٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الله تعالى لما منعهم عن ذلك الإعراض والتكذيب والاستهزاء بالتهديد والوعيد أتبعه بما يجري مجرى الموعظة والنصيحة في هذا الباب فوعظهم بسائر القرون الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم. فإن قيل: ما القرن؟ قلنا قال الواحدي: القرن القوم المقترنون في زمان من الدهر فالمدة التي يجتمع فيها قوم ثم يفترقون بالموت فهي قرن، لأن الذين يأتون بعدهم أقوام آخرون اقترنوا فهم قرن آخر، والدليل عليه قوله عليه السلام: «حديث : خير القرون قرني» تفسير : واشتقاقه من الأقران، ولما كان أعمار الناس في الأكثر الستين والسبعين والثمانين لا جرم قال بعضهم: القرن هو الستون، وقال آخرون: هو السبعون، وقال قوم هو الثمانون والأقرب أنه غير مقدر بزمان معين لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، بل المراد أهل كل عصر فإذا انقضى منهم الأكثر قيل قد انقضى القرن. واعلم أن الله تعالى وصف القرون الماضية بثلاثة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله {مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } قال صاحب «الكشاف» مكن له في الأرض جعل له مكاناً ونحوه في أرض له ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الكهف: 84] {أية : أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ } تفسير : [القصص: 57] وأما مكنته في الأرض، فمعناه أثبته فيها ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ }تفسير : [الأحقاف: 26] ولتقارب المعنيين جمع الله بينهما في قوله {مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } والمعنى لم نعط أهل مكة مثل ما أعطينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا. والصفة الثانية: قوله: {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَاء عَلَيْهِم مِدْرَاراً } يريد الغيث والمطر، فالسماء معناه المطر ههنا، والمدرار الكثير الدر وأصله من قولهم در اللبن إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير فالمدرار يصلح أن يكون من نعت السحاب، ويجوز أن يكون من نعت المطر يقال سحاب مدرار إذا تتابع أمطاره. ومفعال يجيء في نعت يراد المبالغة فيه. قال مقاتل {مِدْرَاراً } متتابعاً مرة بعد أخرى ويستوي في المدرار المذكر والمؤنث. والصفة الثالثة: قوله {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ } والمراد منه كثرة البساتين. واعلم أن المقصود من هذه الأوصاف أنهم وجدوا من منافع الدنيا أكثر مما وجده أهل مكة، ثم بيّن تعالى أنهم مع مزيد العز في الدنيا بهذه الوجوه ومع كثرة العدد والبسطة في المال والجسم جرى عليهم عند الكفر ما سمعتم وهذا المعنى يوجب الاعتبار والانتباه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة بقي هٰهنا سؤالات: السؤال الأول: ليس في هذا الكلام إلا أنهم هلكوا إلا أن هذا الهلاك غير مختص بهم بل الأنبياء والمؤمنون كلهم أيضاً قد هلكوا فكيف يحسن إيراد هذا الكلام في معرض الزجر عن الكفر مع أنه مشترك فيه بين الكافر وبين غيره. والجواب: ليس المقصود منه الزجر بمجرد الموت والهلاك، بل المقصود أنهم باعوا الدين بالدنيا ففاتهم وبقوا في العذاب الشديد بسبب الحرمان عن الدين. وهذا المعنى غير مشترك فيه بين الكافر والمؤمن. السؤال الثاني: كيف قال {أَلَمْ يَرَوْاْ } مع أن القوم ما كانوا مقرين بصدق محمد عليه السلام فيما يخبر عنه وهم أيضاً ما شاهدوا وقائع الأمم السالفة. والجواب: أن أقاصيص المتقدمين مشهورة بين الخلق فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا هذه الحكايات ولمجرد سماعها يكفي في الاعتبار. والسؤال الثالث: ما الفائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم. والجواب: أن الفائدة هي التنبيه على أنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلكهم ويخلي بلادهم منهم، فإنه قادر على أن ينشىء مكانهم قوماً آخرين يعمر بهم بلادهم كقوله {أية : وَلاَ يَخَافُ عُقْبَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 15] والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} «كم» في موضع نصب بأهلكنا لا بقوله: «أَلَمْ يَرَوْا» لأن لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما يعمل فيه ما بعده؛ من أجل أن له صدر الكلام. والمعنى ألاَ يعتبرون بمن أهلكنا من الأُمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم؛ أي ألم يَعْرفوا ذلك. والقَرْن الأُمَّةُ من الناس، والجمع القرون؛ قال الشاعر: شعر : إذا ذَهَبَ القرنُ الذي كنتَ فيهم وخُلِّفتَ في قَرْنٍ فأنت غرِيبُ تفسير : فالقَرْن كل عالَم في عصره؛ مأخوذ من الاقتران، أي عالَم مقترن بعضهم إلى بعض؛ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : خير الناس قَرْني ـ يعني أصحابي ـ ثم الذين يَلُونهم ثم الذين يَلُونهم » تفسير : هذا أصح ما قيل فيه. وقيل: المعنى من أهل قَرْن فحذف، كقوله: {وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}. فالقَرْن على هذا مدة من الزمان؛ قيل: ستون عاماً، وقيل: سبعون، وقيل: ثمانون؛ وقيل: مائة؛ وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القَرْن مائة سنة؛ وٱحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بُسْر: «تَعيشُ قَرْناً» فعاش مائة سنة؛ ذكره النحاس. وأصل القرن الشيء الطالع كقَرْن ماله قَرْن من الحيوان. {مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ} خروج من الغيبة إلى الخطاب؛ عكسه { أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } تفسير : [يونس: 22]. وقال أهل البصرة. أخبر عنهم بقوله: «أَلَمْ يَرَوْا» وفيهم محمد عليه السلام وأصحابه؛ ثم خاطبهم معهم؛ والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه: وقلت لعبد الله ما أكرمك؛ ولو جاء على ما تقدّم من الغيبة لقال: ما لم نمكن لهم. ويجوز مكّنه ومكّن له؛ فجاء باللغتين جميعاً؛ أي أعطيناهم ما لم نعطكم من الدنيا. {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مَّدْرَاراً} يريد المطر الكثير؛ عبر عنه بالسماء لأنه من السماء ينزِل؛ ومنه قول الشاعر: شعر : إذَا سَقَطَ السَّمَاءُ بأرضِ قَوْمٍ تفسير : و «مِدْرَاراً» بناء دالٌّ على التكثير؛ كمِذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور؛ ومئناث للمرأة التي تلد الإناث؛ يُقال: درَّ اللّبنُ يدرُّ إذا أقبل على الحالب بكثرة. وٱنتصب «مِدْرَاراً» على الحال. {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ} أي من تحت أشجارهم ومنازلهم؛ ومنه قول فرعون: { أية : وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ } تفسير : [الزخرف: 51] والمعنى: وسعنا عليهم النعم فكفروها. {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أي بكفرهم فالذنوب سبب الإنتقام وزوال النعم. {وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} أي أوجدنا؛ فليحذر هؤلاء من الإهلاك أيضاً.
البيضاوي
تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ} أي من أهل زمان، والقرن مدة أغلب أعمار الناس وهي سبعون سنة. وقيل ثمانون. وقيل القرن أهل عصر فيه نبي أو فائق في العلم. قلت المدة أو كثرت واشتقاقه من قرنت. {مَّكَّنَّـٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} جعلنا لهم فيها مكاناً وقررناهم فيها وأعطيناهم من القوى والآلات ما تمكنوا بها من أنواع التصرف فيها. {مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ} ما لم نجعل لكم من السعة وطول المقام يا أهل مكة ما لم نعطكم من القوة والسعة في المال والاستظهار في العدد والأسباب. {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَاء عَلَيْهِم} أي المطر أو السحاب، أو المظلة إن مبدأ المطر منها. {مُّدْرَاراً} أي مغزاراً. {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ} فعاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار. {فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أي لم يغن ذلك عنهم شيئاً. {وَأَنشَأْنَا} وأحدثنا. {مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} بدلاً منهم، والمعنى أنه سبحانه وتعالى كما قدر على أن يهلك من قبلكم كعاد وثمود وينشىء مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده يقدر أن يفعل ذلك بكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ } في أسفارهم إلى الشام وغيرها {كَمْ } خبرية بمعنى كثيراً {أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } أُمة من الأمم الماضية {مَّكَّنَّٰهُمْ } أعطيناهم مكاناً {فِى ٱلأَرْضِ } بالقوّة والسعة {مَا لَمْ نُمَكّن } نعط {لَّكُمْ } فيه التفات عن الغيبة {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ } المطر {عَلَيْهِم مِّدْرَاراً } متتابعا {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ } تحت مساكنهم {فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ } بتكذيبهم الأنبياء {وأنشَأْنا مِن بَعْدِهِم قَرءناً ءَاخَرِين}.
ابن عطية
