٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من تقرير هذه الآية تقرير إثبات الصانع، وتقرير المعاد وتقرير النبوّة.وبيانه أن أحوال العالم العلوي والسفلي يدل على أن جميع هذه الأجسام موصوفة بصفات كان يجوز عليها اتصافها بأضدادها ومقابلاتها، ومتى كان كذلك، فاختصاص كل جزء من الأجزاء الجسمانية بصفته المعينة لا بدّ وأن يكون لأجل أن الصانع الحكيم القادر المختار خصّه بتلك الصفة المعينة، فهذا يدل على أن العالم مع كل ما فيه مملوك لله تعالى. وإذا ثبت هذا، ثبت كونه قادراً على الاعادة والحشر والنشر، لأن التركيب الأول إنما حصل لكونه تعالى قادراً على كل الممكنات، عالماً بكل المعلومات، وهذه القدرة والعلم يمتنع زوالهما، فوجب صحة الاعادة ثانياً. وأيضاً ثبت أنه تعالى ملك مطاع، والملك المطاع من له الأمر والنهي على عبيده، ولا بد من مبلغ، وذلك يدل على أن بعثة الأنبياء والرسل من الله تعالى إلى الخلق غير ممتنع. فثبت أن هذه الآية وافية بإثبات هذه المطالب الثلاثة. ولما سبق ذكر هذه المسائل الثلاثة، ذكر الله بعدها هذه الآية لتكون مقررة لمجموع تلك المطالب من الوجه الذي شرحناه والله أعلم. المسألة الثانية: قوله تعالى: {قُل لّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } سؤال. وقوله {قُل لِلَّهِ } جواب فقد أمره الله تعالى بالسؤال أولاً ثم بالجواب ثانياً. وهذا، إنما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب قد بلغ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر، ولا يقدر على دفعه دافع. ولما بينا أن آثار الحدوث والإمكان ظاهرة في ذوات جميع الأجسام وفي جميع صفاتها، لا جرم كان الاعتراف بأنها بأسرها ملك لله تعالى وملك له ومحل تصرفه وقدرته لا جرم أمره بالسؤال أولاً ثم بالجواب ثانياً، ليدل ذلك على أن الاقرار بهذا المعنى مما لا سبيل إلى دفعه البتة. وأيضاً فالقوم كانوا معترفين بأن كل العالم ملك لله، وملكه وتحت تصرفه وقهره وقدرته بهذا المعنى كما قال: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] ثم إنه تعالى لما بيّن بهذا الطريق كممال إلٰهيته وقدرته ونفاذ تصرفه في عالم المخلوقات بالكلية، أردفه بكمال رحمته وإحسانه إلى الخلق فقال: {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } فكأنه تعالى قال: إنه لم يرض من نفسه بأن لا ينعم ولا بأن يعد بالإنعام، بل أبداً ينعم وأبداً يعد في المستقبل بالإنعام ومع ذلك فقد كتب على نفسه ذلك وأوجبه إيجاب الفضل والكرم. واختلفوا في المراد بهذه الرحمة فقال بعضهم: تلك الرحمة هي أنه تعالى يمهلهم مدة عمرهم ويرفع عنهم عذاب الاستئصال ولا يعاجلهم بالعقوبة في الدنيا. وقيل إن المراد أنه كتب على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدقهم وقبل شريعتهم. واعلم أنه جاءت الأخبار الكثيرة في سعة رحمة الله تعالى، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لما فرغ الله من الخلق كتب كتاباً أن رحمتي سبقت غضبي».تفسير : فإن قيل: الرحمة هي إرادة الخير، والغضب هو إرادة الانتقام، وظاهر هذا الخبر يقتضي كون إحدى الإرادتين سابقة على الأخرى، والمسبوق بالغير محدث، فهذا يقتضي كون إرادة الله تعالى محدثة. قلنا: المراد بهذا السبق سبق الكثرة لا سبق الزمان. وعن سلمان أنه تعالى لما خلق السماء والأرض خلق مائة رحمة، كل رحمة ملء ما بين السماء والأرض، فعنده تسع وتسعون رحمة، وقسم رحمة واحدة بين الخلائق، فبها يتعاطفون ويتراحمون، فإذا كان آخر الأمر قصرها على المتقين. أما قوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } ففيه أبحاث: الأول: «اللام» في قوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ } لام قسم مضمر، والتقدير: والله ليجمعنكم. البحث الثاني: اختلفوا في أن هذا الكلام مبتدأ أو متعلق بما قبله. فقال بعضهم أنه كلام مبتدأ، وذلك لأنه تعالى بيّن كمال إلهيته بقوله {قُل لّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ قُل لِلَّهِ } ثم بيّن تعالى أنه يرحمهم في الدنيا بالامهال ودفع عذاب الاستئصال، وبيّن أنه يجمعهم إلى يوم القيامة، فقوله {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } أنه يمهلهم وقوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أنه لا يمهلهم بل يحشرهم ويحاسبهم على كل ما فعلوا. والقول الثاني: أنع متعلق بما قبله والتقدير: كتب ربكم على نفسه الرحمة. وكتب ربكم على نفسه ليجمعنكم إلى يوم القيامة. وقيل: أنه لما قال: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } فكأنه قيل: وما تلك الرحمة؟ فقيل: إنه تعالى {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } وذلك لأنه لولا خوف العذاب يوم الققيامة لحصل الهرج والمرج ولارتفع الضبط وكثر الخبط، فصار التهديد بيوم القيامة من أعظم أسباب الرحمة في الدنيا، فكان قوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } كالتفسير لقوله {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ }. البحث الثالث: أن قوله {قُل لّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ قُل لِلَّهِ } كلام ورد على لفظ الغيبة. وقوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } كلام ورد على سبيل المخاطبة. والمقصود منه التأكيد في التهديد، كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السمٰوات والأرض لله وملكه، وقد علمتم أن الملك الحكيم لا يهمل أمر رعيته ولا يجوز في حكمته أن يسوي بين المطيع والعاصي وبين المشتغل بالخدمة والمعرض عنها، فهلا علمتم أنه يقيم القيامة ويحضر الخلائق ويحاسبهم في الكل؟ البحث الرابع: ان كلمة {إِلَىٰ } في قوله {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فيها أقوال: الأول: أنها صلة والتقدير: ليجمعنكم يوم القيامة. وقيل: {إِلَىٰ } بمعنى في أي ليجمعنكم في يوم القيامة. وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة، لأن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان. وقيل: ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرن إلى يوم القيامة. أما قوله {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ففيه أبحاث: الأول: في هذه الآية قولان: الأول: أن قوله {ٱلَّذِينَ } موضعه نصب على البدل من الضمير في قوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ } والمعنى ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم وهو قول الأخفش. والثاني: وهو قول الزجاج، أن قوله {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } رفع بالابتداء، وقوله {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } خبره، لأن قوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ } مشتمل على الكل، على الذين خسروا أنفسهم وعلى غيرهم «والفاء» في قوله {فَهُمْ} يفيد معنى الشرط والجزاء، كقولهم: الذي يكرمني فله درهم، لأن الدرهم وجب بالاكرام فكان الاكرام شرطاً والدرهم جزاء. فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن خسرانهم سبب لعدم إيمانهم، والأمر على العكس. قلنا: هذا يدل على أن سبق القضاء بالخسران والخذلان، هو الذي حملهم على الامتناع من الايمان، وذلك عين مذهب أهل السنّة.
البيضاوي
تفسير : {قُل لّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} خلقاً وملكاً، وهو سؤال تبكيت. {قُل لِلَّهِ } تقريراً لهم وتنبيهاً على أنه المتعين للجواب بالإِنفاق، بحيث لا يمكنهم أن يذكروا غيره. {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } التزمها تفضلاً وإحساناً والمراد بالرحمة ما يعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده بنصب الأدلة، وإنزال الكتب والإِمهال على الكفر. {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } استئناف وقسم للوعيد على إشراكهم وإغفالهم النظر أي: ليجمعنكم في القبور مبعوثين إلى يوم القيامة، فيجازيكم على شرككم. أو في يوم القيامة وإلى بمعنى في. وقيل بدل من الرحمة بدل البعض فإنه من رحمته بعثه إياكم وإنعامه عليكم. {لاَ رَيْبَ فِيهِ } في اليوم أو الجمع. {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } بتضييع رأس مالهم. وهو الفطرة الأصلية والعقل السليم، وموضع الذين نصب على الذم أو رفع على الخبر أي: وأنتم الذين أو على الابتداء والخبر. {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } والفاء للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم، فإن إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد وإغفال النظر أدى بهم إلى الاصرار على الكفر والامتناع من الإِيمان {وَلَهُ } عطف على لله. {مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } من السكنى وتعديته بفي كما في قوله تعالى: {أية : وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } تفسير : [إبراهيم: 45] والمعنى ما اشتملا عليه، أو من السكون أي ما سكن فيهما وتحرك فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل مسموع. {ٱلْعَلِيمُ } بكل معلوم فلا يخفى عليه شيء، ويجوز أن يكون وعيداً للمشركين على أقوالهم وأفعالهم. {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً } إنكار لاتخاذ غير الله ولياً لا لاتخاذ الولي. فلذلك قدم وأولى الهمزة والمراد بالولي المعبود لأنه رد لمن دعاه إلى الشرك. {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} مبدعهما، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما، أنا فطرتها أي ابتدأتها. وجره على الصفة لله فإنه بمعنى الماضي ولذلك قرىء «فطر» وقرىء بالرفع والنصب على المدح. {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } يَرزق ولا يُرزق، وتخصيص الطعام لشدة الحاجة إليه. وقرىء ولا يطعم بفتح الياء وبعكس الأول على أن الضمير لغير الله، والمعنى كيف أشرك بمن هو فاطر السموات والأرض ما هو نازل عن رتبة الحيوانية، وببنائهما لفاعل على أن الثاني من أنعم بمعنى استطعم، أو على معنى أنه يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله: {أية : يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ }تفسير : [البقرة: 245]. {قُلْ إِنّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} لأن النبي صلى الله عليه وسلم سابق أمته في الدين. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} وقيل لي ولا تكونَنَّ، ويجوز عطفه على قل. {قُلْ إِنّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} مبالغة أخرى في قطع أطماعهم، وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب، والشرط معترض بين الفعل والمفعول به وجوابه محذوف دل عليه الجملة. {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ} أي بصرف العذاب عنه. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم {يُصْرَفْ} عَلَى أن الضمير فيه لله سبحانه وتعالى. وقد قرىء بإظهاره والمفعول به محذوف، أو يومئذ بحذف المضاف. {فَقَدْ رَحِمَهُ} نجاه وأنعم عليه. {وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } أي الصرف أو الرحمة. {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ} ببلية كمرض وفقر. {فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ} فلا قادر على كشفه. {إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} بنعمة كصحة وغنى. {فَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدُيرٌ} فكان قادراً على حفظه وإدامته فلا يقدر غيره على دفعه كقوله تعالى: {أية : فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ }تفسير : .[يونس: 107] {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } تصوير لقهره وعلوه بالغلبة والقدرة. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } في أمره وتدبيره. {ٱلْخَبِيرُ} بالعباد وخفايا أحوالهم. {قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً } نزلت حين قالت قريش: يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول الله. والشيء يقع على كل موجود، وقد سبق القول فيه في سورة «البقرة». {قُلِ ٱللَّهُ } أي الله أكبر شهادة ثم ابتدأ {شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي هو شهيد بيني وبينكم، ويجوز أن يكون الله شهيد هو الجواب لأنه سبحانه وتعالى إذا كان الشهيد كان أكبر شيء شهادة. {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذركم بِهِ} أي بالقرآن، واكتفى بذكر الإِنذار عن ذكر البشارة. {وَمَن بَلَغَ} عطف على ضمير المخاطبين، أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه من الأسود والأحمر، أو من الثقلين، أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن بلغه إلى يوم القيامة، وفيه دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم، وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه. {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى} تقرير لهم مع إنكار واستبعاد. {قُل لاَّ أَشْهَدُ} بما تشهدون. {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} أي بل أشهد أن لا إله إلا هو. {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ} يعني الأصنام. {ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُ} يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته المذكورة في التوراة والإِنجيل. {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ} بحلاهم. {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} من أهل الكتاب والمشركين. {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} لتضييعهم ما به يكتسب الإِيمان.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهن، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة، كما ثبت في الصحيحين، من طريق الأعمش: عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله لما خلق الخلق، كتب كتاباً عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي» تفسير : وقوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة، ليجمعن عباده {أية : إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الواقعة: 50] وهو يوم القيامة الذي لا ريب فيه، أي: لا شك فيه عند عباده المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون، فهم في ريبهم يترددون، وقال ابن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عقبة، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محصن بن عقبة اليماني، عن الزبير بن شبيب، عن عثمان بن حاضر، عن ابن عباس، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء؟ قال: «حديث : والذي نفسي بيده إن فيه لماء، إن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء،ويبعث الله تعالى سبعين ألف ملك، في أيديهم عصي من نار، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء»تفسير : ، هذا حديث غريب، وفي الترمذي: «حديث : إن لكل نبي حوضاً، وأرجو أن أكون أكثرهم وارداً»تفسير : وقوله: {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} أي: يوم القيامة {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم، ثم قال تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي: كل دابة في السموات والأرض الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، لا إله إلا هو، {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم؛ ثم قال تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه بالتوحيد العظيم وبالشرع القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى صراط الله المستقيم: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} كقوله: {أية : قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّىۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ } تفسير : [الزمر:64] والمعنى: لا أتخذ ولياً إلا الله وحده لا شريك له، فإنه فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما ومبدعهما، على غير مثال سبق {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} أي: وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى:{ أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] الآية، وقرأ بعضهم ههنا: {وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ} أي: لا يأكل، وفي حديث سهيل بن أبي صالح: عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم على طعام، فانطلقنا معه، فلما طعم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يديه، قال: «حديث : الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، ومن علينا فهدانا وأطعمنا، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافئ ولا مكفور، ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وهدانا من الضلال، وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً، الحمد لله رب العالمين» تفسير : {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} أي: من هذه الأمة {ولا تكونن من المشركين قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يعني: يوم القيامة {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ} أي: العذاب {يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ} يعني: رحمه الله {وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} كقوله: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} تفسير : [آل عمران: 185] والفوز حصول الربح، ونفي الخسارة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قل لِّمن مَّا في السَّمَٰوَاتِ والأَرْضِ قُلِ لِلّهِ} إن لم يقولوه لا جواب غيره {كَتَبَ} قضى {عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } فضلاً منه، وفيه تلطف في دعائهم إلى الإِيمان {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ } ليجازيكم بأعمالكم {لاَ رَيْبَ } شك {فِيهِ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } بتعريضها للعذاب مبتدأ خبره {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {قُل لّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } هذا احتجاج عليهم وتبكيت لهم، والمعنى: قل لهم هذا القول فإن قالوا فقل لله، وإذا ثبت أن له ما في السموات والأرض إما باعترافهم، أو بقيام الحجة عليهم، فالله قادر على أن يعاجلهم بالعقاب، ولكنه كتب على نفسه الرحمة، أي وعد بها فضلاً منه وتكرّماً، وذكر النفس هنا عبارة عن تأكد وعده، وارتفاع الوسائط دونه، وفي الكلام ترغيب للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وتسكين خواطرهم بأنه رحيم بعباده لا يعاجلهم بالعقوبة، وأنه يقبل منهم الإنابة والتوبة، ومن رحمته لهم إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ونصب الأدلة. قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } اللام جواب قسم محذوف. قال الفراء وغيره: يجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله: {ٱلرَّحْمَةِ } ويكون ما بعدها مستأنفاً على جهة التبيين، فيكون المعنى {لَيَجْمَعَنَّكُمْ } ليمهلنكم وليؤخرنّ جمعكم. وقيل المعنى: ليجمعنكم في القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه. وقيل: "إِلَىٰ" بمعنى في، أي ليجمعنكم في يوم القيامة. وقيل يجوز أن يكون موضع {لَيَجْمَعَنَّكُمْ } النصب على البدل من الرحمة، فتكون اللام بمعنى "أن". والمعنى: كتب ربكم على نفسه الرحمة أن يجمعنكم كما قالوا في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُ } تفسير : [يوسف: 35] أي أن يسجنوه. وقيل إن جملة {لَيَجْمَعَنَّكُمْ } مسوقة للترهيب بعد الترغيب، وللوعيد بعد الوعد، أي إن أمهلكم برحمته فهو مجازيكم بجمعكم في معاقبة من يستحق عقوبته من العصاة، والضمير في {لاَ رَيْبَ فِيهِ } لليوم أو للجمع. قوله: {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. قال الزجاج: إن الموصول مرتفع على الابتداء وما بعده خبره كما تقول: الذي يكرمني فله درهم، فالفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط. وقال الأخفش: إن شئت كان {ٱلَّذِينَ} في موضع نصب على البدل من الكاف والميم في {لَيَجْمَعَنَّكُمْ } أي ليجمعنّ المشركين الذين خسروا أنفسهم، وأنكره المبرد، وزعم أنه خطأ، لأنه لا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب. لا يقال: مررت بك زيد ولا مررت بي زيد. وقيل: يجوز أن يكون {ٱلَّذِينَ } مجروراً على البدل من المكذبين الذين تقدّم ذكرهم، أو على النعت لهم. وقيل: إنه منادى وحرف النداء مقدّر. قوله: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } أي: لله، وخصّ الساكن بالذكر، لأن ما يتصف بالسكون أكثر مما يتصف بالحركة؛ وقيل المعنى: ما سكن فيهما أو تحرّك فاكتفى بأحد الضدّين عن الآخر، وهذا من جملة الاحتجاج على الكفرة. قوله: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً } الاستفهام للإنكار، قال لهم ذلك لما دعوه إلى عبادة الأصنام، ولما كان الإنكار لاتخاذ غير الله ولياً، لا لاتخاذ الولي مطلقاً؛ دخلت الهمزة على المفعول لا على الفعل. والمراد بالوليّ هنا: المعبود أي كيف أتخذ غير الله معبوداً؟ و {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } مجرور على أنه نعت لاسم الله، وأجاز الأخفش الرفع على إضمار مبتدأ، وأجاز الزجاج النصب على المدح، وأجاز أبو عليّ الفارسي نصبه بفعل مضمر، كأنه قيل أترك فاطر السموات والأرض. قوله: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } قرأ الجمهور بضم الياء وكسر العين في الأوّل، وضمها وفتح العين في الثاني، أي يرزق ولا يرزق، وقرأ سعيد بن جبير، ومجاهد، والأعمش بفتح الياء في الثاني وفتح العين، وقرىء بفتح الياء والعين في الأوّل، وضمها وكسر العين في الثاني على أن الضمير يعود إلى الوليّ المذكور، وخصّ الإطعام دون غيره من ضروب الإنعام؛ لأن الحاجة إليه أمسّ. قوله: {قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } أمره سبحانه بعد ما تقدّم من اتخاذ غير الله ولياً أن يقول لهم: إنه مأمور بأن يكون أوّل من أسلم وجهه لله من قومه، وأخلص من أمته؛ وقيل معنى {أَسْلَمَ } استسلم لأمر الله، ثم نهاه الله عزّ وجلّ أن يكون من المشركين. والمعنى: أمرت بأن أكون أوّل من أسلم ونهيت عن الشرك، أي يقول لهم هذا، ثم أمره أن يقول: {إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } أي إن عصيته بعبادة غيره أو مخالفة أمره و نهيه. والخوف: توقع المكروه؛ وقيل: هو هنا بمعنى العلم، أي إني أعلم إن عصيت ربي أن لي عذاباً عظيماً. قوله: {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ } قرأ أهل المدينة وأهل مكة، وابن عامر، على البناء للمفعول، أي من يصرف عنه العذاب، واختار هذه القراءة سيبويه. وقرأ الكوفيون على البناء للفاعل، وهو اختيار أبي حاتم، فيكون الضمير على هذه القراءة لله. ومعنى {يَوْمَئِذٍ } يوم العذاب العظيم، {فَقَدْ رَحِمَهُ } الله أي نجاه وأنعم عليه وأدخله الجنة، والإشارة بذلك إلى الصرف أو إلى الرحمة، أي فذلك الصرف أو الرحمة {ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } أي الظاهر الواضح، وقرأ أبيّ {مَّن يُصْرَفْ عَنْه}. قوله: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ } أي إن ينزل الله بك ضراً من فقر أو مرض {فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ } أي لا قادر على كشفه سواه {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ } من رخاء أو عافية {فَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدُيرٌ } ومن جملة ذلك المسّ بالشرّ والخير. قوله: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } القهر: الغلبة، والقاهر: الغالب، وأقهر الرجل: إذا صار مقهوراً ذليلاً، ومنه قول الشاعر:شعر : تمنى حصين أن يسود خزاعة فأمسى حصين قد أذلّ وأقهرا تفسير : ومعنى: {فَوْقَ عِبَادِهِ } فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، لا فوقية المكان كما تقول: السلطان فوق رعيته، أي بالمنزلة والرفعة. وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة، وهو منع غيره عن بلوغ المراد {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } في أمره {ٱلْخَبِيرُ } بأفعال عباده. قوله: {قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً } أيّ مبتدأ، وأكبر خبره، وشهادة تمييز، والشيء يطلق على القديم والحادث، والمحال والممكن. والمعنى: أيّ شهيد أكبر شهادة، فوضع شيء موضع شهيد. وقيل: إن {شَىْء } هنا موضوع موضع اسم الله تعالى. والمعنى: الله أكبر شهادة، أي انفراده بالربوبية، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة، وأعظم فهو شهيد بيني وبينكم. وقيل: إن قوله: {ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } هو الجواب، لأنه إذا كان الشهيد بينه وبينهم كان أكبر شهادة له صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنه قد تمّ الجواب عند قوله: {قُلِ ٱللَّهُ } يعني الله أكبر شهادة، ثم ابتدأ فقال: {شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } أي شهيد بيني وبينكم. قوله: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغ} أي أوحى الله إليّ هذا القرآن الذي تلوته عليكم؛ لأجل أن أنذركم به، وأنذر به من بلغ إليه، أي كل من بلغ إليه من موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلة، وفي هذه الآية من الدلالة على شمول أحكام القرآن لمن سيوجد، كشمولها لمن قد كان موجوداً وقت النزول، ما لا يحتاج معه إلى تلك الخزعبلات المذكورة في علم أصول الفقه، وقرأ أبو نهيك "وَأُوحِىَ" على البناء للفاعل، وقرأ ابن عدي على البناء للمفعول. قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ} الاستفهام للتوبيخ والتقريع على قراءة من قرأ بهمزتين على الأصل أو بقلب الثانية، وأما من قرأ على الخبر فقد حقّق عليهم شركهم، وإنما قال: {آلِهَةً أُخْرَىٰ} لأن الآلهة جمع، والجمع يقع عليه التأنيث، كذا قال الفراء، ومثله قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلأسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأعراف: 180] وقال: {أية : فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلاْولَىٰ } تفسير : [طه: 51] {قُل لاَّ أَشْهَدُ} أي فأنا لا أشهد معكم فحذف لدلالة الكلام عليه، وذلك لكون هذه الشهادة باطلة، ومثله: {أية : فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} تفسير : [الأنعام: 150] و"ما" في {مّمَّا تُشْرِكُونَ } موصولة أو مصدرية، أي من الأصنام التي تجعلونها آلهة، أو من إشراككم بالله. قوله: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ } الكتاب للجنس فيشمل التوراة والإنجيل وغيرهما، أي يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال به جماعة من السلف، وإليه ذهب الزجاج. وقيل إن الضمير يرجع إلى الكتاب، أي يعرفونه معرفة محققة، بحيث لا يلتبس عليهم منه شيء، و {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ } بيان لتحقيق تلك المعرفة وكمالها وعدم وجود شك فيها، فإن معرفة الآباء للأبناء هي المبالغة إلى غاية الإتقان إجمالاً وتفصيلاً. قوله: {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } في محل رفع على الابتداء، وخبره {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ودخول الفاء في الخبر، لتضمن المبتدأ معنى الشرط. وقيل: إن الموصول خبر مبتدأ محذوف. وقيل: هو نعت للموصول الأوّل. وعلى الوجهين الأخيرين يكون {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } معطوفاً على جملة {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ }. والمعنى على الوجه الأوّل: أن الكفار الخاسرين لأنفسهم بعنادهم وتمرّدهم لا يؤمنون بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الوجهين الأخيرين أن أولئك الذين آتاهم الله الكتاب هم الذين خسروا أنفسهم بسبب ما وقعوا فيه من البعد عن الحق، وعدم العمل بالمعرفة التي ثبتت لهم فهم لا يؤمنون. قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } أي اختلق على الله الكذب فقال: إن في التوراة و الإنجيل ما لم يكن فيهما {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِه} التي يلزمه الإيمان بها من المعجزة الواضحة البينة، فجمع بين كونه كاذباً على الله، ومكذباً بما أمره الله بالإيمان به، ومن كان هكذا فلا أحد من عباد الله أظلم منه، والضمير في {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } للشأن. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سلمان الفارسيّ قال: إنا نجد في التوراة أن الله خلق السموات والأرض، ثم جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتبادلون، وبها يتزاورون وبها تحنّ الناقة، وبها تنتج البقرة، وبها تيعر الشاة، وبها تتابع الطير، وبها تتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع. وقد أخرج مسلم، وأحمد، وغيرهما، عن سلمان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خلق الله يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة: منها رحمة يتراحم بها الخلق، وتسعة وتسعون ليوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة»تفسير : وثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما قضى الله الخلق كتب كتاباً فوضعه عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي»تفسير : . وقد روي من طرق أخرى بنحو هذا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } يقول ما استقرّ في الليل والنهار، وفي قوله: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً } قال: أما الولي فالذي تولاه، ويقرّ له بالربوبية. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله: {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } قال: بديع السموات والأرض. وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن جرير، وابن الأنباري، عنه قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض؟ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} قال: يرزق ولا يرزق. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ } قال: من يصرف عنه العذاب. وأخرج أبو الشيخ عن السديّ في قوله: {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ } يقول: بعافية. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: جاء التمام بن زيد، وقردم بن كعب، وبحري بن عمرو فقالوا: يا محمد ما تعلم مع الله إلٰهاً غيره؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا إلٰه إلا الله، بذلك بعثت وإلى ذلك أدعو"تفسير : ، فأنزل الله: {قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً } الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد قال: أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يسأل قريشاً أيّ شيء أكبر شهادة؟ ثم أمره أن يخبرهم فيقول: الله شهيد بيني وبينكم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ} يعني أهل مكة {وَمَن بَلَغَ } يعني من بلغه هذا القرآن من الناس فهو له نذير. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ} كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، وكل جبار يدعوهم إلى الله عزّ وجل، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم، والخطيب وابن النجار، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من بلغه القرآن فكأنما شافهته به"تفسير : ، ثم قرأ، {وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب القرظي قال: «من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ من بلغه القرآن حتى تفهمه وتعقله كان كمن عاين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن مجاهد في قوله: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِه} قال: العرب {وَمَن بَلَغَ } قال: العجم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: قال النضر وهو من بني عبد الدار: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } الآية.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} من أجسام الحيوان، لأن من الحيوان ما يسكن ليلاً، ومنه ما يسكن نهاراً. فإن قيل: فلم قال {مَا سَكَنَ} ولم يقل ما تحرك؟ قيل لأمرين: أحدهما: أن ما يَعُمُّه السكون أكثر مما يَعُمُّه الحركة. والثاني: لأن كل متحرك لا بد أن تنحل حركته سكوناً، فصار كل متحرك ساكناً، وقد قال الكلبي: معناه وله ما استقر في الليل والنهار، وهما الزمان كله، لأنه لا زمان إلا ليل أو نهار، ولا فصل بينهما يخرج عن واحد منهما. قوله عز وجل: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيَّاً} يعني إلهاً يَتَولاَّنِي. {فَاطِر السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} أي خالق السموات والأرض ومبتدئها، قال ابن عباس: كنت لا أدري ما فاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فَطَرْتُهَا، أي ابتدأتها، وأصل الفطر الشق، ومنه {أية : هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ} تفسير : [الملك: 3] أي شقوق. {وَهُوَ يَطْعمُ وَلاَ يُطْعَمُ} معناه يَرْزُقُ ولا يُرْزَق، قرأ بعضهم {وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يَطْعَمُ} معناه على هذه القراءة: وهو يطعم خلقه ولا يأكل. {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} يعني من أمته، وفي إسلامه هذا ثلاثة أوجه: أحدها: استسلامه لأمر الله، ومثله قول الشاعر: شعر : طال النهار على من لقاح له إلا الهديّة أو ترك بإسلام تفسير : أي باستسلام. والثاني: هو دخوله في سِلْمِ الله وخروجه من عداوته. والثالث: دخوله في دين إبراهيم كقوله تعالى: {أية : مِلَّهَ ءَابِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} تفسير : [الحج: 78] ويكون المراد به أول من أَسْلَم من قريش، وقيل: من أهل مكة. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يحتمل أن يكون هذا خطاباً من الله لنبيه يَنْهَاهُ به عن الشرك، ويُحْتَمَل أن يكون المراد به جميع أمته، وإن توجه الخطاب إليه.
ابن عطية
تفسير : قال بعض أهل التأويل: في الكلام حذف تقديره: {قل لمن ما في السماوات والأرض}؟ فإذا تحيروا ولم يجيبوا، قل لله، وقالت فرقة: المعنى أنه أمر بهذا السؤال فكأنهم لما لم يجيبوا ولا تيقنوا سألوا فقيل له: قل لله، والصحيح أن الله عز وجل أمر محمداً عليه السلام بقطعهم بهذه الحجة الساطعة والبرهان القطعي الذي لا مدافعة فيه عندهم ولا عند أحد، ليعتقد هذا المعتقد الذي بينه وبينهم ثم يتركب احتجاجه عليه، جاء ذلك بلفظ استفهام وتقرير في قوله: {لمن ما في السماوات والأرض} والوجه في الحجة، كما تقول لمن تريد غلبته بآية تحتج بها عليه، كيف قال الله في كذا؟ ثم تسبقه أنت إلى الآية فتنصها عليه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: يا أيها الكافرون العادلون بربهم {لمن ما في السماوات والأرض}؟ ثم سبقهم فقال: {لله} ، أي لا مدافعة في هذا عندكم ولا عند أحد، ثم ابتدأ يخبر عنه تعالى: {كتب على نفسه الرحمة} معناه قضاها وأنفذها. وفي هذا المعنى أحاديث عن النبي عليه السلام تتضمن كتب الرحمة، ومعلوم من غير ما موضع من الشريعة أن ذلك للؤمنين في الآخرة ولجميع الناس في الدنيا، منها أن الله تعالى خلق مائة رحمة فوضع منها واحدة في الأرض فيها تتعاطف البهائم وترفع الفرس رجلها لئلا تطأ ولدها. وبها تتعاطف الطير والحيتان، وعنده تسع وتسعون رحمة، فإذا كان يوم القيامة صير تلك الرحمة مع التسعة والتسعين وبثها في عباده. قال القاضي أبو محمد: فما أشقى من لم تسعه هذه الرحمات تغمدنا الله بفضل منه، ومنها حديث آخر أن الله عز وجل كتب عنده كتاباً فهو عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي، ويروى: نالت غضبي، ومعناه سبقت، وأنشد عليه ثابت بن قاسم: شعر : أَبَني كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيَّ اللَّذَا نالا الملوك وفكَّكا الأغلالا تفسير : ويتضمن هذا الإخبار عن الله تعالى بأنه كتب الرحمة تأنيس الكفار ونفي يأسهم من رحمة الله إذا تابوا، وأن باب توبتهم مفتوح، قال الزجاج: {الرحمة} هنا إمهال الكفار وتعميرهم ليتوبوا، وحكى المهدوي: أن جماعة من النحويين قالت: إن {ليجمعنكم} هو تفسير {الرحمة} تقديره: أن يجمعكم فيكون {ليجمعنكم} في موضع نصب على البدل من {الرحمة} ، وهو مثل قوله: {أية : ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} تفسير : [يوسف:35] المعنى: أن يسجنوه. قال القاضي أبو محمد: يلزم على هذا القول أن تدخل النون الثقيلة في الإيجاب، وهو مردود، وإنما تدخل في الأمر والنهي وباختصاص الواجب في القسم، وقالت فرقة وهو الأظهر: إن اللام لام قسم والكلام مستأنف، ويتخرج ذلك في {ليسجننه} وقالت فرقة {إلى} بمعنى في وقيل على بابها غاية وهو الأرجح، و {لا ريب فيه} لا شك فيه، أي هو في نفسه وذاته لا ريب فيه، وقوله تعالى: {الذين خسروا أنفسهم} الآية قيل إن {الذين} منادى. قال القاضي أبو محمد: وهو فاسد لأن حرف النداء لا يسقط مع المبهمات، وقيل: هو نعت المكذبين الذين تقدم ذكرهم، وقيل: هو بدل من الضمير في {ليجمعنكم} ، قال المبرد: ذلك لا يجوز كما لا يجوز مررت بك زيد. قال القاضي أبو محمد: وقوله في الآية {ليجمعنكم} مخالف لهذا المثال لأن الفائدة في البدل مترقبة من الثاني وإذا قلت مررت بك زيد فلا فائدة في الثاني، وقوله: {ليجمعنكم} يصلح لمخاطبة الناس كافة فيفيدنا إبدال {الذين} من الضمير أنهم هم المختصون بالخطاب هنا، وخصوا على جهة الوعيد، ويتضح فيها الوعيد إذا جعلنا اللام للقسم وهو القول الصحيح, ويجيء هذا بدل البعض من الكل, وقال الزجاج {الذين} رفع بالابتداء وخبره {فهم لا يؤمنون} ، وهذا قول حسن، والفاء في قوله: {فهم} جواب على القول بأن {الذين} رفع بالابتداء لأن معنى الشرط حاصل تقديره، من خسر نفسه فهو لا يؤمن، وعلى القول بأن {الذين} بدل من الضمير هي عاطفة جملة على جملة، و {خسروا} معناه غبنوا أنفسهم بأن وجب عليها عذاب الله وسخطه، ومنه قول الشاعر [الأعشى]: [السريع] شعر : لا يأخُذُ الرَشْوَةَ في حُكْمِهِ ولا يبالي غَبَنَ الخَاسِرِ تفسير : وقوله تعالى: {وله ما سكن} الآية {وله} عطف على قوله {لله} واللام للملك، و {ما} بمعنى الذي، و {سكن} هي من السكنى ونحوه أي ما ثبت وتقرر، قاله السدي وغيره وقالت فرقة: هو من السكون، وقال بعضهم: لأن الساكن من الأشياء أكثر من المتحرك إلى غير هذا من القول الذي هو تخليط، والمقصد في الآية عموم كل شيء وذلك لا يترتب إلا أن يكون {سكن} بمعنى استقر وثبت وإلا فالمتحرك من الأشياء المخلوقات أكثر من السواكن، ألا ترى إلى الفلك والشمس والقمر والنجوم والسابحة والملائكة وأنواع الحيوان والليل والنهار حاصران للزمان {وهو السميع العليم} هاتان صفتان تليقان بنمط الآية من قبل أن ما ذكر قبل من الأقوال الردية عن الكفرة العادلين هو سميع لهم عليم بمواقعها مجازٍ عليها، ففي الضمير وعيد.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {قل لمن ما في السموات والأرض قل لله} هذا سؤال وجواب المعنى قل يا محمد لهؤلاء المكذبين العادلين بربهم لمن ملك ما في السموات والأرض فإن أجابوك وإلا فأخبرهم أن ذلك لله الذي قهر كل شيء وملك كل شيء واستعبد كل شيء لا للأصنام التي تعبدونها أنتم فإنها موات لا تملك شيئاً ولا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً وإنما أمره بالجواب عقب السؤال ليكون أبلغ في التأكيد وآكد في الحجة ولما بين الله تعالى كمال قدرته وتصرفه في سائر مخلوقاته أردفه بكمال رحمته وإحسانه إليهم فقال تعالى: {كتب على نفسه الرحمة} يعني أنه تعالى أوجب وقضى على نفسه الرحمة وهذا استعطاف منه للمتولين عنه الإقبال عليه وإخبار بأنه رحيم بعباده وأنه لا يعجل بالعقوبة بل يقبل التوبة والإنابة ممن تاب وأناب (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي"تفسير : وفي البخاري: "حديث : أن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش"تفسير : وفي رواية لهما أن الله لما خلق الخلق، وعند مسلم لما قضى الله الخلق كتب في كتاب كتبه على نفسه فهو موضوع عنده، زاد البخاري على العرش ثم اتفقا "إن رحمتي تغلب غضبي" (ق) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين وأنزل في الأرض جزءاً واحداً فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه"تفسير : زاد البخاري في رواية له ولو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من العذاب. ولمسلم إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها وأخر الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة (م) عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض فجعل منها في الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة"تفسير : (ق) عن عمر قال: حديث : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا لا والله وهي تقدر أن تطرحه فقال صلى الله عليه وسلم الله أرحم بعباده من هذه المرأة بولدها" تفسير : وقوله تعالى: {ليجمعنكم} اللام في قوله ليجمعنكم لام القسم تقديره والله ليجمعنكم {إلى يوم القيامة} يعني في يوم القيامة وقيل معناه في قبوركم إلى يوم القيامة {لا ريب فيه} أي لا شك فيه أنه آت {الذين خسروا أنفسهم} يعني بالشرك بالله أو غبنوا أنفسهم باتخاذهم الأصنام فعرضوا أنفسهم لسخط الله وأليم عقابه فكانوا كمن خسر شيئاً وأصل الخاسر الغبن يقال خسر الرجل إذا غبن في بيعه {فهم لا يؤمنون} يعني لما سبق عليهم القضاء بالخسران فهو الذي حملهم على الامتناع عن الإيمان. قوله تعالى: {وله ما سكن في الليل والنهار} يعني وله ما استقر وقيل ما سكن وما تحرك فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر وقيل إنما خص السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر وقال ابن جرير كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكن الليل والنهار فيكون المراد منه جميع ما حصل في الأرض من الدواب والحيوانات والطير وغير ذلك مما في البر والبحر وهذا يفيد الحصر والمعنى أن جميع الموجودات ملك لله تعالى لا لغيره {وهو السميع} لأقوالهم وأصواتهم {العليم} بسرائرهم وأحوالهم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {إني أمرت} بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع {إني أخاف} بفتح الياء: هما وابن كثير وأبو عمرو. الباقون: بالسكون. {من يصرف} مبنياً للفاعل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل. الباقون: مبنياً للمفعول {أئنكم} بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة {أينكم} بالياء بعد الهمزة: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد {آينكم} بالمد والياء: أبو عمرو ويزيد. وقالون {بريء} بغير همز حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف {يحشرهم ثم يقول} بياء الغيبة فيهما: يعقوب. الباقون: بالنون {ثم لم تكن} بتاء التأنيث: حمزة وعلي وحماد والمفضل وسهل ويعقوب الباقون: بالياء {فتنتهم} بالرفع: ابن كثير وابن عامر وحفص والمفضل. الباقون: بالنصب {والله ربنا} بالنصب على النداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل. الباقون: بالجر على البدل أو البيان. الوقوف: {والأرض} ط {قل لله} ط {الرحمة} ط لأن قوله {ليجمعنكم} جواب قسم محذوف. وقيل: لا وقف و{ليجمعنكم} جواب معنى القسم في {كتب} وفيه نظر لأن {كتب} وعد ناجز و{ليجمعنكم} وعد منتظر. {لا ريب فيه} ط بناء على أن الذين مبتدأ فيه معنى الشرط {لا يؤمنون} ه {والنهار} ط {العليم} ه {ولا يطعم} ط {من المشركين} ه {عظيم} ه {رحمه} ط {المبين} ه {إلا هو} ط {قدير} ه {عباده} ط {الخبير} ه {شهادة} ط {ومن بلغ} ط {أخرى} ط لانتهاء الاستخبار إلى الإخبار. {قل لا أشهد} ج لاتساق الكلام بلا عطف {يشركون} ه {أبناءهم} م لئلا يوهم أن ما بعده وصف {لا يؤمنون} ه {بآياته} ط {الظالمون} ه {يزعمون} ه {مشركين} ه {يفترون} ه. التفسير: إنه سبحانه لما برهن على إثبات الصانع وتحقيق النبوّات وتقرير المعاد، وانجر الكلام إلى الأمر باعتبار أحوال الغابرين، عاد إلى إثبات هذه المطالب بطريق الإلزام وأخذ الاعتراف، وذلك أن آثار الحدوث وسمات الإمكان لائحة على صفحات السمويات والأرضيات حتى بلغ في ظهوره إلى حيث لا يقدر منكر على إنكاره، فكان في السؤال تبكيت وإفحام، وفي الجواب تقرير وإلزام، أي هو لله بلا مراء وشقاق ولن يتم الملك إلا إذا كان قادراً على الإعادة كما هو قادر على الإبداء، ولن تحصل حكمة الإعادة إلا بثواب المطيعين وعقاب العاصين، ولن يحسن إيصال الثواب والعقاب إلا بعد نصب الدلائل وإرسال الرسل فلأجل ذلك قال {كتب على نفسه الرحمة} أي بنصب الأدلة وإزاحة العلة إيجاب الفضل والكرم. وقيل: هذه الرحمة هي أنه يمهلهم مدّة عمرهم ولا يعاجلهم بالاستئصال، أو فرض على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدّقهم وقبل شريعتهم، أو تلك الرحمة هي أنه يجمعهم إلى يوم القيامة فإنه لولا هذا التهديد لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله تعالى، وأنه مالك الكل فاعلموا أن الله الملك الحكيم لا يهمل أمور عبيده، ولا يجوز في حكمته التسوية بين المطيع والعاصي والعامل والساهي. ومعنى {ليجمعنكم} ليضمنكم. وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان. وقيل: ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرن إلى يوم القيامة. قال الأخفش: {الذين خسروا} بدل من ضمير المخاطبين في {ليجمعنكم}. وقال الزجاج: إنه مبتدأ خبره {فهم لا يؤمنون} وذلك لتضمنه معنى الشرط فكأنه قيل: ما للمشركين مع وضوح الدلائل الباهرة لا يؤمنون؟ فأجيب {الذين خسروا أنفسهم} أي في علم الله وسابق قضائه فهم لا يؤمنون في طرف الأبد، فكان امتناعهم الآن عن الإيمان مسبباً عن سبق القضاء عليهم بالخسران والخذلان. وقال في الكشاف {الذين خسروا} نصب أو رفع على الذم بمعنى أريد الذين، أو أنتم الذين. ثم لما بيّن أن له المكان والمكانيات ارتقى في البيان كما هو شأن الترتيب التعليمي إلى ما هو أخفى من ذلك عند الحس وهو الزمان والزمانيات فقال {وله ما سكن في الليل والنهار} عن ابن عباس أن كفار مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إنا قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيباً من أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلاً وترجع عما أنت عليه فنزل {وله ما سكن} الآية. قيل: اشتقاقه من السكون والتقدير كل ما سكن وتحرك كقوله {أية : سرابيل تقيكم الحر} تفسير : [النحل: 81] أي تقيكم الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر للقرينة. والأصوب أن يقال: اشتقاقه من السكنى كما يقال: فلان سكن ببلد كذا أي حل فيه. والمراد كل ما حل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وذلك أن الدخول تحت الزمان يستلزم التغير والحدوث فلا بد له من محدث يتقدم عليه وعلى نفس الزمان {وهو السميع العليم} الذي يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين فيوصل كل ممكن إلى كمال يليق به ويستعدّ له. ثم لما كان لزاعم أن يزعم أن الذي يتعالى عن المكان وعن الزمان قد يكون ممكناً في نفسه كالمفارقات التي يثبتها الفلاسفة فلا جرم قال {قل أغير الله أتخذ} منكر الاتخاذ غير الله {ولياً} ولذلك قدم المفعول لكونه أهم، ولو كان حرف الاستفهام داخلاً على الفعل توجه الإنكار أوّلاً إلى نفس اتخاذ الولي وأنه غير مهم {فاطر السموات} عطف بيان من {الله} أو بدل. وقرىء بالرفع على إضمار هو، وبالنصب على المدح. وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها. وقال ابن الأنباري: أصل الفطر الشق وقد يكون شق إصلاح كقوله {أية : فاطر السموات والأرض} تفسير : [فاطر: 1] أي خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضمه بعض الأشياء إلى بعض. وقد يكون شق إفساد ومنه قوله تعالى {أية : هل ترى من فطور} تفسير : [الملك: 3] {أية : إذا السماء انفطرت} تفسير : [الانفطار: 1] {وهو يطعم ولا يطعم} أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد. والرزق والإطعام وإن كانا متغايرين وإلا لم يحسن العطف في قوله {أية : ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} تفسير : [الذاريات: 57] إلا أنهما متقاربان فحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر. وقرىء {وهو يطعم} مبنياً للمفعول على أن الضمير لغير الله وقرىء {وهو يطعم ولا يطعم} كلاهما للفاعل. والمعنى هو يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله {أية : وإنه يقبض ويبسط} تفسير : [البقرة: 245] أو الثاني بمعنى لا يستطعم. وحاصل الآية أنه يجب شغل القلب كله بالله وقطع العلائق بالكلية عما سواه لأنه الجواد المطلق الذي يهب لا لعوضٍ ولا انتفاع. ثم بيّن أن النبي أيضاً داخل في تكليف المعرفة بل هو أسبق قدماً في ذلك فقال {قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم} وقيل لي {ولا تكونن من المشركين} وفيه أن الواعظ يجب أن يتعظ أوّلاً بما يقوله، فالمريض لا يتصور منه العلاج. ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم مع جلالة قدره بصدد المؤاخذة على تقدير المخالفة فقال {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} ولا يلزم من هذا جواز المعصية عنه لأن الفرض قد يتعلق بالمستحيل كقولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين. من قرأ {من يصرف} مبنياً للفاعل فالضمير فيه عائد إلى الله والمفعول وهو العذاب محذوف لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله. قال في الكشاف: ويجوز أن تنصب يومئذ على أنه مفعول به لـ {يصرف} أي من يصرف الله عنه ذلك اليوم أي هو له، ومن قرأ على بناء المفعول فهو مسند إلى ضمير العذاب، ولم يسم الفاعل وهو الله تعالى للعلم به {فقد رحمه} أي الله الرحمة العظمى كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه يعني كمال الإحسان. أو المراد فقد أدخله الجنة فإن من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب تفضلاً أو استيجاباً. قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن إيصال الثواب على الطاعة غير واجب وإنما هو ابتداء فضل وإحسان وإلا لم يحسن ذكر الرحمة ههنا، ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب زيداً فإذا لم يضربه لا يقال أنه رحمه؟ {وذلك} أي صرف العذاب وإيصال الثواب على سبيل التفضل أو الاستيجاب {الفوز المبين} لأنه المطلب الأعلى والمقصد الأسنى لكل مكلف. ثم أكد المعنى المذكور وهو أنه لا يجوز للعاقل أن يرغب في اتخاذ ولي غير الله بقوله {وإن يمسسك الله بضر} من مرض أو فقر أو غير ذلك من البليات {فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير} من غنى أو صحة {فهو على كل شيء قدير} عمم الحكم لندرج تحته كل خير والحاصل أن اندفاع جميع المضار بقدرته، وكذا حصول جميع الخيرات لأن كل ما عداه فإنما هو تحت قهره وتسخيره وقد حصل بإيجاده وتكوينه، فإن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ورأس المضارّ هو الكفر، وسنام الخيرات هو الإيمان، ولن يحصل نفرة الكفر وداعية الإيمان إلا بتوفيقه تعالى. وكل ما يتصور أنه قد نفع أو ضر من الجمادات أو المختارات فإن ذلك ينتهي إلى تخليق الله وجعله ذلك الشيء واسطة لذلك النفع أو الضر، فلا ضارّ ولا نافع بالحقيقة إلا هو سبحانه. ثم زاد لهذا المعنى بياناً فقال {وهو القاهر فوق عباده} وهو إشارة إلى كمال القدرة {وهو الحكيم الخبير} وإنه إشارة إلى كمال العلم. فالحكمة أعم من العلم لأنها عمل وعلم، وكونه خبيراً أخص من العلم لأنه العلم ببواطن الأمور وخباياها، فإذا اجتمعت هذه المعاني حصل العلم بكماله وغايته، وقد استدل بظاهر الآية من أثبت الفوقية لله تعالى وعورض بوجوه منها: أنه لو كان فوق العالم فإن كان في الصغر بحيث لا يتميز منه جانب من جانب كالجوهر الفرد مثلاً فذلك لا يقوله عاقل، وإن كان ذاهباً في الأقطار كلها كان متجزئاً. والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون نوراً قائماً بذاته غير متناه لا متجزئاً ولا متبعضاً قاهراً لجميع الأنوار غالباً على جميع الأشياء. فلا غاية لجوده ولا نهاية لوجوده. وأما إنه كيف يتصور نور بلا نهاية مع أنه لا ينقسم يتبعض فمجرد استبعاد فلا يصلح حجة وإدراك شيء من هذا النور محتاج إلى النور {أية : ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} تفسير : [النور: 40] ومنها أنه لو كان غير متناه من كل الجهات لزم اختلاطه بالقاذورات. والجواب أن هذا كلام مخيل فلا يستعمل في البرهان. ومنها أنه لو لم يكن خارج العالم خلاء ولا ملاء لم يمكن حصول ذات الله تعالى فيه، وإن كان خلاء فحصوله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء دون سائر أجزائه محتاج إلى مخصص، فيكون الواجب مفتقراً فيكون محدثاً هذا خلف. والجواب أنا ذكرنا أن نور الأنوار لا يتناهى وأنه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى فيسقط هذا الاعتراض. ومنها أنه سبحانه موجود قبل الخلاء والحيز والجهة، فلا يكون بعد حصول هذه الأشياء موجوداً فيها وإلا لزم التغير في ذاته. والجواب بالفرق بين المعية وبين الافتقار. ومنها أن العالم كرة فإما أن يكون الله تعالى فوق أقوام بأعيانهم وحينئذ يلزم أن يكون تحت أقدام من يقابلهم وإما أن يكون فوق الكل فيكون فلكاً محيطاً بسائر الأفلاك وهذا لا يقوله مسلم. والجواب الإلزامي بعد تسليم كون العالم كرة أنا نختار القسم الأول، ولا يلزم التحتية لأن التحت من جميع الجوانب هو ما يلي المركز، والفوق ما يلي السماء. أو القسم الثاني ولا يلزم من إحاطته بجميع الأشياء كونه فلكاً كسائر الأفلاك، وأما التحقيق فقد مر. ومنها أن لفظ الفوق في الآية مسبوق بالقهر ويراد به القدرة والمكنة وملحوق بلفظ عباده، وأنه مشعر بالمملوكية والمقدورية. فالمناسب أن يراد بالفوق أيضاً فوقية القدرة ولا يلزم التكرار لأن المراد أن القهر والقدرة عام في حق الكل. والجواب أن حمل الوسط على الطرفين أولى من العكس، بل لا نزاع في مفهوم العباد وإنما النزاع في مفهومي القاهرية والفوقية، وليس حمل أحدهما على الآخر أولى من غيره، ومنها أن الآية سيقت رداً على من اتخذ غير الله ولياً وهذا إنما يحسن لو كان المراد بالفوقية القدرة لا الجهة. والجواب أن الفوقية بالوجه الذي قررناه في جواب الاعتراض الأول يفيد الاستعلاء المطلق وذلك يوجب أن يكون التعويل عليه في كل الأمور إذ لا وجود ولا ظهور لشيء من الأشياء إلا بفيضه ونوره. وقد يلوح للمتأمل في هذه الأجوبة بعد التنزية عن التشبيه والتجسيم والحلول والاتحاد أسرار غامضة شريفة إن كان أهلاً لها "حديث : وكل ميسر لما خلق له"تفسير : قال الكلبي: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة. ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم فنزلت {قل أي شيء أكبر شهادة} الآية. قال العلماء: إنها دلت على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله. ثم بيَّن أن شهادة الله حاصلة إلا أنها لم تدل على أن تلك الشهادة لإثبات أيّ المطالب فقيل: إنها لإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لما ذكرنا من سبب النزول. والمعنى قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة حتى يعترفوا بأن أكبر الأشياء شهادة هو الله تعالى، فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهد لي بالنبوة بأن أظهر على وفق دعواي معجزاً هو القرآن الذي عجزتم معاشر الفصحاء والبلغاء عن معارضته. وقيل: إن حصول هذه الشهادة في وحدانية الله تعالى وذلك أن الوحدانية ليست مما يتوقف صحته على صحة السمع فلا يمتنع إثباتها بالسمع والمعنى {قل الله شهيد بيني وبينكم} في إثبات الوحدانية والبراءة عن الأضداد والأنداد والأمثال والأشباه {وأوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به} وأبلغكم أن الدين هو التوحيد والشرك مردود. واستدل الجمهور بالآية على أنه يصح إطلاق الشيء على الله تعالى وخالف جهم محتجاً بقوله تعالى {أية : الله خالق كل شيء} تفسير : [الأنعام: 102] إذ لا يمكن دعوى التخصيص فيه، فإن التخصيص إنما يجوز في صورة شاذة لا يلتفت إليها لقلة اعتبارها فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيهاً على أن البقية جارية مجرى العدم. فلو كان الباري تعالى شيئاً لكان أعظم الأشياء وأشرفها فيكون إخراجه من هذا العموم محض الكذب. وأيضاً احتج بأن الشيء يطلق على المعدوم لقوله تعالى {أية : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله} تفسير : [الكهف: 23] والشيء الذي سيفعله غداً معدوم في الحال، فالشيء لا يفيد صفة مدح فلا يطلق عليه. والجواب عن الأول أن إخراج الأكثر من العموم جائز عندنا. ولو سلم فإنه تعالى واحد من الأشياء، والمخرج بهذا الاعتبار أقل عدداً من الباقي. وعن الثاني أن لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص كالذات، والحقيقة صدق العلم بالضرورة. قال جهم {قل الله شهيد} جملة مستقلة بنفسها لا تعلق لها بما قبلها فلا يصح استدلالكم. قلنا {قل أي شيء} سؤال ولا بد له من جواب. وهو إما مذكور رأي قل الله أكبر الأشياء شهادة ثم ابتدىء فقيل شهيد أي وهو شهيد بيني وبينكم، أو محذوف والمعنى قل هو الله والله شهيد بيني وبينكم. وحسن الحذف لأنه إذا سأل عن أكبر الأشياء شهادة وذكر بعد ذلك أن الله شهيد علم جزماً أن أكبر الأشياء شهادة هو الله أما قوله {ومن بلغ} فمعطوف على ضمير المخاطبين والعائد إلى من محذوف أي لأنذركم يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم. وقيل: من الثقلين. وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة. وعن سعيد بن جبير من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم، وقيل: ومن بلغ أي من احتلم وبلغ أوان التكليف، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار العائد. ثم استفهم مبكتاً فقال {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى} وصف الجمع بصفة الواحدة كما يقال: الرجال فعلت. ثم دل على إيجاب التوحيد بثلاث جمل: أولاها {قل لا أشهد} أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء، وثانيتها {قل إنما هو إله واحد} وكلمة "إنما" تفيد الحصر. وثالثتها {وإنني بريء مما تشركون} ومن هنا قالت العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويضم إليهما التبري عن كل دين سوى دين الإسلام. ولما زعم مشركو مكة أنهم سألوا اليهود والنصارى عن نعت محمد صلى الله عليه وآله فقالوا: ليس عندنا ذكره كذّبهم الله تعالى بقوله {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه} أي يعرفون رسول الله بنعوته وحلاه الثابتة في الكتابين {كما يعرفون أبناءهم} بالنعوت والحلي لا يخفون عليهم ولا يشتبهون بغير أبنائهم. {الذين خسروا أنفسهم} إما بدل أو بيان من "الذين" الأولى، ويكون المقصود وعيد المعاندين منهم والجاحدين. وإما مبتدأ والكلام جملة مستأنفة شاملة لجميع الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين. والمراد بخسران النفس الهلاك الدائم الذي يحصل لهم بسبب الكفر. وقيل: ما من أحد إلا وله منزلة في الجنة إلا أن من كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورّث منزلته غيره. ثم بيَّن سبب خسرانهم مستفهماً على سبيل الإنكار فقال {ومن أظلم} وذلك أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين: إثبات الباطل وهو الافتراء على الله، وجحد الحق وهو التكذيب بآيات الله، فمن الأول أن المشركين كانوا يقولون للأصنام إنهم شركاء الله والله أمرهم بذلك، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، واليهود والنصارى كانوا يزعمون أن التوراة والإنجيل ناطقان بعدم النسخ. وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة إلى غير ذلك من مفترياتهم. ومن الثاني قدحهم في القرآن وفي صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {إنه لا يفلح الظالمون} الذين وضعوا الشيء في غير موضعه الباطل مكان الحق والحق بإزاء الباطل. ثم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال {ويوم نحشرهم} وناصبه محذوف أي ويوم كذا كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في الوعيد. ويحتمل أن يكون مفعول "واذكر" أو معطوفاً على محذوف أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ويوم الحشر. {أين شركاؤكم} آلهتكم التي جعلتموهم شركاء {الذين كنتم تزعمون} هم شركاء فحذف المفعولان. والمقصود من هذا الاستفهام التقريع والتبكيت، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حيث لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم، ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فتزداد حسرتهم، ويحتمل أن يقال: أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم؟ والغرض من جميع الوجوه أن يتقرر في نفوسهم أن الذي يظنونه مأيوس منه فيصير ذلك تنبيهاً لهم في الدنيا على فساد هذه الطريقة {ثم لم تكن فتنتهم} من قرأ بالرفع على أنه اسم كان فالخبر {إلا أن قالوا} والتقدير شيئاً إلا أن قالوا ومن قرأ بالنصب مع تذكير يكن فبعكس ما قلنا. والتقدير شيء إلا أن قالوا. وأما مع تأنيث يكن فلوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم: من كانت أمك. أو بتأويل مقالتهم. قال الواحدي: الاختيار قراءة من قرأ بالنصب لأن "أن" إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر. وكما أن المضمر والمظهر إذا اجتمعا كقولك: إن كنت القائم. كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً فكذلك ههنا. قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من وقف على معاني كلام العرب، وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين آبائنا لم تكن إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به. ومثاله أن ترى إنساناً يحب شخصاً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه فيقال له: ما كانت محبتك أي عاقبة محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته. فعلى هذا فتنتهم في شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس. ولكن لا بد من تقدير مضاف وهو العاقبة، ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا: فسمي فتنة لأنه كذب، قال القاضيان: الجبائي وأبو بكر: إن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب لأنهم يعرفون الله تعالى بالاضطرار فيكونون ملجئين إلى ترك القبيح وكيف لا وإنهم يعلمون أن ذلك لا يروج منهم حينئذ ولا يستفيدون بذلك إلا زيادة المقت والغضب من الله تعالى عليهم؟ ولا يجوز أن يقال: إنهم لما عاينوا القيامة اختلت عقولهم واضطربت فلهذا قالوا الكذب، أو أنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا لأنه لا يليق بحكمته تعالى أن يوبخهم ثم يحكى عنهم ما يجري مجرى الاعتذار عند اختلال عقولهم. ولأن تجويز نسيان أمر كان عليه الشخص مدة عمره نوع من السفسطة. وأيضاً إنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح فإن عوقبوا على ذلك صارت الآخرة دار التكليف وإن لم يعاقبوا كان إذناً من الله تعالى في ارتكاب الذنوب وكلاهما محال. فإذا الوجه في الآية أن يقال: إن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم وظنونهم أنهم موحدون فأجابوا بقولهم {والله ربنا ما كنا مشركين} أي في اعتقادنا وظنوننا، وعلى هذا فيكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم كانوا غير مشركين عند أنفسهم فيجيب تأويل قوله تعالى {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} بأن المراد كذبهم في دار الدنيا كقولهم إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك وإن آلهتهم شفعاؤهم عند الله فلهذا قال {وضل عنهم} أي وانظر كيف غاب عنهم في الآخرة {ما كانوا يفترون} أي يفتعلون إلهيته وشفاعته. والحاصل أن الآية سيقت لبيان تضاد حاليهم في الدنيا وفي الآخرة بالكذب وبالصدق ولكن حيث لا ينفعهم الصدق لأن الصدق في الآخرة إنما يعتبر إذا كان مقروناً بالصدق في الدنيا، هذا جملة كلام القاضيين. قال جمهور المفسرين: إن قول القائل المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا، وكيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا مخالفة الظاهر وإن الكفار قد يكذبون في القيامة لقوله تعالى {أية : يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون} تفسير : [المجادلة:18] إلى قوله {أية : ألا إنهم هم الكاذبون} تفسير : [المجادلة: 18] ولو سلم أنهم لا يكذبون تعمداً إلا أن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه حيرة ودهشاً، ألا تراهم يقولون {أية : ربنا أخرجنا منها} تفسير : [المؤمنون: 107] وقد أيقنوا بالخلود؟ {أية : وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك} تفسير : [الزخرف: 77] وقد علموا أنه لا يقضى عليهم. واختلال عقولهم حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع كمال عقلهم في سائر الأوقات. التأويل: ما في الكون سوى الله، لا داع ولا مجيب فلهذا يسأل ويجيب {قل لمن ما في السموات والأرض قل لله} وله ما سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، وفي نهار الروحانية إلى المواهب الربانية، {وهو السميع} أنين من سكن إليه {العليم} بحنين من اشتاق إليه {قل أغير الله أتخذ} اليوم {ولياً} وقد اتخذني الله في الأزل حبيباً {فاطر} سموات القلوب على محبته وفاطر أرض النفوس على عبوديته {وهو يطعم} أرواح العارفين طعام المشاهدات ويسقيهم كؤوس المكاشفات {ولا يطعم} لأنه لا يحتاج إلى قبول الفيض من غيره فالأنوار عنده كالذرّات {أول من أسلم} لأني خلصت من حبس الوجود بالكلية وحدي ولهذا يقول الأنبياء نفسي نفسي وأقول: أمتي أمتي {إن عصيت ربي} برؤية الغير يوم قدّر الشرك لاقوام والتوحيد لاقوام {وإن يمسسك الله بضر} إن دائرة أزليته متصلة بدائرة أبديته، وكل نقطة من الدائرة تصلح للبداية والنهاية، فكل ما صدر منه فلن ينتهي إلا به {وهو القاهر فوق عباده} قهر الكفار بموت القلوب فضلوا في ظلمات الطبيعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة فخرجوا من ظلمات الطبيعة، وقهر قلوب المحبين بلذعات الأشواق إلى يوم التلاق، وقهر أرواح الصديقين بسطوات الجلال في أوقات الوصال. {وهو الحكيم} فيما يقهره فلا يخلو من حكمة {الخبير} بمن يتسأهل كل صنف من قهره فيقهره به {الله أكبر شهادة} لأنه محيط بحقائق الأشياء ولا يحيط به شيء من الأشياء {ومن بلغ} القرآن ووقف على حقائقه. ويقول للمشركين {أئنكم لتشهدون} {الذين آتيناهم الكتاب} يعني العلماء بالقرآن يعرفون الله أو النبي. وفيه إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله مصدر جميع الأشياء {الذين خسروا أنفسهم} بإفساد الاستعداد الفطري {ويوم يحشرهم جميعا} يعني أهل المعرفة والنكرة {أين شركاؤكم} من الهوى والدنيا {كذبوا على أنفسهم} في القيامة لأنهم كذبوا في الدنيا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى.
