Verse. 794 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

فَقَدْ كَذَّبُوْا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاۗءَہُمْ۝۰ۭ فَسَوْفَ يَاْتِيْہِمْ اَنْۢبٰۗـؤُا مَا كَانُوْا بِہٖ يَسْتَہْزِءُوْنَ۝۵
Faqad kaththaboo bialhaqqi lamma jaahum fasawfa yateehim anbao ma kanoo bihi yastahzioona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فقد كذٌبوا بالحق» بالقرآن «لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء» عواقب «ما كانوا به يستهزئون».

5

Tafseer

الرازي

تفسير : أعلم أنه تعالى رتب أحوال هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب، فالمرتبة الأولى: كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل والتفكر في البينات، والمرتبة الثانية: كونهم مكذبين بها وهذه المرتبة أزيد مما قبلها، لأن المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذباً به، بل يكون غافلاً عنه غير متعرض له، فإذا صار مكذباً به فقد زاد على الأعراض، والمرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين بها لأن المكذب بالشيء قد لا يبلغ تكذيبه به إلى حد الاستهزاء، فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في الانكار، فبين تعالى أن أولئك الكفار وصلوا إلى هذه المراتب الثلاثة على هذا الترتيب. واختلفوا في المراد بالحق فقيل إنه المعجزات: قال ابن مسعود: انشق القمر بمكة وانفلق فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة، وقيل إنه القرآن، وقيل: إنه محمد صلى الله عليه وسلم وقيل إنه الشرع الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم والأحكام التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم وقيل إنه الوعد والوعيد، الذي يرغبهم به تارة ويحذرهم بسببه أخرى، والأولى دخول الكل فيه. وأما قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يستهزءُن} المراد منه الوعيد والزجر عن ذلك الاستهزاء، فيجب أن يكون المراد بالأنباء الأنباء لا نفس الأنباء بل العذاب الذي أنبأ الله تعالى به ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ } تفسير : [ص: 88] والحكيم إذا توعد فربما قال ستعرف نبأ هذا الأمر إذ نزل بك ما تحذره، وإنما كان كذلك لأن الغرض بالخبر الذي هو الوعيد حصول العلم بالعقاب الذي ينزل فنفس العقاب إذا نزل يحقق ذلك الخبر، حتى تزول عنه الشبهة. ثم المراد من هذا العذاب يحتمل أن يكون عذاب الدنيا، وهو الذي ظهر يوم بدر ويحتمل أن يكون عذاب الآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ } بالقرآن {لَمَّا جآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ } عواقب {مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ }.

ابن عادل

تفسير : "الفاء" هنا للتَّعْقِيبِ، يعني: أنَّ الإعْرَاض عن الآيات أعْقَبَهُ التَّكْذِيبُ. وقال الزمخشري: "فَقَدْ كَذَّبوا" مردودٌ على كلامٍ محذوف، كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات، فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها. وقال أبو حيان: ولا ضرورة تدعو إلى هذا في انتظام الكلام وقوله: "بالحق" من إقامة الظاهر مقام المُضْمَرِ، إذ الأصل: فقد كذبوا بها أي: بالآية. فصل في بيان المراد "بالحق" والمُرَادُ بالحقِّ ها هنا القرآن. وقيل: [محمد صلى الله عليه وسلم وقيل:] جميع الآيات. فصل واعلم أنَّهُ - تعالى - رتّبَ أمورَ هؤلاء الكُفَّارِ على ثلاث مراتب: أولها: كونهم معرضين عن التأمُّلِ والتَّفَكُّرِ في الدَّلائل [والبَيِّنَات]. والمرتبة الثانية: كونهم مكذ‍ّبين بها، وهذه أزْيَدُ ما قَبْلَهَا؛ لأنَّ المُعْرِضَ عن الشِّيء قد لا يكون مكذباً به، بل قد يكون غَفِلَ عنه؛ فإذا صَارَ مُكَذِّباً به، فقد زاد على الإعْرَاضِ. والمرتبة الثالثة: كونهم مُسْتَهْزِئينَ بها؛ [لأن المكذب] بالشيء قد لا يبلغ تكذيبه به إلى حدِّ الاسْتِهْزَاءِ، فإذا بلغ إلى هذا الحَدَّ، فقدْ بَلَغَ الغَايَة القُصْوَى في الإنكار، [ثُم] بَيَّن - تعالى - أنَّ أولئك الكُفَّار وصلوا في هذه المراتب الثلاثة على هذا الترتيب. قوله تعال:{فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}. "الأنبياء جمع "نبأ" وهو ما يعظم وقعه من الأخبار، وفي الكلام حَذْفٌ، أي: يأتيهم مَضْمونُ الأنباء، و "به" متعلّق بخبر "كانوا". و "لمّا" حرف وجوب أو ظرف زمان، والعامل فيه "كذبوا" و"ما" يجوز أن تكون موصولةٌ اسميةً، والضميرُ في "به" عائد عليها، ويجوز أن تكون مصدرية. قال ابن عطيّة: أي: أنباء كونهم مستهزئين، وعلى هذا فالضميرُ لا يعودُ عليها؛ لأنها حرفية؛ بل تعود على الحقِّ، وعند الأخفش يعود عليها؛ لأنها اسم عنده. ومعنى الآية: وسوف يأتيهم أخبارُ اسْتِهْزَائهِمْ وجَزَاؤهُ، أي: سيعلمون عاقبة اسْتهْزَائِهِمْ إذا عُذِّبُوا، فقيل: يوم "بدر" وقيل: يوم القيامة.

