٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى كما صبر رسوله بالآية الأولى، فكذلك حذر القوم بهذه الآية، وقال لرسوله قل لهم لا تغتروا بما وجدتم من الدنيا وطيباتها ووصلتم إليه من لذاتها وشهواتها، بل سيروا في الأرض لتعرفوا صحة ما أخبركم الرسول عنه من نزول العذاب على الذين كذبوا الرسل في الأزمنة السالفة، فإنكم عند السير في الأرض والسفر في البلاد لا بدّ وأن تشاهدوا تلك الآثار، فيكمل الاعتبار، ويقوى الاستبصار. فإن قيل: ما الفرق بين قوله {أية : ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ } تفسير : [آل عمران: 137] وبين قوله {ثُمَّ ٱنْظُرُواْ }. قلنا: قوله {فَٱنظُرُواْ } يدل على أنه تعالى جعل النظر سبباً عن السير، فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين. وأما قوله {سِيرُواْ فِى ٱلاْرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ } فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ثم نبّه الله تعالى على هذا الفرق بكلمة {ثُمَّ } لتباعد ما بين الواجب والمباح. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين المستسخرين المكذبين: سافروا في الأرض فانظروا وٱستخبروا لتعرفوا ما حلّ بالكفرة قبلكم من العقاب وأليم العذاب؛ وهذا السفر مندوب إليه إذا كان على سبيل الاعتبار بآثار من خلا من الأُمم وأهل الديار، والعاقبة آخر الأمر. والمكذِّبون هنا من كذّب الحق وأهله لا من كذّب بالباطل. قوله تعالىٰ: {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} هذا أيضاً ٱحتجاج عليهم؛ المعنى قل لهم يا محمد: {لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فإن قالوا لمن هو؟ فقل هو {للَّهِ}؛ المعنى: إذا ثبت أن له ما في السَّماوات والأرض، وأنه خالق الكل إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم، فالله قادر على أن يُعاجلهم بالعقاب، ويبعثهم بعد الموت، ولكنه {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} أي وعد بها فضلاً منه وكرماً، فلذلك أمهل. وذكر النفس هنا عبارة عن وجوده، وتأكيد وعده، وارتفاع الوسائط دونه؛ ومعنى الكلام الإستعطاف منه تعالىٰ للمتولّين عنه إلى الإقبال إليه، وإخبار منه سبحانه بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة. وفي صحيح مسلم عن أبي هُريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تَغلب غضبي » تفسير : أي لما أظهر قضاءه، وأبرزه لمن شاء، أظهر كتاباً في اللوح المحفوظ ـ أو فيما شاءه ـ مقتضاه خبر حق ووعد صدق « حديث : إنّ رحمتي تغلب غضبي » تفسير : أي تسبقه وتزيد عليه. قوله تعالىٰ: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} اللام لام القسم، والنون نون التأكيد. وقال الفرّاء وغيره: يجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله: {ٱلرَّحْمَةَ} ويكون ما بعده مستأنفاً على جهة التبيين؛ فيكون معنى {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} ليُمهلنكم وليؤخرنّ جمعكم. وقيل: المعنى ليجمعنكم أي في القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه. وقيل: «إلى» بمعنى في، أي ليجمعنكم في يوم القيامة. وقيل: يجوز أن يكون موضع {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} نصباً على البدل من الرحمة؛ فتكون اللام بمعنى «أن» المعنى: كتب ربكم على نفسه ليجمعنكم، أي أن يجمعكم؛ وكذلك قال كثير من النحويين في قوله تعالىٰ: { أية : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ } تفسير : [يوسف: 35] أي أن يسجنوه. وقيل: موضعه نصب بـ «ـكَتَبَ»؛ كما تكون «أن» في قوله عزّ وجلّ {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ} وذلك أنه مفسر للرحمة بالإمهال إلى يوم القيامة؛ عن الزجاج. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} لا شك فيه. {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} ابتداء وخبر، قاله الزجاج، وهو أجود ما قيل فيه؛ تقول: الذي يكرمني فله درهم، فالفاء تتضمن معنى الشرط والجزاء. وقال الأخفش: إن شئت كان «الذين» في موضع نصب على البدل من الكاف والميم في {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} أي ليجمعن المشركين الذي خسروا أنفسهم؛ وأنكره المبرّد وزعم أنه خطأ؛ لأنه لا يبدل من المخاطب ولا من المخاطِب لا يُقال: مررت بك زيدٍ ولا مررت بي زيدٍ لأن هذا لا يُشكل فيُبيَّن. قال القُتَبِيّ: يجوز أن يكون «الذين» جزاء على البدل من «المكذّبين» الذين تقدّم ذكرهم. أو على النعت لهم. وقيل: «الذين» نداء مفرد.
