٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا النوع الثالث من شبه منكري النبوّات فإنهم يقولون: لو بعث الله إلى الخلق رسولاً لوجب أن يكون ذلك الرسول واحداً من الملائكة فإنهم إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر، وقدرتهم أشد، ومهابتهم أعظم، وامتيازهم عن الخلق أكمل، والشبهات والشكوك في نبوّتهم ورسالتهم أقل. والحكيم إذا أراد تحصيل مهم فكل شيء كان أشد إفضاءً إلى تحصيل ذلك المطلوب كان أولى. فلما كان وقوع الشبهات في نبوّة الملائكة أقل، وجب لو بعث الله رسولاً إلى الخلق أن يكون ذلك الرسول من الملائكة هذا هو المراد من قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ }. واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين: أما الأول: فقوله {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ ٱلأَمْرُ } ومعنى القضاء الإتمام والإلزام. وقد ذكرنا معاني القضاء في سورة البقرة. ثم هٰهنا وجوه: الأول: أن إنزال الملك على البشر آية باهرة، فبتقدير إنزال الملك على هؤلاء اللكفار فربما لم يؤمنوا كما قال: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةَ } إلى قوله {أية : مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الأنعام: 111] وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال، فإن سنّة الله جارية بأن عند ظهور الآية الباهرة إن لم يؤمنوا جاءهم عذاب الاستئصال، فهٰهنا ما أنزل الله تعالى الملك إليهم لئلا يستحقوا هذا العذاب والوجه الثاني: أنهم إذا شاهدوا الملك رهقت أرواحهم من هول ما يشهدون، وتقريره: أن الآدمي إذا رأى الملك فإما أن يراه على صورته الأصلية أو على صورة البشر. فإن كان الأول لم يبقَ الآدمي حياً، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى جبريل عليه السلام على صورته الأصلية غشي عليه، وإن كان الثاني فحينئذ يكون المرئي شخصاً على صورة البشر، وذلك لا يتفاوت الحال فيه سواء كان هو في نفسه ملكاً أو بشراً. ألا ترى أن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم، وأضياف لوط، وكالذين تسوروا المحراب، وكجبريل حيث تمثل لمريم بشراً سوياً. والوجه الثالث: أن إنزال الملك آية باهرة جارية مجرى الالجاء، وإزالة الاختيار، وذلك مخل بصحة التكليف. الوجه الرابع: أن إنزال الملك وإن كان يدفع الشبهات المذكورة إلا أنه يقوي الشبهات من وجه آخر، وذلك لأن أي معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة والعلم لفعلنا مثل ما فعلته أنت، فعلمنا أن إنزال الملك وإن كان يدفع الشبهة من الوجوه المذكورة لكنه يقوي الشبهة من هذه الوجوه. وأما قوله {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } فالفائدة في كلمة {ثُمَّ } التنبيه على أن عدم الانظار أشد من قضاء الأمر، لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة. وأما الثاني: فقوله {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } أي لجعلناه في صورة البشر. والحكمة فيه أمور: أحدها: أن الجنس إلى الجنس أميل. وثانيها: أن البشر لا يطيق رؤية الملك، وثالثها: ان طاعات الملائكة قوية فيستحقرون طاعة البشر، وربما لا يعذرونهم في الاقدام على المعاصي. ورابعها: أن النبوّة فضل من الله فيختص بها من يشاء من عباده، سواء كان ملكاً أو بشراً. ثم قال: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } قال الواحدي: يقال لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً، وأصله من التستر بالثوب، ومنه لبس الثوب لأنه يفيد ستر النفس والمعنى أنا إذا جعلنا الملك في صورة البشر فهم يظنون كون ذلك الملك بشراً فيعود سؤالهم أنا لا نرضى برسالة هذا الشخص. وتحقيق الكلام أن الله لو فعل ذلك لصار فعل الله نظيراً لفعلهم في التلبيس، وإنما كان ذلك تلبيساً لأن الناس يظنون أنه بشر مع أنه ليس كذلك، وإنما كان فعلهم تلبيساً لأنهم يقولون للقومهم إنه بشر مثلكم والبشر لا يكون رسولاً من عند الله تعالى.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} اقترحوا هذا أيضاً. و «لولا» بمعنى هَلاَّ. {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ} قال ٱبن عباس: لو رأوا الملك على صورته لماتوا إذ لا يطيقون رؤيته. مجاهد وعِكْرمة: لقامت الساعة. قال الحسن وقَتَادة: لأُهلِكوا بعذاب الاستئصال؛ لأن الله أجرى سنّته بأن من طلب آية فأظهرت له فلم يؤمن أهلكه الله في الحال {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} أي لا يُمهَلون ولا يؤخرون. قوله تعالىٰ: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} أي لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلاَّ بعد التجسم بالأجسام الكثيفة؛ لأن كل جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه؛ فلو جعل الله تعالىٰ الرسول إلى البشر ملكاً لنفروا من مقاربته، ولما أنسوا به، ولداخلهم من الرعب من كلامه والإتقاء له ما يَكفُّهم عن كلامه، ويمنعهم عن سؤاله، فلا تَعمّ المصلحة؛ ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا إليه لقالوا: لست ملكاً وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك وعادوا إلى مثل حالهم. وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة البشر فأتوا إبراهيم ولوطاً في صورة الآدميين، وأتى جبرائيل النبيّ عليهما الصَّلاة والسَّلام في صورة دِحْية الكَلْبيّ. أي لو نزل ملك لرَأوه في صورة رجل كما جرت عادة الأنبياء، ولو نزل على عادته لم يروه؛ فإذا جعلناه رجلاً ٱلتبس عليهم فكانوا يقولون: هذا ساحر مثلك. وقال الزّجاج: المعنى {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم} أي على رؤسائهم كما يلْبِسون على ضَعفتهم، وكانوا يقولون لهم: إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم فرق، فيلبسون عليهم بهذا ويُشكِّكونهم؛ فأعلمهم الله عزّ وجلّ أنه لو أنزل مَلِكاً في صورة رجل لوجدوا سبيلاً إلى اللَّبْس كما يفعلون.واللَّبْس الخلْط؛ يُقال: لَبَست عليه الأمر ألْبِسه لَبْساً أي خَلَطته؛ وأصله التّستر بالثوب ونحوه. وقال: «لَبَسْنَا» بالإضافة إلى نفسه على جهة الخلق، وقال: {مَّا يَلْبِسُونَ} فأضاف إليهم على جهة الإكتساب. ثم قال مؤنساً لنبيه عليه الصَّلاة والسَّلام ومُعزِّياً: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ} أي نزل بأُممهم من العذاب ما أُهلكوا به جزاء ٱستهزائهم بأنبيائهم. حاق بالشيء يَحيق حَيْقاً وحُيُوقاً وحَيَقاناً نزل؛ قال الله تعالىٰ: { أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ } تفسير : [فاطر: 43] و «ما» في قوله: {مَّا كَانُواْ} بمعنى الذي، وقيل: بمعنى المصدر: أي حاق بهم عاقبة ٱستهزائهم.
البيضاوي
تفسير : {وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} هلا أنزل معه ملك يكلمنا أنه نبي كقوله: {لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً}. {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ ٱلأَمْرُ} جواب لقولهم وبيان هو المانع مما اقترحوه والخلل فيه، والمعنى أن الملك لو أنزل بحيث عاينوه كما اقترحوا لحق إهلاكهم فإن سنة الله قد جرت بذلك فيمن قبلهم. {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} بعد نزوله طرفة عين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ لَوْلآ } هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ } على محمد صلى الله عليه وسلم {مَلَكٌ } يصدّقه {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً } كما اقترحوا فلم يؤمنوا {لَقُضِىَ ٱلأَمْرُ } بهلاكهم {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } يمهلون لتوبة أو معذرة، كعادة الله فيمن قبلهم من إهلاكهم عند وجود مقترحهم إذا لم يؤمنوا.
