٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن بعض الأقوام الذين كانوا يقولون إن رسول الله يجب أن يكون ملكاً من الملائكة كانوا يقولون هذا الكلام على سبيل الاستهزاء، وكان يضيق قلب الرسول عند سماعه فذكر ذلك ليصير سبباً للتخفيف عن القلب لأن أحداً ما يخفف عن القلب المشاركة في سبب المحنة والغم. فكأنه قيل له إن هذه الأنواع الكثيرة من سوء الأدب التي يعاملونك بها قد كانت موجودة في سائر القرون مع أنبيائهم، فلست أنت فريداً في هذا الطريق. وقوله {فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ } الآية ونظيره قوله {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ }تفسير : [فاطر: 43] وفي تفسيره وجوه كثيرة لأهل اللغة وهي بأسرها متقاربة. قال النضر: وجب عليهم. قال الليث (الحيق) ما حاق بالإنسان من مكر أو سوء يعمله فنزل ذلك به، يقول أحاق الله بهم مكرهم وحاق بهم مكرهم، وقال الفرّاء (حاق بهم) عاد عليهم، وقيل (حاق بهم) حل بهم ذلك. وقال الزجاج «حاق» أي أحاط. قال الأزهري: فسّر الزجاج (حاق) بمعنى أحاط وكان مأخذه من الحوق وهو ما استدار بالكمرة. وفي الآية بحث آخر وهو أن لفظة (ما) في قوله {مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} فيها قولان: الأول: أن المراد به القرآن والشرع وهو ما جاء به محمد عليه السلام. وعلى هذا التقدير فتصير هذه الآية من باب حذف المضاف، والتقدير فحاق بهم عقاب ما كانوا به يستهزؤن. والقول الثاني: أن المراد به أنهم كانوا يستهزؤن بالعذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى هذا الإضمار.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يرى من قومه. {فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} فأحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به حيث أهلكوا لأجله، أو فنزل بهم وبال استهزائهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ } فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {فَحَاقَ } نزل {بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } وهو العذاب، فكذا يحيق بمن استهزأ بك.
ابن عطية
تفسير : قرىء "ولقد" بضم الدال مراعاة للضمة بعد الساكن الذي بعد الدال، وقرىء بكسر الدال على عرف الالتقاء، وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بالأسوة في الرسل وتقوية لنفسه على محاجّة المشركين وإخبار يتضمن وعيد مكذبيه والمستهزئين، و "حاق" معناه نزل وأحاط، وهي مخصوصة في الشر، يقال حاق يحيق حيقاً ومنه قول الشاعر: شعر : فأوطأ جرد الخيل عقر ديارهم وحاق بهم من بأس ضبة حائق تفسير : وقال قوم: أصل حاق حق فبدلت القاف الواحدة كما بدلت النون في تظننت. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، و {ما} في قوله: {ما كانوا} يصح أن تكون مع الفعل بتأويل المصدر، كأنه قال: استهزاؤهم، وهذا كناية عن العقوبة كما تهدد إنساناً فتقول سيلحقك عملك، المعنى عاقبته، وسخروا معناه استهزؤوا. وقوله تعالى: {قل سيروا} الآية، حض على الاعتبار بآثار من مضى ممن فعل فعلهم، وقال {كان} ولم يقل كانت لأن تأنيث العاقبة ليس بحقيقي، وهي بمعنى الآخر والمآل، ومعنى الآية {سيروا} وتلقوا ممن سار لأن العبرة بآثار من مضى إنما يستند إلى حس العين.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ} الآية تَسْلِيَةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم بالأُسْوَةِ في الرسل، وتقوية لنفسه على مُحَاجَّةِ المشركين، وإخبار يَتَضَمَّنُ وعيد مُكَذِّبِيهِ، والمستهزئين به. و {حاق} معناه: نزل، وأحاط، وهي مَخْصُوصَةٌ في الشر؛ يقال: حَاقَ يَحِيقُ حَيْقاً. وقوله سبحانه: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} حَضٌّ على الاعتبار بآثارَ مَنْ مضى ممن فَعَلَ مِثْلَ فعلهم. وقوله سبحانه: {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُل لِلَّهِ}. قال بعض أَهْلِ التَّأوِيلِ: تَقْدِيرُ الكلام: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السموات والأرض، فإذا تحيروا فلم يُجِيبُوا قل للَّه. والصحيح من التَّأويل أن اللَّه ـــ عزَّ وَجَلَّ ـــ أمر نبيه ـــ عليه السلام ـــ أن يَقْطَعَهُمْ بهذه الحُجَّةِ، والبرهان القطعي الذي لا مُدَافَعَةَ فيه عندهم، ولا عند أَحَدٍ ليعتقدَ هذا المعتقد الذي بينه وبينهم، ثم يَتَرَكَّب احْتِجَاجُهُ عليه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: يأيها الكافرون العَادِلُونَ بربهم لمن ما في السموات والأَرْضِ، ثم سَبَقَهُمْ فقال: للَّه أي لا مُدَافَعَةَ في هذا عندكم، ولا عند أحد. ثم ابتدأ يخبر عن اللَّه تعالى: {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} معناه: قضاها وأَنْفَذَهَا. وفي هذا المعنى أحاديث صَحِيحَةٌ؛ ففي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مَائَةً جُزْءٍ، فأمسك عنده تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأنْزَلَ في الأَرْضِ جُزْءاً وَاحِداً، فمن ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلاَئِقُ حتى تَرْفَعُ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا؛ خَشْيَةَ أن تُصِيبَهُ».تفسير : ولمسلم في طَرِيقٍ آخرُ: «حديث : كُلُّ رَحْمَةٍ مِنْهَا طبَاقُ مَا بَيْنِ السَّمَاءِ والأَرْضِ، فإذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بهذه الرَّحْمة».تفسير : وخرج مسلم، والبخاري، وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما خَلَقَ اللَّه الخَلْقَ كَتَبَ في كِتَابٍ، فهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إن رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي».تفسير : وفي طريق: «حديث : سَبَقَتْ غَضَبِي» تفسير : إلى غير ذلك من الأحاديث. انتهى. قال * ع *: فما أشْقَىٰ مَنْ لم تَسَعْهُ هذه الرَّحَمَاتُ. تَغَمَّدَنَا اللَّهِ بِفَضْلٍ منه. ويتضمن هذا الإخبار عن اللَّه ـــ سبحانه ـــ بأنه كتب الرَّحْمَةَ لتأنيس الكفار، ونفي يَأْسهم من رَحْمَةِ اللَّه إذا أَنَابُوا. واللام في قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} لام قَسَم، والكلام مستأنف، وهذا أظهر الأَقْوَالِ وأصحها. وقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. {ٱلَّذِينَ} رفع بالابتداء، وخبره: {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
