Verse. 796 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتٰبًا فِيْ قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوْہُ بِاَيْدِيْہِمْ لَقَالَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْۗا اِنْ ہٰذَاۗ اِلَّا سِحْـرٌ مُّبِيْنٌ۝۷
Walaw nazzalna AAalayka kitaban fee qirtasin falamasoohu biaydeehim laqala allatheena kafaroo in hatha illa sihrun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو نزلَّنا عليك كتابا» مكتوبا «في قرطاس» رَق كما اقترحوا «فلمسوه بأيديهم» أبلغ من عاينوه لأنه أنفى للشك «لقال الذين كفروا إن» ما «هذا إلا سحر مبين» تعنُّنا وعنادا.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف كثيرة، فالطائفة الأولى الذين بالغوا في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها إلى أن استغرقوا فيها واغتنموا وجدانها، فصار ذلك مانعاً لهم عن قبول دعوة الأنبياء، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة وبين أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باق، وليس من العقل تحممل العقاب الدائم لأجل اللذات المنقرضة الخسيسة، والطائفة الثانية الذين يحملون معجزات الأنبياء عليهم السلام، على أنها من باب السحر لا من باب المعجزة، هؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية وهٰهنا مسائل: المسألة الأولى: بيّن الله تعالى في هذه الآية أن هؤلاء الكفار لو أنهم شاهدوا نزول كتاب من السماء دفعة واحدة عليك يا محمد لم يؤمنوا به، بل حملوه على أنه سحر ومخرقة، والمراد من قوله {فِى قِرْطَاسٍ } أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة، فرأوه ولمسوه وشاهدوه عياناً لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر. فإن قيل: ظهور الكتاب ونزوله من السماء هل هو من باب المعجزات أم لا، فإن لم يكن من باب المعجزات لم يكن إنكارهم لدلالته على النبوّة منكراً، ولا يجوز أن يقال: أنه من باب المعجزات لأن الملك يقدر على إنزاله من السماء، وقبل الايمان بصدق الأنبياء والرسل لم تكن عصمة الملائكة معلومة، وقبل الإيمان بالرسل، لا شك أنا نجوز أن يكون نزول ذلك الكتاب من السماء من قبل بعض الجن والشياطين، أو من قبل بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم، وإذا كان هذا التجويز قائماً فقد خرج نزول الكتاب من السماء عن كونه دليلاً على الصدق. قلنا: ليس المقصود ما ذكرتم، بل المقصود أنهم إذا رأوه بقوا شاكين فيه، وقالوا: إنما سكرت أبصارنا، فإذا لمسوه بأيديهم فقد يقوى الادراك البصري بالادراك اللمسي، وبلغ الغاية في الظهور والقوة، ثم هؤلاء يبقون شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود أم لا، وذلك يدل على أنهم بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة، فهذا هو المقصود من الآية لا ما ذكرتم والله أعلم. المسألة الثانية: قال القاضي: دلت هذه الآية على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يمنع العبد لطفاً. علم أنه لو فعله لآمن عنده لأنه بيّن أنه إنما لا ينزل هذا الكتاب من حيث إنه لو أنزله لقالوا هذا القول، ولا يجوز أن يخبر بذلك إلا والمعلوم أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة فثبت بهذا وجوب اللطف، ولقائل أن يقول: أن قوله لو أنزل الله عليهم هذا الكتاب لقالوا هذا القول لا يدل على أنه تعالى ينزله عليهم، لو لم يقولوا هذا القول إلا على سبيل دليل الخطاب، وهو عنده ليس بحجة، وأيضاً فليس كل مما فعله الله وجب عليه ذلك، وهذه الآية إن دلّت فإنما تدل على الوقوع لا على وجوب الوقوع والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ} الآية. المعنى: ولو نزلنا يا محمد بمرأى منهم كما زعموا وطلبوا كلاماً مكتوباً «في قرطاس». وعن ٱبن عباس: كتاباً معلّقاً بين السماء والأرض؛ وهذا يبيّن لك أن التنزيل على وجهين؛ أحدهما ـ على معنى نزل عليك الكتاب بمعنى نزول الملك به. والآخر ـ ولو نزلنا كتاباً في قرطاس يمسكه الله بين السماء والأرض؛ وقال: «نَزَّلْنَا» على المبالغة بطول مكث الكِتاب بين السماء والأرض. والكتاب مصدر بمعنى الكتابة؛ فبيّن أن الكتابة في قرطاس؛ لأنه غير معقول كتابة إلاَّ في قرطاس أي في صحيفة، والقرطاس الصحيفة؛ ويُقال: قُرْطاس بالضم؛ وقَرطَس فلان إذا رمى فأصاب الصحيفة الملزقة بالهَدف. {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} أي فعاينوا ذلك ومسُّوه باليد كما ٱقترحوا وبالغوا في مَيْزه وتقليبه جسّاً بأيديهم، ليرتفع كل ٱرتياب ويزول عنهم كل إشكال، لعاندوا فيه وتابعوا كفرهم، وقالوا: سحر مبين إنما سكِّرت أبصارُنا وسُحِرنا؛ وهذه الآية جواب لقولهم: {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} فأعلم الله بما سبق في علمه من أنه لو نزل لكذّبوا به. قال الكَلْبيّ: نزلت في النَّضْر بن الحرث وعبد الله بن أبي أُميّة ونوفل بن خُويلد قالوا: { أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً } تفسير : [الإسراء: 90] الآية.

البيضاوي

تفسير : {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِى قِرْطَاسٍ} مكتوباً في ورق. {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} فمسوه، وتخصيص اللمس لأن التزوير لا يقع فيه فلا يمكنهم أن يقولوا إنما سكرت أبصارنا، ولأنه يتقدمه الإِبصار حيث لا مانع، وتقييده بالأيدي لدفع التجوز فإنه قد يتجوز به للفحص كقوله: {أية : وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ}تفسير : [الجن: 8] {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } تعنتاً وعناداً.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن كفر المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق، ومباهتتهم ومنازعتهم فيه: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} أي: عاينوه، ورأوا نزوله، وباشروا ذلك، {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} وهذا كما قال تعالى مخبراً عن مكابرتهم للمحسوسات: { أية : وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } تفسير : [الحجر:14-15] وكقوله تعالى: {أية : وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَـٰقِطاً يَقُولُواْ سَحَـٰبٌ مَّرْكُومٌ} تفسير : [الطور: 44] {وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} أي: ليكون معه نذيراً، قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} أي: لو نزلت الملائكة على ما هم عليه، لجاءهم من الله العذاب، كما قال الله تعالى: {أية : مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ} تفسير : [الحجر: 8] وقوله: {أية : يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الفرقان: 22] الآية. وقوله تعالى: { وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} أي: ولو أنزلنا مع الرسول البشري ملكاً، أي لو بعثنا إلى البشر رسولاً ملكياً، لكان على هيئة الرجل ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر، كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري، كقوله تعالى: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95] فمن رحمته تعالى بخلقه، أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلاً منهم، ليدعو بعضهم بعضاً، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض، في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} تفسير : [آل عمران: 164] الآية، قال الضحاك عن ابن عباس في الآية يقول: لو أتاهم ملك، ما أتاهم إلا في صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور، {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون، وقال الوالبي عنه: ولشبهنا عليهم. وقوله: { وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِيءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة، في الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى: { قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أي: فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية، الذين كذبوا رسله، وعاندوهم، من العذاب والنكال والعقوبة في الدنيا، مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نجى رسله وعباده المؤمنين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً } مكتوباً {فِى قِرْطَاسٍ } رَقٍّ كما اقترحوه {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } أبلغ من (عاينوه)، لأنه أنفى للشك {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ } ما {هَٰذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } تعنُّتاً وعناداً.