القشيري

تفسير : إنهم أصَرُّوا على الخلافِ مستكبرين، وعن قريب يقاسون وبالَ أمرهم، ويذوقون غِبَّ جُحْدِهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فقد كذبوا بالحق لما جآءهم} فان الحق عبارة عن القرآن الذى اعرضوا عنه حيث اعرضوا عن كل آية منه وعبر عنه بذلك لكمال قبح ما فعلوا به فان تكذيب الحق مما لا يتصور صدوره عن احد والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على انه شئ مغاير له فى الحقيقة واقع عقيبه او حاصل بسببه بل على ان الاول عين الثانى حقيقة وانما الترتيب بسبب التغاير الاعتبارى كما فى قوله تعالى {أية : فقد جاءوا ظلما وزورا}تفسير : [الفرقان: 4]. بعد قوله تعالى {أية : وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون} تفسير : [الفرقان: 4] فان ما جاؤوه اى فعلوه من الظلم والزور عين قولهم المحكى لكنه لما كان مغايرا له مفهوما واشنع منه حالا رتب عليه بالفاء ترتيب اللازم على الملزوم تهويلا لامره كذلك مفهوم التكذيب بالحق لما كان اشنع من مفهوم الاعراض المذكور اخرج مخرج اللازم البطلان فرتب عليه بالفاء اظهارا لغاية بطلانه ثم قيد بذلك لكونه بلا تأمل تأكيدا لشناعته والمعنى انهم حيث اعرضوا عن تلك الآيات عند اتيانها فقد كذبوا بما لا يمكن تكذيبه اصلا من غير ان يتدبروا فى حاله ومآله {فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن} سوف لتأكيد مضمون الجملة والانباء جمع نبأ وهو الخبر الذى له عظم وشأن وما عبارة عن الحق المذكور وانباؤه عبارة عما سيحيق بهم من العقوبات العاجلة اى سيعلمون ما يؤول اليه عاقبة استهزائهم بالآيات فقتلهم الله يوم بدر بالسيف.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية اخبار منه تعالى أن الكفار قد كذَّبوا بالحق الذي أتاهم به محمد (صلى الله عليه وسلم) لما جاءهم بالقرآن، وسائر أمور الدين، وانه سوف يأتيهم خبر العذاب الذي ينزله بهم عقوبة على كفرهم، وهذا العذاب هو الذي كانوا به يستهزؤن: بأخبار رسول الله إِياهم به وبنزوله بهم. فبين أن ذلك سيحل بهم وسيقفون على صحته. ودل ذلك على أنهم كانوا يستهزؤن، وان كان لم يذكره ها هنا وذكره في موضع آخر. ومثل ذلك قول القائل للجاني عليه: سيعلم عملك. وانما يريد ستجازى على عملك. وقال الزجاج: معنى {أنباء ما كانوا به يستهزؤن} أي تأويله. والمعنى سيعلمون ما يؤل اليه استهزاؤهم.