تفسير : هذا حض على العبرة، والرؤية هنا رؤية القلب، و {كم} في موضع نصب بـ {أهلكنا} ، والقرن والأمة المقترنة في مدة من الزمان، ومنه قوله عليه السلام:حديث : خير الناس قرني... الحديثتفسير : ، واختلف الناس في مدة القرن كم هي؟ فالأكثر على أنها مائة سنة، ويرجح ذلك الحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد " تفسير : قال ابن عمر: يريد أنها تحرم ذلك القرن، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بشير: تعيش قرناً فعاش مائة سنة، وقيل: القرن ثمانون سنة، وقيل سبعون وقيل ستون، وتمسك هؤلاء بالمعترك وحكى النقاش أربعين وذكر الزهراوي في ذلك أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحكى النقاش أيضاً ثلاثين، وحكى عشرين، وحكى ثمانية عشر وهذا كله ضعيف، وهذه طبقات وليست بقرون إنما القرن أن يكون وفاة الأشياخ ثم ولادة الأطفال، ويظهر ذلك من قوله تعالى: {ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين} وإلى مراعاة الطبقات وانقراض الناس بها أشار ابن الماجشون في الواضحة في تجويز شهادة السماع في تقادم خمسة عشر عاماً فصاعداً، وقيل القرن الزمن نفسه، وهو على حذف مضاف تقديره من أهل قرن، والضمير في {مكناهم} عائد على القرن، والمخاطبة في {لكم} في للمؤمنين ولجميع المعاصرين لهم من سائر الناس، فكأنه قال: ما لم نمكن يا أهل العصر لكم، فهذا أبين ما فيه، ويحتمل أن يقدر في الآية معنى القول لهؤلاء الكفرة، كأنه قال يا محمد قل لهم: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض، ما لم نمكن لكم} وإذا أخبرت أنك قلت لغائب أو قيل له أو أمرت أن يقال ذلك في فصيح كلام العرب أن تحكي الألفاظ المقولة بعينها فتجيء بلفظ المخاطبة، ولك أن تأتي بالمعنى في الألفاظ بذكر غائب دون مخاطبة {السماء} المطر ومنه قول الشاعر: شعر : إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا تفسير : و {مدراراً} بناء تكثير كمذكار ومئناث، ومعناه يدر عليهم بحسب المنفعة، لأن الآية إنما سياقها تعديد النعم وإلا فظاهرها يحتمل النعمة ويحتمل الإهلاك وتحتمل الآية أن تراد السماء المعروفة على تقدير وأرسلنا مطر السماء لأن مدراراً لا يوصف به إلا المطر، وقوله تعالى: {فأهلكناهم} معناه فعصوا وكفروا {فأهلكناهم} ، {وأنشأنا} اخترعنا وخلقنا، وجمع {آخرين} حملاً على معنى القرن.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أََلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا} لمَّا منعهم من الإعراض والتَّكْذيبِ، والاسْتِهْزاءِ بالتهديد والوعيد، أتْبَعَهُ بما يجري مجرى المَوْعِظةِ، فوعظهم بالاعْتِبَار بالقُرُونِ الماضية. و"كم" يجوز أن تكون اسْتِفْهاميَّةً وخبَريَّةً، وفي كِلاَ التقديرين فهي معلقة للرؤية عن العَمَلِ، لأنَّ الخَبَريَّةَ تجري مجرى الاسْتِفْهاميَّةِ في ذلك، ولذلك أعطيت أحكامها من وجوب التَّصْديرِ وغيره، والرُّؤيَةُ هنا عِلْميَّةٌ، ويضعف كونها بصرية، وعلى كلا التقديرين فهي معلّقة عن العمل؛ لأنَّ البصرية تجري مجراها، فإن كانت عِلْمِيَّةً فـ "كم" وما في حيِّزها سادَّة مسدَّ مفعولين، وإن كانت بَصَريَّةً فمسدّ واحد. و"كم" يجوز أن تكون عبارة عن الأشخاص، فتكون مفعولاً بها، نَاصِبُهَا "أهْلَكْنا"، و "مِنْ قَرْنِ" على هذا تمييز لها وأنْ تكون عِبارَةً عن المصدر فتنتصب انتصابه بـ "أهْلكْنَا" أي: إهلاكاً، و"من قرنٍ" على هذا صِفَةٌ لمفعول "أهَلكْنَا" أي: أهلكنا قوماً، أو فوجاً من القُرُونِ؛ لأنَّ قرناً يُرَادُ به الجَمْعُ، و "مِنْ" تبعيضية، والأولى لابتداء الغاية. وقال الحُوفي: "من" الثانية بَدَلٌ من "مِنْ" الأولى، وهذا لا يُعْقَلُ فهو وَهْمٌ بَيَّنٌ، ويجوز أن تكون "كم" عبارة عن الزَّمَانِ، فتنتصبُ على الظرف. قال أبو حيان: تقديره: كم أزمنةٍ أهلكنا فيها. وجعل أبو البقاء على هذا الوجه "مِنْ قَرْن" هو المفعول به، و"منْ" مَزيدَةٌ فيه، وجاز ذلك؛ لأن الكلام غير موجب، والمجرور نكرة، إلاَّ أنَّ أبا حيَّان مَنَعَ ذلك بأنَّهُ لا يقع إذ ذاك المفرد موقع الجمع لو قلت: "كم أزماناً ضَرَبْت رجلاً" أو كم مرة ضربت رجلاً لم يكن مدلولُ رجلٍ رجلاً، لأنَّ السؤال إنما يَقَعُ عن عدد الأزمنة أو المَرَّاتٍ التي ضربت فيها، وبأن هذا ليس مَوْضَعَ زيادة "مِنْ" لأنَّها لا تُزَادُ في الاستفهام، إلاَّ وهو استفهامٌ مَحْضٌ أو يكون بمعنى النَّفي، والاستفهام هنا لَيْسَ مَحْضاً ولا مُرَاداً به النفي انتهى. قال شهابُ الدِّين: وجوابه لا يسلم. و"قَرْن" الجماعة من النَّاسِ وجمعه "قرون". وقيل: القَرْنُ مُدَّة من الزمان، يقال: ثمانون سنةً، [ويقال: ستُّون سَنَةً] ويُقال: أربعون سَنَةً، ويقال: ثلاثون سَنَةً، ويقال: مائة سنة؛ لما روي أنَّه - عليه السلامُ - قال لعبد الله بن بشر المازني: "تَعِيْشُ قَرْناً" فعاش مائة سَنَةٍ، فيكون معنى الآية على هذه الأقَاوِيلِ من أهل قرنٍ؛ لأنَّ القَرْنَ الزمان، ولا حَاجَةَ إلى ذلك إلاَّ على [اعتقاد] أنه حقيقة فيه مَجَازٌ في النَّاسِ، وسيأتي بيان أن الراجح خلافه. وعلى القول الأوَّل: هم القوم المقترنون واشْتِقَاقُهُ من الاقْتِرَانِ، قاله الواحِدِيُّ - رحمه الله -، وسيأتي بَقِيَّةُ الكلام عليه في الصَّفْحَةِ الثانية. قوله: "مَكَّنَّاهُمْ في الأرْضِ" في موضع جرِّ صفة لـ "قرن"، وعاد الضميرُ عليه جمعاً باعتبارِ معناه. قاله أبُو البقاء - رضي الله عنه -، والحوفي رحمه الله. وضعَّفه أبو حيان بأن "من قرن" تمييز لـ "كم"، فـ "كم" هي المُحَدَّثُ عنها بالإهلاكِ، فهي المُحَدَّثُ عنها بالتَّمْكينِ لا ما بَعْدَهَا؛ إذ "من قرن" يجري مجرى التَّبْيينِ، ولم يُحَدَّث عنه. وجوَّز أبو حيَّان - رحمه اللَّهُ تعالى - أنْ تكون هذه الجُمْلَةُ اسْتِئْنَافاً جواباً لسؤال مُقَدَّرِ، قال: كأنَّه قيل: ما كان من حَالِهِمْ؟ فقيل: مَكَّنَّاهم، وجعله هو الظَّاهر، وفيه نظرٌ، فإنَّ النكرة مُفْتِقَرةٌ للصِّفَةِ فَجَعْلُهَا صفة ألْيَقُ، والفَرْقُ بين قوله تبارك وتعالى: {مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} وقوله: {مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ} [أن "مكنة في كذا] أثبته فيها، ومنه {أية : وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ } تفسير : [الأحقاف:26] وأما مكنَّا جعل له مكاناً، ومنه: {أية : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الكهف:84] {أية : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ} تفسير : [القصص:57]. ومثله "أرضٌ له" أي: جعل له أرضاً، هذا قول الزمخشري - رحمه الله تعالى - وأما أبو حيَّان - رضي الله عنه - فإنَّهُ يَظْهَرُ من كلامه التَّسْوِيَةُ بينهما، فإنَّهُ قال: وتعدِّي "مَكَّن" هنا للذَّوَات بنفسه وبحرف الجَرِّ، والأكْثَرُ تَعْدِيَتُهُ باللام [نحو] {أية : مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} تفسير : [يوسف:21] {أية : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ} تفسير : [الكهف:84]، {أية : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ} تفسير : [القصص:57]. وقال أبُو عُبَيْدَة: "مكَّنَّاهُمْ ومكَّنَّا لهم: لغتانِ فصيحتان، نحو: نَصَحْتُه، ونَصَحْتُ له" وبهذا قال أبو علي والجرحانيُّ. قوله: "ما لم نُمكِّنْ لكم" في "ما" هذه خمسة أوجه: أحدها: أنْ تكون مَوْصُولةً بمعنى "الَّذي"، وهي حينئذٍ صفةٌ لموصوف محذوف، [والتقديرُ: التميكن الذين لم نُمَكِّنْ لكم، والعَائِدُ محذوف أي: ] الذي لم نُمَكِّنْهُ لَكُمْ. الثاني: أنها نكرةٌ صفةٌ لمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تقديره: تمكيناً ما لم نُمَكِّنْهُ لكم، ذكرهما الحُوفِيُّ رحمه الله تعالى. وردَّ أبو حيَّان - رحمه الله تعالى - الأوَّلَ بأنَّ "ما" بمعنى "الذي" لا تكون صِفَةً لمعرفةٍ، وإن كان "الذي" يقع صِفَة لها، لو قلت: "ضَرَبْتُ الضَّرْبَ ما ضَرَبَ زيدٌ" تريد الضربَ الذي ضربه زَيْدٌ، لم يَجُزْ، فإن قلت: "الضَّرْبَ الذي ضربه زيد" جاز. وَرَدَّ الثاني بأن "ما" النكرة التي تَقعُ صِفَةً لا يجوزُ حَذْفُ موصوفها، لو قلت: "قُمْتُ ما وضَربْتُ مَا" وأنت تعني: قُمْتُ قياماً ما وضربت ضرباً ما لم يَجُزْ. الثالث: أن تكون مَفْعُولاً بها لـ "مَكَّنَ" على المعنى، لأنَّ معنى مكَّنَّاهُمْ: أعطيناهم ما لم نُعْطِكُمْ، ذكره أبُو البقاءِ - رحمه الله-. قال أبُو حيَّان - رحمه الله-: "هذا تَضْمِينٌ، والتَّضْمِينُ لا يَنْقَاسُ". الرابع: أن تكون "ما" مَصْدريَّةً، والزَّمَان محذوف، أي: مُدَّة ما لم نمكِّن لكم، والمعنى: مُدَّةَ انْتِفَاءِ التمكين لكم. الخامس: أن تكون نكرةً موصُوفَةً بالجملة المنفيَّة بعدها، والعائد محذوف، أي: شيئاً لم نمكِّنه لكم، ذكرهما أيضاً أبو البقاء قال أبو حيان - رحمه الله تعالى - في الأخير: "وهذا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ". قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى -: ولو قدَّره أبو البقاءِ بخاصٍّ لكان أحْسَنَ من تقديرِه بلفظ "شيء"، فكان يقول: مَكَّنَّاهُمْ تمكيناً لم نمكّنه لكم. والضمير في "يروا" قيل: عائدٌ على المُسْتَهْزِئين، والخطابُ في "الكم" راجعٌ إليهم أيضاً، فيكون على هذا التِفَاتاً فائدتُهُ التَّعْريض بقلَّةِ تمكُّنِ هؤلاء، ونَقْصِ أحوالهم عن حَالِ أولئك، ومع تمكينهم وكثرتهم فقد حَلَّ بهم الهَلاَكُ، فكيف وأنتم أقَلُّ منهم تمكيناً وعدداً؟. وقال ابن عطيَّة - رحمه الله تعالى -: "والمُخَاطَبَةُ في "لكم" هي للمؤمنين ولجميع المُعَاصرين لهم ولسائِرِ النَّاس كافَّةً، كأنه قيل: لم نُمَكِّن يا أهل هذا العَصْرِ لكم، ويحتمل أن يُقدَّر معنى القول لهؤلاء الكَفَرَةِ، كأنه قال: يا مُحَمَّدُ قُل لهم: "ألَمْ يَرَوا كَمْ أهْلَكْنَا" الآية، فإذا أخبرت أنك قُلْتَ - أو أمَرْتَ أن يُقال - فلك في فَصيحِ كلام العرب أن تحكي الألْفَاظَ المَقُولَةَ بعينها، فتجيءَ بلفظ المُخَاطبة، ولك أن تجيء بالمعنى في الألفاظ بالغَيْبَةِ دون الخطاب" انتهى. ومثاله: "قُلْتُ لزيد: ما أكرمك، أو ما أكرمه". و"القَرْنُ" يقع على مَعَانٍ كثيرة، فالقرن: الأمَّةُ من النَّاس، سُمُّوا بذلك لاقُتِرَانِهِمْ في مُدَّةٍ من الزَّمانِ، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام-: "حديث : خَيِْرُ القُرونِ قَرْنِي " تفسير : وقال الشاعر [في ذلك المعنى:] [الطويل] شعر : 2108-أخَبِّرُ أخْبَارَ القُرُونِ التي مَضَتْ أدِبُّ كَأنِّي كُلَّمَا قُمْتُ رَاكِعُ تفسير : وقال قَسُّ بنُ سَاعِدَةَ: [مجزوء الكامل] شعر : 2109-فِي الذَّاهبينَ الأوَّلِيـ ـنَ مِنَ القُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ تفسير : وقيل: أصله الارتفاعُ، ومنه قَرْنُ الثَّوْرِ وغيره، فَسُمُّوا بذلك لارتفاع السِّنِّ. وقيل: لأنَّ بعضهم يُقْرَنُ ببعض، ويُجْعَلُ مجتمعاً معه، ومنه القرنُ للحَبْلِ يُجْمَعُ به بين البَعيريْنِ، ويُطلَقُ على المُدَّة من الزَّمان أيضاً. وهل إطلاقُهُ على النَّاسِ والزَّمان بطريق الاشْتِرَاكِ، أو الحقيقة والمجاز؟ يُرَجَّعُ الثَّاني؛ لأنَّ المجَازَ خيرٌ من الاشْتِرَاكِ. وإذا قُلنا بالراجح، فإنها الحقيقة، الظاهر أنه القَوْمُ؛ لأنَّ غالب ما يُطْلَقُ عليهم، والغَلَبَةُ مُؤذِنَةٌ بالأصَالَةِ غالباً. وقال ابنُ عطيَّة - رحمه الله تعالى:- القَرْنُ أنْ يكون وفاةُ الأشياخ وولادَةُ الأطفال، ويَظْهَرُ ذلك من قوله تعالى: {وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِين} [الأنعام:6] فجعله مَعْنًى، وليس بواضح وقيل: القَرْنُ: النَّاسُ المجتمعون كما تقدَّم، قلّت السِّنُون أو كثُرتْ، واستدلُّوا بقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : خَيْرُ القُرونِ قَرْنِي"تفسير : وبقوله: [مجزوء الكامل] شعر : 2110- فِي الذَّاهبين الأوَّليـ ـنَ مِنَ القُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ تفسير : وبقول القائل في ذلك: [الطويل] شعر : 2111- إذَا ذَهَبَ القَوْمُ الَّذِي كُنْتَ فِيهِمُ وَخُلِّفْتَ فِي قَرْنٍ فَأنْتَ غَرِيبُ تفسير : فأطلقوه على النَّاسِ ليفيد الاجتماع. ثم اختلف النَّاسُ في كميةِ القَرْنِ حالة إطلاقه على الزَّمان، فالجمهور على أنَّهُ مائة سنة، واستدلُّوا له بقوله عليه السلام: "حديث : تَعيشُ قَرْناً"، تفسير : فعاش مائة سَنَةٍ، وقيل: مائة وعشرون سنة، قاله إيَاسُ مُعَاويَةَ، وزرارة بن أبي أوفى. وقيل: ثمانون نقله أبو صالح عن ابن عبَّاسٍ. وقيل: سبعون؛ قاله الفرّاء. وقيل: ستُّون لقوله عليه السلام: "حديث : مُعْتَرَكُ المنَايَا ما بَيْنَ السِّتِّينَ إلى السَّبعينَ " تفسير : وقيل: أربعُون، حكاه محمد بن سيرين، يرفعه إلى النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلامُ، وكذلك الزَّهراوي أيضاً يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: ثلاثون حكاهُ النَّقَّاش عن أبي عُبَيْدة، كانوا يرون أن ما بين القرنين ثلاثون سنةً. وقيل: عشرون سنةً، وهو رأي الحَسَنِ البصري. وقيل: ثمانية عشر عاماً. وقيل: المقدار الوَسَطُ مثل أعمار أهل ذلك الزمان، واسْتُحْسِنَ هذا بأنَّ أهل الزَّمَنِ القديم كانوا يعيشون أربعمائة سَنَةً، وثلاثمائة سنة، وألفاً وأكثر وأقلَّ. ومعنى الآية: أعطيناهم ما لم نُعْطِكُمْ. وقال ابن عبَّاسٍ: أمهلناهم في العمر مثل قوم نوحٍ وعادٍ وثمود. قوله: {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً} يعني المَطَرَ "مِفْعَال" من الدَّرِّ و"مِدْرَاراً" حالٌ من "السماء" إنْ أُريد بها السحاب، فإن السحاب يوصف بكثرةِ التَّتَابُع أيضاً. قال ابنُ عبَّاسٍ: مِدْرَاراً مُتَتَابِعاً في أوْقاتِ الحَاجَاتِ، وإن أُريدَ بها الماء فكذلك، ويَدُلُّ على أنه يُرَادُ به المَاءُ قوله في الحديث: "في أثر سماءٍ كَانَتْ من اللَّيلِ" ويقولون: ما زلنا نَطَأُ السماء حتى أتيناكم، ومنه: [الوافر] شعر : 2112- إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأرْضِِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وإنْ كَانُوا غِضَابا تفسير : أي: رَعَيْنَا ما ينشأ عنه، وإن أُريدَ بها هذه المِظَلَّةُ، فلا بُدّ من حذف مُضافٍ حينئذٍ، أي: مَطَر السماء، ويكون "مِدْرَاراً" حالاً منه. و"مِدْرَاراً" مِفعال للمُبالغةِ كامرأة مِذْكارِ ومئناث. قالوا: وأصله من "دَرِّ اللَّبَن" وهو كَثْرةُ ورودِه على الحالِبِ. ومنه: "لا دَرَّ دَرُّهُ" في الدُّعَاءِ عليه بقلَّةِ الخير. وفي المَثَلِ "سَبَقَتْ درَّتُه غِزَارَهُ" وهي مثلُ قولهم: "سَبَقَ سَيْلُهُ مَطَرَه" و"استدَّرت المِعْزَى" كناية عن طلبها الفَحْلَ. قالوا: لأنَّها إذا طَلَبَتْهُ حَمَلَتْ فَوَلَدَتْ فَدَرَّتْ. قوله: {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ} إن جعلنا "جَعَلَ" تَصْييريةً كان "تجري" مفعولاً ثانياً، وإن جعلناها إيجادِيَّةً كان حالاً. و"من تحتهم" يجوز فيه أوجه: أن يكون متعلّقاً بـ "تجري"، وهو أظهرها، وأن يكون حالاً، إمَّا من فاعل "تجري"، أو من "الأنهار"، وأنْ يكون مفعولاً ثانياً لـ "جَعَلْنَا"، و"تجري" على هذا حالٌ من الضمير في الجَارِّ، وفيه ضَعْفٌ لتقدُّمِهَا على العامل المَعْنَوِيّ، ويجوز أن يكون "من تحتهم" حالاً من "الأنْهَار" كما تقدَّم، و"تجري حالٌ من الضمير المُسْتَكِنِّ فيه، الضَّعْفُ المتقدّمُ. فصل المُرَادُ من قوله: {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ} كَثْرَةُ البَسَاتيِن، والمعنى أنهم وَجَدُوا من مَنَافع الدُّنيا أكثر مما وَجَدَهُ أهلُ "مكَّة" المشرفة، ثُمَّ مع هذه الزيادة في العِزِّ، وكثرة العدد والبَسْطَةِ في المال والجِسْمِ لمَّا كفروا فجرى عليهم ما سمعتم من إهلاكهم، وهذا يوجب الاعتبار. فإن قيل: ليس في هذا الكلام إلاَّ أن الإهلاك غي مختصّ بهم، بل الأنبياء والمؤمنون كلهم أيضاً قد هلكوا فكيف يحسنُ إيرادُ هذا الكلام في مَعْرضِ الزَّجْرِ عن الكُفْرِ مع أنه يشترك فيه الكَافِرُ والمؤمنُ؟. فالجوابُ: ليس المقصود منه الزَّجْر بمجرد المَوْتِ، والهلاك، بل المُرَاد منه أنهم بَاعُوا الدِّينَ بالدنيا؛ فعوقبوا بسبب الامْتِنَاعِ من الإيمان، وهذا المعنى مُشْتَرَكٍ بين الكافر والمؤمن. فإن قيل: كيف قال: "أوْ لَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنَا" مع أنَّ القَوْمَ ماتوا مُقِرِّين بِصِدْقِ محمد صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به عنه، وأيضاً فهم لم يُشَاهدوا وقَائِعَ الأمم السَّالفة؟ فالجواب: أنَّ [أقَاصِيصَ المتقدمين مشهورة بين الخلق فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا أخبارهم، ومجرد سماعها يكفي في الاعتبار. فإن قيل: أي فائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم؟ فالجواب: أن] فائدته التَّنْبِيهُ أنَّه لا يَتَعَاظَمُهُ إهْلاكُهُمْ وإخْلاَءُ بلادهم منهم، فإنه قَادِرٌ على إنشاء آخرين مَكَانَهُمْ يُعمِّرُ بهم بلاده، كقوله: {أية : وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} تفسير : [الشمس:15]. و"من بعدهم" متعلِّق بـ "أنشأنا". قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون حَالاً من "قرن"؛ لأنه ظَرفُ زمان يعني: أنه لو تأخَّر عن قرن لكان يُتَوَهَّمُ جوازُ كونه صِفَةً له، فلما قُدِّمَ عليه قد يوهم أن يكون حالاً منه؛ لكنه منع ذلك كونُهُ ظرف زمان والزَّمَانُ لا يُخْبَرُ به عن الحَدَثَ ولا يُوصَفُ، وقد تقدَّمَ أنه يصحُّ ذلك بتأويل في "البقرة" عند قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [البقرة:21] و"آخرين" صِفَةٌ لـ "قَرْن"؛ لأنه اسم جَمْع كـ"قوم" و"رهط"، فلذلك اعْتُبِر معناه، ومن قال: إنَّهُ الزَّمانُ قدَّرَ مُضَافَاً، أي: أهل قرن آخرين، وقد تقدَّمَ أنَّهُ مرْجُوحٌ، واللَّهُ أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {من قرن} قال: أمة . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم . وأخرج أبن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق علي عن ابن عباس في قوله {وأرسلنا السماء عليهم مدراراً} يقول: يتبع بعضها بعضاً . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن هارون التميمي في قوله {وأرسلنا السماء عليهم مدراراً} قال: المطر في إبانه .
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ} استئنافٌ مَسوقٌ لتعيـين ما هو المرادُ بالإنباء التي سبق بها الوعيد، وتقرير إتيانِها بطريق الاستشهاد، وهمزةُ الإنكار لتقرير الرؤية، وهي عِرْفانية مستدعيةٌ لمفعول واحد، و(كم) استفهاميةً كانت أو خبريةً معلِّقةٌ لها عن العمل مقيِّدةٌ للتكثير سادّةٌ مع ما في حيِّزها مسدَّ مفعولِها، منصوبةٌ بأهلكنا على المفعولية على أنها عبارةٌ عن الأشخاص، و(من قرن) مميِّزٌ لها على أنه عبارةٌ عن أهل عصر من الأعصار، سُمّوا بذلك لاقترانهم بُرهةً من الدهر كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : خيرُ القرون قَرني ثم الذين يلونهم» تفسير : الحديث. وقيل: هو عبارة عن مدة من الزمان والمضافُ محذوف، أي من أهلَ قرن، وأما انتصابها على المصدرية أو على الظرفية على أنها عبارة عن المصدر أو عن الزمان فتعسفٌ ظاهر، و(من) الأولى ابتدائية متعلقة بأهلكنا أي ألم يعرِفوا بمعايَنةِ الآثارِ وسَماعِ الأخبار كم أمةٍ أهلكنا من قبلِ أهل مكة؟ أي من قبلِ خلقِهم، أو من قبل زمانهم على حذف المضاف، وإقامةِ المضاف إليه مُقامَه، كعادٍ وثمودَ وأضرابِهم، وقوله تعالى: {مَّكَّنَّـٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} استئناف لبـيان كيفيةِ الإهلاك وتفصيلِ مباديه مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من صدر الكلام، كأنه قيل: كيف كان ذلك؟ فقيل: مكناهم الخ، وقيل: هو صفةٌ لقرنٍ لِما أن النكرةَ مفتقرةٌ إلى مخصص، فإذا وَلِيهَا ما يصلُح مخصِّصاً لها تعيّن وصفيتُه لها، وأنت خبـير بأن تنوينَه التفخيميَّ مُغنٍ له عن استدعاء الصفة، على أن ذلك مع اقتضائه أن يكون مضمونُه ومضمونُ ما عُطف عليه من الجُمل أمراً مفروغاً عنه غيرَ مقصود بسياق النظم، مؤدَ إلى اختلال النظم الكريم، كيف لا والمعنى حينئذٍ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرنٍ موصوفين بكذا وكذا، وبإهلاكنا إياهم بذنوبهم، وأنه بـيِّنُ الفساد. وتمكينُ الشيء في الأرض جعلُه قارّاً فيها، ولمّا لزِمه جعلُها مقراً له، ورد الاستعمالُ بكلَ منهما فقيل: تارةً مكّنه في الأرض، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ }تفسير : [الأحقاف، الآية 26] وأخرى مكّن له في الأرض ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ }تفسير : [الكهف، الآية 84] حتى أُجرِيَ كلٌّ منهما مُجرَى الآخرَ. ومنه قوله تعالى: {مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ} بعد قوله تعالى: {مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ}، كأنه قيل في الأول: مكنا لهم، وفي الثاني: ما لم نمكنْكم. و(ما) نكرةٌ موصوفةٌ بما بعدها من الجملة المنفية، والعائد محذوف، محلُها النصبُ على المصدرية، أي مكناهم تمكيناً لم نمكنْه لكم، والالتفاتُ لما في مواجهتهم بضَعف الحال مزيدُ بـيانٍ لشأن الفريقين، ولدفعِ الاشتباه من أول الأمر عن مرجِعَي الضميرين {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَاء} أي المطرَ أو السحابَ أو الظلة لأنها مبدأ المطر {عَلَيْهِمْ} متعلق بأرسلنا {مِدْرَاراً} أي مِغزاراً حال من السماء {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَـٰرَ} أي صيّرناها فقوله تعالى: {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ} مفعولٌ ثانٍ لجعلنا، أو أنشأناها فهو حال من مفعوله، و(من تحتهم) متعلق بتجري وفيه من الدلالة على كونها مسخّرةً لهم مستمرةً على الجريان على الوجه المذكور ما ليس في أن يقالَ: وأجرينا الأنهارَ من تحتهم، وليس المرادُ بتَعدادِ هاتيك النعم العظامِ الفائضةِ عليهم بعد ذكر تمكينهم بـيانَ عِظَم جنايتهم في كفرانها واستحقاقَهم بذلك لأعظم العقوبات بل بـيانَ حيازتهم لجميع أسباب نيل المآرب ومبادِي الأمن والنجاة من المكاره والمعاطب، وعدمَ إغناءِ ذلك عنهم شيئاً. والمعنى: أعطيناهم من البسطة في الأجسام والامتدادِ في الأعمار والسَّعةِ من الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا في استجلاب المنافع واستدفاع المضارِّ ما لم نُعط أهلَ مكةَ ففعلوا ما فعلوا {فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أي أهلكنا كلَّ قرن من تلك القرون بسبب ما يخُصّهم من الذنوب، فما أغنى عنهم تلك العُدَدُ والأسباب، فسيحِلُّ بهؤلاء مثلُ ما حل بهم من العذاب، وهذا كما ترى آخِرُ ما به الاستشهادُ والاعتبار، وأما قولُه سبحانه: {وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن {قَرْناً آخَرِين} بدلاً من الهالكين فلبـيان كمالِ قدرتِه تعالى وسَعة سُلطانه وأن ما ذُكر من إهلاك الأمم الكثيرة لم يَنْقُصْ من ملكه شيئاً بل كلما أهلك أمةً أنشأ بدلها أخرى.
