}تفسير : [سبأ: 14]، أي أمتناه. ولك أن تجعل (ثم) للتراخي الرتبي. وإنّما اختير هنا ما يدلّ على تنهية أجل كلّ مخلوق من طين دون أن يقال: إلى أجل، لأنّ دلالة تنهية الأجل على إمكان الخلق الثاني، وهو البعث، أوضح من دلالة تقدير الأجل، لأنّ التقدير خفي والذي يعرفه الناس هو انتهاء أجل الحياة، ولأنّ انتهاء أجل الحياة مقدمة للحياة الثانية. وجملة {وأجل مسمّى عنده} معترضة بين جملة {ثم قضى أجلاً}. وجملة {ثم أنتم تمترون}. وفائدة هذا الاعتراض إعلام الخلق بأنّ الله عالم آجال الناس ردّاً على قول المشركين {أية : ما يهلكنا إلاّ الدهر}تفسير : [الجاثية: 24]. وقد خولفت كثرة الاستعمال في تقديم الخبر الظرف على كلّ مبتدأ نكرة موصوفة، نحو قوله تعالى: {أية : ولي نعجة واحدة}تفسير : [ص: 23]، حتّى قال صاحب «الكشاف»: إنّه الكلام السائر، فلم يقدّم الظرف في هذه الآية لإظهار الاهتمام بالمسند إليه حيث خولف الاستعمال الغالب من تأخيره فصار بهذا التقديم تنكيره مفيداً لمعنى التعظيم، أي وأجل عظيم مسمّى عنده. ومعنى: {مسمّى} معيّن، لأنّ أصل السمة العلامة التي يتعيّن بها المعلّم. والتعيين هنا تعيين الحدّ والوقت. والعندية في قوله: {عنده} عندية العلم، أي معلوم له دون غيره. فالمراد بقوله: {وأجل مسمّى} أجل بعث الناس إلى الحشر، فإنّ إعادة النّكرة بعد نكرة يفيد أنّ الثانيّة غير الأولى، فصار: المعنى ثم قضى لكم أجلين: أجلاً تعرفون مدّته بموت صاحبه، وأجلاً معيّن المدّة في علم الله. فالمراد بالأجل الأول عمر كلّ إنسان، فإنّه يعلمه الناس عند موت صاحبه، فيقولون: عاش كذا وكذا سنة، وهو وإن كان علمه لا يتحقّق إلاّ عند انتهائه فما هو إلاّ علم حاصل لكثير من النّاس بالمقايسة. والأجل المعلوم وإن كان قد انتهى فإنّه في الأصل أجل ممتدّ. والمراد بالأجل الثاني ما بين موت كلّ أحد وبين يوم البعث الذي يبعث فيه جميع الناس، فإنَّه لا يعلمه في الدنيا أحد ولا يعلمونه يوم القيامة، قال تعالى: {أية : ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلاّ ساعة من النهار يتعارفون بينهم}تفسير : [يونس: 45]، وقال: {أية : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة}تفسير : [الروم: 55]. وقوله: {ثم أنتم تمترون} عطفت على جملة: {هو الذي خلقكم من طين}، فحرف {ثم} للتراخي الرتبي كغالب وقوعها في عطف الجمل لانتقال من خبر إلى أعجب منه، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون}تفسير : [الأنعام: 1]، أي فالتعجيب حقيق ممّن يمترون في أمر البعث مع علمهم بالخلق الأول وبالموت. والمخاطب بقوله: {أنتم تمترُون} هم المشركون. وجيء بالمسند إليه ضميراً بارزاً للتوبيخ. والامتراء: الشكّ والتردّد في الأمر، وهو بوزن الافتعال، مشتقّ من المرية ـــ بكسر الميم ـــ اسم للشكّ، ولم يرد فعله إلاّ بزيادة التاء، ولم يسمع له فعل مجرّد. وحذف متعلّق {تمترون} لظهوره من المقام، أي تمترون في إمكان البعث وإعادة الخلق. والذي دلّ على أنّ هذا هو المماري فيه قوله: {خَلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمّى عنده} إذ لولا قصد التذكير بدليل إمكان البعث لما كان لذكر الخلق من الطين وذكر الأجل الأول والأجل الثاني مُرجّح للتخصيص بالذكر.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 2- هو الذى بدأ خلقكم من طين، ثم قدر لحياة كل منكم زمناً ينتهى بموته والأجل عنده - وحده - المحدد للبعث من القبور. ثم إنكم - أيها الكافرون - بعد هذا تجادلون فى قدرة الله على البعث، واستحقاقه - وحده - للعبادة. 