٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنا إن قلنا: إن المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدليل على وجود الصانع القادر المختار. قلنا: المقصود من هذه الآية بيان كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، فإن الآيتين المتقدمتين يدلان على كمال القدرة، وهذه الآية تدل على كمال العلم وحينئذٍ يكمل العلم بالصفات المعتبرة في حصول الإلهية، وإن قلنا: المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدلالة على صحة المعاد، فالمقصود من هذه الآية تكميل ذلك البيان، وذلك لأن منكري المعاد إنما أنكروه لأمرين أحدهما: أنهم يعتقدون أن المؤثر في حدوث بدن الإنسان هو امتزاج الطبائع وينكرون أن يكون المؤثر فيه قادراً مختاراً. والثاني: أنهم يسلمون ذلك إلا أنهم يقولون إنه غير عالم بالجزئيات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي، ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو ثم إنه تعالى أثبت بالآيتين المتقدمتين كونه تعالى قادراً ومختاراً لا علة موجبة، وأثبت بهذه الآية كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، وحينئذٍ تبطل جميع الشبهات التي عليها مدار القول بإنكار المعاد، وصحة الحشر والنشر فهذا هو الكلام في نظم الآية وههنا مسائل: المسألة الأولى: القائلون بأن الله تعالى مختص بالمكان تمسكوا بهذه الآية وهو قوله {وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } وذلك يدل على أن الإله مستقر في السماء قالوا: ويتأكد هذا أيضاً بقوله تعالى: {أية : ءَأَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ } تفسير : [الملك: 16] قالوا: ولا يلزمنا أن يقال فيلزم أن يكون في الأرض لقوله تعالى في هذه الآية {وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَفِى ٱلاْرْضِ } وذلك يقتضي حصوله تعالى في المكانين معاً وهو محال لأنا نقول أجمعنا على أنه ليس بموجود في الأرض، ولا يلزم من ترك العمل بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من غير دليل، فوجب أن يبقى ظاهر قوله {وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } على ذلك الظاهر، ولأن من القراء من وقف عند قوله {وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } ثم يبتدىء فيقول {وَفِى ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ } والمعنى أنه سبحانه يعلم سرائركم الموجودة في الأرض فيكون قوله {فِى ٱلأَرْضِ } صلة لقوله {سِرَّكُمْ } هذا تمام كلامهم. وأعلم أنا نقيم الدلالة أولاً على أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره، وذلك من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في هذه السورة {أية : قُل لّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ قُل لِلَّهِ } تفسير : [الأنعام: 12] فبيّـن بهذه الآية أن كل ما في السموات والأرض فهو ملك لله تعالى ومملوك له، فلو كان الله أحد الأشياء الموجودة في السموات لزم كونه ملكاً لنفسه، وذلك محال، ونظير هذه الآية قوله في سورة طه {أية : لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } تفسير : [طه: 6] فإن قالوا قوله {قُل لّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَٰوات وٱلأَرْضِ } هذا يقتضي أن كل ما في السموات فهو لله إلا أن كلمة ما مختصة بمن لا يعقل فلا يدخل فيها ذات الله تعالى. قلنا: لا نسلم والدليل عليه قوله {أية : وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَـٰهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } تفسير : [الشمس: 5 ـ 7] ونظيره {أية : وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } تفسير : [الكافرون: 3] ولا شك أن المراد بكلمة ما ههنا هو الله سبحانه. والثاني: أن قوله {وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } إما أن يكون المراد منه أنه موجود في جميع السموات، أو المراد أنه موجود في سماء واحدة. والثاني: ترك للظاهر والأول: على قسمين لأنه إما أن يكون الحاصل منه تعالى في أحد السموات عين ما حصل منه في سائر السموات أو غيره، والأول: يقتضي حصول المتحيز الواحد في مكانين وهو باطل ببديهة العقل. والثاني: يقتضي كونه تعالى مركباً من الأجزاء والأبعاض وهو محال. والثالث: أنه لو كان موجوداً في السماوات لكان محدوداً متنايهاً وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ممكناً، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر وكل ما كان كذلك فهو محدث. والرابع: أنه لو كان في السموات فهل يقدر على خلق عالم آخر فوق هذه السموات أو لا يقدر، والثاني: يوجب تعجيزه والأول: يقتضي أنه تعالى لو فعل ذلك لحصل تحت هذا العالم، والقوم ينكرون كونه تحت العالم والخامس: أنه تعالى قال: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } تفسير : [الحديد: 4] وقال: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } تفسير : [ق: 16] وقال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّماء إِلَـٰهٌ وَفِى ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ } تفسير : [الزخرف: 84] وقال {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 115] وكل ذلك يبطل القول بالمكان والجهة للهِ تعالى، فثبت بهذه الدلائل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره فوجب التأويل وهو من وجوه: الأول: أن قوله {وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَفِى ٱلأَرْضِ } يعني وهو الله في تدبير السموات والارض كما يقال: فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاح مهماته، ونظيره قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّماء إِلَـٰهٌ وَفِى ٱلاْرْضِ إِلَـٰهٌ } والثاني: أن قوله {وَهُوَ ٱللَّهُ } كلام تام، ثم ابتدأ وقال: {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَفِى ٱلاْرْضِ يَعلمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } والمعنى إله سبحانه وتعالى يعلم في السموات سرائر الملائكة، وفي الأرض يعلم سرائر الإنس والجن. والثالث: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير والتقدير: وهو الله يعلم في السموات وفي الأرض سركم وجهركم، ومما يقوي هذه التأويلات أن قولنا: وهو الله نظير قولنا هو الفاضل العالم، وكلمة هو إنما تذكر ههنا لإفادة الحصر، وهذه الفائدة إنما تحصل إذا جعلنا لفظ الله اسماً مشتقاً فأما لو جعلناه اسم علم شخص قائم مقام التعيين لم يصح إدخال هذه اللفظة عليه، وإذا جعلنا قولنا: الله لفظاً مفيداً صار معناه وهو المعبود في السماء وفي الأرض، وعلى هذا التقدير يزول السؤال والله أعلم. المسألة الثانية: المراد بالسر صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف، والمراد بالجهر أعمال الجوارح، وإنما قدم ذكر السر على ذكر الجهر لأن المؤثر في الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي، فالداعية التي هي من باب السر هي المؤثرة في أعمال الجوارح المسماة بالجهر، وقد ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول، والعلة متقدمة على المعلول، والمتقدم بالذات يجب تقديمه بحسب اللفظ. المسألة الثالثة: قوله {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } فيه سؤال: وهو أن الأفعال إما أفعال القلوب وهي المسماة بالسر، وإما أعمال الجوارح وهي المسماة بالجهر. فالأفعال لا تخرج عن السر والجهر فكان قوله {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } يقتضي عطف الشيء على نفسه، وأنه فاسد. والجواب: يجب حمل قوله {مَا تَكْسِبُونَ } على ما يستحقه الإنسان على فعله من ثواب وعقاب والحاصل أنه محمول على المكتسب كما يقال: هذا المال كسب فلان أي مكتسبه، ولا يجوز حمله على نفس الكسب، وإلا لزم عطف الشيء على نفسه على ما ذكرتموه في السؤال. المسألة الرابعة: الآية تدل عى كون الإنسان مكتسباً للفعل والكسب هو الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضر، ولهذا السبب لا يوصف فعل الله بأنه كسب لكونه تعالى منزهاً عن جلب النفع ودفع الضرر والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} يقال: ما عامل الإعراب في الظرف من {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ}؟ ففيه أجوبة: أحدها ـ أي وهو الله المعظَّم أو المعبود في السموات وفي الأرض؛ كما تقول: زيد الخليفة في الشرق والغرب أي حُكْمه. ويجوز أن يكون المعنى وهو الله المنفرد بالتدبير في السموات وفي الأرض؛ كما تقول: هو في حاجات الناس وفي الصلاة، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر ويكون المعنى: وهو الله في السموات وهو الله في الأرض. وقيل: المعنى وهو الله يعلم سِرّكم وجهركم في السموات وفي الأرض فلا يخفى عليه شيء؛ قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل فيه. وقال محمد بن جَرير: وهو الله في السموات ويَعلم سِرّكم وجهركم في الأرض؛ فيعلم مقدّم في الوجهين، والأول أسلم وأبعد من الإشكال. وقيل غير هذا. والقاعدة تنزيهه ـ جل وعز ـ عن الحركة والانتقال وشَغْل الأمكنة. {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} أي من خير وشر. والكسب الفعل لاجتلاب نفع أو دفع ضرر؛ ولهذا لا يقال لفعل الله كَسْبٌ. قوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ} أي علامة كانشقاق القمر ونحوها. و «مِنْ» لاستغراق الجنس؛ تقول: ما في الدار من أحد. {مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ} «مِنْ» الثانية للتبعيض. و {مُعْرِضِينَ} خبر «كَانُوا». والإعراض ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله جل وعز من خلق السموات والأرض وما بينهما، وأنه يرجع إلى قديم حي غنيّ عن جميع الأشياء، قادر لا يعجزه شيء، عالم لا يخفى عليه شيء من المعجزات التي أقامها لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ ليُستَدلّ بها على صدقه في جميع ما أتى به. قوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُواْ} يعني مشركي مكة. {بِٱلْحَقِّ} يعني القرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم. {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ} أي يَحلّ بهم العقاب؛ وأراد بالأنباء ـ وهي الأخبار ـ العذاب؛ كقولك: ٱصبر وسوف يأتيك الخبر أي العذاب؛ والمراد ما نالهم يوم بَدْر ونحوه. وقيل: يوم القيامة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱللَّهُ } مستحق للعبادة {فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَفِى ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } ما تسرّون وما تجهرون به بينكم {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } تعملون من خير وشرّ.
ابن عطية
تفسير : قاعدة الكلام في هذه الآية أن حلول الله تعالى في الأماكن مستحيل وكذلك مماسته للأجرام أو محاداته لها أو تحيز لا في جهة لامتناع جواز التقرب عليه تبارك وتعالى، فإذا تقرر هذا فبين أن قوله تعالى: {وهو الله في السموات وفي الأرض} ليس على حد قولنا زيد في الدار بل هو على وجه من التأويل آخر، قالت فرقة ذلك على تقدير صفة محذوفة من اللفظ ثابتة في المعنى، كأنه قال وهو الله المعبود في السماوات وفي الأرض، وعبر بعضهم بأن قدر هو الله المدبر للأمر في "السماوات وفي الأرض"، وقال الزجاج {في} متعلقة بما تضمنه اسم الله تعالى من المعاني كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازاً لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى، وإيضاحه أنه أراد أن يدل على خلقه وإيثار قدرته وإحاطته واستيلائه ونحو هذه الصفات فجمع هذه كلها في قوله: {وهو الله} أي الذي له هذه كلها "في السماوات وفي الأرض" كأنه وهو الخالق الرازق المحيي المحيط "في السماوات وفي الأرض" كما تقول زيد السلطان في الشام والعراق، فلو قصدت ذات لقلت محالاً، وإذا كان مقصد قوله زيد الآمر الناهي المبرم الذي عزل ويولي في الشام والعراق فأقمت السلطان مقام هذه كان فصيحاً صحيحاً، فكذلك في الآية أقام لفظة {الله} مقام تلك الصفات المذكورة، وقالت فرقة {وهو الله} ابتداء وخبر تم الكلام عنده، ثم استأنف، وتعلق قوله {في السماوات} بمفعول {يعلم} ، كأنه قال "وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض" فلا يجوز مع هذا التعليق أن يكون {هو} ضمير أمر وشأن لأنه يرفع {الله} بالابتداء، و {يعلم} في موضع الخبر، وقد فرق {في السماوات وفي الأرض} بين الابتداء والخبر وهو ظرف غريب من الجملة، ويلزم قائلي هذه المقالة أن تكون المخاطبة في الكاف في قوله: {سركم وجهركم} لجميع المخلوقين الإنس والملائكة، لأن الإنس لا سر ولا جهر لهم في السماء، فترتيب الكلام على هذا القول وهو الله يعلم يا جميع المخلوقين "سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض" وقالت فرقة {وهو} ضمير الأمر والشأن و "الله في السماوات" ابتداء وخبر تم الكلام عنده، ثم ابتدأ كأنه قال "ويعلم في الأرض سركم وجهركم"، وهذا القول إذ قد تخلص من لزوم المخاطبة الملائكة فهو مخلص من شبهة الكون في السماء بتقدير حذف المعبود أو المدبر على ما تقدم، وقوله تعالى {يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون} خبر في ضمنه تحذير وزجر، و {تكسبون} لفظ عام لجميع الاعتقادات والأفعال والأقوال. وقوله تعالى: {وما تأتيهم} الآية {ما} نافية و {من} الأولى هي الزائدة التي تدخل على الأجناس بعد النفي، فكأنها تستغرق الجنس، و {من} الثانية للتبعيض، والآية العلامة و الدلالة والحجة، وقد تقدم القول في وزنها في صدر الكتاب، وتضمنت هذه الآية مذمة هؤلاء الذين يعدلون بالله سواه بأنهم يعرضون عن كل آية ترد عليهم، ثم اقتضت الفاء في قوله {فقد} أن إعراضهم عن الآيات قد أعقب أن كذبوا بالحق وهو محمد عليه السلام وما جاء به، ثم توعدهم بأن يأتيهم عقاب استهزائهم، و {ما} بمعنى الذي، ويصح أن تكون مصدرية، وفي الكلام حذف مضاف تقديره يأتيهم مضمن أنباء القرآن الذي كانوا به يستهزئون، وإن جعلت {ما} مصدرية فالتقدير يأتيهم نبأ كونهم مستهزئين، أي عقاب يخبرون أنه على ذلك الاستهزاء، وهذه العقوبات التي توعدوا بها تعم عقوبات الدنيا كبدر وغيرها وعقوبات الآخرة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} قاعدة الكلام في هذه الآية: أن حُلُولَ اللَّه في الأمَاكِنِ مُسْتَحِيلٌ ـــ تعالى ـــ أن يَحْوِيَهُ مكان، كما تَقَدَّسَ أن يَحُدَّهُ زمان، بل كان قبل أن خَلَقَ المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان. وإذا تَقَرَّرَ هذا، فقالت فرقة من العلماء: تَأْوِيلُ ذلك على تقدير صِفَةٍ محذوفة من اللفظ ثَابِتَةٍ في المعنى، كأنه قال: وهو اللَّه المَعْبُودُ في السموات، وفي الأرض. وعبر بعضهم بأن قدر: وهو اللَّه المدبر للأمر في السموات والأرض. وقال الزَّجَّاجُ: {فِي} متعلقة بما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللَّه من المعاني، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المَشْرِقِ والمغرب. قال * ع *: وهذا عِنْدِي أَفْضَلُ الأقوال، وأكثرها إحرازاً لِفَصَاحَةِ اللفظ، وجزالة المعنَىٰ. وإيضاحه: أنه أراد أن يَدُلَّ على خلقه، وآثار قدرته، وإحاطته، واستيلائه، ونحو هذه الصفات، فجمع هذه كلها في قَوْلِهِ: {وَهُوَ ٱللَّهُ} أي: الذي له هذه كلها في السموات، وفي الأرض، كأنه قال: وهو اللَّه الخَالِقُ، الرازق، المحيـي، المحيط في السموات وفي الأرض، كما تقول: زيد السلطان في المَشْرِقِ والمغرب و «الشام» و «العراق»، فلو قصدت ذَاتَ زَيْد لَقُلْتَ مُحَالاً، وإذا كان مَقْصِدُ قولك الآمِرَ، النَّاهِيَ، الناقض، المُبْرِمَ، الذي يعزل ويُوَلِّي في المشرق والمغرب، فأقمت السلطان مقام هذه، كان فصيحاً صحيحاً، فكذلك في الآية أقام لَفْظَةَ {ٱللَّهِ} مقام تلك الصِّفَاتِ المذكورة. وقالت فرقة: {وَهُوَ ٱللَّهُ} ابتداء وخَبَرٌ، تم الكَلاَمُ عنده، ثم استأنف، وتعلق قوله: {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ} بمفعول {يَعْلَمْ}، كأنه قال: وهو اللَّه يَعْلَم سِرَّكُمْ وجهركم في السموات، وفي الأرض. وقوله تعالى: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} خبر في ضمنه تَحْذِيرٌ وزَجْرٌ، و {تَكْسِبُونَ} لفظ عام لجميع الاعْتِقَادَاتِ، والأقوال، والأفعال. وقوله سبحانه: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} تضمنت هذه الآية مَذَمَّةَ هؤلاء الذين يَعْدِلُونَ باللَّه سواه، بأنهم يُعْرِضُونَ عن كل آية، وكذبوا بالحق، وهو محمد ـــ عليه السلام ـــ وما جاء به. قال * ص *: {مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ} «من» الأولى زَائِدَةٌ للاستغراق، وما بعدها فاعل بقوله: {تَأْتِيَهُمُ}. و «من» الثانية للتبعيض انتهى. وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} هذا وَعِيدٌ لهم شديد، وهذه العُقُوبَاتُ التي تُوُعِّدُوا بها تعمُّ عُقُوبَاتِ الدنيا كَبَدْرٍ وغيرها، وعقوبات الآخرة. وقوله سبحانه: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ} هذا حَضٌّ على العِبْرَةِ، والرؤية هنا رُؤْيَةُ القلب، والقَرْنُ: الأمة المقترنة في مُدَّةٍ من الزمن. واختلف في مدة القَرْنِ كم هي؟ فالأكثر على أنها مائة سَنَةٍ. وقيل غير هذا. وقيل: القَرْنُ الزمن نَفْسُهُ، وهو على حَذْفِ مضاف، تقديره: من أَهْلِ قرن. قال عياض في «الإكمال»: واختلف في لَفْظِ القَرْنِ، وذكر الحربي فيه الاخْتِلاَفَ من عَشْرِ سنين إلى مائة وعشرين، ثم قال يعني الحربي: وليس منه شيء وَاضِحٌ، وأرى القرن كُلّ أمة هَلَكَتْ، فلم يَبْقَ منها أحد. انتهى. والضمير في {مَّكَّنَّـٰهُمْ} عائد على القَرْنِ، والمخاطبة في {لَكُمْ} هي للمؤمنين، ولجميع المُعَاصِرِينَ لهم من سائر الناس، و {ٱلسَّمَاء} هنا المَطَرُ، و {مِّدْرَاراً} بناء تكثير، ومعناه: يدرُّ عليهم بِحَسَبِ المنفعة. وقوله سبحانه: {وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءَاخرِينَ}. {أَنشَأْنَا}: اخترعنا، وخلقنا، ويظهر من الآية أن القَرْنَ إنما هو وَفَاةُ الأَشْيَاخِ، ثم وِلاَدَةُ الأطفال.
