Verse. 798 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَلَوْ جَعَلْنٰہُ مَلَكًا لَّجَعَلْنٰہُ رَجُلًا وَّلَـلَبَسْـنَا عَلَيْہِمْ مَّا يَلْبِسُوْنَ۝۹
Walaw jaAAalnahu malakan lajaAAalnahu rajulan walalabasna AAalayhim ma yalbisoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو جعلناه» أي المنزل إليهم «ملكا لجعلناه» أي الملك «رجلا» أي على صورته ليتمكنوا من رؤيته إذ لا قوَّه للبشر على رؤية الملك «و» لو أنزلناه وجعلنا رجلا «للبسنا» شبهنا «عليهم ما يلبسون» على أنفسهم بأن يقولوا ما هذا إلا بشر مثلكم.

9

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} جواب ثان إن جعل الهاء للمطلوب، وإن جعل للرسول فهو جواب اقتراح ثان، فإنهم تارة يقولون لولا أنزل عليه ملك، وتارة يقولون لو شاء ربنا لأنزل ملائكة. والمـعنى ولو جعلنا قريناً لك ملكاً يعاينونه أو الرسول ملكاً لمثلناه رجلاً كما مثل جبريل في صورة دحية الكلبي، فإن القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك في صورته، وإنما رآهم كذلك الأفراد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوتهم القدسية، وللبسنا جواب محذوف أي ولو جعلناه رجلاً للبسنا أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم فيقولون ما هذا إلا بشر مثلكم. وقرىء «لبسنا» بلام واحدة و «لبسنا» بالتشديد للمبالغة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ } أي المنزَل إليهم {مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ } أي الملك {رَجُلاً } أي على صورته ليتمكنوا من رؤيته إذ لا قوة للبشر على رؤية الملك {وَ} لو أنزلناه وجعلناه رجلاً {لَلَبَسْنَا} شبهنا {عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } على أنفسهم بأن يقولوا (ما هذا إلا بشر مثلكم).

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً} لصورناه بصورة رجل، لأنهم لا يقدرون على رؤية الملك على صورته. {مَّا يَلْبِسُونَ} ما يخلطون، أو يشبهون، قال الزجاج: كما يشبهون على ضعفائهم.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً} على أن الضميرَ الأول للتقدير المفهومِ من فحوى الكلام بمعونة المقام، وإنما لم يجعل للملك المذكور قبله بأن يعكس ترتيب المفعولين ويقال: ولو جعلناه نذيراً لجعلناه رجلاً مع فهم المراد منه أيضاً لتحقيق أن مناطَ إبرازِ الجعل الأول في معرِض الفرض والتقدير، ومدارَ استلزامِه الثانيَ إنما هو مَلَكيةُ النذير، لا نذيريّة المَلَك، وذلك لأن الجعل حقُّه أن يكون مفعولُه الأولُ مبتدأ والثاني خبراً، لكونه بمعنى التصيـيرِ المنقول من (صار) الداخِلِ على المبتدأ والخبر. ولا ريب في أن مصَبّ الفائدة ومدارَ اللزوم بـين طَرَفي الشرطية هو محمولُ المقدَّمِ لا موضوعُه، فحيث كانت امتناعيةً أريد بها بـيانُ انتفاءِ الجعْلِ الأول لاستلزامه المحذور الذي هو الجعل الثاني وجب أن يُجعلَ مدارُ الاستلزام في الأول مفعولاً ثانياً لا محالة، ولذلك جَعَل مُقابِلَه في الجعل الثاني كذلك، إبانةً لكمال التنافي بـينهما الموجبِ لانتفاء الملزوم، والضمير الثاني للملك لا لما رجع إليه الأول. والمعنى: لو جعلنا النذيرَ الذي اقترحوه ملكاً لمثّلنا ذلك المَلكَ رجلاً لما مر من عدم استطاعةِ الآحاد لمُعاينَةِ الملك على هيكله، وفي إيثار (رجلاً) على (بشراً) إيذانٌ بأن الجعلَ بطريق التمثيل لا بطريق قلب الحقيقة، وتعيـينٌ لما يقع به التمثيل، وقوله تعالى: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم} عطفٌ على جواب لو مبنيّ على الجواب الأول، وقرىء بحذف لام الجواب اكتفاءً بما في المعطوف عليه، يقال: لَبَستُ الأمرَ على القوم ألبِسُه إذا شبّهتُه وجعلته مُشكِلاً عليهم، وأصله الستر بالثوب، وقرىء الفعلان بالتشديد للمبالغة، أي ولَخلّطنا عليهم بتمثيله رجلاً {مَّا يَلْبِسُونَ} على أنفسهم حينئذ بأن يقولوا له: إنما أنت بشرٌ ولست بمَلَك، ولو استُدل على مَلَكيته بالقرآن المعجزِ الناطقِ بها أو بمعجزاتٍ أُخَرَ غيرِ مُلجئةٍ إلى التصديق لكذّبوه كما كذبوا النبـي عليه الصلاة والسلام، ولو أظهر لهم صورته الأصلية لزم الأمر الأول، والتعبـير عن تمثيله تعالى رجلاً باللَّبْس إما لكونه في صورة اللبس، أو لكونه سبباً لِلَبْسِهم، أو لوقوعه في صُحبته بطريق المشاكلة، وفيه تأكيدٌ لاستحالة جعل النذيرِ مَلَكاً كأنه قيل: لو فعلناه لفعلنا ما لا يليق بشأننا من لَبْس الأمر عليهم، وقد جُوِّز أن يكونَ المعنى وللبسنا عليهم حينئذ مثلَ ما يلبِسون على أنفسهم الساعةَ في كفرهم بآيات الله البـينة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [الآية: 9]. قال الواسطى رحمة الله عليه: ليس على أهل ولايته بحضرته كما أنزل فى بعض الكتب بغيتى ما يتحمله المتحملون من أجلى وطلب مرضاتى، أترانى أنسى لهم ذلك كيف وأنا الجواد الكريم، أقبل على من تولى عنى فكيف بمن أقبل علىّ. وقال النورى فى قوله: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} قال: رحمهم من حيث لم يعلموا.