ابن عطية

تفسير : لما أخبر عنهم عز وجل بأنهم كذبوا بكل ما جاءهم من آية تبع ذلك إخبار فيه مبالغة مضمنه أنه لو جاءهم أشنع مما جاء لكذبوا أيضاً، والمعنى {لو نزلنا} بمرأى منهم عليك {كتاباً} أي كلاماً مكتوباً {في قرطاس} أي في صحيفة، ويقال "قُرطاس" بضم القاف {فلمسوه بايديهم} يريد أنهم بالغوا في ميزه وتقليبه ليرتفع كل ارتياب لعاندوا فيه وتابعوا كفرهم وقالوا هذا سحر مبين، ويشبه أن سبب هذه الآية اقتراح عبد الله بن أبي أمية وتعنته إذ قال للنبي صلى الله عليه وسلم، لا أؤمن لك حتى تصعد إلى السماء ثم تنزل بكتاب فيه من رب العزة إلى عبد الله بن أبي أمية، يأمرني بتصديقك، وما أراني مع هذا كنت أصدقك، ثم أسلم بعد ذلك عبد الله وقتل شهيداً في الطائف، وقوله تعالى: {وقالوا لولا أنزل عليك ملك} الآية حكاه عمن تشطط من العرب بأن طلب أن ينزل ملك يصدق محمداً في نبوءته ويعلم عن الله عز وجل أنه حق، فرد الله تعالى عليهم بقوله: {ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر} وقال مجاهد: معناه لقامت القيامة. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا ضعيف، وقال قتادة والسدي وابن عباس رضي الله عنه: في الكلام حذف تقديره ولو "أنزلنا ملكاً فكذبوا به لقضي الأمر" بعذابهم ولم ينظروا حسبما سلف في كل أمة اقترحت بآية وكذبت بعد أن ظهرت إليها، وهذا قول حسن، وقالت فرقة {لقضي الأمر} أي لماتوا من هول رؤية الملك في صورته، ويؤيد هذا التأويل ما بعده من قوله: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً} فإن أهل التأويل مجمعون أن ذلك لأنهم لم يكونوا يطيقون رؤية الملك في صورته، فالأولى في قول {لقضي الأمر} أي لماتوا من هول رؤيته، {ينظرون} معناه يؤخرون، والنظرة التأخير، وقوله عز وجل: {ولو جعلناه} الآية المعنى أنَّا لو جعلناه ملكاً لجعلناه ولا بد في خلق رجل لأنهم لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته، وقاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. قال القاضي أبو محمد: ومما يؤيد هذا المعنى الحديث الوارد عن الرجلين اللذين صعدا على الجبل يوم بدر ليريا ما يكون في حرب النبي عليه السلام للمشركين، فسمعا حس الملائكة وقائلاً يقول في السماء، أقدم حيزوم فمات أحدهما لهول ذلك، فكيف برؤية ملك في خلقته، ولا يعارض هذا برؤية النبي عليه السلام لجبريل وغيره في صورهم، لأن النبي عليه السلام أعطي قوة غير هذه كلها صلى الله عليه وسلم، {وللبسنا} أي لخلطنا عليهم ما يخلطون به على أنفسهم وعلى ضعفتهم، أي لفعلنا لهم في ذلك فعلاً ملبساً يطرق لهم إلى أن يلبسوا به، وذلك لا يحسن، ويحتمل الكلام مقصداً آخر، أي "للبسنا" نحن عليهم كما "يلبسون" هم على ضعفتهم فكنا ننهاهم عن التلبيس ونفعله بهم، ويقال: لبس الرجل الأمر يلبسه لبساً إذا خلطه، وقرأ ابن محيصن "ولَبّسنا" بفتح اللام وشد الباء، وذكر بعض الناس في هذه الآية: أنها نزلت في أهل الكتاب، وسياق الكلام ومعانيه يقتضي أنها في كفار العرب.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِي قِرْطَاسٍ} الآية. لمْا أَخْبَرَ عنهم ـــ سبحانه ـــ بأنهم كذبوا بكل ما جَاءَهُمْ من آية أَتْبَعَ ذلك بإخْبَارٍ فيه مُبَالغة، والمعنى: ولو نزلنا بِمَرْأًى منهم عليك كتاباً أي: كلاماً مَكْتُوباً في قِرْطَاسٍ، أي: في صحيفة. {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} يريد: أنهم بالغوا في مَيْزِهِ وتقليبه؛ ليرتفع كل ارْتِيَابٍ لعاندوا فيه، وتابعوا كُفْرَهُمْ وقالوا: هذا سحر مبين. وقوله سبحانه: {وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} أي: يصدّق محمداً في نُبُوءَتِهِ، ثم رَدَّ اللَّه عليهم بقوله: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ} قال ابن عَبَّاسٍ وغيره: في الكلام حَذْفٌ، تقديره: ولو أنزلنا مَلَكاً، فكذبوه لَقُضِيَ الأمر بعَذَابِهِمْ، ولم يُنْظَرُوا حسبما سَلَفَ في كل أمة اقْتَرَحَتْ بآية، وكذبت بعد أن أُظْهِرَتْ إليها. وقالت فرقة: {لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي: لَمَاتُوا من هَوْلِ رؤية المَلَكِ في صورته، ويؤيد هذا التَّأْوِيلَ ما بعده من قوله: {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً} فإن أَهْلَ التأويل مُجْمِعُونَ أن ذلك؛ لأنهم لم يكونوا يُطِيقُونَ رؤية المَلَكِ في صورته، فإذ قد تَقَعَّدَ أنهم لا يطيقون رُؤْيَةَ المَلَكِ في صورته، فالأَوْلَىٰ في قوله: {لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي: لماتوا؛ لِهَوْلِ رؤيته، {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ}، أي: لا يُؤَخَّرُونَ. ومما يؤيد هذا المعنى الحَدِيثُ الوَارِدُ عن الرجلين اللذين صَعَدَا على الجَبَلِ يوم بَدْرٍ ليريا ما يَكُونُ في حَرْبِ النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين، فَسَمِعَا حِسَّ الملائكة، وقَائِلاً يقول في السحاب: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فانكشف قِنَاعُ قَلْبِ أحدهما، فمات لِهَوْلِ ذلك، فكيف برؤية مَلَكٍ في خِلْقَتِهِ. {وَلَلَبَسْنَا} أي: لفعلنا لهم في ذَلِكَ فِعلاً مُلْبَساً يطرق لهم إلى أن يَلْبَسوا به، وذلك لا يحسن. قلت: وفي البخاري: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}: لشبهنا.

ابن عادل

تفسير : قال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية في النَّضْرِ بن الحَرْثِ، وعبد الله بن أبي أم‍يَّةَ، ونوفل بن خُوَيْلدٍ قالوا: يا محمد لَنْ نُؤمِنَ لَكَ حَتَّى تأتينا بكتاب من عندِ اللَّهِ، ومعه أربعةٌ من الملائكة يَشْهدُونَ معه أنَّهُ من عند الله، وأنَّك رسوله، فأنزل الله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ} مكتوباً من عنده "فَلَمَسُوه بأيديهم" أي: عَايَنُوهُ ومَسُّوهُ بأيديهم، وذكر اللَّمْسَ ولم يذكر المُعَايَنَةَ، لأن اللَّمْسَ أبْلَغُ في إيقاع العِلْمِ من الرؤية، ولأنّ السِّحْر يجري على المرئي، ولا يجري على الملموس. قوله: "فِي قِرْطَاسٍ" يجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنه صِفَةٌ لـ "كتاب"، سواء أريد بـ "كتاب" المصدرُ، أم الشَّيء المكتوب، ومن مجيء الكتاب بمعنى مكتوب قوله: [الطويل] شعر : 2113..................صَحِيفَةً ً أتَتْكَ مِنَ الحَجَّاجِ يُتْلَى كِتَابُهَا تفسير : ومن النَّاس من جعل "كتاباً" في الآية الكريمة مَصْدَراً؛ لأن نَفْسَ الكُتُبِ لا تُوصَفُ بالإنزال إلاَّ بتجوُّزٍ بعيدٍ، ولكنهم قد قالوا هنا ويجوز أن يتعلَّق "في قِرْطَاسٍ" بـ "نَزَّلْنا". والقِرْطاس: الصَّحِيفة يُكتبُ فيها تكُون من رقٍّ وكَاغِدٍ، بكسر القاف وضمها، والفصيح الكسر، وقرئ بالضَّم شاذّاً نَقَلَهُ أبو البقاء - رحمه الله تعالى- والقِرْطَاسُ: اسم أعْجِمِيُّ مُعَرَّبٌ، ولا يقال: قِرْطَاس إلاَّ إذا كان مكتوباً، وإلاَّ فهو طِرْسٌ وكَاغِدٌ، وقال زهير: [البسيط] شعر : 2114- لَهَا أخَادِيدُ مِنْ آثَارِ سَاكِنِها كَمَا تَردَّدَ فِي قِرْطَاسِهِ القَلَم تفسير : قوله: "فَلَمَسُوهُ" الضمير المنصوب يجوز أن يَعُودَ على "القِرْطاس"، وأن يعود على "كتاب" بمعنى مَكْتُوب. و"بأيديهم" متعلِّق بـ "لَمَسَ". و"الباء" للاستعانة كعملت بالقَدُّوم. و "لَقَال" جواب "لو" جاء على الأفصح من اقتران جوابها المُثْبَتِ باللام. قوله: "إنْ هذا" [و] "إنْ" نافية، و "هذا" مُبْتَدَأ، و "إلاَّ سحرٌ" خبره، فهو استثناء مُفَرَّغٌ، والجُمْلَة المَنْفِيَّةُ في مَحَلِّ نصب بالقولِ، وأوقع الظَّاهرَ مَوْقَعَ المضمر في قوله: "لَقَالَ الذين كَفَرُوا" شَهادَةً عليهم بالكُفْرِ، والجملة الامتنَاعِيَّةُ لا مَحَلَّ لها من الإعراب لاستئنافها. ومعنى الآية الكريمة: أنَّهُ لا يَنْفَعُ معهم شيءٌ لما سبق فيهم من علمي، واللَّهُ أعلم.