البيضاوي
تفسير : {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ} كيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال كي تعتبروا، والفرق بينه وبين قوله: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ } تفسير : [النمل: 69] أن السير ثمت لأجل النظر ولا كذلك ها هنا، ولذلك قيل معناه إباحة السير للتجارة وغيرها وإيجاب النظر في آثار الهالكين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } لهم {سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ } الرسل من هلاكهم بالعذاب ليعتبروا.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} كما صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية الأولى، حَذَّرَ القوم في هذه الآية، وقال لرسوله: قل لهم: لا تغتروا بما وَصَلْتُمْ إليه من الدنيا ولذَّاتها، بل سيروا في الأرض لتعرفُوا صحة ما أخبركم الرسولُ عنه من نزول العذاب بمن كذب الرسل من الأمم السَّالفة قبلكم. يحذر كفار "مكّة"، ويحتمل هذا السير أنْ يكون بالعقول والفِكَرِ، ويحتمل السَّيْرَ في الأرضِ. قوله: "ثُمَّ انْظُرُوا": عطف على "سِيرُوا" ولم يجئ في القرآن العطف في مثل هذا الموضوع إلاَّ بالفاء، وهنا جاء بـ "ثم" فيحتاج إلى فَرْقٍ. فذكر الزمخشري الفرق وهو: أنْ جَعَل النَّظَرَ مُسَبَّباً عن السَّيْرِ في قوله: "فانْظُرُوا" كأنه قيل: سِيُروا لأجْلِ النظرِ، ولا تسيروا سَيْرَ الغافلين. وهنا معناه إبَاحَةُ السَيَّرِ في الأرض للتجارة وغيرها من المَنَافِع، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبَّه على ذلك بـ "ثمَّ" لِتَبَاعُدِ ما بين الواجب والمباح. قال أبو حيَّان - رضي الله عنه -: وما ذكر أوَّلاً مُتَنَاقض؛ لأنه جعل النظر مُتَسَبِّباً عن السَّيْرِ، فكان السَّيْرُ سبباً للنَّظَرِ، ثم قال: فكأنه قيل: سيروا لأجْلِ النَّظَرِ، فجعل السَّيْرَ مَعْلُولاً بالنَّظَرِ، والنَّظَرِ، سَبَبٌ له فَتَنَاقَضَا، ودعوى أن "الفاء" سببيةٌ دعوى لا دَلِيلَ عليها وإنَّما مَعْنَاها التَّعْقِيبُ فقط، وأمَّا "زَنَى ماعِز فَرُجم" فَفَهْمُ السببية من قَرِينَةٍ غيرها. قال: "وعلى تقدير [تَسْلِيم] إفادتها السَّبَبَ، فَلِمَ كان السيرُ هنا سَيْرَ إباحةٍ، وفي غيره سَيْرَ إيجاب؟". وهذا اعتراض صحيح إلاَّ قوله: "إنَّ "الفاء" لا تفيد السَّبَبِيَّةَ" فإنه غيرُ مُرْضٍ، [ودليله في غير هذا الموضع] ومثلُ هذا المكان في كون الزَّمَخْشَرِيّ جعل شيئاً عِلَّةً، ثم جعله مَعْلولاً، كما سيأتي إن شاء الله - تعالى - في أوَّلِ "الفتح" ويأتي هناك جوابه. قوله: "كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ" كَيْفَ" خبرٌ مقدَّمٌ، و"عاقبة" اسمها، ولم يُؤنَّثْ فعلْها؛ لأنَّ تأنيثها غير حقيقي؛ ولأنها بتأويل المآلِ والمُنْتَهَى، فإنَّ العاقبة مَصْدَرٌ على وزن "فاعلة" وهو محفوظ في ألْفَاظ تقدَّمَ ذِكْرُها وهي منتهى الشيء وما يَصيرُ إليه. والعاقبةُ إذا أطْلِقَتْ اختصت بالثواب قال تعالى: {أية : وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأعراف:128] وبالإضافة قد تستعمل في العُقُوبةِ كقوله تبارك وتعالى: {أية : ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَى} تفسير : [الروم:10]، {أية : فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا} تفسير : [الحشر:17] فَصَحَّ أن تكون اسْتِعَارةً من ضدِّهِ كقوله تعالى: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران:21]. و"كَيْفَ" مُعَلِّقة للنظر، فهي في مَحَلِّ نصبٍ على إسْقَاط الخافض لأنَّ معناه هنا التَّفَكُّرُ والتدبُّرُ. والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما علم الله تعالى أنهم يقولون في جواب هذا: إن هذا إلا أساطير الأولين، أمره صلى الله عليه وسلم بعد ما مضى من التعجيب من كونهم لم ينظروا بقلوبهم أو أبصارهم مصارع الماضين في قوله: {أية : ألم يروا كم أهلكنا} تفسير : [الأنعام: 6] أن يأمرهم بأن يشاهدوا مصارع من تمكن في قلوبهم علم أنهم أهلكوا بمثل تكذيبهم من قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم ليغنيهم ذلك عن مشاهدة ما اقترحوا فقال تعالى: {قل سيروا} أي أوقعوا السير للاعتبار ولا تغتروا بإمهالكم وتمكينكم {في الأرض} - الآية، وهي كالدليل على قوله تعالى: {أية : لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} تفسير : [الأنعام: 6]. ولما كان السياق للتهديد بالتحذير من مثل أخذ الأمم الماضية، وكان قد سلف أنه لا تقدمهم عن آجالهم، أمهلهم في النظر فإنه أقوى في التهديد، وأدل على القدرة، وأدعى إلى النصفة ولا سيما والسورة من أوائل القرآن نزولاً وأوائله ترتيباً فقال: {ثم انظروا} وأشار إلى أن هذا أهل لأن يسأل عنه بقوله: {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المكذبين *} أي أنعموا النظر وبالغوا في التفكر وأطيلوا التدبر إذا رأيتم آثار المعذبين لأجل تكذيب الرسل، فإنكم إذا شاهدتم تلك الآثار كمل لكم الاعتبار وقوي الاستبصار، وذلك إشارة إلى أن الأمر في غاية الانكشاف، فكلما طال الفكر فيه ازداد ظهوراً. ولما أمرهم سبحانه بالسير، سألهم هل يرون في سيرهم وتطوافهم وجولانهم واعتسافهم شيئاً لغير الله؟ تذكيراً لهم بما رحمهم به من ذلك في إيجاده لهم أولاً وتيسير منافعه ودفع مضاره ثانياً، استعطافاً لهم إلى الإقبال عليه والإعراض عن الخضوع لما هو مثلهم أو أقل منهم، وهو ملكه سبحانه وفي قبضته، وتقبيحاً لأن يأكلوا خيره ويعبدوا غيره. فقال مقرراً لهم على إثبات الصانع والنبوة والمعاد، ومبكتاً بسفههم وشدة جهلهم وعمههم: {قل لمن} ونبه بتقديم المعمول على الاهتمام بالمعبود {ما في السماوات والأرض}. ولما كانوا في مقام العناد حيث لم يبادروا إلى الإذعان بعد نهوض الأدلة وإزاحة كل علة، أشار إلى ذلك بقوله معرضاً عن انتظار جوابهم توبيخاً لهم بعدم النصفة التي يدعونها: {قل لله} أي الذي له الإحاطة الكاملة قدرة وعلماً ولا كفوء له، لا لغيره، وهم وإن كانوا معاندين فإنهم لا يمكنهم رد قولك، لا سيما وجواب الإنسان عما سأله إنما يحسن أن يتعاطاه هو بنفسه إذا كان قد بلغ في الظهور إلى حد لا يقدر على إنكاره منكر، وهو هنا كذلك لأن آثار الحدوث والإمكان ظاهرة على صفحات الأكوان، فكان الإقرار بن ضروري، لا خلاف فيه. ولما كان أكثر ما في هذا الكون منافع مع كونها حسنة لذيذة طيبة شهية، وما كان فيها من مضار فهي محجوبة ممنوعة عنهم، يقل وصولها إليهم إلا بتسببهم فيها، والكل مع ذلك دلائل ظاهرة على وحدانيته وتمام علمه وقدرته، وكان ذلك أهلاً لأن يتعجب منه لعموم هذا الإحسان، مع ما هم عليه من الإثم والعدوان، وتأخير العذاب عنهم مع العناد والطغيان، قال دالاً على أن رحمته سبقت غضبه مستأنفاً: {كتب} أي وعد وعداً هو كالمكتوب الذي ختم، وأكد غاية التأكيد، أو كتب حيث أراد سبحانه. ولما كانت النفس يعبر بها عن الذات على ما هي عليه قال: {على نفسه الرحمة} أي فلذلك أكرمكم هذا الإكرام بوجوه الإنعام، وأخر عنكم الانتقام بالاستئصال، ولو شاء هو لسلط عليكم المضار، وجعل عيشكم من غير اللذيذ كالتراب وبعض القاذورات التي يعيش بها بعض الحيوانات. ولما كان ذلك مطمعاً للظالم البطر، ومعجباً محيراً مؤسفاً للمظلوم المنكسر، قال محذراً مرحباً مبشراً ملتفتاً إلى مقام الخطاب لأنه أبلغ وأنص على المقصود دالاً على البعث بما مضى من إثبات أن الأكوان لله، لأن كل ما فيها موصوف بصفات يجوز اتصافه بأضدادها، فاختصاص كل جسم بصفته المعينة إنما يكون بتخصيص الفاعل المختار، فيكون قادراً على الإعادة، لأن التركيب الأول إنما كان لأن صانعه قادر على جميع الممكنات لكونه عالماً بجميع المعلومات، والاتصاف بذلك لا يجوز انفكاكه عنه فهو ملك مطاع آمرناه مرسل من يبلغ عنه أوامره ونواهيه لإظهار ثمرة الملك من الثواب والعقاب في يوم الجمع: {ليجمعنكم} أي والله محشورين شيئاً فشيئاً {إلى يوم القيامة} للعدل بين جميع العباد كائناً {لا ريب فيه} أي بوجه من الوجوه، وذلك الجمع لتخصيص الرحمة في ذلك اليوم بأوليائه والمقت والنقمة بأعدائه بعد أن كان عم بالرحمة الفريقين في يوم الدنيا، وجعل الرحمة أظهر في حق الأعداء، وبهذا الجمع تمت الرحمة من كثير من الخلق، ولولاه ارتفع الضبط وكثر الخبط كما كان في الجاهلية. ولما كان ذلك كذلك في عدم الريب لإخبار الله به على ألسنة رسله ولما عليه من الأدلة لما في هذا الخلق من بدائع الحكم مع خروج أكثر أفعال الحيوان عن العدل، فصار من المعلوم لكل ذي وعي أن البعث محط الحكمة لإظهار التحلي بالصفات العلى لجميع الخلق: الشقي والسعيد القريب والبعيد، كان كأنه قيل: فما لنا نرى أكثر الناس كافراً به، فقال جواباً: {الذين خسروا أنفسهم} أي بإهلاكهم إياها بتكذيبهم به لمخالفة الفطرة الأولى التي تهدي الأخرس، وستر العقل السليم {فهم} أي بسبب خسارتهم لأنفسهم بإهمال العقل وإعمال الحواس والتقيد بالتقليد {لا يؤمنون *} فصاروا كمن يلقي نفسه من شاهق ليموت لغرض من الأغراض الفاسدة، لا بسبب خفاء في أمر القيامة ولا لبس بوقع ربنا، وصار المعنى: إن الذين لا يؤمنون في هذا اليوم هم المقضي بخسارتهم في ذلك اليوم. ولما استنارت الأدلة استنارة الشمس وانتصبت البراهين حتى لم يبق أصلاً نوع لبس، عم بالخبر عما تقدم مما يشاهدونه وغيره، فقال ذاكراً الزمان بعد المكان، وقدمه لأنه أظهر، والمعلم الكامل هو الذي يبدأ بالأظهر فالأظهر مترقياً إلى الأخفى فالأخفى، فتم بذلك الخبر عن الزمان والزمانيات والمكان والمكانيات: {وله} أي وحده {ما سكن} أي حل وتحيز وحصل {في الليل والنهار} أي ما من شأنه أن يسكن فيهما وإن كان متحركاً، ولكنه عبر بذلك دون التحرك لأنها دار