Verse. 793 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَمَا تَاْتِيْہِمْ مِّنْ اٰيَۃٍ مِّنْ اٰيٰتِ رَبِّہِمْ اِلَّا كَانُوْا عَنْہَا مُعْرِضِيْنَ۝۴
Wama tateehim min ayatin min ayati rabbihim illa kanoo AAanha muAArideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما تأتيهم» أي أهل مكة «من» زائدة «آية من آيات ربهم» من القرآن «إلا كانوا عنها معرضين».

4

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما تكلم، أولاً: في التوحيد، وثانياً: في المعاد، وثالثاً: فيما يقرر هذين المطلوبين ذكر بعده ما يتعلق بتقرير النبوة وبدأ فيه بأن بين كون هؤلاء الكفار معرضين عن تأمل الدلائل، غير ملتفتين إليها وهذه الآية تدل على أن التقليد باطل. والتأمل في الدلائل واجب. ولولا ذلك لما ذم الله المعرضين عن الدلائل. قال الواحدي رحمه الله: من في قوله {مّنْ ءَايَةٍ } لاستغراق الجنس الذي يقع في النفي كقولك ما أتاني من أحد والثانية وهي قوله {مّنْ ءَايٰت ربهم } للتبعيض والمعنى وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا كانوا عنه معرضين.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المشركين المكذبين المعاندين، أنهم مهما أتتهم من آية، أي: دلالة ومعجزة وحجة من الدلالات، على وحدانية الله وصدق رسله الكرام، فإنهم يعرضون عنها، فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها، قال الله تعالى: { فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} وهذا تهديد لهم،ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وليجدن غبه، وليذوقن وباله. ثم قال تعالى واعظاً لهم، ومحذراً لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة، الذين كانوا أشد منهم قوة، وأكثر جمعاً، وأكثر أموالاً وأولاداً واستغلالاً للأرض، وعمارة لها، فقال: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ} أي: من الأموال والأولاد والأعمار، والجاه العريض والسعة والجنود، ولهذا قال: {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مَّدْرَاراً} أي: شيئاً بعد شيء، {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَـٰرَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ} أي: أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض، أي: استدراجاً وإملاء لهم، {فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أي: بخطاياهم، وسيئاتهم التي اجترحوها، {وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءَاخَرِينَ} أي: فذهب الأولون كأمس الذاهب، وجعلناهم أحاديث، {وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءَاخَرِينَ} أي: جيلاً آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم، فأهلكوا كإهلاكهم، فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب، ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه وإحسانه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا تَأْتِيهِم } أي أهل مكة {مِّنْ } زائدة {ءَايَةٍ مِّنْ رَبِهِمْ} من القرآن {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَمَا تَأْتِيهِم } الخ كلام مبتدأ لبيان بعض أسباب كفرهم وتمرّدهم، وهو الإعراض عن آيات الله التي تأتيهم كمعجزات الأنبياء، وما يصدر عن قدرة الله الباهرة مما لا يشك من له عقل أنه فعل الله سبحانه، والإعراض: ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله و «من» في {مّنْ ءايَةٍ } مزيدة للاستغراق و «من» في {مِنْ آيَـٰتِ } تبعيضية، أي وما تأتيهم آية من الآيات التي هي بعض آيات ربهم، إلا كانوا عنها معرضين، والفاء في {فَقَدْ كَذَّبُواْ } جواب شرط مقدر، أي إن كانوا معرضين عنها فقد كذبوا بما هم أعظم من ذلك، وهو الحق {لَمَّا جَاءهُمْ } قيل: المراد بالحق هنا القرآن، وقيل محمد صلى الله عليه وسلم {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } أي أخبار الشيء الذي كانوا به يستهزءون وهو القرآن، أو محمد صلى الله عليه وسلم، على أن "ما" عبارة عن ذلك تهويلاً للأمر وتعظيماً له، أي سيعرفون أن هذا الشيء الذي استهزءوا به ليس بموضع للاستهزاء، وذلك عند إرسال عذاب الله عليهم، كما يقال: اصبر فسوف يأتيك الخبر عند إرادة الوعيد والتهديد، وفي لفظ الأنباء ما يرشد إلى ذلك، فإنه لا يطلق إلا على خبر عظيم. قوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } كلام مبتدأ لبيان ما تقدّمه، والهمزة للإنكار، و «كم» يحتمل أن تكون الاستفهامية وأن تكون الخبرية وهي معلقة لفعل الرؤية عن العمل فيما بعده، و {مّن قَرْنٍ } تمييز، والقرن: يطلق على أهل كل عصر، سموا بذلك لاقترانهم، أي ألم يعرفوا بسماع الأخبار، ومعاينة الآثار، كم أهلكنا من قبلهم من الأمم الموجودة في عصر بعد عصر؛ لتكذيبهم أنبياءهم. وقيل القرن مدّة من الزمان. وهي ستون عاماً أو سبعون أو ثمانون أو مائة على اختلاف الأقوال، فيكون ما في الآية على تقدير مضاف محذوف، أي من أهل قرن. قوله: {مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } مكّن له في الأرض جعل له مكاناً فيها، ومكّنه في الأرض: أثبته فيها، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر كأنه قيل: كيف ذلك؟ وقيل: إن هذه الجملة صفة لقرن، والأوّل: أولى، و «ما» في {ما لم نمكن} نكرة موصوفة بما بعدها، أي مكّناهم تمكيناً لم نمكّنه لكم، والمعنى: أنا أعطينا القرون الذين هم قبلكم، ما لم نعطكم من الدنيا، وطول الأعمار وقوّة الأبدان، وقد أهلكناهم جميعاً، فإهلاككم وأنتم دونهم بالأولى. قوله: {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَاء عَلَيْهِم مَّدْرَاراً } يريد المطر الكثير، عبّر عنه بالسماء، لأنه ينزل من السماء، ومنه قول الشاعر:شعر : إذا نزل السماء بأرض قوم تفسير : والمدرار صيغة مبالغة تدل على الكثرة كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور، وميناث للتي تلد الإناث، يقال درّ اللبن يدرّ، إذا أقبل على الحالب بكثرة. وانتصاب {مُّدْرَاراً } على الحال؛ وجريان الأنهار من تحتهم معناه: من تحت أشجارهم ومنازلهم، أي أن الله وسّع عليهم النعم بعد التمكين لهم في الأرض، فكفروها، فأهلكهم الله بذنوبهم {وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ } أي من بعد إهلاكهم {قَرْناً آخَرِينَ} فصاروا بدلاً من الهالكين، وفي هذا بيان لكمال قدرته سبحانه، وقوّة سلطانه، وأنه يهلك من يشاء ويوجد من يشاء. قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } في هذه الجملة بيان شدّة صلابتهم في الكفر، وأنهم لا يؤمنون ولو أنزل الله على رسوله كتاباً مكتوباً في قرطاس بمرأى منهم ومشاهدة {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } حتى يجتمع لهم إدراك الحاستين: حاسة البصر، وحاسة اللمس {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } منهم {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ولم يعملوا بما شاهدوا ولمسوا، وإذا كان هذا حالهم في المرئيّ المحسوس، فكيف فيما هو مجرد وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة ملك، لا يرونه، ولا يحسونه؟ والكتاب مصدر بمعنى الكتابة، والقرطاس: الصحيفة. قوله: {وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } هذه الجملة مشتملة على نوع آخر من أنواع جحدهم لنبوّته صلى الله عليه وسلم وكفرهم بها، أي قالوا هلا أنزل الله عليك ملكاً نراه ويكلمنا أنه نبيّ حتى نؤمن به ونتبعه؟ كقولهم: {أية : لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } تفسير : [الفرقان: 7] {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ ٱلأمْرُ } أي لو أنزلنا ملكاً على الصفة التي اقترحوها بحيث يشاهدونه ويخاطبونه ويخاطبهم {لَقُضِىَ ٱلأمْرُ } أي لأهلكناهم إذ لم يؤمنوا عند نزوله، ورؤيتهم له؛ لأن مثل هذه الآية البينة، وهي نزول الملك على تلك الصفة إذا لم يقع الإيمان بعدها، فقد استحقوا الإهلاك والمعاجلة بالعقوبة {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } أي لا يمهلون بعد نزوله ومشاهدتهم له؛ وقيل إن المعنى: إن الله سبحانه لو أنزل ملكاً مشاهداً لم تطق قواهم البشرية أن يبقوا بعد مشاهدته أحياء، بل تزهق أرواحهم عند ذلك، فيبطل ما أرسل الله له رسله، وأنزل به كتبه من هذا التكليف الذي كلف به عباده {أية : لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً }تفسير : [الكهف: 7]. قوله: {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } أي لو جعلنا الرسول إلى النبيّ ملكاً يشاهدونه، ويخاطبونه، لجعلنا ذلك الملك رجلاً، لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك على صورته التي خلفه الله عليها إلا بعد أن يتجسم بالأجسام الكثيفة المشابهة لأجسام بني آدم؛ لأن كل جنس يأنس بجنسه، فلو جعل الله سبحانه الرسول إلى البشر، أو الرسول إلى رسوله، ملكاً مشاهداً مخاطباً لنفروا منه ولم يأنسوا به، ولداخلهم الرعب وحصل معهم من الخوف ما يمنعهم من كلامه ومشاهدته، هذا أقلّ حال فلا تتمّ المصلحة من الإرسال. وعند أن يجعله الله رجلاً، أي على صورة رجل من بني آدم، ليسكنوا إليه ويأنسوا به، سيقول الكافرون إنه ليس بملك وإنما هو بشر، ويعودون إلى مثل ما كانوا عليه. قوله: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم؛ لأنهم إذا رأوه في صورة إنسان قالوا هذا إنسان وليس بملك، فإن استدل لهم بأنه ملك كذبوه قال الزجاج: المعنى للبسنا عليهم، أي على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفتهم، وكانوا يقولون لهم: إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم فرق. فيلبسون عليهم بهذا ويشككونهم، فأعلم الله عزّ وجلّ أنه لو نزل ملكاً في صورة رجل، لوجدوا سبيلاً إلى اللبس كما يفعلون. واللبس: الخلط، يقال لبست عليه الأمر ألبسه لبساً، أي خلطته، وأصله التستر بالثوب ونحوه. ثم قال سبحانه مؤنساً لنبيه صلى الله عليه وسلم ومسلياً له {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } يقال: حاق الشيء يحيق حيقاً وحيوقاً وحيقاناً: نزل أي فنزل ما كانوا به يستهزءون، وأحاط بهم، وهو الحق حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأرْضِ } أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين سافروا في الأرض، وانظروا آثار من كان قبلكم لتعرفوا ما حلّ بهم من العقوبات، وكيف كانت عاقبتهم بعدما كانوا فيه من النعيم العظيم الذي يفوق ما أنتم فيه، فهذه ديارهم خاربة وجناتهم مغبرة وأراضيهم مكفهرة، فإذا كانت عاقبتهم هذه العاقبة، فأنتم بهم لاحقون، وبعد هلاكهم هالكون. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايَـٰتِ رَبّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } يقول: ما يأتيهم من شيء من كتاب الله إلا أعرضوا عنه، وفي قوله: {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } يقول: سيأتيهم يوم القيامة أنباء ما استهزءوا به من كتاب الله عزّ وجل. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: {مّن قَرْنٍ } قال: أمة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن هارون التيمي في الآية قال: المطر في إبانة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي عن ابن عباس، في قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } يقول: لو أنزلنا من السماء صحفاً فيها كتاب {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } لزادهم ذلك تكذيباً. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} قال: فمسوه ونظروا إليه لم يصدقوا به. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن إسحاق قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم فيما بلغني، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب، والنضر بن الحارث بن كلدة، وعبدة بن عبد يغوث، وأُبيّ بن خلف بن وهب، والعاص بن وائل بن هشام: لو جعل معك يا محمد ملك يحدّث عنك الناس ويرى معك، فأنزل الله: {وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } قال: ملك في صورة رجل {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ ٱلأمْرُ } لقامت الساعة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {لَقُضِىَ ٱلأمْرُ } يقول: لو أنزل الله ملكاً ثم لم يؤمنوا لعجل لهم العذاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً } قال: ولو أتاهم ملك في صورته {لَقُضِىَ ٱلأمْرُ} لأهلكناهم {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} لا يؤخرون {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً} قال: في صورة رجل في خلق رجل. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } يقول: في صورة آدميّ. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم } يقول: شبهنا عليهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في الآية قال: شبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن إسحاق قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني بالوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبي جهل بن هشام فهمزوه واستهزءوا به فغاظه ذلك، فأنزل الله: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ} لأن مشركي قريش لما أنكروا نزول القرآن أخبر الله أنه لو أنزله عليهم من السماء لأنكروه وكفروا به لغلبة الفساد عليهم، فقال: {ولَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ} واسم القرطاس لا ينطلق إلا على ما فيه كتابة، فإن لم يكن فيه كتابة قيل طرس ولم يقل قرطاس. قال زهير بن أبي سلمى: شعر : بها أخاديد من آثار ساكنها كما تردد في قرطاسه القلم تفسير : {فَلَمَسُوهُ بِأَيِدِيهِمْ} قال ذلك تحقيقاً لنزوله عليهم. ويحتمل بلمس اليد دون رؤية العين ثلاثة أوجه: أحدها: أن نزوله مع الملائكة وهم لا يرون بالأبصار، فلذلك عَبَّر عنه باللمس دون الرؤية. والثاني: لأن الملموس أقرب من المرئي. والثالث: لأن السحر يتخيل في المرئيات، ولا يتخيل في الملموسات. {لَقَالَ الََّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} تكذيباً لليقين بالعناد، والمبين: ما دل على بيان بنفسه، والبيِّن: ما دل على بيانه، فكان المبين أقوى من البيِّن. قوله عز وجل: {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} أي ملك يشهد بتصديقه {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأَمْرُ} أي لو أنزلنا ملكاً فلم يؤمنوا لقضي الأمر وفيه تأويلان: أحدهما: لقضي عليهم بعذاب الاستئصال، قاله الحسن، وقتادة، لأن الأمم السالفة كانوا إذا اقترحوا على أنبيائهم الآيات فأجابهم الله تعالى إلى الإِظهار فلم يؤمنوا استأصلهم بالعذاب. والثاني: أن معنى لقضي الأمر لقامت الساعة، قاله ابن عباس. {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} أي لا يُمْهَلُون ولا يُؤَخَّرون، يعني عن عذاب الاستئصال. على التأويل الأول، وعن قيام الساعة على التأويل الثاني. {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} يعني ولو جعلنا معه ملكاً يدل على صدقه لجعلناه في صورة رجل. وفي وجوب جعله رجلاً وجهان: أحدهما: لأن الملائكة أجسامهم رقيقة لا تُرَى، فاقتضى أن يُجْعَل رجلاً لكثافة جسمه حتى يرى. والثاني: أنهم لا يستطيعون أن يروا الملائكة على صورهم، وإذا كان في صورة الرجل لم يعلموا ملك هو أو غير ملك. {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبِسُونَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه ولخلطنا عليهم ما يخلطون، قاله الكلبي. والثاني: لشبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم، قال الزجاج: كما يشبهون على ضعفائهم واللبس في كلامهم هو الشك ومنه قول الخنساء: شعر : أصدق مقالته واحذر عداوته والبس عليه بشك مثل ما لبسا تفسير : والثالث: وللبسنا على الملائكة من الثبات ما يلبسه الناس من ثيابهم، ليكونوا على صورهم وعلى زِيِّهم، قاله جويبر. قوله تعالى: {... كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} أي أوجبها ربكم على نفسه، وفيها أربعة أوجه: أحدها: أنها تعريض خلقه لما أمرهم به من عبادته التي تفضي بهم إلى جنته. والثاني: ما أراهم من الآيات الدالة على وجوب طاعته. والثالث: إمهالهم عن معالجة العذاب واستئصالهم بالانتقام. والرابع: قبوله توبة العاصي والعفو عن عقوبته. {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} وهذا توعد منه بالعبث والجزا أَخَرجَه مَخْرَج القسم تحقيقاً للوعد والوعيد، ثم أكده بقوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ}.