اطفيش

تفسير : {فقد كذَّبُوا بالحقِّ} بالقرآن ومطلق الوحى ومطلق الحق {لمَّا جاءَهُم} رتب ذلك بالفاء على ما قبله، لأنه لازم له، فإنه يلزم من الإعراض عن الآيات بعدم التدبر فيها أن يكذبوا بالقرآن والوحى، ومطلق الحق كمسيرة إلى بيت المقدس وإلى السماء، ويجوز أن يكون هذا استدلالا وضعه الله لنا نستدل به على ثبوت إعراضهم، لأنه لولا إعراضهم ما كذبوا، فالتكذيب دليل الإعراض، ووجه صحة تفريع التكذيب للحق وهو القرآن على الإعراض عن آيات القرآن أن الإعراض عن ألفاظ القرآن لا يدرسونها ولا يتفهمون معانيها، ولا يحفظونها، والتكذيب بالقرآن وهو الحق فى قوله: "بالحق" تكذيبهم بمعانيه. وأما على أن الآيات غير القرآن، والحق القرآن، فلا يخفى التقريع، وقيل: المراد بالحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا قيد الآيات آيات القرآن فوجه التفريع أنهم إذا أعرضوا عن القرآن فكيف لا يكذبون بسائر ما يحييهم من الحق، فإن القرآن أعظم الآيات. {فَسوف يأتيِهِم أنباء ما كانُوا بهِ يسْتَهزئون} الفاء سببية، فإن إتيان أنباء ما كانوا يستهزئون مسبب عن تكذيبهم، وأنباء بمعنى أخبار، والذى به يستهزئون هو القرآن أو الحق مطلقاً، وأنباء القرآن والحق تأويله، أى وقوع ما ذكر أو الحق مطلقاً، وأنباء القرآن والحق تأويله، أى وقوع ما ذكر الله فيه أنه سيقع، ككون المسلمين غالبين للكفار، وما هو غيب، وظهور الإسلام، وعذاب الآخرة، وعذاب الموت، وقام الساعة، فإن ذلك كله إخبار فيه، وأضيفت إلى القرآن والحق لأنها فيه، ووصفهم الله عز وجل بثلاثة أوصاف: الأول: إعراضهم عن الآيات. والثانى: التكذيب وهو أقبح، لأن المعرض عن الشئ قد لا يكذب به. الثالث: الاستهزاء وهو أقبح من التكذيب، لأن المكذب بالشئ قد لا يبلغ تكذيبه إلى الاستهزاء وهو الغاية فى القبح، وبعد ذلك وعظهم الله جل وعلا بإهلاك القرون السابقة وقال:

اطفيش

تفسير : {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ} القرآن أَو التوحيد {لَمَّا جَاءَهُمْ} والباء لكون التكذيب بالقرآن كالدليل على التكذيب بما سواه، ولكونه كاللازم للتكذيب بغيره من المعجزات فهى للسببية أَو للتعليل، أَى كذبوا بالمعجزة أَو الدليل لأَنهم كذبوا بالقرآن أَو التوحيد، أَو سبب تكذيبهم بالدليل أَو المعجزة تكذيبهم بالقرآن، وإِذا فسرنا الحق بالقرآن ترجح أَو تعين أَن يراد بالآية غيره، ويجوز أَن يراد بالحق الآية، فمقتضى الظاهر فقد كذبوا بها لما جاءَتهم، ووضع الظاهر ليصفها بأَنها حق، وصح هذا لأَن الإِعراض ليس نصا فى التكذيب، إِلا أَنه سبب للتكذيب، أَو ملزوم له، ويجوز أَن يكون المراد بالحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز على ضعف أَن تكون الباء تعليلا لجواب شرط قائمة مقام فاء الجواب، أَى إِن كانوا معرضين عن الآية فلا تعجب، لأَنهم قد كذبوا بما هو أَعظم آية وهو الحق، وفيه كثرة الحذف، وفيه النيابة معه، وفيه أَن الحق من الآيات، وصف الله عز وجل كبار مكة أَولا بالإِعراض عن التأَمل فى الدلائل والآيات لأَنه أَدنى قبحهم، فإِن المعرض عن الشئ قد لا يكذبه، ولا يستهزئ به. وثانيا بالتكذيب لأَنه أَقبح من الإِعراض إِلا أنه قد لا يستهزئ، وثالثا بالاستهزاءِ وهو أَشد قبحاً إِذ قارنه التكذيب المقرون بالإِعراض، فهو الغاية في القبح، ولذلك ختم به إِذ قال {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} وقد يكون الاستهزاء بلا تكذيب، وهو دون التكذيب، والأنباء أَنواع العذاب سماها أَنباء لأَنها ينبأَ أَى يخبر بها، وإِضافتها لما كانوا به يستهزئون، لأَن ما كانوا به يستهزئون هو الآيات المتلوة والمعجزات، وهن سبب لأَنواع العذاب، وملزوم لها بتوسط استهزائهم، أَو أَضافها لما كانوا به يستهزئون لأَنهن الآيات، وهن مخبرات بأَنواع العذاب، والمراد مضمون أَنباء ما كانوا به يستهزئون، فحذف المضاف، والنبأْ ما يعظم وقعه من الأَخبار، وهو أَخص من الخبر، وفى الآية إِيذان بغاية عظم عذابهم، وهو فى الدنيا مستتبعا بعذاب الآخرة، ويضعف أَن يفسر بعذاب الآخرة أَو بهما، أَو بظهور الإِسم وعلوه، لأَنه لا يناسب ذكر الإِهلاك فى قوله عز وجل.