ابن عادل
تفسير : "لِمَنْ" خَبَرٌ مقدَّمٌ واجبُ التقديم، لاشْتِمَالهِ على مَا لهُ صَدْرُ الكلام، فإنَّ "مَنْ" استفهامية [والمبتدأ "ما" وهي بمعنى "الذي"]، والمعنى: لمن اسْتَقَرَّ الذي في السموات. وقوله: "قُلْ للَّهِ" قيل: إنَّمَا أمَرَه أن يجيب، وإن كان المقصود أن يُجِيبَ غيره؛ ليكون أوَّل من بَادَرَ بالاعتراف بذلك. وقيل: لمَّا سََألَهُمْ كأنَّهم قالوا: لمن هو؟ فقال اللَّهُ: قُلْ للَّهِ، ذكره الجُرْجَانِيُّ فعلى هذا قوله: "قُلْ للَّه" جوابٌ للسؤال المُضْمَرِ الصَّادِرِ من جهة الكُفَّارِ، وهذا بَعِيدٌ؛ لأنهم لم يكونوا يَشكُّون في أنَّهُ للَّهِ، وإنما هذا سؤالُ تَبْكِيتٍ وتَوبِيخٍ، ولو أجابو الم يَسَعْهُمْ أن يُجيبوا إلاَّ بذلك. وقال ابن الخَطيبِ: إنَّ اللَّهَ - تبارك وتعالى - أمَرَهُ بالسُّؤالِ أوَّلاً، ثمَّ بالجواب ثانياً، وهذا إنَّما يَحْسُنُ في المَوْضِعِ الذي يكونُ جوابُهُ قد بَلَغَ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره مُنْكِرٌ، ولمَّا كانت آثار الحدوث والإمْكان ظاهرة في ذَوَاتِ جميع الأجْسَامِ، وفي جميع صفاتها، لا جَرَمَ كان الاعْتِرَافُ بأنها بأسرها للَّه تعالى، ومِلْكٌ له، ومَحَلُّ تَصَرُّفِهِ وقُدرَتِهِ، لا جَرَمَ أمره بالسُّؤالِ أوّلاً، ثم بالجواب ثانياً لِيَدُلَّ ذلك على الإقْرَارَ بهذا المعنى ممَّا لا سبيل إلى دفعه ألْبَتَّةَ، كما قال تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان:25] وقوله: "اللَّه" خبر مبتدأ محذوف أي: هو اللَّهُ. فصل في المراد بالآية والمقصودُ من هذه الآية الكريمة تَقْرِيرُ إثْبَاتِ الصَّانع، وتقرير المعاد، وتقرير النُّبُوَّةِ، أما تقدير إثبات الصَّانِع، فلأن أحوال العالم العُلْوِيّ والسُّفْلي تدلُّ على أنَّ جميع هذه الأجْسَام موصوفةٌ بصفات كان يجوز عليها اتَّصَافُها بأضْدَادِهَا، وإذا كان كذلك كان اخْتِصَاصُ كُلِّ جُزْءٍِ منها بصفة مُعَيَّنَةٍ لا بُدَّ وأن يكون لأجل أنَّ الصانعَ الحكيم القَادِرَ المُخْتَارَ خَصَّهُ بتلك الصِّفَةِ المعينة، وهذا يَدُلُّ على أن العَالَم مع كل ما فيه مَمْلُوكٌ للَّهِ تعالى، وإذا ثَبَتَ هذا ثَبَتَ كَوْنُهُ قَادٍراً على الإعَادَةِ والحَشْرِ والنَّشْرِ؛ لأن التركيب الأوَّل إنما حَصَلَ لكونه - تبارك تعالى - قادراً على كل المُمكِنَاتِ، عالماً بكل المَعْلُومَاتِ، وهذه القُدْرَةُ والعلم ممتنعٌ زَوَالُهُمَا، فوجب صِحَّةُ الإعادة ثانياً. وإذا ثبت أنه - تعالى - مَلِكٌ مُطَاع، والمَلِكُ المُطاع مَنْ لَهُ الأمْرُ والنهي على عَبِيدهِ، لا بُدَّ من مُبَلِّغ، وذلك يَدُلُّ على أن بعْثَةَ الأنبياء والرُّسُلِ عليهم الصّلاة والسَّلام من اللَّهِ إلى الخَلْقِ غير ممتنعٍ، فدَلَّت هذه الآية الكريمة على هذه المطالب الثلاثة، ولما سَبَقَ ذِكْرُ هذه المَسَائِلِ الثلاثةً ذكر اللَّهُ - تبارك وتعالى - بعدها هذه الآية لتكون مَقْرُونةً بمجموع تِلْكِ المَطَالِبِ. قوله: "كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ" أي: قَضَى وأوْجَبَ إيجَابَ تَفَضُّلٍ، لا أنّه مستحقٌّ عليه تعالى. وقيل: معناه القَسَمُ، وعلى هذا فقوله: "لَيَجْمَعَنَّكُمْ" جوابه؛ لما تضمَّن من معنى القَسَمِ، وعلى هذا فلا توقُّف على قوله: "الرَّحْمَة". وقال الزجاج: إن الجملة في قوله: ليجمعنَّكم" في محل نصب على أنها بَدَلٌ من الرحمةِ؛ لأنه فسَّرَ قوله تعالى: "ليجمعنَّكم" بأنه أمْهَلَكم وأمَدَّ لكم في العُمْرِ والرِّزْقِ مع كُفْركم، فهو تفسيرٌ للرحمة. وقد ذكر الفَرَّاء هذين الوجهين: أعني أن الجملة تَمَّتْ عن قوله تعالى: "الرَّحْمَة"، أو أنَّ "ليجمعنَّكُمْ" بَدَلٌ منها، فقال: إن شئت جعلت الرَّحْمَةَ غَايَة الكلام، ثمَّ اسْتَأنَفْتَ بعدها "لَيَجْمَعَنَّكُمْ" وإن شئت جَعَلْتَهَا في موضع نصبٍ كما قال: {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ}تفسير : [الأنعام: 54] قال شهابُ الدين - رحمه الله -: واسْتِشْهَادَهُ بهذه الآية الكريمة حَسَنٌ جداً. ورَدَّ ابن عطيَّة هذا بأنه يَلْزَمُ دخول نون التوكيد [في الإيجاب قال: وإنما تدخل على الأمْرِ والنهي، وجواب القَسَمِ، ورد أبو حيان حصر ابن عطيَّة ورود نون التوكيد] فيما ذكر وهو صحيحٌ، وردَّ كون "ليجمعنَّكم" بدلاً من الرحمة بِوَجْهٍ آخر، وهو أنَّ "ليجمعنكم" جوابُ قَسَم، وجملةُ الجوابِ وَحْدَهَا لا موضوع لها من الإعراب، إنما يُحْكمُ على مَوْضع جملتي القَّسِمِ والجواب بمحلِّ الإعراب. قال شهابُ الدين: وقد خلط مَكِّي المَذْهَبَيْنِ، وجعلهما مذهباً واحداً، فقال: "لَيَجْمَعنَّكُمْ" في موضع نصبٍ على البَدَلِ من "الرحمة" واللام لام القَسَمِ، فهي جواب "كَتَبَ"؛ أنه بمعنى: أوْجَبَ ذلك على نَفْسِهِ، ففيه معنى القَسَمِ، وقد يظهر جوابٌ عما أوْرَدَهُ أبُو حيَّانَ على غير مكي، وذلك أنهم جَعَلُوا "لَيَجْمَعَنَّكُم" بَدَلاً من الرَّحْمَةِ - يعني: هي وقَسِيمها المحذوف، واستغنوا عن ذكر القَسَمِ، لا سيما وهو غير مذكور. وأمَّا مكِّي فلا يظهر هذا جواباً له، لأنَّه نَصَّ على أنَّهُ جواب لـ "كتب"، فمن حَيْثُ جَعَله جَوَاباً لـ "كَتَبَ" لا مَحَلَّ له، ومن حَيْثُ جعله بَدَلاً كان مَحَلُّه النَّصْبَ، فَتَنَافَيَا، والذي ينبغي في هذه الآيةِ الكريمةِ أنْ يكون الوَقْفُ عند قوله: "الرحمة". وقوله: "ليجمعنَّكم" جوابُ قَسَم محذوف أي: "واللَّهِ ليجعنَّكُم"، والجملة القَسَمِيَّةُ لا مَحَلَّ لها بما قبلها من حَيْثُ الإعْرَاب، وإنْ تعلَّقت به من حَيْثُ المعنى. و"إلى" على بابها، أي: ليجمعنَّكم منتهين إلى يوم القيامة. وقيل: هي بمعنى "اللاَّم" كقوله تعالى: {أية : إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ} تفسير : [آل عمران: 9] وقيل: بمعنى "في" أي: لَيَجْمَعنَّكُمْ في يوم القيامة. وقيل: هي زائدة، أي: ليجمعنكم يوم القيامة، وقد يشهد له قراءة من قرأ {أية : تَهْوىۤ إِلَيْهِمْ} تفسير : [إبراهيم:37] بفتح "الواو" إلاَّ أنه لا ضرورةَ هنا إلى ذلك. وتقدَّمَ الكلامُ في {أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ } تفسير : في أول "البقرة" [البقرة:2] والجملة حالٌ من "يوم" والضمير في "فيه" يَعُودُ على "اليوم". وقيل: يَعُودُ على الجَمْعِ المدلول عليه بالفِعْلِ؛ لأنه رَدٌّ على منكري القيامة. فصل في الكلام على الآية قال بعضهم: هذا كلامُ مبتدأ لا تَعَلُّق له بما قبله، فيه تصريح بكمال إلهيته سبحانه تعالى بقوله: {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ} ثم بَيَّن - تبارك وتعالى - أنه يرحمهم بالإمْهَالِ، ورفع عذاب الاستئصال، وبيَّنَ أنَّهُ يجمعهم إلى يوم القَيَامَةِ. فقوله: {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَة}، أي: يمهلمهم. وقوله:{لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَة} أنَّهُ لا يمهلهم بل يحشرهم ويُحَاسِبُهم بِكُلِّ ما فعلوا. وقال آخرون: إنه متعلّق [بما قبله]، والتقدير: "كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحَمْةَ ليجمعنَّكم إلى يوم القيامة". وقيل: إنه لمَّا قال: كتب ربكم على نفسه الرحمة، فكأنه قيل: وما تلك الرحمة؟ فقيل: إنَّهُ تبارك وتعالى "ليجمعنكم" [إلى يوم القيامة" وذلك لأنَّهُ لولا خَوْفُ العذاب لحصل الهَرَجُ والمَرَجُ فصار يوم القيامة من أعظم أسْبَابِ الرحمة، فكان قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَة}]. كالتفسير لقوله: {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}.تفسير : [الأنعام:54]. فصل في المراد بهذه الآية اختلفوا في المُرادِ بهذه الرَّحْمَةِ، فقيل: إنَّهُ - [تبارك وتعالى] - يُمْهِلهُمْ مُدَّةَ عُمْرِهِمْ، ويدفعُ عنهم عَذَابَ الاسْتِئْصَالِ، ولا يعاجلهم بالعُقُوبَةِ [ في الدنيا]. وقيل: المُرَادُ "كَتَبَ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَةَ" لمن ترك التَّكْذِيِبَ بالرُّسُلِ، وقبل شريعتهم وتاب. فصل في الإخبار عن سعة رحمه الله ورى أبو هرير - رضي الله عنه - قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ كِتَاباً فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي ". تفسير : وروى أبو الزّنَادِ،ـ عن الأعْرَجِ، عن أبي هريرة: "إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبي". وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ للِّهِ مِائَة رَحْمةٍ وَاحِدةٌ منها بَيْنَ الجِنِّ والإنْس والبَهَائِم والطير والهَوَامِّ فِيْهَا يتعاطفون وبها يَتَراحَمُونَ، وبِهَا تَعْطِفُ الوُحُوشُ عَلَى أوْلادِهَا وأخَّر تِسْعاً وتسعين رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهاَ عِبَادهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ". تفسير : وعن عمر بن الخَطَّابِ - رضي الله عنه - قال: "حديث : قَدِمَ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم صَبِيُّ، فإذا امرأةٌ من السَّبْي قَدْ تَحْلِبُ ثَدْيَهَا لِسَقْي إذ وَجَدَتْ صبياً في السَّبْي، فأخَذَتْهُ فألصَقَتْهُ بِبطْنِهَا وَأرْضَعتْهُ فَقَال لَنَا رَسُولُ اللِّهِ - صلى الله عليه وسلم: أتَرَونَ هَذِهِ طَارحَةً وَلَدهَا في النَّارِ. قُلْنَا: لا وهِي تَقْدِرُ عَلَى أنْ تَطْرَحَهُ، فقالَ: لَلَّهُ أرْحَمُ بِعِباَدِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلدهَا ". تفسير : قوله: "الَّذِينَ خَسِرُوا" فيه ستَّة أوجه: أحدها: أنه مَنْصُوبٌ بإضمار "أذُمُّ"، وقَدَّره الزَّمخشري بـ "أريد"، وليس بِظَاهرٍ. الثاني: أنه مبتدأ أخْبِرَ عنه بقوله: "فهم لا يُؤمِنُون"، وزيدت الفاءُ في خبره لِمَا تَضَمَّنَ من معنى الشَّرْطِ، قاله الزجاج، كأنه قيل: مَنْ يَخْسَرْ نَفْسَهُ فهو لا يومن. الثالث: أنه مجرور على أنه نَعْتٌ للمكذِّبين. الرابع: أنه بَدَلٌ منهم، وهذان الوَجْهَانِ بعيدان. الخامس: أنه مَنْصُوبٌ على البَدَلِ من ضمير المُخَاطب، [وهذا] قد عرفت ما فيه غير مَرَّةٍ، وهو أنه يُبْدَل من ضمير الحَاضِر بَدَل كُلٍّ من كل في غير إحاطة ولا شمول أم لا؟ ومذهبُ الأخفشِ جوازه، وقد تقدَّم دَلِيلُ الفَريقَيْنِ، وردَّ المبردُ عليه مَذْهَبَهُ، بأنَّ البَدَلَ من ضمير الخطابِ لا يجوز، كما لا يجوز: "مررتُ بَكَ زيد" وهذا عجيب؛ أنه اسْتِشْهَادٌ بمحلِّ النزاع، وهو "مَرَرْتُ بك زيدٍ"، وردَّ ابن عطيَّة - رحمه الله تعالى - ردَّه فقال: "ما في الآية مُخَالِفُ للمثال؛ لأنَّ الفائدة في البدل مُتَرتِّبَةٌ من الثاني، فأمَّا في "مررتُ بك زيدٍ" فلا فائدة في الثاني. وقوله: "لِيَجمَعَنَّكُمْ" يَصْلُحُ لِمُخَاطَبةِ النَّاس كافَّةً، فيفيدنُا إبدال "الَّذينَ" من الضمير أنهم هم المختصُّون بالخِطَابِ، وخُصُّوا على جهة الوَعيدِ، ويجيءُ هذا إبْدال البعضِ من الكُلِّ". قال أبو حيَّان: "هذا الرَّدُ ليس بِجَيِّدٍ؛ لأنه إذا جعلنا "لِيَجْمَعَنَّكُم" صالحاً لخِطَابِ جميع النَّاس كان "الَّذين" بَدَلَ بعض، ويحتاج إذ ذاك إلى ضميرٍ، تقديره: خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ فِيْهُمْ وقوله: "فيفيدنا إبْدَال الذين من الضمير أنهم هم المُخْتَصُّون بالخَطَابِ، وخُصُّوا على جِهَةِ الوعيدِ" وهذا يقتضي أن يكون بدل كلّ من كلّ، فتناقَضَ أوَّل كلامه مع آخره؛ لأنه من حَيْثُ الصَّلاحِيّةُ بدل بعض، ومن حيث اخْتِصاص الخِطَابِ بهم يكون بدلَ كُلّ، فَتَنَاقَضَا". قال شهابُ الدِّينِ: ما أبْعَدَهُ عن التَّنَاقُضِ، لأن بدل البعض من الكُلِّ من جملةِ المخصِّصَات، كالتخصيص بالصِّفةِ والغاية والشرط، نصَّ العلماء- رضي الله عنهم - على ذلك فإذا تقرَّرَ هذا، فالمُبْدَلُ منه بالنسبة إلى اللَّفظِ في الظاهرِ عامُّ، وفي المعنى ليس المُرَادُ به إلاَّ ما أرَادَهُ المتكلِّم، فإذا وردَ: "واقتلوا المُشركين بني فلان" مثلاً، فالمشركون صالحٌ لكُلِّ مُشْرِكٍ من حيثُ اللَّفظِ، ولكنَّ المُرادَ به بَنُو فلان، فالعموم في اللفظ والخُصُوص في المعنى، فكذا قَوْلُ أبي مُحَمَّدٍ يَصْلُح لمُخَاطَبةِ الناس، معناه أنه يَعُمُّهُمْ لَفْظاً. وقوله "فيفيدنا إبدال الضمير إلى آخره" هذا هو المُخَصِّص فلا يجيء تناقُضٌ ألْبَتَّة، وهذا مقرر في "أصول الفقه". السادس: أنه مَرْفُوعٌ على الذَّمِّ، قاله الزَّمخشري، وعبارته فيه وفي الوجه الأول: "نَصْبٌ على الذم أو رَفْعٌ، أي: أريد الذين خَسِرُوا أنفسهم، أو أنتم الذين خَسِرُوا أنفسهم" انتهى. قال شهابُ الدين- رحمه الله تعالى-: "إنما قَدَّر المبتد "أنتم" ليرتبط مع قوله: "ليجمعنَّكم"، وقوله: "خسروا أنفسهم" من مُراعاةِ الموصول، ولو قال: "أنتم الَّذين خسروا أنفسكم" مُراعَاةً للخطابِ لجَازَ، تقول: أنت الذي قَعَدَ وإن شئت: قَعَدْت". فإن قيل: ظَاهِرُ اللَّفظِ يَدُلُّ على أنّ خُسْرَانهم سبب لعدم إيمانهم، والأمر على العكس؟ فالجواب: أنَّ هذا يَدُلُّ على أن سَبْقَ القضاء بالخُسْرَانِ والخِذْلانِ هو الذي حملهم على الامْتِنَاعِ من الإيمان، وهو مذهب أهْلِ السُّنَّة.
القشيري
تفسير : سَلْهُم هل في الدار ديار؟ وهل للكوْنِ - في التحقيق - عند الحق مقدار؟ فإنْ بقوا عن جوابٍ يَشْفِي، فَقُلْ: الله في الربوبية يكفي. قوله: {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}: أخبرَ وحَكَمَ وأرادَ على حسب ما عَلِمَ، فَمَنْ تَعلَّقَ بنجاته عِلْمُه سَبَقَ بدرجاته حُكْمُه، ومَنْ عَلِمَه في آزاله أنه يَشْقَى فبقدر شقائه في البلاء يبقى.
البقلي
تفسير : {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ} اى لمن ما فى السموات والارض ايجاد اقل الله اى افناء الأول اشارة الى ارادة القديمة والثانى اشارة الى المحبة الباقية وايضا قل لمن ما فى السموات والارض بالعبودية قال الله اى فى الربوبية قال يوسف بن الحين الأول عبارة والثانى عبادة وقيل الاول هيبة والثانى توحيد.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل لمن ما فى السموات والارض قل لله} الجاء لاهل مكة الى الاقرار بان الكل من العقلاء وغيرهم لله خلقا و ملكا وتصرفا كأنه يقول هل لكم سبيل الى عدم الاقرار بذلك مع كونه من الظهور بحث لا يقدر احد على انكاره وفى تصدى السائل للجواب قبل ان يجيب غيره ايماء الى ان مثل هذا السؤال لكون جوابه متعينا ليس من حقه ان ينتظر جوابه بل حقه ان يبادر الى الاعتراف بالجواب {كتب على نفسه الرحمة} جملة مستقلة داخلة تحت الامر مسوقة لبيان انه تعالى رؤف بالعباد لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم التوبة والانابة ومعنى كتب الرحمة على نفسه التزمها واوجبها تفضلا واحسانا لانه تعالى منزه عن ان يجب عليه شئ حقيقة وفى التعبير عن الذات بالنفس حجة على من ادعى ان لفظ النفس لا يطلق على الله تعالى {ليجمعنكم الى يوم القيامة} جواب قسم محذوف اى والله ليجمعنكم فى القبور مبعوثين او محشورين الى يوم القيامة فيجازيكم على شرككم وسائر معاصيكم وان امهلكم بموجب رحمته ولم يعاملكم بالعقوبة الدنيوية {لا ريب فيه} اى فى اليوم اوفى الجميع {الذين خسروا أنفسهم} اى بتضييع رأس مالهم وهو الفطرة الاصلية والعقل السليم وهو مبتدأ وخبره قوله {فهم لا يؤمنون} والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط والاشعار بان عدم ايمانهم بسبب خسرانهم فان ابطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك فى التقليد واغفال النظر أدى بهم الى الاصرارعلى الكفر والامتناع من الايمان والخروج عن دائرة الرحمة الخاصة. قال القاضى والمراد بالرحمة ما يعم الدارين ومن ذلك الهداية الى معرفته والعلم بتوحيده بنصب الادلة وانزال الكتب والامهال على الكفر. وفى تفسير الكاشفى [مراد رحمت ذاتيه باشدكه رحمت مطلقه كوفيد واين رحمتيست كه برهمه جيز فرا رسيده ونتيجه آن عطاء ادنيست بى سابقه سؤال واستدعا ورابطة حاجت واستحقاق جنانجه در مثنوى معنى واردتس] شعر : درعدم ما مستحقان كى بديم كه برين جان وبرين دانش زديم ما نبوديم و تقاضا مان نبود لطف تونا كفته ما مى شنود تفسير : قال الامام الا كمل فى شرح الحديث عن ابى هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : جعل الله الرحمة مائة جزء فامسك عنده تسعة وتسعين وانزل فى الارض جزأ واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حوافرها عن ولدها يمص ان تصيبه ". تفسير : فهذا مما يدل على كمال الرجاء والبشارة للمسلمين لانه حصل فى هذه الدار من رحمة واحدة ما حصل من النعم الظاهرة والباطنة فما ظنك بمائة رحمة فى الدار الآخرة. وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال حديث : قدم على النبى عليه السلام سبى فاذا امرأة من السبى تحلب ثديها وتسعى قاذا وجدت صبيا فى السبى اخذته فالصقته ببطنها وارضعته فقال لنا النبى عليه السلام "أترون هذه طارحة ولدها فى النار" قلنا لا وهى قادرة على ان لا تطرحه فقال "الله ارحم بعباده من هذه بولدها"" تفسير : وفى المثنوى شعر : آتش ازقهر خدا خود ذره ايست بهر تهديد لئيمان دره ايست باجنين قهرى كه زفت وفايقست برد لطفش بين بر آتش سابقست رحمت بيجون جنين دان اى بدر نايد اندر وهم ازوى جزائر تفسير : قال حضرة الشيخ الاكبرقدس سره الاطهر فى الفتوحات المكية وجدنا آية الرحمة وهى {بسم الله الرحمن الرحيم} تتضمن الف معنى كل معنى لا يحصل الا بعد انقضاء حول ولا بد من حصول هذه المعانى التى تضمنها بسم الله الرحمن الرحيم لانه ما ظهر الا ليعطى معناه فلا بد من كمال الف سنة لهذه الامة اللهم ارحمنا اذا عرق الجبين وكثر الانين وبكى علينا الحبيب ويئس منا الطبيب اللهم ارحمنا ارذا وارانا التراب وودعنا الاحباب وفارقنا النعيم وانقطع النسيم اللهم ارحمنا اذا نسى اسمنا وبلى جمسنا واندرس قبرنا وانطوى ذكرنا اللهم ارحمنا يوم تبلى السرائر وتبدى الضمائر وتنشر الدواوين وتحشر الموازين اللهم يا حى يا قيوم يا رحمن يا رحيم برحمتك نستعين. هذه مناجاة حضرة الشيخ المذكور ولعمرى انها مناجاة شريفة ومناداة لطيفة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: جملة {ليجمعنّكم}: مقطوعة، جواب لقسَم محذوف، وقيل: بدل من الرحمة، وهو ضعيف؛ لدخول النون الثقيلة في غير موضعها. و "إلى": هنا، للغاية، كما تقول: جمعتُ القوم إلى داري. وقيل: بمعنى " في" و {الذين خسروا}: مبتدأ، وجملة: {فهم لا يؤمنون}: خبر، و {له ما سكن}: عطف على {لله}، وهو إما من السكنى فلا حذف، أو من السكون، فيكون حذف المعطوف. أي: ما سكن وتحرَّك. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} للمشركين يا محمد: {لمن ما في السماوات والأرض} خلقًا وملكًا وعبيدًا؟. {قل} لهم هو: {لله} لا لغيره والقصد بالآية: إقامة البرهان على التوحيد وإبطال الشرك. وجاء ذلك بصيغة الاستفهام؛ لإقامة الحجة على الكفار، فسأل أولاً، ثم أجاب عن سؤاله بنفسه؛ لأنَّ الكفار يُوافقون على ذلك ضرورة، فثبت أن الإله الحق هو الذي له ما في السماوات والأرض، وإنما يحسُن أن يكون السائلُ مجيبًا إذا عُلِم أن خَصمَه لا يخالفُه في الجواب الذي يقيم به الحجة عليه. ثم دعاهم إلى الإيمان والتوبة بتلطُّف وإحسان فقال: {كتب على نفسه الرحمة}؛ {أية : أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوَءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [الأنعام:54] كما في الآية الأخرى، والكتابةُ هنا عبارة عن القضاء السابق، وقد فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"حديث : إنَّ اللهَ كتَبَ كتابًا قبلَ أن يَخلُقَ السَّماواتِ والإرضَ فَهُوَ عِندَه" وفيه: "أنَّ رَحمَتِي سبقَت غَضَبي"، وفي رواية: "تَغّلِبُ غضبي ". تفسير : قال البيضاوي: {كتب على نفسه الرحمة} أي: التزمها تفضلاً وإحسانًا، والمراد بالرحمة: ما يعُمُّ الدارين، ومن ذلك: الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده، بنصب الأدلة، وإنزال الكتب والإمهال على الكفر. هـ. ثم ذكر محل ظهور هذه الرحمة، فقال: واللهِ {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة} أي: ليجمعنكم من القبور مبعوثين إلى يوم القيامة فيُجازي أهل التوبة والإيمان، ويعاقب أهل الشرك والكفران، {لا ريب} في ذلك اليوم، أو في ذلك الجمع، فيظهر أهل الخسران من أهل الإحسان، ولذلك قال: {الذين خسروا أنفسهم} بتضييع رأس مالهم، وهو النظر الصحيح الموجِب للإيمان والتوحيد {فهم لا يؤمنون} حتى أدركهم الموت؛ فلا خسران أعظم من ذلك. ودخلت الفاء في الخبر؛ للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبّب عن خسرانهم؛ فإن إبطال النظر، والانهماك في التقليد واتباع الوهم، أدَّى بهم إلى الإصرار على الكفر، والامتناع من الإيمان إلى الممات. فخسروا أولاً بتضييع النظر، فتسبب عنه عدم الإيمان. ثم تمّم جوابه فقال: {وله ما سكن} أي: قل لهم: ما في السماوات والأرض لله، وله أيضًا ما سكن {في الليل والنهار} أي: ما استقر فيهما وما اشتملنا عليه، أو ما سكن فيهما وتحرك، {وهو السميع} لكل مسموع، {العليم} بكل معلوم؛ فلا يخفى عليه شيء في الليل والنهار، في جميع الأقطار. الإشارة: إذا علم العبد أن الخلق كلهم في قبضة الله، وأمورهم كلها بيد الله، أحاط بهم علمًا وسمعًا وبصرًا، لم يبق له على أحد عتاب، ولا ترتيبُ خطأ ولا صواب، إلاَّ ما أمرت به الشريعةُ على ظاهر اللسان. بل شأنه أن ينظر إلى ما يفعل المالك في ملكه. فيتلقاه بالقبول والرضى، وفي الحِكَم: "ما تَركَ من الجهل شيئًا مَن أراد أن يُظهر في الوقت غيرَ ما أظهره الله فيه". هذا شأن أهل التوحيد؛ يدوُرون مع رياح الأقدار حيثما دارت، غيرَ أنهم يتحنَّنون بقلوبهم إلى رحمة الكريم المنان، وينهضون بهمتهم إلى مَظانّ السعادة والغفران، ويرجون منه الجمع عليه في روح وريحان، وجنة ورضوان، بمحض فضل منه وإحسان. جعَلَنَا الله منهم بفضله وكرمه. آمين. ثم أقام الحجة على أهل الشرك، فقال: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً}.