ابن عادل
تفسير : قرأ حمزة، وعاصمٌ، وأبو عمرو بكسر الدَّال على أصل الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، والباقون بالضم على الإتباع، ولم يبالِ بالساكن؛ لأنه حَاجِزٌ غير حصين وقد تَقَرَّرَتْ هذه القاعدة بدلائلها في سورة "البقرة" عند قوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ} تفسير : [الآية:173] و "برسلٍ" متعلّق بـ "استهزئ" و "مِنْ قبلك" صفة لـ "رسل"، وتأويلهُ ما تقدَّم في وقوع "من قبل" صلة. والمرادُ من الآية: التَّسْلية لِقَلْبِ الرسول صلى الله عليه وسلم أي: أن هذه الأنواع الكثيرة التي يعاملونك بها كانت موجودة في سائر القرون. قوله: "فحاق بالذين سخِروا"، فاعل "حاق": "ما كانوا"، و"ما" يجوز أن تكون موصُولةً اسميةً، والعائد "الهاء" في "به" و"به" يتعلَّق بـ "يستهزئون"، و"يستهزئون" خبر لـ "كان"، و "منهم" متعلّق بـ "سخروا" على أنَّ الضمير يعود على الرُّسل، قال تبارك وتعالى: {أية : إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} تفسير : [هود:38]. ويجوز أن يتعدَّى بالباء نحو: سَخِرْت به، ويجوز أن يتعلّق "منهم" بمحذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من فاعل "سَخِروا" والضمير في "منهم" يعود على الساخرين. وقال أبو البقاء: "على المستهزئين". وقال: الحوفي: "على أمَمِ الرسل". وقد رَدَّ أبو حيَّان على الحوفي بأنه يَلْزَمُ إعادته على غير مذكور. وجوابُهُ في قوة المذكور، وردَّ على أبي البقاء بأنه يصير المعنى: فحاق بالذين سَخِرُوا كائنين من المستهزئين، فلا حَاجَة إلى هذه الحال؛ لأنها مفهومةٌ من قوله: "سخروا" وجوَّزوا أن تكون "ما" مصدريَّةً، ذكره أبو حيَّانَ ولم يتعرض للضمير في "به". والذي يظهر أنه يعود على الرسول الذي يَتَضَمَّنُهُ الجَمْعُ، فكأنه قيل: فَحَاقَ بهم عَاقِبَةُ استهزائهم بالرسول المُنْدَرجِ في جملة الرُّسُلِ، وأمَّا على رأى الأخْفَشِ، وابن السراج فتعود على "ما" المصدريّة؛ لأنها اسم عندهما. و"حاق" ألفه مُنْقَلِبَةٌ عن "ياء" بدليل "يَحِيق"، كـ "باع" "يبيع"، والمصدر حَيْق وحُيُوق وحَيَقان كالغَلَيان والنَّزَوان. وزعم بعضهم أنه من "الحَوْق"، والمستدير بالشيء، وبعضهم أنه من "الحقّ"، فأبدلت إحدى القافين ياءً كَتَظَنَّنتُ، وهذان لَيْسَا بشيء. أمَّا الأول فلاختلاف المَادَّةِ، إلاَّ أن يريدوا الاشتقاق الأكبر. وأما الثاني: فلأنها دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ من غير دليلٍ، ومعنى "حاق" أحاط. وقيل: عاد عليه وبَالُ مَكْرهِ، قاله الفراء. وقيل: دَارَ. وقال الربيع بن أنس: نَزَلَ. وقال عطاء: حَلَّ، والمعنى يدور على الإحاطة والشمول، ولا تستعمل إلا في الشر. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2115- فأوْطَأ جُرْدَ الخَيْلِ عُقْرَ دِيَارِهِمْ وَحَاقَ بِهِمْ مِنْ بأسِ ضَبَّةَ حَائِقُ تفسير : وقال الراغب: "قيل: وأصله: حَقَّ، فقلب نحو "زَلَّ وزَالَ" وقد قرئ "فأزلهما وأزالَهُمَا" وعلى هذا ذَمَّهُ وذَامه". وقال الأزهري: "جعل أبو إسحاق "حاق" بمعنى "أحاط"، وكأنَّ مَأخَذَهُ من "الحَوْق" وهو ما اسْتَدَارَ بالكَمَرَة". قال: "وجائز أن يكون الحَوْق فِعْلاً من "حاق يحيق"، كأنه في الأصل: حُيْق، فقلبت الياء واواً لانْضِمَامِ ما قلبها". وهل يحتاج إلى تقدير مضاف قبل "ما كانوا"؟ نقل الوَاحِدِيُّ عن أكثر المفسرين ذلك، أي: عقوبة ما كانوا، أو جَزَاء ما كانوا، ثم قال: "وهذا إذا جعلت "ما" عبارة عن القرآن والشريعة وما جاء به النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإن جعلْتَ "ما" عبارة عن العذاب الذي كان صلى الله عليه وسلم يُوعدهم به إن لم يؤمنوا استَغْنَيْتَ عن تقدير المضاف، والمعنى: فَحَاقَ بهم العذابُ الذي يستهزئون به، وينكرونه". والسُّخْرِيَةُ: الاسْتِهْزَاءُ والتهَكُّمُ؛ يقال: سِخِرَ منه وبه، ولا يُقَالُ إلاَّ اسْتِهْزَاءً به فلا يَتَعَدَّى بـ "مِنْ". وقال الراغب: "سَخَرْتُهُ إذا سَخَّرْتَهُ للهُزْءِ منه، يقال: رجل سُخَرَة بفتح الخاء إذا كان يَسْخَرُ من غيره، وسُخْرَة بِسُكُونها إذا كان يُسْخَر منه ومثله: "ضُحَكة وضُحْكَة"، ولا ينقاس". وقوله: {أية : فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً} تفسير : [المؤمنون: 110] يحتمل أن يكون من التسخير، وأن يكون من السُّخْرية. وقد قرئ سُخْرياً وسِخْرياً بضم السين وكسرها. وسيأتي له مزيدُ بيان في موضعه إن شاء اللَّهُ تعالى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابي أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال "مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني بالوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبي جهل بن هشام، فهمزوه واستهزأوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله {ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون}". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {فحاق بالذين سخروا منهم} من الرسل {ما كانوا به يستهزؤون} يقول: وقع بهم العذاب الذي استهزأوا به.