ابن عادل
تفسير : أعلم أنَّا إذا قلنا: المراد من الآية المُتقدِّمَةِ إقَامَةُ الدليل على وجود الصَّانِع القادر المُخْتَارِ، فالمُرادُ من هذه الآيَةِ إقامَةُ الدليل على كونه عَالِماً بجميع المَعْلُومَاتِ؛ لأنها تَدُلُّ على كمالِ العلم. وإن قلنا: المراد من الآية المُتقدِّمةِ إقامَةُ الدليل على صِحِّة المَعَادِ، فالمقصود من هذه الآية تكميل ذلك البيان؛ لأنَّ مُنكِري المعاد إنَّما يُنْكِرُونَهُ لأمرين: أحدهما: أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ المؤثّر في حدوث بَدَن الإنسان هو امْتِزَاجُ الطَّبائِعِ، وإنْ سلَّموا كون المؤثّر فيه قَادِراً مختاراً، فإنَّهم يَقُولُونَ: إنِّهُ [غير] عالم بالجزئيات، فلا يمكنه تَمْييزُ المُطيعِ من العَاصِيِ، ولا تمييز أجزاء بَدَنِ زيد عن أجْزاءِ بَدَن عمرو. قوله: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} في هذه الآية أقْوالٌ كثيرة، وقد لُخِصَّتْ في اثْنَيْ عشر وَجْهاً؛ وذلك أن "هو" فيه قولان: أحدهما: هو ضمير اسم الله - تعالى - يعودُ على ما عَادَتْ عليه الضَّمائِرُ قبله. الثاني: أنَّهُ ضميرُ القِصَّةِ، قال أبو عليٍّ. قال أبو حيَّان: وإنَّما فرَّ إلى هذا؛ لأنه لو أعاده على اللَّهِ لَصَارَ التقديرُ: اللَّهُ اللَّهُ، فتركَّب الكلام من اسمين مُتَّحِدَيْنِ لفظاً ومعنى لا نِسْبَةَ بينهما إسنادية. قال شهابُ الدين: الضَّميرُ إنما هو عَائِدٌ على ما تقدَّمَ من المَوْصُوفِ بتلك الصِّفات الجليلة، وهي خَلْقُ السَّموات والأرض، وجعل الظُّلُماتِ والنُّور، وخَلْق النَّاس من طين إلى آخرها، فصَارَ في الإخبار بذلك فَائِدَةٌ من غير شَكِّ، فعلى قولِ الجُمْهُورِ يكون "هو" مبتدأ، و"اللَّهُ" خبره، و "في السَّمَوَات" متعلقٌ بنفس الجلالة لمَّا تَضمَّنَتْهُ من معنى العِبَادةِ، كأنَّهُ قيل: وهو المَعْبُود في السَّموات، وهذا قول الزَّجَّاج، وابن عطيَّة، والزمخشري. قال الزَّمخشري: "في السَّمَوَات" متعلِّقٌ بمعنى اسم اللَّهِ، كأنَّهُ قيل: هو المَعْبُود فيها، ومنه: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰه} تفسير : [لزخرف:84] أو هو المعروف بالإلهية والمتوحد بالإلهيّة فيها، أو هو الذي يُقَالُ له "اللَّه" [لا يشركه في هذا الاسم غيره. وقال شهابُ الدين: إنما قال: أو هو المَعْرُوفُ، أو هو الذي يُقال له: اللَّهُ؛] لأنَّ الاسم الشَّريف تقدَّم فيه خلافٌ، هل هو مُشْتَقٌ أوْ لاَ؟ فإن كان مُشْتقاً ظَهَرَ تعلُّق الجَارِّ بِهِ، وإنْ كان لَيْسَ بمشتقٍّ، فإمَّا أن يكون مَنْقُولاً أو مُرْتَجَلاً، وعلى كلا التقديرين فلا يعمل؛ لأنَّ الأعلامَ لا تعمل، فاحْتَاجَ أن يتأوّل ذلك على كل قول من هذه الأقوال الثلاثة. فقوله: "المَعْبُود" راجعٌ للاشتقاقِ، وقوله: "المَعْرُوف" راجع لكونه عَلماً مَنْقُولاً، وقوله: "الَّذي يُقَال له: اللَّهُ" راجع إلى كونه مُرْتجلاً، وكأنه - رحمه الله - اسْتَشْعَرَ بالاعتراض المذكور. والاعْتِراضُ مَنْقُولٌ عن الفَارسيِّ. قال: "وإذا جَعَلْتَ الظَّرْفَ متعلّقاً باسم اللَّهِ جَازَ عندي على قياس مَنْ يقول: إنَّ الله أصْلُه "الإله" ومن ذَهَبَ بهذا الاسم مذهب الأعلامِ وجب ألاَّ يتعلَّق به "عنده" إلاَّ أنْ تُقدِّر فيه ضَرْباً من معنى الفِعْلِ"، فكأنه الزمخشري - والله أعلم - أخَذَ هذا من قول الفَارِسِيّ وبسطه، إلاَّ أنَّ أبا البقاءِ نقل عن أبي عليّ أنه لا يتعلَّقُ "في" باسم اللَّهِ؛ لأنَّه صار بدخول الألف واللام، والتغيير الذي دخله كالعلم، ولهذا قال تعالى: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا} تفسير : [مريم:65] فظاهرُ هذا النقل أنه بمنعُ التعلُّق به وإنْ كاني في الأصْلِ مُشْتَقاً. وقال الزَّجَّاج: "وهو مُتَعَلِّقٌ بما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللهِ من المَعاني، كقولك: أميرُ المؤمنين الخَلِيفَة في المَشْرِق والمغْرِبِ". قال ابن عطيّة: "هذا عندي أفْضَلُ الأقوالِ، وأكثرها إحْرَازاً لفَصَاحَةِ اللَّفْظِ، وجَزَالَةِ المعنى. وإيضاحُهُ أنَّهُ أراد أنْ يَدُلَّ على خَلْقِهِ وآثَارِ قُدْرتِهِ وإحاطتِهِ واستيلائه، ونحو هذه الصفات، فجمع هذه كُلَّها في قوله: "وَهُوَ اللَّهُ"؛ أي: الذي له هذه كُلُّها في السَّموات، وفي الأرضِ كأنه قال: وهو الخالق، والرازق، والمحيي، والمحيط في السموات وفي الأرض كما تقول: زيد السُّلطانُ في "الشام" و"العراق" فلو قصدت ذات زَيْدٍ لكان مُحَالاً، فإذا كان مَقْصِدُ قولك [:زيد] الآمر النّاهي الذي يُوَلِّي ويَعْزلُ كان فَصِيحاً صَحِيحاً، فأقمت السَّلطَنَةَ مَقَامَ هذه الصِّفَاتِ، كذلك في الآية الكريمة أقَمْتَ "الله" مقام تلك الصِّفات". قال أبو حيَّان: ما ذكره الزَّجَّاجُ، وأوضحه ابن عطيَّةَ صحيحٌ من حيث المعنى، لكنَّ صَنَاعَةَ النحو لا تُسَاعِدُ عليه؛ لأنهما زَعَمَا أن "في السموات" متعلِّقٌ باسم الله؛ لما تَضَمَّنَهُ من تلك المعاني، ولو صَرَّحَ بتلك المعاني لم تَعْمَلْ فيه جَمِيعُهَا، بل العَمَلُ من حيث اللفظُ لواحد منها، وإن كان "في السموات" متعلّقاً بجميعها من حيث المعنى، بل الأولى أن يتعلَّق بلفظ "اللّه" لما تَضَمَّنَهُ من معنى الألُوهِيَّة، وإن كان عَلَماً؛ لأن العَلَمَ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ لما يتضمّنه من المعنى كقوله: [الرجز] شعر : 2107- أنَا أبُو المِنْهَالِ بَعْضَ الأحْيَانْ تفسير : لأنَّ "بَعْضَ" نُصِبَ بالعَلَمِ؛ لأنَّه في معنى أنا المشهور. قال شهاب الدين: [قوله]: "لو صُرِّحَ بها لم تَعْمَلْ" ممنوع، بل تعمل ويكون عَمَلُهَا على سبيل التَّنَازُع، مع أنه لو سَكَتَ عن الجواب لكان واضحاً. ولما ذكر أبو حيَّان ما قاله الزَّمخْشَريُّ قال: "فانظر كيف قدّرَ العامِلَ فيها واحِداً لا جميعها". يعني: أنَّهُ اسْتنْصَرَ به فيما ردَّ على الزَّجَّاج، وابن عطية. الوجه الثاني: أن "في السَّمَوَات" متعّلق بمحذوفٍ هو صِفَةٌ لله تعالى حُذِفت لفهم المَعْنَى، فقدَّرها بعضهم: وهو الله المعبود، وبعضهم: وهو اللَّهُ المُدَبِّرُ، وحذفُ الصِّفة قليلٌ جداً لم يَرِدْ منه إلاَّ مواضع يسيره على نَظَرٍ فيها، فمنها {أية : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} تفسير : [الأنعام: 66] أي: المعاندون، {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} تفسير : [هود:46] أي: النَّاجين، فلا ينبغي أن يُحْمَلَ هذا عليه. الوجه الثالث: قال النَّحَّاس - وهو أحْسَنُ ما قيل فيه -: إنَّ الكلام تَمَّ عند قوله: "وَهُوَ اللِّهُ" والمَجْرُور متعلِّقٌ بمفعول "يَعْلَمُ"، وهو "سِرَّكم وجَهْرَكُم" أي: يَعْلَمُ سِرَّكُم، وجَهْرَكُم فيهما. وهذا ضعيفٌ جداً لما فيه من تَقْدِيمِ مَعْمُولِ المصدرِ عليه، وقد عرف ما فيه. الوجه الرابع: أنَّ الكلامَ تَمَّ أيضاً عند الجلالةِ، ويتعلِّق الظرفُ بنفس "يَعْلَمُ" وهذا ظاهِرٌ، و"يَعْلَمُ" على هذين الوَجْهَيْنِ مُسْتَأنَفٌ. الوجه الخامس: أنَّ الكلامَ تَمَّ عند قوله: "في السَّموات" فيتعلَّق "في السموات" باسم الله على ما تقدَّمَ، ويتعلَّقُ "في الأرض" بـ "يعلم" وهو قول الطَّبِري. وقال أبو البقاء: "وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ اللَّهَ - تعالى - مَعْبودٌ في السَّمَوات وفي الأرض، ويَعْلمُ ما في السَّموات، وما في الأرض، فلا تتخصَّصُ إحْدَى الصِّفَتَيْنِ بأحَدِ الظرفين". وهو رَدٌ جميلٌ. الوجه السادس: أنَّ "في السَّموات" متعلِّقٌ محذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من "سِرَّكم"، ثُمَّ قُدِّمَتِ الحالُ على صَاحبهَا، وعلى عاملها. السابع: أنه متعلّق بـ "يَكْسِبُونَ"، وهذا فَاسِدٌ من جهة أنه يَلْزَمُ منه تقديم مَعْمُولِ الصِّلةِ على الموصول؛ لأن "ما" مَوْصُولةٌ اسمية، أو حرفيةٌ، وأيضاً فالمُخَاطبُونَ كيف يكسبون في السموات؟ ولو ذهب هذا القائلُ إلى أنَّ الكلام تَمَّ عند قوله: "في السموات" وعلّق "في الأرض" بـ "يَكْسِبونَ" لسَهُل الأمْرُ من حيث المعنى لا من حَيْثُ الصناعةُ. الوجه الثامن: أنَّ "الله" خَبَرٌ أوَّلُ، و "في السموات" خبر ثانٍ. قال الزمخشري: "على معنى: أنَّه الله، وأنَّهُ في السموات وفي الأرض، وعلى معنى: أنَّهُ عالمٌ بما فيهما لا يَخْفَى عليه شيءٌ، كأنَّ ذَاتَهُ فيهما". قال أبو حيَّان: "وهذا ضعيفٌ؛ لأن المجرور بـ "في" لا يّدُلُّ على كونٍ مُقَيَّدٍ، إنما يَدُلُّ على كونٍ مُطْلَقٍ، وتقدَّم جوابه مراراً". الوجه التاسع: أنْ يكون "هو" مبتدأ، و "اللَّهُ" بَدَلٌ منه، و "يَعْلَمُ" خبره و"في السموات" على ما تقدَّم. الوجه العاشر: أنْ يكون "اللًّهُ" بَدَلاً أيضاً، و "في السَّموات" الخبرُ بالمعنى الذي قاله الزمخشري. الحادي عشر: أنَّ "هو" ضمير الشَّأنِ في مَحَلِّ رفع بالابتداء، والجلالةً مبتدأ ثانٍ، وخبرها "في السموات" بالمعنى المتقدَّمِ، أو "يَعْلَمُ"، والجملة خبر الأول مفسرة له وهو الثاني عشر. وأمَّا "يَعْلَمُ" فقد عرفت من تَفَاصِيلِ ما تقدَّمَ أنَّه يَجُوزُ أن يكون مُسْتَأنَفاً، فلا مَحَلَّ له، أو في مَحَلِّ رفع خبراً، أو في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال، و "سِرَّكم وجَهْرَكم": يجوز أن يَكُونَا على بابهما من المَصْدَرِيّة، ويكونان مضافين إلى الفاعل. وأجاز أبو البَقَاء أن يكونا وَاقِعَيْنِ موقع المفعول به، أي: مُسَرَّكم ومجهوركم، واسْتَدَلَّ بقوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} تفسير : [البقرة:77] ولا دَلَيلَ فيه، لأنه يجوز "ما" مصدرية وهو الألْيَقُ لمُنَاسَبَةِ المصدرين قبلها، وأن تكون بمعنى "الذي". فصل في معنى الآية "وهو الله في