الخازن
تفسير : {وقالوا} يعني مشركي مكة {لولا} يعني هلا {أنزل عليه} يعني على محمد {ملك} يعني نراه عياناً {ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر} يعني لفرغ الامر ولوجب العذاب وهذه سنة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا آية ثم لم يؤمنوا استوجبوا العذاب واستؤصلوا به {ثم لا ينظرون} يعني أنهم لا يمهلون ولا يؤخرون طرفة عين بل يعجل لهم العذاب {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً} يعني ولو أرسلنا إليهم ملكاً لجعلناه في صورة رجل وذلك أن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها ولو نظر إلى الملك ناظر لصعق عند رؤيته ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الأنس كما جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وكما جاء الملكان إلى داود عليه السلام في صورة رجلين وكذلك أتى الملائكة إلى إبراهيم ولوط عليهما السلام ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته التي خلق عليها صعق لذلك وغشي عليه. وقوله تعالى: {وللبسنا عليهم ما يلبسون} يقال لبست الأمر على القوم إذا أشبهته عليهم وجعلته مشكلاً ولبست عليه الأمر إذا خلطته عليه حتى لا يعرف جهته ومعنى الآية وخالطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدروا أملك هو أم آدمي وقيل في معنى الآية إنا لو جعلنا الملك في صورة البشر لظنوه بشراً فتعود المسألة بحالها أنا لا نرضى برسالة البشر ولو فعل الله عز وجل ذلك صار فعل الله مثل فعلهم في التلبيس وإنما كان تلبيساً لأنهم يظنون أنه ملك وليس بملك أو يظنون أنه بشر وليس هو بشراً وإنما كان فعلهم تلبيساً لأنهم لبسوا على ضعفتهم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنما هو بشر مثلكم ولو رأوا الملك رجلاً للحقهم من اللبس مثل ما لحق بضعفائهم فيكون اللبس نقمة من الله وعقوبة لهم على ما كان منهم من التخليط في السؤال واللبس على الضعفاء. قوله عز وجل: {ولقد استهزئ برسل من قبلك} يعني كما استهزئ بك يا محمد وفي هذه الآية تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له عما كان من تكذيب المشركين إياه واستهزائهم به إذ جعل له أسوة في ذلك بالأنبياء الذين كانوا قبله {فحاق} أي فنزل وقيل: أحاط، وقيل: حل {بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} والمعنى: فنزل العذاب بهم ووجب عليهم من النقمة والعذاب جزاء استهزائهم أو في هذه الآية تحذير للمشركين أن يفعلوا لنبيهم كما فعل من كان قبلهم بأنبيائهم فينزل بهم مثل ما نزل بهم {قل سيروا في الأرض} أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين سيروا في الأرض معتبرين ومتفكرين وقيل هو سير الأقدام {ثم انظروا} فعلى القول الأول يكون النظر نظرة فكرة وعبرة وهو بالبصيرة لا بالبصر وعلى القول الثاني يكون المراد بالنظر نظر العين والمعنى ثم انظروا بأعينكم إلى آثار الأمم الخالية والقرون الماضية السالفة وهو قوله تعالى: {كيف كان عاقبة المكذبين} يعني كيف كان جزاء المكذبين وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك فحذر كفار مكة عذاب الأمم الخالية.
ابن عادل
تفسير : وهذه شبهةٌ ثالثةٌ من شُبَهِ مُنْكِري النُّبوة، فإنهم يقولون: لو بَعَثَ اللَّهُ إلى الخَلْق رسولاً لوجب أن يكون ذلك الرَّسُولُ من الملائكة؛ لأن الملك أكثرُ عِلْماً وأشدُّ قُدْرَةً ومَهَابَةً، والشَّكُّ في رسالته قَلِيلٌ، والحكيم إذا أراد تحصيل مُهِمٍّ، فإنما يَسْتَعِينُ في تحصيله بمَنْ هو أقْدَرُ على تحصيله، وإذا كان وقوع الشُّبُهَاتِ في نُبُوَّةِ الملائكة أقَلَّ وَجَبَ إن بعث اللهُ رسولاً إلى الخلق أنْ يكون ذلك الرَّسُولُ من الملائكة. قوله: "وقالوا: لولا" الظَّاهِرُ أنَّ هذه الجملة مُسْتَأنَفَةٌ سيقَتْ للإخبار عنهم لفَرْطِ تعنُّتِهم وتَصَلُّبِهِم في كُفْرهم. قيل: ويجوز أن تكون مَعْطُوفة على جواب "لو"، أي: لو نزَّلْنَا عليك كتاباً لَقَالُوا كذا وكذا، ولقالوا: لو أُنزِل عليه مَلَكٌ. وجيء بالجواب على أحد الجائزين، أعني حذف "اللام" من المثبت، وفيه بُعْد؛ لأن قولهم "لولا نُزِّلَ" ليس مُتَرَتِّباً على قوله: "لولا نَزَّلْنَا" و"لولا" هنا تحضيضِيَّةٌ، والضميرُ في "عَلَيْه" الظَّاهرُ عَوْدُهُ على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: يجوز أن يَعُودَ على الكتاب أو القِرْطَاسِ. والمعنى: لولا أنْزِلَ مع الكتاب مَلَكٌ يشهدُ بِصحَّتِهِ، كما يُرْوَى في القِصَّةِ أنه قيل له: لن نؤمن لك حتى تَعْرُج فتأتي بكتاب، ومعه أربعة ملائكة يشهدون، فهذا يَظْهَرُ على رأي من يقول: إنَّ الجملة من قوله: "وقالوا: لولا أنْزِلَ" معطوفةٌ على جواب "لوا"، فإنَّهُ يتعلّق به من حيث المعنى حينئذٍ. فصل في دحض شبهة منكري النبوة واعلم أنَّ الله - تبارك وتعالى - أجاب عن هذه الشُّبْهَةِ بوجهين: أحدهما: قوله: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ} ومعنى القضاء: الإتمام والإلزام، والمعنى: ولو أنزلنا ملكاً لم يؤمنوا، وإذا لم يؤمنوا اسْتُؤصِلُوا بالعذاب، وهذه سُنَّةُ اللَّهِ تعالى في الكُفَّار. والوجه الثاني: أنَّهم إذا شاهدوا الملك زَهَقَتْ أرْوَاحُهُمْ من هَوْل ما يشاهدون؛ لأنَّ الآدمي إذا رأى الملك، فإمَّا أنْ يراه على صورتِهِ الأصْلِيَّةِ، أو على صورة البَشَرِ، فإن رآه على صورته الأصليَّةِ غُشِيَ عليه، وإنْ رآه على صورة البَشَرِ، فحينئذ يكونُ المَرْئيُّ شخصاً على صورة البشر وذلك لا يتفاوت الحال فيه، سواء كان هو ملكاً أو بشراً، ألا ترى أن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم وأضياف لوط، وخصَّهم دَاوُد وجبريل حيثُ تَخَيَّل لمريم بَشَراً سَوِياً. واعلم أنَّ عدم إرسال الملك فيه مصالح: أحدها: إن رؤية إنزال الملكِ على البشرِ آية قاهرةٌ فبتقدير نزوله على الكُفَّارِ، فرُبَّما لم يؤمنوا، كما قال الله تبارك وتعالى {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَة} تفسير : [الأنعام:111] إلى قوله:{أية : مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام:111]، وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهُمْ بعذاب الاسْتِئصَالِ. وثانيها: ما ذكرنا من عَدَمِ قُدْرِتِهِمْ على رؤية الملائكة. وثالثها: إنَّ إنزال الملك معجزةٌ قاهِرةٌ جاريةٌ مجرى الإلْجْاءِ، وإزالة الاختيار، وذلك يخلُّ بمصلحة التكليف. ورابعها: أنَّ إنزال الملَكِ وإن كان يَدْفَعُ الشُّبُهَاتِ من الوجوه المذكورة، لكنَّهُ يُقوِّي الشُّبْهَةَ من هذه الوجوه. والمراد من قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} فالفائدة في "ثم" التنبيه على أنَّ عَدَمَ الإنظار أشدُّ من مُضِيَّ الأمر؛ لأن المُفَاجَئَةَ أشَدُّ من نفس الشدة. قال قتادة: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً} ثمَّ لم يؤمنوا لعُجِّلَ لهم العذاب ولم يُؤخَّرْ طَرْفَةَ عَيْنٍ. وقال مجاهد: "لقضي الأمر"، أي: لقامت القيامة. وقال الضحَّاك: لو أتاهم ملكٌ في صورته لماتوا. قوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً} يعني: لو أرسلناه إليهم مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً يعني في صورة رجلٍ آدمي؛ لأنهم لا يستطيعون النَّظَرَ إلى الملائكةِ، كان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دِحْية الكلبي وجاء الملكان إلى دَاوُد عليه السلام في صورةِ رَجُلَيْنِ، ولأن الجنس إلى الجنس أميلُ وأيضاً فإنَّ طَاعَة الملائكة قَوِيَّةٌ، فَيَسْتحْقِرُونَ طَاعَاتِ البَشَرِ، ورُبَّما لا يعذرونهم بالإقدام على المعاصي. قوله تعالى: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُون} في "ما" قولان: أحدهما: أنها مَوْصولةٌ بمعنى "الذي"، أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم، أو على غيرهم، قاله أبو البقاء - رحمه الله تعالى - وتكون "ما" حينئذٍ مفعولاً بها. الثاني: أنَّها مَصْدَريَّةٌ، أي: ولَلَبْسنا عليهم مَثْلَ ما يلبسون على غيرهم ويسلكونهم، والمعنى شَبَّهوا على ضعفائهم فشُبِّهَ عليهم. قال ابن عباس: هُمْ أهْلُ الكتاب، فَرَّقُوا دينهم وحَرَّفُوا الكَلِمَ عن مَوَاضِعِه، فَلَبَسَ اللَّهُ عليهم ما يلبسون. وقرأ ابن مُحَيْصِن: "وَلَبَسْنا" بلام واحدة هي فاء الفِعْلِ، ولم يأت بلامٍ في الجواب اكْتِفَاءً بها في المَعْطُوف عليه. وقرأ الزهري: "ولَلَبَّسْنا" بلامين وتشديد الفعل على التَّكْثيرِ. قال الواحدي: يقال لَبَّسْتُ الأمْرَ على القَوْمِ ألبِّسُهُ إذا شَبَّهْته عليهم، وجعلته مُشْكلاً، وأصله من التَّستُّرِ بالثوب، ومنه لُبْسُ الثوبِ، لأنه يُفيد سَتْرَ النفسِ، والمعنى: إذا جَعَلْنَا الملكَ في صورة البَشَرِ، فهم يظنون أن ذلك المَلَكَ بَشَراً، فيعود سؤالهم أنَّا لا نرضى برسالة هذا الشَّخْصِ، واللَّهُ أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإِسلام وكلمهم فابلغ إليهم فيما بلغني، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب، والنضر بن الحارث بي كلدة، وعبدة بن عبد يغوث، وأبي خلف بن وهب، والعاصي بن وائل بن هشام: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك، فأنزل الله في ذلك من قولهم {وقالوا لولا أنزل عليه ملك ...