البقاعي

تفسير : ولما كانت ترجمة ما مضى: ثم هم يعدلون بربهم غيرَه ويكذبونك فيما جئت به من الحق مع ما أوضحت عليه من الحجج ونصبت من الدلائل، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمانهم، كان المقام يقتضي أن يقول لسان الحال: أنزل عليهم يا رب ما ينتقلون به من النظر بالفكر إلى العيان كما اقترحوا عليّ، فأخبره أنهم لا يؤمنون بذلك، بقوله عطفاً على {وما تأتيهم من آية} تحقيقاً له وتصويراً في جريته: {ولو نزلنا} أي على ما لنا من العظمة {عليك كتاباً} أي مكتوباً من السماء {في قرطاس} أي ورق، إجابة لما أشار عليهم اليهود باقتراحه، ثم حقق أنه واضح الأمر، ليس بخيال ولا فيه نوع لبس بقوله: {فلمسوه} أي زيادة على الرؤية. وزاد في التحقيق والتصوير ودفع التجوز بقوله: {بأيديهم لقال} وأظهر ولم يضمر تعليقاً للحكم بالوصف وتنبيهاً على أن من الموجودين من يسكت ويؤمن ولو بعد ذلك فقال: {الذين كفروا} أي حكماً بتأبد كفرهم ستراً للآيات عناداً ومكابرة، ولعله أسقطُ منهم إشارة إلى عموم دعوته، أي من العرب ومن غيرهم من أمة دعوتك ولا سيما اليهود المشار إلى تعنتهم وكذبهم بقوله {أية : يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء}تفسير : [النساء: 153] {إن} أي ما {هذا إلاّ سحر} أي تمويه وخيال لا حقيقة له، وزادوا في الوقاحة فقالوا: {مبين} أي واضح ظاهر، قال صاحب كتاب الزينة: معنى السحر في كلام العرب التعليل بالشيء والمدافعة به والتعزير بشيء لا محصول له، يقال: سحره - إذا علله وعزره وشبه عليه حتى لا يدري من أين يتوجه ويقلب عن وجهه، فكأن السحرة يعللون الناس بالباطل ويشبهون الباطل في صورة الحق ويقلبونه عن جهته. ولما بين ما يترتب على الإجابة إلى ما أشار إلى أن اليهود اقترحوه من إنزال الكتاب، أخبر أنهم اقترحوا ظهور الملك لهم، وبين لوازمه، فإنهم قالوا: لو بعث الله رسولاً لوجب كونه ملكاً ليكون أكثر علماً وأقوى قدرة وأظهر امتيازاً عن البشر، فتكون الشبهة في رسالته أقل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم كان الأولى تحصيله بما هو أسرع إيصالاً إليه، فقال: {وقالوا لولا} أي هلا ولِمَ لا {أنزل عليه ملك} أي من المساء ظاهراً لنا يكلمنا ونكلمه ولا يحتجب عنا. ولما ذكر قولهم مشيراً إلى شبهتهم، نقضه بقوله: {ولو} أي والحال أنا لو {أنزلنا} وأسقط أداة الاستعلاء لعدم الاحتياج في رد كلامهم إلى ذكرها. ولئلا يكون فيه تسليهم لما لوحوا إليه من إنكارهم نزول الملك عليه بالوحي {ملكاً} أي كما اقترحوه، فلا يخلو إما أن يكون على صورته أولاً، فإن كان على صورته التي خلق عليها لم يثبتوا لرؤيته، ولو كان كذلك {لقضي الأمر} أي بهلاكهم، وبناه للمفعول إشارة على طريق كلام القادرين إلى غاية السرعة لسهولة الأمر وخفة مؤنته، فإنه لا ينظره أحد منهم إلاّ صعق، ولئن أعطيناهم قوة يثبتون بها لنظره ليكونن قضاءٌ للأمر وانفصال للنزاع من وجه آخر، وهو أن ذلك كشف للغطاء وفوات للإيمان بالغيب، وقد جرت عادتنا بالإهلاك عند ذلك، فإذا هم هالكون على كل من هذين التقديرين، وهو معنى قوله مهولاً لرتبته بحرف التراخي: {ثم لا ينظرون} أي على حالة من هاتين، وأما إن جعلناه على صورة يستطيعون نظرها فإنا نجعله على صورة رجل، فإنها أكمل الصور؛ وحينئذٍ يقع لهم اللبس الذي وقع لهم بدعائك، وهو معنى {ولو جعلناه} أي مطلوبَهم {ملكاً} أي يمكن في مجاري العادات في هذه الدار رؤيتهم له وبقاؤهم بعد رؤيته {لجعلناه رجلاً} أي في صورة رجل، ولكنه عبر بذلك إشارة إلى تمام اللبس حتى أنه لا يشك أحد يراه في كونه رجلاً، كما كان جبريل عليه السلام ينزل في بعض الأوقات على النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، فإذا رآه بعض الصحابة رضي الله عنهم لم يشك أنه دحية رضي الله عنه {و} لو جعلناه رجلاً {للبسنا عليهم ما يلبسون} أي لخلطنا عليهم بجعلنا إياه رجلاً ما يخلطونه على أنفسهم وعلى غيرهم في قولهم: إن الرسالة لا تصح من البشر، فلو كان هذا الذي يقول: إنه رسول رسولاً لكان ملكاً، فوقع اللبس عليهم بأنه لما كان هذا الذي يقول: إنه رسول، ملكاً كان رجلاً، ويجوز أن يقرر ذلك على وجه آخر، وهو أن يكون {ولو نزلنا} في حيز {كانوا عنها معرضين}، أي أعرضوا عنا لو نزلناها عليك في غير قرطاس، ولو نزلنا عليك من السماء كتاباً في قرطاس فجعلنا لهم في ذلك بين حس البصر واللمس لأعرضوا، وقال الذين أبَّدْنا كفرَهم عناداً ومكابرة: ما هذا إلاّ سحر ظاهر، ويكون {وقالوا} معطوفاً على {لقال الذين كفروا} ويكون ذلك قبل اقتراحهم لذلك بما حكاه الله تعالى عنهم في سورة الإسراء بقوله {أية : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : [الإسراء: 90] - إلى آخرها، فيكون إخباراً بمغيب. ولما قطع الرجاء لهداية من حكم بشقاوته، وكان طلبهم لإنزال الملك ونحوه إنما هو على سبيل التعنت والاستهزاء، وكان ذلك يشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين رضي الله عنهم غاية المشقة، التفتت النفس إلى الإراحة منهم وتوقعته لما تقدم من مظاهر العظمة، فأخبره أنه فاعل ذلك في سياق متكفل بتسليته، وأن ذلك لم يزل سنته فيمن فعل فعلهم، فقال - عاطفاً على قوله {أية : فسوف يأتيهم أنباؤا} تفسير : [الأنعام: 5] -: {ولقد} أي هذا منهم إنما هو استهزاء بك {ولقد استهزئ} أي أوقع الهزء وأوجد من الأمم، وبني للمفعول لأن المنكي الاستهزاء، لا كونه من معين، وإشارة إلى أنه كان يقع لهم ذلك من الأعلى والأدنى {برسل}. ولما كان القرب في الزمن في مثل هذا مما يسلي، وكان كل من الاستهزاء والإرسال لم يستغرق الزمن، أدخل الجار فاقل: {من قبلك} فأهلكنا من هزأ بهم، وهو معنى {فحاق} أي فأحاط {بالذين سخروا منهم} أي من أولئك الرسل {ما كانوا به يستهزئون} أي من العذاب الذي كانوا يتوعدون به، وكان سبباً لهزئهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم} يقول: لو أنزلنا من السماء صحفاً فيها كتاب فلمسوه بأيديهم لزادهم ذلك تكذيباً . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس} يقول: في صحيفة . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فلمسوه بأيديهم} يقول: فعاينوه معاينة ومسوه بأيديهم . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {فلمسوه بأيديهم} قال: فمسوه ونظروا إليه لم يصدقوا به .