السموات والأرض" كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} تفسير : [الزخرف:84]. وقيل: هو المعبود في السَّمواتِ والأرض. وقال محمد بن جرير: معنيان: وهو اللَّهُ يعلمُ سرّكم وجهركم في السموات والأرض، يعلمُ ما تَكْسِبُونَ من الخيرِ والشَّر. فصل في شبه إنكار الفوقية استدلَّ القائلون بأنَّ الله في السموات بهذه الآية. قالوا: ولا [يلزمنا] أن يقال: فيلزم أن يكون في الأرض لقوله: "وفي الأرض" وذلك يقتضي حُصُولَهُ في مكانين مَعاً، وهو مُحَالٌ؛ لأنَّا نقول: أجمعنا على أنه لَيْسَ مَوْجُوداً في الأرْضِ، ولا يَلْزمُ من ترك العَمَل بأحد الظَّاهرين ترك العملِ بالظَّاهر الآخر من غير دليلٍ، فوجبَ أن يبقى قوله: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَات} على ظاهره ولأن من القراء من وقف عند قوله: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَات}، ثم يبتدئ فيقول: {وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ}، والمعنى أنه تعالى يعلمُ سَرَائِرَكُمْ الموجودة في الأرْضِ، فيكون قوله: "وَفِي الأرْضِ" صِلَةٌ لقوله: "سِرَّكُمْ". قال ابن الخطيب: والجوابُ: أنَّا نُقِيمُ الِّدلالةَ أوّلاً على أنه لا يُمْكِنُ حَمْلُ هذا الكلام على ظَاهِرِهِ، وذلك من وجوه. أحدها: أنَّهُ قال في هذه السورة: {أية : قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ} تفسير : [الأنعام: 12] فَبَيَّن أنَّ كُلَّ ما في السموات والأرض، فهو مِلْكٌ لله تعالى ومملوك له فلو كان أحد الأشياء الموجودة في السموات لزم كونه ملك نفسه، وذلك مُحَالٌ وكذا قوله: في "طه" {أية : لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [طه:6]. فإن قالوا: كلمة ["ما"] مختصَّةٌ [بمن لا يعقل] فلا يدخل فيها ذاتُ اللَّهِ. قلنا: لا نُسَلِّمُ بدليل قوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} تفسير : [الشمس: 5-7]. وقوله: {أية : وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُد} تفسير : [الكافرون:3] والمراد بكلمة "ما" ها هنا "هو اللَّهُ تعالى". وثانيها: أنَّ قوله: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} إمَّا أنْ يكون المُرَادُ منه أنَّهُ مَوْجُودٌ في جميع السمواتِ، أو المراد أنَّهُ مَوْجُودٌ في سماء واحدة. والثاني ترك للظَّاهِر، والأوَّلُ على قسمين، لأنَّهُ إما أن يكون الحاصل منه - تعالى - في أحد السَّمواتِ عين ما حصل منه في سائر السَّمواتِ أو غيره، والأوَّل يقتضي حُصُول المتحيّز الواحد [في مَكَانَيْنِ، وهو باطلٌ ببديهَةِ العَقْلِ]. والثاني يقتضي كونه - تعالى مُرَكَّباً من الأجْزَاءِ والأبْعَاضِ، وهو مُحَالٌ. وثالثها: أنَّهُ لو كان مَوْجُوداً في السَّموات لكان مَحْدُوداً متناهياً وكُلُّ ما كان كذلك كان قَبُولُهُ للزيادة والنُّقْصَانِ مُمْكناً، وكُلُّ ما كان كذلك فهو مُحْدَثٌ. ورابعها: أنَّهُ لو كان في السَّمواتِ، فهل يَقْدرُ على خَلْقِ عالم آخر فوق هذه السموات أو لا يَقْدِر؟ وذلك من وجهين: والثاني يوجبُ تعجيزه وهو مُحَالٌ والأول يقتضي أنَّهُ - تعالى - لو فعل ذلك لحَصلَ تَحْتَ ذلك العالم، والقوم منكرون كونه تحت العالم. وخامسها: أنه تعالى قال: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} تفسير : [الحديد: 4] وقال {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} تفسير : [ق:16]. وقال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْض إِلَـٰهٌ} تفسير : [الزخرف:84] وقال: {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة:115] وكُلُّ ذلك يُبْطِلُ القولَ بالمَكَانِ والجهة، وإذا ثبت بهذه الدَّلائلِ أنَّهُ لا يمكنُ حَمْلُ هذا الكلام على ظاهره، وجَبَ التَّأويلُ، وهو من وجوه: الأول: أنَّ قوله: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْض}، أي: في تدبير السمواتِ والأرض، كما يقال: "فلانٌ في أمْرِ كذا" أي: في تدبيره، وإصْلاحِ مُهِمَّاتِهِ، كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْض إِلَـٰهٌ} تفسير : [الزخرف:84] الثاني: أنَّ قوله: [تَمّ] عند قوله: "وهُوَ اللَّهُ" ثُمَّ ابتدأ، فقال: {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ}، أي: يَعْلمُ ما في السَّمواتِ سَرَائِرَ الملائكة، وفي الأرض يعلمُ سَرائِرَ البَشَرِ الإنْس والجن. الثالث: أنْ يكون الكلامُ على التقديم والتأخير، وهو "اللَّهُ يَعْلَمُ ما في السموات، وما في الأرض سِرَّكُم وجهركم". فصل في بيان معنى "ما تكسبون" قوله: "ويَعْلمُ ما تكسبون" فيه سؤال، وهو أنَّ الأفعال إمَّا أفعال القُلُوبِ، وهو المُسَمَّى بالسِّرِّ، وإمَّا أعمال الجَوَارحِ، وهي المُسَمَّاةُ بالجَهْرِ، فالأفعالُ لا تخرجُ عن السِّرِّ والجهر. فكان قوله: {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} يقتضي عَطْفَ الشيء على نفسه، وإنَّهُ فاسدٌ. والجوابُ يجبُ حَمْلُ قوله: "مَا تَكْسِبُونَ" على ما يتسحقُّهُ الإنسانُ على فِعْلِه من ثوابٍ وعقابٍ. والحاصلُ أنَّهُ مَحْمُولٌ على ا لمُكْتَسَبِ كما يُقَالُ: "هذا كَسْبُ فلان"، أي: مُكْتَسَبُهُ، ولا يجوز حَمْلُهُ على نفس الكَسْبِ؛ لأنَّهُ يلزم منه عَطْفُ الشيء على نفسه والآية تدل على كون الإنسان مكتسباً للفعل، والكَسْبُ هو الفعلُ المُفْضِي إلى اجْتِلاَبِ نَفْع، أو دَفْع ضَرَرٍ، ولا يوصف فعلُ اللِّهِ بأنه كَسْبٌ لكونه - تعالى - مُنَزَّهٌ عن جَلْبِ النَّفْعِ، ودَفْعِ الضرر.
البقاعي
تفسير : ولما كان علم جميع أحوال المخلوق دالاً على أن العلم بها هو خالقه، وأن من ادعى أن خالقه عاجز عن ضبط مملكته: عن كشف غيره لعوراتها وعلم ما لا يعلمه هو منها، فلم يكن إلهاً، وكان الإله هو العالم وحده، وكان المحيط العلم لا يعسر عليه تمييز التراب من التراب، وكان صلى الله عليه وسلم يخبرهم عن الله من مغيبات أسرارهم وخفايا أخبارهم مما يقصون منه العجب ويعلمون منه إحاطة العلم حتى قال أبو سفيان بن حرب يوم الفتح: لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء، قال تعالى عاطفاً {هو الذي} دالاً على الوحدانية بشمول العلم بعد قيام الدليل على تمام القدرة والاختيار، لأن إنكارهم المعاد لأمرين: أحدهما ظن أن المؤثر في الأبدان امتزاج الطبائع وإنكار أن المؤثر هو قادر مختار، والثاني أنه - على تقدير تسليم الاختيار - غير عالم بالجزئيات، فلا يمكنه تمييز بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، فإذا قام الدليل على كمال قدرته سبحانه واختياره وشمول علمه لجميع المعلومات: الكليات والجزئيات، زالت جميع الشبهات: {هو الله} أي الذي له هذا الاسم المستجمع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى المدعو به تألهاً له وخضوعاً وتعبداً، وعلق بهذا المعنى قوله: {في السماوات} لأن من في الشيء يكون متصرفاً فيه. ولما كان الخطاب لمنكري البعث أكد فقال: {وفي الأرض} أي هذه صفته دائماً على هذا المراد من أنه سبحانه ثابت له هذا الاسم الذي تفرد به على وجه التأله والتعبد في كل من جهتي العلو والسفل، ولا يفهم ذو عقل صحيح ما يقتضيه الظاهر من أنه محوي، فإن كل محوي منحصر محتاج إلى حاويه وحاصره، ضعيف التصرف فيما وراءه، ومن كان محتاجاً نوع احتياج لا يصلح للألوهية والمشيئة لحديث الجارية: أين الله؟ قالت: في السماء، ومحجوج بحديث: "حديث : أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" تفسير : فإن ظاهره منافٍ لظاهر الأول، وظاهر هذا مؤيد بقاطع النقل من أنه غير محتاج، ومؤيد بصحيح النقل {ليس كمثله شيء} أي لا في ذاته ولا صفاته ولا شيء من شؤونه، و "حديث : قد كان الله ولا شيء معه"تفسير : ، وحديث "حديث : ليس فوقك شيء" تفسير : - رواه مسلم والترمذي وابن ماجه في الدعوات وأبو داود في الأدب عن أبي هريرة رضي الله عنه - والله الموفق. ولما كان المراد إثبات أن علمه تعالى محيط، نسبةُ كل من الخفي والجلي إليه على السواء، وكان السياق هنا للخفي فإنه في بيان خلق الإنسان وعجيب صنعه فيه بما خلق فيه من إدراك المعاني وهيأه له من قبل أن يقدر على التعبير عنه، ثم أقدره على ذلك؛ قدم الخفي فقال شارحاً لكونه لا يغيب عنه شيء: {يعلم سركم}. ولما كان لا ملازمة بين علم السر والجهر لأنه قد يكون في الجهر لفظ شديد يمنع اختلاط الأصوات فيه من علمه، صرح به فقال: {وجهركم} ونسبة كل منها إليه على حد سواء، ولا توصف واحدة منها بقرب في المسافة إليه ولا بد؛ ولما كان السر والجهر شائعين في الأقوال، وكانت الأقوال تتعلق بالسمع، ذكر ما يعمهما وهو شائع في الأفعال المتعلقة بالبصر فقال: {ويعلم ما تكسبون} فأفاد ذلك صفتي السمع والبصر مع إثبات العلم، فلما تظاهرت الأدلة وتظافرت الحجج وهم عنها ناكبون، وصل بذلك في جملة حالية قولَه، معرضاً عنهم إيذاناً باستحقاقهم شديد الغضب: {وما تأتيهم} أي هؤلاء الذين هم أهل للإعراض عنهم، وأعرق في النفي بقوله: {من آية} أي علامة على صحة ما دعاهم إليه رسولهم صلى الله عليه وسلم، وبعض بقوله: {من آيات ربهم} أي المحسن إليهم بنصب الأدلة وإفاضة العقول وبعث الرسول {إلاّ كانوا عنها معرضين} أي هذه صفتهم دائماً قصداً للعناد لئلا يلزمهم الحجة، ويجوز أن يكون ذلك معطوفاً على "يعدلون". ولما كان إعراضهم عن النظر سبباً لتكذيبهم، وهو سبب لتعذيبهم قال: {فقد كذبوا} أي أوقعوا تكذيب الصادق {بالحق} أي بسبب الأمر الثابت الكامل في الثبات كله. لأن الآيات كلها متساوية في الدلالة على ما تدل عليه الواحدة منها {لما جآءهم} أي لم يتأخروا عند المجيء أصلاً لنظر ولا لغيره، وذلك أدل ما يكون على العناد. ولما كان الإعراض عن الشيء