القشيري
تفسير : يعني مَنْ تَقَدَّمَهُم كانوا أشدَّ تمكناً في إمهالنا، وأكثرَ نصيباً - في الظاهر - من أقوالنا؛ سهَّلنا لهم أسبابَ المعاش، ووسَّعنا عليهم أبواب الانتعاش، فحين وَطَّنُوا على كواذب المنى قلوبَهم، وأدركوا من الدنيا محبوبهم ومطلوبَهم فتحنا عليهم من مكامن التقدير، وأبرزنا لهم من غوامض الأمور ما فزعوا عليه من النَّدّم، وذاقوا دونه طعم الألم. ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين، وأورثناهم مساكنهم، وأسكناهم أماكنهم، فلمَّا انخرطوا - في الغيّ - عن سلكهم، ألحقناهم في الإهلاك بهم، سُنَّةً منا في الانتقام قضيناها على أعدائنا، وعادةً في الإكرام أجريناها لأوليائنا.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم يروا} لما ذكر تعالى قبائحهم من الاعراض والتكذيب والاستهزاء اتبعه بما يجرى مجرى الموعظة فوعظهم بالقرون الماضية فقال الم يروا وهمزة الانكار لتقرير الرؤية وهى عرفانية مستدعية لمفعول واحد والضمير لاهل مكة اى ألم يعرفوا بمعاينة الآثار وسماع الاخبار {كم} عبارة عن الاشخاص استفهامية كانت او خبرية {اهلكنا من قبلهم} من متعلقة باهلكنا والمراد من قبل خلق اهل مكة او من قبل زمانهم على حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه {من قرن} مميز لكم عبارة عن اهل عصر من الاعصار سموا بذلك لاقترانهم برهة من الدهر كما فى قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " .تفسير : واراد بالقرن الاول الصحابة وبالثانى التابعين وبالثالث تابع التابعين وقيل هو عبارة عن مدة من الزمان ثمانين سنة او سبعين او ستين او اربعين او ثلاثين او مائة فالمضاف على هذا محذوف اى من اهل قرن لان نفس الزمان لا يتعلق به الاهلاك {مكناهم فى الارض} استئناف لبيان كيفية الاهلاك وتفصيل مباديه مبنى على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل كيف كان ذلك فقيل مكناهم وتمكين الشئ فى الارض جعله قارا فيها ولما لزمه جعلها مقرا له ورد الاستعمال بكل منهما فقيل تارة مكنه فى الارض واخرى مكن له فى الارض حتى اجرى كل منهما مجرى الآخر ومنه قوله تعالى {ما لم نمكن لكم} بعد قوله تعالى {مكناهم فى الارض} كأنه قيل فى الاول مكنا لهم وفى الثانى ما لم نمكن لكم وما نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها والعائد محذوف محلها النصب على المصدرية اى مكناهم تمكينا لم نمكنه لكم ويحتمل ان يكون مفعولا به لمكناهم على المعنى لان معنى مكناهم اعطيناهم اى اعطيناهم ما لم نعطكم {وأرسلنا السماء} اى المطر او السحاب {عليهم} متعلق بارسلنا {مدرارا} مغزارا اى كثير الدرور والصب وهو حال من السماء. قال ابن الشيخ المدرار مفعال وهو من ابنية المبالغة للفاعل كامرأة مذكار ومئناث واصله من درر اللين درورا وهو كثرة وروده على الحالب يقال سحاب مدرارا ومطر مدرار اذا تتابع منه المطر فى اوقات الاحتياج اليه {وجعلنا الانهار} اى صيرناها {تجرى من تحتهم} اى من تحت اشجارهم ومساكنهم وقصورهم والمعنى اعطيناهم من البسط فى الاجسام والامتداد فى الاعمار والسعة من الاموال والاستظهار باسباب الدنيا فى استجلاب المنافع واستدفاع المضار ما لم نعط اهل مكة ففعلوا ما فعلوا من الكفران والعصيان {فاهلكناهم بذنوبهم} اى اهلكت كل قرن من تلك القرون بسبب ما يخصهم من الذنوب فما اغنى عنهم تلك العدد والاسباب فسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب {وأنشأنا من بعدهم} اى احدثنا من بعد اهلاك كل قرن {قرنا آخرين} بدلا من الهالكين وهو لبيان كمال قدرته تعالى وسعة سلطانه وان ما ذكر من اهلاك الامم الكثيرة لم ينقص من ملكه شيئاً بل كلما اهلك امة انشأ بدلها اخرى يعمر بهم بلاده ومن عادته تعالى اذهاب اهل الظلم بعد الامهال ومجيئه باهل العدل والانصاف ونفى اهل الرياء والسمعة واثبات اهل الصدق والاخلاص ولن يزال الناس من اهل الخير فى كل عصر، وعن ابى الدرداء رضى الله عنه انه قال ان لله عبادا يقال لهم الابدال لم يبلغوا ما بلغوا بكثرة الصوم والصلاة والتخشع وحسن الحلية ولكن بلغوا بصدق الروع وحسن النية وسلامة الصدر والرحمة بجميع المسلمين اصطفاهم الله بعلمه واستخلصهم لنفسه وهم اربعون رجلا على مثل قلب ابراهيم عليه السلام لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد ا نشأ من يخلفه واعلم انهم لا يسبون شيئاً ولا يلعنون ولا يؤذون من تحتهم ولا يحقرونه ولا يحسدونه من فوقهم اطيب الناس خبرا والينهم عريكة واسخاهم نفسا لا تدركهم الخيل المجراة ولا الرياح العواصف فيما بينهم وبين ربهم انما قلوبهم تصعد فى السقوف العلى ارتباحا الى الله تعالى فى استباق الخيرات اولئك حزب الله ألا ان حزب الله هم المفلحون وهذا بعض كلامه وفى قوله تعالى {فأهلكناهم بذنوبهم} اشارة الى ان الهلاك مطلقا صوريا ومعنويا بدنيا وماليا انما هو بشؤم المعصية وكفران النعمة: ونعم ما قيل شعر : شكر نعمت نعمتت افزون كند كفر نعمت ازكفت بيرون كند تفسير : فمن اعرض عن المعجزات والكرامات والالهامات لا قباله على الدنيا وزينتها وشهواتها كأنهم الانعام بل هم اضل لان الانعام ما كذبت بالحق وهو قد كذب شعر : دريغ آدمى زاده برمحل كه باشد جو انعام بل هم اضل تفسير : وقوله تعالى {أية : فسوف يأتيهم} تفسير : [الأَنعام: 5]. اى فى الدنيا والآخرة {أية : أنباء ما كانوا به يستهزؤن} تفسير : [الأَنعام: 5]. اما فى الدنيا فمن استهزائهم باقوال الانبياء والاولياء واحوالهم يصمهم الله ويعمى ابصارهم فلا يهتدون الى حق ولا الى حقيقة سبيلا واما فى الآخرة فيعذبهم بعذاب القطيعة والبعد والحرمان والخلود فى النيران ـ حكى ـ ان امام الحرمين كان يدرس يوما فى المسجد بعد صلاة الصبح فمر عليه بعض شيوخ الصوفية ومعه اصحابه من الفقراء وقد دعوا الى بعض المواضع فقال امام الحرمين فى نفسه ما شغل هؤلاء الا الاكل والرقص فلما رجع الشيخ من الدعوة مر عليه وقال يافقيه ما تقول فيمن صلى الصبح وهو جنب ويقعد فى المسجد ويدرس العلوم. ويغتاب الناس فذكر امام الحرمين انه كان عليه غسل ثم حسن اعتقاده بعد ذلك فى الصوفية. اقول واول الامر اعتقادهم ثم الاتباع بطريقتهم ثم الوصول الى مقاماتهم. وقيل لابى القاسم الجنيد قدس سره ممن استفدت هذه العلوم فقال من جلوسى بين يدى الله تعالى ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة واشار الى درجة فى داره فهذه الطريقة لا تنكشف اسرارها ولا تتلألأ انوارها الا بعد اجتهاد تام وسلوك قوى والله الهادى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {كم}: خبرية، مفعول {أهلكنا}، أي: كثيرًا أهلكنا من القرون، والقرن؛ مدة من الزمان تهلك أشياخُها وتقوم أطفالُها، واخُتلف في حدِّها، قيل: مائة، وقيل: سبعون، وقيل: ثمانون، وقيل القرن: أهل زمان فيه نبي أو فائق في العلم، قلَّت المدةُ أو كثُرَت، مشتق من قرين الرجل. والمطر المِدرار هو الغزير، وهي من أمثلة المبالغة، كمِذكار وميناث. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ألم يروا} ببصائرهم رؤيةَ اعتبار، {كم أهلكنا من قبلهم} من أهل عصر {مكنّاهم في الأرض} أي: جعلناهم متمكّنين فيها بالقرار والسُّكنَى والطمأنينة فيها، أو أعطيناهم من القوة والآلات ما تمكَّنُوا بها من أنواع التصرف فيها؛ فقد {مكّناهم ما لم نمكّن لكم} يا أهل مكة، فقد جعلنا لهم من السعة وطول المقام ما لم نجعله لكم، أو أعطيناهم من القوة والسَّعة في المال والاستظهار على الناس بالعُدَّة والعدَد وتَهَيُّؤ الأسباب ما لم نجعله لكم. {وأرسلنا السماء} أي: المطر أو السحاب {عليهم مِدرَاراً} أي: مِعزارًا على قدر المنفعة بحسب الحاجة، {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي: أجرينا الأودية من تحت ديارهم وأراضيهم، فعاشوا في الخصب والريف، بين الأنهار والثمار، فعَصوا وطَغوا وبَطرُوا النعمة، فلم يُغنِ ذلك عنهم شيئًا. {فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا} أي: أحدثنا، {من بعدهم قرنًا آخرين} بدلاً منهم. والمعنى: أنه تعالى كما قدَّر أن يُهلك مَن تقدم مِن القُرون، بعد أن مكَّنهم في البلاد واستظهروا على العباد، كعاد وثمود، وأنشأ بعدهم آخرين عمَّر بهم بلاده، يقدر أن يفعل ذلك بكم يا معشر الكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم. الإشارة: النظر والاعتبار يُوجب للقلب الرقَّة والانكسار. وهي عبادة كبرى عند العُباد والزهاد. أُولي العزم والاجتهاد. وفوقها: فكرة الشهود والعيان، وهي الفكرة التي تطوى وجود الأكوان. وتُغيب الأواني بظهور المعاني، أو تريها حاملة لها قائمة بها، فالأُولى فكرة تصديق وإيمان، والثانية فكرة شُهُود وعِيان. وبالله التوفيق. ثم ذكَر عِنادهم، وأنهم لا تنفع فيهم المعجزة، فقال: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ}.