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ} جملةٌ مستأنفة سيقت بطريق تلوينِ الخطاب لبـيان شدةِ شكيمتِهم في المكابرة وما يتفرَّع عليها من الأقاويل الباطلةِ إثْرَ بـيانِ إعراضِهم عن آياتِ الله تعالى وتكذيبِهم بالحق واستحقاقِهم بذلك لنزولِ العذاب، ونسبةُ التنزيل هٰهنا إليه عليه السلام ـ مع نسبة إتيانِ الآياتِ ومجيءِ الحقِّ فيما سبق إليهم ـ للإشعار بقَدْحهم في نبوته عليه السلام في ضمن قدحِهم فيما نزل عليه صريحاً. وقال الكلبـي ومقاتل: نزلت في النَّضْر بنِ الحارث وعبدِ اللَّه بنِ أبـي أميةَ ونوفلَ بنِ خويلد حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لن نؤمنَ لك حتى تأتيَنا بكتاب من عند الله ومعه أربعةٌ من الملائكة يشهدون أنه من عند الله تعالى، وأنك رسولُه {كِتَـٰباً} إن جُعل اسماً كالإمام فقوله: {فِى قِرْطَاسٍ} متعلقٌ بمحذوف وقع صفة له، أي كتاباً كائناً في صحيفة. وإن جعل مصدراً بمعنى المكتوب فهو متعلِّق بنفسه {فَلَمَسُوهُ} أي الكتابَ وقيل: القرطاس، وقوله تعالى: {بِأَيْدِيهِمْ} مع ظهور أن اللمس لا يكون عادةً إلا بالأيدي لزيادة التعيـينِ ودفع احتمالِ التجوُّز الواقعِ في قوله تعالى: {أية : وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَاء }تفسير : [الجن، الآية 8] أي تفحّصنا، أي فمسُّوه بأيديهم بعد ما رأَوْه بأعينهم، بحيث لم يبقَ لهم في شأنه اشتباه، ولم يقدِروا على الاعتذار بتكسير الأبصار {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي لقالوا، وإنما وضع الموصولُ موضع الضمير للتنصيص على اتصافهم بما في حيز الصلة من الكفر الذي لا يخفىٰ حسنُ موقعِه باعتبار مفهومه اللغوي أيضاً {إِنَّ هَذَا} أي ما هذا مشيرين إلى ذلك الكتاب {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي بـيِّنٌ كونُه سحراً، تعنتاً وعناداً للحق بعد ظهوره كما هو دأْبُ المُفحَمِ المحجوج، وديدَنُ المكابِرِ اللَّجوج. {وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} شروع في قدحهم في نبوته عليه السلام صريحاً بعد ما أُشير إلى قدحهم فيها ضِمناً. وقيل: هو معطوفٌ على جواب (لو)، وليس بذاك، لما أن تلك المقالةَ الشنعاءَ ليست مما يُقدَّر صدورُه عنهم على تقدير تنزيلِ الكتابِ المذكور، بل هي من أباطيلهم المُحقّقة، وخُرافاتهم المُلفّقة، التي يتعللون بها كلما ضاقتْ عليهم الحيلُ وعيَّت بهم العلل، أي هلا أُنزل عليه عليه السلام مَلكٌ بحيث نراه ويكلمنا أنه نبـيٌّ حسبما نُقل عنهم فيما رُويَ عن الكلبـي ومقاتل، ونظيرُه قولهم: {أية : لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان، الآية 7] ولما كان مدارُ هذا الاقتراح على شيئين: إنزالِ الملَك كما هو وجعلِه معه عليه السلام نذيراً، أجيب عنه بأن ذلك مما لا يكاد يدخُل تحت الوجود أصلاً، لاشتماله على أمرين متباينين لا يجتمعان في الوجود: لِما أن إنزالَ الملَك على صورته يقتضي انتفاءَ جعلِه نذيراً، وجعلُه نذيراً يستدعي عدمَ إنزاله على صورته لا مَحالة. وقد أشير إلى الأول بقوله:{وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي لو أنزلنا ملَكاً على هيئته حسْبما اقترحوه والحالُ أنه مِن هِوْل المنظر بحيث لا تُطيقُ بمشاهدته قُوىٰ الآحاد البشرية. ألا يرى أن الأنبـياءَ عليهم الصلاة والسلام كانوا يشاهدون الملائكةَ ويفاوضونهم على الصور البشرية كضيف إبراهيمَ ولوطٍ وخصْمِ داودَ عليهم السلام وغير ذلك. وحيث كان شأنُهم كذلك وهم مؤيَّدون بالقُوى القدُسية فما ظنُّك بمن عداهم من العوام؟ فلو شاهدوه كذلك لقُضِيَ أمرُ هلاكهم بالكلية، واستحال جعلُه نذيراً، وهو مع كونه خلافَ مطلوبِهم مستلزِمٌ لإخلاءِ العالم عما عليه يدور نظامُ الدنيا والآخرةِ من إرسال الرُّسل، وتأسيسِ الشرائع، وقد قال سبحانه: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء، الآية 15] وفيه كما ترى إيذانٌ بأنهم في ذلك الاقتراحِ كالباحث عن حَتْفه بظِلْفه، وأن عدم الإجابة إليه للبُقيا عليهم، وبناءُ الفعل الأول في الجواب للفاعل الذي هو نونُ العَظمة مع كونه في السؤال مبنياً للمفعول لتهويلِ الأمر وتربـية المهابة، وبناء الثاني للمفعول للجري على سَنن الكِبرياء، وكلمةُ (ثم) في قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} أي لا يُمْهَلون بعد نزوله طرفةَ عينٍ فضلاً عن أن يُنْذَروا به كما هو المقصودُ بالإنذار، للتنبـيه على تفاوت ما بـين قضاءِ الأمر وعدمِ الإنظار، فإن مفاجأة العذابِ أشدُّ من نفس العذاب وأشق. وقيل: في سبب إهلاكهم أنهم إذا عاينوا الملَك قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته وهي آيةٌ لا شيءَ أبـينُ منها ثم لم يؤمنوا لم يكنْ بدّ من إهلاكهم، وقيل: إنهم إذا رأَوه يزول الاختيارُ الذي هو قاعدةُ التكليف، فيجبُ إهلاكُهم، وإلى الثاني أُشير بقوله تعالى:

القشيري

تفسير : يُخْبِرُ عن كمالِ قدرته في إبداء ما يريده بعد ما قَضَى لهم الضلالَ، فلو أشهدهم كُلَّ دليل، وأوْضَحَ لهم كل سبيل ما ازدادوا إلاّ تمادياً في الضلال والنفرة، وانهماكاً في الجهل والغيّ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو نزلنا عليك} ـ روى ـ ان بعض المشركين قالوا يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه اربعة من الملائكة يشهدون من عند الله وانك رسوله فانزل الله تعالى قوله {ولو نزلنا عليك} {كتابا فى قرطاس} اى مكتوبا فى رق فالكتاب بمعنى مفعول {فلمسوه} اى الكتاب {بايديهم} بعد ما رأوه بأعينهم بحيث لم يبق لهم فى شأنه اشتباه فذكر اللمس لان التزوير لا يقع فيه فلا يمكنهم ان يقولوا انما سكرت ابصارنا اى سدت وذكر الايدى مع ان اللمس لا يكون عادة الا بها لدفع التجوز فانه يتجوز به للتفحص كما فى قوله تعالى {أية : وإنا لمسنا السماء} تفسير : [الجن: 8]. اى تفحصنا {لقال الذين كفروا} تعنتا وعنادا للحق بعد ظهوره كما هو دأب المحجوج اللجوج {إن هذا} اى الكتاب {الا سحر مبين} اى بين كونه سحرا على كل احد ولا شك ان من حرم التوفيق وكذب بالحق غيبا وحدسا كذب به عيانا وحسا فلو ان اهل الانكار رأوا الاولياء والصالحين يطيرون فى الهواء لقالوا هذا سحر وهؤلاء شياطين.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولو نزَّلنا عليك} يا محمد {كتابًا} مكتوبًا {في قرطاس} أي: رَقٍّ، فرأوه بأعينهم، ولمسوه بأيديهم، حتى لا يبقى فيه تزوير، لعاندوا، ولقال {الذين كفروا منهم} بعد ذلك: {إن هذا إلا سحر مبين}؛ تعنتًا وعنادًا، وتخصيص اللمس؛ لأن التزوير لا يقع فيه، فلا يمكنهم أن يقولوا: {أية : إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا }تفسير : [الحجر:15]، وتقييده بالأيدي لدفع التجوز، فإنه قد يُتَجوز فيه فيطلق على الفحص كقوله: {أية : وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ }تفسير : [الجنّ:8]. ثم اقترحوا معجزة أخرى، {وقالوا لولا أُنزل عليه ملك} يكلمنا أنه نبي، {أو يكون معه نذيرًا} أو شهيدًا له بالرسالة، رُوِي أن العاص بن وائل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود هم الذين سألوا ذلك. قال تعالى: {ولو أنزلنا ملكًا}، كما طلبوا {لقُضي الأمر} بهلاكهم، فإنَّ سُنة الله جرَت بذلك فيمن قبلهم؛ مهما اقترحوا آية، فظهرت ثم كفروا، عجَّل الله هلاكهم، {ثم لا يُنظرون} أي: لا يُمهلون بعد نزولها ساعة. وعلى تقدير لو أنزلنا عليهم الملك ـ كما اقترحوا ـ فلا يمكن أن يظهر إلا على صورة البشر ليُطيقوا رؤيته، {ولو جعلناه ملَكًا لجعلناه رجلاً} ليتمكنوا من رؤيته، كما مثّل جبريل في صورة دِحية، فإن القوة البشرية لا تقوَى على رؤية الملائكة. وإنما رأوهم كذلك الأفرادُ من الأنبياء، لامتلاء أسرارهم بالأنوار القدسية، فإذا ظهر على صورة البشر التبس الأمر عليهم فقالوا: إنما هو بشر لا مَلك، فهذا قوله: {وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي: لخلَطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم، أو لفعلنا لهم في ذلك فعلاً مُلبسًا يطرق لهم إلى أن يُلبِسوا به على أنفسهم وضعفائهم؛ فإن عادة الله في إظهار قدرته أن تكون مرتدية برداء حكمته؛ ليبقى سر الربوبية مَصُونًا، فمن سبقت له العناية خلق الله في قلبه التصديق بها، حتى علمها ضرورة، وغيره يلبس الأمر عليه فيها. وبالله التوفيق. الإشارة: كرامات الأولياء كمعجزات الأنبياء، لا تظهر إلاَّ لأهل الصدق والتصديق، ولا يتحقق بولايتهم إلاَّ من سبق له الوصول إلى عين التحقيق. "سبحان من لم يجعل الدليلَ على أوليائه إلا من حيثُ الدليلُ عليه، ولم يُوصَل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه"، فأهل الإنكار عليهم لا يرون إلا ما يقتضِي البعد عنهم. وأهل الإقرار لا يرون إلا ما يقتضي القرب منهم والمحبة فيهم. والله تعالى أعلم. ثم سلَّى رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ فقال: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لو نزل على نبيه كتابا يعني صحيفة مكتوبة في قرطاس حتى يلمسوه بأيديهم ويدركوه بحواسهم، لانهم سألوا النبي (صلى الله عليه وسلم) ان يأتيهم بكتاب يقرؤونه من الله تعالى فلان بن فلان أن آمن بمحمد، وانه لو أجابهم الى ذلك لما آمنوا، ونسبوه الى السحر لعظم عنادهم وقساوة قلوبهم وعزمهم على أن لا يؤمنون على كل حال. وعرفه أن التماسهم هذه الآيات ضرب من العنت ومتى فعلوا ذلك أصطلمهم واستأصلهم، وليس تقتضى المصلحة ذلك، لما علم في بقائهم من مصلحة للمؤمنين، وعلمه بمن يخرج من أصلابهم من المؤمنين وأن فيهم من يؤمن فيما بعد، فلا يجوز أخترام من هذه صفته - عند ابي علي والبلخي. وقوله {إن هذا إلا سحر مبين} معناه ليس هذا الا سحر مبين. واحتج ابو علي بهذه الآية على أنه متى كان في معلوم الله تعالى انه لو آتاهم الآيات التي طلبوها لآمنوا عندها وجب ان يفعلها بهم، قال: ولولا ذلك كذلك لم يحتج على العباد في منعه اياهم الآيات التي طلبوها أي انما منعتهم اياها لأنهم كانوا لا يؤمنون، ولو آتاهم إِياها لكانوا يقولون انها سحر مبين. وبهذا تبين بطلان قول من قال اللطف ليس بواجب، وانه يجوز ان يمنعهم الله ما طلبوا وان كانوا يؤمنون لو آتاهم ذلك ويكفرون لو منعهم اياه.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} مكتفين بالرّؤية لئّلا يقولوا سكّرت ابصارنا {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله او بك {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} لنهاية عتوّهم وتمرّنهم على الجحود.