الالوسي

تفسير : وفي الكلام إشارة إلى غاية انهماكهم في الضلال حيث آذن أن إعراضهم عما يأتيهم من الآيات أن الإتيان كما يصفح عنه كلمة {لما} في قوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ} فإن الحق عبارة عن القرآن الذي أعرضوا عنه حين أعرضوا عن كل آية آية منه. وعبر عنه بذلك إظهاراً لكمال فظاعة ما فعلوا به «والفاء على تقدير أن يراد بالآيات الآيات التنزيلية ـ كما هو الأظهر على ما قرره مولانا شيخ الإسلام ـ لترتيب ما بعدها على ما قبلها لا باعتبار أنه مغاير له حقيقة واقع عقيبه أو حاصل بسببه بل على أنه عينه في الحقيقة والترتيب بحسب التغاير الاعتباري حيث إن مفهوم التكذيب بالحق أشنع من الإعراض المذكور إذ هو مما لا يتصور صدوره من أحد. ولذلك أخرج مخرج اللازم البين البطلان وترتب عليه بالفاء إظهاراً لغاية بطلانه. ثم قيد ذلك بكونه بلا تأمل بل (آن المجيء) تأكيداً لشناعة فعلهم الفظيع. وعلى تقدير أن يراد الآيات التكوينية داخلة على جواب شرط محذوف. والمعنى على الأول: حيث أعرضوا عن تلك الآيات حين إتيانها فقد كذبوا بما لا يمكن لعاقل تكذيبه أصلاً من غير أن يتدبروا في حاله ومآله ويقفوا على ما في تضاعيفه من الشواهد الموجبة لتصديقه. وعلى الثاني: أنهم إن كانوا معرضين عن الآيات حال إتيانها فلا تعجب من ذلك فقد فعلوا بما هو أعظم منها ما هو أعظم من الإعراض حيث كذبوا بالحق الذي هو أعظم الآيات» واختار في «البحر» كون الفاء سببية وما بعدها مسبب عما قبلها. وجوز أيضاً كونها سببية على معنى أن ما بعدها سبب لما قبلها فقد قال الرضي: وقد تكون فاء السببية بمعنى لام السببية وذلك إذا كان ما بعدها سبباً لما قبلها نحو قوله تعالى: { أية : فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } تفسير : [الحجر: 34، ص: 77] وأطلق عليها الكثير حينئذ الفاء التعليلية. وهل تفيد الترتيب حينئذ أم لا؟ لم يصرح الرضي / بشيء من ذلك، ويفهم كلام البعض أنها للترتيب والتعقيب أيضاً. واستشكل بأن السبب متقدم على المسبب لا متعقب إياه. وتكلف صاحب «التوضيح» لتوجيهه بأن ما بعد الفاء علة باعتبار معلول باعتبار ودخول الفاء عليه باعتبار المعلولية لا باعتبار العلية. ورد بأنها لا تتأتى في كل محل، وفي «التلويح» الأقرب ما ذكره القوم من أنها إنما تدخل على العلل باعتبار أنها تدوم فتتراخى عن ابتداء الحكم، وفي «شرح المفتاح الشريفي» فإن قلت: كيف يتصور ترتب السبب على المسبب؟ قلت: من حيث إن ذكر المسبب يقتضي ذكر السبب انتهى. وعليه يظهر وجه الترتيب هنا مطلقاً لكن ظاهر كلام النحاة وغيرهم أن هذه الفاء تختص بالوقوع بعد الأمر كأكرم زيداً فإنه أبوك، واعبد الله فإن العبادة حق إلى غير ذلك فالوجه الأول أولى. وليست الفاء فصيحة كما توهمه بعضهم من قول العلامة البيضاوي في بيان معنى الآية كأنه قيل: لما كانوا معرضين عن الآيات كلها كذبوا بالقرآن لأن الفاء الفصيحة لا تقدر جواب لما لأن جوابها الماضي لا يقترن بالفاء على الفصيح فكيف يقدر للفاء ما يقتضي عدمها فما مراد العلامة إلا بيان حاصل المعنى ولذا أسقط الفاء نعم قيل: إن هذا المعنى مما ينبغي تنزيه التنزيل عنه وفيه تأمل. وقد صرح بعض المحققين أن أمر الترتيب يجري في الآية سواء كانت الآية بمعنى الدليل أو المعجزة أو الآية القرآنية لتغاير الإعراض والتكذيب فيها. والفاء في قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} للترتيب أيضاً بناء على أن ما تقدم لكونه أمراً عظيماً يقتضي ترتب الوعيد عليه، وقيل: يستهزئون إيذاناً بأن ما تقدم كان مقروناً بالاستهزاء. واستدل به أبو حيان على أن في الكلام معطوفاً محذوفاً أي فكذبوا بالحق واستهزؤا به. ولا يخفى أن ذلك مما لا ضرورة إليه. و(ما) عبارة عن الحق المذكور. وعبر عنه بذلك تهويلاً لأمره بإبهامه وتعليلاً للحكم بما في حيز الصلة. والأنباء جمع نبأ وهو الخبر الذي يعظم وقعه. والمراد بأنباء القرآن التي تأتيهم ويتحقق مدلولها فيهم ويظهر لهم آيات وعيده وإخباره بما يحصل بهم في الدنيا من القتل والسبـي والجلاء ونحو ذلك من العقوبات العاجلة، وقيل: المراد ما يعم ذلك والعقوبات التي تحل بهم في الآخرة من عذاب النار ونحوه؛ وقيل المراد بأنباء ذلك ما تضمن عقوبات الآخرة أو ظهور الإسلام وعلو كلمته، وظاهر ما يأتي من الآيات يرجح الأول. وصرح بعض المحققين بأن إضافة {أَنْبَاء} بيانية وهو احتمال مقبول، وادعاء أنه مقحم وأن المعنى سيظهر لهم ما استهزؤا به من الوعيد الواقع فيه أو من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو نحو ذلك لا وجه له إذ لا داعي لإقحامه. وفي «البحر» «إنما قيد الكذب بالحق هنا وكان التنفيس بسوف وفي الشعراء [6] {أية : فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ} تفسير : بدون تقيد الكذب والتنفيس بالسين لأن الأنعام متقدمة في النزول على الشعراء فاستوفى فيها اللفظ وحذف من الشعراء وهو مراد إحالة على الأول. وناسب الحذف الاختصار في حرف التنفيس فجيء بالسين».