الخازن

تفسير : {وما تأتيهم} يعني أهل مكة {من آية من آيات ربهم} يعني من المعجزات الباهرات التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل انشقاق القمر وغير ذلك وقيل المراد بالآيات آيات القرآن {إلا كانوا عنها معرضين} يعني إلا كانوا لها تاركين وبها مكذبين {فقد كذبوا بالحق} يعني بآيات القرآن وقيل بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أتى به من المعجزات {لما جاءهم} يعني لما جاءهم الحق من عند ربهم كذبوا به {فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} يعني فسوف يأتيهم أخبار استهزائهم إذا عذبوا في الآخرة. قوله تعالى: {ألم يروا} الخطاب لكفار مكة يعني ألم ير هؤلاء المكذبون بآياتي {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} يعني مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم الماضية والقرون الخالية. والقرن الأمة من الناس وأهل كل زمان قرن سموا بذلك لاقترانهم في الوجود في ذلك الزمان وقيل سمي قرناً لأنه زمان بزمان وأمة بأمة واختلفوا في مقدار القرن، فقيل: ثمانون سنة. وقيل: ستون سنة. وقيل: أربعون سنة. وقيل: مائة وعشرون، وقيل: مائة سنة. وهو الأصح لما روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بشر المازني: "إنك تعيش قرناً"تفسير : فعاش مائة سنة. فعلى هذا القول: المراد بالقرن أهله الذين وجدوا فيه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"تفسير : يعني أصحابي وتابعيهم وتابعي التابعين {مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} يعني أعطيناهم ما لم نعطكم يا أهل مكة وقيل أمددناهم في العمر والبسطة في الأجسام والسعة في الأرزاق مثل إعطاء قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم {وأرسلنا السماء عليهم مدراراً} مفعال من الدر يعني وأرسلنا المطر متتابعاً في أوقات الحاجة إليه والمراد بالسماء المطر سمي بذلك لنزوله منها {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} يعني: وفجرنا لهم العيون تجري من تحتهم والمراد منه كثرة البساتين {فأهلكناهم بذنوبهم} يعني بسبب ذنوبهم وكفرهم {وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين} يعني وخلفنا من بعد هلاك أولئك أهل قرن آخرين وفي هذه الآية ما يوجب الاعتبار والموعظة بحال من مضى من الأمم السالفة والقرون الخالية فإنهم مع ما كانوا فيه من القوة وسعة الرزق وكثرة الأتباع أهلكناهم لما كفروا وطغوا وظلموا فكيف حال من هو أضعف منهم وأقل عَددَاً وعُددَاً وهذا يوجب الاعتبار والانتباه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة. قوله عز وجل: {ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس} الآية. قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية ونوفل بن خويلد قالوا يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وإنك رسوله فأنزل الله تعالى هذه الآية {ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس} يعني من عندي يعني مكتوباً في قرطاس وهو الكاغد والصحيفة التي يكتب فيها {فلمسوه بأيديهم} يعني فعاينوه ومسوه بأيديهم وإنما ذكر اللمس، ولم يذكر المعاينة، لأنه أبلغ في إيقاع العلم بالشيء من الرؤية، لأن المرئيات قد يدخلها التخيلات كالبحر ونحوه بخلاف الملموس {لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} يعني لو أنزلنا عليهم كتاباً كما سألوه لما آمنوا به ولقالوا هذا سحر مبين كما قالوا في انشقاق القمر وأنه لا ينفع معهم شيء لما سبق فيهم من علمي بهم.

ابن عادل

تفسير : "من آية" فاعل زيدت فيه "مِنْ" لوُجُودِ الشرطين، فلا تَعَلُّقَ لها. و"من آيات" صفة لـ "آية"، فهي في مَحَلِّ جرٍ على اللَّفْظِ، أو رفعٍ على الموضع. وقال الوَاحِدِيِّ: "مِنْ" في قوله:"مِنْ آية" صفةٌ لـ "آية" أي: آية لاستغراق الجنْسِ الذي يقع في النَّفْيِِ، كقولك: ما أتاني من أحدٍ". والثانية: في قوله: "من آياتِ رَبِّهِم" للتبعيض. والمعنى: وما يظهر لهم دَلِيلٌ قط من الدَّلائِل التي يجب فيها النَّظَرُ والاعتبار، إلاَّ كانوا عنها مُعْرِضينَ، والمُرادُ بهم أهل "مكة"، والمرادُ بالآيات: إنْشِقاقُ القمر وغيره. وقال عطاء: يريد: من آيات القرآن. قوله: "إلاَّ كَانُوا" هذه الجملة الكَوْنِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما أنَّهُ الضميرُ في "تأتيهم". والثاني: أنَّهُ "مِنْ آيةٍ" وذلك لتخصيصها بالوَصْفِ. و"تأتيهم" يحتمل أن يكون ماضي المعنى لقوله: "كَانُوا"، ويحتمل أنْ يكون مُسْتَقْبَلَ المعنى؛ لقوله "تَأتيهِمْ". واعلم أنَّ الفعْلَ الماضي لا يَقَعُ بَعْدَ "إلاَّ" بأحد شَرْطَيْنِ: إمَّا وقوعه بَعْدَ فِعْلٍ كهذه الآية، أو يقترن بـ "قد" نحو: "ما زيدٌ إلاَّ قد قام" وهنا الْتِفَاتٌ من خطابه بقوله "خلقكم" إلى آخره إلى الغيبةِ بقوله: "وَمَا تَأتِيهم".