هكذا فعل المكذب المستهزئ الذي بلغ بتكذيبه الغايةَ القصوى، وهي الاستهزاء، قال: {فسوف يأتيهم} أي بوعد صادق لا خلف فيه عند نزول العذاب بهم وإن تأخر إتيانه {أنباء ما كانوا} أي جبلة وطبعاً {به يستهزئون} أي يجددون الهزء به بغاية الرغبة في طلبه، وهو أبعد شيء عن الهزء، والنبأ: الخبر العظيم، وهو الذي يكون معه الجزاء، وأفاد تقديم الظرف أنهم لم يكونوا يهزؤون بغير الحق الكامل - كما ترى كثيراً من المترفين لا يعجب من العجب ويعجب من غير العجب، أو أنه عد استهزاءهم بغيره بالنسبة إلى الاستهزاء به عدماً. ولما أخبر بتكذيبهم على هذا الوجه وتوعدهم بتحتم تعذيبهم، أتبعه ما يجري مجرى الموعظة والنصيحة، فعجب من تماديهم مع ما علموا من إهلاك من كان أشد منهم قوة وأكثر جمعاً وجنى من سوابغ النعم بما لم يعتبروه فيه مع ما ضموه إلى تحقق أخبارهم من مشاهدة آثارهم وعجيب اصطناعهم في أبنيتهم وديارهم مستدلاً بذلك على تحقيق ما قبله من التهديد على الاستهزاء، فقال مقرراً منكراً موبخاً معجباً: {ألم يروا} ودل على كثرة المخبر عنهم تهويلاً للخبر بقوله: {كم أهلكنا}. ولما كان المراد ناساً معينين لم يستغرقوا زمن القبل، وهم أهل المكنة الزائدة كقوم نوح وهود وصالح، أدخل الجار فقال: {من قبلهم} وبيَّنَ {كم} بقوله: {من قرن} أي جماعة مقترنين في زمان واحد، وهم أهل كل مائة سنة - كما صححه القاموس لقول النبي صلى الله عليه وسلم لغلام: "حديث : عش قرناً"تفسير : ، فعاش مائة. هذا نهاية القرن، والأقرب أنه لا يتقدر، بل إذا انقضى أكثر أهل عصر قيل: انقضى القرن، ودل على ما شاهدوا من آثارهم بقوله: {مكناهم} أي ثبتناهم بتقوية الأسباب من البسطة في الأجسام والقوة في الأبدان والسعة في الأموال {في الأرض} أي بالقوة والصحة والفراغ ما لم نمكنكم، ومكنا لهم بالخصب والبسطة والسعة {ما لم نمكن} أي تمكيناً لم نجعله {لكم} أي نخصكم به، فالآية من الاحتباك أو شبهه، والالتفات من الغيبة إلى الخطاب لئلا يلتبس الحال، لأن ضمير الغائب يصلح لكل من المفضول والفاضل، ولا يُبقي اللبس التعبيرُ بالماضي في قوله {وأرسلنا السماء} أي المطر تسمية للشيء باسم سببه أو السحاب {عليهم}. ولما كان المراد المطر، كان التقدير: حال كونه {مدراراً} أي ذا سيلان غزير متتابع لأنه صفة مبالغة من الدر، قالوا: ويستوي فيه المذكر والمؤنث. ولما ذكر نفعهم بماء السماء، وكان غير دائم، أتبعه ماء الأرض لدوامه وملازمته للبساتين والرياض فقال: {وجعلنا الأنهار تجري} ولما كان عموم الماء بالأرض وبُعده مانعاً من تمام الانتفاع بها، أشار إلى قربه وعدم عموم الأرض به بالجار فقال: {من تحتهم} أي على وجه الأرض وأسكناه في أعماقها فصارت بحيث إذا حفرت نَبَعَ منها من الماء ما يجري منه نهر. ولما كان من المعلوم أنه من الماء كل شيء حي، فكان من أظهر الأشياء أنه غرز نباتهم واخضرت سهولهم وجبالهم، فكثرت زروعهم وثمارهم، فاتسعت أحوالهم وكثرت أموالهم فتيسرت آمالهم، أعلم سبحانه أن ذلك ما كان إلاّ لهوانهم استدراجاً لهم بقوله مسبباً عن ذلك: {فأهلكناهم} أي بعظمتنا {بذنوبهم} أي التي كانت عن بطرهم النعمةَ ولم نبال بهم ولا أغنت عنهم نعمهم. ولما كان الإنسان ربما أبقى على عبده أو صاحبه خوفاً من الاحتياج إلى مثله، بين أنه سبحانه غير محتاج إلى شيء فقال: {وأنشأنا} ولما كان سبحانه لم يجعل لأحد الخلد، أدخل الجار فقال: {من بعدهم} أي فيما كانوا فيه {قرناً} ودل على أنه لم يُبق من المهلكين أحداً، وأن هذا القرن الثاني لا يرجع إليهم بنسب بقوله: {آخرين} ولم ينقص ملكُنا شيئاً، فاحذروا أن نفعل بكم كما فعلنا بهم، وهذه الآية مثل آية الروم {أية : أو لم يسيروا في الأرض} تفسير : [الروم: 9] - الآية، فتمكينهم هو المراد بالشدة هناك، والتمكين لهم هو المراد بالعمارة، والإهلاكُ بالذنوب هو المراد بقوله {أية : فما كان الله ليظلمهم} تفسير : [الروم: 9] و [التوبة: 70] - إلى آخر الآيتين.
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱللَّهُ} جملةٌ من مبتدأ وخبر، معطوفةٌ على ما قبلها مَسوقةٌ لبـيان شُمولِ أحكام إلاهيّته تعالى لجميع المخلوقات وإحاطةِ علمِه بتفاصيلِ أحوال العباد وأعمالِهم المؤديةِ إلى الجزاء إثرَ الإشارةِ إلى تحقّق المعادِ في تضاعيفِ بـيانِ كيفية خلْقِهم وتقديرِ آجالِهم، وقوله تعالى: {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} متعلقٌ بالمعنى الوصفيِّ الذي يُنبىء عنه الاسم الجليل، إما باعتبار أصلِ اشتقاقِه وكونِه علماً للمعبودِ بالحق كأنه قيل: وهو المعبودُ فيهما، وإما باعتبار أنه اسمٌ اشتهر بما اشتهرَتْ به الذاتُ من صفات الكمال فلوحظ معه منها ما يقتضيه المقامُ من المالكية الكليةِ والتصرُّفِ الكامل حسبما تقتضيه المشيئةُ المبنيَّةُ على الحِكَم البالغة، فعُلّق به الظرفُ من تلك الحيثية فصار كأنه قيل: وهو المالكُ أو المتصرفُ المدبِّرُ فيهما كما في قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّماء إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ }تفسير : [الزخرف، الآية 84] وليس المراد بما ذُكر من الاعتبارَيْن أن الاسمَ الجليلَ يُحملُ على معناه اللغويِّ أو على معنى المالك أو المتصرِّف أو نحوِ ذلك، بل مجردُ ملاحظة أحدِ المعاني المذكورة في ضمنه كما لوحظ معَ اسْم الأسد في قوله: (أسدٌ عليَّ) الخ، ما اشتهرَ به من وصف الجَراءة التي اشتهر بها مُسمَّاه، فجَرى مَجرى جريءٌ عليَّ، وبهذا تبـين أن ما قيل ـ بصدد التصوير والتفسير أي هو المعروفُ بذلك في السموات وفي الأرض، أو هو المعروفُ المشتهرُ بالصفات الكمالية، بالإلٰهية فيهما أو نحوُ ذلك ـ بمعزلٍ من التحقيق، فإن المعتبرَ مع الاسم هو نفسُ الوصف الذي اشتهر به، إذ هو الذي يقتضيه المقامُ حسبما بـيّن آنفاً لاشتهاره به. ألا يُرى أن كلمة (عليّ) في المثال المذكور لا يمكن تعليقُها باشتهار الاسم بالجَراءة قطعاً، وقيل: هو متعلق بما يفيده التركيبُ الحَصْريُّ من التوحّد والتفرّد كأنه قيل: وهو المتوحِّدُ بالإلٰهية فيهما، وقيل: بما تقرر عند الكل من إطلاق هذا الاسم عليه خاصة كأنه قيل: وهو الذي يقال له: الله فيهما لا يُشرك به شيءٌ في هذا الاسم على الوجه الذي سبق، من اعتبار معنى التوحّد أو القول في فحوى الكلام بطريق الاستتباع، لا على حمل الاسم الجليل على معنى المتوحِّد بالإلٰهية، أو على تقدير القول. وقد جوَّز أن يكون الظرفُ خبراً ثانياً على أن كونَه سبحانه فيهما عبارةٌ عن كونه تعالى مبالِغاً في العلم بما فيهما بناءً على تنزيل علمِه المقدس ـ عن حصول الصور والأشباح لكونه حضورياً ـ منزلةَ كونِه تعالى فيهما، وتصويرُه به على طريقة التمثيل المبنيِّ على تشبـيه حالةِ علمه تعالى بما فيهما بحالة كونه تعالى فيهما، فإن العالَم إذا كان في مكانٍ كان عالِماً به وبما فيه على وجهٍ لا يخفى عليه منه شيء فعلى هذا يكون قولُه عز وجل. {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} أي ما أسرَرْتُموه وما جهرتم به من الأقوال أو ما أسررتموه وما أعلنتموه كائناً ما كان من الأقوال والأعمال بـياناً وتقريراً لمضمونه وتحقيقاً للمعنى المراد منه، وتعليقُ علمِه عز وجل بما ذُكر خاصةً مع شموله لجميع ما فيهما حسبما تفيدُه الجملةُ السابقة لانسياق النظمِ الكريم إلى بـيان حال المخاطبـين وكذا على الوجه الثاني فإن ملاحظةَ الاسم الجليلِ من حيث المالكيةُ الكلية والتصرفُ الكاملُ الجاري على النمط المذكور مستتبعةٌ لملاحظة علمِه المحيطِ حتماً، فيكونُ هذا بـياناً وتقريراً له بلا ريب، وأما على الأوجه الثلاثة الباقية فلا سبـيل إلى كونه بـياناً، لكن لا لما قيل من أنه لا دلالةَ لاستواء السرِّ والجهر في علمه تعالى على ما اعتُبر فيهما من المعبودية والاختصاص بهذا الاسم، إذ ربما يُعبد ويُختصّ به من ليس له كمالُ العلم فإنه باطل قطعاً، إذ المراد بما ذكره هو المعبوديةُ بالحق والاختصاصُ بالاسم الجليل، لا ريبَ في أنهما مما لا يتصور فيمن ليس له كمالُ العلم بديهةً، بل لأن ما ذُكر من العلم غيرُ معتبرٍ في مدلول شيءٍ من المعبودية بالحق والاختصاصِ بالاسم حتى يكونَ هذا بـياناً له، وبهذا تبـين أنه ليس ببـيانٍ على الوجه الثالث أيضاً، لما أن التوحدَ بالإلٰهية لا يُعتبر في مفهومه العلمَ الكاملَ ليكون هذا بـياناً له، بل هو معتبرٌ فيما صدَق عليه المتوحِّد وذلك غيرُ كاف في البـيانية. وقيل: هو خبر بعد خبر عند من يجوِّز كونَ الخبر الثاني جملةً كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ }تفسير : [طه، الآية 20] وقيل: هو الخبر، والاسمُ الجليل بدلٌ من (هو)، وبه يتعلق الظرف المتقدم، ويكفي في ذلك كونُ المعلوم فيهما كما في قولك: رميتُ الصيدَ في الحرَم، إذا كان هو فيه وأنت في خارجَه، ولعل جعْلَ سرهم وجهرهم فيهما لتوسيع الدائرة وتصويرِ أنه لا يعزُب عن علمه شيءٌ منهما في أي مكان كان، لا لأنهما قد يكونان في السموات أيضاً، وتعميمُ الخطاب لأهلها تعسُّفٌ لا يخفى. {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} أي ما تفعلونه لجلب نفعٍ أو دفعِ ضرٍّ من الأعمال المكتسَبةِ بالقلوب أو بالجوارح سراً أو علانية، وتخصيصُها بالذكر مع اندراجها فيما سبق على التفسير الثاني للسر والجهر لإظهار كمال الاعتناء بها، لأنها التي يتعلق بها الجزاءُ وهو السرُّ في إعادة يعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} [الآية: 3]. قال بعضهم: ما تضمرون فى سرائركم وما تجهرون به من دعواتكم.
القشيري
تفسير : وهو الذي هو معبودُ مَنْ في السماء، مقصود مَنْ في الأرض، وهو الموجود قبل كل سماءٍ وفضاء، وظلام وضياء، وشمس وقمر، وعين وأثر، وغيْر وغَبَر.