ابن عاشور

تفسير : الفاء فصيحة على الأظهر أفصحت عن كلام مقدّر نشأ عن قوله: {إلا كانوا عنها معرضين}، أي إذا تقرّر هذا الإعراض ثبت أنّهم كذّبوا بالحقّ لمّا جاءهم من عند الله، فإنّ الإعراض علامة على التكذيب، كما قدّمته آنفاً، فما بعد فاء الفصيحة هو الجزاء. ومعناه أنّ من المعلوم سوء عواقب الذين كذّبوا بالحق الآتي من عند الله فلمّا تقرّر في الآية السابقة أنّهم أعرضوا آيات الله فقد ثبت أنّهم كذّبوا بالحقّ الوارد من الله، ولذلك فرّع عليه قوله: {فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} تأكيداً لوعد المؤمنين بالنصر وإظهار الإسلام على الدين كلّ وإنذار للمشركين بأن سيحلّ بهم ما حلّ بالأمم الذين كذّبوا رسلهم ممّن عرفوا مثل عاد وثمود وأصحاب الرسّ. وبهذا التقدير لم تكن حاجة إلى جعل الفاء تفريعاً محضاً وجعل ما بعدها علّة لجزاء محذوف مدلول عليه بعلّته كما هو ظاهر «الكشاف»، وهي مضمون {فقد كذّبوا} بأن يقدّر: فلا تعجب فقد كذّبوا بالقرآن، لأنّ من قدّر ذلك أوهمه أنّ تكذيبهم المراد هو تكذيبهم بالآيات التي أعرضوا عنها ما عدا آية القرآن. وهذا تخصيص لعموم قوله: {من آية} بلا مخصّص، فإنّ القرآن من جملة الآيات بل هو المقصود أولاً، وقد علمت أنّ {فقد كذّبوا} هو الجزاء وأنّ له موقعاً عظيماً من بلاغة الإيجاز، على أنّ ذلك التقدير يقتضي أن يكون المراد من الآيات في قوله: {من آيات ربّهم} ما عدا القرآن. وهو تخصيص لا يناسب مقام كون القرآن أعظمها. والفاء في قوله: {فسوف} فاء التسبّب على قوله: {كذّبوا بالحقّ}، أي يترتّب على ذلك إصابتهم بما توعّدهم به الله. وحرف التسويف هنا لتأكيد حصول ذلك في المستقبل. واستعمل الإتيان هنا في الإصابة والحصول على سبيل الاستعارة. والأنباء جمع نبأ، وهو الخبر الذي ب أهميّة. وأطلق تحقّق نبئِه، لأنّ النبأ نفسه قد علم من قبل. و{ما كانوا به يستهزئون} هو القرآن، كقوله تعالى: {ذلكم بأنّكم اتَّخذتم آيات الله هزؤاً} فإنّ القرآن مشتمل على وعيدهم بعذاب الدنيا بالسيف، وعذاب الآخرة. فتلك أنباءٌ أنبأهم بها فكذبّوه واستهزؤا به فتوعّدهم الله بأنّ تلك الأنباء سيصيبهم مضمونها. فلمّا قال لهم: {ما كانوا به يستهزئون} علموا أنّها أنباء القرآن لأنّهم يعلمون أنّهم يستهزئون بالقرآن وعلم السامعون أنّ هؤلاء كانوا مستهزئين بالقرآن. وتقدّم معنى الاستهزاء عند قوله تعالى في سورة البقرة: {إنّما نحن مستهزئون}.