} الآية" . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} قال: ملك في صورة رجل {ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر} قال: لقامت الساعة . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر} يقول: لو أنزل الله ملكاً ثم لم يؤمنوا لعجَّل لهم العذاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {ولو أنزلنا ملكاً} قال: ولو أتاهم ملك في صورته {لقضي الأمر} لأهلكناهم {ثم لا ينظرون} لا يؤخرون {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً} يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة {وللبسنا عليهم ما يلبسون} يقول: لخلطنا عليهم ما يخلطون . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً} قال: في صورة رجل، وفي خلق رجل . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً} يقول: في صورة آدمي . وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً} قال: لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل، لم نرسله في صورة الملائكة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وللبسنا عليهم} يقول: شبهنا عليهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {وللبسنا عليهم ما يلبسون} يقول: شبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وللبسنا عليهم ما يلبسون} يقول: ما لبس قوم على أنفسهم إلا لبس الله عليهم، واللبس إنما هو من الناس، قد بين الله للعباد، وبعث رسله، واتخذ عليهم الحجة، وأراهم الآيات، وقدم إليهم بالوعيد .
القشيري
تفسير : بيَّنَ أَنَّ العبرة بالقسمة دون الاعتبار بالحجة، وما يغني السراج عند مَنْ فَقَدَ البصر؟ كذلك ما تغني الحجَجُ عند مَنْ عدم عناية الأزل؟.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} شروع فى قدحهم فى النبوة صريحا بعدما اشير الى قدحهم فيها ضمنا ولولا تحضيضية بمعنى الامر والضمير فى عليه للنبى عليه السلام اى هلا انزل عليه ملك بحيث نراه ويكلمنا انه نبى {ولو انزلنا ملكا لقضى الامر} ولو انزلنا ملكا على هيئة حسبما اقترحوه والحال انه من هول المنظر بحيث لا يطيق مشاهدته قوى الآحاد البشرية لقضى الامر اى هلاكهم بالكلية {ثم لا ينظرون} اى لا يمهلون بعد نزوله طرفة العين ومعنى ثم بعد ما بين الامرين قضاء الامر وعدم الانظار وجعل عدم الانظار اشد من قضاء الامر لان مفاجأة العذاب اشد من نفس العذاب واشق.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا {لولا} ومعناه: هلا {أنزل عليه} يعنون على محمد {ملك} يشاهدونه فيصدقه. ثم أخبر عن عظم عنادهم انه لو أنزل عليهم الملك على ما اقترحوه لما آمنوا به، واقتضت الحكمة استئصالهم وألا ينظرهم ولا يمهلهم. وذلك بخلاف ما علم الله تعالى من المصلحة على ما بيناه. ومعنى {لقضي الأمر} أي أتم إِهلاكهم وقضي على ضروب كلها ترجع الى معنى تمام الشىء وانقطاعه في قول الزجاج. فمنه {أية : قضى أجلا وأجل مسمى عنده}تفسير : معناه ثم ختم بذلك وأتمه، ومنه الامر كقوله {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إِلا اياه}تفسير : الا أنه أمر قاطع ومنه الاعلام نحو قوله {أية : وقضينا إلى بني إسرائيل}تفسير : أي أعلمناهم إِعلاماً قاطعا. ومنه الفصل في الحكم نحو قوله {أية : ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم}تفسير : أي لفصل الحكم بينهم. ومنه قولهم قضى القاضي. ومن ذلك قضى فلان دينه، أي قطع ما لغريمه عليه وأداه اليه وقطع ما بينه وبينه وكلما أحكم فقد قضي، تقول قضيت هذا الثوب وهذه الدار، أي عملتها وأحكمت عملها، قال أبو ذؤيب شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع تفسير : وقال مجاهد معنى {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} يريدون في صورته. قال الله تعالى {ولو أنزلنا ملكا} في صورته {لقضي الأمر} أي لقامت الساعة أو وجب استئصالهم ثم قال {ولو جعلناه ملكا لجعلناه} في صورة رجل، لان أبصار البشر لا تقدر على النظر الى صورة ملك على هيئته للطف الملك وقلة شعاع أبصارنا وكذلك كان جبرائيل (ع) يأتي النبي (صلى الله عليه وسلم) في صورة دحية الكلبي، وكذلك الملائكة الذين دخلوا على ابراهيم في صورة الاضياف حتى قدم اليهم عجلا جسدا، لانه لم يعلم أنهم ملائكة، وكذلك لما تسور المحراب على داود الملكان كانا في صورة رجلين يختصمان اليه. وقال بعضهم: المعنى لو جعلنا مع النبي ملكا يشهد بتصديقه {لجعلناه رجلا} والاول أصح. وقوله {وللبسنا عليهم ما يلبسون} يقال: لبست الامر على القوم ألبسه اذا شبهته عليه، ولبست الثوب البسه، وكان رؤساء الكفار يلبسون على ضعفائهم أمر النبي (ع)، فيقولون: هو بشر مثلكم، فقال الله تعالى {ولو أنزلنا ملكا} فرأوا الملك رجلا ولم يعلمهم أنه ملك لكان يلحقهم من اللبس ما يلحق ضعفائهم منهم. واللبوس ما يلبس من الثياب واللباس الذي قد لبس واستعمل. فان قيل: قوله: انه لو جعل الملك رجلا للبس عليهم يدل على أن له أن يلبس بالاضلال والتلبيس؟ قلنا: ليس ذلك في ظاهره، لانه لم يخبر أنه لبس عليهم وانما قال لو جعلته ملكا للبست ولم يجعله ملكا فاذاً ما لبس، كما قال تعالى {أية : لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء}تفسير : وليس يجوز عليه اتخاذ الولد ولا الاصطفاء له بحال، فسقط ما قالوه.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالُواْ} عناداً ولجاجاً {لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} ان كان رسولاً {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ} امر حيوتهم او الامر بقبض ارواحهم يعنى انّهم ضعفاء الابصار ليس لهم قوّة الجمع بين الطّرفين، والملك لا يدركه الاّ بصيرة باطنة اخرويّة لا البصر الظّاهر الدّنيوىّ فلو انزلنا ملكاً حتّى يروه لانسلخوا من ظواهرهم البشريّة ولانقلب الدّنيا آخرة والحيوة ممات فلقصورهم وضعفهم لم ننزّل ملكاً بحيث يرونه، ولاينافى هذا نزول الملك على الرّسل (ع) لجمعهم بين الدّنيا والآخرة كما مضى تحقيقه وكيفيّة مشاهدة الملك فى المنام واليقظة للرّسل وسماع قوله للانبياء والمحدّثين عند قوله {أية : وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}تفسير : [البقرة: 219] من سورة البقرة {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} جوابٌ ثانٍ او جواب لاقتراح ثان فانّهم تارة قالوا: لولا انزل عليك ملك، وتارة قالوا: لو اراد الله ان يبعث الينا رسولاً لا نزل ملكاً {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} يعنى لو انزلنا ملكاً امّا جعلناه بصورة ملكٍ ولم يقووا على ادراكه، او جعلناه بصورة رجلٍ ولو جعلناه بصورة رجلٍ لا وقعنا عليهم الالتباس والامتراء حتّى يقولوا فيه ما قالوا فى الرّسول البشرىّ، فالآية اشارة الى قياس استثنائىٍّ منفصل التّالى مرفوعة بكلا شقّيه ان كانت جواباً بكلا شقّيه لسؤال واحد، او اشارة الى قياسين استثنائيّين ان كانت جوابين لسؤالين منهم.