القشيري

تفسير : مَنْ لم يُقَدِّسْ سِرَّه لَبَّسَ عليه أَمْرَه.

البقلي

تفسير : {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} طلبوا رؤية الملائكة عيانا واليسوا هم اهل ذلك ولو كانوا اهل الحقيقة لراوا فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأله وسلم ما لم يكن فى وجوه اهل الملكوت من سنا اشراق صفات نور الازل لانه كأن مشكوة نور الذات والصفات لقوله سحبانه الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكوة فيما مصباح ولكن كيف يرون ذلك وهم عيان فى ظلمات ظلال القهريات قال تعالى ينظرون اليك وهم لا يبصرون والاشارة فى قوله تعالى ولو جعله ملكا لجعلنه رجلا ان المريدين لم يروا اهل الملكوت الا بالمثال لحسية لانهم فى ضعف عن رؤية ماهيتها ولو يرون الملك ولم يروا الا فى صورة الادمى الذى موقع الالتباس واللبسنا عليهم معناه اريناهم روية اهل الغيب فى لباس الانسانى بغير وقوفهم على صفات الروحانى لانهم اهل التلبيس فى المعاملات حيث وقعوا ورطة الفترة ويدعون مقام اهل الاستقامة واصل البيان فى ذلك اى خلطنا عليهم ما خلطون حتى يعلموا سبيل خداعهم كما يريدون ويرجع كيدهم على اعنقاهم ويسيرون فى ظلمات التردد ولا يعلمون نكابة كيدهم عند الاولياء والصديقين وفى اشارة اهل الحقيقة ان مقام الخداع والمكر فى العشق والمحبة يكون من شركهم فى العشق حيث يطلبون المراد بنعت الاستراحة وهو سبحانه يجازيهم بظهور صفاته فى نعوت افعاله لهم وهذا معنى قوله تعالى وللبسنا عليهم ما يلبسون قال الواسطى يلتبس على اهل ولايته بحضرته كما انزل فى بعض الكتب يعنى ما يتحمل المتحملون مراحل طلب مرضاتى اترانى انسى لهم ذلك كيف وانا الجواد الكريم اقبل على من قولى عنى فكيف يمن اقبل على قوله تعالى {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} هذا تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم اخبر عن الجهلة لما لم يعرفوا اهل مشاهدته وخواص حضرته ولم ينظروا اليهم بعين الحق فعموا عن الانوار والمشاهدات والرفع من المعاملات.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو جعلناه ملكا} الهاء للمطلوب وهو ان يكون الشاهد على نبوته عليه السلام ملكا {لجعلناه رجلا} اى لمثلنا ذلك الملك رجلا لما مر من عدم استطاعة الآحاد لمعاينة الملك على هيكله وكان جبرائيل عليه السلام يأتى النبى عليه السلام فى صورة دحية الكلبى وجاء الملكان الى داود عليه السلام فى صورة رجلين مختصمين اليه وجاءت الملائكة الى ابراهيم فى صورة الضيفان فان القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك وصورته وانما رآهم كذلك الافراد من الانبياء لقوتهم القدسية {وللبسنا عليهم} جواب محذوف اى ولو جعلناه رجلا لخلطنا عليهم بتمثيله رجلا {ما يلبسون} على انفسهم حينئذ بان يقولوا له انما انت بشر ولست بملك والتعبير عن تمثيله تعالى رجلا باللبس لكونه سببا للبسهم وفيه تأكيد لاستحالة جعله ملكا كأنه قيل لو فعلناه لفعلنا ما لا يليق بشأننا من لبس الامر عليهم من لبست الامر على القوم البسه من باب ضرب اذا شبهت وجعلته مشكلا عليهم واصله الستر بالثوب.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} قال مجاهد: في صورة رجل حتى لا يعرفوا أنه ملك، ثم قال: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}. قال بعضهم: اللبس، الخلط، أي ولخلطنا عليهم ما يخلطون، لأنهم طلبوا أن يكون ملك مع آدمي. قال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً}، أي لجعلنا ذلك الملك في صورة آدمي، ولو فعلنا ذلك لدخل عليهم اللبس في الملَكِ كما دخلهم اللبس في أمرك. قوله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} فحاق بهم، أي وجب عليهم ونزل بهم استهزاؤهم، يعني عقوبة استهزائهم، فأخذهم العذاب بكفرهم واستهزائهم. قوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار. قوله: {قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [أي أوجبها]. ذكروا عن الحسن أن بني إسرائيل قالوا لموسى: سل لنا ربك هل يصلي لعلنا نصلي بصلاة ربنا، فقال: يا بني إسرائيل {اتَّقُوا اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. فأوحى الله إليه: إنما أرسلتك لتبلّغهم عني وتبلّغني عنهم. قال: يا رب، يقولون ما قد سمعت: يقولون سل لنا ربك هل يصلي لعلنا نصلي بصلاة ربنا. قال: فأخبرهم أني أصلي، وَإِن صلاتي لَسَبْق رَحمتي غضبي، ولولا ذلك لهلكوا. ذكروا عن ابن عباس في قوله: (أية : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ) تفسير : [الأحزاب: 43] قال: صلاة الله هي الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار. قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك فيه {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}: أي خسروا أنفسهم فصاروا في النار.