الواحدي

تفسير : {فقد كذبوا} يعني: مشركي أهل مكة {بالحق لما جاءهم} يعني: القرآن {فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} أَيْ: أخبار استهزائهم وجزاؤه. {ألم يروا} يعني: هؤلاء الكفَّار {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} من جيلٍ وأمَّةٍ {مكنَّاهم في الأرض ما لم نمكِّن لكم} أعطيناهم من المال والعبيد والأنعام ما لم نُعطكم {وأرسلنا السماء} المطر {عليهم مدراراً} كثير الدَّرِّ، وهو إقباله ونزوله بكثرة {فأهلكناهم بذنوبهم} بكفرهم {وأنشأنا} أوجدنا {من بعدهم قرناً آخرين} وهذا احتجاجٌ على منكري البعث. {ولو نزلنا عليك...} الآية. قال مشركو مكَّة: لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من السَّماء [جملةً واحدةً] مُعانيةً، فقال الله: {ولو نزلنا عليك كتاباً} أَيْ: مكتوباً {في قرطاس} يعني: الصَّحيفة {فلمسوه بأيديهم} فعاينوا ذلك مُعاينةً، ومسُّوه بأيديهم {لقال الذين كفروا إن هذا إلاَّ سحر مبين} أخبر الله تعالى أنَّهم يدفعون الدَّليل حتى لو رأوا الكتاب ينزل من السَّماء لقالوا: سحر. {وقالوا: لولا أنزل عليه ملك} طلبوا ملكاً يرونه يشهد له بالرِّسالة، فقال الله عزَّ وجلَّ: {ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر} لأُهلكوا بعذاب الاستئصال، كسُنَّة مَنْ قبلهم ممَّن طلبوا الآيات فلم يؤمنوا {ثم لا ينظرون} لا يُمهلون لتوبةٍ ولا لغير ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنْبَاءُ} {يَسْتَهْزِءُونَ} (5) - وَبِسَبَبِ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ فِي الآيَاتِ، وَالتَّفْكُرِ فِيهَا، فَقَدْ كَذَّبُوا بِدِينِ اللهِ الحَقِّ، لَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَتَرَيَّثُوا، وَلَمْ يَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ وَهُدًى، وَسَيَرَوْنَ عَاقِبَةَ التَّكْذِيبِ وَالاسْتِهْزاءِ، حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ العُقُوبَاتُ العَاجِلَةُ، التِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا الآيَاتُ: مَنْ نَصْرِ الرَّسُولِ، وَإِظْهَارِ دِينِ اللهِ، وَإِعْزَازِ الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ... أَنْبَاءُ - أَخْبَارُ - وَهِيَ هُنَا مَا يَنَالُهُمْ مِنَ العُقُوبَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فهذا خروج من الإعراض إلى التكذيب، فالإعراض أمر سلبي، والتكذيب هو الوقوف إيجابياً في موقف الضد والصد عن سبيل الله، ثم ينتقلون إلى المرحلة الثالثة وهي الاستهزاء. إننا إذن أمام ثلاث مراحل: إعراض، تكذيب، استهزاء. وكل ذلك لعلهم يصرفون المتِّبع عن الاتباع. ومثال ذلك ما ضربه الحق لنا في أمر نوح: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} تفسير : [هود: 37-38]. فقد أوحى سبحانه إلى نوح البلاغ الحق وأمره أن يصنع الفلك تحت عنايته سبحانه وألا يخاطبه في شأن الكافرين الظالمين الذين لم يستجيبوا لدعوة الله ويَشْرَع نوح في إنشاء الفُلْك، ولكن الكافرين يستهزئون به لجهلهم ولعدم الوثوق من الغرض والهدف. ويسخر نوح من كل من يسخر منه. ومثال آخر وهو انتصار الإسلام بعد أن كان أهل الكفر قوة، ولكن المتكبر الطاغي منهم يأتي بعد صلفه وكبريائه صاغراً. ومنهم من قتل وأسر وذاق مرارة الذل النفسي. وقد كانوا من قبل يستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثال على ذلك الوليد بن المغيرة، وهو السيد في قومه، يأتي فيه قول الحق: {أية : إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} تفسير : [القلم: 15-16]. وكان الوليد صاحب ثراء من المال ومنعة وقوة من البنين، وأعرض عن القرآن وسخر منه. فجعل الحق منه أمثولة للناس، وطبع على أنفه علامة لازمة افتضح بها، وكانت سُبّةً له وعاراً لا يفارقه كلما ذكر. وقد نزل هذا القول في القرآن وقت ضعف المسلمين، ثم يأتي خبر ضربه على أنفه الذي هو محل الأنفة والكبرياء والعنجهية، ثم تأتي بدر ليرى المسلمون تحقيق ذلك، إنه كلام إلهي متحدًى به ومتعبد بتلاوته. وهكذا تصدق كل قضية يأتي بها الله. ويقول الحق بعد ذلك: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} معناهُ أَخْبَارٌ.