اطفيش
تفسير : {وقالُوا لَوْلا أنْزِلَ عَليهِ} أى على محمد صلى الله عليه وسلم بأسماعنا، والجملة مستأنفة، وأجاز بعضهم عطفها على جواب لو، ولولا للتخفيض على الوجهين، لكن الثانى مرجوح، لأنه جئ به ليبنى عليه قوله: ولو أنزلنا ملكا عليه كما طلبوا عياناً يرونه ويسمعونه، يصدق محمداً صلى الله عليه وسلم {ولو} أنَّنا {أنزلنا} على محمدٍ {مَلَكاً} من السماء {لقضى الأمر} فى الكلام حذف، أى ولو أنزلنا ملكا فلم يؤمنوا لقضى الأمر، أو لو أنزلنا ملكا لقضى الأمر إن لم يؤمنوا، فإن سنة الله جرت فيمن قبلهم بذلك، إذ طلبوا آية معاينة ولم يؤمنوا أهلكهم الله. {ثمَّ لا يُنْظرُونَ} لا يؤخرون عن الإهلاك، قيل: طرفة عين، ومعنى قضى الأمر، فرغ من عذابهم وإهلاكهم، وثم لترتيب الذكر لا لترتيب الإسناد، لأن المراد أن ذلك القضاء لا يتأخر، والظاهر أن إهلاكهم يكون بعذاب من الله، ويحتمل أن يكون برؤية الملك على صورته التى خلقه الله عليها، إذ لا طاقة لهم عليها، والظاهر الأول لقوله تعالى:
اطفيش
تفسير : {وَقَالُوا} تارة، أَو قال بعض ما مر وقال بعض: {أية : لو شاءَ ربنا لأَنزل ملائكة} تفسير : [فصلت: 14]، وقال بعض {لَوْلاَ} تحضيض {أُنْزِلَ عَلَيْهِ} على محمد صلى الله عليه وسلم {مَلَكٌ} يقول إِن القرآن من الله وأَنك رسول الله، لولا أنزل معه ملك فيكون معه نذيراً، "ولو أَننا نزلنا إِليهم الملائكة "إلى" ما كانوا ليؤمنوا إِلا أَن يشاءَ الله" وذكر ابن اسحاق أَنه قال له صلى الله عليه وسلم زمعة بن الأَسود بن المطلب، والنضر بن الحارث بن كلدة، وعبدة بن عبد يغوث وأبى بن خلف ابن وهب والعاص بن وائل بن هشام: لو جعل يا محمد ملك يحدث الناس أنك رسول الله كقوله تعالى "أية : لولا أنزل إِليه ملك فيكون معه نذيراً" تفسير : [الفرقان: 7] وذكر سوءَ عاقبتهم لو أَجابهم إِلى ما طلبوا وهو أَنه جرت سنة الله عز وجل أَنه من طلب آية حسية باهرة ولم يؤمن أهلك، كأَصحاب المائدة، كما قال {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً} شاهدوه كما طلبوا ولم يؤمنوا {لَقضِىَ الأَمْرُ} أَى أَثبت إِهلاكهم لكن عاجلا لا آجلا كما قال {ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ} ولا يؤخرون أَقل من لحظة لتوبة أَو معذرة، أَو رحمة كأَصحاب المائدة، لأَن الاختيار قاعدة التكليف، فلم يك ينفعهم إِيمانهم، إِلخ.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} الظاهر أنه استئناف لبيان قدحهم بنبوته عليه الصلاة والسلام بما هو أصرح من الأول، وقيل: إنه معطوف على جواب (لو) ويغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، واعترض بأن تلك المقالة الشنعاء ليست مما يقدر صدوره عنهم على تقدير تنزيل الكتاب المذكور بل هي من أباطيلهم المحققة وخرافاتهم الملفقة التي يتعللون بها كلما ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل، وأجيب بأنه لا بعد في تقدير صدور هذه المقالة على تقدير ذلك التنزيل لأنه مما يوقع الكافر المعاند في حيص بيص فلا يدري بماذا يقابله وأي شيء يتشبث به. وكلمة {لَوْلاَ} هنا للتحضيض، والمقصود به التوبيخ على عدم الإتيان بملك يشاهد معه حتى تنتفي الشبهة بزعمهم. أخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن محمد بن إسحٰق قال: «دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم فيما بلغني فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب والنضر بن الحرث بن كلدة وعبدة بن عبد يغوث وأبـي بن خلف بن وهب والعاص بن وائل بن هشام: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى / معك فأنزل الله تعالى قوله سبحانه: {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ} الخ أي هلا أنزل عليه ملك يكون معه يحدث الناس عنه ويخبرهم أنه رسول من ربه سبحانه إليهم، ولعل هذا نظير ما حكى الله تعالى عنهم بقوله جل شأنه: { أية : لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } تفسير : [الفرقان: 7]. ولما كان مدار هذا الاقتراح على شيئين. إنزال الملك على صورته وجعله معه صلى الله عليه وسلم يحدث الناس عنه وينذرهم. أجيب عنه بأن ذلك مما لا يكاد يوجد لاشتماله على المتباينين فإن إنزال الملك على صورته يقتضي انتفاء جعله محدثاً ونذيراً وجعله محدثاً ونذيراً يستدعي عدم إنزاله على صورته. وقد أشير إلى الأول بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنزَلْنَا } عليه {مَلَكًا } على صورته الحقيقية فشاهدوه بأعينهم: {لَقُضِىَ ٱلأَمْرُ } أي لأتم أمر إهلاكهم بسبب مشاهدتهم له لمزيد هول المنظر مع ما هم فيه من ضعف القوى وعدم اللياقة. وقد قيل: إن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم هم إنما رأوا الملك في صورة البشر ولم يره أحد منهم على صورته غير النبـي صلى الله عليه وسلم رآه كذلك مرتين مرة في الأرض بجياد ومرة في السماء، ولا يخفى أن هذا محتاج إلى نقل عن الأحاديث الصحيحة والذي صح من رواية الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبـي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام مرتين كما ذكر على صورته الأصلية لكن ليس فيه أن أحداً من إخوانه الأنبياء غيره عليه الصلاة والسلام لم يره كذلك، ولم يرد هذا كما قال ابن حجر وناهيك به حافظاً في شيء من «كتب الآثار»، وإما رؤية النبـي صلى الله عليه وسلم وكذا رؤية غيره من الأنبياء غير جبريل عليه السلام على الصورة الأصلية فهي جائزة بلا ريب، وظاهر الأخبار وقوعها أيضاً لنبينا عليه الصلاة والسلام، وأما وقوع رؤية سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلم أقف فيها على شيء لا نفياً ولا إثباتاً، وعدم وقوع رؤية جبريل عليه السلام لو صح لا يدل على عدم رؤية غيره إذ ليست صور الملائكة كلهم كصورته عليه الصلاة والسلام في العظم، وخبر الخصمين والأضياف لإبراهيم ولوط وداود عليهم السلام ليس فيه دلالة على أكثر من رؤية هؤلاء الأنبياء للملائكة بصورة الآدميين وهي لا تستلزم أنهم لا يرونهم إلا كذلك وإلا لاستلزمت رؤية نبينا صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام بصورة دحية بن خليفة الكلبي رضي الله تعالى عنه مثلاً عدم رؤيته عليه الصلاة والسلام إياهم إلا بالصورة الآدمية وهو خلاف ما تفهمه الأخبار، وبناء الفعل الأول في الجواب للفاعل مسنداً إلى نون العظمة مع كونه في السؤال مبنيا للمفعول لتهويل الأمر وتربية المهابة، وبناء الثاني للمفعول للجري على سنن الكبرياء. وكلمة {ثُمَّ} في قوله تعالى {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} أي لا يمهلون بعد إنزاله ومشاهدتهم له طرفة عين فضلاً عن أن يحظوا منه بكلمة أو يزيلوا به بزعمهم شبهة للتنبيه على بعد ما بين الأمرين قضاء الأمر وعدم الإنظار فإن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة، وقيل: إنها للإشارة إلى أن لهم مهلة قدر أن يتأملوا. واعترض بأن