الطوسي
تفسير : قوله {ألم يروا} خطاب للغائب وتقديره ألم ير هؤلاء الكفار: ألم يعلموا {كم أهلكنا من قبلهم من قرن}. ثم قال {مكَّنَّاهم في الأرض ما لم نمكن لكم} فخاطب خطاب المواجه، فكأنه اخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ثم خاطبه معهم، كما قال: {أية : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بربح طيبة}تفسير : فذكر لفظ الغائب بعد خطاب المواجه. ومعنى {من قرن} من أمة. قال الحسن: القرن عشرون سنة. وقال ابراهيم: اربعون سنة. وقال ابو ميسرة: هو عشر سنين. وحكى الزجاج والفراء: أنه ثمانون سنة وقال قوم: هو سبعون سنة. وقال الزجاج: عندي القرن هو أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم، قلت السنون او كثرت، فيسمى ذلك قرنا، بدلالة قوله (ع): {خيركم قرني} يعني أصحابي {ثم الذين يلونهم} يعني التابعين {ثم الذين يلونهم} يعني تابعي التابعين. قال: وجائز أن يكون القرن جملة الامة، وهؤلاء قرن فيها. واشتقاق القرن من الاقتران. وكل طبقة مقترنين في وقت قرن، والذين يأتوا بعدهم ذووا اقتران: قرن آخر. وقوله {مكنَّاهم في الأرض} معناه جعلناهم ملوكا وأغنياء تقول مكنتك، ومكنت لك واحد. وقوله {وأرسلنا عليهم السماء مدرارا} معناه أرسلنا عليهم مطرا كثيرا من السماء يقول القائل أصابتنا هذه السماء، وما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، يعنون المطر. وقوله {مدراراً} يعني غزيرا دائماً كثيرا. وهو قول ابن عباس وأبي روق. و (مفعال) من ألفاظ المبالغة، يقال ديمة مدراراً اذا كان مطرها غزيراً حادا، كقولهم امرأة مذكار: اذا كانت كثيرة الولادة للذكور، ومئناث في الاناث. ومفعال لا يؤنث، يقال: امرأة معطار ومئناث ومذكار، بغير هاء. بين الله تعالى أن هؤلاء الذين آتاهم الله هذه المنافع وأجرى من تحتهم الانهار، ووسع عليهم، ومكنهم في الارض، لما كفروا بنعم الله وارتكبوا معاصيه أهلكهم الله بذنوبهم، وانه انشأ قوما آخرين بعدهم. يقال: انشأ فلان يفعل كذا أي ابتدأ فيه. وموضع (كم) نصب بـ (أهلكنا)، لان لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، فلذلك لا يجوز أن يكون منصوبا بـ (يروا). فان قيل: كيف قال: {أو لم يروا} والقوم كانوا غير مقرين بما أخبروا به من شأن الامم قبلهم؟ قيل: كان الكثير منهم مقرا بذلك فأنه دعي بهذه الآية الى النظر والتدبر ليعرف بذلك ما عرفه غيره.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} فاتّكلوا على حياتهم الدّاثرة الفانية واستبدّوا بآرائهم الكاسدة وأعرضوا عن آياتنا، والقرن برهة كثيرة من الزّمان او هو مدّة عشرة او عشرين او ثلاثين او اربعين او خمسين او ستّين او سبعين او ثمانين سنة، أو مائة او مائة وعشرين سنة، او اهل زمان واحدٍ او امّة بعد امّة، او كلّ امّة هلكت فلم يبق منهم احد {مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} بالصّحة والقوّه فى الاجسام والسّعة فى الاموال والاولاد {مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ} اى المطر والسّحاب {عَلَيْهِم مَّدْرَاراً وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ} يعنى هيّئنا لهم اسباب التّرفّه والسّعة والتّنزّه علاوةً على تمكينهم فى الارض {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} يعنى ما صار تمكّنهم حافظاً لهم عن بأسنا ولا امداد نالهم واستدارجنا ايّاهم {وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} تهديد بليغ لهم.
اطفيش
تفسير : {ألم تَروْا كَم أهْلَكْنا قَبْلهم مِنْ قَرنٍ} القرن أهل عصر فيه نبى أو فائق فى العلم كان العصر قليلا أو كثيراً، فالقرن أهل ذلك العصر لا نفس العصر، وهو مأخوذ من قرنت الشئ بالشئ، فأهل العصر اقترنوا بعض ببعض لاحتواء الزمان عليهم، أو اقترنوا زمانهم، أو بأمة قبلهم وبعدهم إذ تعاقبوا، وقيل: القرن عشرة أعوام، وقيل عشرون، فهكذا العقود كلها أقوال إلى مائة، وقيل: مائة وعشرون، وأطلت الكلام على ذلك فى شرح المخمس لأبى نصر رحمهُ الله، وعلل القول بأنهُ سبعون عاماً لأنها أغلب أعمار الناس، والقول بأنه مائة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبعض الصحابة: "تعيش قرناً" فعاش مائة سنة، وهو عبد الله بن بشر المازنى، وصحح هذا. والقرن فى هذه الأقوال نفس الزمان، فيقدر مضاف، أى من أهل قرن، أو سماهم باسم زمانهم، سمى الزمان قرناً لاقترانه بزمان قبله، وزمان بعده، أو بأهله، والقرون المهلكة كقوم نوح، وقوم عاد، وثمود، وكم للتكثير خبرية مفعول مقدم لأهلكنا، ومن قرن بيان لكم نعت لها، وجملة أهلكنا مفعول ليروا، سوغ تسلطه على الجملة تعليقه عن نصب مفردين، أو مفرد وجملة بالاستفهام وذلك المفعول قائم مقام المفعولين، إذ الرؤية علمية، ويجوز أن يكون بصرية لأنها تعلق أيضا، ومعنى رؤيتهم أنهم أبصروا مساكين المهلكين، والعلمية أولى. {مَكَّنَّاهُم فى الأرضِ مَا لَم نُمكِّن لَكُم} ثبتناهم فى الأرض تثبيتاً لم نثبته لكم، أو ثبتناهم فى الأرض التثبيت الذى لم نثبته لكم، فالتمكين الأول بمعنى التثبيت المتعدى لمفعول غير المفعول المطلق، وللمفعول المطلق الذى هو ما الموصولة، أو الموصوفة الواقعة على التمكين بمعنى، والثانى متعد إلى مفعول هو ضمير المصدر محذوف على أنه مفعول به رابط الصلة، أو الصفة، بمنزلة قولك: مكناهم تمكيناً لم نوقعه لكم، أو التمكين الذى لم نوقعه لكم، ولا يصح رد جعلها موصولة بأنها لا تقع نعتاً للمعرفة، لأنا إذا جعلناها موصولة لم نجعلها نعتاً للمعرفة، بل نقول: هى واقعة على التمكين، وهذا كما تقول فى جاء الذى قام إن الذى واقع على الرجل، وإنما نجعل التمكين منعوتاً إذا عبرنا بالذى، وذلك من مكن شئ فهو مكين أى متين وقوى. ويجوز أن يكون مكنَّاهم بمعنى أعطيناهم، فما مفعول به ثان واقعة على القوى، والجسمية والأموال والآلات والعدد والعدة أعطيناهم من ذلك ما لم نعطكم، وعدى نمكن لا ثانى لواحد محذوف، أى نمكنه وضمن معنى ندفع، فعدى الآخر باللام أى ما لم ندفعه لكم. {وأرْسَلنا السَّماء عَليْهِم مِدْراراً} السماء بمعنى المطر، سمى سماء لأنه يجئ من جهة السماء، أو لأنه كان الماء قبل إرساله غالباً مضلا، وكل عال مفضل من فوق يسمى سماء، أو السماء لمعنى السحاب على حذف مضاف، أى ماء السحاب، أو السماء لمعنى السماء الدنيا، أو لمعنى الفلك المحيط، فإن الماء ينزل من السماء، أو من الفلك إلى الأرض، فيقدر مضاف أيضا، أى ماء السماء أو ماء الفلك، ونزل نزول بكثرة بنزول السحاب نفسه، أو السماء نفسها، أو الفلك نفسه على طريق العرب فى المبالغة، ومدراراً متتابعاً بكثرة حال، والسماء صفة مبالغة من الدر بمعنى التتابع، وذلك من در اللبن دروراً هو دار، أى كثر ورده على الحالب، والخطاب فى لكم لمشركى قريش على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والغيبة فى عليهم لهم أيضا على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، هذا ما ظهر، وقيل: الخطاب للمؤمنين، وقيل: لهم وللناس المعاصرين لهم من أى جنس. {وجَعَلنا الأنْهار تَجْرى مِنْ تَحْتِهِم} أى من تحت أشجارهم على حذف مضاف، أو المراد يجريها من تحتهم الكناية عن كثر أو كثيرة ماؤها، فكان يسيح فى أكثر أرضهم، ويطئون ماءه، فعاشوا فى الخصب والريف والثمار، ولم يشكروا النعم، بل انهمكوا فى الذنوب. {فأهْلكْناهُم بذنُوبِهِمْ} ولم نغن عنهم قواهم ومالهم وجاههم وعددهم وعدتهم شيئاً، والمراد بالإهلاك بذنوبهم إماتتهم بالإغراق والريح والصيحة وغير ذلك بسبب ذنوبهم. {وأنشأْنا مِنْ بَعْدهم} بعد إهلاكهم {قرناً آخَرِينَ} عمرنا بهم البلاد، فاحذروا أن نهلككم ونبدّل بكم غيركم.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ يَرَوْا} أَى أَهل مكة فى سفرهم إِلى اليمن شتاء، وإِلى الشام صيفا، وإِلى غيرها للتجارة أَو غيرهما {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} إِلخ، فإِنه إِهلاك فى الدنيا، إِلا أَنه متتبع بعذاب الآخرة، وللانتقام لدين الله عز وجل، وكم خبرية للتكثير مفعول لأَهلكنا، والجملة مفعول للرؤية البصرية، علقتها كم لأَن معنى التعليق التعميد عن نصب مفرد أَو مفردين، أَو مفرد وجملة، سواء دخل المعلق على جملة اسمية أَو فعلية، والقرن أَهل عصر فيهم نبى أَو فائق فى العلم،ولو قلت المدة كما قال الزجاج، ويحتاج سموا لاقترانهم مدة من الزمان، أَو المقدار الأَوسط من أَعمار كل أهل عصر، أَو ثمانون سنة، أَو سبعون سنة، أَو ستون أَو أَربعون أَو ثلاثون، أَو تسعون، أَو عشرون، أَو خمسون أَو عشرة، أَو ثمانية وعشرون، أَو مائة وعشرون أَو مائة، لقوله صلى الله عليه وسلم لصحابى: تعيش قرنا. فعاش مائة، أَو القرن تلك الأَزمنة، فيقدر مضاف أَى أَهل قرن، ولفظ القرن من قرن الشئَ بالشئ، واصحابى الذى قال له: تعيش قرنا فعاش مائة هو عبد الله بن بشر المازني، ويجوز أَن الرؤية علمية، وأَنهم عارفون ذلك برؤية الآثار، وبسماع الأخبار، والمراد من قبل زمانهم أَو من قبل خلقهم، كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وقوم شعيب، وفرعون وغيرهم، وكأَنه قيل ما حالهم، فقال عز وجل {مَكَّنَّاهُمْ فِى الأَرْضِ} كعاد وثمود {مَا لَمْ نُمَكّنْ لَكُمْ} أَو الجملة نعت، والمراد ما لم نمكن لكم يا أَهل مكة من طول العمر وعظم الجسم والعدد وسعة الرزق والكثرة، وما واقعة على التمكين فهى مفعول مطلق موصول أَو نكرة موصوفة، وليس المراد أَنها نعت لمحذوف فضلا عن أَن يقال أَنها لا ينعت بما، بل معناها التمكين الذى لم نمكنه، أَو تمكين ما لم نمكن... إِلخ.. ولا يجوز أَن تكون نعتا لمصدر محذوف، أَى تمكينا ما إِلخ..