ابو السعود

تفسير : {وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايَـٰتِ رَبّهِمْ} كلام مستأنَفٌ واردٌ لبـيان كفرهم بآيات الله وإعراضِهم عنها بالكلية بعد ما بـيّن في الآية الأولى إشراكَهم بالله سبحانه وإعراضَهم عن بعض آيات التوحيد، وفي الآية الثانية امتراءَهم في البعث وإعراضَهم عن بعض آياته. والالتفاتُ للإشعار بأن ذكْرَ قبائحِهم قد اقتضىٰ أن يضرِبَ عنهم الخطابَ صفحاً، وتعددُ جناياتهم لغيرهم ذماً لهم وتقبـيحاً لحالهم، فما نافية، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، أو للدلالة على الاستمرار التجدُّديّ، و(مِنْ) الأولى مزيدة للاستغراق، والثانيةُ تبعيضيةٌ واقعةٌ مع مجرورها صفةً لآية، وإضافةُ الآيات إلى اسم الربِّ المضافِ إلى ضميرهم لتفخيم شأنها المستتْبِعِ لتهويل ما اجترأوا عليه في حقها. والمراد بها إما الآياتُ التنزيليةُ فإتيانُها نزولُها، والمعنى ما ينزِلُ إليهم آيةٌ من الآيات القرآنية التي من جملتها هاتيك الآياتُ الناطقةُ بما فُصِّل من بدائعِ صنعِ الله عز وجل المُنْبئةِ عن جَرَيان أحكام ألوهيتِه تعالى على كافة الكائنات، وإحاطةِ علمه بجميع أحوالِ الخلقِ وأعمالهم الموجبةِ للإقبال عليها والإيمانِ بها {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} أي على وجه التكذيبِ والاستهزاء كما ستقف عليه، وأما الآياتُ التكوينيةُ الشاملةُ للمعجزات وغيرِها من تعاجيب المصنوعاتِ فإتيانُها ظهورُها لهم. والمعنى ما يظهر لهم آيةٌ من الآيات التكوينية التي من جملتها ما ذُكر من جلائِلِ شؤونه تعالى الشاهدةِ بوحدانيته إلا كانوا عنها معرضين تاركين للنظر الصحيحِ فيها. المؤدِّي إلى الإيمان بمُكوِّنها، وإيثارُه على أن يقال: إلا أعرضوا عنها كما وقع مثلُه في قوله تعالى: {أية : وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ}تفسير : [القمر، الآية 2] للدَلالة على استمرارهم على الإعراض حسَبَ استمرارِ إتيانِ الآيات، و(عن) متعلقةٌ (بمعرضين) قُدِّمت عليه مراعاةً للفواصل، والجملة في محل النصب على أنها حال من مفعول تأتي أو من فاعلِه المتخصِّصِ بالوصف لاشتمالها على ضمير كل منهما. وأياً ما كان ففيها دلالة بـينةٌ على كمال مسارعتهم إلى الإعراض، وإيقاعِها له في آنِ الإتيان كما يُفصح عنه كلمةُ (لما) في قوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ} فإن الحق عبارةٌ عن القرآن الذي أعرضوا عنه حين أعرضوا عن كل آية منه، عبّر عنه بذلك إبانةً لكمال قُبح ما فعلوا به، فإن تكذيب الحقِّ مما لا يُتصوَّرُ صدورُه عن أحد، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنها شيءٌ مغايِرٌ له في الحقيقة واقعٌ عَقيبَه أو حاصلٌ بسببه، بل على أن الأول هو عينُ الثاني حقيقة، وإنما الترتيبُ بحسَب التغايُرِ الاعتباري، و(قد) لتحقيق ذلك المعنى في قوله تعالى: {أية : فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً } تفسير : [الفرقان، الآية 4] بعد قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءاخَرُونَ } تفسير : [الفرقان، الآية 4] فإن ما جاؤوه أي فعلوه من الظلم والزور عينُ قولِهم المَحْكِيّ، لكنه لما كان مغايراً له مفهوماً وأشنَعَ منه حالاً رُتِّبَ عليه بالفاء ترتيبَ اللازم على الملزوم تهويلاً لأمره، كذلك مفهومُ التكذيب بالحق حيث كان أشنعَ من مفهوم الإعراضِ المذكورِ أُخرِجَ مُخرَجَ اللازم البـيِّنِ البُطلان، فرُتِّبَ عليه بالفاء إظهاراً لغاية بُطلانه، ثم قُيد ذلك بكونه بلا تأمل تأكيداً لشناعته وتمهيداً لبـيان أن ما كذبوا به آثرَ ذي أثير له عواقبُ جليلةٌ ستبدو لهم البتة، والمعنى أنهم حيث أعرضوا عن تلك الآيات عند إتيانها فقد كذبوا بما لا يمكن تكذيبُه أصلاً من غير أن يتدبروا في حاله ومآله، ويقفوا على ما في تضاعيفه من الشواهد الموجبةِ لتصديقه، كقوله تعالى: {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمُ تَأْوِيلِهِ } تفسير : [يونس، الآية 39] كما يُنْبىء عنه قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} فإن (ما) عبارةٌ عن الحق المذكور عنه بذلك تهويلاً لأمره بإبهامه، وتعليلاً للحكم بما في حيز الصلة، وإنباؤه عبارةٌ عما سيَحيقُ بهم من العقوبات العاجلة التي نطَقت بها آياتُ الوعيد، وفي لفظ (الأنباء) إيذانٌ بغاية العِظَم لِما أن النَّبأَ لا يُطلق إلا على خبرٍ عظيمِ الوقع، وحملُها على العقوبات الآجلةِ أو على ظهور الإسلام وعلوِّ كلمتِه تأباه الآياتُ الآتية، و(سوف) لتأكيد مضمونِ الجملة وتقريره، أي فسيأتيهم البتةَ وإن تأخرَ مِصْداقُ أنباء الشيءِ الذي كانوا يكذِّبون به قَبلُ مِنْ غير أن يتدبروا في عواقبه، وإنما قيل: (يستهزئون) إيذاناً بأن تكذيبهم كان مقروناً بالاستهزاء كما أشير إليه. هذا على أن يرادَ بالآيات الآياتُ القرآنيةُ وهو الأظهر، وأما إن أريد بها الآياتُ التكوينيةُ فالفاءُ داخلةٌ على عِلَّة جوابِ شرطٍ محذوف، والإعراضُ على حقيقته كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن تلك الآيات فلا تعجبْ فقد فعلوا بما هو أعظمُ منها ما هو أعظمُ من الإعراض، حيث كذبوا بالحق الذي هو أعظم الآيات، ولا مَساغَ لحمل الآيات في هذا الوجه على الآيات كلها أصلاً، وأما ما قيل من أن المعنى أنهم لمّا كانوا معرِضين عن الآيات كلِّها كذبوا بالقرآن فمِمّا ينبغي تنزيهُ التنزيلِ عن أمثاله.

القشيري

تفسير : أي لا يزيدهم كشفاً ولطفاً إلا قابلوهُ جحداً وكفراً، ولا يُولِيهم إقبالاً إلا قابلوه بإعراض، ولا يلقاهم بَسْطًا إلاَّ (....) بانقباض.

البقلي

تفسير : من عمى قلبه عن مشاهدة الله كيف يراها فى اثار الله واياته فى السموات والارض وفى وجوه انبايئه واوليائه حيث اشرقت بسحن وقوع تجليها وظهرو سناها بها فيها ويزيد على عمائه عمى لانه موسم بسمة العبد فى الازل غير قبول الى الابد قال النسر ابادى أياته فى خلقه واولياءه فى اهل صفوته.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} ما نافية ومن الاولى مزيدة للاستغراق والثانية تبعيضية واقعة بمجرورها صفة لآية والمراد بالآيات اما الآيات التنزيلية فاتيانها نزولها. والمعنى ما ينزل الى اهل مكة آية من الآيات القرآنية {إلا كانوا عنها معرضين} غير ملتفتين اي على وجه التكذيب والاستهزاء واما الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات فاتيانها ظهورها لهم. والمعنى ما يظهر لهم آية من الآيات التكوينية الدالة على وحدانية الله تعالى الا كانوا عنها معرضين تاركين للنظر الصحيح فيها المؤدى الى الايمان بمكونها وعن متعلقة بمعرضين والجملة فى محل النصب على انها حال من مفعول تأتى ففيها دلالة على كمال مسارعتهم الى الاعراض وايقاعهم له فى آن الاتيان كما يفصح عنه كلمة لما فى قوله تعالى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {مِن} الأولى: مزيدة للاستغراق، والثانية للتبعيض. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما تأتيهم من آية} دالّة على توحيد الله وكمال صفاته، إلا أعرَضوا عنها، أي: الكفار، أو: ما تأتيهم معجزة من المعجزات الدالة على قدرة الله وصدق رسوله، أو: ما تأتيهم آية من آيات القرآن تدل على وحدانية وكمال ذاته، {إلا كانوا عنها مُعرِضين}؛ تاركين للنظر فيها، غير ملتفتين إليها. {فقد كذبوا بالحق} وهو القرآن {لمَّا جاءهم}، وهو كالدليل لِما قبله، لأنهم لمّا كذبوا بالقرآن ـ وهو أعظم الآيات ـ فكيف لا يُعرضون عن غيره من الآيات؟ ثم هدَّدهم بقوله: {فسوف يأتيهم أنباء} أي: أخبار {ما كانوا به يستهزئون} أي: سيظهر لهم، عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة، ما كانوا يستهزئون به من البعث والحساب، أو عند ظهور الإسلام وارتفاعه. الإشارة: مَن سبق له الخُذلان لا تنفعه الأدلة وتواتُر البرهان، ولا تزيده ظهور المعجزات أو الكرامات إلا التحاسد وظهور العداوات، ولا يزيده الدعاء إلى الله والتناد، إلاَّ الإعراض عنه والبعاد، نعوذ بالله من الشقاء وسوء القضاء. ثم أمر الإنكار بالنظر والاعتبار، فقال: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ}.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية اخبار من الله تعالى أنه لا يأتي هؤلاء الكفار - المذكورين في أول الآية - من آيات من ربهم، وهي المعجزات التي يظهرها على رسوله وآيات القرآن التي كان ينزلها على نبيه (صلى الله عليه وسلم) {إلا كانوا عنها معرضين} لا يقبلونها، ولا يستدلون بها على ما دلهم الله عليه من توحيده وصدق رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم).

الجنابذي

تفسير : {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ} عطف على يعلم سرّكم على ان يكون مستأنفاً او حالاً او هو حال ابتداء كأنّه قيل: ما حاله مع الخلق؟ - وما حال الخلق معه؟ - او عطف على انتم تمترون وعلى اىّ تقدير ففيه التفات من الخطاب الى الغيبة، واعظم الآيات امير المؤمنين (ع) والمقصود من الآيات ههنا اعمّ من الآيات التّكوينيّة والتّدوينيّة والآفاقيّة والانفسيّة {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ} الّذى هو اعظم آياته وهو الولاية كا سبق وتكذيبهم للحقّ لتمرّنهم على تكذيب مطلق الآيات {لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} من الولاية.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَاتِ رَبِّهِمْ} يعني القرآن {إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} يعني به مشركي العرب. قال: {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} يعني القرآن. {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَآءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي يأتيهم علمه في الآخرة فيأخذهم الله به ويدخلهم النار. قوله: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} هذا على الخبر {مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ} يعني من أهلك من الأمم السالفة حين كذَّبوا رسلهم. يحذّر مشركي العرب ويخوّفهم ما أهلك به الأمم حين كذّبوا رسلهم. {وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي وخلقنا من بعدهم {قَرْناً ءَاخَرِينَ}. قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} قال بعضهم: فعاينوه معاينة ومسّوه بأيديهم. وذلك أنّهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بكتاب يقرأونه؛ قالوا لن نؤمن بك حتى تنزّل علينا كتاباً نقرأه من الله إلى فلان بن فلان، إلى كل رجل باسمه واسم أبيه أن آمن بمحمد فإنه رسولي. {لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي بيّن. قوله: {وَقَالُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} أي في صورته. قال مجاهد: وقد قالوا في آية أخرى: (أية : لَوْلاَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً) تفسير : [الفرقان:7]. وفي تفسير الحسن: لولا أنزل عليه ملك، أي يأمرنا باتباعه. قال الله: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأَمْرُ} أي بعذابهم. {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} أي لا يؤخرون بعد نزول المَلَك، لأن القوم إذا سألوا نبيَّهم الآية فجاءهم بها، ثم لم يؤمنوا، لم يؤخروا، أي أهلكهم الله. وقالوا: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} قال الله: (أية : مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) تفسير : [الأنبياء:5-6] على الاستفهام، أي أنهم لا يؤمنون. وقال بعضهم: يقول: لو أنزل ملكاً فبعثناه إليهم ثم لم يؤمنوا لقضى بينهم أي العذاب والعقوبة، ثم لا ينظرون أي لا يؤخرون.