ابو السعود
تفسير : {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه، وفي تصدير الجملة بلام القسم وحرفِ التحقيق من الاعتناء به ما لا يخفى، وتنوينُ (رسل) للتفخيم والتكثير، و(من) ابتدائية متعلقة بمحذوفٍ وقع صفةً لرسل، أي وبالله لقد استهزىء برسل أولي شأنٍ خطيرٍ وذوي عددٍ كثير كائنين من زمانٍ قبلَ زمانك، على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مُقامَه {فَحَاقَ} عَقيبه أي أحاط أو نزل أو حلَّ أو نحوُ ذلك، فإن معناه يدور على الشمول واللزوم، ولا يكاد يُستعمل إلا في الشر، والحَيْق ما يشتمل على الإنسان من مكروهِ فِعْلِه وقوله تعالى: {بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ} أي استهزأوا بهم من أولئك الرسل عليهم السلام متعلق بحاق، وتقديمُه على فاعله الذي هو قوله تعالى: {مَّا كَانُوا بِهِ} للمسارعة إلى بـيان لحوق الشر بهم، و(ما) إما موصولةٌ مفيدةٌ للتهويل، أي فأحاط بهم الذي كانوا يستهزؤون به حيث أُهلكوا لأجله، وإما مصدريةٌ أي فنزل بهم وَبالُ استهزائهم، وتقديم الجار والمجرور على الفعل لرعاية الفواصل. {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} بعد بـيانِ ما فعلت الأممُ الخالية وما فُعل بهم خوطب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بإنذار قومه، وتذكيرِهم بأحوالهم الفظيعة تحذيراً لهم عما هم عليه، وتكملةً للتسلية بما في ضِمْنه من العِدَة اللطيفة بأنه سيَحيقُ بهم مثلُ ما حاق بأضرابهم الأولين، ولقد أنجَز ذلك يومَ بدرٍ أيَّ إنجازٍ، أي سيروا في الأرض لتعرِفوا أحوال أولئك الأمم {ثُمَّ ٱنْظُرُواْ} أي تفكروا {كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ} وكلمة (ثم) إما لأن النظر في آثار الهالكين لا يتسنّى إلا بعد انتهاء السير إلى أماكنهم، وإما لإبانة ما بـينهما من التفاوت في مراتب الوجوب وهو الأظهر، فإن وجوب السير ليس إلا لكونه وسيلةً إلى النظر كما يفصح عنه العطف بالفاء في قوله عز وجل: {أية : فَٱنظُرُواْ}تفسير : [سورة آل عمران: الآية 137] الآية، وإما أن الأمر الأول لإباحة السير للتجارة ونحوها، والثاني لإيجاب النظر في آثارهم، و(ثم) لتُباعِدَ ما بـين الواجب والمباح فلا يناسب المقام، و(كيف) معلِّقةٌ لفعل النظر، ومحلُ الجملة النصبُ بنزع الخافض أي تفكروا في أنهم كيف أُهلكوا بعذاب الاستئصال، والعاقبة مصدرٌ كالعافية ونظائرِها، وهي منتهىٰ الأمرِ ومآلُه، ووضعُ المكذبـين موضعَ المستهزئين لتحقيق أن مدارَ إصابةِ ما أصابهم هو التكذيبُ لينزجِرَ السامعون عنه لا عن الاستهزاء فقط، مع بقاء التكذيب بحاله بناءً على توهُّم أنه المدار في ذلك. {قُلْ} لهم بطريق الإلجاء والتبكيت {لّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض} من العقلاء وغيرِهم، أي لمن الكائناتُ جميعاً خلْقاً ومُلكاً وتصرّفاً؟ وقوله تعالى: {قُل لِلَّهِ} تقريرٌ لهم وتنبـيهٌ على أنه المتعيَّنُ للجواب بالاتفاق بحيث لا يتأتّى لأحد أن يُجيب بغيره كما نطق به قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان، الآية 25] وقوله تعالى: {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} جملةٌ مستقلة داخلة تحت الأمر ناطقةٌ بشمول رحمتِه الواسعةِ لجميع الخلق شمولَ مُلكِه وقدرته للكلِّ، مَسوقةٌ لبـيانِ أنه تعالى رؤوفٌ بعباده لا يعجَلُ عليهم بالعقوبة بل يقبل منهم التوبةَ والإنابةَ، وأن ما سبق ذكرُه وما لحِقَ من أحكام الغضب ليس من مقتَضيَات ذاتِه تعالى، بل من جهة الخَلْق، كيف لا ومن رحمتِه أن خلقَهم على الفطرة السليمة وهداهم إلى معرفته وتوحيدِه بنَصْب الآياتِ الأنفسية والآفاقية، وإرسالِ الرسل، وإنزالِ الكُتب المشحونة بالدعوة إلى موجباتِ رِضوانِه، والتحذيرِ عن مقتَضيَات سُخْطِه، وقد بدّلوا فطرةَ الله تبديلاً، وأعرَضوا عن الآياتِ بالمرة، وكذّبوا بالكتب واستهزأوا بالرسل، وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين، ولولا شمولُ رحمتِه لسلك بهؤلاءِ أيضاً مَسلكَ الغابرين. ومعنى كتب على نفسه الرحمة أنه تعالى قضاها وأوجبها بطريق التفضُّل والإحسانِ على ذاته المقدّسةِ بالذات لا بتوسُّط شيءٍ أصلاً، وقيل: هو ما رُوي عن أبـي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لمَّا قضى الله تعالى الخلقَ كتَبَ في كتابٍ فهو عنده فوق العرش، إنَّ رحمتي غلبتْ غضبـي"تفسير : . وعن عمرَ رضي الله عنه حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكعب: «ما أولُ شيءٍ ابتدأه الله تعالى مِنْ خلقه؟» فقال كعب: كتب الله كتاباً لم يكتبْه بقلم ولا مِدادٍ كتابةَ الزَّبَرْجد واللؤلؤ والياقوت: «إني أنا الله لا إلٰه