البقلي
تفسير : {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} اى يعلم لهيب نيران الاشتياق الى جماله فى صميم اسراركم وما يتعرض الى سبل عساكر تجلى القدم بنعت طلب الوصل اليها فى ضمائرهم ويعلم حركات اشباحكم بطيران ارواحكم فى الولد والهيمان والوجد والهيجان ويرى قطرات عبرات الشوق على دخومكم فى سجودكم بين يديه بوصف التضرع فى جبروته وتقلب القلوب فى ملكوته وايضا يعلم جولان ارواحكم فى السماء لطلب معادن الافراح ويعلم تقلب اشباحكم فى الارض لطلب الوسيلة الى المشاهدة الا ترى كيف اشارة الى ذلك بقوله وهو فى السموات والارض يعلم سركم وجهركم يريكم فى السموات مشاهدة الجبروت فى الارض مشاهدة الملكوت قال بعضهم يعلم ما يضمرون فى سرائرهم وما تجهرون به من دعواتكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو} اى الله تعالى مبتدأ خبره قوله {الله} باعتبار المعنى الوصفى اى المعبود ولذا تعلق به قوله {فى السموات وفى الأرض} والمعنى هو المعبود والمستحق للعبادة فيهما ولا يلزم من كونه تعالى معبودا فيهما كونه متحيزا فيهما فانه منزه عن الزمان والمكان ـ روى ـ ان امام الحرمين استاذ الامام الغزالى نزل ببعض الاكابر ضيفا فاجتمع عنده العلماء والاكابر فقام واحد من اهل المجلس فقال ما الدليل على تنزهه عن المكان وهو قال {أية : الرحمن على العرش استوى} تفسير : [طه: 5]. فقال الدليل عليه قول يونس فى بطن الحوت {أية : لا إله إلا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين} تفسير : [الأَنبياء: 87]. فتعجب منه الناظرون والتمس صاحب الضيافة بيانه فقال الامام ان ههنا فقيرا مديونا بالف درهم ادعته دينه حتى ابينه فقيل صاحب الضيافة دينه فقال ان رسول الله لما ذهب فى المعراج الى ما شاء الله من العلى قال هناك "حديث : لا أحصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك" تفسير : ولما ابتلى يونس عليه السلام بالظلمات فى قعر البحر ببطن الحوت قال {أية : لا إله إلا انت سبحانك انى كنت من الظالمين} تفسير : [الأَنبياء: 87]. فكل منهما خاطبه بقوله انت وهو خطاب الحضور ولو كان هو فى مكان لما صح ذلك فدل ذلك على انه ليس فى مكان {يعلم سركم وجهركم} خبر ثان اى ما اسررتموه وما جهرتم به من الاقوال {ويعلم ما تكسبون} اى ما تفعلون لجلب نفع او دفع ضر من الاعمال المكتسبة بالقلوب او بالجوارح سراً وعلانية فيجازيكم على كل ذلك ان خيرا فخير وان شرا فشر. وفى التأويلات النجمية {وهو الله فى السموات} اى فى سموات الوجود {وفى الارض} اى فى ارض النفوس {يعلم سركم} الذى اودع فيكم وهو سر الخلافة الذى اختص به الانسان لقبول الفيض الالهى {وجهركم} اى ما هو ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والاحوال النفسانية {ويعلم ما تكسبون} باستعمال الاستعداد السرى والجهرى فى المأمورات والمنهيات من الخير والشر وقد خص الانسان بهذا الكسب ايضا دون الملك والحيوان فان الملك لا يقدر ان يكتسب من الصفات الحيوانية شيئاً ولا الحيوان قادر على ان يكتسب من الصفات الملكية شيئاً والانسان متصرف فى هاتين الصفتين وله اكتساب التخلق باخلاق الله بالتقرب الى الله باداء ما افترض عليه والتزم النوافل واجتناب النواهى الى ان يصير من خير البرية وله ايضا ان يكتسب من الشر ما يصير به شر البرية انتهى. قال حسين الواعظ الكاشفى فى تفسيره الفارسى [در نقد النصوص فرموده كه انسان مر آتيست ذات وجهين در يك رويش خصائض ربوبيت ودرروى ديكر نقايص عبوديت جون خصائص نكرى ازهمه موجودات بزركوارتر وجون نقائص عبوديت شمارى ازهمه خوارتر وبمقدارتر شعر : جون درخودارزاوصاف توبابم اثرى حاشاكه بود نكوترازمن دكرى وآن دم كه فتد بحال خويشم نظرى درهمر دوجهان نباشد ازمن بترى تفسير : بس حق سبحانه وتعلى مى فرمايدركه من اسرار خصائص شما درتيه غيب ميدانم وآثار نقائص شما درعالم شهادت مى شناسم وديكر ميدانم آنجه شما ميكنيد ازعلاكه سبب ترقى باشدبر درجات انسانية ياموجب تنزل بدركات حيوانيه ودانستن اين داناى سالك را بران دارد كه باصلاح وتزكيه اعمال مشغول شده ازحيز استيفاء حظوظ حيوانى برذروه استئناس بانعيم روحانى متصاعد كردد] شعر : حيف باشد كه عمر انسانى جون بهايم بخواب وخور كذرد آدمى ميتواند از كوشش كه مقام فرشته در كذرد تفسير : انتهى قال شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة عند تأويل الحديث القدسى "حديث : سر الانسان سرى وسرى سره ". تفسير : يعنى سره ظاهر سرى وصورة سرى وسرى باطن سره وحقيقة سره ثم قال واعلم ان سر الانسان عبارة عن الحقيقة الانسانية الظاهرة على صورة الحقيقة الالهية كما قال عليه السلام "حديث : خلق الله آدم على صورته ". تفسير : ولما نزلت تلك الحقيقة الانسانية من مرتبة الغيب الى منزلة الشهادة وتجلى لها الحق سبحانه بجماله وجلاله اودع فى جانبها الشرقى نور جماله وجانبها الغربى ظلمة جلاله واقام فى الاول ملكا يهدى الى الحق وفى الثانى شيطانا يدعو الى الباطل والملك سادن قبضة الجمال ويد اللطف والشيطان خادم قبضة الجلال ويد القهر واذا اراد الحق ان يصرف تلك الحقيقة الانسانية الى الحق يأمر الملك ان يلهمها اياه فتراه بالنور الآلهى الجمالى الذى فاض من تجلى الجمال فتتبعه وتقبله وتكون روحا ما دام وتكون على الحق ثابتة ويصير قالبها الذى هو لوحه فى اثبات الحق قلبا ترتعى فى روضته ويتجلى لها الحق سبحانه بالتجليات الجمالية والالطاف الخالصة المورثة طمأنينتها وسكينتها وتكون على الاستسلام والطاعة والصبر والرضى وغير ذلك من الاخلاق الحميدة واما اذا اراد ان يصرفها الى الباطل فيخلى بينها وبين الشيطان فيلقنها اياه فلا تراه ولا تفهمه اى لا تعلم انه باطل يحجبها عن الحق لان الظلمة الحاصلة من تجلى الجلال تمنعها عن ذلك فلا تجتنبه بل تأخذه وتصير نفسا مظلمة بعد كونها روحا نورانيا فتجريه فى قالبها الذى هو محل لذلك ويكون ذلك القالب طبيعة مظلمة بعد كونه قلبا نورانيا فيتجلى الحق تعالى بالتجليات الجلالية والاحوال القهرية التى تورث الاضطراب وعدم الاستسلام فتكون على المخالفة والاعراض وتتصف بالاوصاف الذميمة بعد الاتصاف بالحميدة هكذا الى آخر الامر اذ ذلك سنته القديمة وعادته الازلية الى ما شاء الله تعالى فانه اذا اراد بعبده خيرا يفقهه فى الدين ويجذبه الى نفسه مما سواه ولا يسلط الشيطان عليه كما قال {أية : إن عبادى ليس لك عليهم سلطان} تفسير : [الحجر: 42]. بل للملائكة السادنة لقبضة الجمال عليهم سلطان بسلطانى عليهم واحكام القبضتين جارية فى العوالم فى االنفس والآفاق على ايدى سدنتهما الى تمام الامر والحكم فى التقلب للغالب انتهى كلام حضرة الشيخ قدس سره وهو الذى ما جاء مثله بعد الصدر القنوى والله اعلم الله اجعلنى من تابعيه حقيقة ومتبعيه شريعة وطريقة
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {هو}: مبتدأ، و {الله}: خبره. و {في السماوات}: خبر ثان، أي: وهو الله كائن أو موجود في السماوات وفي الأرض بنوره وعلمه. قال تعالى: {أية : اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }تفسير : [النور:35]. و {يعلم سركم وجهركم}: تقرير له. يقول الحقّ جلّ جلاله: هذا الذي اختص بالحمد وأبدع الكائنات كلها ـ {هو الله} ظاهر {في السماوات وفي الأرض} بنوره وقدرته وعلمه وإحاطته، فلا شريك معه {يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون} من خير أو شر، فيثيب عليه ويعاقب، ولعله أراد بالسر والجهر ما يظهر من أحوال النفس، وبالمكتسب أعمال الجوارح. فالآية الأولى دليل القدرة التي ختم بها السورة، والآية الثانية دليل البعث، والآية الثالثة دليل الوَحدة. الإشارة: قال بعض العارفين: الحق تعالى مُنزَّه عن الأّين والجهة، والكيف، والمادة، والصورة، ومع ذلك لا يخلو منه أين، ولا مكان، ولا كم، ولا كيف، ولا جسم، ولا جوهر، ولا عرض، لأنه للطفه سار في كل شيء، ولنوريته ظاهر في كل شيء، ولإطلاقه وإحاطته متكيف بكل كيف، غير متقيد بذلك، فمن لم يعرف هذا ولم يذقه ولم يشهده، فهو أعمى البصيرة، محروم من مشاهدة الحق تعالى. ولابن وفا: شعر : هُوَ الحَقُّ المُحُيطُ بِكُلِّ شيءٍ هُوَ الرحمَنُ ذُو العَرشِ المَجيدِ هَوَ المَشهُودُ في الأشهَادِ يَبدُو فَيُخفِيه الشهُودُ عَن الشِّهِيدِ هَوَ العَينُ العيَانُ لِكُلِّ غَيبٍ هُوَ المَقصُودُ مِن بَيتِ القَصِيدِ جَميعُ العَالِمَينَ له ظِلالٌ سُجُودٌ في القَريبِ وَفي البَعِيدِ وَهَذا القَدرُ في التَّحقِيقِ كافٍ فَكُفَّ النَّفسَ عَن طَلَبِ المَزيدِ تفسير : ثم ذم مَن أعرض عن دلائل توحيده، فقال: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ}.
الطوسي
تفسير : قوله {وهو الله في السماوات وفي الأرض} يحتمل معنيين: أحدهما - قال الزجاج والبلخي، وغيرهما: انه المعبود في السماوات والأرض، والمتفرد بالتدبير في السماوات وفي الارض، لان حلوله فيهما أو شيء منهما لا يجوز عليه. ولا يجوز أن تقول هو زيد في البيت، والدار، وأنت تريد أنه يدبرهما الا ان يكون في الكلام ما يدل على ان المراد به التدبير كقول القائل: فلان الخليفة في الشرق والغرب، لان المعنى في ذلك أنه المدبر فيهما. ويجوز ان يكون خبرا بعد خبر، كأنه قال: انه هو الله وهو في السماوات وفي الارض. ومثل ذلك قوله {أية : وهو الذي في السماء إِله وفي الأرض إِله} تفسير : والوجه الثاني - قال أبو علي: ان قوله {وهو الله} قد تم الكلام، وقوله {في السماوات وفي الأرض} يكون متعلقا بقوله {يعلم سركم وجهركم} في السماوات وفي الارض لأن الخلق إِما أن يكونوا ملائكة فهم في السماء أو البشر والجن، فهم في الارض، فهو تعالى عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه خافية، ويقويِّه قوله {ويعلم ما تكسبون} أي يعلم جميع ما تعملون من الخير والشر فيجازيكم على حسب أعمالكم، ولا يخفى عليه شيء منها، وفي ذلك غاية الزجر والتهديد. وفي الآية دلالة على فساد قول من قال: إِنه تعالى في مكان دون مكان تعالى الله عن ذلك.
الجنابذي
تفسير : {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} اعلم، انّ الله فيه معنى الآلهة والتّصرّف بل جميع الاضافات الممكنة من الخالق بالنّسبة الى المخلوق فانّه الاسم الجامع وامام ائمّة الاسماء فاعتبر فيه معنى الوصف ولذلك جاز تعلّق الظّرف به، وبيان اعراب الآية انّ لفظ هو مبتدء والله بدله او خبره وفى السّماوات ظرف لغو متعلّق بالله او بيعلم او ظرف مستقرّ خبر او خبر بعد خبر او حال، ويعلم الاتى خبر او خبر بعد خبر او حال مستأنف، وجملة هو الله عطف على جملة هو الّذى خلقكم او حال وبعدما علم معنى معيّته تعالى وقيّوميّته واحاطته بالاشياء يظهر معنى كونه آلهاً فى السّماء وفى الارض، وهذا ردّ على من اشرك معه غيره كبعض الثّنويّة القائل بانّ اهرمن او الظّلمة مخلوق الله لكنّه شريك له فى الايجاد والشّرور كلّها منسوبة اليه، وكجمهور الهنود القائلين بانّ الامور موكولة الى الملائكة ويسمّونهم باسماء، وكبعض الصّابئين القائل بانّ الكواكب مخلوقة لله لكنّها مدبّرة للعالم دون الله، وكبعض المشركين القائل بانّ العجل والوثن (وغيرهما) شفعاء عند الله ولها التّدبير والتّصرّف {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ} من السّجايا والنّيّات والعقائد وجملة المكمونات الّتى لم تظهر بعد فى وجودكم ولم تشعروا بها {وَجَهْرَكُمْ} من الاقوال والاحوال والالوان والاشكال والنّسب والاموال {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} لانفسكم من تبعة اعمالكم الّتى تعملونها بجوارحكم تقرير لآلهيّته ووعد ووعيد للمحسن والمسيء منهم.