اطفيش

تفسير : {وما تأتِيهم} ما تأتى مشركى قريش {مِنْ آيةٍ} من صلة لتأكيد الاستغراق، أو للنص على الاستغراق بعد تبادره، وآية فاعل أى معجزة دلت على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، أو دليل دل أو آية قرآنية {مِنْ آياتِ ربِّهم} معجزات أو دلائله، أو آيات قراءته، ومن للتبعيض متعلقة بمحذوف نعت لآية، أو حال من آية لتقدم النفى عليها كانشقاق القمر وتكثير الطعام القليل والشراب القيل. {إلا كانُوا عَنْها مُعْرضِينَ} لا يتدبرونها فأشركوا بالله تعالى، وأنكروا رسالة نبيه صلى الله عليه وسلم ونبوتهِ، فلم يؤمنوا بالقرآن كما قال.

اطفيش

تفسير : {وَمَا تَأْتِيهِمْ} المضارع لحكاية الحال، والأَصل وما أَتتهم، أَو للاستمرار التجددى، والهاء لأَهل مكة {مِنْ} صلة للتأْكيد، و {آيَة} دليل {مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ} دلائله، أَو معجزة من معجزاته، أَو آية من القرآن أَو ذلك مطلقا، والمراد الدالة على الوحدانية، وأضاف الآيات للرب عز وجل تفخيماً لشأْنها، فذلك تهويل عليهم باجترائهم في حقها {إِلاَ كَانُوا} والمعنى ما أَتتهم إِلا كانوا، وما تأْتيهم إِلا يكونون، والآيتان بمعنى النزول إِن كانت الآية قرآنية، وبمعنى الظهور إِن كانت معجزة فى الخلق،وبمعنى الحصول إِن أريد الكل، أَو الظهور مطلقا، فإِن الحصول والظهور من لوازم المجئ {عَنْهَا مُعْرِضِينَ} مهملين النظر فيها، والجملة حال.

الالوسي

تفسير : {وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايَـٰتِ رَبّهِمْ} كلام مستأنف سيق لبيان كفرهم بآيات الله تعالى وإعراضهم عنها بالكلية بعد بيان كفرهم بالله تعالى وإعراضهم عن بعض آيات التوحيد وامترائهم في البعث وإعراضهم عن بعض (أدلته)، والإعراض عن خطابهم للإيذان بأن إعراضهم السابق قد بلغ مبلغاً اقتضى أن لا يواجهوا بكلام بل يضرب عنهم صفحاً وتعدد جناياتهم لغيرهم ذماً لهم وتقبيحاً لحالهم. فما نافية وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية كما أشار إليه العلامة البيضاوي ولله تعالى دره أو للدلالة على الاستمرار التجددي. و(من) الأولى: مزيدة للاستغراق أو لتأكيده. والثانية: للتبعيض وهي متعلقة بمحذوف مجرور أو مرفوع وقع صفة لآية، وجعلها ابن الحاجب للتبيين لأن كونها للتبعيض ينافي كون الأولى للاستغراق إذ الآية المستغرقة لا تكون بعضاً من الآيات. ورد بأن الاستغراق هٰهنا لآية متصفة بالاتيان فهي وإن استغرقت بعض من جميع الآيات على أن كلامه بعد لا يخلو عن نظر. وإضافة الآيات إلى الرب المضاف إلى ضميرهم لتفخيم شأنها المستتبع لتهويل ما اجترؤوا عليه في حقها. / والمراد بها إما الآيات التنزيلية أو الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات. والإتيان على الأول: بمعنى النزول، وعلى الثاني: بمعنى الظهور على ما قيل، ويفهم من كلام بعض المحققين أنه مطلقاً بمعنى الظهور استعمالاً له في لازم معناه وهو المجيء الذي لا يوصف به إلا الأجسام مجازاً لا كناية كما قيل وحاصل المعنى على الأول: ما تنزل إليهم آية من الآيات القرآنية الجليلة الشأن التي من جملتها هاتيك الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع الله تعالى شأنه المنبئة عن جريان أحكام ألوهيته على كافة الكائنات وإحاطة علمه بجميع أحوال العباد وأعمالهم الموجبة للإقبال عليها والإيمان بها. {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } غير مقبلين عليها ولا معتنين بها، وعلى الثاني: ما تظهر لهم آية من الآيات التكوينية التي من جملتها ما ذكر من جلائل شؤونه سبحانه وتعالى الشاهدة بوحدانيته عز وجل إلا كانوا [عنها معرضين] تاركين للنظر الصحيح فيها المؤدي إلى الإيمان بمكونها، وأصل الإعراض صرف الوجه عن شيء من المحسوسات. واستعماله في عدم الاعتناء أو ترك النظر مجاز على ما حققه البعض. وفسر شيخ الإسلام الإعراض على الوجه الأول بما كان على وجه التكذيب والاستهزاء، و (عن) متعلقة بمعرضين. والتقديم لرعاية الفواصل. والجملة بعد (إلا) ـ كما قال الكرخي ـ في موضع النصب على أنها حال من مفعول تأتي أو من فاعله المخصص بالوصف كما قيل وهي مشتملة على ضمير كل منهما. وإيثارها على أعرضوا عنها كما وقع مثله في قوله تعالى: { أية : وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ } تفسير : [القمر: 2] للدلالة على استمرارهم على الإعراض حسب استمرار إتيان الآيات.