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى نبيه (ع) ان يقول لهؤلاء الكفار مقرعا لهم وموبخاً على كفرهم {لمن ما في السماوات والأرض} ثم امره (ع) ان يقول لهم ان ذلك {لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم} واللام لام القسم وتقديره والله ليجمعنكم ولذلك نصب (لام) ليجمعنكم، لان معنى كتب اليمين. وقال الزجاج يجوز أن يكون {ليجمعنكم} بدلا من الرحمة مفسرا لها، لأنه لما قال كتب على نفسه الرحمة، فسر رحمته بأنه يمهلهم الى يوم القيامة. وقال الفراء: يجوز أن يكون قوله {كتب على نفسه الرحمة} غاية ثم استأنف قوله {ليجمعنكم... لا ريب فيه} تمام، ومعنى {كتب على نفسه الرحمة} أي كتب على نفسه ألا يستأصلكم ولا يعجل عقوبتكم بل يعذر وينذر ويجمع آخركم الى أولكم قرناً بعد قرن الى يوم القيامة، وهو الذي لا ريب فيه. وفي قوله {ليجمعنكم إلى يوم القيامة} احتجاج على من أنكر البعث والنشور فقال ليجمعنكم الى اليوم الذي أنكرتموه كما تقول: جمعت هؤلاء الى هؤلاء، أي ضممت بينهم في الجمع. وقوله {الذين خسروا أنفسهم} قال الاخفش {الذين} بدل من الكاف والميم. والمعنى ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم الى هذا اليوم الذي يجحدونه ويكفرون به. وقال الزجاج: هو في موضع رفع على الابتداء وخبره {فهم لا يؤمنون} لان {ليجمعنكم} مشتمل على سائر الخلق على الذين خسروا أنفسهم وغيرهم. وقوله {وله ما سكن في الليل والنهار} أي ما اشتمل عليه الليل والنهار فجعل الليل والنهار كالمسكن لما اشتملا عليه، لانه ليس يخرج منهما شىء فجمع كل الاشياء بهذا اللفظ القليل الحروف، وهذا من أفصح ما يكون من الكلام. وقال النابغة: شعر : فانك كالليل الذي هو مدركي وان خلت ان المنتأى عنك واسع تفسير : فجعل الليل مدركا إِذ كان مشتملا عليه. وفي هذه الآية وفي التي قبلها إِحتجاج على الكفار الذين عبدوا من دون الله تعالى، فقال تعالى: {قل لمن ما في السماوات والأرض}؟ وكانوا لا يشركون بالله في خلق السماوات والارض وما بينهما احداً وانما كانوا يشركون في العبادة، ويقولون: آلهتهم تقربهم الى الله زلفى، لا أنها تخلق شيئاً، ثم قال: {قل لله} فانهم لا ينكرون ذلك، وهو كقوله {أية : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}تفسير : فذكرهم ما هم به مقرون ليتنبهوا ويشهدوا بالحق ويتركوا ما هم عليه، ومعنى {خسروا أنفسهم} أهلكوها باستحقاق المصير الى العذاب الاليم الدائم، الذي لا ينتفعون معه بنفوسهم إِذ كانوا لا يؤمنون. ومن أهلك نفسه فقد خسرها. وانما قال {وله ما سكن في الليل والنهار} لان في الحيوان ما يسكن في الليل، وفيه ما يسكن بالنهار وخص السكون بالذكر، لان الساكن أكثر من المتحرك، ولان الآية العجيبة في قيام الساكن بلا عمد أعظم.
الجنابذي
تفسير : {قُل} للمكذّبين والمقترحين {لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الزاماً لهم على الاقرار حتّى يتنبّهوا ان ليس لهم الاقتراح على المالك وانّه يفعل ما يشاء ويرسل من يشاء {قُل} انت من قبلهم ولا تنتظر جوابهم فانّه لا جواب لهم سواه {للَّهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} فبرحمته لا يهملكم ويرسل اليكم الرّسل ويرغّبكم فى طاعته ويحذّركم من مخالفته ويمهلكم فى معصيته {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} قرناً بعد قرن الجملة الاولى وهذه امّا جزء مقول القول او استيناف من الله، ويحتمل ان يكون هذه مستأنفة والاولى مقولة القول، ويحتمل ان يكون هذه بدلاً من الرّحمة لجواز تعلّق الكتب بالجملة {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} قد مضى نظيره {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} مستأنف لاستدراك ما يتوهّم من انّه لا ينبغى لاحدٍ ان يبقى على الكفر بعد وضوح الامر كأنّه قال لكنّ الّذين خسروا انفسهم لا يؤمنون، ودخول الفاء فى الخبر وتخلّل الضّمير للدّلالة على السّببيّة والحصر والتّأكيد، وقيل موضع الّذين نصب على الّذمّ او رفع على الخبريّة اى انتم الّذين خسروا انفسهم.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {قل لمن ما في السموات والأرض} قال جار الله: هذا سؤال تبكيت و{قل لله} تقريراً لهم أي هو الله لا خلاف بيني وبينكم ولا يقدرون أن يضيفوا منه شيئاً إلى غيره {كتب على نفسه الرحمة} أي أوجبها على ذاته في هدايتكم إلى معرفته ونصب الأدلة على توحيده بما أنتم مقرون به من خلق السموات والأرض، ثم أوعدهم على إغفالهم النظر بقوله: {ليجمعنَّكم إلى يوم القيامة} فيجازيكم على شرككم {الذين خسروا أنفسهم} قال جار الله: نصب على الذم أو أنتم الذين خسروا أنفسهم في علم الله لاختيارهم الكفر، قوله: {وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم} سكن أي استقر من خلق الله قال أبو روق: من الخلق ما يستقر ليلاً وينشر نهاراً، ومنه ما يستقر نهاراً وينشر ليلاً، قيل: كلما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكني الليل والنهار، والمراد جميع ما في الأرض، وقيل: معناه وله ما يمر عليه الليل والنهار، وقيل: له ما سكن وتحرك فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر، وهو السميع لأصواتهم، العليم بأسرارهم، {قل أغير الله اتخذ ولياً} الآية قيل: إن مشركي قريش قالوا لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم): تركت ملة سادة قومك إن كانت لك حاجة إلى النساء لنزوجك، وإن كان بك جنون لنداويك، وإن كان بك فقر لنجمع لك مالاً حتى تكون من أغنيائنا، فإنما يحملك على ما تدعو إليه الحاجة، فنزلت الآية {قل} يا محمد {أغير الله أتخذ ولياً} ومعبوداً وناصراً ومعيناً {فاطر السموات والأرض} أي فالقهما ومبتدعهما وأصل الفطر الابتداع، قال مجاهد: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى اتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها {وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ} أي وهو يرْزُق ولا يُرْزق. ومنه {وما أريد أن يطعمون} والمعنى أن المنافع كلها منه {قل} يا محمد {إنِّي أمرت أن أكون أول من أسلم} لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سابق أمته في الإِسلام كقوله تعالى: {أية : وأنا أول المسلمين} تفسير : [الأنعام: 163] {ولا تكونَنَّ من المشركين} يعني نهيت عن الشرك وأمرت بالإِسلام {قل} يا محمد {إِنِّي أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} وهو يوم القيامة {من يصرف عنه} ذلك العذاب {يومئذ} يعني يوم القيامة {فقد رحمه} الرحمة العظمى وهي النجاة، قال جار الله: وقرئ {من يصرف عنه}، على البناء للفاعل، والمعنى من يصرف الله عنه في ذلك اليوم فقد رحمه بمعنى من يدفع الله عنه {وإن يمسسك الله بضر} من مرض أو فقر أو غير ذلك فلا قادر على كشفه {إلاَّ هو وإن يمسسك بخير} من غنى أو صحة {فهو على كل شيء قدير} {وهو القاهر فوق عباده} بالقهر والغلبة والقدرة والعلو.
اطفيش
تفسير : {قُلْ لمن مَّا فى السَّماواتِ والأرْضِ} سؤال توبيخ بما عرفوه، فإنهم عرفوا أن السماوات والأرض وما فيهما مالك لهُ تعالى، وخلق لهُ كما قال: {قُلْ للهِ} أى قُل هو الله، فإنهم قد اعترفوا بذلك، ولا يخالفونك، ولا يمكن أن يجيبوا بغير ذلك، فلا تتوقف حتى ينطقوا به جواباً، وهذا الوجه أولى من أن يقال: قل لمن ما فى السموات والأرض، وقل أنت هو الله إن لم يجيبوك، ولا تملك الأصنام نفعاً ولا ضراً لنفسها ولا لغيرها. {كَتَبَ على نَفْسه الرحْمة} أثبتها على نفسه تفصلا لا إيجاباً، أى لا يجب على الله شئ، لكن لابد من وقوعها، لأنه لا يخلف الميعاد، والمراد رحمة الدنيا والآخرة، ومن ذلك الهداية إلى معرفته بالأدلة والكتب، ومن ذلك إمهال الكافرين، وعن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما قضى الله الخلق كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش أن رحمتى غلبت غضبى" تفسير : وفى رواية: "حديث : تغلب غضبى" تفسير : وفى رواية: "حديث : سبقت غضبى" تفسير : ومعنى قضى الله الخلق أظهر قضاءه. قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: اسأل لنا ربك هل يصلى لعلنا نصلى بصلاة ربنا؟ قال: يا بنى إسرائيل اتقوا الله إن كنتم مؤمنين، فأوحى الله إليه إنما أرسلتك لتبلغهم عنى، وتبلغنى عنهم، قال: يا رب يقولون ما قد سمعت، يقولون أسأل ربك هل يصلى لعلنا نصلى بصلاة ربنا؟ قال: فاخبرهم أنى أصلى، وأن صلاتى سبق رحمتى غضبى، ولولا ذلك لهلكوا عن آخرهم. وعن أبى هريرة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وأنزل فى الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق ويتعاطفون، والجن والإنس، والبهائم والهوام، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ولو يعلم الكافر بكل الذى عند الله من الرحمة لم ييأس من الرحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذى عند الله من العذاب لم يأمن العذاب" تفسير : وفى الحديث: "حديث : فى يوم القيامة يكمل مائة رحمة بما بقى من الرحمة التى أنزل فى الدنيا، يرحم عباده مائة رحمة" تفسير : وفى الحديث عن سلمان مرفوعاً: "حديث : كل جزء طباق ما بين السماء والأرض " تفسير : وعن عمر: حديث : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبى، فإذا امرأة من السبى إذ وجدت صبياً فى السبى أخذته وألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أترون هذه المرأة طارحة ولدها فى النار وهى تقدر أن لا تطرحه؟" فقلنا: لا والله يا رسول الله، فقال: الله أرحم بعباده من هذه المرأة بولدها " تفسير : {لَيجمعنَّكم إلى يَوم القيامة} والله ليجمعنكم فى يوم القيامة، إلى بمعنى فى، ولا يجوز أن تكون تقدير ليجمعنكم من قبوركم إلى يوم القيامة، لأن الزمان لا يكون غاية للمكان، والمكان لا يكون غاية للزمان، ويجوز تقدير المكان، فيصح أى ليجمعنكم من قبوركم إلى موقف يوم القيامة، فيكون المكان غاية للمكان، ويجوز أن يكون المعنى: والله ليسكننكم فى القبور إلى يوم القيامة فيبعثكم، ولا يصح أن يكون ليجمعنكم إلى يوم القيامة مع القسم المحذوف بدلا من الرحمة، لأن الجملة لا تبدل من المفرد، ولأن الجمع إلى يوم القيامة بعضه رحمة وهو جمع السعداء، وبعضه غير رحمة وهو جمع الأشقياء، فهو أعم من المبدل منه إلا عند مثبتى بدل الكل من البعض. وكذلك لا يكون ذلك بدلا من جملة: كتب على نفسه الرحمة، لأن كَتْب الرحمة أخص من الجمع من حيث إن الجمع نشر إلى الجنة وإلى النار، فليسه كله رحمة إلا على ذا القول، بل الشاهر أن الخطاب للكفار فقط، وقد يدعى أن ذلك بدل إضراب من الجملة، والتحقيق أن الجملة مستأنفة، وعلى كل حال فالمراد البعث الجزاء، ففيه وعيد الكفار ووعد للمؤمنين. {لا ريْبَ فيه} لا شك فى إتيان يوم القيامة، الهاء ليوم القيامة، ويجوز عودها إلى المدلول عليه بقوله تعالى: {ليجمعنكم} لا شك فى الحشر، ولا شك فى جمعكم فى القبور، أى فى إسكانكم فيها ماكثين إلى يوم القيامة، وجملة {لا ريب فيه} مستأنفة أو حال من يوم أو نعت لمصدر محذوف، أى جمعاً لا ريب فيه. {الَّذين خَسرُوا أنفسهم} منصوب على الاختصاص من عموم كاف ليجمعنكم، فإن لفظه عام، والمراد به الكفار فقط على الظاهر، فبين بالذين خسروا أنفسهم نحو ما أفصحكم وأكرمكم معشر العرب، فى أخص ذا الخطاب الذين خسروا، أنفسهم أو أعنى الذين خسروا أنفسهم، وفى ذلك ذم لهم أو خبر لمحذوف، أى هم الذين أو مبتدأ خبره جملة هم لا يؤمنون من قوله: {فهم لا يؤمنُون} ثبتت فيه الفاء لشبه المبتدأ باسم الشرط فى العموم، أو للإبهام وترتبه على خسرانهم، كترتب الجواب على الشرط، على معنى أنهم رسخوا فى الخسران، بالتوغل فى إهمال نظر العقل، وفى التقليد فصاروا لا يؤمنون بذلك، وإما على أن الذين ليس مبتدأ، فالفاء عاطفة على الصلة عطف اسمية على فعلية، والفاء فى هذا الوجه أيضاً السببية والترتب، ومعنى خسران أنفسهم تضييعها للنار، أو تضييع الإسلام الذى ولدوا عليه.
اطفيش
تفسير : {قُلْ لِمَنْ مَا فِى السَّمَاواتِ وَالأََرْضِ} أَى الأَرضين، لمن أَجزاؤُها، وما حل فيهما، ومن خالق ذلك، ومن مالكه، ولا بد أَن يقولوا ذلك لله عز وجل، كما قال "أية : ولئن سأَلتهم من خلق السماوات والأَرض ليقولن الله"تفسير : [الزمر: 38] وقال "أية : ليقولن خلقهن العزيز العليم" تفسير : [الزخرف: 9] لما كان ذلك حجة قاطعة لا يقدرون على التخلص منها وعدم الإِقرار بها، ولا جواب لهم سواها، أَمر الله جل وعلا رسوله أَن يبادر إِلى الإِقرار بها فقال {قُلْ لله} كما أَنهم يقولون الله لا بد، أَو يقال قل لله إن لم يقولوه، والأَول أَولى لأَنهم قالوه في مواطن، وليس مما ينتظر جوابه لأَنه متعين، بل هو مما يقال إِن فلاناً قاله ولم يقله، إِذا كان لا بد من اعترافه بك، فلك أَن تقول قل عنهم "لله" وقيل: الاية على أَنه كأَنهم تثاقلوا عن الجواب فأَمره صلى الله عيه وسلم أَن يجيب عنهم، وذلك أَن الموجودات منها ما شوهد حدوثه، ومنها ما لم يشاهد حدثوه، والكل عليه أَثر الحدوث من عجز وتركيب وحاجة وغير ذلك، ولا بد لها من صانع لأَنها صنعة بديعة الإِتقان، والحكيم لا يعبث، فإِنما خلقها لعاقبة محمودة لمن لم يتخلف عنها وذلك يستدعي إِرسال الرسل وأَنزل الكتب تكليفاً لعباده. وحببهم إِلى نفسه وإِلى الإِذعان إِلى الرسل بقوله {كَتَبَ} وعد وقضى {عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} تفضلا وإِحساناً فى الدنيا والآخرة والدين على الناس كلهم، ومن ذلك تسهيل الشرع وإِنزاله وبيانه ونصب الدلايل عليه والتوفيق إِليه علماً وعملا وإِمهال الكافر، وفى الآية أَطلاق النفس على الله بمعنى الذات، وهو جائز لهذه الآية ونحوها بلا مشاكلة،ولو وجدت المشاكلة فى قوله تعالى "أية : تعلم ما فى نفسى ولا أَعلم ما فى نفسك" تفسير : [المائدة: 116] ودعوى تقدير المشاكلة هكذا، وكتب على أَنفسكم الذنب، بعيد، فليس كما قيل لا يطلق على الله ولو بمعنى الذات إِلا لمشاكلة وأَنها لا تطلق إِلا على الحيوان، أَو إِلا على غير الله عز وجل، والآية رد على من قال يجب على الله الأَصلح والصلاح ولو بلا وعد، فإِنه لا واجب على الله، ولكن لا يخلف الوعد والوعيد، فلا بد من وقوع ما قاله لأَن إِخلاقه نقص، لا لوجوب عليه، روى مسلم عن أَبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما قضى الله الخلق كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش: إِن رحمتى سبقت غضبى"تفسير : . ثم رأَيته للبخارى أَيضاً، وروى الترمذى عن أَبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما خلق الله تعالى الخلق كتب كتاباً عنده بيده على نفسه: إِن رحمتى تغلب غضبى"تفسير : . وفى ابن مردويه روى أَبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أَن الله تعالى كتب كتاباً لنفسه قبل أَن يخلق السموات والأَرض فوضعه تحت عرشه فيه: رحمتى سبقت غضبى"تفسير : . ومعنى كتبه بيده: كتبه بقدرته، والمراد التكوين وأَنه لم يكتبه ملك، ومعنى سبق رحمته كمالها على الغضب وقوتها. وقال سلمان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأَرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماوات والأَرض، فجعل منها رحمة في الأَرض فبها تعطف الوالدة على ولدها والطير والوحش بعضها على بعض، فإِذا كان يوم القيامة أَكملها لهذه الرحمة"تفسير : ، رواه مسلم. قال عبد الله بن عمرو بن العاص أَن لله تعالى مائة رحمة أَهبط منها رحمة واحدة إِلى أَهل الدنيا يتراحم بها الجن والإِنس وطير السماء وحيتان الماء، ودواب الأَرض وهوامها وما بين الهواء، واختزن عنده تسعاً وتسعين رحمة حتى إِذا كان يوم القيامة حولها إِلى ما عنده فجعلها فى قلوب أَهل الجنة وعلى أَهل الجنة {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} أَيها الناس كلكم، وقيل أَيها المشركون، كما أَن الكلام فيهم {إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} فيجازيكم، أَى والله ليجمعنكم، أَو جواب لقوله كتب على نفسه الرحمة، لأَن معناه التأكيد، والتأكيد قسم، وعلى هذا فلا يقدر والله، ويجوز أَن يقدر والله ليجمعنكم بدلاً من الرحمة بدل بعض، ولا يحتاج لربط لأَنه جملة، أَو كل، وعليه فتكون الرحمة إِمهال أَهل الشرك وإِمدادهم بالرزق عن معاجلة العذاب قبل يوم القيامة. إِنه لو شاءَ لبعثهم قبل يوم القيامة وأَدخلهم النار، ولو شاءَ لعجل العذاب فى الدنيا ولعلهم يتوبون كقوله {كتب ربكم على نفسه الرحمة} إِنه من عمل الآية إِلا أَن المتبادر من الرحمة أَن لا تحمل ذلك الإِمهال خاصة، وإِن جعلناها رحمة الآخرة للكفرة قدرنا إِن أَسلمتم، وفيه تعسف، والكلام وعيد على الإِشراك وإِهمال النظر، وذكر للرحمة بالإِمهال كما رأيت، ومعنى الجمع إِلى يوم القيامة الجمع لهم فى القبور وما ينزل منزلتها، أَى لا يزال يجمعهم إِلى يوم القيامة، فإِذا جاءَ وقت القيامة بعثهم فلم يتكلم على البعث إِلا بذكر القيامة، أَو معنى جمعهم إِلى حساب يوم القيامة، أَو معناه إنهاؤهم وإبلاغهم فيها إِلى ذلك الوقت، أَو إِلى بمعنى فى، أَى يجمعهم فى يوم القيامة، ولا بأس بتفسير حرف بمعنى حرف آخر لداع ولو كان ذلك المعنى غير مقيس فيه، أَو المعنى يجمعهم لأَجل ذلك اليوم، كظاهر قوله تعالى "أية : جامع الناس ليوم" تفسير : [آل عمران: 9] إلخ... والجملة حال مؤكدة من اليوم، والضمير لليوم، أَو نعت لمصدر محذوف، عاد إليه الضمير، أَى جمعاً لا ريب فيه {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أَى لا شبهة فيه، ولو جحد من جحد مع علمه، وشك من شك، والهاء للجمع المعلوم من يجمع أَو ليوم القيامة {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} أَجسامهم، وخسرانها أَن تكون فى النار وفى العذاب قبل النار أَيضاً، وذلك بتضييع الإِسلام الذى ولدوا عليه، وإِهمال العقل عن النظر، أَى ذم الله الذين خسروا أَنفسهم، أَو هم الذين خسروا أَنفسهم، أَى هؤلاء القائلون "أية : إن هذا إِلا سحر مبين وقالوا لولا أنزل"تفسير : [الأنعام: 7 - 8] إلخ... هم الذين خسروا أَنفسهم، فالجملة بعد ذلك معطوفة بالفاء، أَو مبتدأ خبره قوله {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فالفاء فى خبر المبتدأ لشبهه باسم الشرط، وعلى كل حال هى سببية، لكن باعتبارها ما حصل به الخسر وهو التضييع والإِهمال المذكوران، فإِن انتفاءَ الإِيمان سبب عنهما، أَو باعتبار القضاءِ بالخسران، فإِن القضاءَ به سبب لانتفاء الإِيمان، وإِلا فظاهر اللفظ أَن الخسران نفسه سبب لانتفاء إِيمانهم، مع أَن المراد غير ذلك، وأَجاز الأَخفش إِبدال الظاهر من ضمير الخطاب فيكون الذين بدلا من الكاف وهو ضعيف فى بدل كل، وإِن قيل الكاف للعموم والبدل بدل بعض لزم تفكيك الضمائر.