اطفيش
تفسير : {وهو الله فى السَّموات وفى الأرْضِ} الضمير عائد إلى الله، على معنى العلمية، وخبره الله على معنى الوصفية، ولذا تعلق فى به أى وهو المعبود فى السموات وفى الأرض، أو هو المستحق للعبادة فى السموات وفى الأرض، أو وهو المسمى فى السموات وفى الأرض بإلهاً، ولا يجوز أن يتم الكلام عند قوله: "هو الله" ويعلق فى السموات بيعلم بعده، لأنه يكون الكلام بمنزلة قولك: الله الله باتحاد المبتدأ والخبر لفظاً ومعنى، بخلاف الوجه الأول، فإنهُ لو تكرر فيه تنزيلا لكن اللفظ الثانى وصف معنى بمعنى المعبود أو المستحق أو المسمى، وأما ما فى الوجه الثانى فكلاهما بمعنى الذات الواجب، اللهم إلا أن يؤل بقولك: الله من قد علمتم، أو الله هو العظيم المعروف، ففى هذا التأويل فالله خبر وقوله: {يعْلَمُ سرَّكم وجَهْركُم} خبر ثانٍ، ويجوز أن يكون الله بدلا من هو، وصح لوجود الاختلاف بالإظهار والإضمار، كوجوده بالأخوة، ولفظ زيد فى جاء زيد أخوك، وجملة يعلم خبر، وفى متعلقة بيعلم، وصح تعليقها به، لأن السر والجهر يعلمهما الله سبحانه هما فى السموات والأرض، فلا يمنع من ذلك كونه تعالى لا تحويه السموات والأرض ولا شئ من المخلوقات، وهذا كقولك: ألقيت المال فى الدار، وإنما ألقيته من خارج الدار، ولست فيها حال الإلقاء، وكقولك رميت طائراً على شجرة، وتعلق على برميت ولست حال الرمى عليها، والأولى فى مثل رميت طائراً على شجرة أن يكون على شجرة متعلقا بمحذوف نعت لطائر، أو لو جئ بطائر معرفة، أو خصص كان على شجرة متعلقاً بمحذوف حال منه، ولا يتعلق فى بسر لأنهُ مصدر لا يسبقه معموله، نعم أجازه بعض لأن المعمول ظرف، ولا سيما أنه ليس هنا على معنى انحلاله إلى فعل، وحرف الموصول فصلا عن أن يقال: يلزم تقديم معمول الصلة على الموصول، ولا يتعلق بجهر لذلك على ما ذكرت فيه، لكن فيه مانع آخر وهو العاطف، ومعمول المعطوف لا يسبق العاطف. ويجوز أن يكون الله بدلا، وفى السموات خبر، ويعلم خبر ثان مفسر للاستقرار، فإن كون الله فى السموات وفى الأرض بمعنى علمه فيهما، فإن علمه سرنا وجهرنا وكسبنا، يفهم منه علمه سر ما فى السموات وجهره فهم مساواة تحقيقاً، وفهم أولوية نظراً لبادئ الرأى، ثم والله رأيت بلا مطالعة أن القاضى قال: يعلم سركم وجهركم بيان وتقرير للاستقرار الذى فى قوله فى السموات، إذا جعل فى السموات خبراً، وزاد أنه قال: إن الله تعالى لكمال علمه بما فى السموات والأرض كأنه فيهما، وبالجملة فإن الله وله الحمد أولاً وآخراً، ظاهراً باطناً، فتح لى فى هذا التفسير فتحاً ظاهراً واسعاً، وأرجو من الله الرحمن الرحيم القبول، ومن الجملة ما فتح لى فيه، وله الحمد على كل حال، أنه إذا أخطأ قلبى أو نسيت شيئا وفق بصرى أن يقع عليه بلا قصد منى إليه، ولا قصد درس، ولا قصد تصحيح فأصلحه، والسر ما فى القلب أو ترك به اللسان ولم تسمعه أذن صاحب اللسان ولا غيره، ولم يمكن سمعه، والجهر ما نطلق به اللسان قدر ما تسمعه أذنه أو غيره، ولو لم يكن معه إنسان آخر وسركم ما قصدتم إخفاؤه من كلام أو فعل، ولو اجتمع عليه اثنان أو أكثر، والجهر ما لم يقصد إخفاؤه. قال الحسن: اجتمع أربعة أملاك فى وسط الأرض، فقال أحدهم: جئت من السماء السابعة من عند ربى، وقال أحدهم: جئت من الأرض السابعة من عند ربى، وقال أحدهم: جئت من المشرق من عند ربى، وقال أحدهم: جئت من المغرب من عند ربى، يعنون والله معنا أيضا هنا وفى كل مكان بلا حلول ولا احتواء، ثم هو الأول إلى عليم. {ويعْلَم ما تكْسِبُون}: من خير أو شر فيجازيكم عليه، ولا تكرر لهذا مع السر والجهر، لأن السر والجهر بالمعنى المصدر، أى يعلم أنك أسررت وأنك أجهرت، ويعلم ما أسررته وما أجهرت به، وهما ما كسبت أو السر والجهر فى النطق، وما تكسبون فى الفعل والترك على عمومه بحيث يشمل النطق، فيكون ذكر العام بعد الخاص، أو السر والجهر ما يخفى وما يظهر من أحوال الناس، وما تكسبون أعمال الجوارح قاله القاضى، وما موصول اسمى أو حرفى بحسب ما يصلح له من التأويل بأوجهه، فإن القول مثلا تضيفه للسر أو الجهر باعتبار إظهاره وعدم إظهاره، وتصفه بأنه كسب باعتبار أنه عمل يجلب شراً أو خيراً، ويجوز أن يراد بالجهر والسر ما يعم القول والفعل، وبما تكسبون ما يترتب على العمل المجهور به أو السر من ثواب وعقاب فما موصولة اسمية لا حرفية.
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ} أَى الله بمعنى واجب الوجود، أَو الشأْن فتكون الجملة بعد خبره {اللهُ} أَى المعبود، ولتضمنه معنى المعبود علق به قوله {فى السَّمَاوَاتِ وَفِى الأَرْضِ} وذلك نظرا إِلى أَصل لفظ الجلالة فى الاشتقاق فيجوز أَن يتعلق به أَيضا اعتبارا لمعنى العلو أَو التحير إِليه، أَى العالى الشأْن فيهما، أَو المتحير إِليه فيهما، أَو باعتبار معنى المالك أَو المتصرف أَو نحو ذلك، أَو تعلق به لملاحظة أَحد تلك المعانى بلا نظر إِلى اشتقاق، فصلح التعلق، ولو على القول بعدم الاشتقاق، كما علق بأسد لملاحظة معنى الشجاع بلا اشتقاق فى لفظ أَسد، أَو عبر عن علمه بما فيهما بكونه فيهما، تعالى عن الكن، ويضعف تقدير وهو الله المعبود أَو المدبر فى السماوات وفى الأرض لقلة حذف النعت، ويضعف تعليقه بسركم لضعف تقدم معمول المصدر ولو ظرفا، إِلا أَنه يسهله أَن هذا المصدر ليس منحلا إِلى حرف المصدر والفعل مع أن المعمول ظرف، ويضعف التعليق بيعلم من قوله {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} لأَنه يوهم استقراره فيهما حاشاه، وكون المعمول فيهما لا يسيغ هذا التعليق كما قيل، وأما قولك: رميت الصيد فى الحرم إِذا رميته وأنت فى غير الحرم فأَساغه أَن الرمى صادفه فى الحرم، أَو فى الحرم حال من الصيد، والسر أفعال القلوب، والجهر أَفعال الجوارح {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} يعلم نفس المكسوب من طاعة أَو معصية، ومن ثواب أَو من عقاب فيجازيكم، أَو السر والجهر ما قد يخفى وقد يظهر، وما تكسبون أَفعال الجوارح، ودخل فى الكسب الترك لوجه الله عز وجل كترك المعصية لوجه الله سبحانه وتعالى.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ ٱللَّهُ } جملة من مبتدأ عائد إليه سبحانه كما قال الجمهور وخبر معطوفه على ما قبلها مسوقة لبيان شمول أحكام إلهيته لجميع المخلوقات وإحاطة علمه بتفاصيل أحوال العباد وأعمالهم المؤدية إلى الجزاء إثر الإشارة إلى تحقق المعاد في تضاعيف ما تقدم، والحمل ظاهر الفائدة إذا اعتبر ما يأتي وإلا فهو على حد: شعر : أنا أبو النجم وشعري شعري تفسير : وقوله تعالى: {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَفِى ٱلأَرْضِ} متعلق ـ على ما قيل ـ بالمعنى الوصفي الذي تضمنه الاسم الجليل كما في قولك: هو حاتم في طيىء على معنى الجواد. والمعنى الذي يعتبر هنا يجوز أن يكون هو المأخوذ من أصل اشتقاق الاسم الكريم أعني المعبود أو ما اشتهر به الاسم من صفات الكمال إلا أنه يلاحظ في هذا المقام ما يقتضيه منها أو ما يدل عليه التركيب الحصري لتعريف طرفي الإسناد فيه من التوحيد والتفرد بالألوهية أو ما تقرر عند الكل من إطلاق هذا الاسم عليه تعالى خاصة فكأنه قيل: وهو المعبود فيهما أو وهو المالك والمتصرف المدبر فيهما حسبما يقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة أو وهو المتوحد بالألوهية فيهما أو وهو الذي يقال له: الله فيهما لا يشرك به شيء في هذا الاسم، ومعنى ذلك مجرد ملاحظة أحد المعاني المذكورة في ضمن ذلك الاسم الجليل ويكفي مثل ذلك في تعلق الجار لا أنه يحمل لفظ الله على معناه اللغوي أو على نحو المالك والمتصرف أو المتوحد أو يقدر القول، وعلى كل تقدير يندفع ما يقال: إن الظرف لا يتعلق باسم الله تعالى لجموده ولا بكائن لأنه حيئنذ يكون ظرفاً لله تعالى وهو سبحانه وتعالى منزه عن المكان والزمان. ومن الناس من جوز تعلقه بكائن على أنه خبر بعد خبر والكلام حينئذ من التشبيه البليغ أو كناية على رأي من لم يشترط جواز المعنى الأصلي أو استعارة تمثيلية بأن شبهت الحالة التي حصلت من إحاطة علمه سبحانه وتعالى بالسماوات والأرض وبما فيهما بحالة بصير تمكن في مكان ينظره وما فيه والجامع بينهما حضور ذلك عنده. وجوز أن يكون مجازاً مرسلاً باستعماله في لازم معناه وهو ظاهر، وأن يكون استعارة بالكناية بأن شبه عز اسمه بمن تمكن في مكان وأثبت له من لوازمه وهو علمه به وبما فيه، وليس هذا من التشبيه المحظور في شيء. وعليه يكون قوله تعالى: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} أي ما أسررتموه وما جهرتم به من الأقوال أو منها ومن / الأفعال بياناً للمراد وتوكيداً لمن يفهم من الكلام. وتعليق علمه سبحانه بما ذكر خاصة مع شموله لجميع من في السمٰوات وصاحبتها لانسياق النظم الكريم إلى بيان حال المخاطبين وكذا يعتبر بياناً على تقدير اعتبار ما اشتهر به الاسم الجليل من صفات الكمال عند تعلق الجار على ما علمت فإن ملاحظته من حيث المالكية الكاملة والتصرف الكامل حسبما تقدم مستتبعة لملاحظة علمه تعالى المحيط حتماً. وعلى التقادير الأخر لا مساغ كما قيل لجعله بياناً لأن ما ذكر من العلم غير معتبر في مفهوم شيء من المعبودية واختصاص إطلاق الاسم عليه تعالى، وكذا مفهوم المتوحد بالألوهية فكيف يكون هذا بياناً لذلك. واعتبار العلم فيما صدق عليه المتوحد غير كاف في البيانية، وقيل في بيانها على تقدير اعتبار المتوحد بالألوهية: إن حصر الألوهية بمعنى تدبير الخلق، ومن تفرد بتدبير جميع أمور أحد لزمه معرفة جميعها حتى يتم له تدبيرها فملاحظة المتوحد بالألوهية مستتبعة لملاحظة علمه تعالى المحيط على طرز ما تقرر في ملاحظة اسمه عز اسمه من حيث المالكية الكاملة والتصرف الكامل على الوجه المتقدم. ومن هذا يعلم اندفاع ما أورد على احتمال تعلق الجار السابق باعتبار ملاحظة المتوحد بالألوهية من أن التوحيد بها أمر لا تعلق له بمكان فلا معنى لجعله متعلقاً بمكان فضلاً عن جميع الأمكنة فإن تدبير الخلق مما يتعلق بما في حيز الجار من الحيز، وكذا بما فيه. وتعقب ذلك بمنع تفسير الألوهية بما ذكر؛ ولعل الجملة على هاتيك التقادير خبر ثالث، وقد جوز غير واحد الإخبار بالجملة بعد الإخبار بالمفرد، وبعضهم جعلها كذلك مطلقاً، والقرينة على إرادة المراد من الجملة الظرفية حينئذ عقلية، وهي أن كل أحد يعلم أنه تقدس وتعالى منزه عما يقتضيه الظاهر من المكان، وذلك كما في قوله تعالى: { أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } تفسير : [الحديد: 4] إذ لم يردف بما يبينه، وجوز أن تكون كلاماً مبتدأ وهو استئناف نحوي. ورجحه غير واحد لخلوه عن التكلف أو استئناف بياني ويتكلف له تقدير سؤال، وقيل: إن الجملة هي خبر {هُوَ} والاسم الجليل بدل منه والظرف متعلق بيعلم. ويكفي في ذلك كون المعلوم فيما ذكر ولا يتوقف على كون العالم فيه ليلزم تحيزه سبحانه وتعالى المحال. وهذا ـ ما قيل ـ كقولك: رميت الصيد في الحرم فإنه صادق إذا كنت خارجه والصيد فيه. ونقل بعض المدققين عن الإمام التمرتاشي في الأيمان إذا ذكر ظرف بعد فعل له فاعل كما إذا قلت: إذا ضربت في الدار أو في المسجد فإن كان معاً فيه فالأمر ظاهر وإن كان الفاعل فيه دون المفعول أو بالعكس فإن كان الفعل مما يظهر أثره في المفعول كالضرب والقتل والجرح فالمعتبر كون المفعول فيه وإن كان مما لا يظهر أثره فيه كالشتم فالمعتبر كون الفاعل فيه فلذا قال بعض الفقهاء: لو قال إن شتمته في المسجد أو رميت إليه فكذا فشرط حنثه كون الفاعل فيه. وإن قال: إن ضربته في المسجد أو جرحته أو قتلته أو رميته فكذا فشرطه كون المفعول فيه. وفرق بين الرميين المتعدي بإلى والمتعدي بنفسه بأن الأول: إرسال السهم من القوس بنية وذلك مما لا يظهر له أثر في المحل ولا يتوقف على وصول فعل الفاعل. والثاني: إرسال السهم أو ما يضاهيه على وجه يصل إلى المرمى إليه فيؤثر فيه ولذا عد كل منهما في قبيل. وعلى هذا يشكل ما نحن فيه لأن العلم لا يظهر له أثر في المعلوم فيلزم أن يكون الكلام من قبيل شتمته في المسجد ويجيء المحال وكون العلم هنا مجازاً عن المجازاة وهي مما يظهر أثرها في المفعول فيكون الكلام من قبيل إن ضربته في المسجد ويكفي كون المفعول فيه دون الفاعل في القلب منه شيء على أن كون المفعول هنا أعني سر المخاطبين وجهرهم في السمٰوات مما لا وجه له. / والقول بأن المعنى حينئذ يعلم نفوسكم المفارقة الكائنة في السمٰوات ونفوسكم المقارنة لأبدانكم الكائنة في الأرض تعسف وخروج عن الظاهر على أن الخطاب حينئذ يكون للمؤمنين وقد كان فيما قبل