الموت، ودخل في ذلك النور والظلمة اللذان أشرك بهما من أشرك. ولما دل ما مضى على القدرة التامة، وانقسم إلى متحرك وساكن، وكانت القدرة لا تتم إلا بالعلم، دل عليه بقوله: {وهو} أي لا غيره {السميع} أي البالغ السمع لكل متحرك {العليم *} أي العام العلم بالبصر والسمع وغيرهما بكل متحرك وبكل ساكن من أقوالكم وأفعالكم وغيرهما، فلا تطمعوا في أن يترك شيء من مجازاتكم، والعليم هنا أبلغ من البصير، وذلك مثل ما تقدم في قوله: {أية : قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً والله هو السميع العليم} تفسير : [المائدة: 76] وهو ترجمة قوله: {أية : يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون} تفسير : [الأنعام: 3].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} قال: بئس - والله - ما كان عاقبة المكذبين، دمر الله عليهم وأهلكهم ثم صيرهم إلى النار . أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سلمان في قوله {كتب على نفسه الرحمة} قال: إنا نجده في التوراة عطيفتين، أن الله خلق السموات والأرض ثم جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم واحدة وأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، فيها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتباذلون، وبها يتزاورون، وبها تحن الناقة، وبها تنتج البقرة، وبها تيعر الشاة، وبها تتابع الطير، وبها تتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع . وأخرج أحمد ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : خلق الله يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، منها رحمة يتراحم بها الخلق وتسع وتسعون ليوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة " . تفسير : وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : لما قضى الله الخلق كتب كتاباً فوضعه عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي ". تفسير : وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : لما خلق الله الخلق كتب كتاباً بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق أخرج كتاباً من تحت العرش: إن رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة أو قبضتين فيخرج من النار خلق كثير لم يعلموا خيراً: مكتوب بين أعينهم عتقاء الله " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أن الله كتب كتاباً بيده لنفسه قبل أن يخلق السموات والأرض فوضعه تحت عرشه، فيه: رحتمي سبقت غضبي " . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن طاوس. أن الله لما خلق الخلق لم يعطف شيء منه على شيء حتى خلق مائة رحمة، فوضع بينهم رحمة واحدة، فعطف بعض الخلق على بعض . وأخرج ابن جرير عن عكرمة حسبته أسنده قال: إذا فرغ الله من القضاء بين خلقه، أخرج كتاباً من تحت العرش فيه : إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين. قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة، أو قال مثلاً أهل الجنة . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو قال: إن لله مائة رحمة، فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا يتراحم بها الجن، والإنس، وطائر السماء، وحيتان الماء، ودواب الأرض وهوامها، وما بين الهواء، واختزن عنده تسعاً وتسعين رحمة، حتى إذا كان يوم القيامة اختلج الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا، فحواها إلى ما عنده فجعلها في قلوب أهل الجنة وعلى أهل الجنة . وأخرج ابن جرير عن أبي المخازق زهير بن سالم قال: قال عمر لكعب: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتاباً لم يكتبه بقلم ولا مداد، ولكن كتب بأصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: أنا الله لا إله إلا أنا سبقت رحمتي غضبي . وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله عن أبي قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال الله للملائكة: ألا أحدثكم عن عبدين من بني إسرائيل؟ أما أحدهما فيرى بنو إسرائيل أنه أفضلهما في الدين والعلم والخلق، والآخر أنه مسرف على نفسه. فذكر عند صاحبه فقال: لن يغفر الله له. فقال ألم يعلم أني أرحم الراحمين، ألم يعلم رحمتي سبقت غضبي وإني أوجبت لهذا العذاب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تألوا على الله " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، فجعل في الأرض منها رحمة فيها تعطف الوالدة على ولدها، والبهائم بعضها على بعض، وأخر تسعاً وتسعين إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة مائة رحمة " . تفسير : وأخرج مسلم وابن مردويه عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السموات والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة " .
القشيري
تفسير : قُلْ دوخوا في الأرضِ، وسيحوا في سيركم فيها من الطول والعَرْضِ، ثم انظروا هل أفْلَتَ من حكمنا أحدٌ، وهل وجد من دونَ أمرنا مُلْتَحداً؟.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل سيروا فى الارض} اى سافروا فى الارض لتعرف احوال الامم الماضية {ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} اى تفكروا فى انهم كيف اهلكوا بعذاب الاستئصال وثم لتفاوت ما بين الواجبين فان وجوب السير ليس الا لكونه وسيلة الى النظر ومثله قوله توضأ ثم صل والعاقبة مصدر وهى منتهى الامر ومآله. اعلم ان الاستهزاء من شيم النفوس المتمردة بارباب الدين من الانبياء والاولياء فى كل زمان وحين ـ يروى ـ ان النبى عليه السلام كان جالسا فى المسجد الحرام مع جماعة من المستضعفين بلال وصهيب وعمار وغيرهم فمر بهم ابو جهل فى ملأ من قريش فقال يزعم محمد ان هؤلاء ملوك الجنة فاستهزأ بفقراء المسلمين وقد فعل الله به ما فعل يوم بدر فنال جزاء استهزائه وذلك محل العبرة لاولى الابصار: وفى المثنوى شعر : نى ترا حفظ زبان از راز كس نى نظر كردن بعبرت بيش وبس بيش جه بود يادمرك ونزع خويش بس جه باشد مردن ياران زبيش تفسير : ـ حكى ـ ان شيعيا يقال له ابن هيلان كان يتكلم بما لا ينبغى فى حق الصحابة فبينما هو يهدم حائطا اذ سقط عليه فدفن بالبقيع مقبرة المدينة فلم يوجد ثانى يوم فى القبر الذى دفن فيه ولا التراب الذى ردم به القبر بحيث يستدل بذلك لنبشه وانما وجدوا اللبن على حاله حسبما شاهده الجم الغفير حتى كان ممن وقف عليه القاضى جمال الدين وصار الناس يجيئون لرؤيته ارسالا الى ان اشتهر امره وعد ذلك من الآيات التى يعتبر بها من شرح الله صدره نسأل الله السلامة كذا فى المقاصد الحسنة للامام السخاوى. فعلم منه عاقبة الطعن والاستهزاء وان الله تعالى ينقل جيفة الفاسق من المحل المتبرك به الى المكان المتشأم منه كما ورد فى الحديث الصحيح "حديث : من مات من امتى يعمل عمل قوم لوط نقله الله اليهم حتى يحشر معهم" تفسير : كما فى الدرر المنتثرة للامام السيوطى وهذا صريح فى نقل جسده لان الحشر بالروح والجسد جميعا فكما ان الله تعالى ينقل اجساد الاشرار من مقام شريف الى محل وضيع كذلك ينقل اجسام الاخيار من مكان وضيع الى مقام شريف كالبقيع والحجون مقبرتى المدينة ومكة فان الله تعالى يسوق الاهل الى الاهل وهذا آخر الزمان وقلما يوجد فيه من هو متوجه الى القبلة فى الظاهر والباطن والحياة والممات ونعم ما قيل ذهب الناس وما بقى الا النسناس وهم الذين يتشبهون بالناس وليسوا بالناس وهم يأجوج ومأجوج او حيوان بحرى صورته كصورة الانسان او خلق على صورة الناس اشبهوهم فى شئ وخالفوهم فى شئ وليسوا من بنى آدم وقيل هم من بنى آدم ـ روى ـ ان حيا من عاد عصوا رسولهم فمسخهم الله نسناسا لكل رجل منه يد ورجل من شق واحد ينقز كما ينقز الطير ويرعون كما ترعى البهائم فأين الاخيار واين اولو الابصار مضوا والله ما بقى الا القليل: قال الحافظ قطعه شعر : بددرين ظلمت سراتاكى ببوى دوست كهى انكشت دردندان كهى سربر سرزانوا تناهى الصبر مذخلت بمأوى الاسد سرحان وطار العقل اذغنت بمغنى الورق غربان بيا اى طائر فرخ بياور مزده دولت عسى الايام ان يرجعن قوما كالذى كانوا تفسير : اى كالوضع الذى كانوا عليه من الانتظام مطلقا.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: قال الزمخشري: فإن قلت: أيُّ فرق بين قوله: {فانظروا}، وبين قوله: {ثم انظروا}؟ فالجواب: أنه جعل النظر مسبَّبًا على السير في قوله: {فانظروا}، كأنه قال: سيروا لأجل النظر، وأما قوله: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا}، فمعناه: إباحة السير للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في الهالكين. هـ. ولم يقل: كانت؛ لأن العاقبة مُجَاز تأنيثُها. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم: {سيروا في الأرض} وجُولوا في أقطارها، {ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} قبلكم، كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مَديَن، كيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال، كي تعتبروا وتنزجروا عن تكذيب محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ. الإشارة: يقال لأهل التنكير على أهل الذكر والتذكير: سِيروا في الأرض، وانظروا كيف كان عاقبة المنكرين على المتوجهين، كانت عاقبتهم الخذلان، وسوء الذكر بعد الموت والخسران كابن البراء وغيره من أهل التنكير. نعوذ بالله من التعرّض لمقت الله. لكن الأَمر كله بيد الله، كما قال تعالى: {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}.