ويجوز أَن يكون مفعولا ثانيا لمكنا لتضمنه معنى أَعطينا، ومكن يتعدى بنفسه تارة وبالحرف أُخرى كنصحته، ونصحت له، وذكر أَبو عبيدة اللغوى أَنهما لغتان، قيل واللام أَكثر. ومكناه فى كذا أَثبتناه فيه {ولقد مكناكم فيما إِن مكناكم فيه} ومكنا له جعلنا له مكانا. إِنا مكنا له فى الأَرض {أَو لم نمكن لهم حرما آمنا}. أَى جعلنا لهم حرماً آمنا مكناه، ولكم خطاب التفت الكلام فيه عن الغيبة فى يروا وأَهلكناهم، وإِنما قلت الخطاب لأَهل مكة لما فيه من الارتباط لما قبله، ولو جاز كونه لجميع الناس، وأَبعد من هذا كونه للمؤمنين {وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ} المطر كما روى عن ابن عباس، وكل ما علاك فهو سماء، أَو السحاب، فإِنه علاك، أَى أَرسلنا ماءَ السحاب، أَو السماء الدنيا أَى أَرسلنا ماء السماءَ الدنيا {عليهم مدرارا} وجه إِرسال السحاب أَو السماءِ الدنيا مدرارا، إِرسال مائها على حذف مضاف، كما رأَيت أَو كأنها أَرسلت هى لأَن إِرسال المطر منها، والله قادر أَن يبلغ الماءَ من السماءِ الدنيا فى أَقل من لحظة، أَو جعله الله مستمر النزول في الأَزمنة المتطاولة إِلى مواقعه، ومدرار متتابع أَو كثير مأْخوذ من درت الناقة مثلا تتابع لبنها للحالب لكثرته، أَو كثر، حال من السماءِ، وذكر، ولو جعلنا السماءَ بمعنى السماء الدنيا أَو السحاب مع أَنهما مؤنثان لأَن مفعالا وفعولا وفعالا فى المبالغة يستوى فيهن المذكر والمؤنث، وتفسير السماءِ بالسحاب أَو المطر أَولى لشمول الماءِ النازل من السماءِ الدنيا والمنعقد من البحار والعيون والبخار {وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ} صيرناها أَو أَوجدناها {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمْ} قيل من فى مثل هذا زائدة فى الإِثبات والتعريف، وقيل بمعنى فى، ويجوز أَن تكون ابتدائية فإِنها ولو جرت متطاولة إِلا أَن كل مسكن مبدأ لما بعده، والمعنى من تحت مساكنهم، أَو تحت أَبدانهم، فإن الماءَ الجارى يعلوه القائم والقاعد {فأَهْلَكْنَاهُمْ} استأْصلناهم والفاء للتعقيب، أَو عاطفة على محذوف أَى كفروا فأَهلكناهم بلا فاء فى المقدر أَو بها {بذنوبهم} أَى بسبب ذنوبهم من شرك، ومعاصيهم، ولم يمنعهم ثمار أَشجارهم، وحب حرثهم الكثير العظيم المتولد من الأَنهار والمطر ولا كثرة عددهم ولا قوة أَجسامهم وآلاتهم. فخافوا يا أَهل مكة أَن ينزل بكم الإِهلاك كما نزل بهم، وقد كفرتم كما كفروا بتكذيب الأَنبياءِ والكتب وسائر معاصيهم، وهذا محط قوله: أَلم يروا إِلخ {وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ} بعد إِهلاكهم {قَرْناً آخَرِينَ} بدلهم، يعمرون البلاد، وهذا بيان لكمال قدرته، فلا ينقص إِهلاكه تلك القرون من ملكه شيئا، بل كلما أَهلك أَمة أَحدث بعدها أُخرى. فخافوا يا أَهل مكة أَن يبدلكم بغيركم، والجمهور على أَن القرن مائة سنة، للحديث المذكور، والقول بأَنه مائة وعشرون هو قول إِياس بن معاوية بن زرارة بن أَبى أَوفى، والقول بالثمانين لابن عباس، رواه عنه تلميذه صالح، والقول بالسبعين للفراءِ، واحتج القائل بالسبعين بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : معترك المنايا ما بين الستين إِلى السبعين" تفسير : ورفع ابن سيرين إِلى النبى صلى الله عليه وسلم أَن القرن أَربعون، وعن أَبى عبيدة أَنهم يرون ما بين القرنين ثلاثين سنة، والقول بالعشرين قول الحسن البصرى، واستحسن بعض أَن القرن المقدار الوسط من أَعمار أَهل ذلك الزمان، لأَنهم يعيون أَربعائة وأَلفا، وأَقل وأَكثر،واختاروا أَن القرن حقيقة فى الناس لغلبة إِطلاقه عليهم لا على الزمان، وقيل هو حقيقة فى الزمان، وقيل مشترك حقيقة فيهما، والمجاز أَولى من الاشتراك.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ} استئناف مسوق لتعيين ما هو المراد بما تقدم، وقيل: شروع في توبيخهم ببذل النصح لهم والأول أظهر. والرؤية عرفانية، وقيل: بصرية، والمراد في أسفارهم وليس بشيء. وهي على التقديرين تستدعي مفعولاً واحداً. و {كَمْ} استفهامية كانت أو خبرية معلقة لها عن العمل مفيدة للتكثير سادة مع ما في حيزها مسد مفعولها، وهي منصوبة بأهلكنا على المفعولية، وهي عبارة / عن الأشخاص، وقيل: إن الرؤية علمية تستدعي مفعولين والجملة سادة مسدهما. و {مّن قَرْنٍ} مميز لـ{كم} على أنه عبارة عن أهل عصر من الأعصار سموا بذلك لاقترانهم مدة من الزمان فهو من قرنت. واختلف في مقدار تلك المدة فقيل: مائة وعشرون سنة، وقيل: مائة، وقيل: ثمانون، وقيل: سبعون، وقيل: ستون، وقيل: ثلاثون، وقيل: عشرون، وقيل: مقدار الأوسط في أعمار أهل كل زمان. ولما كان هذا لا ضابط له يضبط قال الزجاج: إنه عبارة عن أهل عصر فيهم نبـي أو فائق في العلم على ما جرت به عادة الله تعالى. ويحتمل أن يعتبر ذلك مائة سنة لما ورد أن الله تعالى قيض لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها. وقيل: هو عبارة عن مدة من الزمان اختلف فيها على طرز ما تقدم. واختار بعضهم أنه حقيقة في الزمان المعين وفي أهله. والمراد به هنا الأهل من غير تجشم تقدير مضاف أو ارتكاب تجوز. وجوز بعضهم انتصاب {كَمْ} على المصدرية بأهلكنا بمعنى إهلاك أو على الظرفية بمعنى أزمنة وهو تكلف. و (من) الأولى ابتدائية متعلقة بأهلكنا. وهمزة الإنكار لتقرير الرؤية. والمعنى ألم يعرف هؤلاء المكذبون المستهزئون بمعاينة الآثار وتواتر الأخبار كم أمة أهلكنا من قبل خلقهم أو من قبل زمانهم كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأضرابهم فالكلام على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. وقوله تعالى: {مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ} استئناف بياني كأنه قيل ما كان حالهم؟، وقال أبو البقاء: إنه في موضع جر صفة {قَرْنٍ } لأن الجمل بعد النكرات صفات لاحتياجها إلى التخصيص. وجمع الضمير باعتبار معناه. وتعقبه مولانا شيخ الإسلام «بأن تنوينه التفخيمي مغن له عن استدعاء الصفة، على أن ذلك مع اقتضائه أن يكون مضمونه ومضمون ما عطف عليه من الجمل الأربع [أمراً] مفروغاً عنه غير مقصود لسياق النظم مؤد إلى اختلاف النظم الكريم، كيف لا والمعنى حينئذ: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن موصوفين بكذا وكذا وبإهلاكنا لهم بذنوبهم وأنه بين الفساد» انتهى. ولا يخفى أن التنوين التفخيمي لا يأبى الوصف. وما ورد فيه ذلك من النكرات أكثر من أن يحصى، وأما ما ذكره بعد فقد قال الشهاب: إنه غفلة منه أو تغافل عن تفسيرهم {فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ} الخ الآتي بقولهم لم يغن ذلك عنهم شيئاً. وتمكين الشيء في الأرض ـ على ما قيل ـ جعله قاراً فيها. ولما لزم ذلك جعلها مقراً له ورد الاستعمال بكل منهما فقيل تارة مكنه في الأرض ومنه قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ } تفسير : [الأحقاق: 26] وأخرى مكن له في الأرض ومنه قوله تعالى: { أية : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الكهف: 84] حتى أجرى كل منهما مجرى الآخر ومنه قوله تعالى: {مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ} بعدما تقدم كأنه قيل في الأول: مكنا لهم وفي الثاني: ما لم نمكنكم. وفي «التاج» أن مكنته ومكنت له مثل نصحته ونصحت له. وقال أبو علي: اللام زائدة مثل { أية : رَدِفَ لَكُم } تفسير : [النمل:72]. وكلام الراغب في «مفرداته» يؤيده. وذكر بعض المحققين أن مكنه أبلغ من مكن له، ولذلك خص المتقدم بالمتقدمين والمتأخر بالمتأخرين و {مَا} إما موصولة صفة لمحذوف تقديره التمكين الذي لم نمكنه لكم أو نكرة موصوفة أي تمكيناً لم نمكنه. وعليهما فهي مفعول مطلق والعائد إليها من الصلة أو الصفة محذوف، وقيل: إنها مفعول به لأن المراد من التمكين الإعطاء كما يشير إليه ما روي عن قتادة أي أعطيناهم ما تمكنوا به من أنواع التصرف ما لم نعطكم. وقيل: إنها مصدرية ظرفية أي مدة عدم تمكينكم ولا يخفى بعده والخطاب / للكفرة. وقيل: لجميع الناس. وقيل: للمؤمنين. والظاهر الأول والالتفات لما في مواجهتهم بضعف حالهم من التبكيت ما لا يخفى. وقيل: ليتضح مرجع الضميرين ولا يشتبه من أول الأمر، وهي نكتة في الالتفات لم يعرج عليها أهل المعاني. {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَاء} أي المطر كما روي عن هارون التيمي، ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً. وقيل: السحاب واستعمالها في ذلك مجاز مرسل. وقيل: هي على حقيقتها بمعنى المظلة والمجاز في إسناد الإرسال إليها لأن المرسل ماء المطر وهي مبدأ له، وفيه من المبالغة ما لا يخفى. «والإرسال والإنزال ـ كما في «البحر» ـ متقاربان في المعنى لأن اشتقاقه من رسل اللبن وهو ما ينزل من الضرع متتابعاً» {عَلَيْهِم مَّدْرَاراً} أي غزيراً كثير الصب، وهو صيغة مبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث، وهو حال من السماء والظرف متعلق بأرسلنا {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَـٰرَ} أي صيرناها {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ } أي من تحت مساكنهم. والمراد أنهم عاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار. والجملة في موضع المفعول الثاني لجعلنا. ولم يقل سبحانه: أجرينا الأنهار كما قال عز شأنه: {أَرْسَلْنَا ٱلسَّمَاءَ} للإيذان بكونها مسخرة مستمرة الجريان لا لأن النهر لا يكون إلا جارياً فلا يفيد الكلام لأن النظم حينئذ ناظر إلى كونها من تحتهم فالفائدة ظاهرة، ولو كان ما ذكر صحيحاً لما ورد في النظم الكريم كقوله تعالى: { أية : تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } تفسير : [المائدة: 119] واستظهر كون الجعل بمعنى الإنشاء والإيجاد وهو مخصوص به تعالى فلذا غير الأسلوب، وعليه فالجملة في موضع الحال من المفعول. وليس المراد ـ على ما قيل ـ بتعداد هاتيك النعم العظام الفائضة عليهم بعد ذكر تمكينهم بيان عظم جنايتهم في كفرانها واستحقاقهم بذلك لأعظم العقوبات بل بيان حيازتهم لجميع أسباب نيل المآرب ومبادىء الأمن من المكاره والمعاطب وعدم إغناء ذلك عنهم شيئاً. وينبىء عن عدم الإغناء عند جمهور المفسرين. قوله تعالى: {فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} والفاء للتعقيب وقيل: فصيحة والمراد فكفروا فأهلكناهم ورجح الأول، والباء للسببية أي أهلكنا كل قرن من تلك القرون بسبب ما يخصهم من الذنوب كتكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام {وَأَنشَأْنَا } أي أوجدنا {مّن بَعْدِهِمْ } أي بعد إهلاكهم بسبب ذلك {قَرْناً ءاخَرِينَ} بدلاً من الهالكين. وهذا بيان لأنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرناً ويخلي بلاده منهم فإنه جل جلاله قادر على أن ينشيء مكانهم آخرين يعمر بهم البلاد فهو كالتتميم لما قبله نحو قوله تعالى: { أية : وَلاَ يَخَافُ عُقْبَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 15] وفيه إشارة إلى أنهم قلعوا من أصلهم ولم يبق أحد من نسلهم لجعلهم آخرين وكونهم من بعدهم.