سيد قطب

تفسير : هذه هي الموجة التالية في افتتاح السورة؛ بعد الموجة الأولى ذات اللمسات العريضة.. الموجة التي غمرت الكون كله بحقيقة الوجود الإلهي متجلية في خلق السماوات والأرض، منشئة للظلمات والنور؛ ثم في خلق الإنسان من مادة هذه الأرض؛ وتقدير أجله الذي ينتهي بالموت؛ والاحتفاظ بسر الأجل الآخر المضروب للبعث؛ والإحاطة بسر الناس وجهرهم، وما يكسبون في السر والجهر.. هذا الوجود الإلهي الذي يتجلى في الآفاق والأنفس، هو وجود متفرد متوحد؛ ليس مثله وجود؛ لأنه ما من خالق غير الله؛ كما أنه وجود غامر باهر قاهر يبدو التكذيب في ظله والإعراض عن هذه الآيات الهائلة، منكراً قبيحاً، لا سند له، ولا عذر لصاحبه.. ومن ثم يعرض السياق موقف المشركين الذين يعارضون الدعوة الإسلامية في ظل هذا الوجود الغامر الباهر القاهر؛ فيبدو هذا الموقف منكراً قبيحاً، حتى في حس أصحابه الذين يواجههم هذا القرآن بهذه الحقيقة! ويكسب القرآن المعركة في الجولة الأولى. يكسبها في أعماق فطرة الناس، على الرغم من مكابرتهم ومن عنادهم الظاهرين! وهو يعرض في هذه الموجة صورة العناد والمكابرة؛ ويواجهها بالتهديد مرة؛ وبتوجيه القلوب إلى مصارع المكذبين من قبل مرة؛ ويحشد فيها عدة مؤثرات وموحيات. بعد الهزة الأولى التي مضت بها تلك الموجة العريضة: {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين. فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون. ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم، وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين}.. إنهم يتخذون موقف الإعراض عناداً واصراراً. فليس الذي ينقصهم هو الآيات الداعية إلى الإيمان، ولا العلامات الدالة على صدق الدعوة والداعية، ولا البراهين الناطقة بما وراء الدعوة والداعية من ألوهية حقة، هي التي يدعون إلى الإيمان بها والاستسلام لها.. ليس هذا هو الذي ينقصهم، إنما تنقصهم الرغبة في الاستجابة، ويمسك بهم العناد والإصرار، ويقعد بهم الإعراض عن النظر والتدبر: {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين}.. وحين يكون الأمر كذلك. حين يكون الإعراض متعمدا ومقصوداً - مع توافر الأدلة، وتواتر الآيات ووضوح الحقائق - فإن التهديد بالبطش قد يحدث الهزة التي تفتح نوافذ الفطرة حين تسقط عنها حاجز الكبر والعناد: {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم. فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون}.. إنه الحق هذا الذي جاءهم من لدن خالق السماوات والأرض، وجاعل الظلمات والنور، وخالق الإنسان من طين، والإله في السماوات وفي الأرض الذي يعلم سرهم وجهرهم ويعلم ما يكسبون.. إنه الحق وقد كذبوا به، مصرين على التكذيب، معرضين عن الآيات، مستهزئين بالدعوة إلى الإيمان.. فليرتقبوا إذن أن يأتيهم الخبر اليقين عما كانوا به يستهزئون! ويتركهم أمام هذا التهديد المجمل، الذي لا يعرفون نوعه ولا موعده.. يتركهم يتوقعون في كل لحظة أن تأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون! حيث يتكشف لهم الحق أمام العذاب المرتقب المجهول! وفي موقف التهديد يلفت أعناقهم وأنظارهم وقلوبهم وأعصابهم إلى مصارع المكذبين من قبلهم - وقد كانوا يعرفون بعضها في دور عاد بالأحقاف وثمود بالحجر، وكانت أطلالهم باقية يمر عليها العرب في رحلة الشتاء للجنوب وفي رحلة الصيف للشمال، كما كانوا يمرون بقرى لوط المخسوفة ويعرفون ما يتناقله المحيطون بها من أحاديث - فالسياق يلفتهم إلى هذه المصارع وبعضها منهم قريب. {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم، وأرسلنا السماء عليهم مدراراً، وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم. فأهلكناهم بذنوبهم، وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين}.. ألم يروا إلى مصارع الأجيال الغابرة. وقد مكنهم الله في الأرض، وأعطاهم من أسباب القوة والسلطان ما لم يعط مثله للمخاطبين من قريش في الجزيرة؛ وأرسل المطر عليهم متتابعاً ينشئ في حياتهم الخصب والنماء ويفيض عليهم من الأرزاق.. ثم ماذا؟ ثم عصوا ربهم، فأخذهم الله بذنوبهم، وأنشأ من بعدهم جيلاً آخر، ورث الأرض من بعدهم؛ ومضوا هم لا تحفل بهم الأرض! فقد ورثها قوم آخرون! فما أهون المكذبين المعرضين أصحاب القوة والتمكين من البشر! ما أهونهم على الله؛ وما أهونهم على هذه الأرض أيضاً! لقد أهلكوا وغبروا فما أحست هذه الأرض بالخلاء والخواء؛ إنما عمرها جيل آخر؛ ومضت الأرض في دورتها كأن لم يكن هنا سكان؛ ومضت الحياة في حركتها كأن لم يكن هنا أحياء! وهي حقيقة ينساها البشر حين يمكن الله لهم في الأرض. ينسون أن هذا التمكين إنما تم بمشيئة الله، ليبلوهم فيه: أيقومون عليه بعهد الله وشرطه، من العبودية له وحده، والتلقي منه وحده - بما أنه هو صاحب الملك وهم مستخلفون فيه - أم يجعلون من أنفسهم طواغيت، تدعي حقوق الألوهية وخصائصها؛ ويتصرفون فيما استخلفوا فيه تصرف المالك لا المستخلف. إنها حقيقة ينساها البشر - إلا من عصم الله - وعندئذ ينحرفون عن عهد الله وعن شرط الاستخلاف؛ ويمضون على غير سنة الله؛ ولا يتبين لهم في أول الطريق عواقب هذا الانحراف، ويقع الفساد رويداً رويداً وهم ينزلقون ولا يشعرون.. حتى يستوفي الكتاب أجله؛ ويحق وعد الله.. ثم تختلف أشكال النهاية: مرة يأخذهم الله بعذاب الاستئصال - بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم كما وقع لكثير من الأقوام - ومرة يأخذهم بالسنين ونقص الأنفس والثمرات كما حدث كذلك لأقوام - ومرة يأخذهم بأن يذيق بعضهم بأس بعض؛ فيعذب بعضهم بعضاً، ويدمر بعضهم بعضاً، ويؤذي بعضهم بعضاً، ولا يعود بعضهم يأمن بعضاً؛ فتضعف شوكتهم في النهاية؛ ويسلط الله عليهم عباداً له - طائعين أو عصاة - يخضدون شوكتهم، ويقتلعونهم مما مكنوا فيه؛ ثم يستخلف الله العباد الجدد ليبتليهم بما مكنهم.. وهكذا تمضي دورة السنة.. السعيد من وعى أنها السنة، ومن وعى أنه الابتلاء؛ فعمل بعهد الله فيما استخلف فيه. والشقي من غفل عن هذه الحقيقة، وظن أنه أوتيها بعلمه، أو أوتيها بحيلته، أو أوتيها جزافاً بلا تدبير! وإنه لما يخدع الناس أن يروا الفاجر الطاغي، أو المستهتر الفاسد، أو الملحد الكافر، ممكناً له في الأرض، غير مأخوذ من الله.. ولكن الناس إنما يستعجلون.. إنهم يرون أول الطريق أو وسطه؛ ولا يرون نهاية الطريق.. ونهاية الطريق لا ترى إلا بعد أن تجيء! لا ترى إلا في مصارع الغابرين بعد أن يصبحوا أحاديث.. والقرآن الكريم يوجه إلى هذه المصارع ليتنبه المخدوعون الذين لا يرون - في حياتهم الفردية القصيرة - نهاية الطريق؛ فيخدعهم ما يرون في حياتهم القصيرة ويحسبونه نهاية الطريق! إن هذا النص في القرآن: {فأهلكناهم بذنوبهم}.. وما يماثله، وهو يتكرر كثيراً في القرآن الكريم.. إنما يقرر حقيقة، ويقرر سنة، ويقرر طرفاً من التفسير الإسلامي لأحداث التاريخ.. إنه يقرر حقيقة أن الذنوب تهلك أصحابها، وأن الله هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم؛ وأن هذه سنة ماضية - ولو لم يرها فرد في عمره القصير، أو جيل في أجله المحدود - ولكنها سنة تصير إليها الأمم حين تفشو فيها الذنوب؛ وحين تقوم حياتها على الذنوب.. كذلك هي جانب من التفسير الإسلامي للتاريخ: فإن هلاك الأجيال واستخلاف الأجيال؛ من عوامله، فعل الذنوب في جسم الأمم؛ وتأثيرها في إنشاء حالة تنتهي إلى الدمار؛ إما بقارعة من الله عاجلة - كما كان يحدث في التاريخ القديم - وإما بالانحلال البطيء الفطري الطبيعي، الذي يسري في كيان الأمم - مع الزمن - وهي توغل في متاهة الذنوب! وأمامنا في التاريخ القريب - نسبياً - الشواهد الكافية على فعل الانحلال الأخلاقي، والدعارة الفاشية، واتخاذ المرأة فتنة وزينة، والترف والرخاوة، والتلهي بالنعيم.. أمامنا الشواهد الكافية من فعل هذا كله في انهيار الإغريق والرومان - وقد أصبحوا أحاديث - وفي الانهيار الذي تتجلى أوائله، وتلوح نهايته في الأفق في أمم معاصرة، كفرنسا وانجلترا كذلك - على الرغم من القوة الظاهرة والثراء العريض. إن التفسير المادي للتاريخ يحذف هذا الجانب حذفاً باتاً من تفسيره لأطوار الأمم وأحداث التاريخ، ذلك أن وجهته ابتداء هي استبعاد العنصر الأخلاقي من الحياة، واستبعاد القاعدة الاعتقادية التي يقوم عليها.. ولكن هذا التفسير يضطر إلى مماحكات مضحكة في تفسير أحداث وأطوار في حياة البشرية لا سبيل إلى تفسيرها إلاّ على أساس القاعدة الاعتقادية. والتفسير الإسلامي - بشموله وجديته وصدقه وواقعيته - لا يغفل أثر العناصر المادية - التي يجعلها التفسير المادي هي كل شيء - ولكنه يعطيها مكانها الذي تستحقه في رقعة الحياة العريضة؛ ويبرز العناصر الفعالة الأخرى التي لا ينكرها إلاّ أصحاب العناد الصفيق لواقعيات الوجود.. يبرز قدر الله من وراء كل شيء؛ ويبرز التغير الداخلي في الضمائر والمشاعر والعقائد والتصورات؛ ويبرز السلوك الواقعي والعنصر الأخلاقي.. ولا يغفل عاملاً واحداً من العوامل التي تجري بها سنة الله في الحياة.. ثم يمضي السياق يصور طبيعة العناد، التي ينبعث منها ذلك الإعراض؛ فيرسم نموذجاً عجيباً من النفوس البشرية.. ولكنه نموذج مع ذلك مكرور، يجده الإنسان في كل عصر وفي كل بيئة وفي كل جيل.. نموذج النفس المكابرة، التي يخرق الحق عينها ولا تراه! والتي تنكر ما لا يُنكر لأنه من الوضوح بحيث يخجل المخالف أن ينكره! على الأقل من باب الحياء!.. والقرآن يرسم هذا النموذج شاخصاً في كلمات قلائل على طريقة التعبير القرآني المبدعة المعجزة في التعبير والتصوير: {ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم، لقال الذين كفروا: إن هذا إلا سحر مبين}.. إنه ليس الذي يجعلهم يعرضون عن أيات الله، أن البرهان على صدقها ضعيف، أو غامض، أو تختلف فيه العقول. إنما الذي يجعلهم يقفون هذا الموقف هو المكابرة الغليظة والعناد الصفيق! وهو الإصرار مبدئياً على الرفض والإنكار وعدم اعتبار البرهان أو النظر إليه أصلاً! ولو أن الله - سبحانه - نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا القرآن، لا عن طريق الوحي الذي لا يرونه؛ ولكن في ورقة منظورة ملموسة محسوسة؛ ثم لمسوا هم هذه الورقة بأيديهم - لا سماعاً عن غيرهم، ولا مجرد رؤية بعيونهم - ما سلموا بهذا الذي يرونه ويلمسونه، ولقالوا جازمين مؤكدين: {إن هذا الا سحر مبين}. وهي صورة صفيقة، منكرة، تثير الاشمئزاز، وتستعدي من يراها عليها! صورة تثير النفس لتتقدم فتصفعها! حيث لا مجال مع هذه الجبلات لحجة أو جدل أو دليل! وتصويرها على هذا النحو - وهي صورة تمثل حقيقة لنماذج مكرورة - يؤدي غرضين أو عدة أغراض: إنه يجسم للمعارضين أنفسهم حقيقة موقفهم الشائن الكريه البغيض؛ كالذي يرفع المرآة لصاحب الوجه الشائه والسحنة المنكرة، ليرى نفسه في هذه المرآة، ويخجل منها! وهو في الوقت ذاته يستجيش ضمائر المؤمنين تجاه إعراض المشركين وإنكار المنكرين؛ ويثبت قلوبهم على الحق، فلا تتأثر بالجو المحيط من التكذيب والإنكار والفتنة والإيذاء. كذلك هو يوحي بحلم الله الذي لا يعجل على هؤلاء المعارضين المكذبين، وهم في مثل هذا العناد المنكر الصفيق. وكلها أسلحة وحركة في المعركة التي كانت تخوضها الجماعة المسلمة بهذا القرآن في مواجهة المشركين. بعد ذلك يحكي نموذجاً من اقتراحات المشركين، التي يمليها التمحل والعناد، كما يمليها الجهل وسوء التصور.. ذلك إذ يقترحون أن ينزل الله - سبحانه - على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ملكاً يصاحبه في تبليغ الدعوة؛ ويصدقه في أنه مرسل من عند الله.. ثم يبين لهم ما في هذا الاقتراح من جهل بطبيعة الملائكة، وبسنة الله في إرسالهم، كما يبين لهم رحمة الله بهم في أن لا يستجيب لهم فيما يقترحون: {وقالوا: لولا أنزل عليه ملك! ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون. ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً، وللبسنا عليهم ما يلبسون}.. وهذا الاقتراح الذي كان المشركون يقترحونه؛ والذي اقترحه من قبلهم أقوام كثيرون على رسلهم - كما يحكي القرآن الكريم في قصصهم - والرد القرآني عليه في هذا الموضع.. هذا وذاك يثيران جملة حقائق نلم بها هنا بقدر الإمكان: الحقيقة الأولى: أن أولئك المشركين من العرب لم يكونوا يجحدون الله؛ ولكنهم كانوا يريدون برهاناً على ان الرسول - صلى الله عليه وسلم - مرسل من عنده؛ وأن هذا الكتاب الذي يتلوه عليهم منزل من عند الله حقاً. ويقترحون برهاناً معيناً: هو أن ينزل الله عليه ملكاً يصاحبه في الدعوة ويصدق دعواه.. ولم يكن هذا إلا اقتراحاً من اقتراحات كثيرة من مثله، ورد ذكرها في القرآن في مواضع منه شتى. وذلك كالذي ورد في سورة الإسراء، وهو يتضمن هذا الاقتراح، واقتراحات من نوعه تدل كلها على التعنت الذي وصفته الآية السابقة، كما تدل على الجهل بكثير من الحقائق الكونية وكثير من القيم الحقيقية: {أية : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل، فأبى أكثر الناس إلا كفوراً. وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه. قل: سبحان ربي! هل كنت إلا بشراً رسولاً؟ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا: أبعث الله بشراً رسولاً؟ قل: لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً}تفسير : (الإسراء: 89 -95). ومن مثل هذه الاقتراحات يتبين التعنت كما تتبين الجهالة.. وإلا فقد كان لهم من خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يعرفونه جيداً بالخبرة الطويلة؛ ما يدلهم على صدقة وأمانته وهم كانوا يلقبونه الأمين، ويودعون لديه أماناتهم حتى وهم معه على أشد الخلاف؛ وقد هاجر - صلى الله عليه وسلم - وترك ابن عمه علياً - رضي الله عنه - يرد إلى قريش ودائعهم التي كانت ما تزال عنده؛ وهم معه على الخلاف الذي يدبرون معه قتله! وكذلك كان صدقه عندهم مستيقناً كأمانته؛ فإنه لما دعاهم أول مرة دعوة جماعية جهرية على الصفا - حين أمره ربه بذلك - وسألهم: إن كانوا يصدقونه لو أنبأهم بنبأ، أجابوه كلهم بأنه عندهم مصدق.. فلو كانوا يريدون أن يعلموا صدقه لقد كان لهم في ماضيه برهان، ولقد كانوا يعلمون: إنه لصادق.. وسيأتي في سياق السورة خبر الله الصادق لنبيه: أنهم لا يكذبونه{أية : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون. فإنهم لا يكذبونك. ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون}تفسير : فهي الرغبة في الإنكار والإعراض؛ وهو العناد والاستكبار عن الحق. وليس أنهم يشكون في صدقه صلى الله عليه وسلم! ثم لقد كان لهم في القرآن ذاته برهان أصدق من هذه البراهين المادية التي يطلبون. فإن هذا القرآن شاهد بذاته، بتعبيره ثم بمحتوى هذا التعبير، على أنه من عند الله.. وهم لم يكونوا يجحدون الله.. وهم - على وجه التأكيد - كانوا يحسون ذلك ويعرفونه.. كانوا يعرفون بحسهم اللغوي الأدبي الفني مدى الطاقة البشرية؛ ويعرفون أن هذا القرآن فوق هذا المدى - وهذا الإحساس يعرفه من يمارس فن القول ويتذوقه أكثر مما يعرفه من ليست له هذه الممارسة. وكل من مارس فن القول يدرك إدراكاً واضحاً أن هذا القرآن فوق ما يملك البشر أن يبلغوا؛ لا ينكر هذا إلا معاند يجد الحق في نفسه ثم يخفيه! كما أن المحتوى القرآني من التصور الاعتقادي والمنهج الذي يتخذه لتقرير هذا الاعتقاد في الإدراك البشري، ونوع المؤثرات واللمسات الموحية.. كلها غير معهود في طبيعة التصورات البشرية والمناهج البشرية، والطرائق البشرية في الأداء النفسي والتعبيري أيضاً.. والعرب لم يكن يخفى عليهم الشعور بهذا في قرارة نفوسهم. وأقوالهم ذاتها وأحوالهم تقرر أنهم ما كانوا يشكون في أن هذا القرآن من عند الله.. وهكذا يبدو أن هذه الاقتراحات لم تكن طلبا للبرهان؛ إنما كانت وسيلة من وسائل الإعنات؛ وأسلوباً من أساليب التعنت؛ وخطة للمماحكة والمعاندة؛ وأنهم كانوا كما قال الله سبحانه عنهم في الآية السابقة: {ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم، لقال الذين كفروا: إن هذا إلا سحر مبين}! والحقيقة الثانية: أن العرب كانوا يعرفون الملائكة؛ وكانوا يطلبون أن ينزل الله على رسوله ملكاً يدعو معه ويصدقه.. ولكنهم لم يكونوا يعرفون طبيعة هذا الخلق التي لا يعلمها إلا الله؛ وكانوا يخبطون في التيه بلا دليل في تصور هذا الخلق؛ وفي نوع علاقته بربه؛ ونوع علاقته بالأرض وأهلها.. وقد حكى القرآن الكريم كثيراً من ضلالات العرب وأساطير الوثنية حول الملائكة؛ وصححها كلها لهم ليستقيم تصور من يهتدي بهذا الدين منهم؛ وتصح معرفتهم لهذا الكون وما يعمره من خلائق. وكان الإسلام - من هذا الجانب - منهجاً لتقويم العقل والشعور، كما كان منهجاً لتقويم القلب والضمير، ومنهجاً لتقويم الأوضاع والأحوال سواء.. وحكى القرآن الكريم من أضاليل العرب ومن جهالاتهم في جاهليتهم، أنهم كانوا يظنون أن الملائكة بنات الله! سبحانه وتعالى عما يصفون! وأنهم - من ثم - لهم شفاعة عند الله لا ترد! والراجح أن بعض كبار الأصنام كانت رموزاً للملائكة! كما حكى قولهم هذا في طلبهم أن ينزل الله على رسوله ملكاً ليصدقه في دعواه.. وقد صحح لهم القرآن ضلالتهم الأولى في مواضع منه شتى. كالذي جاء في سورة النجم: {أية : أفرأيتم اللات والعزى؟ ومناة الثالثة الأخرى؟ ألكم الذكر وله الأنثى؟ تلك إذن قسمة ضيزى! إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. أم للإنسان ما تمنى؟ فلله الآخرة والأولى. وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى. وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً }. تفسير : كما صحح لهم ضلالتهم الثانية في تصورهم لطبيعة الملائكة في هاتين الآيتين في هذه السورة وفي مواضع أخرى كثيرة: {وقالوا: لولا أنزل عليه ملك! ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون}.. وهذا جانب من التعريف بهذا الخلق من عباد الله.. إنهم يقترحون أن ينزل الله ملكاً، ولكن سنة الله أن ينزل الملائكة - حين ينزلون إلى الأرض على قوم كذبوا برسولهم - أن ينزلوا للتدمير عليهم، وتحقيق أمر الله فيهم بالهلاك والدمار. ولو أن الله استجاب للمشركين من العرب فأنزل ملكاً، لقضي الأمر، وتم التدمير، ولم يُنظروا إلى مهلة بعد هذا التنزيل! فهل هذا ما يريدون وما يقترحون؟ وهلا يستشعرون رحمة الله في عدم إجابتهم لما يقترحون لأنفسهم من الهلاك المبين؟!.. هكذا يقفهم السياق وجهاً لوجه أمام رحمة الله بهم وحلمه عليهم؛ وأمام جهلهم بمصلحة أنفسهم، وجهلهم بسنة الله في تنزيل الملائكة.. وهم بهذا الجهل الذي يكاد يدمر عليهم حياتهم، يرفضون الهدى ويرفضون الرحمة ويتعنتون في طلب الدليل! والجانب الثاني من التعريف بهذا الخلق من عباد الله تتضمنه الآية الثانية: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً، وللبسنا عليهم ما يلبسون}.. إنهم يقترحون أن ينزل الله - سبحانه - ملكاً على رسوله - صلى الله عليه وسلم - يصدقه في دعواه.. ولكن الملائكة خلق آخر غير الخلق الإنساني. خلق ذو طبيعة خاصة يعلمها الله. وهم - كما يقول الله عنهم، ونحن لا علم لنا بهم إلا مما يقوله عنهم الذي خلقهم - لا يستطيعون أن يمشوا في الأرض بهيئتهم التي خلقهم الله عليها؛ لأنهم ليسوا من سكان هذا الكوكب؛ ولكن لهم - مع ذلك - من الخصائص ما يجعلهم يتخذون هيئة البشر حين يؤدون وظيفة من وظائفهم في حياة البشر؛ كتبليغ الرسالة؛ أو التدمير على من يريد الله أن يدمر عليهم من المكذبين؛ أو تثبيت المؤمنين، أو قتال أعدائهم وقتلهم.. إلى آخر الوظائف التي يقص القرآن الكريم أنهم يكلفون بها من ربهم، فلا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. فلو شاء الله أن يرسل ملكاً يصدق رسوله، لتبدى للناس في صورة رجل - لا في صورته الملائكية - وعندئذ يلتبس عليهم الأمر مرة أخرى! وإذا كانوا يلبسون على أنفسهم الحقيقة ومحمد - صلى الله عليه وسلم - يقول لهم: أنا محمد الذي تعرفونه أرسلني الله إليكم لأنذركم وأبشركم.. فكيف يكون اللبس إذا جاءهم ملك - في صورة رجل لا يعرفونه - يقول لهم: أنا ملك أرسلني الله لأصدق رسوله.. بينما هم يرونه رجلاً كأي منهم؟! إنهم يلبسون الحقيقة البسيطة. فلو أرسل الله ملكاً لجعله رجلاً وللبس عليهم الحقيقة التي يلبسونها؛ ولما اهتدوا قط إلى يقين! وهكذا يكشف الله - سبحانه - جهلهم بطبيعة خلائقه، كما كشف لهم جهلهم في معرفة سنته.. وذلك بالإضافة إلى كشف تعنتهم وعنادهم بلا مبرر، وبلا معرفة، وبلا دليل! والحقيقة الثالثة التي يثيرها النص القرآني في الفكر: هي طبيعة التصور الإسلامي ومقومات هذا التصور - ومن بينها تلك العوالم الظاهرة والمغيبة التي علم الإسلامُ المسلمَ أن يدركها أولاً، وأن يتعامل معها أخيراً - ومن بين تلك العوالم المغيبة عالم الملائكة.. وقد جعل الإسلام الإيمان بها مقوماً من مقومات الإيمان، لا يتم الإيمان إلا به.. الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.. وقد سبق أن ذكرنا في هذه الظلال ونحن نتحدث عن مطلع سورة البقرة: ما ملخصه أن الإيمان بالغيب نقلة في حياة الإنسان ضخمة؛ لأن خروجه من دائرة المحسوس الضيقة إلى إدراك أن هناك غيباً مجهولاً يمكن وجوده ويمكن تصوره، هو - بلا شك - نقلة من دائرة الحس الحيواني إلى مجال الإدراك الإنساني. وأن إغلاق هذا المجال دون الإدراك الإنساني نكسة به إلى الوراء؛ وهو ما تحاوله المذاهب المادية الحسية؛ وتدعوه "تقدمية"! وسنتحدث - إن شاء الله - بشيء من التفصيل عن "الغيب" عندما نواجه في هذه السورة قوله تعالى: {أية : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}تفسير : فنقصر الحديث هنا عن الملائكة، من عالم الغيب. لقد تضمن التصور الإسلامي عن عالم الغيب، أن هناك خلقاً من عباد الله اسمهم الملائكة. وأخبرنا القرآن الكريم عن قدر من صفاتهم، يكفي لهذا التصور ويكفي للتعامل معهم في حدوده. فهم خلق من خلق الله، يدين لله بالعبودية، وبالطاعة المطلقة؛ وهم قريبون من الله - لا ندري كيف ولا ندري نوع القرب على وجه التحديد -: {أية : وقالوا اتخذ الرحمن ولداً. سبحانه! بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} {أية : ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون }.. تفسير : وهم يحملون عرش الرحمن، ويحفون به يوم القيامة كذلك - لا ندري كيف فليس لنا من علم إلا بقدر ما كشف الله لنا في هذا الغيب -: {أية : الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به...}.. {أية : وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، وقضي بينهم بالحق وقيل: الحمد لله رب العالمين }.. تفسير : وهم خزنة الجنة وخزنة النار، يستقبلون أهل الجنة بالسلام والدعاء، ويستقبلون أهل النار بالتأنيب والوعيد: {أية : وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً، حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها: ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا: بلى! ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين: قيل: ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين. وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً، حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها: سلام عليكم، طبتم فادخلوها خالدين} {أية : وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة }.. تفسير : وهم يتعاملون مع أهل الأرض في صور شتى: فهم يقومون عليهم حفظة بأمر الله؛ يتابعونهم ويسجلون عليهم كل ما يصدر عنهم؛ ويتوفونهم إذا جاء أجلهم: {أية : وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} {أية : له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفطونه.. من أمر الله..} {أية : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }.. تفسير : وهم يبلغون الوحي إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.. وقد أعلمنا الله - سبحانه - أن جبريل عليه السلام هو الذي يقوم منهم بهذه الوظيفة: {أية : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده: أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون}.. {أية : قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله}تفسير : .. ووصفه - سبحانه بأنه ذو مرة (أي قوة) وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه على هيئته الملائكية مرتين اثنتين، بينما جاءه في صور شتى في مرات الوحي التالية: {أية : والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى. علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى. إذ يغشى السدرة ما يغشى. ما زاغ البصر وما طغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى... }.. تفسير : وهم يتنزلون على المؤمنين بالتثبيت والمدد والتأييد في معركتهم الكبرى مع الباطل والطاغوت: {أية : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} {أية : إذ تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم..} {أية : إذ يوحي ربك إلى الملائكة: أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان }.. تفسير : وهم مشغولون بأمر المؤمنين، يسبحون ربهم، ويستغفرون للذين آمنوا من ذنوبهم، ويدعون ربهم لهم دعاء المحب المشفق المشغول بشأن من يحب: {أية : الذي يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك، وقهم عذاب الجحيم. ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، إنك أنت العزيز الحكيم. وقهم السيئات، ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته، وذلك هو الفوز العظيم }.. تفسير : وهم كذلك يبشرون المؤمنين بالجنة عند قبض أرواحهم، ويستقبلونهم بالبشرى في الآخرة ويسلمون عليهم في الجنة: {أية : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، يقولون: سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} {أية : .. جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار }.. تفسير : وهم يستقبلون الكافرين في جهنم بالتأنيب والوعيد - كما سبق - ويقاتلونهم في معارك الحق كذلك. وكذلك هم يستلون أرواحهم في تعذيب وتأنيب ومهانة: {أية : ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم: أخرجوا أنفسكم، اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون}.. {أية : فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم! }.. تفسير : ولقد كان لهم شأن مع البشر منذ نشأة أبيهم آدم، كما أن هذه الصلة امتدت في طول الحياة وعرضها حتى مجال الحياة الباقية على النحو الذي أشرنا إليه في المقتطفات القرآنية السابقة. وشأن الملائكة مع النشأة الإنسانية يرد في مواضع شتى، كالذي جاء في سورة البقرة: {أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة. قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون. وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة، فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم: إني أعلم غيب السماوات والأرض، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين.. }.. تفسير : فهذا المجال الفسيح الذي تتصل فيه حياة البشر بهذا الملأ الأعلى، هو فسحة في التصور، وفسحة في إدراك حقائق هذا الوجود، وفسحة في الشعور، وفسحة في الحركة النفسية والفكرية، يتيحها التصور الإسلامي للمسلم؛ والقرآن يعرض عليه هذا المجال الفسيح، وعالم الغيب المتصل بما هو فيه من عالم الشهود. والذين يريدون أن يغلقوا على "الإنسان" هذا المجال.. ومجال عالم الغيب كله.. إنما يريدون به أقبح الشر.. يريدون أن يغلقوا عالمه على مدى الحس القريب المحدود؛ ويريدون بذلك أن يزجوا به في عالم البهائم؛ وقد كرمه الله بقوة التصور؛ التي يملك بها أن يدرك ما لا تدركه البهائم؛ وأن يعيش في بحبوحة من المعرفة، وبحبوحة من الشعور! وأن ينطلق بعقله وقلبه إلى مثل هذا العالم؛ وأن يتطهر وهو يرف بكيانه كله في مثل هذا النور! والعرب في جاهليتهم - على كل ما في هذه الجاهلية من خطأ في التصور - كانوا (من هذا الجانب) أرقى من أهل الجاهلية (العلمية!) الحديثة؛ الذين يسخرون من الغيب كله! ويعدون الإيمان بمثل هذه العوالم الغيبية سذاجة غيرعلمية! ويضعون "الغيبية" في كفة، و "العلمية" في الكفة الأخرى! وسنناقش عند مواجهة قوله تعالى: {أية : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} تفسير : هذه الدعوى التي لا سند لها من العلم، كما أنه لا سند لها من الدين. أما هنا فنكتفي بكلمة مختصرة عن شأن الملائكة. ونسأل: ماذا عند أدعياء العقلية "العلمية"، من علمهم ذاته، يحتم عليهم نفي هذا الخلق المسمى بالملائكة، وإبعاده عن دائرة التصور والتصديق؟ ماذا لديهم من علم يوجب عليهم ذلك؟ إن علمهم لا يملك أن ينفي وجود حياة من نوع آخر غير الحياة المعروفة في الأرض في أجرام أخرى، يختلف تركيب جوها وتختلف طبيعتها وظروفها عن جو الأرض وظروفها.. فلماذا يجزمون بنفي هذه العوالم، وهم لا يملكون دليلاً واحداً على نفي وجودها؟ إننا لا نحاكمهم إلى عقيدتنا، ولا إلى قول الله سبحانه! إنما نحاكمهم إلى "علمهم" الذي يتخذونه إلهاً.. فلا نجد إلا أن المكابرة وحدها - من غير أي دليل من هذا العلم - هي التي تقودهم إلى هذا الإنكار "غير العلمي"! ألمجرد أن هذه العوالم غيب؟ لقد نرى حين نناقش هذه القضية أن الغيب الذي ينكرونه هو الحقيقة الوحيدة التي يجزم هذا "العلم" اليوم بوجودها؛ حتى في عالم الشهادة الذي تلمسه الأيدي وتراه العيون. وتنتهي هذه الموجة بعرض ما وقع للمستهزئين بالرسل. ودعوة المكذبين إلى تدبر مصارع أسلافهم، والسير في الأرض لرؤية هذه المصارع؛ الناطقة بسنة الله في المستهزئين المكذبين: {ولقد استهزىء برسل من قبلك، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون. قل: سيروا في الأرض، ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين}.. إن هذه اللفتة - بعد ذكر إعراضهم عناداً وتعنتاً؛ وبعد بيان ما في اقتراحاتهم من عنت وجهالة؛ وما في عدم الاستجابة لهذه المقترحات من رحمة من الله وحلم - لترمي إلى غرضين ظاهرين: الأول: تسلية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتسرية عنه، مما يلقاه من عناد المعرضين، وعنت المكذبين؛ وتطمين قلبه - صلى الله عليه وسلم - إلى سنة الله سبحانه في أخذ المكذبين المستهزئين بالرسل؛ وتأسيته كذلك بأن هذا الإعراض والتكذيب ليس بدعاً في تاريخ الدعوة إلى الحق. فقد لقي مثله الرسل قبله؛ وقد لقي المستهزئون جزاءهم الحق وحاق بهم ما كانوا يستهزئون به من العذاب، ومن غلبة الحق على الباطل في نهاية المطاف.. والثاني: لمس قلوب المكذبين المستهزئين من العرب بمصارع أسلافهم من المكذبين المستهزئين: وتذكيرهم بهذه المصارع التي تنتظرهم إن هم لجوا في الاستهزاء والسخرية والتكذيب. وقد أخذ الله - من قبلهم - قروناً كانت أشد منهم قوة وتمكيناً في الأرض؛ وأكثر منهم ثراء ورخاء، كما قال لهم في مطلع هذه الموجة؛ التي ترج القلوب رجاً بهذه اللفتات الواقعية المخيفة. ومما يستدعي الانتباه ذلك التوجيه القرآني: {قل: سيروا في الأرض، ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين}.. والسير في الأرض للاستطلاع والتدبر والاعتبار؛ ولمعرفة سنن الله مرتسمة في الأحداث، والوقائع؛ مسجلة في الآثار الشاخصة، وفي التاريخ المروي في الأحاديث المتداولة حول هذه الآثار في أرضها وقومها.. السير على هذا النحو، لمثل هذا الهدف، وبمثل هذا الوعي.. أمور كلها كانت جديدة على العرب؛ تصور مدى النقلة التي كان المنهج الإسلامي الرباني ينقلهم إليها من جاهليتهم إلى هذا المستوى من الوعي والفكر والنظر والمعرفة. لقد كانوا يسيرون في الأرض، ويتنقلون في أرجائها للتجارة والعيش، وما يتعلق بالعيش من صيد ورعي.. أما أن يسيروا وفق منهج معرفي تربوي.. فهذا كان جديداً عليهم. وكان هذا المنهج الجديد يأخذهم به؛ وهو يأخذ بأيديهم من سفح الجاهلية، في الطريق الصاعد، إلى القمة السامقة التي بلغوا إليها في النهاية. ولقد كان تفسير التاريخ الإنساني وفق قواعد منهجية كهذة التي كان القرآن يوجه إليها العرب؛ ووفق سنن مطردة تتحقق آثارها كلما تحققت أسبابها - بإذن الله - ويستطيع الناس ملاحظتها؛ وبناء تصوراتهم للمقدمات والنتائج عليها؛ ومعرفة مراحلها وأطوارها.. كان هذا المنهج برمته في تفسير التاريخ شيئاً جديداً على العقل البشري كله في ذلك الزمان. إذ كان قصارى ما يروى من التاريخ وما يدون من الأخبار، مجرد مشاهدات أو روايات عن الأحداث والعادات والناس؛ لا يربط بينها منهج تحليلي أو تكويني يحدد الترابط بين الأحداث، كما يحدد الترابط بين المقدمات والنتائج، وبين المراحل والأطوار.. فجاء المنهج القرآني ينقل البشرية إلى هذا الأفق؛ ويشرع لهم منهج النظر في أحداث التاريخ الإنساني. وهذا المنهج ليس مرحلة في طرائق الفكر والمعرفة. إنما هو "المنهج".. هو الذي يملك وحده إعطاء التفسير الصحيح للتاريخ الإنساني. والذين يأخذهم الدهش والعجب للنقلة الهائلة التي انتقل إليها العرب في خلال ربع قرن من الزمان على عهد الرسالة المحمدية، وهي فترة لا تكفي إطلاقاً لحدوث تطور فجائي في الأوضاع الاقتصادية، سيرتفع عنهم الدهش ويزول العجب، لو أنهم حولوا انتباههم من البحث في العوامل الاقتصادية؛ ليبحثوا عن السر في هذا المنهج الرباني الجديد، الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله العليم الخبير.. ففي هذا المنهج تكمن المعجزة، وفي هذا المنهج يكمن السر الذي يبحثون عنه طويلاً عند الإله الزائف الذي أقامته المادية حديثاً.. إله الاقتصاد.. وإلا فأين هو التحول الاقتصادي المفاجئ في الجزيرة العربية؛ الذي ينشئ من التصورات الاعتقادية ونظام الحكم، ومناهج الفكر، وقيم الأخلاق، وآماد المعرفة، وأوضاع المجتمع، كل هذا الذي نشأ في ربع قرن من الزمان؟! إن هذه اللفتة: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين}. إلى جانب اللفتة التي جاءت في صدر هذه الموجة من قوله تعالى: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم، وأرسلنا السماء عليهم مدراراً، وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم، فأهلكناهم بذنوبهم، وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين}.. إلى جانب أمثالها في هذه السورة وفي القرآن كله لتؤلف جانباً من منهج جديد جدة كاملة على الفكر البشري. وهو منهج باق. ومنهج كذلك فريد..