قوله سبحانه: {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} عطف على قوله عز وجل: {لَقُضِىَ} ولا يمهل للتأمل بعد قضاء الأمر. وقيل في سبب إهلاكهم على تقدير إنزال الملك حسبما اقترحوه: إنهم إذا عاينوه قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته الأصلية وهي آية لا شيء أبين منها ثم لم يؤمنوا لم يكن بد من إهلاكهم فإن سنة الله تعالى قد جرت بذلك فيمن قبلهم ممن كفر بعد نزول ما اقترح وروي هذا عن قتادة، وقيل: إنه يزول / الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزوله لأن هذه آية ملجئة قال تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} تفسير : [غافر: 85] فيجب إهلاكهم لئلا يبقى وجودهم عارياً عن الحكمة إذ ما خلقوا إلا للابتلاء بالتكليف وهو لا يبقى مع الإلجاء، وفيه أنه مخالف لقواعد أهل السنة ولا يتسنى إلا على قواعد المعتزلة وهي أوهن من بيت العنكبوت ومع هذا هو غير صاف عن الإشكال كما لا يخفى على المتتبع، وذكر بعض الفضلاء أن هذا الوجه ينافي ما قبله لدلالة ما قبل على بقاء الاختيار وأنهم لا يؤمنون إذا عاينوا الملك قد نزل ودلالة هذا على سلب الاختيار وزواله وان الإيمان إيمان يأس. وقال ابن المنير: «لا يحسن أن يجعل سبب مناجزتهم بالهلاك وضوح الآية في نزول الملك فإنه ربما يفهم من ذلك أن الآيات التي لزمهم الإيمان بها دون نزول الملك في الوضوح وليس الأمر كذلك. فالوجه والله تعالى أعلم أن يكون سبب تعجيل عقوبتهم بتقدير نزول الملك وعدم إيمانهم أنهم اقترحوا ما لا يتوقف وجوب الإيمان عليه إذ الذي يتوقف الوجوب عليه المعجز من حيث كونه معجزاً لا المعجز الخاص فإذا أجيبوا على وفق مقترحهم فلم ينجع فيهم كانوا حينئذ على غاية من الرسوخ في العناد المناسب لعدم النظرة»، ولعل الوجه الذي عولنا عليه هو الأولى، وقد أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والاعتراض عليه بأن {لاَ يُنظَرُونَ} يدل على إهلاكهم لا على هلاكهم برؤية الملك يندفع بما أشرنا إليه كما لا يخفى، وليس بتكلف يترك له كلام ترجمان القرآن.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {ولو نزّلنا عليك كتاباً}، لأنّ هذا خبر عن تورّكهم وعنادهم، وما قبله بيان لعدم جدوى محاولة ما يقلع عنادهم، فذلك فُرض بإنزال كتاب عليهم، من السماء فيه تصديق النبي صلى الله عليه وسلم وهذا حكاية لاقتراح منهم آية يصدّقونه بها. وفي سيرة ابن إسحاق أنّ هذا القول واقع، وأنّ من جملة من قال هذا زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث بن كَلدة، وعبدة بن عبد يغوث؛ وأبَي ابن خلف، والعاصي بن وائل، والوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومن معهم، أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم سل ربّك أن يبعث معك ملكاً يصدّقك بما تقول ويراجعنا عنك. فقوله: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} أي لولا أنزل عليه ملك نشاهده ويخبرنا بصدقه، لأنّ ذلك هو الذي يتطلّبه المعاند. أمّا نزول الملك الذي لا يرونه فهو أمر واقع، وفسّره قوله تعالى في الآية الأخرى: {أية : لولا أنزل إليه ملك فيكونَ معه نذيراً}تفسير : في سورة الفرقان (7). والضمير عائد إلى {الذين كفروا} وإن كان قاله بعضهم، لأنّ الجميع قائلون بقوله: وموافقون عليه. و{لولا} للتحضيض بمعنى (هلاً). والتحضيض مستعمل في التعجيز على حسب اعتقادهم. وضمير {عليه} للنبيء صلى الله عليه وسلم ومعاد الضمير معلوم من المقام، لأنّه إذا جاء في الكلام ضمير غائب لم يتقدّم له معاد وكان بين ظهرانيهم من هو صاحب خبر أو قصة يتحدّث الناس بها تعيّن أنَّه المراد من الضمير. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين استأذنه في قتل ابن صيّاد: «حديث : إن يكْنه فلن تسلّط عليه وإلاّ يكْنه فلا خير لك في قتلة»تفسير : . يريد من مائر الغيبة الثلاثة الأولى الدجّال لأنّ الناس كانوا يتحدّثون أنّ ابن صيّاد هو الدجّال. ومثل الضمير اسم الإشارة إذا لم يذكر في الكلام اسم يشار إليه. كما ورد في حديث أبي ذرّ أنّه قال لأخيه عند بعثة محمد صلى الله عليه وسلم «حديث : اذهب فاستعلم لنا علم هذا الرجل»تفسير : . وفي حديث سؤال القبر «حديث : فيقال له (أي للمقبور): ما علمك بهذا الرجل»تفسير : يعني أنّ هذا قولهم فيما بينهم، أو قولهم للذي أرسلوه إلى النبي أن يسأل الله أن يبعث معه ملكاً. وقد افهوه به مرة أخرى فيما حكاه الله عنهم: {وقالوا يا أيّها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} فإنّ (لَوْما) أخت (لولا) في إفادة التحضيض. وقوله: {ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون} معناه: لو أنزلنا ملكاً على الصفة التي اقترحوها يكلّمهم لقضي الأمر، أي أمرهم؛ فاللام عوض عن المضاف إليه بقرينة السياق، أي لقضي أمر عذابهم الذي يتهدَّدهم به. ومعنى: {قُضي} تُمّ، كما دلّ عليه قوله: {ثم لا ينظرون}؛ ذلك أنّه لا تنزل ملائكة غير الذين سخّرهم الله للأمور المعتادة مثلِ الحفظة، وملك الموت، والملك الذي يأتي بالوحي؛ إلاّ ملائكة تنزل لتأييد الرسل بالنصر على من يكذّبهم، مثل الملائكة التي نزلت لنصر المؤمنين في بدر. ولا تنزل الملائكة بين القوم المغضوب عليهم إلاّ لإنزال العذاب بهم، كما نزلت الملائكة في قوم لوط. فمشركو مكة لمّا سألوا النبي أن يريهم ملكاً معه ظنّوا مقترحهم تعجيزاً، فأنبأهم الله تعالى بأنّهم اقترحوا أمراً لو أجيبوا إليه لكان سبباً في مناجزة هلاكهم الذي أمهلهم إليه فيه رحمة منه. ولعلّ حكمة ذلك أنّ الله فطر الملائكة على الصلابة والغضب للحقّ بدون هوادة، وجعل الفطرة الملكية سريعة لتنفيذ الجزاء على وفق العمل، كما أشار إليه قوله تعالى: {ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى}، فلذلك حجزهم الله عن الاتّصال بغير العباد المكرّمين الذين شابهن نفوسهم الإنسانية النفوس الملكية، ولذلك حجبهم الله عن النزول إلى الأرض إلاّ في أحوال خاصّة، كما قال تعالى عنهم: {وما تتنزّل إلاّ بأمر ربّك}، وكما قال: {ما تنزّل الملائكة إلاّ بالحقّ} فلو أنّ الله أرسل ملائكة في الوسط البشري لما أمهلوا أهل الضلال والفساد ولنا جزوهم جزاء العذاب، ألا ترى أنّ الملائكة الذين أرسلهم الله لقوم لوط لمّا لقوا لوطاً قالوا: {يا لوط إنّا رسل ربّك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل}. ولمّا جادلهم إبراهيم في قوم لوط بعد أن بشّروه واستأنس بهم {قالوا يا إبراهيم أعرض عن هذا إنّه قد جاء أمر ربّك} وهو نزول الملائكة؛ فليس للملائكة تصرف في غير ما وجهّوا إليه. فمعنى الآية أنّ ما اقترحوه لو وقع لكان سيء المغبّة عليهم من حيث لا يشعرون. وليس المراد أنّ سبب عدم إنزال الملك رحمة بهم بل لأنّ الله ما كان ليظهر آياته عن اقتراح الضاليّن، إذ ليس الرسول صلى الله عليه وسلم بصدد التصدّي لرام كلّ من عُرضت عليه الدعوة أن تظهر له آية حسب مقترحه فيصير