إلا أنا سبقت رحمتي غضبـي» تفسير : ومعنى سبْقِ الرحمةِ وغَلَبتِها أنها أقدمُ تعلُّقاً بالخلق وأكثرُ وصولاً إليهم مع أنها من مقتضيات الذاتِ المُفضيةِ للخير، وفي التعبـير عن الذات بالنفس حجةٌ على من ادّعى أن لفظَ النفسِ لا يُطلق على الله تعالى وإن أريد به الذاتُ إلا مشاكلةً لِما ترَى من انتفاءِ المشاكلة هٰهنا بنَوْعَيْها، وقوله تعالى: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} جوابُ قسمٍ محذوف، والجملة استئنافٌ مسوقٌ للوعيد على إشراكهم وإغفالِهم النظرَ، أي والله ليجمعنّكم في القبور مبعوثين أو محشورين إلى يوم القيامة فيجازيكم على شِرْككم وسائرِ معاصيكم وإن أمهلكم بموجَب رحمتِه ولم يعاجِلْكم بالعقوبة الدنيوية وقيل: (إلى) بمعنى اللام، أي ليجمعنكم ليوم القيامة كقوله تعالى: {أية : إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ }تفسير : [آل عمران، الآية 9] وقيل: هي بمعنى في أي ليجمعنكم في يوم القيامة {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي في اليوم أو في الجمع. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} أي بتضيـيع رأسِ مالهم وهو الفطرةُ الأصليةُ والعقلُ السليم والاستعدادُ القريبُ الحاصلُ من مشاهدة الرسول عليه الصلاة والسلام، واستماعِ الوحْي وغيرِ ذلك من آثار الرحمة، في موضع النصْب أو الرفعِ على الذم أي أعني الذين الخ، أو هو مبتدأ والخبر قوله تعالى: {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} والفاء لتضمُّن المبتدأ معنى الشرط، والإشعارُ بأن عدمَ إيمانهم بسبب خُسرانهم، فإن إبطالَ العقل باتباع الحواسِّ والوهم والانهماك في التقليد، وإغفالِ النظر أدّى بهم إلى الإصرار على الكفر، والامتناعِ من الإيمان. والجملةُ تذيـيلٌ مَسوقٌ من جهته تعالى لتقبـيح حالهم غيرُ داخلٍ تحت الأمر.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} [الآية: 10]. قال القاسم: لما لم يعرفوا حقوق الرسل ولم يكرموهم ولم ينظروا إليهم بعين الحق، فصموا عن الأنوار والمشاهدات والرفيع من المقامات.
القشيري
تفسير : أي سَبَقَكَ - يا محمد - مَنْ كُذِّب به كما كُذِّبْتَ، فحقَّ لهم نصرنا، فانتقمنا ممن ناوءهم، فعاد إليهم وبالُ كيدهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد استهزئ برسل من قبلك} برسل متعلق باستهزئ ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة لرسل وهو تسلية لرسول الله عليه السلام عما يلقاه من قومه اى وبالله لقد استهزئ برسل اولى شأن خطير وذوى عدد كثير كائنين من زمان قبل زمانك على حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه {فحاق} عقيبه اى احاط او نزل او حل او نحو ذلك فان معناه يدور على الشمول واللزوم ولا يكاد يستعمل الا فى الشر والحيق ما يشتمل على الانسان من مكروه فعله {بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} ما موصولة إسمية والعائد الهاء فى به وبه متعلق بيستهزئون والموصول مع صلته فاعل حاق اى فاحاط بهم الذى كانوا يستهزئون به حيث اهلكوا لاجله فاسناد الاحاطة والاهلاك الى الرسل من قبيل الاسناد الى السبب والمعنى احاط الله بهم واهلكهم بسبب استهزائهم بالرسل وقد انجز الله ذلك يوم بدر اى انجاز.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: حاق يَحِيق حَيقًا، أي: نزل وأحاط، و {منهم}: يتعلق بسخروا، و {ما كانوا}: الموصول اسمي أو حرفي. يقول الحق جلّ جلاله: في تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم: {ولقد استُهزىء برسل} كثير {من قبلك} فصبروا على أذى قومهم حتى أهلكهم الله، {فحاق} أي: أحاط {بالذين سَخروا منهم ما كانوا به يستهزءون} أي: نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزءون به ويستبعدونه، أو: نزل بهم وبالُ استهزائهم وهو الهلاك. الإشارة: كل ما سُلِّيت به الرسل تسلَّى به الأولياء، فما من ولي صِدِّيق إلا ابتلاه الله بتسليط الخلق عليه؛ حتى ترحلَ رُوحه عن هذا العالم لضِيقه عليها، وتتمكن من شهود عالم الملكوت، فإذا طهرت منه البقايا، وكملت فيه المزايا، ردَّه إليهم غنيًّا عنهم، وغائبًا عنهم، جسمُه مع الخلق وقلبه مع الحق. هذه سُنة الله في أوليائه، فكل وليّ يتسلى بمن قبله في إيذاء الخلق له. غير أن أولياء هذه الأمة إذا كمل مقامهم صاروا على قَدَم نبيهم، يكونون رحمة للعباد، مَن آذاهم لا يُعاجَل بالعقوبة غالبًا، كما كان نبيهم رحمة للعالمين، فقال: "حديث : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"تفسير : . والله تعالى اعلم. ثم جدَّد الأمر بالاعتبار، فقال: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ}.