3- وهو - وحده - المستحق للعبادة فى السموات والأرض، يعلم ما أخفيتموه وما أظهرتموه، ويعلم ما تفعلون فيجازيكم عليه. 4- ولا يؤتى المشركون بدليل من أدلة خالقهم، التى تشهد بوحدانيته وصدق رسله، إلا كانوا منصرفين عنه، لا يتأملون فيه ولا يعتبرون به. 5- فقد كذبوا بالقرآن حين جاءهم، وهو حق لا يأتيه الباطل. فسوف يحل بهم ما أخبر به القرآن من عقاب الدنيا وعذاب الآخرة، ويتبين لهم صدق وعيده الذى كانوا يسخرون منه. 6- ألم يعلموا أننا أهلكنا أُمماً كثيرة قبلهم، أعطيناهم من أسباب القوة والبقاء فى الأرض ما لم نعطكم إياه - أيها الكافرون - ووسعنا عليهم فى الرزق والنعيم، فأنزلنا عليهم الأمطار غزيرة ينتفعون بها فى حياتهم، وجعلنا مياه الأنهار تجرى من تحت قصورهم، فلم يشكروا هذه النعم. فأهلكناهم بسبب شركهم وكثرة ذنوبهم، وأوجدنا - من بعد - أناساً غيرهم خيراً منهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (2) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي خَلَقَ آدَمَ أَبَا البَشَرِ مِنْ طِينٍ (أَيْ مِنْ تُرَابٍ خَالَطَهُ مَاءٌ)، وَانْتَشَرَ مِنْهُ أَبْنَاؤُهُ فَهُمْ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ قَضَى بِأَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الخَلْقِ أَجَلٌ مَحْدُودٌ، تَنْتَهِي بِهِ حَيَاتُهُ، وَجَعَلَ لِلخَلائِقِ جَمعياً أَجَلاً تَنْتَهِي بِهِ الحَيَاةُ بِتَمَامِها عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، فَيَبْعَثُهُمُ اللهُ مَرَّةً أُخْرَى. وَيَجْمَعُهُمْ لِلْحِسَابِ، وَقَدِ اختْصَّ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ بِعِلْمِ مَوْعِدِ قِيَامِ السَّاعَةِ (أَجَلٌ مُسَمَّى عِنْدَهُ)، فَلاَ يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وَمَعَ ذلِكَ فَهُنَاكَ أُنَاسٌ يَشُكُّونَ فِي أَمْرِ السَّاعَةِ. قَضَى أَجَلاً - قَدَّرَ زَمَاناً مُعَيَّناً لِلْمَوتِ. أَجَلٌ مُسَمَّى عِنْدَهُ - زَمَنٌ مُعَيَّنٌ لِلْبَعْثِ اسْتَأْثَرَ تَعَالَى بِعِلْمِهِ. تَمْتَرُونَ - تَشُكُّونَ فِي البَعْثِ أَوْ تُنْكِرُونَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هو سبحانه يأتي لنا بأمر الخلق فأوضح أنه خلقنا من طين، بعد أن تكلم عن أمر خلق السمٰوات والأرض، وهو - سبحانه - قد أخبرنا من قبل ذلك أنه خلقنا من تراب وحمأ مسنون ومن صلصال كالفخار، وهي متكاملات لا متقابلات، وكذلك أوضح الحق أنه خلق كل شيء من ماء، فاختلط الماء بالتراب فصار طيناً ثم حمأ مسنوناً ثم صلصالاً كالفخار وكلها حلقات متكاملة. ونحن لم نشهد الخلق ولكنا نتلقى أمر الخلق عنه - سبحانه - ونعلم أن الطين مادة للزرع والخصوبة. وعندما قام العلماء بتحليل الطين وجدوه يحتوي على العديد من العناصر، وأكبر كمية من هذه العناصر الأوكسجين، ثم الكربون، ثم الهيدروجين، ثم الفلور، ثم الكلور، ثم الصوديوم، ثم المغنسيوم، ثم البوتاسيوم، ثم الحديد، ثم السيلوز، ثم المنجيز وغيرها. والعناصر في هذا الكون أكثر من مائة، ولكنها لا تدخل كلها في تركيب الإنسان، إنما تدخل في تركيب ما ينفع الإنسان من بناء وزينة وغير ذلك. مصداقاً لقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. لقد قام أهل الكفر من العلماء بهذا التحليل وذكروا تلك النتائج التي أخبرنا بها الرسول الكريم في الكتاب