الالوسي
تفسير : {قُلْ} على سبيل التقريع لهم والتوبيخ {لّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} من العقلاء وغيرهم أي لمن الكائنات جميعاً خلقاً وملكاً وتصرفاً. وقوله سبحانه وتعالى: {قُل لِلَّهِ } تقرير للجواب نيابة عنهم أو إلجاء لهم إلى الإقرار بأن الكل له سبحانه وتعالى وفيه إشارة إلى أن الجواب قد بلغ من الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ولا على دفعه دافع فإن أمر السائل بالجواب إنما يحسن ـ كما قال الإمام ـ في موضع يكون فيه الجواب كذلك، قيل: وفيه إشارة إلى أنهم تثاقلوا في الجواب مع تعينه لكونهم محجوجين، وذكر عصام الملة أن قوله سبحانه وتعالى: {قُل لّمَن} الخ معناه الأمر بطلب هذا المطلب والتوجه إلى تحصيله. وقوله عز وجل: {قُل لِلَّهِ} معناه أنك إذا طلبت وأدى نظرك إلى الحق فاعترف به ولا تنكره. وهذا إرشاد إلى طريق التوحيد في الأفعال بعد الإرشاد إلى التوحيد في الألوهية وهو الاحتراز عن حال المكذبين. وفي هذا إشارة إلى وجه الربط وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما يعلم منه الوجه الوجيه لذلك، والجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي لله تعالى ذلك أو ذلك لله تعالى شأنه. {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } جملة مستقلة داخلة تحت الأمر صادحة بشمول رحمته عز وجل لجميع الخلق اثر بيان شمول ملكه وقدرته سبحانه وتعالى للكل المصحح لإنزال العقوبة بالمكذبين مسوقة لبيان أنه تعالى رؤوف بالعباد لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم التوبة وما سبق وما لحق من أحكام الغضب ليس إلا من سوء اختيار العباد لسوء استعدادهم الأزلي لا من مقتضيات ذاته جل وعلا { أية : وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } تفسير : [النحل: 33]، ومعنى كتب الرحمة على نفسه جل شأنه إيجابها بطريق التفضل والإحسان على ذاته المقدسة بالذات لا بتوسط شيء. وقيل: هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : لما قضى الله تعالى الخلق كتب كتاباً فوضعه عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي » تفسير : ، وفي رواية الترمذي عنه مرفوعاً « حديث : لما خلق الله تعالى الخلق كتب كتاباً عنده بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي » تفسير : ، وفي رواية ابن مردويه عنه « حديث : إن الله تعالى كتب كتاباً بيده لنفسه قبل أن يخلق السماوات والأرض فوضعه تحت عرشه فيه رحمتي سبقت غضبي » تفسير : إلى غير ذلك من الأخبار، ومعنى سبق الرحمة وغلبتها فيها أنها أقدم تعلقاً بالخلق وأكثر وصولاً إليهم مع أنها من مقتضيات الذات المفيضة للخير. وفي «شرح مسلم» للإمام النووي: «قال العلماء: غضب الله تعالى ورضاه يرجعان إلى معنى الإرادة فإرادته / الثواب للمطيع والمنفعة للعبد تسمى رضا ورحمة وإرادته عقاب العاصي وخذلانه تسمى غضباً وإرادته سبحانه وتعالى صفة له قديمة يريد بها [جميع المرادات]، قالوا: والمراد بالسبق والغلبة هنا كثرة الرحمة وشمولها كما يقال غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثر منه» انتهى وهو يرجع إلى ما قلنا. وحاصل الكلام في ذلك أن السبق والغلبة في التعلقات في نفس الصفة الذاتية إذ لا يتصور تقدم صفة على صفة فيه تعالى لاستلزامه حدوث المسبوق، وكذا لا يتصور الكثرة والقلة بين صفتين لاستلزام ذلك الحدوث وقد يراد بالرحمة ما يرحم به وهي بهذا المعنى تتصف بالتعدد والهبوط ونحو ذلك أيضاً، وعليه يخرج ما أخرجه مسلم وابن مردويه عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : إن لله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماوات والأرض فجعل منها في الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمةتفسير : . وأخرج عبد بن حميد وغيره عن عبد الله بن عمرو قال: « حديث : إن لله تعالى مائة رحمة أهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا يتراحم بها الجن والإنس وطائر السماء وحيتان الماء ودواب الأرض وهوامها وما بين الهواء واختزن عنده تسعاً وتسعين رحمة حتى إذا كان يوم القيامة اختلج الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا فحواها إلى ما عنده فجعلها في قلوب أهل الجنة وعلى أهل الجنةتفسير : . والمراد بالرحمة في الآية ما يعم الدارين مع عموم متعلقها، فما روي عن الكلبـي من أن المعنى أوجب لنفسه الرحمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن لا يعذبهم عند التكذيب كما عذب من قبلهم من الأمم الخالية والقرون الماضية عند ذلك بل يؤخرهم إلى يوم القيامة لم يدع إليه إلا إظهار ما يناسب المقام من أفراد ذلك العام. وفي التعبير عن الذات بالنفس رد على من زعم أن لفظ النفس لا يطلق على الله تعالى وإن أريد به الذات إلا مشاكلة. واعتبار المشاكلة التقديرية غير ظاهر كما هو ظاهر. وقوله سبحانه: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} جواب قسم محذوف وقع ـ على ما قال أبو البقاء ـ كتب موقعه. والجملة استئناف نحوي مسوق للوعيد على إشراكهم وإغفالهم النظر، وقيل: بياني كأنه قيل: وما تلك الرحمة فقيل: إنه تعالى ليجمعنكم الخ وذلك لأنه لولا خوف القيامة والعذاب لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط. وأورد عليه أنه إنما يظهر ما ذكر لو كانوا معترفين بالبعث وليس فليس. وقال بعض المحققين أيضاً: إنه تكلف ولا يتوجه فيه الجواب إلا باعتبار ما يلزم التخويف من الامتناع عن المناهي المستلزم للرحمة، وقيل: صلاحية ما في الآية للجواب باعتبار أن المراد ليجمعنكم إلى يوم القيامة ولا يعاجلكم بالعقوبة الآن على تكذيبكم على ما أشار إليه الكلبـي، وقيل: إن القسم وجوابه في محل نصب على أنه بدل من {ٱلرَّحْمَةِ } بدل البعض، وقد ذكر النحاة أن الجملة تبدل من المفرد. نعم لم يتعرضوا لأنواع البدل في ذلك والجار والمجرور قيل متعلق بمحذوف أي ليجمعنكم في القبور مبعوثين إلى يوم الخ على أن البعث بمعنى الإرسال وهو مما يتعدى بإلى ولا يحتاج إلى ارتكاب التضمين، واعترض بأن البعث يكون إلى المكان لا إلى الزمان إلا أن يراد بيوم القيامة واقعتها في موقعها؛ وقيل: هو متعلق بالفعل المذكور، والمراد جمع فيه معنى السوق والاضطرار كأنه قيل ليبعثنكم ويسوقنكم ويضطرنكم إلى يوم القيامة أي إلى حسابه، وقيل: إنه متعلق بالفعل / وإلى بمعنى في كما في قوله: شعر : لا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي به القار أجرب تفسير : ومنع بعضهم مجيء إلى بمعنى في في كلامهم ولو صح ذلك لجاز زيد إلى الكوفة بمعنى في الكوفة وتأول البيت بتضمين مضافاً أو مبغضاً أو مكرهاً، وأجيب بأن ذلك إنما يرد إذا قيل: إن استعمال إلى بمعنى في قياس مطرد ولعل القائل بالاستعمال لا يقول بما ذكر، وارتكاب التضمين خلاف الأصل، وارتكاب القول بأن إلى بمعنى في وإن لم يكن مطرداً أهون منه، وقيل: إنها بمعنى اللام، وقيل: زائدة والخطاب للكافرين كما هو الظاهر من السياق، وقيل: عام لهم وللمؤمنين بعد أن كان خاصاً بالكافرين أي ليجمعنكم أيها الناس إلى يوم القيامة {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه لوضوح أدلته وسطوع براهينه التي تقدم بعض منها. والجملة حال من اليوم والضمير المجرور له، ويحتمل أن تكون صفة لمصدر محذوف والضمير له أي جمعاً لا ريب فيه، وجوز أن تكون تأكيداً لما قبلها كما قالوا في قوله تعالى: { أية : ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ } تفسير : [البقرة: 2]. {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } بتضييع رأس مالهم وهو الفطرة الأصلية والعقل السليم والاستعداد القريب الحاصل من مشاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم واستماع الوحي وغير ذلك من آثار الرحمة، وموضع الموصول قيل: نصب على الذم أو رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي أنتم الذين وهو نعت مقطوع ولا يلزم أن يكون كل نعت مقطوع يصح اتباعه نعتاً بل يكفي فيه معنى الوصف ألا ترى إلى قوله تعالى: { أية : وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً } تفسير : [الهمزة: 1-2] كيف قطع فيه {ٱلَّذِى } مع عدم صحة اتباعه نعتاً للنكرة فلا يرد أن القطع إنما يكون في النعت والضمير لا ينعت، وقيل: هو بدل من الضمير بدل بعض من كل بتقدير ضمير أو هو خبر مبتدأ على القطع على البدلية أيضاً ولا اختصاص للقطع بالنعت، ولعلهم إنما لم يجعلوه منصوباً بفعل مقدر أو خبراً لمبتدأ محذوف من غير حاجة لما ذكر لدعواهم أن مجرد التقدير لا يفيد الذم أو المدح إلا مع القطع. واختار الأخفش البدلية، وتعقب ذلك أبو البقاء بأنه بعيد لأن ضمير المتكلم والمخاطب لا يبدل منهما لوضوحهما غاية الوضوح وغيرهما دونهما في ذلك. وقيل: هو مبتدأ خبره {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } والفاء للدلالة على أن عدم إيمانهم وإصرارهم على الكفر مسبب عن خسرانهم فإن إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان، وفي «الكشاف» «فإن قلت: كيف يكون عدم إيمانهم مسبباً عن خسرانهم والأمر على العكس؟ قلت: معناه الذين خسروا أنفسهم في علم الله تعالى لاختيارهم الكفر فهم لا يؤمنون». وحاصل الكلام على هذا الذين حكم الله تعالى بخسرانهم لاختيارهم الكفر فهم لا يؤمنون، والحكم بالخسران سابق على عدم الإيمان لأنه مقارن للعلم باختيار الكفر لا لحصوله بالفعل فيصح ترتب عدم الإيمان عليه من هذا الوجه، وأنت تعلم أن هذا السؤال يندفع بحمل الخسران على ما ذكرناه، ولعله أولى مما في «الكشاف» لما فيه من الدغدغة. والجملة كما قال غير واحد تذييل مسوق من جهته تعالى لتقبيح حالهم غير داخلة تحت الأمر. وقيل: الظاهر على تقدير الابتداء عطف الجملة على {لاَ رَيْبَ فِيهِ } فيحتاج الفصل إلى تكلف تقدير سؤال كأنه قيل: فلم يرتاب الكافرون به؟ فأجيب بأن خسرانهم أنفسهم صار سبباً لعدم الإيمان، وجوز على ذلك التقدير كون الجملة حالية وهو كما ترى. / هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي سماوات عالم الأرواح وأرض عالم الجسم، ويقال: الروح سماء القلب لأن منها ينزل غيث الإلهام والقلب أرضها لأنه فيه ينبت زهر الحكمة ونور المعرفة {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ } أي وأنشأ في عالم الجسم ظلمات المراتب التي هي حجب ظلمانية للذات المقدسة وأنشأ في عالم الأرواح نور العلم والإدراك، ويقال: الظلمات الهواجس والخواطر الباطلة والنور الإلهام وقال بعضهم: الظلمات أعمال البدن والنور أحوال القلب. ثم بعد ظهور ذلك { أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } تفسير : [الأنعام: 1] غيره ويثبتون معه سبحانه وتعالى من يساويه في الوجود وهو الله الذي لا نظير له في سائر صفاته {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ } وهو طين المادة الهيولانية {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً} أي حداً معيناً من الزمان إذا بلغه السالك إلى ربه سبحانه وتعالى فنى فيه عز شأنه {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } وهو البقاء بعد الفناء، وقيل: الأجل الأول هو الذي يقتضيه الاستعداد طبعاً بحسب الهوية وهو المسمى أجلاً طبيعياً للشخص بالنظر إلى مزاجه الخاص وتركيبه المخصوص بلا اعتبار عارض من العوارض الزمانية. ونكر لأنه من أحكام القضاء السابق الذي هو أم الكتاب وهي كلية منزهة عن التشخصات إذ محلها الروح الأول المقدس. والأجل الثاني هو الأجل المقدر الزماني الذي يقع عند اجتماع الشرائط وارتفاع الموانع وهو مثبت في كتاب النفس الفلكية التي هي لوح القدر {ثُمَّ أَنتُمْ } بعد ما علمتم ذلك { أية : تَمْتَرُونَ } تفسير : [الأنعام: 2] وتشكون في تصرفه فيكم كما يشاء {وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَفِى ٱلأَرْضِ} أي سواء ألوهيته بالنسبة إلى العالم العلوي والسفلي {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ} في عالم الأرواح وهو عالم الغيب {وَجَهْرَكُمْ} في عالم الأجسام وهو عالم الشهادة { أية : وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } تفسير : [الأنعام: 3] فيهما من العلوم والحركات والسكنات وغيرها فيجازيكم بحسبها، وقيل: المعنى يعلم جولان أرواحكم في السماء لطلب معادن الأفراح وتقلب أشباحكم في الأرض لطلب الوسيلة إلى مشاهدته ويعلم ما تحصلونه بذلك {وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايَـٰتِ رَبّهِمْ } الأنفسية والآفاقية { أية : إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } تفسير : [الأنعام: 4] لسوء اختيارهم وعمى أعينهم عن مشاهدة أنوار الله تعالى الساطعة على صفحات الوجود {وَقَالُواْ } لضعف يقينهم { أية : لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } تفسير : فنراه لتزول شبهتنا { أية : وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ ٱلأَمْرُ } تفسير : [الأنعام: 8] أي أمر هلاكهم لعدم قدرتهم على تحمل مشاهدته { أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } تفسير : [الأنعام: 9] ليمكنهم مشاهدته {قُل لّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي ما في العالمين {قُل لِلَّهِ } إيجاداً وإفناءً {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ }. قال سيدي الشيخ الأكبر قدس الله تعالى سره: إن رحمة الله تعالى عامة وهي نعمة الامتنان التي تنال من غير استحقاق، وهي المرادة في قوله تعالى: { أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ } تفسير : [آل عمران: 159] وإليها الإشارة بالرحمن في البسملة وخاصة وهي الواجبة المرادة بقوله تعالى: { أية : فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } تفسير : [الأعراف: 156] وإليها الإشارة بالرحيم فيها. ويشير كلامه قدس الله تعالى سره في «الفتوحات» إلى أن ما في الآية هو الرحمة الخاصة، ومقتضى السياق أنها الرحمة العامة. وذكر قدس الله تعالى سره في أثناء الكلام على الرحمة وقول الله عز شأنه يوم القيامة «شفعت الملائكة وشفعت النبيون والمؤمنون وبقي أرحم الراحمين إن رحمة الله تعالى سبقت غضبه» كما في الخبر فهي أمام الغضب فلا يزال غضب الله تعالى يجري في شأواه بالانتقام من العباد حتى ينتهي إلى آخر مداه فيجد الرحمة قد سبقته فتتناول منه العبد المغضوب عليه فتبسط عليه ويرجع الحكم لها فيه، والمدى الذي يقطعه الغضب ما بين { أية : الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ } تفسير : [الفاتحة:1] الذي في البسملة وبين { أية : الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ } تفسير : [الفاتحة: 3] الذي بعد { أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } تفسير : [الفاتحة:2]. فالحمد لله رب العالمين / هو المدى وأوله وآخره ما قد علمت، وإنما كان ذلك عين المدى لأن فيه يظهر السراء والضراء، ولهذا كان فيه الحمد وهو الثناء ولم يقيد بسراء ولا ضراء فيعمهما، ويقول الشرع في حمد السراء: الحمد لله المنعم المتفضل، ويقول في حمد الضراء: الحمد لله على كل حال، فالحمد لله قد جاء في السراء والضراء فلهذا كان عين المدى، وما من أحد في الدار الآخرة إلا وهو يحمد الله تعالى ويرجو رحمته ويخاف عذابه واستمراره عليه فجعل الله تعالى عقيب {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} فالعالم بينهما بما هو عليه من محمود ومذموم، وهذا شبيه بما جاء في سورة ألم نشرح وهو تنبيه عجيب منه سبحانه وتعالى لعباده ليتقوى عندهم الرجاء والطمع في رحمة الله تعالى. وأنت إذا التفت أدنى التفات تعلم أنه ما من أثر من آثار البطش إلا وهو مطرز برحمة الله تعالى بل ما من سعد ونحس إلا وقد خرج من مطالع أفلاك الرحمة التي أفاضت شآبيبها على القوابل حسب القابليات؛ ومما يظهر سبق الرحمة أن كل شيء موجود مسبوق بتعلق الإرادة بإيجاده وإخراجه من حيز العدم الذي هو معدن كل نقص، ولا ريب في أن ذلك رحمة كما أنه لا ريب في سبقه، نعم تنقسم الرحمة من بعض الحيثيات إلى قسمين، رحمة محضة لا يشوبها شيء من النقمة كنعيم الجنة وهي الطالعة من بروج اسمه سبحانه الرحيم ولكونه صلى الله عليه وسلم يحب دخول أمته الجنة ويكره لهم النار سماه الحق عز اسمه الرحيم في قوله سبحانه وتعالى: { أية : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [التوبة: 128]، ورحمة قد يشوبها نقمة كتأديب الولد بالضرب رحمة به، وكشرب الدواء المر البشع وهي المشرقة من مطالع آفاق اسمه عز اسمه الرحمن، ولعل هذه الرحمة العامة هي المرادة في قوله تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107] ثم اعلم أن سبق الرحمة الغضب يقتضي ظاهراً سبق تجليات الجمال على تجليات الجلال لأن الرحمة من الجمال والغضب من الجلال. وذكر مولانا الشيخ عبد الكريم الجيلي قدس سره أن الجلال أسبق من الجمال. فقد ورد في الحديث « حديث : العظمة إزاري والكبرياء ردائي » تفسير : ولا أقرب من ثوب الرداء والإزار إلى الشخص. ثم قال: ولا يناقض هذا قوله جل شأنه: "حديث : سبقت رحمتي غضبـي" تفسير : فإن الرحمة السابقة إنما هي بشرط العموم والعموم من الجلال. وادعى أن الصفة الواحدة الجمالية إذا استوفت كمالها في الظهور أو قاربت سميت جلالاً لقوة ظهور سلطان الجمال فمفهوم الرحمة من الجمال وعمومها وانتهاؤها جلال، وأنت تعلم أنه إذا فسر السبق بالمعنى الذي نقله النووي عن العلماء سابقاً وهو الكثرة والشمول فهو مما لا ريب في تحققه في الرحمة إذ في كل غضب رحمة وليس في كل رحمة غضب كما لا يخفى على من حقق النظر. وبالجملة في رحمته سبحانه مطمع أي مطمع حتى أن إبليس يرجوها يوم القيامة على ما يدل عليه بعض الآثار. وأحظى الناس بها إن شاء الله تعالى هذه الأمة. نسأل الله تعالى لنا ولكم الحظ الأوفر منها {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } الصغرى أو الكبرى {لاَ رَيْبَ فِيهِ } في نفس الأمر وإن لم يشعر به المحجوبون {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } بإهلاكها في الشهوات واللذات الفانية فحجبوا عن الحقائق الباقية النورانية واستبدلوا بها المحسوسات الفانية الظلمانية { أية : فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأنعام: 12] لذلك، نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
سيد قطب