ابن عاشور

تفسير : هذا انتقال إلى كفران المشركين في تكذيبهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن أقيمت عليهم الحجّة ببطلان كفرهم في أمر الشرك بالله في الإلٰهيّة، وقد عطف لأنّ الأمرين من أحوال كفرهم ولأنّ الذي حملهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم هو دعوته إياهم إلى التوحيد، فمن أجله نشأ النزاع بينهم وبينه فكذبوه وسألوه الآيات على صدقه. وضمائر جمع الغائبين مراد منها المشركون الذين هم بعض من شملته ضمائر الخطاب في الآية التي قبلها، ففي العدول عن الخطاب إلى الغيبة بالنسبة إليهم إلتفات أوجبه تشهيرهم بهذا الحال الذميم، تنصيصاً على ذلك، وإعراضاً عن خطابهم، وتمحيضاً للخطاب للمؤمنين، وهو من أحسن الالتفات، لأنّ الالتفات يحسنّه أن يكون له مقتض زائد على نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب المرادُ منه تجديد نشاط السامع. وتكون الواو استئنافية وما بعدها كلاماً مستأنفاً ابتدائياً. واستعمل المضارع في قوله: {تأتيهم} للدلالة على التجدّد وإن كان هذا الإتيان ماضياً أيضاً بقرينة المضي في قوله: {إلا كانوا}. والمراد بإتيانها بلوغها إليهم وتحدّيهم بها، فشبّه البلوغ بمجيء الجائي، كقول النابغة : شعر : أتاني أبيت اللعن أنّك لمتني تفسير : وحذف ما يدّل على الجانب المأتي منه لظهوره من قوله: {من آيات ربّهم}، أي ما تأتيهم من عند ربّهم آية من آياته إلاّ كانوا عنها معرضين. و{من} في قوله: {من آية} لتأكيد النفي لقصد عموم الآيات التي أتت وتأتي. و{من} التي في قوله: {من آيات ربّهم} تبعيضية. والمراد بقوله: {من آية} كلّ دلالة تدلّ على انفراد الله تعالى بالإلٰهية. من ذلك آيات القرآن التي لإعجازها لم كانت دلائل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به من الوحدانية. وكذلك معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام مثل انشقاق القمر. وتقدّم معنى الآية عند قوله تعالى: {أية : والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا} تفسير : في سورة البقرة (39). وإضافة الربّ إلى ضميرهم {هم} لقصد التسجيل عليهم بالعقوق لحقّ العبودية، لأنّ من حقّ العبد أن يُقبل على ما يأتيه من ربّه وعلى من يأتيه يقول له: إنّي مُرسل إليك من ربّك، ثمّ يتأمّل وينظر، وليس من حقّه أن يعرض عن ذلك إذ لعلّه يعرض عمّا إن تأمله علم أنّه من عند ربّه. والاستثناء مفرّغ من أحوال محذوفة. وجملة: {كانوا عنها معرضين} في موضع الحال. واختير الإتيان في خبر كان بصيغة اسم الفاعل للدلالة على أنّ هذا الإعراض متحقّق من دلالة فعل الكون، ومتجدّد من دلالة صيغة اسم الفاعل لأنّ المشتقّات في قوة الفعل المضارع. والاستثناء دلّ على أنّهم لم يكن لهم حال إلاّ الإعراض. وإنّما ينشأ الإعراض عن اعتقاد عدم جدوى النظر والتأمّل، فهو دليل على أنّ المعرض مكذّب للمخبِر المعرِض عن سماعه. وأصل الإعراض صرف الوجه عن النظر في الشيء وهو هنا مجاز في إباء المعرفة، فيشمل المعنى الحقيقي بالنسبة إلى الآيات المبصرات كانشقاق القمر، ويشمل ترك الاستماع للقرآن، ويشمل المكابرة عن الاعتراف بإعجازه وكونه حقّاً بالنسبة للذين يستمعون القرآن ويكابرونه، كما يجيء في قوله: {ومنهم من يستمع إليك}. وتقديم المجرور للرعاية على الفاصلة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: من آية: المراد بالآية هنا آيات القرآن الكريم الدالة على توحيد الله تعالى والإِيمان برسوله ولقائه يوم القيامة. معرضين: غير ملتفتين إليها ولا مفكرين فيها. الحق: الحق هنا هو النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الدين الحق. أنباء: أخبار ما كانوا به يستهزئون وهو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. من قرن: أي أهل قرن من الأمم السابقة، والقرن مائة سنة. مكنا لهم في الأرض: أعطيناهم من القوة المادية ما لم نعط هؤلاء المشركين. مدراراً: مطراً متواصلاً غزيراً. بذنوبهم: أي بسبب ذنوبهم وهي معصية الله ورسله. وأنشأنا: خلقنا بعد إهلاك الأولين أهل قرن آخرين. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن أولئك الذين يعدلون بربهم غيره من مخلوقاته فيقول تعالى عنهم: وما تأتيهم من آية من آيات ربهم التي يوحيها إلى رسوله ويضمها كتابه القرآن الكريم، إلا قابلوها بالإِعراض التام، وعدم الالتفات إلى ما تحمله من هدى ونور، وسبب ذلك أنهم قد كذبوا بالحق لما جاءهم وهو الرسول وما معه من الهدى، وبناء على ذلك {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} وقد استهزأوا بالوعيد وسينزل بهم العذاب الذي كذبوا به واستهزأوا، وأول عذاب نزل بهم هزيمتهم يوم بدر، ثم القحط سبع سنين، ومن مات منهم على الشرك فسوف يعذب في نار جهنم أبداً، ويقال لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تستهزئون وقوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} أي كثيراً من أهل القرون الماضية مكن الله تعالى لهم في الأرض من الدولة والسلطان والمال والرجال ما لم يمكن لهؤلاء المشركين من كفار قريش، وأرسل على أولئك الذين مكن لهم السماء مدراراً بغزير المطر وجعل لهم في أرضهم الأنهار تجري من تحت أشجارهم وقصورهم، فلما أنكروا توحيدي وكذبوا رسولي، وعصوا أمري {فَأَهْلَكْنَٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ}، لا ظلماً منا ولكن بظلمهم هم لأنفسهم، وأوجدنا بعدهم قوماً آخرين، وكان ذلك علينا يسيراً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التكذيب بالحق هو سبب الإِعراض عنه فلو آمنوا به لأقبلوا عليه. 2- الاستهزاء والسخرية بالدين من موجبات العذاب وقرب وقوعه. 3- العبرة بهلاك الماضين، ومصارع الظالمين. 4- هلاك الأمم كان بسبب ذنوبهم، فما من مصيبة إلا بذنب.

القطان

تفسير : الآية: العلامة والعبرة والحجة، ومن القرآن جملة او جُمل. الاعراض: التولي عن الشيء. الحق: دين الله الذي جاء به خاتم رسله. الإنباء: الإخبار الذي جاء به القرآن الكريم من وعد ووعيد القرن: القوم المقترنون في زمن واحد، جمعُه قرون. مكّناهم في الارض: جعلناهم يتصرفون فيها. ارسلنا عليهم السماء مدرارا: امطرنا عليهم مطرا غزيرا. بعد أن أرشد سبحانه وتعالى في الآيات السالفة الى دلائل وحدانيته، وذكَر انها على شدة وضوحها لم تنمع المشركين من أن يتجاهلون ذلك كله - جاءت هذه الآية تقرر أن لله آياتٍ يبعث بها أنبياءه إلى خلقه، وهي آيات الشرائع والاحكام، وآيات الخلق والاتقان. لكن الناس مع وضوح هذه الآيات تأخذهم فتنة الحياة، فيُعرضون ويكذّبون. ثم توعّدهم ربهم على إعراضهم ذاك وأنذرهم عاقبة التكذيب بالحق، ووجَّه أنظارهم الى ما حل بالأمم التي قبلهم لعلّم يرعوون. {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ}. ولا تنزلُ عليهم آية من تلك الآيات الناطقة بتفصيل بدائع صنع الله إلا أعرضوا عنها استهزاءً وتكذيبا. ولما بيّن تعالى أن شأنهم الإعراضُ عن الآيات قال: {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} اي أنه بسببٍ من ذلك الإِعراض عن النظر في الآيات كذّبوا بالحق الذي جاءهم به النبيّ عليه السلام، ولم يتأملوا ما فيه. ثم هدّدهم وتوعدهم على تكذيبهم فقال: {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي ان عاقبة التكذيب أن تحل بهم العقوبات العاجلة، من نصر رسوله وأصحابه، وإظهار دينه على الدين كله. وقد حقق ذلك، وتم فتح مكة والنصر لدين الله. وبعد ان توعدهم سبحانه بنزول العذاب بهم بيّن أنّ مما جرت به سُنّته في المكذبين قبلهم ليتّعظوا فقال: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ؟} ألم يَعْلموا أنّنا أهلَكْنا أُمماً كثيرةً قبلَهُم، أعطَيْناهم مِن أسبابِ القُوّة والبقاءِ في الأرضِ ووسّعنا عليهم في الرزق والنعيم ما لم نُعْطِكم مثلَه ايها الكافرون. ولما لم يشكروا هذه النِعم، أهلكناهم بسبب شركهم وكثرة ذنوبهم {وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} اي أوجدنا أناساً غيرهم خيراً منهم. وفي هذه الآية ردّ على كفار مكة وهدمٌ لغرورهم بقوتهم وثروتهم، قبالة ضعف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفقرهم في ذلك الوقت. كما حكى الله عنهم في قوله: {أية : وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} تفسير : [سبأ:35].

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَةٍ} {آيَاتِ} (4) - وَمَا تَنْزِلُ عَلَى المُشْرِكِينَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ القُرْآنِ تَلْفِتُ أَنْظَارَهُمْ إِلَى مَا أَبْدَعَهُ الخَالِقُ مِنْ صُنْعٍ فِي خَلْقِهِ هذا الكَوْنَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى وَحدَانِيَّتِهِ وَتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، وَعَلى صِدْقِ مَا أَرْسَلَ بِهِ الأَنْبِياءَ، إلاَّ أَعْرَضَ عَنْهَا هؤُلاءِ الكَفَرَةُ المُكَذِّبُونَ، اسْتِهزاءً وَاسْتِكْبَاراً غَيْرَ مُتَدَبِّرينَ مَعْنَاها، وَلا مُتَفَكِّرِينَ فِي دَلاَلَتِها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كأن الآيات الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدق البلاغ عن ربه لا تقنعهم، بل يعرضون عنها. مع أن الواجب كان يقتضي أن يرهفوا الآذان لما يحل لهم لغز الحياة. وما زال الإعراض مستمراً حتى زماننا هذا بالرغم من أننا توصلنا إلى معرفة العمر الافتراضي لبعض الأشياء التي من صناعتنا مثل مصباح الكهرباء الذي يتغير بعد كل فترة، وغيره من الأجهزة، ولكنا لا نعرف العمر الافتراضي للشمس ولم تحتج إلى صيانة ذات مرة، ولم نجد من يسأل: (وكيف يحدث كل هذا الإعجاز؟). وقد أتى الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين لنا أن الذي خلق الخلق كله يخبرنا بمطلوبه ويفسر لنا الكون، ولكن الإنسان يعرض عن ذلك. إن أول "مطب" يقع فيه الإنسان، أنه تأتيه الآيات التي تدل على لغز هذا الوجود من خالق الوجود، وكيفية تدبير الكون قبل وجود الإنسان، وكيفية جعل ما في الكون من قوت يقيم به حياته ويستبقي نوعه، وبرغم ذلك ينصرف عن سماع كل ذلك. إن الكفار لم يعرضوا فقط، بل انتقلوا إلى المرحلة الثانية وهي التكذيب، فلم يكتفوا بترك خبر الإيمان والإعراض عنه ولكنهم يزيدون في ذلك ما يوضحه الحق بقوله: {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا إخبار منه تعالى عن إعراض المشركين، وشدة تكذيبهم وعداوتهم، وأنهم لا تنفع فيهم الآيات حتى تحل بهم المثلات، فقال: { وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِم } الدالة على الحق دلالة قاطعة، الداعية لهم إلى اتباعه وقبوله { إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِين } لا يلقون لها بالا ولا يصغون لها سمعا، قد انصرفت قلوبهم إلى غيرها، وولوها أدبارَهم. { فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ } والحق حقه أن يتبع، ويشكر الله على تيسيره لهم، وإتيانهم به، فقابلوه بضد ما يجب مقابلته به فاستحقوا العقاب الشديد. { فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي: فسوف يرون ما استهزؤوا به، أنه الحق والصدق، ويبين الله للمكذبين كذبهم وافتراءهم، وكانوا يستهزؤون بالبعث والجنة والنار، فإذا كان يوم القيامة قيل للمكذبين: {أية : هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ }. تفسير : وقال تعالى: {أية : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ } تفسير : ثم أمرهم أن يعتبروا بالأمم السالفة فقال { أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ } أي كم تتابع إهلاكنا للأمم المكذبين وأمهلناهم قبل ذلك الإهلاك بأن { مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ } لهؤلاء من الأموال والبنين والرفاهية. { وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ } فينبت لهم بذلك ما شاء الله من زروع وثمار يتمتعون بها ويتناولون منها ما يشتهونفلم يشكروا الله على نعمه بل أقبلوا على الشهوات وألهتهم أنواع اللذات فجاءته مرسلهم بالبينات فلم يصدقوها بل ردوها وكذبوها فأهلكهم الله بذنوبهم وأنشأ { مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ }. فهذه سنة الله ودأبه في الأمم السابقين واللاحقين فاعتبروا بمن قص الله عليكم نبأهم.