اطفيش

تفسير : {ولو جَعلْناهُ مَلَكاً لجَعلْناه رجُلاً} ولو جعلنا المنزل عليهم المطلوب إنزاله ملكاً يرونه ويسمعون كلامه، يقول لهم: إن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم كما شرطوا، لجعلناه رجلا، تشبيه بليغ كزيد أسد، أى لجعلناه كرجل أى على صورة رجل من بنى آدم، لأنكم لا تقدرون أن تروا ملكا على صورة رجل، كما يتمثل جبريل للنبى صلى الله عليه وسلم رجلا، وكذا من لاقى من الملائكة، وكان جبريل عليه السلام يتمثل على صورة دحية الكلبى، وكذلك كانت الملائكة تجئ الأنبياء على صورة رجل، كما جاء الملكان داود فى صورة رجلين، وكذا أتى الملائكة إبراهيم ولوطاً، ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فى صورته التى خلق عليها صعق وغشى عليه، وإذا أراد الله قوى بعض الأنبياء بقوة قدسية فرأوا الملك على صورته. ويجوز أن تكون الهاء للرسول، أى ولو كان النبى الرسول ملكا كما قالوا: {أية : ولو شاء الله لأنزل ملائكة}تفسير : وقالوا:{أية : وعجبوا أن جاءهم منذر}تفسير : وقالوا: {أية : أبعث الله بشراً رسولاً} تفسير : زعموا أن الملك أشد هيبة وقدرة على تحصيل ما أرسل به، وأكثر علماً، لجعلناه على صورة رجل، لأن القوة البشرية لا تقوى على معاينة الملك كما هو، كما روى أن رجلين صعدا جبلا يوم بدر ينظران على من تقع الدائرة فيكونان عليه، فرأى أحدهما جبريل يقول: أقدم حيزوم يخاطب فرسه، فكشف عن قناع قلبه فمات مكانه، ومع ذلك أظنه أنه ما رآه على صورته، ولكن لأنه رآه نزل من السماء، وإلا لمات الآخر أيضاً. {ولَلَبَسْنا عَليْهِم ما يلْبِسُونَ}: أى لخلطنا عليهم بالحكمة المذكورة، وهى أنه لا طاقة لهم على رؤية الملك كما هو ما يخلطون على أنفسهم بالجهل والعناد، ويقولون: ما هذا إلا بشر مثلكم، ولو جعلناه ملكاً لكنا قد شبهنا الأمر عليهم حيث يظنونه رجلا لا ملكا فيبقون على قوله: {أية : أبعث الله بشراً رسولا} {أية : ولو شاء الله لأنزل ملائكة} تفسير : ونحو ذلك أو لبسهم ظنهم أهو ملك، أو ظنهم أهو بشر، أو للحق ضعفاءهم الشك، هل هو ملك كما كانوا يريدون، أعنى الأقوياء السائلين قيل فى شك فى النبوة والرسالة، أو لبس الله عليهم عقابه إياه سماه لبساً للمشاكلة، ولأنه جزاء لبسهم ولازمه ومسببه، وقرأ الزهرى بتشديد باء لبسنا، وتشديد ياء يلبسون المثناة التحتية.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً} أَى ولو جعلنا مطلوبهم ملكاً، وهو أَن يكون شاهد نبوءَته ملكاً، فهذا جواب ثان عن قولهم "أية : لولا أَنزل عليه ملك"تفسير : [الأنعام: 8] أَو ولو جعلنا الرسول ملكاً كما قالوا "أية : لو شاءَ ربنا لأَنزل ملائكة"تفسير : [فصلت: 14] وكما قال "أية : وعجبوا أَن جاءهم منذر منهم} تفسير : [ص: 4]، و {أية : قالوا أَبعث الله بشراً رسولا"تفسير : [الإِسراء: 94] فتكون الآية جواباً لقولهم إِنما يكون الرسول ملكاً لا بشراً لأَن الملك أَقوى وأَعلم على قهر على ما يرسل به. أَو لو جعلنا المنزل من ملك شاهدا بالنبوءة، أَو ملكا مرسلا، وهذا يعم ذلك كله، وقيل لو جعلنا مكان النبئَ ملكاً كما قال الله عز وجل "أية : ولو شاءَ الله لأَنزل ملائكة"تفسير : [المؤمنون: 24] {لَجَعْلنَاهُ رَجُلاً} بحسب الظاهر كما يرسل جبريل إِلى النبى صلى الله عليه وسلم بصورة دحية الكلبى، وكما جاءَ الملكان إِلى داود بصورة رجلين خصمين، والملائكة بصورة أَضياف إِلى إِبراهيم ولوط عليهما السلام، لأَن البشر لا يقوى على معاينة صورة الملك إِلا بعض الرسل في بعض الأَحيان، وقد روى أَنه صلى الله عليه وسلم رأَى جبريل بصورته فصعق، وعن عائشة أَنه صلى الله عليه وسلم رأَى جبريل على صورته مرتين، مرة فى الأَرض فى أَجياد، ومرة فى السماءَ، وفى الآية أَن المرأَة لا تكون رسولا، وذلك إِجماع وإِنما الخلاف فى نبوءَتها. {وَلَلَبسْنَا عَلَيْهِمْ} خلطنا عليهم جعله رجلا، والإِيتان بما يشتبه {مَا يَلْبِسُونَ} ما يخلطون على أَنفسهم وعلى غيرهم فما يفيدهم جعله رجلا شيئاً، فلا يزالون يطلبون شاهدا ملكاً أَو رسولا ملكاً، ويقولون للملك الذى بصورة الرجل ما أَنت إِلا بشر مثلنا، ويزيدون تحيراً، ويجوز أَن يكون المعنى: ولأَعناهم بجعله رجلا على الكفر وذلك لا يليق بشأننا، أو لزدناهم ضلالا على ضلالهم، وما اسم، أَى لخلطنا شأْنهم الذى يخلطونه وقلبناه، أَو حرف مصدر، أَى لخلطنا عليهم تخليطاً مثل تخليطهم على أَنفسهم وعلى غيرهم، وبيان تخليطهم على غيرهم أَنهم يقولون لضعفائهم أَنه لا يكون الرسل إِلا ملائكة.