اطفيش

تفسير : {ولوْ نزَّلنا عَليْك}: يا محمد {كِتاباً فى قِرْطاسٍ} الكتاب بمعنى الكلام المكتوب أو الحروف المكتوبة، وهو غير القرطاس، ولذلك قيده بالقرطاس، أى كلاماً مكتوباً فى قرطاس، أو حروفاً مكتوبة فى قرطاس، ثم رأيت بعضاً فسر الكتاب بالكلام المكتوب والحمد لله، والقرطاس الورق الذى يكتب فيه وهو الكاغد أو الجلد الذى يكتب فيه، قال مقاتل والكلبى: نزلت فى النظر بن الحارث، وعبد الله بن أبى أمية، ونوفل بن خويلد، قالوا: يا محمد لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله، وأنك رسوله. {فَلَمسُوهُ بأيْدِيهِم} مسوه بأيدِيهِم حتَّى يجتمع عليه النظر بالعين والمس باليد، فلا تبقى شبهة، ولا يقولون سكرت أبصارنا واللمس يكون باليد فقط، ومع ذلك قال: بأيديهم دفعاً للتوهم، فإنه قد يتوهم أن اللمس تجوز عن البحث الشديد، كما جاء على طريقة:{وأنا لمسنا السماء}. {لقَال الَّذينَ كَفرُوا إن هذا} ما هذا الكتاب {إلا سحْر مبينٌ} إلا كتاب سحر ظاهر، أو ذو سحر مبين، أو ما هذا الأمر من التنزل واللمس باليد إلا أمر سحر أو ذو سحر أو ما شأن ذلك إلا سحر مبين، {مَلك} هلا أنزل عليه ملك يخبرنا أنه نبى، ونراه عياناً، ونسمعه يقولون ذلك مكابرة وعناداً، كما قالوا فى انشقاق القمر.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ نَزَّلْنَا} نزلنا بمرة وهو المتبادر لأَنه أَقنع لهم، أَو أَنزلنا شيئا فشيئا لمزيد المشاهدة وتكررها {عَلَيْكَ كِتَابا} أَى كلاما مكتوبا، أَو خطا مكتوبا هو القرآن أَو أَنك رسول، وليس المراد ما يكتب فيه الكلام لأَنه يبقى قوله {فِى قِرْطَاس} بلا فائدة، فالقرطاس ما يكتب فيه من جلد وكاغد - بفتح الغين وبدال مهملة، وقد يعجم - ومن غير ذلك، وذكر بعض أَنه لا يقال قرطاس إِلا إِذا كان مكتوبا، ولا يصح حمل الآية عليه لأَنه يبقى قوله كتابا، أَى كلاما مكتوبا، بلا فائدة، عكس ما مر {فَلَمَسُوهُ} أَى القرطاس مع الخطوط فيه، أَو لمسوا الكتاب أَى الخط، وخص اللمس لأَنه أَنفى بعد المعاينة للريبة من النظر والسمع، وأَما الإِدراك الذى يكون بالفم والشم فلا يليق بالمقام، والسحر يجرى على المرئى، أَى أَكثر مما يجرى على الملموس، ولو اقتصر على النظر لقالوا: {أية : إِنما سكرت أَبصارنا بل نحن قوم مسحورون} تفسير : [الحجر: 15]، وذكر الأَيدى فى قوله {بِأَيْدِيهِمْ} لأَن اللمس أَقوى من المس بسائر البدن، وأَنه قد يطلق اللمس على التفحص عن شئ كقوله تعالى "أية : وأَنا لمسنا السماءَ" تفسير : [الجن: 8] وقد قيل: اللمس يختص باليد، وقيل هو أَعم كالمس، فذكره تحرز أَو تأْكيد {لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} مقتضى الظاهر لقالوا، وضع الظاهر موضع الضمير ليصرح بكفرهم، ويشير إِلى أَن كفرهم لا يؤثر معه برهان يحس، ولو باليد، وإِن شأنهم الإِعراض عناداً وتعنتا. قال النضر بن الحارث وعبد الله ابن أَبى أُمية ونوفل ابن خويلد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله تعالى، ومعه أَربعة من الملائكة يشهدون أَنه من عند الله وأَنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الله سبحانه: لو فعلنا ذلك وزدنا مسهم إِياه بأَيديهم، وقيل: طلبوا المس أَيضا لقالوا {إِنْ هَذَا} ما هذا الكتاب أَو القرطاس الشاهد عليه أَربعة أَملاك، أَو المذكور منه ومن الأَربعة {إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} صرف أَعيننا وأَسماعنا ولمسنا عن حالها المحققة.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِى قِرْطَاسٍ} استئناف سيق بطريق تلوين الخطاب لبيان شدة شكيمتهم في المكابرة وما يتفرع عليها من الأقاويل الباطلة إثر بيان ما هم فيه من غير ذلك. وعن الكلبـي وغيره أنها نزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبـي أمية ونوفل بن خويلد لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله تعالى ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله تعالى وأنك رسوله، والكتاب المكتوب، والجار بعده متعلق بمحذوف وقع صفة له أو متعلق به، وقيل: إن جعل اسماً كالإمام فالجار في موضع الصفة له، وإن جعل مصدراً بمعنى المكتوب فهو متعلق به. / وجوز أن يتعلق بنزلنا وفيه بعد، والقرطاس بكسر القاف وضمها، وقرىء بهما معرب كراسة كما قيل، وممن نص على أنه غير عربـي الجواليقي، وقيل: إنه مشترك ومعناه الورق، وعن قتادة الصحيفة، وفي «القاموس» «القرطاس مثلثة القاف وكجعفر ودرهم الكاغد»، وقال الشهاب: هو مخصوص بالمكتوب أو أعم منه ومن غيره. {فَلَمَسُوهُ } أي الكتاب أو القرطاس، واللمس كما قال الجوهري المس باليد فقوله تعالى: {بِأَيْدِيهِمْ } لزيادة التعيين ودفع احتمال التجوز الواقع في قوله تعالى: { أية : وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَاء } تفسير : [الجن: 8] أي تفحصنا، وقيل: إنه أعم من المس باليد، فعن الراغب المس إدراك بظاهر البشرة كاللمس، وبالتقييد به يندفع احتمال التجوز أيضاً. وقيل: إنما قيد بذلك لأنه الإحساس باللصوق يكون بجميع الأعضاء ولليد خصوصية في الإحساس ليست لسائرها. وأما التجوز باللمس عن الفحص فلا يندفع به إذ لا بعد في أن يكون ذلك لمباشرتهم للفحص بأنفسهم بل يندفع لكون المعنى الحقيقي أنسب بالمقام وليس بشيء كما لا يخفى، وقيل: إن ذكر الأيدي ليفيد أن اللمس كان بكلتا اليدين ولا يظهر وجه الإفادة وتخصيص اللمس لأنه يتقدمه الإبصار حيث لا مانع ولأن التزوير لا يقع فيه فلا يمكنهم أن يقولوا إذا ترك العناد والتعنت: إنما سكرت أبصارنا. واعترض بأن اللمس هنا إنما يدفع احتمال كون المرئي مخيلاً وأما نزوله من السماء فلا يثبت به. وأجيب بأنه إذا تأيد الإدراك البصري في النزول بالإدراك اللمسي في المنزل يجزم العقل بديهة بوقوع المبصر حزماً لا يحتمل النقيض فلا يبقى بعده إلا مجرد العناد مع أن حدوثه هناك من غير مباشرة أحد يكفي في الإعجاز كما لا يخفى. وقال ابن المنير «الظاهر أن فائدة زيادة (لمسهم) بأيديهم تحقيق القراءة على قرب أي فقرؤه وهو بأيديهم لا بعيد عنهم لما آمنوا». وقوله تعالى: {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } جواب {لَوْ } على الأفصح من اقتران جوابها المثبت باللام، والمراد لقالوا تعنتاً وعناداً للحق. وإنما وضع الموصول موضع الضمير للتنصيص على اتصافهم بما في حيز الصلة من الكفر الذي (لا يخفى) ـ كما قيل ـ حسن موقعه باعتبار معناه اللغوي أيضاً، وجوز أن يكون المراد بهم قوم معهودون من الكفرة فحديث الوضع حينئذ موضوع و {إِن} في قوله سبحانه {إِنْ هَذَا} أي الكتاب نافية أي ما هذا {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي ظاهر كونه سحراً.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن تكون الواو عاطفة والمعطوف عليه جملة {وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم} الخ، وما بينهما جملاً تعلّقت بالجملة الأولى على طريقة الاعتراض، فلمّا ذكر الآيات في الجملة الأولى على وجه العموم ذكر هنا فرض آية تكون أوضحَ الآيات دلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وهي أن ينزّل الله عليه كتاباً من السماء على صورة الكتب المتعارفة، فرأوه بأبصارهم ولمسوه بأيديهم لمَّا آمنوا ولادّعوا أنّ ذلك الكتاب سحر. ويجوز أن تكون الواو للحال من ضمير {كذّبوا} في قوله: {فقد كذّبوا بالحقّ لمّا جاءهم} أي أنكروا كون القرآن من عند الله، وكونه آية على صدق الرول، وزعموا أنّه لو كان من عند الله لنزل في صورة كتاب من السماء، فإنّهم قالوا: {لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة} وقالوا {حتى تنزّل علينا كتاباً نقرؤه} فكان قوله: {فقد كذّبوا بالحقّ لما جاءهم} مشتملاً بالإجمال على أقوالهم فصحّ مجيء الحال منه. وما بينهما اعتراض أيضاً. وعلى الوجه الأول فالكتاب الشيء المكتوب سواء كان سفراً أم رسالة، وعلى الثاني فالمراد بكتاببٍ سفرٌ أي مثل التوراة. والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم لا محالة لأنّ كلّ ينزل من القرآن موجّه إليه لأنّه المبلّغ، فانتقال الخطاب إليه بعد الحديث عن ذوي ضمائر أخرى لا يحتاج إلى مناسبة في الأنتقال. وليس يلزم أن يكون المراد كتاباً فيه تصديقه بل أعمّ من ذلك. وقوله: {في قرطاس} صفة لكتاب، والظرفية مجازية من ظرفية اسم الشيء في اسم جزئه. والقرطاس ـــ بكسر القاف ـــ على الفصيح، ونقل ـــ ضمّ القاف ـــ وهو ضعيف. وهو اسم للصحيفة التي يكتب فيها ويكون من رَقّ ومن بَرْدى ومن كاغد، ولا يختصّ بما كان من كاغد بل يسمّى قرطاساً ما كان من رقّ. ومن النّاس من زعم أنّه لا يقال قرطاس إلاّ لما كان مكتوباً وإلاّ سمّي طَرساً، ولم يصحّ. وسمّى العرب الأديم الذي يجعل غرضاً لمتعلّم الرمي قرطاساً فقالوا: سَدّد القرطاس، أي سدّد رميه. قال الجواليقي: القرطاس تكلّموا به قديماً ويقال: إنّ أصله غير عربي. ولم يذكر ذلك الراغب ولا لسان العرب ولا القاموس، وأثبته الخفاجي في شفاء الغليل. وقال: كان معرّباً فلعلّه معرّب عن الرومية، ولذلك كان اسم الورقة في لغة بعضهم اليوم (كارتا). وقوله: {فَلَمسوه} عطف على {نزّلنا}. واللمس وضع اليد على الشيء لمعرفة وجوده، أو لمعرفة وصف ظاهره من لين أو خشونة، ومن برودة أو حرارة، أو نحو ذلك. فقوله: {بأيديهم} تأكيد لمعنى اللمس لرفع احتمال أن يكون مجازاً في التأمّل، كما في قوله تعالى: {وأنّا لمسنا السماء فوجدناها مُلئَت حرساً شديداً وشهباً}، وللإفصاح عن منتهى ما اعتيد من مكابرتهم ووقاحتهم في الإنكار والتكذيب، وللتمهيد لقوله: {لقال الذين كفروا إن هذا إلاّ سحر مبين} لأنّ المظاهر السحرية تخيّلات لا تلمس. وجاء قوله: {الذين كفروا} دون أن يقول: لقالوا، كما قال: {فلمسوه} إظهاراً في مقام الإضمار لقصد تسجيل أنّ دافعهم إلى هذا التعنّت هو الكفر، لأنّ الموصول يؤذن بالتعليل. ومعنى: {إن هذا إلاّ سحر مبين} أنّهم يغالطون أنفسهم ويغالطون قومهم لستر مكابرتهم ولدفع ما ظهر من الغلبة عليهم. وهذا شأن المغلوب المحجوج أن يتعلّق بالمعاذير الكاذبة. والمبين: البيّن الواضح، مشتقّ من (أبان) مرادف (بان). وتقدّم معنى السحر عند قوله تعالى: {أية : يعلّمون الناس السحر }تفسير : في سورة البقرة (102).