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة بيان لجملة: {فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون}. جاء بيانها بطريقة الاستفهام الإنكاري عن عدم رؤية القرون الكثيرة الذين أهلكتهم حوادث خارقة للعادة يدلّ حالها على أنّها مسلّطة عليهم من الله عقاباً لهم على التكذيب. والرؤية يجوز أن تكون قلبية، أي ألم يعلموا كثرة القرون الذين أهلكناهم، ويجوز أن تكون بصربة بتقدير: ألم يروا آثار القرون التي أهلكناها كديار عاد وحِجْر ثمود، وقد رآها كثير من المشركين في رحلاتهم، وحدّثوا عنها الناس حتى تواترت بينهم فكانت بمنزلة المرئي وتحقّقتها نفوسهم. وعلى كلا الوجهين ففعل {يَرَوا} معلّق عن العمل في المفعولين أو المفعول، باسم الاستفهام وهو {كم}. و(كم) اسم للسؤال عن عدد مبهم فلا بدّ بعده من تفسير، وهو تمييزه. كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : سَل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية}تفسير : في سورة البقرة (211) وتكون خبرية فتدلّ على عدد كبير مبهم ولا بدّ من مفسّر هو تمييز للإبهام. فأمّا الاستهامية فمفسّرها منصوب أو مجرور، وإن كانت خبرية فمفسّرها مجرور لا غير، ولمّا كان (كم) اسماً في الموضعين كان له موقع الأسماء بحسب العوامل رفعٌ ونصب وجرّ، فهي هنا في موضع مفعول أو مفعولين {ليرَوا}. و(مَنْ) فزائدة جارّة لمميّز {كم} الخبرية لوقوع الفصل بينها وبين مميّزها فإنّ ذلك يوجب جرّه بـ (من)، كما بيّناه عند قوله تعالى: {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بيّنة} في سورة البقرة. والقرن أصله الزمن الطويل، وكثر إطلاقه على الأمّة التي دامت طويلاً. قال تعالى: {من بعد ما أهلكنا القرون الأولى}. وفسّر القرن بالأمّة البائدة. ويطلق القرن على الجيل من الأمّة، ومنه حديث "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". ويطلق على مقدار من الزمن قدره مائة سنة على الأشهر، وقيل: غير ذلك. وجملة: {مكّنّاهم} صفة لـ {قرن} وروعي في الضمير معنى القرن لأنّه دالّ على جمع. ومعنى: {مكّنّاهم في الأرض} ثبّتناهم وملّكناهم، وأصله مشتقّ من المكان. فمعنى مكّنه ومكّن له، وضع له مكاناً. قال تعالى: {أو لم نمكّن لهم حرماً آمناً}. ومثله قولهم: أرَضَ له. ويكنّى بالتمكين عن الإقدار وإطلاق التصرّف، لأنّ صاحب المكان يتصرّف في مكانه وبيته ثم يطلق على التثبيت والتقوية والاستقلال بالأمر. ويقال: هو مكين بمعنى مُمَكّن، فعيل بمعنى مفعول. قال تعالى: {إنّك اليوم لدينا مكين أمين} فهو كناية أيضاً بمرتبة ثانية، أو هو مجاز مرسل مرتّب على المعنى الكنائي. والتمكين في الأرض تقوية التصرّف في منافع الأرض والاستظهار بأساباب الدنيا، بأن يكون في منعة من العدوّ وفي سعة في الرزق وفي حسن حال، قال تعالى: {إنّا مكنّا له في الأرض}، وقال: {الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة} الآية. فمعنى مكَّنه: جعله متمكّناً ومعنى مكّن له: جعله متمكّناً لأجله، أي رعيا له، مثل حمده وحمد له، فلم تزده اللام ومجروورها إلاّ إشارة إلى أنّ الفاعل فعل ذلك رغبة في نفع المفعول، ولكن الاستعمال أزال الفرق بينهما وصيّر مكّنه ومكّن له بمعنى واحد، فكانت اللام زائدة كما قال أبو علي الفارسي. ودليل ذلك قوله تعالى: هنا {مكّنّاهم في الأرض ما لم نمكّن لكم} فإنّ المراد بالفعلين هنا شيء واحد لتعيّن أن يكون معنى الفعلين مستوياً، ليظهر وجه فوت القرون الماضية في التمكين على تمكين المخاطبين، إذ التفاوت لا يظهر إلاّ في شيء واحد، ولأنّ كون القرون الماضية أقوى تمكّنا من المخاطبين كان يقتضي أن يكون الفعل المقترن بلام الأجل في جانبهم لا في جانب المخاطبين، وقد عكس هنا. وبهذا البيان نجمع بين قول الراغب باستواء فعل مكّنه ومكّن له، وقول الزمخشري بأن: مكّن له بمعنى جعل له مكاناً، ومكّنه بمعنى أثبته. وكلام الراغب أمكن عربية. وقد أهملت التنبيه على هذين الرأيين كتب اللغة. واستعمال التمكين في معنى التثبيت والتقوية كناية أو مجاز مرسل لأنّه يستلزم التقوية. وقد شاع هذا الاستعمال حتى صار كالصريح أو كالحقيقة. و{ما} موصولة معناها التمكين، فهي نائبة عن مصدر محذوف، أي تمكيناً لم نمكنّه لكم، فتنتصب (ما) على المفعولية المطلقة المبيّنة للنوع. والمقصود مكّناهم تمكيناً لم نمكَّنه لكم، أي هو أشدّ من تمكينكم في الأرض. والخطاب في قوله: {لكم} التفات موجّه إلى الذين كفروا لأنّهم الممكّنون في الأرض وقت نزول الآية، وليس للمسلمين يومئذٍ تمكين. والالتفات هنا عكس الالتفات في قوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجريْن بهم}. والمعنى أنّ الأمم الخالية من العرب البائدة كانوا أشدّ قوة وأكثر جمعاً من العرب المخاطبين بالقرآن وأعظم منهم آثار حضارة وسطوة. وحسبك أنّ العرب كانوا يضربون الأمثال للأمور العظيمة بأنّها عادية أو ثمودية أو سبئية قال تعالى: {وعمروها أكثر ممّا عمروها} أي عمَرَ الذين من قبل أهل العصر الأرض أكثر ممّا عمرها أهل العصر. والسماء من أسماء المطر، كما في حديث «الموطأ» من قول زيد بن خالد: صلىّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إثر سماء، أي عقب مطر. وهو المراد هنا لأنّه المناسب لقوله: {أرسلنا} بخلافه في نحو قوله: {وأنزلنا من السماء ماء}. والمدرار صيغة مبالغة، مثل منحار لكثير النحر للأضياف، ومذكار لمن يولد له الذكور، من درّت الناقة ودرّ الضرع إذا سمح ضرعها باللبن، ولذلك سمّي اللبن الدّر. ووصفُ المطر بالمدرار مجاز عقلي، وإنّما المدرار سحابه. وهذه الصيغة يستوي فيها المذكّر والمؤنّث. والمراد إرسال المطر في أوقات الحاجة إليه بحيث كان لا يخلفهم في مواسم نزوله. ومن لوازم ذلك كثرة الأنهار والأدية بكثرة انفجار العيون من سعة ري طبقات الأرض، وقد كانت حالةَ معظم بلاد العرب في هذا الخصب والسعة، كما علمه الله ودلّت عليه آثار مصانعهم وسدودهم ونسلان الأمم إليها، ثم تغيّرت الأحوال بحوادث سماوية كالجدب الذي حلّ سنين ببلاد عاد، أو أرضية، فصار معظمها قاحلاً فهلكت أممها وتفرّقوا أيادي سَبا. وقد تقدّم القول في معنى الأنهار تجري من تحتهم في نظيره وهو {أية : أنّ لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار}تفسير : في سورة البقرة (25). والفاء في قوله: {فأهلكناهم} للتعقيب عُطف على {مكّنّاهم} وما بعده. ولمّا تعلّق بقوله: {فأهلكناهم} قوله: {بذنوبهم} دلّ على أنّ تعقيب التمكين وما معه بالإهلاك وقع بعد أن أذنبوا. فالتقدير: فأذنبوا فأهلكناهم بذنوبهم، أو فبطروا النعمة فأهلكناهم، ففيه إيجاز حذف على حدّ قوله تعالى: {أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت} الآية، أي فضرب فانفجرت الخ. ولك أن تجعل الفاء للتفصيل تفصيلاً لـ{أهلكنا} الأول على نحو قوله تعالى: {أية : وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا} تفسير : في سورة الأعراف (4). والإهلاك: الإفناء، وهو عقاب للأمّة دالّ على غضب الله عليها، لأنّ فناء الأمم لا يكون إلاّ بما تجرّه إلى نفسها من سوء فعلها، بخلاف فناء الأفراد فإنْه نهاية محتّمة ولو استقام المرء طول حياته، لأنّ تركيب الحيوان مقتض للانتهاء بالفناء عند عجز الأعضاء الرئيسية عن إمداد البدن بمواد الحياة فلا يكون عقاباً إلاّ فيما يحفّ به من أحوال الخزي للهالك. والذنوب هنا هي الكفر وتكذيب الرسل ونحو ذلك ممّا دلّ عليه التنظير بحال الذين قال الله فيهم هنا: {بربهم يعدلون} {ثم أنتم تمترون} {وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحقّ لمّا جاءهم}، وما قاله بعد ذلك {ولو نزّلنا عليك كتاباً في قرطاس} الآية. وقوله: {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين}: الإنشاء الإيجاد المبتكَر، قال تعالى: {إنّا أنشأناهن إنشاء}. والمراد به إنشاؤهم بتلك الصفات التي كان القرن الذين من قبلهم من التمكين في الأرض والإسعاف بالخصب، فخلفوا القرن المنقرضين سواء كان إنشاؤهم في ديار القوم الذين هلكوا، كما أنشأ قريشاً في ديار جرهم، أم في ديار أخرى كما أنشأ الله ثموداً بعد عاد في منازل أخرى. والمقصود من هذا تعريض بالمشركين بأنّ الله مهلكهم ومنشىء من بعدهم قرن المسلمين في ديارهم. ففيه نذارة بفتح مكّة وسائر بلاد العرب على أيدي المسلمين. وليس المراد بالإنشاء الولادة والخلق، لأنّ ذلك أمر مستمرّ في البشر لا ينتهي، وليس فيه عظة ولا تهديد للجبايرة المشركين. وأفرد {قرناً} مع أنّ الفعل الناصب له مقيّد بأنّه من بعد جمع القرون، على تقدير مضاف، أي أنشأنا من بعد كلّ قرن من المهلكين قرناً آخرين.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَّكَّنَّاهُمْ} {ٱلأَنْهَارَ} {فَأَهْلَكْنَاهُمْ} {آخَرِينَ} (6) - يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى أَنْظَارَ الكُفَّارِ مِنْ قُرَيْشٍ، المُكَذِّبِينَ بِآياتِ رَبِّهِمْ وَرُسُلِهِ، إِلَى الأُمَمِ العَدِيدَةِ التِي كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ رسُلَهَا، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ، وَكَانَ تَعَالَى قَدْ مَكَّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ أَكْثَرَ مِمَّا مَكَّنَ لِهَؤلاءِ المُكَذِّبينَ، وَأَمَدَّهُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ، وَجَعَلَهُمْ أَكْثَرَ قُوَّةً وَعِمَارَةً فِي الأْرْضِ مِنْ هؤُلاءِ، وَجَعَلَ السَّمَاءَ تُمْطِرُهُمْ بِصُورَةٍ مُتَتَالِيةٍ، مَطَراً غَزِيراً (مِدْرَاراً)، وَفَجَّرَ لَهُمْ مِنَ الأَرْضِ يَنَابِيعَ وَأَنْهَاراً، اسْتِدْرَاجاً لَهُمْ وَإِمْلاءً، ثُمَّ أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ، وَجَعَلَهُمْ كَأَمْسِ الدَّابِرِ. وَجَعَلَ، مِنْ بَعْدِ هؤُلاءِ الهَالِكِينَ، أَجْيَالاً أُخْرَى (قَرْناً آخَرِينَ) لِيَخْتَبِرَهُمْ، فَعَمِلُوا مِثْلَ أَعْمَالِ مَنْ كَانُوا قَبْلَهُمْ، فَاحذَرُوا أَيُّهَا المُخَاطِبُونَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُمَا أَصَابَهُمْ، فَمَا أَنْتُمْ بِأَعَزَّ عَلَى اللهِ مِنْهُمْ، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالعَذابِ وَمُعَاجَلَةِ العُقُوبَةِ مِنْهُمْ، لَوْلا لُطْفُ اللهِ وَإِحْسَانُهُ. كَمْ أَهْلَكْنَا - كَثِيراً مَا أَهْلَكْنَا. قَرْنٍ - أُمَّةٍ أَوْ جِيلٍ مِنَ النَّاسِ. مَكَّنَّاهُمْ - أَعْطَيْنَاهُمْ مِنَ المُكْنَةِ وَالقُوَّةِ. مِدْراراً - غَزِيراً كَثِيرَ الصَّبِّ أَوْ مَتَتَابِعاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا ما شاهدته قريش في رحلات الشتاء والصيف. رأوا آثار عاد قوم هود وبقايا ثمود قوم صالح. وكانت إمكانات عاد وثمود أكبر من إمكانات قريش. إن قريشاً لا سيادة لها إلا بسبب وجود الكعبة، ولو كان الحق ترك أبرهة يهدم الكعبة لما مكن لهم في الأرض. ها هي ذي حضارات قد سبقت وأبادها الحق سبحانه وتعالى: ويوضح القرآن ذلك: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} تفسير : [الفجر: 6-13]. إنها حضارات كبيرة لهم صيت وخبر في آذان الدنيا مثل حضارة الفراعنة. وكل ذلك الصولجان لا يحميه أحد من أمر الله. وزالت الحضارات وأصبحت أثراً بعد عين، وصدق عليها قول الحق: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 40]. والحق يجازي كل كافر الجزاء الوافي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر قومه بما حدث لغيرهم من أقوام آخرين {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} والقرن عادة هو الجيل الذي يحكمه زمن محدود أو حال محدود، فإن نظرنا إلى الزمن فالقرن مائة سنة كأقصى ما يمكن، والجيل الذي يعيش هذا القدر يرى حفيده وقد صار رجلاً. ونعلم أن نوحاً عليه السلام عاش تسعمائة وخمسين سنة. يقول سبحانه: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} تفسير : [العنكبوت: 14]. وحياة نوح على طولها تسمى قرناً. إذن فالقرن هو جيل يجمعه ضابط إما زمني وإما معنوي، والقرن الزمني مدته مائة سنة، أما القرن المعنوي فقد يكون عمر رسالة أو مُلْك. ويخبر الحق أهل الكفر بأنه قد قدر على غيرهم وأبادهم بعد أن مكن لهم في الأرض وذلك