المعجز الباقي المحفوظ بأمر الله كحجة مؤكدة. وصان الحق لنا هذه الحجة حتى يأتي عالم غير مؤمن ويتوصل إلى بعضٍ من الحقائق الموجودة في القرآن. ولم يحضر أحد منا لحظة الخلق، ولكنا نشهد الموت وهو نقض للحياة، ونقض الشيء يكون على عكس بنائه. ونرى من يهدمون بناء يبدأون بهدم آخر ما تم بناؤه وتركيبه، فيخلعون الزجاج أولاً وهو آخر ما تم تركيبه، ثم الأخشاب، ثم الأحجار، كذلك نقض الحياة بالموت. تخرج روح الإنسان أولاً ثم بعد ذلك ييبس ويجف ليصير صلصالاً كالفخار ثم حمأ مسنوناً أي يصيبه النتن والعفن ثم يتبخر منه الماء فيصير تراباً. ولذلك نحن نصدق الذي خلقنا في أمر خلقنا ونصدقه في أمر السمٰوات والأرض، وعندما يقول قائل بغير ذلك، نقول له كما أخبر القرآن الكريم: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. ويخبرنا الحق هنا بقضية الرجل: {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} ولا أحد فينا يعلم أجله مهما عرض نفسه على الأطباء، والأجل الأول هو الأجل المحدد لكل منا، والأجل المسمى عنده هو زمن البرزخ ومن بعده نبعث من قبورنا، ولذلك قال سبحانه: {أية : قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأعراف: 187]. وقد يعرف الأنسان مجيء مقدمات نهايته واقتراب موته بواسطة ما كشف الله عنه من أسراره بواسطة تقدم العلماء. فليس هذا من الغيب وفي بعض الحالات يصح هذا المريض ويشفى ويبرأ، ويقولون: قد حدثت معجزة، أما الأجل المسمى فلا نستطيع أن نعرفه، وحدد الحق سبحانه ذلك في خمس مسائل: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} تفسير : [لقمان: 34]. وقد تكلم الحق عن المكان ولم يتكلم عن الزمان: {ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً} أي قضى أجلاً لكل واحد، ثم جعل أجلاً لكل شيء مسمى. والآجال في الآحاد تتوارد إلى أن يأتي أجل الكل وهو يوم القيامة، {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} والدلائل التي أوردها الحق كفيلة بألا تجعل أحداً يشك، ولكن هناك من يماري في ذلك بعد كل هذه المقدمات. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَهُوَ ٱللَّهُ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قَضَىۤ أَجَلاً} معناهُ وقتٌ، وَهَو المَوتُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} وَهوَ الآخِرةُ. ويُقالُ قَضَى أَجلاً: معناهُ مَا بَينَ أَنْ يُخْلَقَ إِلى أَنْ يَموتَ. وأَجلٌ مُسَمّى مَا بينَ أَنْ يَموتَ إِلى أَنْ يُبْعَثَ. ويقال (أجلاً): الدُّنيا، وأَجلٌ مُسَمَّى عِندَهُ: الآخِرةُ. تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} معناه تَشكُّونَ.

همام الصنعاني

تفسير : 769- [أنبأنا الخشني، قال: حدثنا سلمة بن شبيب قال: حدثنا] عبد الرزاق عن معمر، قال: يقال إن سورة الأنعام أنزلت جملة واحدة معها من الملائكة ما بين السَّماء والأرض لهم زجل بالتسبيح. 770- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن فُضَيْل الرقاشي، قال سمعت أبا الحجاج مجاهِداً في الحِجْرِ يقول: نزل مع سورة الأنعام خمس مئة ألف ملك يَزُفُّونَهَا ويَحُفُّونَهَا. 771- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، والحسن في قوله تعالى: {قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ}: [الآية: 2]، قالا: قضى أجل الدنيا من يوم خلقك إلى أن تموت، {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} يوم القيامة.