الشنقيطي

تفسير : ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار لو نزل الله عليهم كتاباً مكتوباً في قرطاس، أي صحيفة إجابة لما اقترحوه، كما قال تعالى عنهم: {أية : وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ}تفسير : [الإسراء: 93] الآية، فعاينوا ذلك الكتاب المنزل، ولمسته أيديهم، لعاندوا، وادعوا أن ذلك من أجل أنه سحرهم، وهذا العناد واللجاج العظيم والمكابرة الذي هو شأن الكفار بينه تعالى في آيات كثيرة كقوله: {أية : وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} تفسير : [الحجر: 14-15]. وقوله: {أية : وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ}تفسير : [الطور: 44]، وقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام: 111]، وقوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} تفسير : [يونس: 96-97] الآية، وقوله {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس: 101]، وقوله {أية : وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} تفسير : [الأنعام: 25] إلى غير ذلك من الآيات، وذكر تعالى نحو هذا العناد واللجاج عن فرعون وقومه في قوله: {أية : وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 132].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 7- ولو أنزلنا عليك - أيها النبى - دليل رسالتك مكتوباً فى ورق، فرأوه بأعينهم، وتأكدوا منه بوضع أيديهم عليه، لقالوا - تعنتاً -: ما هذا الذى نلمسه إلاّ سحر ظاهر!!. 8- وقالوا: نطلب أن ينزل الله عليك ملكاً يصدقك. ولو استجبنا لهم، وأرسلنا معه ملكاً كما اقترحوا، ثم عاندوا ولم يؤمنوا. لنفذ الأمر بإهلاكهم، ثم لا يمهلون لحظة. 9- ولو جعلنا المؤيد للرسول ملكاً كما طلبوا، لجعلناه على هيئة بشر، حتى يستطيعوا مشاهدته والفهم عنه، فإنهم لا يقدرون على رؤية الملك فى صورته الأصلية، ولاشتبه عليهم الأمر واختلط بإرساله فى صورة بشر، وأوقعناهم فى نفس الخطأ الذى يتخبطون فيه. 10- ولقد سَخِرَ الكفار كثيراً برسل من قبلك - أيها النبى - فأحاط بالساخرين العذاب الذى أنذرهم به رسلهم، وقد جعلوه موضع سخريتهم من قبل. 11- قل - أيها النبى - لهؤلاء الكفار: سيروا فى جوانب الأرض وتأملوا كيف كان الهلاك نهاية المكذبين لرسلهم فاعتبروا بهذه النهاية وذلك المصير. 12- قل - أيها النبى - لهؤلاء الجاحدين: مَنْ مَالِك السموات والأرضِ ومن فيهن؟ فإن أحجموا فقل الجواب الذى لا جواب غيره: إن مالكها هو الله - وحده - لا شريك له، وأنه أوجب على نفسه الرحمة بعباده، فلا يعجل عقوبتهم، ويقبل توبتهم، إنه ليحشرنكم إلى يوم القيامة الذى لا شك فيه. الذين ضيعوا أنفسهم وعرّضوها للعذاب فى هذا اليوم، هم الذين لا يصدقون بالله، ولا بيوم الحساب.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قرطاساً: القرطاس: ما يكتب عليه جلداً أو كاغداً. لمسوه بأيديهم: مسوه بأصابعهم ليتأكدوا منه. ملك: الملك أحد الملائكة. لقضي الأمر: أي أهلكوا وانتهت حياتهم. لا ينظرون: لا يمهلون. ولو جعلناه ملكاً: ولو جعلنا الرسول إليهم ملكاً لإِنكارهم البشر. لبسنا: خلطنا عليهم. استهزىء: سخر وتهكم واستخف. حاق بهم: نزل بهم العذاب وأحاط بهم فأهلكوا. معنى الآيات: ما زال السياق في شأن العادلين بربهم أصنامهم التي يعبدونها ويزعمون أنها تشفع لهم عند الله يقول تعال: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً} أيها الرسول {كِتَٰباً} أي مكتوباً في ورق جلد أو كاغد ورأوه منزلاً من السماء ولمسوه بأيديهم وحسوه بأصابعهم ما آمنوا ولقالوا: {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}. أي سحر واضح سحركم به محمد صلى الله عليه وسلم وإلا كيف ينزل الكتاب من السماء، {وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} أي هلا أنزل عليه، لم لا ينزل عليه ملك يساعده ويصدقه بأنه نبي الله ورسوله، فقال تعالى: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً}، وليس من شأن الله أن ينزل الملائكة ولو أنزل ملكاً فكذبوه لأهلكهم، إذ الملائكة لا تنزل إلا لإِحقاق الحق وعليه فلو نزل ملك لقضي أمرهم بإهلاكهم وقطع دابرهم وهذا ما لا يريده الله تعالى لهم. وقوله: {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} أي لا يمهلون ولو ساعة ليتوبوا أو يعتذروا مثلا. وقوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً} أي الرسول ملكاً لقالوا كيف نفهم عن الملك ونحن بشر فيطالبون بأن يكون بشراً وهكذا كما قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم} خلطنا وشبهنا ما يخلطون على أنفسهم ويشبهون. ثم أخبر تعالى رسوله مسلياً له قائلاً {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} كما استهزيء بك فاصبر، فقد حاق بالمستهزئين ما كانوا به يستهزئون، كانوا إذا خوفهم الرسل عذاب الله سخروا منهم واستخفوا بهم وبالعذاب الذي خوفوهم به، ثم أمر الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول لأولئك المستهزئين بما يعدهم من عذاب ربهم وهم أكابر مجرمي قريش: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} جنوباً لتقفوا على ديار عاد أو شمالاً لتقفوا على ديار ثمود، أو غرباً لتقفوا على بحيرة لوط فتعرفوا {كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} من أمثالكم لعلكم تحققون من طغيانكم وتكذيبكم فيسهل عليكم الرجوع. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الآيات بمعنى المعجزات والخوارق لا تستلزم الإِيمان بل قد تكون سبباً للكفر والعناد، ولذا لم يستجب الله لقريش ولم يعط رسوله ما طالبوه من الآيات. 2- إنكار رسالة البشر عام في كل الأمم وقالوا ما هذا إلا بشر مثلكم في آيات كثيرة في حين أن إرسال الملائكة لا يتم معه هدف لعدم قدرة الإنسان على التلقي عن الملائكة والتفاهم معهم، ولو أنزل الله ملكاً رسولاً لقالوا نريده بشراً مثلنا ولحصل الخلط واللبس بذلك. 3- الاستهزاء بالرسل والدعاة سنة بشرية لا تكاد تتخلف ولذا وجب على الرسل والدعاة الصبر على ذلك. 4- عاقبة التكذيب والاستهزاء هلاك المكذبين المستهزئين. 5- مشروعية زيارة القبور للوقوف على مصير الإِنسان ومآل أمره فإن في ذلك ما يخفف شهوة الدنيا والنهم فيها والتكالب عليها وهو سبب الظلم والفساد.

القطان

تفسير : الكتاب: الصحيفة المكتوبة، ومجموعة الصحف في موضوع واحد. القرطاس: الورق الذي يكتب فيه. اللمس: مسُّ الشيء باليد، وقد يستعمل بمعنى طلب الشيء، يقال: لمسه والتمسه وتلمّسه. السحر: خداع وتمويه يُري ما لا حقيقة له في صورة الحقائق لقُضي الأمر: لتم هلاكهم. لا ينظَرون: لا يمهلون. اللبس: الستر والتغطية. بعد أن أرشد سبحانه في الآيات المتقدمة إلى ما دعا اليه الرسولُ الكريم من التوحيد والبعث، ثم ذكر أن قريشا نزعت إلى التكذيب، وانذرهم عاقبة ذلك طالباً اليهم أن يتعظوا من أمم غابرة- أورد هنا شُبهاتِ أولئك الجاحدين المعاندين على الوحي وبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم منها لجوؤهم الى رمي الحديث بالسحر. وتفسير الآية: ولو انْزلنا عليك ايها النبي هذا القرآن مكتوبا في ورق ظاهر، كدليل على رسالتك، قرأوا بأعينهم وتأكدوا منه بلمسه بأيديهم لقالوا: ما هذا الذي رأيناه ولمسناه إلا سحر واضح ظاهر. وكان كفار قريش وزعماؤهم يتعنّتون كثيراً ويطلبون من الرسول الكريم اشياء للتعجيز، وكان النبي يعجَب من كفر قومه به وبما انزل عليه، رغم وضوح برهانه - فبيّن الله تعالى أسباب ذلك، وان هذا قديم في طباع البشر وأخلاقهم. وكان من تعنت قريش أنهم اقترحوا ان يُنزل على الرسول ملَك من السماء يسمعون كلامه ويرونه، ويكون معه رساله من ربه. وقد رد الله تعالى الاقتراحين بقوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} قالوا: نطلب ان ينزل الله عليه ملَكاً يصدِّقه، ولو أنزلْنا كما اقترحوا لقُضي الأمر بإهلاكهم ثم لا يؤخَّرون ساعة. ولو جُعل الرسول ملَكاً لجُعل متمثّلاً في صورة بشرٍ، وذلك ليستطيعوا رؤيتَه، وسماعَ كلامه فالملائكة ارواح لطيفة لا تُرى، ولا يمكن ان يظهروا للعيان الا في صورة جسم بشري. ولو جاءهم ملك في صورة بشر لاعتقدوا انه بشر مثلهم، وحينئذٍ يقعون في اللَّبس والخطأ الذي يتخبطون فيه الآن. وقد ذكر الإِمام البخاري في تفسير "قضاء الأمر" عدةَ وجوه: 1- ان سنة الله قد جرت بأن أقوام الرسل إذا اقترحوا آية ثم لم يؤمنوا بها بعد أن جاءتهم - عذّبهم الله عذاب الاستئصال. والله لا يريد ان يستأصل هذه الأمة التي بعث فيها خاتم رسله نبي الرحمة {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}. 2- انهم لو شاهدوا الملَك بصورته الأصلية لماتوا من هول ما يشاهدون. 3- انهم اقترحوا ما لا يتوقّف عليه الإيمان، فلو أُعطوه ولم يجدِ ذلك معهم نفعا - دلّ ذلك على منتهى العناد الذي يستدعي الاهلاك وعدم الإمهال..