بألوان مختلفة من أنواع التمكين: { وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ}، وهذا الخبر يأتي من السماء بما حدث لقوم سابقين مثل قوم سبأ، فقد قال عنهم الحق في موضع آخر من القرآن الكريم: {أية : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} تفسير : [سبأ: 15]. ومسكن سبأ باليمن آية دالة على قدرة الله؛ حديقتان وارفتان عن يمين وشمال؛ ليأكل أهل سبأ من رزق الله ويشكروا نعمة الله. وكان لهم سد مأرب، ووهبهم الله القدرة لبنائه، فقطعوا من الجبال التي ليس عمل فيها ليحجزوا ماء المطر الساقط من السماء، كل شيء إذن فعلوه وإنما فعلوه لأن الله قد أراده، وهم أعرضوا عن أمرين: عن الرزق الوفير الذي منحهم الله إياه وأرادوا أن يعتمدوا على أنفسهم كما فعل قارون حيث قال: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ}. ظنوا أنهم قادرون على رزق أنفسهم وكذلك لم يشكروا الله، ولذلك أرسل الله عليهم سيل العرم، أي أنه عقاب من جنس العمل، وهكذا تكون عاقبة الإعراض والكفر بنعم الله. فقد سلط الله عليهم حيوانا من أضعف الحيوانات وأحقرها وهو الفأر فنقب السد فأغرق أموالهم ودفن بيوتهم. ويخبر الحق رسوله بكل هذه الأخبار ليلفت بها وينبه إليها قوماً رأوا آثار حضارة عاد وثمود، والرؤية سيدة الأدلة، وطالبهم الرسول بها حتى يعرفوا عاقبة الإعراض والتكذيب والاستهزاء، ولم يطلب الحق من رسوله إلا البلاغ فقط، أما إيمان القوم فليس مكلفاً به صلى الله عليه وسلم، إن هؤلاء قد خافوا من سيطرة "لا إله إلا الله" فهم الذين صنعوا من أنفسهم آلهة وتسلط بعضهم على بعض. فتخيل القوي أنه إله على الضعيف. وتخيل الغني أنه إله على الفقير، وتخيل العالم أنه إله على الجاهل، أما "لا إله إلا الله" فهي تساوي بين الناس جميعاً، وهم يرفضون ذلك لأنهم يريدون السيادة. . ومثال ذلك قولهم: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. فهم لم يجرؤوا على الطعن في القرآن، إنما طلبوا أن تكون السيادة لغني من أغنياء القريتين مكة أو الطائف وتناقض هذا القول مع عملهم وسلوكهم مع الرسول، فقد حفظوا كل نفيس حرصوا عليه عند محمد صلى الله عليه وسلم. ولو كان الواحد منهم يرى شيئاً أو مغمزاً في أمانة رسول الله لما فعلوا ذلك. ولكن الواحد منهم بالرغم من التكذيب بمحمد لم يكن يأتمن إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإنسان حينما تقع مصلحته أمام تكذيبه فهو يغلب مصلحته على تكذيبه. ويبين الحق سبحانه أن إعراض هؤلاء، وتكذيب هؤلاء واستهزاء هؤلاء، لا يمت إلى حقيقة أمرك يا رسول الله، ولا إلى حقيقة القرآن في شيء، وإنما هو العناد، مثلهم مثل آل فرعون الذين جحدوا آيات الله على الرغم من أن أعماقهم رأت هذه الآيات بيقين لا تكذيب فيه. {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [النمل: 14]. فقد أنكر قوم فرعون رسالة موسى عليه السلام مع أنهم تأكدوا من صدقها، ولكنهم أنكروها بالاستكبار والعلو والظلم، فكانت عاقبتهم من أسوأ العواقب، وهذا هو حال المنكرين دائماً لأيات الله. وها هم أولاء منكرون جدد لرسالة رسول الله. يقول الحق سبحانه وتعالى فيهم: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} معناه من أمَّةٍ. تفسير : وقوله تعالى: {مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} معناه جَعَلنَا لَهُم مَنَازِلَ. تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنْشَأْنَا} معناه ابتَدَأَنَا.
الجيلاني
تفسير : {أَ} يشكون في نزول العذاب ويترددون و{لَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} من أهل القرون الماضية كعاد وثمود وغيرهما مع أنا {مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي: قدرناهم فيها قادرين على أمور عظام وآثام جسام {مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ} ولم نجعل في وسعكم من السعة وطول الملك والترفه والاستيلاء {وَ} مع ذلك {أَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ} المطر {عَلَيْهِم مِّدْرَاراً} مغزاراً كثيرة {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ} دائماً متجدداً، وبالجملة: أمهلناهم زماناً طويلاً متنعمين مترفهين {فَأَهْلَكْنَٰهُمْ} بالمرة {بِذُنُوبِهِمْ} التي صدرت عنهم من تكذيب الأنبياء وما جاءوا به، وإفسادهم في الأرض بأنواع الفسادات {وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} [الأنعام: 6]. ولا تبالِ يا أكرم الرسل بتكذيبهم واقتراحاتهم، ولا ترجُ منهم الإيمنا بلك وبكتابك؛ لأنهم من غاية انهماكهم في الضلال. {وَلَوْ نَزَّلْنَا} من مقام جودنا {عَلَيْكَ كِتَٰباً} مكتوباً {فِي قِرْطَاسٍ} ورق {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} حين نزوله {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من خبث باطنهم وجهلهم الجبلي {إِنْ هَـٰذَآ} أي: ما هذا {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الأنعام: 7] عظيم ظاهر؛ لأن الورق لا تنزل من جانب السماء إلا بسحر. {وَقَالُواْ} من غاية شقاقهم ونفاقهم معك: إن كان نبياً {لَوْلاۤ} هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} ويصدقه بنبوته فنصدقه، قل لهم في جوابهم نيابة عنا: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً } على مقتضى سنتنا في الأمم الماضية {لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي: لتحقق أمر إهلاكهم البتة {ثُمَّ} بعد نزول الملك بل تعذبون كالأمم السالفة {لاَ يُنظَرُونَ} [الأنعام: 8] ولا يمهلون ساعة ولينكرون ويعذبون البتة.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أحوال أمثالهم بقوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} [الأنعام: 6]، والإشارة فيها أن المكذبين والمستهزئين بأرباب الطلب وأهل الحق ألم يروا كم أهلكنا أرواح المكذبين والمستهزئين من قبلهم من قرن لشؤم ذنوبهم واستهزائهم {مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} [الأنعام: 6]، في طلب الحق وقهر النفس ونهي الهوى، وترك الدنيا وإقامة الطاعات وإدامة الخيرات {مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ} [الأنعام: 6]، أيها المكذبون منها شيئاً {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ} [الأنعام: 6]؛ أي: مطر الواردات من سماء القلوب {عَلَيْهِم مِّدْرَاراً} [الأنعام: 6]، متوالياً متعاقباً {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ} [الأنعام: 6]؛ أي: مياه الحكمة {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ} [الأنعام: 6]؛ أي: من تحت نظرهم، {فَأَهْلَكْنَٰهُمْ} [الأنعام: 6] مع هذه المقدمات {بِذُنُوبِهِمْ} [الأنعام: 6]؛ أي: أهلكنا أرواحهم بعد أن تمكنوا من أموالنا واستغنوا بزاهد نوالنا، فوطنوا على كواذب المنى قلوبهم وطلبوا من الدنيا محبوبهم، ففتحنا عليهم من مكامن التقدير بسوء التدبير فشربوا من كؤوس الذنوب سموم القلوب، فإن الذنوب سمومها كما أن الطاعات له حباتها {وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} [الأنعام: 6]؛ أي: من بعد إعراضهم عن الحق وإتباعهم الهوى وهلاك أرواحهم بطلب الدنيا واستيفاء لذاتها وشهواتها {قَرْناً آخَرِينَ} [الأنعام: 6]، من الطلاب الصادقين المخلصين التائبين المستقيمين في الطلب. ثم أخبر عن حرمان أهل الخذلان بقوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ} [الأنعام: 7]؛ أي: قوله: {مَّا يَلْبِسُونَ} الإشارة فيها أن من أعرض عن الحق، وأقبل على الدنيا وشهواتها يعمى له قلبه فلا يشاهد الآيات، وإن جعلته في كسوة الصورة، قال تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الأنعام: 7]، بالإعراض عن الحق {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الأنعام: 7]؛ لأن الله تعالى قد أعمى أبصارهم التي يبصرون الحق بها فما ازدادوا من ظهور الآيات إلا تمادياً في الباطل وإنكاراً على الحق، {وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} [الأنعام: 8]، وهذا الاعتراض من نتائج الإعراض وما تغني الشرح عن عمى بعد البصيرة {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ} [الأنعام: 8] أي: لقضي أمر النبوة بين الإنسان والملك وآل أمرها إلى الملك وليست النبوة من شأنه، وإنما خص بها الإنسان. ولهذا قال: {وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً} [الأنعام: 9]، يخاطبكم وتخاطبونه، {لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً} [الأنعام: 9]، لاحتياج أن لبسه لباس البشرية حتى تسمعوا خطابه وكلامه، وهو يكون واقفاً على ابتلاء الإنسان من أحوال البشرية، فيكلمهم من حيث ما هم عليه ويعالجهم بما يرى في صلاح حالهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كالطيب، فينبغي أن يكون من جنس من يعالجه، كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}تفسير : [إبراهيم: 4]، وقد منَّ الله تعالى على الخلق بأن جعل رسولهم من جنسهم، فقال تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}تفسير : [التوبة: 128]، ثم قال: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] يعني: إلينا الهداية والضلالة من لم تقدس سره لبس عليه أمره، فلا تغني الحجج إلى الأبد عمن عدم عناية الأزل. ثم أخبر عن عاقبة أهل الاستهزاء والتكذيب بقوله تعالى: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} [الأنعام: 10]، الآيتين والإشارة فيهما أن الاستهزاء من نسيم النفوس المتمرد بأرباب الدين من الأنبياء والأولياء في كل زمان وحين، كما قال تعالى لحبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} تفسير : [الرعد: 32]، وذلك من عزة الدين وكمالية أرباب ولهوان الهوى ونقصانه أصحابه، فإن قطرة من الهوى تكدر بحراً من الصفاء فمن غلب عليه الهوى يستغرق في بحر الدنيا، فيعمى عن العواقب والعقبى، فلا يؤثر فيه كلام الأنبياء والأولياء ولا يزدادون منه إلا الطغيان والنقمة والاستهزاء. {فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ} [الأنعام: 10]؛ أي: أحاط بقلوبهم {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} [الأنعام: 10]، من ظلمة الهوى وكدورته فبقيت محجوبة عن الله تعالى ومعرفته {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [الأنعام: 11]، في أرض النفوس سير القدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب، {ثُمَّ ٱنْظُرُواْ} [الأنعام: 11]، بأنوار الله المودعة فيها؛ لتشاهدوا وتعاينوا {كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} [الأنعام: 11]، بالدين وأحوال أربابه، وهلكوا في بوادي القطيعة؛ إذ سافروا على أقدام الطبيعة.
همام الصنعاني
تفسير : 775- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ}: [الآية: 6] يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):