الرسول صلى الله عليه وسلم مضيّعاً مدّة الإرشاد وتلتفّ عليه الناس التفافهم على المشعوذين، وذلك ينافي حرمة النبوة، ولكن الآيات تأتي عن محض اختيار من الله تعالى دون مسألة. وأنّما أجاب الله اقتراح الحواريّين إنزال المائدة لأنّهم كانوا قوماً صالحين، وما أرادوا إلاّ خيراً. ولكنّ الله أنبأهم أنّ إجابتهم لذلك لحكمة أخرى وهي تستتبع نفعاً لهم من حيث لا يشعرون، فكانوا أحرياء بأن يشكروا نعمة الله عليهم فيما فيه استبقاء لهم لو كانوا موفّقين. وسيأتي عند قوله تعالى: {وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه قل إنّ الله قادر على أن ينزلّ آية} زيادة بيان لهذا. ومن المفسّرين من فسّر {قضي الأمر} بمعنى هلاكهم من هول رؤية الملك في صورته الأصبية. وليس هذا بلازم لأنّهم لم يسألوا ذلك. ولا يتوقّف تحقّق ملكيّته عندهم على رؤية صورة خارقة للعادة، بل يكفي أن يروه نازلاً من السماء مثلاً حتى يصاحب النبي صلى الله عليه وسلم حين يدعوهم إلى الإسلام، كما يدلّ عليه قوله الآتي: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً}. وقوله: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً} عطف على قوله: {ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر} فهو جواب ثان عن مقترحهم، فيه ارتقاء في الجواب، وذلك أنّ مقترحهم يستلزم الاستغناء عن بعثة رسول من البشر لأنّه إذا كانت دعوة الرسول البشري غير مقبولة عندهم إلاّ إذا قارنه ملك يكون معه نذيراً كما قالوه وحكي عنهم في غير هذه الآية، فقد صار مجيء رسول بشري إليهم غير مجد للاستغناء عنه بالملك الذي يصاحبه، على أنّهم صرّحوا بهذا اللازم فيما حكي عنهم في غير هذه الآية، وهو قوله تعالى: {قالوا لو شاء ربّنا لأنزل ملائكة}، فجاء هذا الجواب الثاني صالحاً لردّ الاقتراحين، ولكنّه رُوعي في تركيب ألفاظه ما يناسب المعنى الثاني لكلامهم فجيء بفعل {جعلنا} المقتي تصيير شيء آخر أو تعويضه به. فضمير {جعلناه} عائد إلى الرسول الذي عاد إليه ضمير {لولا أنزل عليه ملك}، أي ولو اكتفينا عن إرسال رسول من نوع البشر وجعلنا الرسول إليهم ملكاً لتعيّن أن نصّور ذلك الملك بصورة رجل، لأنّه لا محيد عن تشكّله بشكل لتمكّن إحاطة أبصارهم به وتحيّزه فإذا تشكّل فإنّما يتشكّل في صورة رجل ليطيقوا رؤيته وخطابه، وحينئذٍ يلتبس عليهم أمره كما التبس عليهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم فجملة {ولبسنا عليهم ما يلبسون} من تمام الدليل والحجّة عليهم بعدم جدوى إرسال الملك. واللّبس: خلط يعرض في الصفات والمعاني بحيث يعسر تمييز بعضها عن بعض. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولا تلبسوا الحقّ بالباطل}تفسير : في سورة البقرة (42). وقد عدّي هنا بحرف (على) لأنّ المراد لبس فيه غَلبة لعقولهم. والمعنى: وللبسنا على عقولهم، فشكّوا في كونه ملكاً فكذّبوه، إذ كان دأب عقولهم تطلّبَ خوارق العادات استدلالاً بها على الصدق، وتركَ إعمال النظر الذي يعرف به صدق الصادق. و{ما} في قوله: {ما يلبسون} مصدرية مجرّدة عن الظرفية، والمعنى على التشبيه، أي وللبسنا عليهم لبَسهم الذي وقع لهم حين قالوا: {لولا أنزل عليه ملك}، أي مثل لبَسهم السابق الذي عرض لهم في صدق محمد عليه الصلاة والسلام. وفي الكلام احتباك لأنّ كلا اللبسين هو بتقدير الله تعالى، لأنّه حرمهم التوفيق. فالتقدير: وللبسنا عليهم في شأن الملك فيلبسون على أنفسهم في شأنه كما لبسنا عليهم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم إذ يلبسون على أنفسهم في شأنه. وهذا الكلام كلّه منظور فيه إلى حمل اقتراحهم على ظاهر حاله من إرادتهم الاستدلال، فلذلك أجيبوا عن كلامهم إرخاء للعنان، وإلاّ فإنّهم ما أرادوا بكلامهم إلاّ التعجيز والاستهزاء، ولذلك عقّبه بقوله: {ولقد استهزىء برسل من قبلك} الآية.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ}. لم يبين هنا ماذا يريدون بإنزال الملك المقترح، ولكنه بين في موضع آخر أنهم يريدون بإنزال الملك أن يكون نذيراً آخر مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله: {أية : وَقَالُواْ مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 7]، الآية. قوله تعالى: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ}. يعني أنه لو نزل عليهم الملائكة وهم على ما هم عليه من الكفر والمعاصي، لجاءهم من الله العذاب من غير إمهال ولا إنظار، لأنه حكم بأن الملائكة لا تنزل عليهم إلا بذلك، كما بينه تعالى بقوله: {أية : مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} تفسير : [الحجر: 8]. وقوله {أية : يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الفرقان: 22] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : (8) - وَقَالُوا: هَلاَّ أَنْزَلَ اللهُ مَلَكاً عَلَى مُحَمَّدٍ، لِيَكُونَ مَعَهُ نَذيراً، لِيَقْتَنِعُوا بِأَنَّ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى الرَّسُولِ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ حَقّاً وَصِدْقاً. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاءِ القَائِلِينَ قَائِلاً: إِنَّهُ لَوُ أَنْزَلَ مَلَكاً، كَمَا اقْتَرَحُوا، وَلَمْ يُؤْمِنُوا لَقُضِيَ الأَمْرُ بِإِهْلاَكِهِمْ، ثُمَّ لاَ يُؤَخَّرُونَ وَلاَ يُمْهَلُونَ لِيُؤْمِنُوا، بَلْ يَأْخُذُهُمُ العَذَابُ عَاجِلاً، كَمَا مَضَتْ بِذَلِكَ سُنَّةُ اللهِ فِيمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ. هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ رَدّاً عَلَى عَدَدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أنْ وَعَظَ النَّاسَ وَأَبْلَغَهُمْ مَا أَمَرَهُ رَبُّهُ بِإِبْلاَغِهِ إِلَيْهِمْ: (لَوْ جَعَلَ مَعَكَ يَا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النَّاسَ، وَيُرى مَعَكَ). لاَ يُنظَرُونَ - لا يُمْهَلُونَ لَحْظَةً بَعْدَ إِنْزَالِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما المَلَك؟ المَلَك جنس جعله الله من الغيب، ونحن لا نؤمن به إلا لأن الله الذي آمنا به قال: إن له ملائكة مثلما قال: إن هناك جنّاً، والملائكة من جنس الغيب، والجن مستور عنا. وهؤلاء المنكرون الجاحدون يطلبون نزول مَلَك حتى يؤمنوا. إذن فهم قد عرفوا أن هناك غيباً وأن فطرتهم الأولى تحمل أثراً من منطق السماء لكنهم ينكرون، وقولهم بالملَك دليل على أن في أعماقهم رواسب من دين إبراهيم ودين إسماعيل، وبقيت تلك الآثار في النفوس لأنها مسألة لا تمس السيادة، ولو أنزل الحق لهم ملَكَاً لما آمنوا أيضاً، فهم مكذبون. ولا يريد الحق أن يطبق عليهم سنته بنزول الآية التي يطلبونها حتى لا ينزل بهم عقابه إن كفروا بها. فلو أنزل الحق عليهم ملَكَاً كما يطلبون ثم كفروا لقضي الأمر وأهلكوا بدون إمهال. إذ لو تجلى الملَك لهم وظهر على طبيعته ما تحملته كياناتهم البشرية. ولقد نزل الملَكُ بآثاره الدامغة وهو غيب أنزله - سبحانه وتعالى - بالوحي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل في رسول الله ما فعل، ولم يظهر من عمله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أثره فحسب. وها هوذا رسول الله يشرح لنا ذلك لحظة مجيء الملك أول مرة في غار حراء: فقال الملك: اقرأ. (حديث : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ: فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني، فقال: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته يرجف فؤاده ودخل على زوجه السيدة خديجة بنت خويلد، فقال: (زملوني زملوني). فزملوه حتى ذهب عنه الروع. وأخبرها الخبر وقال: "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة - رضي الله عنها - وهي تعدد صفات وخلق رسول الله العظيمة : "كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر ". تفسير : هكذا كان الإيمان الأول من خديجة من فور أن عرفت خبر الوحي. ويطمئن الحق رسوله من بعد ذلك قائلاً: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1-4]. وشرح الله صدر رسوله فصار هذا الصدر مهبط الأسرار والعلم وحط عن ظهر الرسول الكريم الأعباء الثقال، وارتبط اسم الرسول صلى الله عليه وسلم بأصل الإيمان والعقيدة حتى صار اسم رسول الله مقروناً باسمه - جل شأنه - في الشهادة الأولى للإسلام "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله". إذن كان هذا حال رسول الله حين تجلَّى له المَلَك لا بالحقيقة الملكية، ذلك أن هناك فارقاً بين البنيان البشري والبنيان الملكي. فالبنيان البشري يستقبل الأشياء المادية التي تناسب تكوينه، فإن جاءت له طاقة أعلى منه فلا يمكنه أن يستقبلها إلا إذا أعد الله المَلَك وصَّوره بصورة تجعله قابلاً للإرسال، وأعد الله الرسول ليكون قابلاً للاستقبال. ونعلم جميعاً قصة موسى لما جاء لميقات ربه، وقال الله في وصف ذلك اللقاء: {أية : وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 143]. والمانع لرؤية الله هو عدم قدرة الإنسان على الإحاطة البصرية بالله، فعندما تجلى الله للجيل المتماسك الصلب صار الجبل دكاً، أي مفتتاً وخر موسى عليه السلام مصعوقاً من هول ما رأى، ولما أفاق تاب الله وأعلن أنه أول المؤمنين به سبحانه فإذا كان الإنسان قد صعق من تجلي الحق للجبل، فكيف يقدر على أن يتجلى الحق له؟ إننا نعلم أن كل تكوين له قدرة استقبال لما يناسبه من أشياء، وضربنا لذلك مثلاً من دنيانا العلمية - ولله المثل الأعلى دائماً وهو منزه عن كل مثال - نجد الإنسان منا عندما يدخل الكهرباء إلى بيته لرغبته في الانتفاع بقانون النور والضوء لمدة أطول وبفوائد الكهرباء المتعددة، ولكنه عندما يريد أن ينام فهو يطلب الانتفاع بقانون الظلمة، فيطفئ المصابيح، ويضع مصباحاً صغيراً لا يتحمل أن يأخذ الطاقة مباشرة من الكهرباء من مصدرها القوي؛ لذلك يأتي الإنسان بمحول للطاقة فيستقبل المحول طاقة الكهرباء العالية من مصدرها ويخفضها بصورة تناسب المصباح الصغير. وهكذا نحتفظ بضوء ضعيف في الليل لنستفيد من قانون الظلمة لننام. وقد امتن الحق علينا أنه خلق النور وخلق الظلام، وكل منهما له مهمة. فإذا كان خَلْقُ النور والضوء والكهرباء قد أتاح للإنسان بناء حضارة، فالظلام أتاح للإنسان أن يرتاح وتسكن نفسه فيقوم ممتلئاً بالنشاط والحيوية. وإذا كنا نحتفظ في الليل ببصيص نور لا يزعج، فنحن نفعل ذلك حتى لا نحطم الأشياء أو نصطدم بها إذا ما قمنا في الليل لقضاء حاجة. وكذلك الإنسان . . إنه لا يستطيع بضعفه أن يأخذ عن الله مباشرة . . ومن رحمة الحق بالخلق أن جعل بينه وبين الخلق وسائط، بتلقي المَلَك عن الله، والملك وسيط، والمَلك ينقل إلى الرسول المصطفى، والرسول المصطفى وسيط، ومن تغفيل أهل الكفر أنهم طالبوا بإنزال ملك رسول. ويرد الله عليهم في موضع آخر من القرآن الكريم: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94-95]. لقد طالبوا - جهلاً - أن ينزل إليهم ملك رسول بالهدى، ويأمر الحق رسوله أن يرد عليهم بأنه لو كان بين البشر ملائكة. . أي لو كان هناك ملائكة يمشون في الأرض لنزل إليهم الملك كرسول. ولما كان هذا غير حاصل، فقد أرسل الحق رسولاً من البشر؛ لأن المفروض أن يُبلغ الرسول وأن يكون كذلك أسوة سلوكية للمنهج، بأن يطبق المنهج على نفسه، فلو نزل ملك كرسول وطبق المنهج على نفسه لقال له البشر: إنك مَلَك تقدر على ما لا نقدر عليه وأنت لا تصلح أسوة لنا؛ لذلك كان لا بد أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم أنفسهم حتى يكون أسوة لهم وقدوة. إن هذا هو ما يبطل الادعاء بألوهية عيسى عليه السلام أو بنوته لله؛ لأن عيسى عليه السلام طالبهم أن يفعلوا مثله. وأراد الحق ببشرية الرسل أن يؤكد القدوة والأسوة في الرسل، ولذلك قال: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ}؛ لأن البشر لا يستطيعون استقبال إشعاعات وإشراقات المَلَك لأنهم غير معدِّين لاستقبال تلك الإشعاعات والإشراقات. ولذلك يقول الحق: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ}. أَي في صورة ملك. يقول الله، عز وجل: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ} [الآية: 8]. يعني: لقامت الساعة. {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} [الآية: 9]. يقول: لجعلناه في صورة رجل، أَي في خلق رجل. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: حديث : إِن بني إِسرائيل قالوا لموسى: سل لنا ربك هل يصلي؟ فأَوحى الله، عز وجل، إِليه: يا موسى، أَخبرهم أَني أُصلي، وأَن صلاتي: أَنه سبقت رحمتي غضبي. لولا ذلك لهلكواتفسير : . [الآية: 12]. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً}. قال: أُمر محمد، صلى الله عليه وسلم، أَن يسأَل قريشاً: "أَي شيء أَكبر شهادة؟" ثم أُمر أَن يخبرهم فيقول: {ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الآية: 19]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الآية: 19]. يعني: ومن أَسلم من العجم وغيرهم. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أَبو معشر عن محمد بن كعب القرظي: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الآية: 19]. قال: من بلغه القرآن فكأَنما بلغه محمد، صلى الله عليه وسلم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الآية: 23]. قال: هذا قول أَهل الشرك حين رأَوا كل أَحد يخرج من النار غير أَهل الشرك ورأَوا الذنوب تغفر ولا يغفر الشرك ولا لمشرك. فقالوا: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. يقول الله، عز وجل: {ٱنظُرْ كَيْفَ / 21و / كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} [الآية: 24]. يعني تكذيب الله إِياهم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} [الآية: 25]. يعني: قريشاً.