للكافرين فتفوت المناسبة والارتباط، ومثله القول بتعميم الخطاب بحيث يشمل الملائكة وظاهر أن سرهم وجهرهم في السمٰوات. وأجيب بأنه يمكن أن يكون جعل سر المخاطبين وجهرهم فيها لتوسيع الدائرة وتصوير أنه سبحانه وتعالى لا يعزب عن علمه شيء في أي مكان كان لا أنهما يكونان في السمٰوات أيضاً، وقيل: المراد بالسر ما كتم عنهم من عجائب الملك وأسرار الملكوت مما لم يطلعوا عليه وبالجهر ما ظهر لهم من السمٰوات والأرض. وإضافة السر والجهر إلى ضمير المخاطبين مجازية وليس بشيء كما لا يخفى. وجوز بعضهم أن يكون الجار متعلقاً بالمصدر على سبيل التنازع، واعترض بأن معمول المصدر لا يتقدم عليه. ويلزم أيضاً التنازع مع تقدم المعمول. وأجيب بأن منهم من يجوز التنازع مع تقدم المعمول ومن يقول: بجواز تقديم الظرف على المصدر لتوسعهم فيه ما لم يتوسع في غيره، ونقل عن ابن هشام أنه قال: إنما يمتنع تقدم متعلق المصدر إذا قدر بحرف مصدري وفعل وهذا ليس كذلك فليس مما منعوه، وقال مولانا صدر الدين: يرد على منع تعلق الجار بالمصدر المتأخر تعلقه بإلٰه في قوله تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّماء إِلَـٰهٌ } تفسير : [الزخرف: 84] مع أن إلٰهاً مصدر وصرح بتعلقه به غير واحد فإن أول بالصفة مثل المعبود فليؤول السر والجهر بالخفي والظاهر. وعن أبـي علي الفارسي أنه جعل {هُوَ} ضمير الشأن و {ٱللَّهِ} مبتدأ خبره ما بعده والجملة خبر عن ضمير الشأن أي الشأن والقصة ذلك. {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} أي ما تفعلونه لجلب نفع أو دفع ضر من الأعمال المكتسبة بالقلوب والجوارح سراً وعلانية. وتخصيص ذلك بالذكر مع اندراجه فيما تقدم على تقدير تعميم السر والجهر لإظهار كمال الاعتناء به لأنه مدار فلك الجزاء وهو السر في إعادة {يَعْلَمْ}. ومن الناس من غاير بين المتعاطفين بجعل العلم هنا عبارة عن جزائه وإبقائه على معناه المتبادر فيما تقدم. وتفسير المكتسب بجزاء الأعمال من المثوبات والعقوبات غير ظاهر. وكذا حمل السر والجهر على ما وقع والمكتسب على ما لم يقع بعد.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله {أية : هو الذي خلقكم من طين} تفسير : [الأنعام: 2] أي، خلقكم ولم يهمل مراقبتكم، فهو يعلم أحوالكم كلّها. فالضمير مبتدأ عائد إلى اسم الجلالة من قوله {الحمد لله} وليس ضمير فصل إذ لا يقع ضمير الفصل بعد حرف العطف. وقوله: {الله} خبر عن المبتدأ. وإذ كان المبتدأ ضميراً عائداً إلى اسم الله لم يكن المقصود الإخبار بأنّ هذا الذي خلق وقضى هو الله إذ قد علم ذلك من معاد الضمائر، فتعيّن أن يكون المقصود من الإخبار عنه بأنّه الله معنى يفيده المقام، وذلك هو أن يكون كالنتيجة للأخبار الماضية ابتداء من قوله: {أية : الحمد لله الذي خلق} تفسير : [الأنعام: 1] فنبّه على فساد اعتقاد الذين أثبتوا الإلٰهية لغير الله وحمدوا آلهتهم بأنّه خالق الأكوان وخالق الإنسان ومعيده، ثم أعْلن أنّه المنفرد بالإلٰهية في السماوات وفي الأرض؛ إذ لا خالق غيره كما تقرّر آنفاً، وإذ هو عالم السرّ والجهر، وغيرُه لا إحساس له فضلاً عن العقل فضلاً عن أن يكون عالماً. ولمّا كان اسم الجلالة معروفاً عندهم لا يلتبس بغيره صار قوله: {وهو الله} في معنى الموصوف بهذه الصفات هو صاحب هذا الاسم لا غيره. وقوله: {في السماوات وفي الأرض} متعلّق بالكون المستفاد من جملة القصر، أو بما في {أية : الحمد لله}تفسير : [الأنعام: 1] من معنى الإنفراد بالإلٰهية، كما يقول من يذكر جواداً ثم يقول: هو حاتم في العرب، وهذا لقصد التنصيص على أنّه لا يشاركه أحد في صفاته في الكائنات كلّها. وقوله: {يعلم سرّكم وجهركم} جملة مقرّرة لمعنى جملة {وهو الله} ولذلك فصلت، لأنّها تتنزّل منا منزلة التوكي لأنّ انفراده بالإلٰهيّة في السماوات وفي الأرض ممّا يقتضي علمه بأحوال بعض الموجودات الأرضية. ولا يجوز تعليق {في السماوات وفي الأرض} بالفعل في قوله: {يعلم سرّكم} لأنّ سرّ النّاس وجهرهم وكسبهم حاصل في الأرض خاصّة دون السماوات، فمن قدّر ذلك فقد أخطأ خطأ خفيّاً. وذكر السرّ لأنّ علم السرّ دليل عموم العلم، وذكر الجهر لاستيعاب نوعي الأقوال. والمراد بـ{تكسبون} جميع الاعتقادات والأعمال من خير وشر فهو تعريض بالوعد والوعيد. والخطاب لجميع السامعين؛ فدخل فيه الكافِرون، وهم المقصود الأول من هذا الخطاب، لأنّه تعليم وإيقاظ بالنسبة إليهم وتذكير بالنسبة إلى المؤمنين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (3) - وَهُوَ اللهُ الذِي يَعْبُدُهُ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَيَدِينُونَ لَهُ الالُوهِيَّةِ، رَغَباً وَرَهَباً، وَلا يَشُذُّ عَنْ ذلِكَ إِلاَّ مَنْ كَفَرَ مِنَ الإِنْسِ وَالجِنِّ، وَهُوَ تَعَالى يَعْلَمُ مَا يُسِرُّ الخَلْقُ وَمَا يُعْلِنُونَ، وَيَعْلَمُ جَمِيعَ مَا يَعْمَلُهُ الخَلْقُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍ، وَهُوَ يُحْصِيهِ عَلَيْهِمْ لِيُجَازِيَهُمْ عَلَيهِ يَوْمَ الحِسَابِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والله هو علم على واجب الوجود، وهو الاسم الذي اختاره الله لنفسه شاملاً لكل صفات الكمال، والصفات الأخرى نحن نسميها الأسماء الحسنى: مثل القادر، والسميع، والبصير، والحي، والقيوم، والقهار، كلها صفات صارت أسماء لأنها مطلقة بالنسبة لله. وهذه الصفات حين تنصرف على إطلاقها فهي الله، ومن الجائز أن تضاف في نسبتها الحادثة إلى غير الله. أما اسم "الله" فلا يطلق إلا على الحق سبحانه وتعالى. ويتحدى الله الكافرين به أن يسمي أحدهم أي شيء غيره بـ "الله". {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} تفسير : [مريم: 65]. وسمع الكافرون ذلك ولم يجرؤ أحدهم أن يسمي أي شيء باسم "الله". وهو لون من التحدي باقٍ إلى قيام الساعة ولا يجرؤ أحد أن يقول عكسه أو أن يقبله فيسمي شيئاً أو كائناً غير الله بـ "الله". ولا نعرف شيئاً وجد بذاته أزلا وقبل أن يوجد الكون إلا الله، أما أتفه الأشياء في حياتنا والتي نعتبرها من غير الأساسيات فهي لا توجد بذاته بل لا بد من صانع لها. فكوب الماء مثلاً لا يؤدي ضرورة قصوى في الحياة؛ لأن الإنسان يستطيع أن يشرب الماء بكفه أو بفمه مباشرة، هذا الكوب احتاج من الإنسان إلى علم وإمكانات وقدرة وحكمة. وجاء العلم للإنسان بما وهبه الله للإنسان من قدرة بحث عن المادة التي في الكون، فنظر الإنسان إلى الرمل واكتشف وسيلة لصهر الرمال، واكتشف وسيلة لتنقية الزجاج بمواد كيماوية، واكتشف أسلوباً آلياً لإنتاج هذه الأكواب. لقد أخذت رحلة صناعة الكوب من الإنسان رحلات علمية وصناعة كبيرة، وهو غير ضروري كضرورة قصوى في الحياة، إنما هو من الترف، فما بالنا بالضروريات من شمس، وقمر وهواء وماء؟ هذه الأشياء - إذن - لا بد لها من صانع وإذا كان صانع أتفه شيء في حياة الإنسانية يذهب إلى إدارة لتسجيل اختراعه؛ ليستفيد منها، فما بالنا بالذي صنع كل شيء، ولم يصنعها ليستفيد منها ولكن ليستفيد خلقه منها. إن البشرية تعرف من صنع المصباح وتاريخه، وأين ولد، وأين عاش، وأين تعلم. فما بالنا بالذي صنع الشمس والنجوم والأرض والإنسان؟ ورحمنا الحق فدل على نفسه وأخبرنا أنه سبحانه الذي خلق. ولم يأت أحد ليعارضه سبحانه ويدعي صناعة الكون، وما دام لا يوجد شيء له أثر إلا بمؤثر، فلا بد لنا أن نعرف أنه سبحانه ما دام قد قال: إنه هو الذي خلق وأبدع ولم تنشأ معارضة له فإن قوله هو الصدق. وإن كان هناك صانع للكون ولم يعلم أن الله قد أخبرنا أنه سبحانه الذي خلق الكون فذلك الصانع النائم التائه عما صنع لا يصلح أن يكون إلهاً. وإن كان قد علم أن الله أخبرنا أنه سبحانه خلق لنا الكون ولم يجرؤ هذا الصانع على أن يبلغنا بالحقيقة فهذا - الصانع المدعي - ليس له حق في الألوهية. أما الحق سبحانه، فقد أعلمنا وعلمنا بالدليل القطعي أنه الذي خلق الكون، وما دام الأمر كذلك فيجب أن نستمع له، والترجمة العملية لسماع الحق هي عبادته وطاعته فيما أمر وفيما نهى، بل إن عالم الملكوت الذي لا ترونه يعبده سبحانه. وكل شيء في الوجود مؤتمر بأمره ويسبح بحمده. {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} تفسير : [الإسراء: 44]. وتدل السمٰوات السبع والأرض وكل من فيهن من مخلوقات على دقة الصنعة وعلى ملكية الله لها وتنزهه سبحانه وتقدسه بأنه لا شريك له، وكل شيء له وسيلة للتسبيح والتنزيه، ولكنا لا نرى ذلك ولا نفهمه ولا نفقهه. ويبلغنا الحق هنا أنه المعبود الموجود في كل الوجود. {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} وما دام معبوداً فينبغي أن يكون مطاعاً في الأوامر والنواهي. ولكن بعضنا يطيع، وبعضنا يعصي. ولذلك رتب الحق على الطاعة جزاء؛: إما نعيماً وإما عقاباً. وهناك فارق بين وجود الشيء وإدراك الشيء، وإياك أن تخلط بين إدراك الوجود، والوجود، فالذي لا تدرك وجوده إياك أن تقول إنه غير موجود. ومثال ذلك ما نراه على مر تاريخ البشرية. لقد ترك الخالق في الوجود أسراراً يستنبطونها فتبرز لهم بالمنافع وكانت قبل أن يعرفها البشر ويقفوا عليها تؤدي مهمتها في الوجود، ومثال ذلك الجاذبية الأرضية؛ لقد كانت موجودة قبل اكتشاف الإنسان لها وتؤدي عملها قبل أن يعرفها الإنسان، وجاء ذكرها في القرآن بشكل لا يثير بلبلة ساعة نزل القرآن: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} تفسير : [فاطر: 41]. أوجد الحق قوانين الجاذبية لتمارس السمٰوات والأرض أعمالها ويحفظهما بقدرته من الزوال، وجعل من الجاذبية نظاماً بديعاً يحفظ الكون من الاختلال. إذن فالجاذبية كانت موجودة، ولم يعرفها الإنسان إلا مؤخراً، وهكذا نعرف أن هناك فارقاً بين وجود الشيء وبين إدراك الشيء. فإذا قيل لك: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]. فأنت أيها المؤمن تصدق ذلك؛ فذات الحق لا تبصرها العيون وهو يعلم كل ما هو خفي عنك ولا تدركه عيونك. وفي الكون أشياء قد لا ندركها على الرغم من أنه سبحانه وتعالى خلقها وعملت في خدمتك، وبعد أن أدركتها ظلت تعمل في خدمتك، فإن حدثك الحق بشيء لا تدركه فلا تقل: ما دام هذا الشيء غير مدرك فهو غير موجود. وعلى سبيل المثال أنت لا تدرك الكهرباء، ولا الجاذبية، ولا قمة أسرار الحياة وهي الروح التي تعطيك سر الحياة، وتنفعل بها كل جوارحك، وإن خرجت الروح صرت جثة هامدة، إن أحداً لا يعرف مكان الروح ولا يدركها، ولا سمعها أحد أو شمها أو ذاقها أو لمسها. إن الروح موجودة في ذاتك ولا تدركها، هأنتذا - إذن - لا تستطيع أن تدرك مخلوقاً لله فكيف تدرك خالقك وهو الله؟ إنك لو أدركته لما صار إلهاً؛ لأنك إن أدركت شيئاً فقد قدرت عليه جوارحك، ويصير مقدوراً عليه لعينك أو ليدك، والقادر المطلق لا ينقلب مقدوراً أبداً، ومن عظمته أنه لا يُدرك. مثال آخر: الرؤيا التي تراها وتتحرك فيها. هل الرؤيا موجودة في جسمك؟ أو ماذا؟ والحِلْم وهو الصبر على غيرك لأن تتحمله وتعطف عليه وتضحك له، هذا الحلم يجعلك تنفعل، فهل تدرك أنت هذا الحلم؟ أنه معنى من بعض المعاني في نفسك التي تحرك جوارحك ولا تدركها، مثله مثل الشجاعة التي تصول بها وتجول ولا تراها محيزة، ولا تعرف شكلها أو لونها أو طعمها، فالأعلى الذي يدير هذا الكون غير مدرَك بالأبصار. والذي يُتعب الناس أنهم يحاولون الجمع بين الإدراك والوجود، ولذلك نقول: ابحث أيها الإنسان في كونك ولسوف تجد فارقاً بين الإدراك والوجود. ونعلم أن اسم الله نفسه وهو لفظ ننطقه لنفهم ونستدل به على أنه الخالق الأعلى وهو متحدًى به. وأنت أيها الإنسان قد اخترعت - على سبيل المثال - التليفزيون وكان من قبل أن يوجد معدوماً لا اسم له، وصار له اسم منذ أن أوجده الإنسان، صالحاً لمهمة معينة، أما اسم الله فهو موجود وقديم من قبلك وأخبرك به الرسل، وهو سبحانه وتعالى له اسم في كل لغة من اللغات، ووجود هذا الاسم في كل اللغات بنطق مختلف هو دليل على أسبقية وجود الذات وهو الله. وبعد ذلك جاء الكفر، وعرفنا أن الكفر كان محاولة لستر الوجود الأول، وبذلك دلت كلمة الكفر على الإيمان. والذي يرهق الإنسان هو محاولته لحصر الموجود الأعلى في شكل طبقاً لإمكانات وحدود البشر. ولا أحد يستطيع أن يحصر وجوده سبحانه في شكل معين؛ لأن من عظمته أننا لا نقدر على تصوره، والإيمان به سبحانه يدل عليه وهو يقول عن نفسه ما شاء. وأحب أن تحفظوا هذا المثل وتضربوه لصغاركم: لنفترض أن إنساناً يجلس مع أسرته في حجرة، ثم طُرق الباب، وكل من يجلس في الحجرة يتيقن أن طارقاً بالباب ولا يختلف أحد منهم في هذه المسألة. فيقول أحد الأبناء: "الطارق محمد" ويقول الثاني: "إنه محمود" ويقول الثالث: "لا، إنه إبراهيم" فتقول الزوجة: "إن الطارق امرأة"، لكن أحد الأبناء يقول: "لا، إنه رجل" فيقول الأب: "لعله شرطي جاء يسألني عن أمر" ترد الزوجة: "توقع خيراً، إنك تصنع كل خير ولا بد أن يأتي لك كل طارق بخير". هنا اختلفت الأسرة لا في تعقل الطارق، ولكن في تصور الطارق، يقول الأب: "بدلا من الحيرة لنسألة من أنت؟"