الطوسي
تفسير : لما أخبر الله تعالى أنه لو أنزل الآيات التي أقترحوها وامتنعوا عند ذلك من الإِقرار بالله وتصديق نبيه اقتضت المصلحة استئصالهم كما اقتضت المصلحة استئصال من تقدم من الامم الماضية عند نزول الآيات المقترحة، كما فعل بقوم صالح وغيرهم من أمم الانبياء، قال ذلك تسلية لنبيه (ع) من استمرارهم على الكفر. ومعنى (الحيق) ما يشتمل على الانسان من مكروه فعله كما قال: {أية : ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله}تفسير : أي لا ترجع عاقبة مكروهه الا عليهم. والمعنى فحاق بالساخرين منهم: {ما كانوا به يستهزؤن} من وعيد أنبيائهم بعاجل العقاب في الدنيا نحو ما نزل بقوم عاد وثمود وغيرهم من الامم. وقال ابو علي: حاق وحق بمعنى واحد. والمعنى انه لما نزل بهم العذاب حق بذلك الخبر عندهم: الخبر الذي كان أخبرهم به النبي (صلى الله عليه وسلم).
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} تسلية له (ص) {فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} يعنى احاط بهم العذاب الّذى كانوا به يستهزؤن، او وبال القوى الّذى كانوا بسببه يستهزؤن.
اطفيش
تفسير : {ولَقَد اسْتُهزِئَ} بضم الدال تبعاً للتاء على القاعدة فى الساكن قبل همزة الوصل التى ضم ضما غير عارض ما يلى تاليها، وقرأ حمزة وعاصم وأبو بكر بكسر الدال على أصل التخلص من التقاء الساكنين {بِرُسلٍ مِنْ قَبْلِكَ} متعلق بمحذوف نعت لرسل أو يستهزئ وذكر الرسل للتكثير والتعظيم، أى تصير يا محمد على ما ترى من قومك، فوالله لقد استهزئ برسل كثيرين عظماء من قبلك، كما استهزئ بك، فينزل بمن استهزئ بك ما نزل من العذاب بهؤلاء، ولو اختلفت أنواع العذاب. {فَحاقَ بِهم ما كانُوا بهِ يَسْتَهْزئُون} نزل بهم العذاب الذى يستهزئون به، فما واقعة على العذاب، وكانوا يستهزئون بالعذاب الذى يتواعدون به، ويجوز وقوعها على الحق، فأما على أنه سمى إحاطة العذاب بهم بإحاطة الحق بهم، فلأن الحق هو سبب إحاطة العذاب بهم إذا استهزءوا به، ولا يصح أن تكون ما مصدرية لتعطيل الهاء فى به، إلا إن ردت إلى الحق المدلول عليه بالمقام. ويجوز كونها موصولة عائدة إلى الحق على تقدير مضاف، أى فحاق بهم وبال الحق الذى يستهزئون به، ونسب الوبال للحق، لأن الحق سببه وملزومه من حيث استهزءوا، أو لأنه مشتمل على الإخبار بذلك الوبال.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ اسْتُهزِئَ} أَكد الله جل وعلا بالقسم واللام وقد تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم على استهزاء قومه كأَبى جهل والنضر والوليد وأُمية، وأَن يصبر كما صبر الرسل الذين استهزأَ بهم أَقوامهم، أَى والله لقد استهزئ {بِرُسُلٍ} كثير عظام، فصبروا، فاصبر مثلهم أَو أَكثر {مِنْ قَبْلِكَ} نعت لرسل أَو متعلق باستهزئ {فَحَاقَ} أَى نزل، ولا يستعمل إِلا فى الشر {بِالَّذِينَ} أَى بالأَقوام الذين {سَخِرُوا} استهزءُوا، وكل منهما بمعنى الاحتقار، إِلا أَنه يقال استهزأَ به بالباءَ لا بمن، ويقال سخر منه وبه، بالباء أَوبمن، كما قال هنا {مِنْهُمْ} من الرسل وهذا وعيد لأَهل مكة أَن يحيق بهم على استهزائهم برسلهم ما نزل على الأُمم لاستهزائهم برسلهم، كإغراق قوم نوح، وإَحصاب قوم هود وإِرسال الريح عليهم والحجارة على قوم لوط والصيحة على نمرود وقوم شعيب وهو العقاب المذكور بقوله تعالى {مَا كَانُوا بِهِ يَسَتَهزِئُونَ} أَى العذاب الذى كانوا يستهزئون به ويكذبون الإِخبار بإِتيانه إِن لم يتوبوا، أَو حاق بهم جزاء ما استهزءوا به من الكتب والمعجزات أَى الجزاء الذى يستحقونه باستهزائهم بتلك، والاستهزاء بالكتب والمعجزات استهزاء بالرسل، ولا حاجة إِلى دعوى أَن المعنى فحاق بالذين سخروا منهم جزاء الاستهزاء الذى استهزءُوا به، أَى الذى أَوقعوه، ولا إِلى دعوى رد هاء به إِلى الرسول بالإِفراد والمراد به الحقيقة.