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى في هذه الآية نبيه (ع) ان يأمر هؤلاء الكفار ان يسيروا في الارض لينظروا الى آثار تلك الامم فانها مشهورة ومتواتر خبرها معلوم مساكنها واراد بذلك زجر هؤلاء الكفار عن تكذيب محمد (ع) والتحذير لهم من ان ينزل بهم من العذاب ما نزل بالمكذبين للرسل من قبلهم.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} اى سيروا فى الارض الظّاهرة باقدامكم وفى ارض القرآن وتواريخ الامم الماضية بابصاركم، وفى ارض العالم الصّغير ببصائركم {ثُمَّ ٱنْظُرُواْ} اى تفكّروا، وتخليل ثمّ لانّ التّفكّر هو ترتيب المقدّمات والانتقال منها الى النّتائج وبالسّير يحصل المقدّمات وبعد حصول المقدّمات يمكن التّفكّر {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} بالرّسل (ع) فى شأن أنفسهم او فى شأن اوصيائهم او عاقبة المكذّبين بأوصيائهم.
اطفيش
تفسير : {قُلْ سِيرُوا فى الأرض ثمَّ انْظرُوا كَيف كانَ عاقِبةُ المكذِّبِينَ} سيروا فى الأرض بالتجر إن شئتم، فإنه مباح لكم، وانظروا أولا بدء آثار المكذبين المستأصلين بالهلاك قبلكم كى تعتبروا، وثم للترتيب الرتبى، أعنى أن رتبته النظر فى الآثار أعلى من رتبة السفر المباح. ويجوز أن يكون الأمر للسير للوجوب أيضا، أى أوجب الله عليهم أن يسيروا ثم ينظروا، وثم كذلك، فإن الواجبين متفاوتان، فإن النظر مأمور به للذات، والسير مأمور به ليتوصل إلى النظر، وإذ قيل: فلينظروا فالفاء تعليلية، أى سيروا لتنظروا عاقبة المكذبين ما يأتيهم من العذاب بعد تكذيبهم جزاء على تكذيبهم.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} لقومك {سِيرُوا فِى الأَرْضِ} إِذا أَردتم السير فيها لمصالحكم، كالتجارة وزيارة أَرحامكم وأَصدقائكم، وتعلم الطب والصنايع بحسب ما اتفق من ذلك، أَو أَنشئوا السير لمجرد النظر والاعتبار، ولو بلا قصد تجارة، أَو للتجارة أَو نحوها وللاعتبار معا {ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبةُ المكَذِّبِينَ} من العذاب، وليخف قومك مثله لتكذيبك، ثم تراخٍ فى الزمان لأَن بين مكة التى يسيرون منها وبني مواضع هلاك الأُمم مسافة بعيدة، والنظر فى آثار الهالكين لا يمكن قبل وصولهم إِليها، أَو ثم لتراخى الرتبة إِذ رتبة النظر لوجوبها متراخية من رتبة التجارة ونحوها من المباحات، ولا يعدون زيادة الرحم عبادة لشركهم، أَو سيروا وجوباً لقصد النظر، ثم انظروا إِذا وصلتم ورأَيتم، فثم لتفاوت ما بين الواجبين والسير وجب لترتب النظر عليه، وللوسائل حكم المقاصد والنظر أَوجب منه لأَنه ذاتى والسير للنظر وسيلة، وذلك كما وجب إِعداد الدلو لمن لا يجد الماءَ للوضوء مثلا إِلا به، ويجوز أَن تكون ثم لملطلق الجمع كالواو، وأَما قوله تعالى: "أية : قل سيروا فى الأَرض فانظروا"تفسير : [الروم: 42] فالسير فيه لأَجل النظر بدليل فاء السببية فهى دليل فلا تحكم فى جعل السير فيه للإيجاب وفى المقام للإباحة، وعلى كل حال نهاهم عن سير الغافلين عن النظر، وأَمرهم بتعرف أَحوال الأَمم الهلكى، والنظر نظر عين ليوصل إِلى نظر القلب، أَو المراد نظر القلب.