الالوسي

تفسير : وقد أشير إلى الثاني بقوله سبحانه: {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } على أن الضمير الأول للنذير المحدث للناس عنه عليه الصلاة والسلام المفهوم من فحوى الكلام بمعونة المقام والضمير الثاني للملك لا لما رجع إليه الأول أي ولو جعلنا النذير الذي اقترحتم إنزاله ملكاً لمثلنا ذلك الملك رجلاً لعدم استطاعتكم معاينة الملك على هيكله الأصلي، وفي إيثار {رَجُلاً} على بشراً إيذان على ما قيل بأن الجعل بطريق التمثيل لا بطريق قلب الحقيقة وتعيين لما يقع به التمثيل، وفيه إشعار كما قال عصام الدين وغيره بأن الرسول لا يكون امرأة وهو متفق عليه وإنما الاختلاف في نبوتها. والعدول عن ولو أنزلناه ملكاً إلى ما في النظم الجليل يعلم سره مما تقدم في بيان المراد، وقيل: العدول لرعاية المشاكلة لما بعد. ووجه شيخ الإسلام عدم جعل الضمير الأول للملك المذكور قبل «بأن يعكس ترتيب المفعولين ويقال: ولو جعلناه نذيراً لجعلناه رجلاً مع فهم المراد منه أيضاً بأنه لتحقيق أن مناط إبراز الجعل الأول في معرض الفرض والتقدير ومدار استلزامه للثاني إنما هو ملكية النذير لا نذيرية الملك، وذلك لأن الجعل حقه أن يكون مفعوله الأول مبتدأ والثاني خبراً لكونه بمعنى التصيير المنقول من صار الداخل على المبتدأ والخبر، ولا ريب في أن مصب الفائدة ومدار اللزوم بين طرفي الشرطية هو محمول المقدم لا موضوعه فحيث كانت «لو» امتناعية أريد بيان انتفاء الجعل الأول لاستلزامه المحذور الذي هو الجعل الثاني وجب أن يجعل مدار الاستلزام في الأول مفعولاً ثانياً لا محالة ولذلك جعل مقابله في الجعل الثاني كذلك إبرازاً لكمال التنافي بينهما الموجب لانتفاء الملزوم» ولا يخلو عن حسن. وجوز غير واحد كون قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ } الخ جواب اقتراح ثان، وذلك أن للكفرة اقتراحين، أحدهما: أن ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم ملك في صورته الأصلية بحيث يعاينه القوم؛ والآخر أن ينزل إلى القوم ويرسل إليهم مكان الرسول البشر ملك فانهم كما كانوا يقولون: لولا أنزل على / محمد صلى الله عليه وسلم ملك فيكون معه نذيراً كانوا يقولون: { أية : مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً } تفسير : [المؤمنون: 24] فأجيبوا عن قولهم الأول بقوله سبحانه وتعالى: { أية : وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً } تفسير : [الأنعام: 8] الخ وعن قولهم الأخير بما ذكر فضمير {جَعَلْنَـٰهُ} للرسول المنزل إلى القوم، ولا يخفى أن جعله جواباً عن اقتراح آخر غير ظاهر من النظم الكريم ولا داعي إليه أصلاً. وبعضهم جعله جواباً آخر وجعل الضمير للمطلوب. واعترض بأن المطلوب أيضاً ملك ولا معنى لقولنا لو جعلنا الملك ملكاً إلا أن يقال: المراد لو جعلنا المطلوب ملكيته ملكاً، وتعقب بأن المطلوب هو النازل المقارن للرسول صلى الله عليه وسلم وحينئذ لا غبار في الكلام خلا أن لزوم جعل الملك النازل رجلاً لجعله ملكاً كما هو مفهوم الآية الثانية ينافي لزوم هلاكهم له كما هو مفهوم الآية الأولى لتوقف الثاني على عدم الأول لأن مبناه على نزوله في صورته لا في صورة رجل فحينئذ يجب أن تكون الآية جواباً عن اقتراح آخر لا جواباً آخر عن الاقتراح الأول حتى لا يلزم المنافاة. وأجيب بأنه على تقدير كونه جواباً آخر يكون جواباً على طريق التنزل، والمعنى ولو أنزلناه كما اقترحوا لهلكوا ولو فرضنا عدم هلاكهم فلا بد من تمثله بشراً لأنهم لا يطيقون رؤيته على صورته الحقيقية فيكون الارسال لغواً لا فائدة فيه، وأنت تعلم أن ما عولنا عليه وهو المروي عن حبر الأمة سالم عن مثل هذه الاعتراضات. نعم ذكر بعض الفضلاء إشكالاً وهو أن المقرر عند أهل الميزان أن صدق العكس لازم لصدق الأصل فعلى هذا يلزم من كذب اللازم كذب الملزوم فهٰهنا عكس القضية الصادقة وهي {لَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً} غير