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه كالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبي جهل وأضرابهم أي أنك لست أول رسول استهزأ به قومه فكم وكم من رسول جليل الشأن فعل معه ذلك فالتنوين للتفخيم والتكثير و (من) ابتداء متعلقة بمحذوف وقع صفة لرسل والكلام على حذف مضاف. وفي تصدير الجملة بالقسم وحرف التحقيق من الاعتناء ما لا يخفى. وكون التسلية بهذا المقدار مما خفي على بعض الفضلاء وهو ظاهر، ولك أن تقول: إن التسلية به وبما بعده من قوله تعالى: {فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } لأنه متضمن أن من استهزأ بالرسل عوقب فكأنه سبحانه وتعالى وعده صلى الله عليه وسلم بعقوبة من استهزأ به عليه والسلام إن أصر على ذلك. وحاق بمعنى أحاط كما روي عن الضحاك واختاره الزجاج، وفسره الفراء بعاد عليه وبال أمره، وقيل: حل واختاره الطبرسي، وقيل: نزل وهو قريب من سابقه ومعناه يدور على الإحاطة والشمول ولا يكاد يستعمل / إلا في الشر كما قال: شعر : فاوطا جرد الخيل عقر ديارهم وحاق بهم من بأس ضربة حائق تفسير : وقال الراغب: أصله حق فأبدل من أحد حرفي التضعيف حرف علة كتظننت، وتظنيت أو هو مثل ذمة وذامة، والمعروف في اللغة ما اختاره الزجاج. وقال الأزهري: جعل أبو إسحٰق حاق بمعنى أحاط، وكأنه جعل مادته من الحوق «بالضم وهو ما أحاط بالكمرة من حروفها» وقد يفتح كما في «القاموس» وجعل أحد معاني الحوق بالفتح الإحاطة؛ وفيه أيضاً «حاق به يحيق حيقاً وحيوقا وحيقانا بفتح الياء أحاط به كأحاق وفيه السيف حاك وبهم الأمر لزمهم ووجب عليهم ونزل، وأحاق الله تعالى بهم مكرهم. والحيق ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله». وظاهره أن حاق يائي وعليه غالب أهل اللغة وهو مخالف لظاهر كلام الأزهري من أنه واوي. و {مِنْهُمْ } متعلق بسخروا والضمير للرسل. ويقال: سخر منه وبه كهزأ منه وبه فهما متحدان معنى واستعمالاً. وقيل: السخرية والاستهزاء بمعنى لكن الأول قد يتعدى بمن والباء. وفي «الدر المصون» لا يقال إلا استهزأ به ولا يتعدى بمن. وجوز أبو البقاء أن يكون الضمير للمستهزئين والجار والمجرور حينئذ متعلق بمحذوف وقع حالا من ضمير الفاعل في (سخروا) ورد بأن المعنى حينئذ فحاق بالذين سخروا كائنين من المستهزئين ولا فائدة لهذه الحال لانفهامها من (سخروا) وأجيب بأن هذا مبني على أن الاستهزاء والسخرية بمعنى وليس بلازم فلعل من جعل الضمير للمستهزئين يجعل الاستهزاء بمعنى طلب الهزء فيصح بيانه ولا يكون في النظم تكرار. فعن الراغب الاستهزاء ارتياد الهزء وإن كان قد يعبر به عن تعاطي الهزء كالاستجابة في كونها ارتياداً للإجابة وإن كان قد يجري مجرى الإجابة. وجوز رجوع الضمير إلى أمم الرسل ونسب إلى الحوفي ورده أبو حيان بأنه يلزم إرجاع الضمير إلى غير مذكور وأجيب عنه بأنه في قوة المذكور. و {بِٱلَّذِينَ } متعلق بحاق وتقديمه على فاعله وهو (ما) للمسارعة إلى بيان لحوق الشر بهم. وهي إما مصدرية وضمير (به) للرسول الذي في ضمن الرسل، وإما موصولة والضمير لها والكلام على حذف مضاف أي فأحاط بهم وبال استهزائهم أو وبال الذي كانوا يستهزؤون به. وقد يقال: لا حاجة إلى تقدير مضاف، وفي الكلام إطلاق السبب على المسبب لأن المحيط بهم هو العذاب ونحوه لا الاستهزاء ولا المستهزأ به لكن وضع ذلك موضعه مبالغة. وقيل: إن المراد من الذي كانوا يستهزؤون هو العذاب الذي كان الرسل يخوفونهم إياه فلا حاجة إلى ارتكاب التجوز السابق أو الحذف وقد اختار ذلك الإمام الواحدي. والاعتراض عليه بأنه لا قرينة على أن المراد بالمستهزأ به هو العذاب بل السياق دليل على أن المستهزأ بهم الرسل عليهم الصلاة والسلام يدفعه أن الاستهزاء بالرسل عليهم الصلاة والسلام مستلزم لاستهزائهم بما جاؤوا به وتوعدوا قومهم بنزوله وان مثله لظهوره لا يحتاج إلى قرينة. ومن الناس من زعم أن {حَاقَ بِهِم} كناية عن إهلاكهم وإسناده إلى ما أسند إليه مجاز عقلي من قبيل أقدمني بلدك حق لي على فلان إذ من المعلوم من مذهب أهل الحق أن المهلك ليس إلا الله تعالى فإسناده إلى غيره لا يكون إلا مجازاً وأنت تعلم أن الحيق الإحاطة ونسبتها إلى العذاب لا شبهة في أنها حقيقة ولا داعي إلى تفسيره بالإهلاك وارتكاب المجاز العقلي، ولعل مراد من فسر بذلك بيان مؤدى الكلام ومجموع معناه. نعم / إذا قلنا: إن الإحاطة إنما تكون للأجسام دون المعاني فلا بد من ارتكاب تجوز في الكلام على تقدير إسنادها إلى العذاب لكن لا على الوجه الذي ذكره هذا الزاعم كما لا يخفى. وفي جمع (كانوا) و(يستهزؤون) ما مر غير مرة في أمثاله. و {بِهِ} متعلق بما بعده وتقديمه لرعاية الفواصل.