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَاباً} (7) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ عِنَادِ المُشْرِكِينَ وَتَعَنُّتِهِمْ وَمُكَابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، فَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم كِتَاباً مَسْطُوراً فِي وَرَقٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُكْتَبُ عَلَيْهِ (قِرْطَاسٍ)، وَعَايَنُوهُ وَرَأَوا نُزُولَهُ بِأَعْيُنِهِمْ، وَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، لَقَالَ الكَافِرُونَ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ وَاضِحٌ. كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ - كِتَاباً مَكْتُوباً فِي وَرَقٍ أَوْ رَقٍّ مِمَّا يُكْتَبُ عَلَيْهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا الكتاب - القرآن - لو نزل إلى هؤلاء المكذبين مكتوباً في ورق من المحس المشاهد فلمسوه بأيديهم لقالوا ما قاله كل مكذب، إنه سحر ظاهر. وقد طالب المكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء ليقرأوه كشرط من ضمن شروط أخرى قال عنها الحق مصوراً جحودهم: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 90-93]. فبعد أن وضح لهم إعجاز القرآن حاولوا زوراً، واقترحوا من الآيات ليؤمنوا، كان يفجر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ينبوعاً في أرض مكة لا ينقطع ماؤه، أو يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بستان من نخيل وعنب. تتخلله الأنهار، أو أن يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُنزل السماء عليهم قطعاً كعذاب شديد، أو أن يتجسد لهم الله والملائكة ليَروْهم رأي العين، أو أن يكون لرسول الله بيت من ذهب مزخرف، أو أن يصعد إلى السماء ويأتيهم بكتاب من الله يقرر صدق رسالته، ولكن الله برحمته واتساع حنانه ينزه ذاته أن يتحكم فيه أحد أو أن يشاركه في قدرته فيعلن لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم قوله - سبحانه وتعالى -: {أية : قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 93]. لأن الذي يبعث الآيات هو رب العالمين، ولا أحد يجرؤ أن يفرض على الله آياته. ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو مُستَقْبِل لآيات الله لا مقترح للآيات، ذلك أنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن من يقترح على الله آية ثم يأتي فيكذب بها يصيبه ويناله الهلاك، هذه سنة الله، ورسول الله يعلم أنه النبي الخاتم؛ لذلك لن يطلب أي آية من الله حتى لا ينزل عقاب الله من بعدها إن كذبوا بها. ويبلغ الحق رسوله عتو المتجبرين المنكرين واستكبارهم. {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} الحق يعلم أن قلوب بعض المنكرين قد صارت غفلاً لا يدخلها الإيمان ولا يخرج منها الباطل - كما أراد هو لهم - فلو نزَّل إليهم كتاباً في قرطاس ليكون في مجال رؤية العين ولمسوه بأيديهم فلن يؤمنوا. ويأتي أمر لمس الكتاب بالأيدي؛ لأن اللمس هو الحاسة التي يشترك فيها الجميع حتى الأعمى منهم، وبرغم ذلك فسيكذبون قائلين: {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} ومثل هذا الرد لا ينبع عن عقل أو تدبر أو حكمة. ولا يتناسب مع القوم الذين عُرفوا بالبلاغة والفصاحة، وبحسن القول وصياغته؛ لأن السحر إنما يغير من رؤية الناس للواقع، وما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم متهماً بالسحر منهم فلماذا لم يسحرهم هم، ولماذا استعصموا هم بالذات على السحر؟ والمسحور ليس له عمل ولا إرادة مع الساحر، ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم ساحراً لصنع من السحر ما يجعلهم يؤمنون. إن من العجيب وهم أبصر الناس بفن القول، وهم أهل النبوغ في الأداء، ويعرفون القول الفصل والرأي الصحيح ويميزون بين فنون القول: خطابةً، وكتابةً، ونثراً، وشعراً، والقول المسجوع، والقول المرسل، من العجيب أنهم يقفون أمام معجزة القرآن مبهوتين لا يعرفون من أمرهم رشداً، فمرة يقولون إنه سحر، ومرة يقولون: إنه كلام كهنة، وثالثة يقولون: إنه كلام مجنون. والقرآن ليس بسحر، لأنه يملك من البيان ما يملكون وفوق ما يملكون ويحسنون، ولا يفعل رسول الله معهم ما يجعلهم يؤمنون على الرغم منهم، وليس القرآن كذلك بكلام كهنة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ بينهم ويعلمون أنه الصادق الأمين الذي لم يتلق علماً من أحد، فضلا عن أن كلام الكهان له سمت خاص وسجع معروف، والقرآن ليس كذلك. ويعلمون أنه كلام رجل عاقل، فكلام المجنون لا ينسجم مع بعضه، وها هوذا الحق يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 2-4]. وقد أعد الله رسوله ليستقبل النبوة بقوة الفعل، لا بسفه الرأي، وله في إبلاغ رسالة ربه ثوابٌ لا مقطوع ولا ممنوع، وهو على الخُلق العظيم. والخُلُقُ العظيم - كما نعلم - هو استقبال الأحداث بملكات متساوية وليست متعارضة ولا يملك ذلك إلا عاقل. وقد شهدوا بخُلُق محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يأتي هذا الخلق العظيم من مجنون؟ وكيف يصدر السلوك المتصف بالسلامة والصلاح والخير من مجنون؟ كانت - إذن - كل اتهاماتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم تنبع من إصرارهم على الكفر، لا من واقع لمسوه، فكل ما قالوه في رسول الله هم أول الناس الذين شهدوا عكسه ولمسوا نقيضه. وجاءوا - إصراراً على الكفر - يطلبون أية أخرى: {وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا إخبار من الله لرسوله عن شدة عناد الكافرين، وأنه ليس تكذيبهم لقصور فيما جئتهم به، ولا لجهل منهم بذلك، وإنما ذلك ظلم وبغي، لا حيلة لكم فيه،فقال: { وَلَوْ نزلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } وتيقنوه { لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ظلما وعلوا { إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ } . فأي بينة أعظم من هذه البينة، وهذا قولهم الشنيع فيها، حيث كابروا المحسوس الذي لا يمكن مَن له أدنى مسكة مِن عقل دفعه؟!! { وَقَالُوا } أيضا تعنتا مبنيا على الجهل، وعدم العلم بالمعقول. { لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } أي: هلا أنزل مع محمد ملك، يعاونه ويساعده على ما هو عليه بزعمهم أنه بشر، وأن رسالة الله، لا تكون إلا على أيدي الملائكة. قال الله في بيان رحمته ولطفه بعباده، حيث أرسل إليهم بشرا منهم يكون الإيمان بما جاء به، عن علم وبصيرة، وغيب. { وَلَوْ أَنزلْنَا مَلَكًا } برسالتنا، لكان الإيمان لا يصدر عن معرفة بالحق، ولكان إيمانا بالشهادة، الذي لا ينفع شيئا وحده، هذا إن آمنوا، والغالب أنهم لا يؤمنون بهذه الحالة، فإذا لم يؤمنوا قضي الأمر بتعجيل الهلاك عليهم وعدم إنظارهم، لأن هذه سنة الله، فيمن طلب الآيات المقترحة فلم يؤمن بها، فإرسال الرسول البشري إليهم بالآيات البينات، التي يعلم الله أنها أصلح للعباد، وأرفق بهم، مع إمهال الله للكافرين والمكذبين خير لهم وأنفع، فطلبُهم لإنزال الملك شر لهم لو كانوا يعلمون، ومع ذلك، فالملك لو أنزل عليهم، وأرسل، لم يطيقوا التلقي عنه، ولا احتملوا ذلك، ولا أطاقته قواهم الفانية. { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا } لأن الحكمة لا تقتضي سوى ذلك. { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ } أي: ولكان الأمر، مختلطا عليهم، وملبوسا وذلك بسبب ما لبسوه على أنفسهم، فإنهم بنوا أمرهم على هذه القاعدة التي فيها اللبس، وبها عدم بيان الحق. فلما جاءهم الحق، بطرقه الصحيحة، وقواعده التي هي قواعده، لم يكن ذلك هداية لهم، إذا اهتدى بذلك غيرهم، والذنب ذنبهم، حيث أغلقوا على أنفسهم باب الهدى، وفتحوا أبواب الضلال.

همام الصنعاني

تفسير : 772- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {قِرْطَاسٍ}: [الآية: 7]، يقول في صحيفة. {فَلَمَسُوهُ}. {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}: [الآية: 7].