الالوسي
تفسير : خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم بإنذار قومه وتذكيرهم بأحوال الأمم الخالية وما حاق بهم لسوء أفعالهم تحذيراً لهم عما هم عليه مما يحاكي تلك الأفعال. وفي ذلك أيضاً تكملة لتسليته عليه الصلاة والسلام بما في ضمنه من العدة اللطيفة بأنه سيحيق بهم مثل ما حاق بأضرابهم الأولين، وقد أنجز سبحانه وتعالى ذلك إنجازاً أظهر من الشمس يوم بدر، والمراد من النظر التفكر، وقيل: النظر بالأبصار، وجمع بينهما الطبرسي بناء على القول بجواز مثل ذلك. و {كَيْفَ} خبر مقدم لكان أو حال وهي تامة. والعاقبة مآل الشيء وهي مصدر كالعافية، والتعبير بالمكذبين دون المستهزئين قيل: للإشارة إلى أن مآل من كذب إذا كان كذلك فكيف الحال في مآل من جمع بينه وبين الاستهزاء. وأورد عليه أن تعريف المكذبين للعهد وهم الذين سخروا فيكونون جامعين بين الأمرين مع أن الاستهزاء بما جاؤوا به يستلزم تكذيبه. ولا يخفى أن مقصود القائل إن أولئك وإن جمعوا الأمرين لكن في الإشارة إليهم بهذا العنوان هنا ما لا يخفى من الإشارة إلى فظاعة ما نالهم، وقيل: إن وضع المكذبين موضع المستهزئين لتحقيق أنه مدار ما أصابهم هو التكذيب لينزجر السامعون عنه لا عن الاستهزاء فقط مع بقاء التكذيب بحاله بناء على توهم أنه المدار في ذلك، وعطف الأمر بالنظر على الأمر بالسير بثم قيل للإيذان بتفاوت ما بينهما وإن كان كل من الأمرين واجباً لأن الأوّل إنما يطلب للثاني كما في قولك: توضأ ثم صل، وقيل: للإيذان بالتفاوت لأن الأول لإباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع. والثاني لايجاب النظر في آثار الهالكين، ولا ريب في تباعد ما بين الواجب والمباح. وأورد عليه ـ كما قال الشهاب ـ أنه يأباه سلامة الذوق لأن فيه إقحام أمر أجنبي وهو بيان إباحة السير للتجارة بين الإخبار عن حال المستهزئين وما يناسبه وما يتصل به من الأمر بالاعتبار بآثارهم وهو مما يخل بالبلاغة إخلالاً ظاهراً. وتعقب بأن هذا وإن تراءى في بادىء النظر لكنه غير وارد إذ ذاك غير أجنبي لأن المراد خذلانهم وتخليتهم وشأنهم من الإعراض عن الحق بالتشاغل بأمر دنياهم كقوله تعالى: { أية : وَلِيَتَمَتَّعُواْ } تفسير : [العنكبوت: 66]. وهذا حاصل ما قيل: إن الكلام مجاز عن الخذلان والتخلية وإن ذلك الأمر متسخط إلى الغاية كما تقول لمن عزم على أمر مؤد إلى ضرر عظيم فبالغت في نصحه ولم ينجع فيه أنت وشأنك وافعل ما شئت فإنك لا تريد بذلك حقيقة الأمر كيف والآمر بالشيء مريد له وأنت شديد الكراهة متحسر ولكنك كأنك قلت له: إذ قد أبيت النصح فأنت أهل لأن يقال لك: افعل ما شئت. ولا يخفى أن انفهام ذلك من الآية في غاية البعد. وفرق الزمخشري بين هذه الآية وقوله تعالى في سورة النمل: [69] { أية : قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ } تفسير : بحمل الأمر بالسير هنا على الإباحة المذكورة آنفاً، وحمل الأمر به هناك على السير لأجل النظر. ولهذا كان العطف بالفاء في تلك الآية. ونظر فيه بعضهم بغير ما أشرنا إليه أيضاً. وذكر أن التحقيق أنه سبحانه قال هنا: {ثُمَّ ٱنْظُرُواْ } وفي غير ما موضع { أية : فَٱنظُرُواْ } تفسير : [آل عمران: 137، النمل: 36، العنكبوت: 20، الروم: 42] لأن المقام هنا يقتضي / ثم دونه في هاتيك المواضع وذلك لتقدم قوله تعالى فيما نحن فيه {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ} مع قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ } تفسير : [الأنعام: 6] والأول يدل على أن الهالكين طوائف كثيرة. والثاني يدل على أن المنشأ بعدهم أيضاً كثيرون فيكون أمرهم بالسير دعاء لهم إلى العلم بذلك فيكون المراد به استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد على كثرتها ليروا الآثار في ديار بعد ديار وهذا مما يحتاج إلى زمان ومدة طويلة تمنع من التعقيب الذي تقتضيه الفاء ولا كذلك في المواضع الاخر اهـ، ولا يخلو عن دغدغة. واختار غير واحد أن السير متحد هناك وهنا ولكنه أمر ممتد يعطف النظر عليه بالفاء تارة نظراً إلى آخره وبثم أخرى نظراً إلى أوله وكذا شأن كل ممتد.