، فيجيب الطارق: "أنا فلان". وهكذا الكون، طرأ الإنسان عليه وتساءل من الذي خلقه. ذلك أن الإنسان جاءته الغفلة بعد أن عرف آدم ربه وبعد أن أشهد الحق ذرية آدم أنه ربهم. ثم أرسل الحق الرسل ليبلغوا الخلق منهجه واسمه وصفاته. وأراد سبحانه بذلك ألا يرهق خلقه، وأبلغ الناس من خلال الرسل أنه الخالق الأكرم. وآفة الفلاسفة أنهم لم يكتفوا بتعقل الإله، بل أرادوا أن يتصوروه، وهذا أمر غير ممكن. لذلك نقول: علينا أن نستمع إلى الحق يقول ما شاء عن نفسه ولا داعي للخلاف. وسبحانه وتعالى يقول: {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} وإياك أيها المسلم أن تفهم أن السماء والأرض هنا ظرفية، لأن الظرفية وعاء وحيز، وإذا كنت لم تعلم مكان روحك في جسدك، فكيف تعلم مكان الله؟ لقد قصد الله بذلك القول أنه معبود في السموات ومعبود في الأرض. ولنلحظ أن بعض آيات القرآن توقف الذهن عندها كي تظل الأذهان دائماً مشغولة بكلمات الله، ولو جاء القرآن بكلمات يسهل على الفهم العادي إدراك معانيها لما تجددت معاني الكتاب العظيم في كل زمان، وكأن الحق قد قصد ذلك حتى يثبت الناس في كل العصور من إيمانهم. وها هم أولاء بعض من الذين يحاولون الخوض في القرآن تساءلوا عن معنى قوله الحق: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [الزخرف: 84]. تساءلوا عن معنى التكرار أنه إله في السموات وإله في الأرض. وظن بعض السطحيين أنه قصد القول بأن هناك إلهاً في السمٰوات وإلهاً آخر في الأرض، ولم يفطنوا إلى أن المعنى المقصود هو: إنه إله يعبد في السماء ويعبد في الأرض، وهو صاحب الحكمة المطلقة في كل أفعاله وهو المحيط بكل كونه. وأن الحق إنما يريد بهذا القول أن يشغل الأذهان به. ونقول أيضاً لهولاء الذين لم يفهموا المعنى: هناك قاعدة في اللغة تحدد النكرة وتحدد المعرفة؛ فعندما نقول: "جاءني الرجل" فهذا الرجل يكون معروفاً للقائل والسامع. ولكن عندما نقول: "جاءني رجل" فهذا غير معروف للسامع وقد يكون معروفاً للقائل. وإذا قلنا: "جاءني رجل وأكرمت رجلاً" فمعنى ذلك أن القائل يتحدث عن رجلين؛ أحدهما جاء، والآخر كان موضع التكريم. أما إن قال القائل: "جاءني رجل فأكرمت الرجل" فالحديث هنا عن رجل واحد. إذن فالنكرة إن أعيدت نكرة تكون مختلفة، والنكرة إن أعيدت معرفة تكون هي بعينها. وعندما قال الحق سبحانه: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} تفسير : [الزخرف: 84]. تصور البعض أن "إله" نكرة، عندما أعيدت صارت غيرها، ولو كان الأمر كذلك لفسدت الدنيا. ولكن القاعدة الغالبة من العلماء عرفوا روح النص. وقال أهل العلم بالتوحيد: لا بد لنا أن نلتفت إلى أنه سبحانه قال: {وَهُوَ ٱلَّذِي}، وكلمة "الذي" اسم موصول واحد يدلنا على أن الحق صلته بالسماء وبالأرض واحدة، ولهذا نقول لمن وقفوا عند هذه الآية: لا تبحثوا عن النكرة المكررة بمعزل عن الاسم الموصول، لأن الاسم الموصول معرفة. {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} إنه إله واحد يعلم السر والجهر، ويترتب على هذا أساس الثواب والعقاب. فلا تظن أيها الإنسان أنك تفلت من حساب ربك، وإن كان سبحانه يعلم السر فمن باب أولى أن يعلم الجهر. ولو قال إنه يعلم السر فقط لظن بعض الناس أنه سبحانه لا يعلم إلا المستور لكونه - سبحانه - غيبا، ونقول: لا. هو - جل شأنه - وإن كان غيبا إلا أنه يعلم الغيب ويعلم المشهد، أو أنه - سبحانه - لم ينتظر علمه إلى أن يبرز الشيء جهرا بل هو بكمال علمه وطلاقة إحاطته يعلمه من أول ما كان سراً ويعلمه ويحيط به بعد أن برز وظهر ووجد وكأنه - سبحانه - يؤرخ للعلم في ذات الإنسان الواحد {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ}. وهو سبحانه يعلمنا انه لا يقف عند السر فقط: {أية : وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} تفسير : [طه : 7]. إنه - سبحانه وتعالى - يعلم السر من قبل أن يكون سراً. وكل أمر قبل أن يصبح جهراً يكون سراً، وقبل أن يكون سراً هو أخفى من السر. ويذيل الحق تلك الآية بقوله: {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} والكسب إنما ينشأ من عملية تجارة في رأس مال ما والزائد عليه يكون هو الكسب، وقد يكون الكسب خيراً أو شراً، فالذي يكسب شراً هو الذي يأخذ فوق ما أحل الله له. والكسب كذلك يكون خيراً، فإن قدّم الإنسان حسنة يكسب عشر حسنات. والمتكلم هو الله الذي له الحمد لأنه خالق السموات والأرض والظلمات والنور. ولكن الكافرين يترصدون لكلمة التوحيد، ويأتيهم الخبر بأن الحق خلقنا من طين، ويعلم السر وما هو أخفى من السر، ويعلم ما نكسب من خير أو شر، ولا يؤثر ذلك كله في المنصرفين عن دعوة الحق من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يميلهم ويعطفهم إلى الصراط المستقيم؛ لذلك يقول سبحانه: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ...}
الأندلسي
تفسير : {وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} الآية، لما تقدم ما يدل على القدرة التامة والاختيار ذكر ما يدل على العلم التام فكان في التنبيه على هذه الأوصاف دلالة على كونه تعالى قادراً مختاراً عالماً بالكليات والجزئيات وابطالاً لشبه منكري المعاد قيل: هو ضمير الشأن وما بعده مبتدأ خبره وهو علم تضمن معنى المعبود، وفي السماوات وفي الأرض متعلق به، والاسم العلم قد تضمَّن معنى المشتق فيعمل فيما بعده كما قال الشاعر: شعر : أنا أبو المنهال بعض الأحيان تفسير : فضمن أبو المنهال معنى المشهور فلذلك نصب بعض الأحيان، وبعض ظرف زمان لإِضافته لظرف زمان. وقال: نحواً من هذا الزمخشري وابن عطية. {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} عام لجميع الاعتقادات والأقوال والأفعال وكسب كل إنسان عمله المفضي به إلى اجتلاب نفع أو دفع ضر ولهذا لا يوصف به الله تعالى. {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ} الآية من الأولى زائدة تدل على الاستغراق وآية فاعل بتأتيهم ومن الثانية في موضع الصفة للتبعيض تقديره من آية كائنة من آيات ربهم، أي تلك الآية بعض آيات الله تعالى والمراد بآية، والآية علامة تدل على الوحدانية وانفراده بالألوهية والرسالة والمعجز الخارق والقرآن. وفي تأتيهم التفات وهو خروج من خطاب في قوله: يعلم بسركم إلى غيبة في تأتيهم، والرب هو المالك المصلح الناظر في مصالح عباده فكان المناسب أن لا يعرضوا عن آيات مالكهم ومصلحهم وكانوا بعد إلا في موضع نصب على الحال ولم يجيء في القرآن هذه الحال بعد إلاّ إلا بلفظ الماضي. وقد جاءت في كلام العرب مصحوبة بقد. قال الشاعر: شعر : متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة لنفسي إلا قد قضيت قضاءها تفسير : قال الزمخشري: يعني ما يظهر لهم قط دليل من الأدلة التي يجب فيها النظر والإِستدلال والاعتبار إلا كانوا عنه معرضين. "انتهى". واستعمال الزمخشري قط مع المضارع في قوله: وما يظهر لهم قط دليل ليس بجيد، لأن قط ظرف مختص بالماضي إلا ان كان أراد بقوله: وما يظهر وما ظهر، ولا حاجة إلى استعمال ذلك. ومعنى عنها أي عن قبولها أو سماعها والإِعراض ضد الإِقبال وهو مجاز إذ حقيقته في الأجسام. {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} كذب فعل متعد إلى مفعول بنفسه كقوله: {أية : وَإِن يُكَذِّبُوكَ} تفسير : [الحج: 42] وجاء هنا متعدياً بالباء كما في قوله: {أية : يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ} تفسير : [الماعون: 1]. وقوله: {أية : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} تفسير : [الأنعام: 66]، ضمن معنى الاستهزاء فتعدى بالباء والحق عام في القرآن والإِسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم وانشقاق القمر والوعد والوعيد. والفاء في قوله: فقد كذبوا للتعقيب وان إعراضهم عن الآية أعقبه التكذيب. وقال الزمخشري: فقد كذبوا مردود على كلام محذوف كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها، وهو الحق لما جاءهم يعني القرآن الذي تحدوا به على تبالغهم في الفصاحة فعجزوا عنه. "انتهى". ولا ضرورة تدعو إلى تقدير شرط محذوف إذا الكلام منتظم دون هذا التقدير. {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ} هذه رتب ثلاثة صدرت من هؤلاء الكفار الأول عن تأمل الدلائل ثم التكذيب ثم الاستهزاء. والنبأ: الخبر الذي يعظم وقعه، وكني بالانباء عما يحل بهم في الدنيا من القتل والسبي والجلاء وما يحل بهم في الآخرة من عذاب النار. وبه متعلق يستهزئون ودل قوله: يستهزؤون على أن المراد بقوله: كذبوا بالحق، أي استهزؤوا ولذلك عداه بالباء. {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا} الآية، لما هددهم وأوعدهم على إعراضهم وتكذيبهم واستهزائهم أتبع ذلك بما يجري مجرى الموعظة والنصيحة وحض على الإِعتبار بالقرون الماضية. ويروا هنا بمعنى يعلموا. وكم في موضع المفعول بأهلكنا. ويروا معلقة. والجملة في موضع مفعوليها، ومن الأولى لإِبتداء الغاية، ومن الثانية للتبعيض، والمفرد بعدها واقع موقع الجمع كأنه قال: من القرون ويعني به قوم نوح وعاد وثمود وأشباههم ومكن في مكناهم متعد بمفعول كقوله: {أية : مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} تفسير : [الكهف: 95]. ويتعدى باللام في قوله: لكم، وكقوله تعالى: {أية : مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [يوسف: 21]. {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ} المراد بالإِرسال الإِنزال والسماء قيل: عبر بها عن المطر. كما قال الشاعر: شعر : إذا نزل السماء بأرض قوم تفسير : يعني المطر. وقيل: هو على حذف مضاف أي وأرسلنا مطر السماء. و{مِّدْرَاراً} منصوب على الحال من السماء أو من المضاف إليه وهو المطر. ومدرارا مفعال يستوي فيه المذكر والمؤنث. {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ} تقدم تفسيره في البقرة: والظاهر أن الذنوب هنا هي كفرهم وتكذيبهم برسل الله تعالى وآياته. {وَأَنْشَأْنَا} فائدة إنشاء قرن بعد قرن إظهار القدرة على إهلاك ناس وإنشاء ناس. وقرن مفرد وصف بالجمع مراعاة لمعناه إذ كان تحته أفراد كثيرون ولو وصف في غير القرآن يعتل قرناً آخر على اللفظ ولكن روعي المعنى فجمع مراعاة للفواصل. و{نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً} الآية، سبب نزولها اقتراح عبد الله بن أبي أمية وتعنته إذ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أؤمن لك حتى تصعد إلى السماء ثم تنزل بكتاب فيه من رب العزة إلى عبد الله بن أبي أمية يأمرني بتصديقك وما أراني مع هذا كنت أصدقك، ثم أسلم بعد ذلك وقتل شهيداً بالطائف. ولما ذكر تعالى تكذيبهم بالحق لما جاءهم ثم وعظهم وذكرهم بإِهلاك القرون الماضية بذنوبهم، ذكر مبالغتهم في التكذيب بأنهم لو رأوا كلاماً مكتوباً في قرطاس ومع رؤيتهم جسده بأيديهم لم تزدهم الرؤية واللمس إلا تكذيباً وادعوا ان ذلك من باب السحر لا من باب المعجز عناداً وتعنتاً. والفاء في فلمسوه للتعقيب أي بنفس ما رأوا الكتاب لم يكتفوا برؤية البصر بل أعقبوا ذلك بحاسة اللمس وهي اليد إذ كانت أقوى في الإِحساس من غيرها، وجاء لقال الذين كفروا، لأن مثل هذا الغرض يقتضي انقسام الناس إلى مضمن وكافر فالمؤمن يراه من أعظم المعجزات والكافر يجعله من باب السحر ووصف السحر بمبين أما لكونه بيّنا في نفسه وإما لكونه أظهر غيره.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: وهو المألوه المعبود في السماوات وفي الأرض، فأهل السماء والأرض، متعبدون لربهم، خاضعون لعظمته، مستكينون لعزه وجلاله، الملائكة المقربون، والأنبياء والمرسلون، والصديقون، والشهداء والصالحون. وهو تعالى يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون، فاحذروا معاصيه وارغبوا في الأعمال التي تقربكم منه، وتدنيكم من رحمته، واحذروا من كل عمل يبعدكم منه ومن رحمته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):