صادق إذ هو لو جعلناه رجلاً لجعلناه ملكاً ولا خفاء في عدم تحققه فإن الله تعالى قد جعله رجلاً ولم يجعله ملكاً والجواب - بأن ما ذكره أهل الميزان اصطلاح طار فلا يجب موافقة قاعدتهم لقاعدة أهل اللسان - غير مرضي فإنه قد تقرر أن تلك القاعدة غير مخالفة لقاعدة اللغة وأنها مما لا خلاف فيه. وأجيب عن ذلك بعد تمهيد مقدمة وهي أن للو الشرطية استعمالين لغوياً وهي فيه لانتفاء الثاني لانتفاء الأول كما في لو جئتني أكرمتك ومفهوم القضية عليه الإخبار بأن شيئاً لم يتحقق بسبب عدم تحقق شيء آخر، وعرفياً تعارفه الميزانيون فيما بينهم وذلك أنهم جعلوها من أدوات الاتصال لزومياً واتفاقياً وصدق القضية التي هي فيها بمطابقة الحكم باللزوم للواقع وكذبها بعدمها ويحكمون بكذبها وإن تحقق طرفاها إذا لم يكن بينهما لزوم وقد استعملها اللغويون أيضاً في هذا المعنى إما بالاشتراك أو بالمجاز كما يقال: لو كان زيد في البلد لرآه أحد. وفي بعض الآثار «لو كان الخضر حيا لزارني»، ومن البين أن المقصود الاستدلال بالعدم على العدم لا الدلالة على أن انتفاء الثاني سبب انتفاء الأول، وجعلوا من هذا الاستعمال { أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22]. وقد اشتبه هذان الاستعمالان على ابن الحاجب حتى قال ما قال بأن قول المستشكل: إن عكس القضية الصادقة الخ إن أراد به أن القضية الصادقة هي المأخوذة باعتبار الاستعمال الأول فلا نسلم أن عكسه ما ذكر فإن عكس لو جئتني أكرمتك ليس لو أكرمتك لجئتني وإنما يكون كذلك لو كان الحكم في هذا الاستعمال بين الشرط والجزاء بالاتصال وليس كذلك بل القضية هي الجملة الجزائية والشرط قيد لها كما صرح به السكاكي على أن بعض أئمة التفسير قالوا: المراد من الآية ولو جعلناه ملكاً لجعلناه على صورة رجل وأن المقصود / بيان انتقاض غرضهم من قولهم: { أية : لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } تفسير : [الأنعام:8] يعني أن نزول الملك لا يجديهم لأنهم وهم هم لا يقدرون على مشاهدة الملك على صورته التي هو عليها إلا أن يجعله متمثلاً على صورة البشر في مرتبة من مراتب التنزل حتى تحصل لهم معه مناسبة فيروه فتكون الآية على هذا بمراحل عن أن يبحث فيها عن أن عكسها ماذا أو كيف حالها في الصدق والكذب فإنها لم تسق لبيان لزوم الجعل الثاني للجعل الأول حتى يستدل بالعدم على العدم أو بالوجود على الوجود فنسبة هذا البحث إلى الآية كنسبة السمك إلى السماك وإن أراد به أن القضية الصادقة هي المأخوذة باعتبار الاستعمال العرفي المنطقي فمسلم أنه لا بد من صدق عكسها على تقدير صدق أصلها لكن لا نسلم كذب العكس هنا على ذلك التقدير فإنه إذا فرض لزوم الجعل رجلاً للجعل الأول كلياً على جميع التقادير يصدق لزوم الجعل ملكاً للجعل رجلاً على بعض الأوضاع والتقادير وهو اللازم المقرر في قواعدهم على أن قوله إن الله تعالى قد جعله رجلاً ولم يجعله ملكاً لا يليق أن يصدر مثله من مثله لأنه استدلال بعدم اللازم مع وجود الملزوم على بطلان اللزوم وهو كما لو قال قائل: إذا قلنا إن كان زيد صاهلاً كان حيواناً لا يصدق عكسه، وهو قد يكون إذا كان زيد حيواناً كان صاهلاً لأنه ليس بصاهل في الواقع، ومنشأ هذا هو ظن أن عدم تحقق أحد الطرفين، أو كليهما ينافي اللزوم. وأنت خبير بأن صدق اللزوم لا يتوقف على تحقق الطرفين ولا تحقق المقدم اهـ. وبحث فيه المولى العلائي أما أولاً: فبأن كون القضية هي الجملة الجزائية والشرط قيد لها كلام ذكره بعض أهل العربية ورده السيد السند وحقق اتفاق الفريقين على كون الجملة هي المجموع وحينئذ كيف يصح بناء الجواب على ذلك. وأما ثانياً: فبأن المستشكل لم يستدل بعدم اللازم مع وجود الملزوم على بطلان اللزوم كما لا يخفى على الناظر في عبارته، فالصواب أن يقال: أكثر استعمال لو عند أهل العربية لمعنيين. الأول ما ذكره المجيب من انتفاء الثاني لانتفاء