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} لبيان تفنّنهم في المكابرة والعناد تصلّباً في شركهم وإصراراً عليه، فلا يتركون وسيلة من وسائل التنفير من قبول دعوة الإسلام إلاّ توسّلوا بها. ومناسبة عطف هذا الكلام على قوله: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} أنّهم كانوا في قولهم ذلك قاصدين التعجيز والاستهزاء معاً، لأنّهم ما قالوه ألاّ عن يقين منهم أنّ ذلك لا يكون، فابتدىء الردّ عليهم بإبطال ظاهر كلامهم بقوله: {ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر}. ثم ثنّى بتهديدهم على ما أرادوه من الاستهزاء، والمقصود مع ذلك تهديدهم بأنّهم سيحيق بهم العذاب وأنّ ذلك سنة الله في كلّ أمّة استهزأت برسول له. فقوله: {ولقد استهزىء برسل من قبلك} يدلّ على جملة مطوية إيجازاً، تقديرها: واستهزأوا بك ولقد استهزأ أمم برسل من قبلك، لأنّ قوله من {قبلك}، لأنّ قوله من {قبلك} يؤذن بأنّه قد استهزىء به هو أيضاً وإلاّ لم تكن فائدة في وصف الرسل بأنّهم من قبله لأنّ ذلك معلوم. وحُذف فاعل الاستهزاء فبنى الفعل إلى المجهول لأنّ المقصود هنا هو ترتّب أثر الاستهزاء لا تعيين المستهزئين. واللام للقسم، و{قد} للتحقيق، وكلاهما يدلّ على تأكيد الخبر. والمقصود تأكيده باعتبار ما تفرّع عنه، وهو قوله: {فحاق بالذين سخروا} الخ، لأنّ حال المشركين حال من يتردّد في أنّ سبب هلاك الأمم السالفة هو الاستهزاء بالرسل، إذ لولا تردّدهم في ذلك لأخذوا الحيطة لأنفسهم مع الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي جاءهم فنظروا في دلائل صدقه وما أعرضوا، ليستبرئوا لأنفسهم من عذاب متوقّع، أو نزّلوا منزلة المتردّد إن كانوا يعلمون ذلك لعدم جريهم على موجب علمهم. واستهزاؤهم له أفانين، منها قولهم: {لولا أنزل عليه ملك}. ومعنى الاستهزاء تقدّم عند قوله تعالى: {إنّما نحن مستهزئون} في سورة البقرة. وهو مرادف للسخرية في كلام أئمّة اللغة، فذكر {استهزىء} أولاً لأنّه أشهر، ولمّا أعيد عبّر بـ {سخروا}، ولمّا أعيد ثالث مرّة رّجع إلى فعل {يستهزئون}، لأنّه أخفّ من (يسخرون). وهذا من بديع فصاحة القرآن المعجزة. و{سخروا} بمعنى هزأوا، ويتعدّى إلى المفعول بـ {من}، قيل: لا يتعدّى بغيرها. وقيل: يتعدّى بالباء. وكذا الخلاف في تعدية هزأ واستهزأ. والأصحّ أنّ كلا الفعلين يتعدّى بحرف (من) والباء، وأنّ الغالب في (هزأ) أن يتعدّى بالباء، وفي {سخر} أن يتعدّى بـ {من}. وأصل مادّة {سخر} مؤذن بأنّ الفاعل اتّخذ المفعول مسخّراً يتصرف فيه كيف شاء بدون حرمة لشدّة قرب مادّة {سخر} المخفّف من مادّة التسخير، أي التطويع فكأنّه حوّله عن حقّ الحرمة الذاتية فاتّخذ منه لنفسه سخرية. وفعل {حاق} اختلف أئمَّة اللغة في معناه. فقال الزجّاج: هو بمعنى أحاط، وتبعه الزمخشري، وفسّره الفرّاء بمعنى عاد عليه. وقال الراغب: أصله حقّ، أي بمعنى وجب، فأبدل أحد حرفي التضعيف حرف علّة تخفيفاً، كما قالوا تظنّي في تظنّن، أي وكما قالوا: تقضّى البازي، بمعنى تقضّض. والأظهر ما قاله أبو إسحاق الزجّاج. واختير فعل الإحاطة للدلالة على تمكّن ذلك منهم وعدم إفلاته أحداً منهم. وإنّما جيء بالموصول في قوله: {بالذين سخروا} ولم يقل بالساخرين للإيماء إلى تعليل الحكم، وهو قوله {فحاق}. و{منهم} يتعلّق بــ {سخروا}، والضمير المجرور عائد إلى الرسل، لزيادة تقرير كون العقاب لأجلهم ترفيعاً لشأنهم. و{ما} في قوله: {ما كانوا به يستهزئون} موصولة. والباء في {به} لتعدية فعل الاستهزاء. ووجود الباء مانع من جعل {ما} غير موصولة. وهو ما أطال التردّد فيه الكاتبون. والمراد بـ {ما كانوا به يستهزئون} ما أنذرهم الرسل به من سوء العاقبة وحلول العذاب بهم، فحصل بذلك فائدة أخرى، وهي أنّ المستهزئين كانوا يستهزئون بالرسل وخاصّة بما ينذرونهم به من حلول العذاب إن استمّروا على عدم التصديق بما جاءوا به. فاستهزاؤهم بما أنذروا به جعل ما أنذروا به كالشخص المهزوء به إذا جعلنا الباء للتعدية، أو استهزاؤهم بالرسل بسبب ما أنذروهم به إذا جعلت الباء للسببية.