الأندلسي
تفسير : {وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} قال ابن عباس: قال النضر بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خالد: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله. "انتهى". والظاهر أن قوله: وقالوا استئناف اخبار من الله تعالى حكي عنهم أنهم قالوا ذلك، ويحتمل أن يكون عطوفاً على جواب لو، أي لقال الذين كفروا، ولقالوا: لولا أنزل عليه ملك. ولولا بمعنى هلا للتحضيض. {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً} قال ابن عباس وغيره: في الكلام حذف تقديره ولو أنزلنا ملكاً فكذبوه لقضي الأمر بعذابهم ولم يؤخروا حسب ما في كل أمة اقترحت آية وكذبت بها بعد ظهورها. {وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً} أي ولو جعلنا الرسول ملكاً كما اقترحوا لأنهم كانوا يقولون لولا أنزل على محمد ملك، وتارة يقولون: ما هذا إلا بشر مثلكم. ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة. ومعنى لجعلناه رجلاً أي لصيّرناه في صورة رجل كما كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غالب الأحوال في صورة دِحْية، وكما تمثل لمريم في صورة بشر، وكما في حديث سؤال جبريل عليه السلام بحيث رآه الصحابة في صورة رجل يسأل عن الإِسلام والإِيمان والإِحسان. وللبسنا أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذٍ بأنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة إنسان هذا إنسان وليس بملك. {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من قومه وتأسَّ بمن سبق من الرسل. وقالت الخنساء: شعر : ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي تفسير : {فَحَاقَ} يقال: حاق يحيق حيقاً وحيوقاً وحيقاناً، أي أحاط. ومعنى سخروا استهزؤا إلا أن استهزأ تعدى بالباء وسخر بمن كما قال {أية : إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} تفسير : [هود: 38]. وبالباء تقول سخرت به، وكان اللفظ سخروا وإن كان معناه استهزوا لئلا يكثر في الجملة الواحدة لفظ الاستهزاء إذ أوله ولقد استهزىء وآخره يستهزؤون فكان سخروا أفصح. {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} الآية، لما ذكر تعالى ما حل بالمكذبين المستهزئين وكان المخاطبون بذلك أمة أمية لم تدرس الكتب ولم تجالس العلماء فلها أن تكابر في الاخبار بهلاك من أهلك بذنوبهم أمروا بالسير في الأرض والنظر في ما حل بالمكذبين ليعتبروا بذلك ويتظافر مع الاخبار الصادق الحس فللرؤية من مزيد الاعتبار ما لا يكون في الاخبار كما قال بعض العصريين: شعر : لطائف معنى في العيان لم تكن لتدرك إلا بالتزاور واللقا تفسير : والظاهر أن السير المأمور به هو الانتقال من مكان إلى مكان وان النظر المأمور به هو نظر العين، وان الأرض هي ما قرب من بلاؤهم من ديار المهلكين بذنوبهم كأرض عاد ومدين ومدائن قوم لوط وثمود. وقال قوم: الأرض هنا عام لأن في كل قطر منها آثار الهالكين وعبرا للناظرين. وجاء هنا خاصة ثم انظروا بحرف المهلة وفيما سوي ذلك بالفاء التي هي للتعقيب. وقال الزمخشري في الفرق: جعل النظر مسبباً عن السير في قوله: فانظروا، فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين. وهنا معناه أمر الإِباحة للسير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين ونبه على ذلك بثم لتباعد ما بين الواجب والمباح. "انتهى". وما ذكر أولاً متناقض لأنه جعل النظر متسبباً عن السير فكان السير سبباً للنظر. ثم قال: فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر فجعل السير معلولاً بالنظر فالنظر سبب له فتناقضا ودعوى ان الفاء تكون سببية لا دليل عليها وإنما معناها التعقيب فقط وأما مثل: ضربت زيداً فبكى، وزنا ماعز فرجم، فالتسبب فهم من مضمون الجملة لا ان الفاء موضوعة له وإنما تفيد تعقيب الضرب بالبكاء وتعقيب الزنا بالرجم فقط وعلى تسليم أنّ الفاء تفيد التسبيب فلم كان السير هنا سير إباحة وفي غيره سير واجب فيحتاج ذلك إلى فرق بين هذا الموضع وتلك المواضع وعاقبة الشيء منتهاه وما آل إليه. والمراد به هنا العذاب على العصيان. قال النابغة: ومن عصاك نعاقبه ومعاقبة. تنهي الحسود كنهي الحسود ولا تقعد على ضمد، والضمد: الحقد. {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} الآية: لما ذكر تعالى تصريفه فيمن أهلكهم بذنوبهم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بسؤالهم ذلك فإِنه لا يمكنهم أن يقولوا إلا أن ذلك لله تعالى فليزمهم بذلك أنه تعالى هو المالك المهلك لهم، وهذا السؤال سؤال تبكيت وتقرير، وما موصولة بمعنى الذي أريد بها العموم وهي مبتدأ، ولمن في موضع الخبر، ثم أمره تعالى بنسبة ذلك إلى الله تعالى ليكون أول من بادر إلى الإِعتراف بذلك. {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} ظاهر كتب أنه بمعنى سطر وخط، وقيل: أوجب إيجاب فضل وكرم لا إيجاب لزوم، والرحمة هنا الظاهر أنها عامة فتعم المحسن والمسيء في الدنيا وهي عبارة عن الإِفضال عليهم والإِحسان إليهم. {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} جواب قسم وهو ان كتب أجرى مجرى القسم فأجيب بجوابه وهو ليجمعنكم كما في قوله: {أية : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} تفسير : [المجادلة: 21]. والظاهر أن إلى للغاية والمعنى ليحشرنكم منتهين إلى يوم القيامة. {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} الظاهر أن الذين مرفوع على الابتداء، والخبر قوله: فهم لا يؤمنون، ودخلت الفاء لما تضمن المبتدأ من معنى الشرط كأنه قيل: من يخسر نفسه فهو لا يؤمن. وخسروا في معنى قضى الله عليهم بالخسران وترتيب على ذلك عدم إيمانهم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 262 : 1 : 12 - سفين عن رجل عن مجاهد {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ} لقامت الساعة {وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً} فقالوا: كيف يكون ملك رجلاً؟ {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}. [الآية 8-9].
همام الصنعاني
تفسير : 776- حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن معمر، عَنْ قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ}: [الآية: 8]، يقُولُ: ولو أنزلنا ملكاً ثم لم يُؤْمِنُوا بهِ لعجّل لهم العذاب. 777- حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عن ابن طَاوُوس، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لمَّا خَلَقَ الخَلْقَ، لَمْ يَعْطِفْ شيء عَلَى شيءٍ حَتَّى خَلَقَ اللهُ مَائَةَ رَحْمَة، فوضع بَيْنَهُمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَعَطَفَ بَعْضُ الخَلْقِ عَلَى بَعْض. 778- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قَتَادَة، قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص: إنَّ للهِ مائةَ رحمةٍ، فأَهْبَطَ منها إلى الإرض رَحْمَةً وَاحِدَةً فَتَراحَم بها الْجِنُّ وَالإِنْسُ وَالطَّيْرُ والْبَهَائِمِ وَهَوَام الأَرْضِ. 779- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الحكم بن أبان، عن عِكْرِمَةَ مولى ابن عباس حبست أنه أَسْنَدَهُ. يقول: إنَّ الله تبارك وتعالى يوم القيامة يُخْرِجُمِنَ النَّارِ مِثْلَ أَهْلِ الجَنَّةِ. قال الحكم: لا أعلمه إلاَّ قال: مثلي أهْل الجنَّةِ، فأما مِثْل فلا أشك مكتوب ها هُنَا، وأشار الحكم إلى نَحْرِهِ، عتقاء الله. فقال رجل: يا أبا عبد الله، أفرأيت قول الله تبارك وتعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا}تفسير : ، [المائدة: 37]، قال: ويلك أولئك أهلها، الذي هم أهلها. 780- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن هَمَّام بن منبه، قال: سمعتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَمَّا قَضَى الله [الخلق] كتب في كتابه عنده فوق العرش: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبِي ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):