الأول. والثاني الدلالة على أن الجزاء لازم الوجود في جميع الأزمنة في قصد المتكلم. وذلك إذا كان الشرط يستبعد استلزامه لذلك الجزاء ويكون نقيض ذلك الشرط أنسب وأليق باستلزام ذلك الجزاء فيلزم استمرار وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط وعدمه كما في «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله تعالى لم يعصه». وقد صرح المحققون أن الآية إما من قبيل الأول أي لو جعلناه قرينا لك ملكاً يعاينونه أو الرسول المرسل إليهم ملكاً لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل وما جعلنا ذلك الملك في صورة رجل لأنا لم نجعل القرين أو الرسول المرسل إليهم ملكاً. وإما من قبيل الثاني أي ولو جعلنا الرسول ملكاً لكان في صورة رجل فكيف إذا كان إنساناً وكل منهما لا يقبل العكس المذكور ولا ثالث فلا إشكال فتدبر. فالبحث بعد محتاج إلى بسط كلام ولو بسطناه لأمل الناظرين. {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } جعله بعضهم جواب محذوف أي ولو جعلناه رجلاً للبسنا الخ، وكأن الداعي إليه إعادة لام الجواب فإنه يقتضي استقلاله وأنه لا ملازمة بين إرسال الملك، واللبس عليهم فإنه ليس سبباً له بل لعكسه، ويجوز أن يكون عطفاً على جواب لو المذكور ولا ضير في عطف لازم الجواب عليه، ونكتة إعادة اللام أن لازم الشيء بمنزلته فكأنه جلماب، واللبس في الأصل الستر بالثوب ويطلق على منع النفس من إدراك الشيء بما هو كالستر له يقال لبست الأمر على القوم ألبسه إذا شبهت عليهم / وجعلته مشكلاً. قال ابن السكيت: يقال لبست عليه الأمر إذا خلطته عليه حتى لا يعرف جهته أي لخلطنا عليهم بتمثيله رجلاً ما يخلطون على أنفسهم حينئذ بأن يقولوا له: إنما أنت بشر ولست بملك، ولو استدل على ملكيته بالمعجز كالقرآن ونحوه كذبوه كما كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وإسناد اللبس إليه تعالى لأنه بخلقه سبحانه وتعالى أو للزومه لجعله رجلاً. ويحتمل أن يكون المعنى للبسنا عليهم حينئذ ما يلبسون على أنفسهم الساعة في تكذيبهم النبـي صلى الله عليه وسلم ونسبة آياته البينات إلى السحر. و {مَا} على ما اختاره في «الكشف» على الأول موصولة وعلى الثاني يجوز أن تكون مصدرية وهو الأظهر لاستمرار حذف المثل في نحو ضربت ضرب الأمير، وأن تكون موصولة أي مثل الذي يلبسونه. ومتعلق {يَلْبِسُونَ } على الوجهين على أنفسهم. ويفهم من كلام الزجاج أنه على ضعفائهم حيث قال: كانوا يلبسون على ضعفائهم في أمر النبـي صلى الله عليه وسلم فيقولون: إنما هذا بشر مثلكم فأخبر سبحانه وتعالى أنه لو جعلنا المرسل إليهم ملكاً لأريناهم إياه في صورة الرجل وحينئذ يلحقهم فيه من اللبس مثل ما لحق ضعفاءهم منه. وقرأ ابن محيصن {ولبسنا} بلام واحدة والزهري {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} بالتشديد، هذا وقد ذكر الإمام الرازي في بيان وجه الحكمة في جعل الملك على تقدير إنزاله في صورة البشر أموراً. «الأول: أن الجنس إلى الجنس أميل. الثاني: أن البشر لا يطيق رؤية الملك. الثالث: أن طاعات الملك قوية فيستحقرون طاعات البشر وربما لا يعذرونهم في الإقدام على المعاصي. الرابع: أن النبوة فضل من الله تعالى فيختص بها من يشاء من عباده سواء كان ملكاً أو بشراً». ولا يخفى أنه يرد على الوجه الثالث أنه إنما يتم إذا تبدلت حقيقة الملك المقدر نزوله بحقيقة البشر وهو مع كونه من انقلاب الحقائق خلاف ما يفهم من «كتب أئمة التفسير» من أن التبدل صوري لا حقيقي، وأن الوجه الرابع لا يظهر وجه كونه حكمة لتصوير الملك بصورة البشر. وقول العلائي: لعل وجهه أن المصور الذي قدر كونه نبياً لما اشتمل على جهتين البشرية صورة والملكية حقيقة لم يبعد أن يكون دليلاً على أن النبوة فضل من الله تعالى يختص بها من يشاء من عباده سواء كان ملكاً كهذا المصور باعتبار حقيقته أو بشراً مثله باعتبار صورته مما لا يتبلج له وجه القبول.