الشنقيطي
تفسير : ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار استهزؤوا برسل قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، وأنهم حاق بهم العذاب بسبب ذلك، ولم يفصل هنا كيفية استهزائهم، ولا كيفية العذاب الذي أُهلكوا به، ولكنه فصل كثيراً من ذلك من مواضع أُخَر متعددة في ذكر نوح وقومه وهود وقومه، وصالح وقومه، ولوط وقومه، وشعيب وقومه، إلى غير ذلك. فمن استهزائهم بنوح قولهم له "بعد أن كنت نبياً صرت نجاراً"، وقد قال الله تعالى عن نوح: {أية : إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} تفسير : [هود: 38]، وذكر ما حاق بهم بقوله: {أية : فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 14] وأمثالها من الآيات. ومن استهزائهم بهود ما ذكره الله عنهم من قولهم: {أية : إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ} تفسير : [هود: 54]، وقوله عنهم أيضاً: {أية : قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ} تفسير : [هود: 53] الآية. وذكر ما حاق بهم من العذاب في قوله. {أية : إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} تفسير : [الذاريات: 41] الآية، وأمثالها من الآيات. ومن استهزائهم بصالح، قولهم فيما ذكر الله عنهم {أية : يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الأعراف: 77] وقولهم {أية : قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا} تفسير : [هود: 62] الآية، وذكر ما حاق بهم بقوله {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} تفسير : [هود: 67]، ونحوها من الآيات. ومن استهزائهم بلوط قولهم فيما حكى الله عنهم: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ} تفسير : [النمل: 56] الآية. وقولهم له أيضاً: {أية : لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ} تفسير : [الشعراء: 167]، وذكر ما حاق بهم بقوله {أية : فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} تفسير : [الحجر: 74]، ونحوها من الآيات. ومن استهزائهم بشعيب قولهم فيما حكى الله عنهم: {أية : قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} تفسير : [هود: 91]، وذكر ما حاق بهم بقوله {أية : فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 189] ونحوها من الآيات.
القطان
تفسير : الاستهزاء والهزؤ: السخرية والاحتقار. حاق به المركوه: احط به. بعد ان ذكر سبحانه مقترحات كفار قريش السخيفة وتعنتهم، وخفّف عن الرسول ما يلاقيه منهم من سوء الأدب - بيّن له انه ليس اول رسول يلاقي ما يلاقيه.. فان كثيرا من الرسل قبله لاَقوا من أقوامهم مثل ما لاقى بل أشدّ ثم أمر هؤلاء المكذبين أن يسيروا في الأرض ليروا كيف كانت عاقبةُ الذين كذّبوا أنبياءه من قبلهم. والتفسير: لقد استهزأ الكفار برسل كرام قبلك، فأحاط بالساخرين العذاب الذي أنذرهم به رسلهم، جزاء على سوء صنيعهم. وفي الآية تسلية للرسلو الكريم عن إيذاء قومه له، وتعليم له بسنُنِ الله في الأمم مع رسلهم، وبشارة له بحسن العاقبة، وما سيحل بالمستهزئين من الخزي والنّكال. كذلك فيها تحدٍّ لهم: قُل يا محمد للمستهزئين بل من قومك: سيروا في الأرض، وتأملوا كيف كان الهلاك نهاية المكذبين لرسلهم، وكيف كانت عاقبتهم بما تشاهدون من آثارهم، ثم اعتبروا انتم بهذه النهاية، وذلك المصير.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَسْتَهْزِءُونَ} (10) - ويُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم عَمَّا يُلاقِيهِ مِنْ عِنَادِ الكُفَّارِ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى البَاطِلِ، فَيَقُولُ لَهُ: لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ جَاؤُوا قَبْلَكَ، وَسَخِرَ مِنْهُمُ الكَافِرُونَ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَمِنَ العِقَابِ الذِي أَنْذَرُوهُمْ بِهِ، فَعَاقَبَ اللهُ الذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ فَدَمَّرَهُم، وَنَصَرَ رُسُلَهُ وَالمُؤْمِنينَ، وَكَانَتِ العَاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنينَ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ. حَاقَ - أَحَاطَ أَوْ نَزَلَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا يخبر الله رسوله أن أهل الكفر كثيراً ما سخروا من قبلُ بالرسل السابقين وأخزاهم الله بالعذاب الذي أنذر به أهل التكذيب للرسل، فالذين يسخرون بخير السماء يحيطهم سبحانه بالعذاب جزاء لما كانوا يستهزئون. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى - مسليا لرسوله ومصبرا، ومتهددا أعداءه ومتوعدا. { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ } لما جاءوا أممهم بالبينات، كذبوهم واستهزأوا بهم وبما جاءوا به. فأهلكهم الله بذلك الكفر والتكذيب، ووفى لهم من العذاب أكمل نصيب. { فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } فاحذروا -أيها المكذبون- أن تستمروا على تكذيبكم، فيصيبكم ما أصابهم. فإن شككتم في ذلك، أو ارتبتم، فسيروا في الأرض، ثم انظروا، كيف كان عاقبة المكذبين، فلن تجدوا إلا قوما مهلكين، وأمما في المثلات تالفين، قد أوحشت منهم المنازل، وعدم من تلك الربوع كل متمتع بالسرور نازل، أبادهم الملك الجبار، وكان بناؤهم عبرة لأولي الأبصار. وهذا السير المأمور به، سير القلوب والأبدان، الذي يتولد منه الاعتبار. وأما مجرد النظر من غير اعتبار، فإن ذلك لا يفيد شيئا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):