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة وزانها وزان البيان لمضمون الجملة التي قبلها ولذلك فصلت، فإنّ الجملة التي قبلها تخبر بأنّ الذين استهزأوا بالرسل قد حاق بهم عواقب استهزائهم، وهذه تّحدوهم إلى مشاهدة ديار أولئك المستهزئين. وليس افتتاح هذه الجملة بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم منافياً لكونها بياناً لأنّه خوطب بأن يقول ذلك البيان. فالمقصودُ ما بعد القول. وافتتاحها بالأمر بالقول لأنّها واردة مورد المحاورة على قولهم {أية : لولا أنزل عليه ملك}تفسير : [الأنعام: 1]. وهذه سلسلة ردود وأجوبة على مقالتهم المحكية آنفاً لتضمّنها التصميم على الشرك وتكذيب الرسالة، فكانت منحلّة إلى شبه كثيرة أريد ردّها وتفنيدها فكانت هاته الردود كلّها مفتتحة بكلمة {قل} عشر مرات. و{ثم} للتراخي الرتبي، كما هو شأنها في عطف الجمل، فإنّ النظر في عاقبة المكذّبين هو المقصد من السير، فهو ممّا يُرتقى إليه بعد الأمر بالسير، ولأنّ هذا النظر محتاج إلى تأمّل وترسّم فهو أهمّ من السير. والنظر يحتمل أن يكون بصرياً وأن يكون قلبياً، وعلى الاحتماليين فقد علّقه الاستفهام عن نصب مفعوله أو مفعوليه. و{كيف} خبر لِـ {كان} مقدّم عليها وجوباً. والعاقبة آخر الشيء ومآله وما يعقبه من مسبّباته. ويقال: عاقبة وعقبى، وهي اسم كالعافية والخاتمة. وإنّما وصفوا بِــ {المكذّبين} دون المستهزئين للدلالة على أنّ التكذيب والاستهزاء كانا خلقين من أخُلاقهم، وأنّ الواحد من هذين الخلقين كاف في استحقاق تلك العاقبة، إذ قال في الآية السابقة {أية : فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون}تفسير : [الأنعام: 10] وقال في هذه الآية {كيف كان عاقبة المكذّبين}. وهذا ردّ جامع لدحض ضلالاتهم الجارية على سنن ضلالات نظرائهم من الأمم السالفة المكذّبين.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَاقِبَةُ} (11) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ الجَاحِدِينَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ: سِيرُوا فِي الأَرْضِ، وَتَتَبَّعُوا أَخْبَارَ الأُمَمِ التِي عَاشَتْ فِيهَا، ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَتْ نِهَايَةُ المُكَذِّبِينَ، وَعَاقِبَةُ بَغْيِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، فَاعْتَبِرُوا بِذَلِكَ المَصِيرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نعلم أن الحق لم يقل أبداً: سيروا على الأرض؛ لأن الأرض ظرف يسير فيه الإنسان، والإنسان مظروف في الأرض. وقد حدث هذا البلاغ من الله قبل أن نصل بالعلم إلى معرفة أن الأرض كروية ومعلقة في الهواء، والهواء يحيط بها، وأن الهواء هو أقوات الإنسان بما فيه من أوكسجين وبما يغذي النبات من ثاني أوكسيد الكربون، ونعلم أن الإنسان يصبر على الطعام لأسابيع ويصبر على الماء لأيام ولا يصبر على انقطاع الهواء عنه للحظات. ولذلك لا يملَّك الله الهواء لأحد أبدا، وهكذا عرفنا أن الهواء من جنس الأرض. وعندما يسير الإنسان فالهواء يحيطه، وعلى ذلك فهو يسير في الأرض. وهذا من الإعجاز الأدائي في القرآن ونقرأ قوله الحق: {أية : فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : [النحل: 36]. وهنا في سورة الأنعام يقول الحق سبحانه: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} [الأنعام: 11]. ما الفرق بين الاثنتين؟ خصوصاً ونحن نعلم أن الفاء من حروف العطف وكذلك "ثم" هي أيضاً من حروف العطف وكلتاهما حرف يُفيد الترتيب، ولكن الفارق أن الفاء تعني الترتيب مع التعقيب أي من غير تراخٍ ومضى مدة . . مثل قولنا: جاء زيد فعمرو، أي أن عَمْراً جاء من فور مجيء زيدٍ من غير مهلة. ولكن "ثم" تعني طول المسافة الزمنية الفاصلة بين المعطوف والمعطوف عليه، فعندما يقول الحق: {أية : فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : [النحل: 36]. فكأن النظر والتدبر هو المراد من السير وبذلك يكون سيرَ الاعتبار. ويقول الحق: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} يعني أن الإنسان قد يسير في الأرض للتجارة أو الزراعة أو لأي عمل، وعليه أن يتفكر في أثناء ذلك وأن يتأمل, إذن فهناك سير للاعتبار وسير للمصلحة. والسير للاعتبار يعني أن يأخذ الإنسان العبرة مباشرة، أما السير للمصلحة. والسير للاعتبار يعني أن يأخذ الإنسان العبرة مباشرة، اما السير للمصلحة فهو أن يأخذ الإنسان العبرة ضمن المصلحة. وكان سير قريش بقوافلها إلى الشام واليمن يجعلها قادرة على أن ترى آثار المكذبين سواء من أهل ثمود أو قوم عاد أو غيرهم. وكان عليهم أن يأخذوا العبرة في أثناء سعيهم لتجارتهم. ويقول الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم من بعد ذلك: {قُل لِّمَن مَّا فِي...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):