الشنقيطي

تفسير : أي لو بعثنا إلى البشر رسولاً ملكياً لكان على هيئة الرجل لتمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من شدة النور، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة الرسول البشري. وهذه الآية الكريمة تدل على أن الرسول ينبغي أن يكون من نوع المرسل إليهم، كما أشار تعالى إلى ذلك أيضاً بقوله: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95].

الواحدي

تفسير : {ولو جعلناه ملكاً} أيْ: ولو جعلنا الرَّسول الذي ينزل عليهم ليشهدوا له بالرِّسالة مَلَكاً كما يطلبون {لجعلناه رجلاً} لأنَّهم لا يستطيعون أن يروا المَلَك في صورته، لأنَّ أعين الخلق تحار عن رؤية الملائكة، ولذلك كان جبريل عليه السَّلام يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبيِّ {وللبسنا عليهم ما يلبسون} ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكُّوا فلا يدروا أمَلَكٌ هو أم آدميٌّ، أَيْ: فإنَّما طلبوا حال لبسٍ لا حال بيانٍ، ثمَّ عزَّى الله نبيَّه عليه السَّلام بقوله: {ولقد استهزىء برسل من قبلك} وكُذِّبوا ونُسبوا إلى السّحر {فحاق} فحلَّ ونزل {بالذين سخروا} من الرُّسل {ما كانوا به يستهزئون} من العذاب وينكرون وقوعه. {قل} لهم يا محمَّدُ: {سيروا في الأرض} سافروا في الأرض {ثم انظروا} فاعتبروا {كيف كان عاقبة} مُكذِّبي الرُّسل: يعني: إذا سافروا رأوا آثار الأمم الخالية المهلكة، يحذِّرهم مثلَ ما وقع بهم. {قل لمن ما في السموات والأرض} فإن أجابوك وإلاَّ {قل لله كتب على نفسه الرحمة} أوجب على نفسه الرَّحمة، وهذا تلطُّفٌ في الاستدعاء إلى الإنابة {ليجمعنَّكم} أَيْ: والله ليجمعنَّكم {إلى يوم القيامة} أَيْ: ليضمنَّكم إلى هذا اليوم الذي أنكرتموه، وليجمعنَّ بينكم وبينه، ثمَّ ابتدأ فقال: {الذين خسروا أنفسهم} أهلكوها بالشِّرك {فهم لا يؤمنون}. {وله ما سكن في الليل والنهار} أَيْ: ما حلَّ فيهما، واشتملا عليه. يعني: جميع المخلوقات.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَعَلْنَاهُ} {لَّجَعَلْنَاهُ} (9) - وَلَوْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الرَّسُولَ مَلَكاً، لَجَعَلَهُ مُتَمَثِّلاً بِصُورَةِ رَجُلٍ مِنَ البَشَرِ، لِيَتَمَكَّنُوا هُمْ مِنْ رُؤْيَتِهِ، وَلِيَتَمَكَّنَ هُوَ مِنْ مُخَاطَبَتِهِمْ وَالحَدِيثِ مَعَهُمْ، لِيُبَلِّغَهُمْ رِسالاتِ رَبِّهِ. وَلَوْ جَعَلَ اللهُ المَلَكَ الرَّسُولَ فِي صُورَةِ البَشَرِ لالْتَبَسَ الأَمْرُ عَلَيْهِم لاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ بَشَرٌ، لأَِنَّهُمْ لاَ يُدْرِكُونَ مِنْهُ إِلاَّ صُورَتَهُ وَصِفَاتِهِ البَشَرِيَّةَ التِي يَتَمَثَّلُ لَهُمْ بِهَا، كَمَا يَلْتَبِسُ الأَمْرُ عَلَيهِم الآنَ فِي قَبُولِ رَسُولٍ مِنَ البَشَرِ. لَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ - لَخَلَطْنَا عَلَيْهِمْ وَأَشْكَلْنَا عَلَيْهِمْ حِينئِذٍ مَا يَخْلِطُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم اليَوْمَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن فلو أراد الله أن يبعث رسولاً من الملائكة لجعله على هيئة البشر لعدم استطاعتهم معاينة المَلَك على صورته الأصلية، وقد يهلكون عند رؤيته {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} أي ولخلطنا عليهم بتمثيله رجلا ما يخلطون هم على أنفسهم فإنهم سيقولون - حينئذ - إنما أنت بشر ولست بملك، وقد أنزل الله المَلَك على صورة البشر كما حدث مع خليل الله إبراهيم عليه السلام يقول تعالى: {أية : وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} تفسير : [الحجر: 51-53]. لقد أنزل الله الضيف من الملائكة على إبراهيم عليه السلام فخاف منهم بعد أن قرَّب العجل ورآهم لا يأكلون إلى أن قالوا له ما يطمئنه من خبر ببشارة من الله، بأن يولد له الغلام إسحاق من زوجته "سارة" بعد أن رزقه الله من قبل إسماعيل من "هاجر". وكذلك أنزل الحق إلى مريم البتول مَلَكاً وتمثل لها بشراً سوياً لينبئها بحملها بعيسى عليه السلام. إذن فالمَلَك يتجسد في صورة بشرية عندما يرسله الله في مهمة إلى البشر؛ لأن الملك لا يأتي إلى البشر على حقيقته. ومن امتنان الله على رسوله أنه أعطى له الفرصة ليرى جبريل على حقيقته مرة عند سدرة المنتهى، ومرة حين تجسد له على هيئة دحية الكلبي ومرة في صفة رجل مسافر جاء يسأل الرسول عن الإسلام والإيمان، وحدثنا عنه عبدالله بن عمر قائلاً: (حديث : حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبيته ووضع كفيه على فخذيه. قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق فلبثت ملياً ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله وأعلم. قال: إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ). تفسير : إذن، فنحن ببشريتنا لا نستطيع رؤية الملَك إلا بعد أن يجسده الله بشراً. ولذلك قال الحق: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} إذن فالَّلبس موجود بدليل أن الله أرسل الملائكة في صوة بشر لإبراهيم عليه السلام ومريم ابنة عمران ومحمد صلى الله عليه وسلم وهو جالس بين قومه. ويسلي الحق سبحانه وتعالى رسوله من بعد ذلك قائلاً: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ...}

الجيلاني

تفسير : {وَ مَلَكاً} بعد ذلك أيضاً {لَوْ جَعَلْنَٰهُ} أي: الرسول المنزل إليهم {لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً} أي: على صورته؛ إذ لا يمكن لبشر أن يرى الملك على صورته لمهايته، لذلك ما جاء جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على صورة دحية الكلبي، وأيضاً لم يكنهم الاستفادة منه لعدم الجنسية {وَ} إن أنزلناه على صورة البشر {لَلَبَسْنَا} أي: لخلطنا {عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [الأنعام:9] ما يخلطون على أنفسهم من البشر لا يليق بالرسالة فلم يصدقوه أيضاً. {وَ} لا تغمم ولا تضطرب يا أكمل الرسل من استهزائهم وستخريتهم معك واصبر على أذاهم فإنه {لَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} فصبروا على ما كذبوا واستهزئوا {فَحَاقَ} وأحاط من الجوانب { بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} [الأنعام: 10] فأهلكوا واستؤصلوا بما استُهزءوا وإن أنكروا قصة هلاكهم. فـ{قُلْ} لهم: {سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي: مستقر الفراعنة والأكاسرة والقياصرة والخواقين معتبرين {ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} [الأنعام: 11] الذين كذبوا الرسل عتواً وعناداً إلى حيث لم يبق من رسومهم وآثارهم وأظلالهم أصلاً مع أنهم كانوا أولي قوة ذوي بأس شديد.

همام الصنعاني

تفسير : 773- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عَنْ قَتَادَة في قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً}: [الآية: 9]، يقول: أتى في صورة آدمي. {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}: [الآية: 9].