تفسير : هذه الموجة الجديدة ذات المد العالي والإيقاع الرهيب، تجيء في أعقاب الحديث عن التكذيب والإعراض والسخرية والاستهزاء؛ وما ختم به هذا الحديث وما تخلله من التهديد المخيف؛ مع توجيه الأنظار والقلوب إلى الاعتبار بمصارع المكذبين المستهزئين.. كما أنها تجيء بعد موجة الافتتاح السابقة للحديث عن المكذبين؛ والتي عرضت حقيقة الألوهية في المجال الكوني العريض؛ وفي المجال الإنساني العميق. وهي كذلك تعرض حقيقة الألوهية في مجالات أخرى، بإيقاعات جديدة؛ ومع مؤثرات كذلك جديدة.. فيقع الحديث عن التكذيب بين موجة الافتتاح وهذه الموجة؛ ويبدو أمره في غاية النكارة وفي غاية البشاعة! ولقد عرضت الموجة الأولى حقيقة الألوهية ممثلة في خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وخلق الإنسان من طين، وقضاء الأجل الأول لعمره، وتسمية الأجل الثاني لبعثه. مقررة شمول ألوهية الله للسماوات وللأرض، وإحاطة علمه بسر الناس وجهرهم وما يكسبونه في السر والجهر.. كل أولئك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي النظري السلبي. ولكن لتقرير مقتضيات هذه الحقائق في الحياة الإنسانية. من إسلامها بجملتها لله وحده، لا تعدل به أحداً، ولا تمتري في هذه الوحدانية. ومن إقرارها بشمول الألوهية لشئون الكون ولشئون الحياة الإنسانية في السر والجهر. ومن ترتيب النتائج الطبيعية لهذه الحقائق في الاستسلام لحاكمية الله وحده في شؤون الحياة الأرضية كالاستسلام لهذه الحاكمية في الشؤون الكونية.. فأما هذه الموجة الجديدة فتستهدف كذلك إبراز حقيقة الألوهية، ممثلة في الملك والفاعلية، وفي الرزق والكفالة؛ وفي القدرة والقهر؛ وفي النفع والضر.. كل ذلك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي النظري السلبي.. ولكن لتقرير مقتضيات هذه الحقائق من توحيد الولاية والتوجه؛ وتوحيد الاستسلام والعبودية.. واعتبار الولاية والتوجه مظهر الاستسلام والعبودية. فإذا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستنكر أن يتخذ غير الله ولياً؛ بين أن هذا الاستنكار قائم أولاً على أن الله يطعم ولا يطعم؛ وقائم ثانياً على أن تولي غير الله نقض لما أُمر به من الإسلام وعدم الشرك أيضاً.. ويصاحب عرض حقيقة الألوهية، في هذه الصورة ولهذا الغرض، جملة مؤثرات قوية تخلخل القلوب. تبدأ بعرض حقيقة الملكية لكل شيء. وحقيقة أن الله هو الذي يطعم ولا يطعم. وعرض العذاب الرعيب الذي يعد مجرد صرفه رحمة من الله وفوزاً عظيماً. وعرض القدرة على الضر والخير. وعرض الاستعلاء والقهر. وعرض الحكمة والخبرة.. ثم الإيقاع الرهيب المزلزل، المتمثل في الأمر العلوي الهائل: قل. قل. قل: فإذا تم هذا العرض بكل مؤثراته العميقة، جاء الختام بالإيقاع العالي المجلجل.. إيقاع الإشهاد على التوحيد، وإنكار الشرك، والمفاصلة الحاسمة؛ مصحوباً كذلك بالأمر العلوي في كل فاصلة: {قل: أي شيء أكبر شهادة؟}.. {قل: الله}.. {قل: لا أشهد}.. {قل: إنما هو إله واحد}.. مما يضفي على الجو كله رهبة غامرة؛ ويضفي على الأمر كله طابع جد مرهوب! {قل: لمن ما في السماوات والأرض؟ قل لله، كتب على نفسه الرحمة، ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه، الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون. وله ما سكن في الليل والنهار، وهو السميع العليم}.. إنه موقف المواجهة للبيان والتقرير، ثم المفاصلة.. ومن ثم يبدأ بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهذه المواجهة. مواجهة المشركين - الذين يعرفون أن الله هو الخالق ثم يعدلون به من لا يخلق؛ فيجعلون له شركاء مع الله في تصريف حياتهم - مواجهتهم بالسؤال عن الملكية - بعد الخلق - لكل ما في السماوات والأرض، مسقصياً بهذا السؤال حدود الملكية في المكان: {ما في السماوات والأرض}.. مع تقرير الحقيقة التي لم يكونوا هم يجادولن فيها؛ والتي حكى القرآن في مواضع إقرارهم الكامل بها: {قل: لمن ما في السماوات والأرض؟ قل: لله}.. ولقد كان العرب في جاهليتهم - على كل ما في هذه الجاهلية من ضلال في التصور ينشأ عنه انحطاط في الحياة - أرقى - في هذا الجانب - من الجاهلية "العلمية" الحديثة، التي لا تعرف هذه الحقيقة، والتي تغلق فطرتها وتعطلها دون رؤية هذه الحقيقة! كانوا يعرفون ويقررون أن لله ما في السماوات والأرض. ولكنهم ما كانوا يرتبون على هذه الحقيقة نتائجها المنطقية؛ بإفراد الله سبحانه بالحاكمية فيما يملك، وعدم التصرف فيه إلا بإذن الله وحده وشرعه.. وبهذا اعتبروا مشركين، وسميت حياتهم بالجاهلية! فكيف بمن يخرجون الحاكمية في أمرهم كله من اختصاص الله سبحانه؛ ويزاولونها هم بأنفسهم؟! بماذا يوصفون وبماذا توصف حياتهم؟ لا بد من إعطائهم صفة أخرى غير الشرك.. فهو الكفر والظلم والفسق كما يقرر الله سبحانه.. أياً كانت دعواهم في الإسلام وأياً كانت الصفة التي تعطيها لهم شهادات الميلاد! ونعود إلى الآية. لنجد السياق يلحق بهذا التقرير لملكية الله - سبحانه - لما في السماوات وما في الأرض، أنه - سبحانه: {كتب على نفسه الرحمة}.. فهو سبحانه المالك، لا ينازعه منازع، ولكنه - فضلاً منه ومنة - كتب على نفسه الرحمة. كتبها بإرادته ومشيئته؛ لا يوجبها عليه موجب؛ ولا يقترحها عليه مقترح؛ ولا يقتضيها منه مقتض - إلا إرادته الطليقة وإلا ربوبيته الكريمة - وهي - الرحمة - قاعدة قضائه في خلقه، وقاعدة معاملته لهم في الدنيا والآخرة.. والاعتقاد إذن بهذه القاعدة يدخل في مقوّمات التصور الإسلامي، فرحمة الله بعباده هي الأصل، حتى في ابتلائه لهم أحياناً بالضراء. فهو يبتليهم ليعد طائفة منهم بهذا الابتلاء لحمل أمانته، بعد الخلوص والتجرد والمعرفة والوعي والاستعداد والتهيؤ عن طريق هذا الابتلاء؛ وليميز الخبيث من الطيب في الصف، وليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه؛ وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة.. والرحمة في هذا كله ظاهرة.. على أن تلمس مواضع رحمة الله ومظاهرها يستغرق الأعمار والأجيال. فما من لحظة إلا وتغمر العباد فيها الرحمة.. إنما ذكرنا الرحمة في الابتلاء بالضراء، لأن هذه هي التي قد تزيغ فيها القلوب والأبصار! ولن نحاول نحن أن نتقصى مواضع الرحمة الإلهية أو مظاهرها - وإن كنا سنشير إشارة مجملة إلى شيء من ذلك فيما يلي - ولكننا سنحاول أن نقف قليلاً أمام هذا النص القرآني العجيب: {كتب على نفسه الرحمة}. وقد تكرر وروده في السورة في موضع آخر سيأتي: {كتب ربكم على نفسه الرحمة}.. إن الذي يستوقف النظر في هذا النص هو ذلك التفضل الذي أشرنا من قبل إليه.. تفضل الخالق المالك ذي السلطان القاهر فوق عباده.. تفضله - سبحانه - بأن يجعل رحمته بعباده في هذه الصورة.. مكتوبة عليه.. كتبها هو على نفسه؛ وجعلها عهداً منه لعباده.. بمحض إرادته ومطلق مشيئته.. وهي حقيقة هائلة لا يثبت الكيان البشري لتمليها وتأملها وتذوق وقعها؛ حين يقف لتدبرها في هذه الصورة العجيبة.. كذلك يستوقف النظر مرة أخرى ذلك التفضل الآخر الذي يتجلى في إخباره لعباده بما كتبه - سبحانه - على نفسه من رحمته. فإن العناية بإبلاغهم هذه الحقيقة هي تفضل آخر، لا يقل عن ذلك التفضل الأول! فمن هم العباد حتى تبلغ العناية بهم أن يبلغوا ما جرت به إرادة الله في الملأ الأعلى؟ وأن يبلغوا بكلمات منه سبحانه يحملها إليهم رسوله؟ من هم؟ إلا أنه الفضل العميم، الفائض من خلق الله الكريم؟! إن تدبر هذه الحقيقة على هذا النحو ليدع القلب في عجب وفي دهش؛ كما يدعه في أنس وفي روْح لا تبلغ الكلمات أن تصور جوانبه وحواشيه! ومثل هذه الحقائق، وما تثيره في القلب من مشاعر؛ ليس موكولاً إلى التعبير البشري ليبلغ شيئاً في تصويره؛ وإن كان القلب البشري مهيأ لتذوقه، لا لتعريفه! وتمثل هذه الحقيقة في التصور الإسلامي يكوّن جانباً أساسياً من تصور حقيقة الألوهية، وعلاقة العباد بها.. وهو تصوّر جميل مطمئن ودود لطيف. يعجب الإنسان معه لمناكيد الخلق الذين يتقولون على التصور الإسلامي في هذا الجانب، لأنه لا يقول ببنوة أحد من عباد الله لله! - على نحو ما تقول التصورات الكنسية المحرفة - فالتصور الإسلامي إذ يرتفع على هذه التصورات الصبيانية الطفولية، يبلغ في الوقت ذاته من تصوير العلاقة الرحيمة بين الله وعباده هذا المستوى الذي يعجز التعبير البشري عن وصفه. والذي يترع القلب بحلاوة مذاقه، كما يروعه بجلال إيقاعه.. ورحمة الله تفيض على عباده جميعاً؛ وتسعهم جميعاً؛ وبها يقوم وجودهم، وتقوم حياتهم. وهي تتجلى في كل لحظة من لحظات الوجود أو لحظات الحياة للكائنات. فأما في حياة البشر خاصة فلا نملك أن نتابعها في كل مواضعها ومظاهرها؛ ولكننا نذكر منها لمحات في مجاليها الكبيرة: إنها تتجلى ابتداء في وجود البشر ذاته. في نشأتهم من حيث لا يعلمون. وفي إعطائهم هذا الوجود الإنساني الكريم؛ بكل ما فيه من خصائص يتفضل بها الإنسان على كثير من العالمين. وتتجلى في تسخير ما قدر الله أن يسخره للإنسان، من قوى الكون وطاقاته. وهذا هو الرزق في مضمونه الواسع الشامل. الذي يتقلب الإنسان في بحبوحة منه في كل لحظة من لحظات حياته. وتتجلى في تعليم الله للإنسان، بإعطائه ابتداء الاستعداد للمعرفة؛ وتقدير التوافق بين استعدادته هذه وإيحاءات الكون ومعطياته.. هذا العلم الذي يتطاول به بعض المناكيد على الله، وهو الذي علمهم إياه! وهو من رزق الله بمعناه الواسع الشامل كذلك. وتتجلى في رعاية الله لهذا الخلق بعد استخلافه في الأرض، بموالاة إرسال الرسل إليه بالهدى، كلما نسي وضل؛ وأخذه بالحلم كلما لج في الضلال؛ ولم يسمع صوت النذير، ولم يصغ للتحذير. وهو على الله هين. ولكن رحمة الله وحدها هي التي تمهله، وحلم الله وحده هو الذي يسعه. وتتجلى في تجاوز الله - سبحانه - عن سيئاته إذا عمل السوء بجهالة ثم تاب، وبكتابة الرحمة على نفسه ممثلة في المغفرة لمن أذنب ثم أناب. وتتجلى في مجازاته عن السيئة بمثلها، ومجازاته على الحسنة بعشر أمثالها. والمضاعفة بعد ذلك لمن يشاء. ومحو السيئة بالحسنة.. وكله من فضل الله. فلا يبلغ أحد أن يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته. حتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال عن نفسه، في معرفة كاملة بعجز البشر وفضل الله. والإقصار منا عن متابعة رحمة الله في مظاهرها، وإعلان القصور والعيّ عنها، هو أجدر وأولى. وإلا فما نحن ببالغين من ذلك شيئاً! وإن لحظة واحدة يفتح الله فيها أبواب رحمته لقلب العبد المؤمن؛ فيتصل به؛ ويعرفه؛ ويطمئن إليه - سبحانه - ويأمن في كنفه؛ ويستروح في ظله.. إن لحظة واحدة من هذه اللحظات لتعجز الطاقة البشرية عن تمليها واستجلائها، فضلاً على وصفها والتعبير عنها. فلننظر كيف مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهذه الرحمة بما يقّربها للقلوب شيئاً ما: أخرج الشيخان - بإسناده عن أبى هريرة رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : لما قضى الله الخلق - وعند مسلم: لما خلق الله الخلق - كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي.. وعند البخاري في رواية أخرى: إن رحمتي غلبت غضبي ".. "حديث : وأخرج الشيخان بإسناده عنه رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: جعل الله الرحمة مائة جزء. فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً. فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ".. تفسير : وأخرج مسلم - بإسناده عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -:"حديث : إن لله مائة رحمة. فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة ".. "حديث : وله في أخرى: إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض. فجعل منها في الأرض رحمة واحدة، فيها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض. فإذا كان يوم القيامة أكملها الله تعالى بهذه الرحمة ".. تفسير : وهذا التمثيل النبوي الموحي، يقرب للإدراك البشري تصور رحمة الله تعالى.. ذلك إذ ينظر إلى رحمة الأمهات بأطفالها في الخلائق الحية ويتملاها ويعجب لها، وإلى رحمة القلوب البشرية بالطفولة والشيخوخة، والضعف والمرض؛ وبالأقرباء والأوداء والأصحاب؛ وبرحمة الطير والوحش بعضها على بعض - ومنها ما يدعو إلى الدهش والعجب - ثم يرى أن هذا كله من فيض رحمة واحدة من رحمات الله سبحانه.. فهذا مما يقرب إلى إدراكه تصور هذه الرحمة الكبرى شيئاً ما! وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يني يعلم أصحابه ويذكرهم بهذه الرحمة الكبرى: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: "حديث : قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبي. فإذا امرأة من السبي تسعى قد تحلب ثديها، إذ وجدت صبياً في السبي، فأخذته، فألزقته ببطنها فأرضعته. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟" قلنا: لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه. قال: فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها"تفسير : ..(أخرجه الشيخان). وكيف لا. وهذه المرأة إنما ترحم ولدها، من فيض رحمة واحدة من رحمات الله الواسعة؟ ومن تعليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه هذه الحقيقة القرآنية، بهذا الأسلوب الموحي، كان ينتقل بهم خطوة أخرى؛ ليتخلقوا بخلق الله هذا في رحمته، ليتراحموا فيما بينهم وليرحموا الأحياء جميعاً؛ ولتتذوق قلوبهم مذاق الرحمة وهم يتعاملون بها، كما تذوقتها في معاملة الله لهم بها من قبل. عن ابن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : الراحمون يرحمهم الله تعالى. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"تفسير : .. (أخرجه أبو داود والترمذي). وعن جرير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لا يرحم الله من لا يرحم الناس" تفسير : ... (أخرجه الشيخان والترمذي). وفي رواية لأبي داود والترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لا تنزع الرحمة إلا من شقي ". تفسير : وعن أبي هريرة كذلك. قال: "حديث : قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحسن بن علي - رضي الله عنهما - وعنده الأقرع بن حابس. فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً! فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: من لا يرحم لا يُرحم"تفسير : .. (أخرجه الشيخان). ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يقف في تعليمه لأصحابه - رضوان الله عليهم - عند حد الرحمة بالناس. وقد علم أن رحمة ربه وسعت كل شيء. وأن المؤمنين مأمورن أن يتخلقوا بأخلاق الله؛ وأن الإنسان لا يبلغ تمام إنسانيته إلا حين يرحم كل حي تخلقاً بخلق الله سبحانه، وكان تعليمه لهم بالطريقة الموحية التي عهدناها: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب، ثم خرج، وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش. فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر، فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب. فشكر الله تعالى له فغفر له. قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجراً؟ قال: في كل كبد رطبة أجر"تفسير : .. (أخرجه مالك والشيخان) "حديث : وفي أخرى: إن امرأة بغياً رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر، قد أدلع (أي أخرج) لسانه من العطش فنزعت له موقها (أي خفها) فغفر لها به ". "حديث : وعن عبد الرحمن بن عبدالله عن أبيه - رضي الله عنه - قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر. فرأينا حمرة (طائر) معها فرخان لها فأخذناهما. فجاءت الحمرة تعرّش (أو تفرش) - (أي ترخي جناحيها وتدنو من الأرض) فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها". ورأى قرية نمل قد أحرقناها فقال:"من أحرق هذه؟" قلنا: نحن. قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار"تفسير : ... (أخرجه أبو داود).. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : قرصت نملة نبياً من الأنبياء. فأمر بقرية النمل فحرقت. فأوحى الله تعالى إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح؟"تفسير : ... (أخرجه الشيخان). وهكذا علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه هدى القرآن. ليتذوقوا رحمة الله من خلال مزاولتهم للرحمة.. أليس أنهم إنما يتراحمون برحمة واحدة من رحمات الله الكثيرة؟! وبعد فإن استقرار هذه الحقيقة في تصور المسلم لينشىء في حسه وفي حياته وفي خلقه آثاراً عميقة؛ يصعب كذلك تقصيها؛ ولا بد من الاكتفاء بالإشارة السريعة إليها، كي لا نخرج من نطاق الظلال القرآنية، إلى قضية مستقلة! إن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو ليسكب في قلب المؤمن الطمأنينة إلى ربه - حتى وهو يمر بفترات الابتلاء بالضراء، التي تزيغ فيها القلوب والأبصار - فهو يستيقن أن الرحمة وراء كل لمحة، وكل حالة، وكل وضع؛ وأن ربه لا يعرضه للابتلاء لأنه تخلى عنه، أو طرده من رحمته. فإن الله لا يطرد من رحمته أحداً يرجوها. إنما يطرد الناس أنفسهم من هذه الرحمة حين يكفرون بالله ويرفضون رحمته ويبعدون عنها! وهذه الطمأنينة إلى رحمة الله تملأ القلب بالثبات والصبر، وبالرجاء والأمل، وبالهدوء والراحة.. فهو في كنف ودود، يستروح ظلاله، ما دام لا يُبعد عنه في الشرود! والشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يستجيش في حس المؤمن الحياء من الله. فإن الطمع في المغفرة والرحمة لا يجرّىء على المعصية - كما يتوهم البعض - إنما يستجيش الحياء من الله الغفور الرحيم. والقلب الذي تجرئه الرحمة على المعصية هو قلب لم يتذوق حلاوة الإيمان الحقيقية! لذلك لا أستطيع أن أفهم أو أسلم ما يجري على ألسنة بعض المتصوفة من أنهم يلجون في الذنب ليتذوقوا حلاوة الحلم، أو المغفرة، أو الرحمة.. إن هذا ليس منطق الفطرة السوية في مقابلة الرحمة الإلهية! كذلك فإن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يؤثر تأثيراً قوياً في خلق المؤمن، وهو يعلم أنه مأمور أن يتخلق بأخلاق الله - سبحانه - وهو يرى نفسه مغموراً برحمة الله مع تقصيره وذنبه وخطئه - فيعلمه ذلك كله كيف يرحم، وكيف يعفو، وكيف يغفر.. كما رأينا في تعليم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه؛ مستمداً تعليمه لهم من هذه الحقيقة الكبيرة.. ومن مواضع رحمة الله التي تقررها الآية الكريمة: أن الله كتب ليجمعنهم إلى يوم القيامة: {قل لمن ما في السماوات والأرض؟ قل: لله. كتب على نفسه الرحمة. ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه..}.. فمن هذه الرحمة المكتوبة، ذلك الجمع الذي لا ريب فيه.. ذلك الجمع الذي يشي بما وراءه من عناية الله - سبحانه - بعباده من الناس؛ فقد خلقهم لأمر؛ واستخلفهم في هذه الأرض لغاية، ولم يخلقهم عبثاً، ولم يتركهم سدى. ولكن يجمعهم إلى يوم القيامة - فهذا اليوم هو نهاية المطاف الذي يفيئون إليه كما يفيء الراحل إلى وجهته - فيعطيهم جزاء كدحهم إليه، وينقدهم أجر عملهم في دار الدنيا. فلا يضيع عليهم كدح ولا أجر؛ إنما يوفون أجورهم يوم القيامة.. وفي هذه العناية تتجلى الرحمة في مظهر من مظاهرها.. كما أن ما يتجلى من فضل الله في جزاء السيئة بمثلها، والحسنة بعشرة أمثالها، والإضعاف لمن يشاء، والتجاوز عما يشاء لمن يشاء.. كل أولئك من مظاهر الرحمة التي تتجلى في هذا الجمع أيضاً. ولقد كان العرب في جاهليتهم - قبل أن يمن الله عليهم بهذا الدين ويرفعهم إلى مستواه الكريم - يكذبون بيوم القيامة - شأنهم في هذا شأن أهل الجاهلية "العلمية" الحديثة!!! لذلك جاء التعبير في هذه الصيغة المؤكدة بشتى التوكيدات، لمواجهة ذلك التكذيب: {ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه}.. ولن يخسر في هذا اليوم إلا الذين لم يؤمنوا في الدنيا.. وهؤلاء لن يخسروا شيئاً ويكسبوا شيئاً.. هؤلاء خسروا كل شيء.. فقد خسروا أنفسهم كلها، فلم يعودوا يملكون أن يكسبوا شيئاً. أليس أن الإنسان إنما يكسب لنفسه؟ فإذا خسر نفسه ذاتها فماذا يكسب؟ ولمن يكسب؟! {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون}.. لقد خسروا أنفسهم وفقدوها؛ فلم تعد لهم نفس تؤمن!.. هو تعبير دقيق عن حالة واقعة.. إن الذين لا يؤمنون بهذا الدين - مع عمق ندائه وإيحائه للفطرة بموحيات الإيمان ودلائله - هؤلاء لا بد أن يكونوا قد فقدوا قبل ذلك فطرتهم! لا بد أن تكون أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية في كيانهم معطلة مخربة؛ أو محجوبة مغلفة. فهم في هذه الحالة قد خسروا أنفسهم ذاتها، بفقدانهم أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية الحية في كيانها، ومن ثم فهم لا يؤمنون.. إذ أنهم لم يعودوا يملكون أنفسهم التي بها يؤمنون.. وهذا هو التفسير العميق لعدم إيمانهم مع توافر دلائل الإيمان وموحياته من حولهم.. وهذا هو الذي يحدد مصيرهم في ذلك اليوم. وهو الخسارة الكبرى المترتبة على خسارتهم من قبل لنفوسهم! بعد ذلك يمضي السياق يستقصي الخلائق في الزمان - كما استقصاها في الآية السابقة في المكان - ليقرر تفرد الله - سبحانه - بملكيتها؛ وعلمه - سبحانه - وسمعه المحيطين بها: {وله ما سكن في الليل والنهار، وهو السميع العليم}.. وأقرب تأويل لقوله: {ما سكن} أنه من السكنى - كما ذكر الزمخشري في الكشاف - وهو بهذا يعني كل ما اتخذ الليل والنهار سكناً؛ فهو يعني جميع الخلائق؛ ويقرر ملكيتها لله وحده. كما قرر من قبل ملكية الخلائق كلها له سبحانه. غير أنه في الآية الأولى: {قل: لمن ما في السماوات والأرض؟ قل: لله} قد استقصى الخلائق من ناحية المكان. وفي هذه الآية الثانية: {وله ما سكن في الليل والنهار}.. قد استقصى الخلائق من ناحية الزمان.. ومثله معروف في التعبير القرآني حين يتجه إلى الاستقصاء.. وهذا هو التأويل الذي نطمئن إليه في الآيتين من بين شتى التأويلات. والتعقيب بصفتي السمع والعلم يفيد الإحاطة بهذه الخلائق، وبكل ما يقال عنها كذلك من مقولات المشركين الذي يواجههم هذا النص.. ولقد كانوا مع إقرارهم بوحدانية الخالق المالك، يجعلون لأربابهم المزعومة جزءاً من الثمار ومن الأنعام ومن الأولاد - كما سيجيء في نهاية السورة - فهو يأخذ عليهم الإقرار هنا بملكية كل شيء؛ ليواجههم بها فيما يجعلونه للشركاء بغير إذن من الله. كما أنه يمهد بتقرير هذه الملكية الخالصة لما سيلي في هذه الفقرة من ولاية لله وحده، بما أنه هو المالك المتفرد بملكية كل شيء. في كل مكان وفي كل زمان، الذي يحيط سمعه وعلمه بكل شيء، وبكل ما يقال عن كل شيء كذلك! والآن، وقد تقرر أن الله وحده هو الخالق، وأن الله وحده هو المالك.. يجيء الاستنكار العنيف للاستنصار بغير الله، والعبودية لغير الله، والولاء لغير الله. ويتقرر أن هذا مناقض لحقيقة الإسلام لله، وأنه هو الشرك الذي لا يجتمع مع الإسلام. وتذكر من صفات الله سبحانه: أنه فاطر السماوات والأرض، وأنه الرازق المطعم، وأنه الضار النافع، وأنه القادر القاهر. كما يذكر العذاب المخوف المرهوب.. فتجلل الموقف كله ظلال الجلال والرهبة، في إيقاع مدوٍّ عميق: {قل: أغير الله أتخذ ولياً، فاطر السماوات والأرض، وهو يطعم ولا يطعم؟ قل: إني أمرت أن أكون أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين. قل: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه، وذلك الفوز المبين. وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير. وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير}.. إن هذه القضية.. قضية اتخاذ الله وحده ولياً. بكل معاني كلمة (الولي). أي اتخاذه وحده رباً ومولى معبوداً يدين له العبد بالعبودية ممثلة في الخضوع لحاكميته وحده؛ ويدين له بالعبادة فيقدم له شعائرها وحده. واتخاذه وحده ناصراً يستنصر به ويعتمد عليه، ويتوجه إليه في الملمات.. إن هذه القضية هي قضية العقيدة في صميمها. فإما إخلاص الولاء لله - بهذه المعاني كلها - فهو الإسلام. وإما إشراك غيره معه في أي منها، فهو الشرك الذي لا يجتمع في قلب واحد هو والإسلام! وفي هذه الآيات تقرر هذه الحقيقة بأقوى عبارة وأعمق إيقاع: {قل: أغير الله أتخذ ولياً، فاطر السماوات والأرض، وهو يطعم ولا يطعم؟ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين}.. إنه منطق الفطرة القوي العميق.. لمن يكون الولاء ولمن يتمحض؟ لمن إن لم يكن لفاطر السماوات والأرض الذي خلقهما وأنشأهما؟ لمن إن لم يكن لرازق من في السماوات والأرض الذي يطعم ولا يطلب طعاماً؟ {قل: أغير الله أتخذ ولياً}.. وهذه صفاته سبحانه.. أي منطق يسمح بأن يتخذ غير الله ولياً؟ إن كان يتولاه لينصره ويعينه، فالله هو فاطر السماوات والأرض، فله السلطان في السماوات والأرض. وإن كان يتولاه ليرزقه ويطعمه، فالله هو الرازق المطعم لمن في السماوات ومن في الأرض. ففيم الولاء لغير صاحب السلطان الرزاق؟ ثم.. {قل: إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين}.. والإسلام وعدم الشرك معناهما المتعين ألا أتخذ غير الله ولياً. فاتخاذ غير الله ولياً - بأي معنى - هو الشرك. ولن يكون الشرك إسلاماً.. قضية واحدة محددة، لا تقبل ليناً ولا تميعاً.. إما إفراد الله سبحانه بالتوجه والتلقي والطاعة والخضوع والعبادة والاستعانة؛ والإقرار له وحده بالحاكمية في كل أمر من هذه الأمور ورفض إشراك غيره معه فيها؛ وولاء القلب والعمل، في الشعيرة والشريعة له وحده بلا شريك.. إما هذا كله فهو الإسلام.. وإما إشراك أحد من عباده معه في شيء من هذا كله فهو الشرك. الذي لا يجتمع في قلب واحد مع الإسلام. لقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن هذا الاستنكار في وجه المشركين الذين كانوا يدعونه إلى الملاينة والمداهنة؛ ليجعل لآلهتهم مكاناً في دينه، مقابل أن يدخلوا معه في هذا الدين. وليترك لهم بعض خصائص الألوهية يزاولونها إبقاء على مكانتهم وكبريائهم ومصالحهم،.. وأولها تقاليد التحريم والتحليل.. في مقابل أن يكفوا عن معارضته، وأن يجعلوه رئيساً فيهم؛ ويجمعوا له من مالهم، ويزوجوه أجمل بناتهم! لقد كانوا يرفعون يداً للإيذاء والحرب والتنكيل، ويمدون يداً بالإغراء والمصالحة واللين.. وفي وجه هذه المحاولة المزدوجة أُمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقذف بهذا الاستنكار العنيف، وبهذا الحسم الصريح، وبهذا التقرير الذي لا يدع مجالاً للتمييع. وأمر كذلك أن يقذف في قلوبهم بالرعب والترويع؛ في الوقت الذي يعلن فيه تصوره لجدية الأمر والتكليف ولخوفه هو من عذاب ربه، إن عصاه فيما أمر به من الإسلام والتوحيد: {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه، وذلك الفوز المبين}.. إنه تصوير لحقيقة مشاعر الرسول - صلى الله عليه وسلم - تجاه أمر ربه له؛ وتجسيم لخوفه من عذابه. العذاب الذي يعتبر مجرد صرفه عن العبد رحمة من الله وفوزاً مبيناً. ولكنه في الوقت ذاته حملة مزلزلة على قلوب المشركين في ذلك الزمان، وقلوب المشركين بالله في كل زمان. حملة مزلزلة تصور العذاب في ذلك اليوم العظيم؛ يطلب الفريسة، ويحلق عليها، ويهجم ليأخذها. فلا تصرفه عنها إلا القدرة القادرة التي تأخذ بخطامه فتلويه عنها! وإن أنفاس القاريء لهذا التصوير لتحتبس - وهو يتمثل المشهد - في انتظار هذه اللقطة الأخيرة! ثم إنه لماذا يتخذ غير الله ولياً ويعرض نفسه للشرك الذي نهى عنه وللمخالفة عن الإسلام الذي أمر به، ولما يعقب المعصية من هذا العذاب الهائل الرعيب؟.. ألعل ذلك رجاء جلب نفع أو دفع ضر في هذه الحياة الدنيا؟ رجاء نصرة الناس له في الضراء؛ ورجاء نفع الناس له بالسراء؟.. إن هذا كله بيد الله؛ وله القدرة المطلقة في عالم الأسباب؛ وله القهر كذلك على العباد؛ وعنده الحكمة والخبرة في المنع والعطاء: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير. وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير}.. إنه تتبع هواجس النفس ووساوس الصدر؛ وتتبع مكامن الرغائب والمخافات، ومطارح الظنون والشبهات وتجلية هذا كله بنور العقيدة، وفرقان الإيمان، ووضوح التصور، وصدق المعرفة بحقيقة الألوهية. ذلك لخطورة القضية التي يعالجها السياق القرآني في هذا الموضع، وفي جملة هذا القرآن: وأخيراً تجيء قمة المد في هذه الموجة؛ ويجيء الإيقاع المدوي العميق؛ في موقف الإشهاد والإنذار والمفاصلة والتبرؤ من المشاركة في الشرك.. كل ذلك في رنة عالية، وفي حسم رهيب: {قل: أي شيء أكبر شهادة؟ قل الله. شهيد بيني وبينكم، وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ، أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل: لا أشهد، قل: إنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون}.. إن تتابع المقاطع والإيقاعات في الآية الواحدة عجيب؛ وإن هذا التتابع ليرسم الموقف لحظة لحظة، ومشهداً مشهداً، ويكاد ينطق بملامح الوجوه فيه وخلجات الصدور.. فها هو ذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤمر من ربه هذا الأمر.. ثم ها هو ذا يواجه المشركين الذين يتخذون من دون الله أولياء؛ يجعلون لهم بعض خصائص الألوهية مع الله؛ ويدعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرهم على هذا الذي هم فيه ليدخلوا هم فيما جاءهم به! كأن ذلك يمكن أن يكون! وكأنه يمكن أن يجتمع الإسلام والشرك في قلب واحد على هذا النحو الذي كانوا يتصورونه؛ والذي لا يزال يتصوره ناس في هذا الزمان، من أنه يمكن أن يكون الإنسان مسلماً لله؛ بينما هو يتلقى من غير الله في شؤون الحياة؛ وبينما هو يخضع لغير الله ويستنصر بغير الله، ويتولى غير الله! ها هو ذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يواجه هؤلاء المشركين، ليبين لهم مفرق الطريق بين دينه ودينهم، وبين توحيده وشركهم، وبين إسلامه وجاهليتهم. وليقرر لهم: أنه لا موضع للقاء بينه وبينهم، إلا أن يتخلصوا هم من دينهم ويدخلوا في دينه. وأنه لا وجه للمصالحة في هذا الأمر؛ لأنه يفترق معهم في أول الطريق! وها هو ذا يبدأ معهم مشهد الإشهاد العلني المفتوح المكشوف: {قل: أي شيء أكبر شهادة؟}.. أيّ شاهد في هذا الوجود كله هو أكبر شهادة؟ أي شاهد تعلو شهادته كل شهادة؟ أي شاهد تحسم شهادته في القضية فلا يبقى بعد شهادته شهادة؟ وللتعميم المطلق، حتى لا يبقى في الوجود كله "شيء" لا يستقصى وزنه في مقام الشهادة: يكون السؤال: {أي شيء أكبر شهادة؟}. وكما يؤمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسؤال، فهو يؤمر كذلك بالجواب. ذلك أنه لا جواب غيره باعتراف المخاطبين أنفسهم. ولا جواب غيره في حقيقة الأمر والواقع: {قل: الله}.. نعم! فالله - سبحانه وتعالى - هو أكبر شهادة.. هو الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين.. هو الذي لا شهادة بعد شهادته، ولا قول بعد قوله. فإذا قال فقد انتهى القول، وقد قضي الأمر. فإذا أعلن هذه الحقيقة: حقيقة أن الله سبحانه هو أكبر شهادة، أعلن لهم أنه - سبحانه - هو الشهيد بينه وبينهم في القضية: {شهيد بيني وبينكم}.. على تقدير: هو شهيد بيني وبينكم، فهذا التقطيع في العبارة هو الأنسب في جو المشهد: وهو أولى من الوصل على تقدير: {قل الله شهيد بيني وبينكم}. فإذا تقرر المبدأ: مبدأ تحكيم الله سبحانه في القضية، أعلن إليهم أن شهادة الله سبحانه، تضمنها هذا القرآن، الذي أوحاه إليه لينذرهم به؛ وينذر به كل من يبلغه في حياته صلى الله عليه وسلم - أو من بعد. فهو حجة عليهم وعلى من يبلغه غيرهم؛ لأنه يتضمن شهادة الله في هذه القضية الأساسية؛ التي تقوم عليها الدنيا والآخرة، ويقوم عليها الوجود كله والوجود الإنساني ضمناً: {وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}.. فكل من بلغه هذا القرآن من الناس، بلغة يفهمها، ويحصل منها محتواه، فقد قامت عليه الحجة به، وبلغه الإنذار، وحق عليه العذاب، إن كذب بعد البلاغ.. (فأما من يحول عدم فهمه للغة القرآن دون فهمه لفحواه، فلا تقوم عليه الحجة به؛ ويبقى إثمه على أهل هذا الدين الذين لم يبلغوه بلغته التي يفهم بها مضمون هذا الشهادة.. هذا إذا كان مضمون القرآن لم يترجم إلى لغته).. فإذا أعلن إليهم أن شهادة الله - سبحانه - متضمنة في هذا القرآن، أعلن إليهم مضمون هذه الشهادة في صورة التحدي والاستنكار لشهادتهم هم، المختلفة في أساسها عن شهادة الله سبحانه. وعالنهم بأنه ينكر شهادتهم هذه ويرفضها؛ وأنه يعلن غيرها ويقرر عكسها ويشهد لربه بالوحدانية المطلقة والألوهية المتفردة؛ وأنه يفاصلهم على هذا عند مفرق الطريق؛ وأنه يتبرأ من شركهم في صيغة التشديد والتوكيد: {أئنكم لتشهدون أن مع الله ألهة أخرى؟ قل: لا أشهد قل إنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون}.. والنصوص القرآنية بمقاطعها هذه، وبإيقاعاتها هذه، تهز القلوب بما لا يملك البيان البشري أن يفعل. فلا أريد أن أوقف تدفقها وانسكابها في القلب بأي تعليق. ولكني أريد أن أتحدث عن القضية التي تضمنها هذا المقطع، وجرت بها هذه الموجة.. إن هذه القضية التي عرضها السياق القرآني في هذه الآيات.. قضية الولاء والتوحيد والمفاصلة.. هي قضية هذه العقيدة؛ وهي الحقيقية الكبرى فيها. وإن العصبة المؤمنة اليوم لخليقة بأن تقف أمام هذا الدرس الرباني فيها وقفة طويلة.. إن هذه العصبة تواجه اليوم من الجاهلية الشاملة في الأرض، نفس ما كانت تواجهه العصبة التي تنزلت عليها هذه الآيات، لتحدد على ضوئها موقفها، ولتسير على هذا الضوء في طريقها؛ وتحتاج - من ثم - أن تقف وقفة طويلة أمام هذه الآيات، لترسم طريقها على هداها. لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية؛ وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويوم جاءها الإسلام مبنياً على قاعدته الكبرى: "شهادة أن لا إله إلا الله".. شهادة أن لا إله إلا الله بمعناها الذي عبر عنه ربعي بن عامر رسول قائد المسلمين إلى رستم قائد الفرس، وهو يسأله: "ما الذي جاء بكم؟" فيقول: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".. وهو يعلم أن رستم وقومه لا يعبدون كسرى بوصفه إلهاً خالقاً للكون؛ ولا يقدمون له شعائر العبادة المعروفة؛ ولكنهم إنما يتلقون منه الشرائع، فيعبدونه بهذا المعنى الذي يناقض الإسلام وينفيه؛ فأخبره أن الله ابتعثهم ليخرجوا الناس من الأنظمة والأوضاع التي يعبد العباد فيها العباد، ويقرون لهم بخصائص الألوهية - وهي الحاكمية والتشريع والخضوع لهذه الحاكمية والطاعة لهذا التشريع - (وهي الأديان).. إلى عبادة الله وحده وإلى عدل الإسلام. لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا الله. فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان؛ ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: "لا إله إلا الله"؛ دون أن يدرك مدلولها، ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها، ودون أن يرفض شرعية "الحاكمية" التي يدعيها العباد لأنفسهم - وهي مرادف الألوهية - سواء ادعوها كأفراد، أو كتشكيلات تشريعية، أو كشعوب. فالأفراد، كالتشكيلات، كالشعوب، ليست آلهة، فليس لها إذن حق الحاكمية.. إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية، وارتدت عن لا إله إلا الله. فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية. ولم تعد توحد الله، وتخلص له الولاء.. البشرية بجملتها، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات: "لا إله إلا الله" بلا مدلول ولا واقع.. وهؤلاء أثقل إثماً وأشد عذاباً يوم القيامة، لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد - من بعدما تبين لهم الهدى - ومن بعد أن كانوا في دين الله! فما أحوج العصبة المسلمة اليوم أن تقف طويلاً أمام هذه الآيات البينات! ما أحوجها أن تقف أمام آية الولاء: {قل: أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض، وهو يطعم ولا يطعم؟ قل: إني أمرت أن أكون أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين}.. ذلك لتعلم أن اتخاذ غير الله ولياً - بكل معاني "الولي".. وهي الخضوع والطاعة، والاستنصار والاستعانة.. يتعارض مع الإسلام، لأنه هو الشرك الذي جاء الإسلام ليخرج منه الناس.. ولتعلم أن أول ما يتمثل فيه الولاء لغير الله هو تقبل حاكمية غير الله في الضمير أو في الحياة.. الأمر الذي تزاوله البشرية كلها بدون استثناء. ولتعمل أنها تستهدف اليوم إخراج الناس جميعاً من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده؛ وأنها تواجه جاهلية كالتي واجهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والجماعة المسلمة حين تلقي هذه الآيات.. وما أحوجها أن تستصحب في مواجهتها للجاهلية تلك الحقائق والمشاعر التي تسكبها في القلب المؤمن الآيات التالية: {قل: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه، وذلك الفوز المبين. وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير. وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير}.. فما أحوج من يواجه الجاهلية بطاغوتها وجبروتها، وبإعراضها وعنادها، وبالتوائها وكيدها، وبفسادها وانحلالها.. ما أحوج من يواجه هذا الشر كله، أن يستصحب في قلبه هذه الحقائق وهذا المشاعر.. مخافة المعصية والولاء لغير الله. ومخافة العذاب الرعيب الذي يترقب العصاة.. واليقين بأن الضار والنافع هو الله. وأن الله هو القاهر فوق عباده فلا معقب على حكمه ولا راد لما قضاه. إن قلباً لا يستصحب هذه الحقائق وهذه المشاعر لن يقوى على تكاليف "إنشاء" الإسلام من جديد في وجه الجاهلية الطاغية.. وهي تكاليف هائلة تنوء بها الجبال! ثم ما أحوج العصبة المؤمنة - بعد أن تستيقن حقيقة مهمتها في الأرض اليوم؛ وبعد أن تستوضح حقيقة العقيدة التي تدعو إليها ومقتضياتها من إفراد الله سبحانه بالولاء بكل مدلولاته؛ وبعد أن تستصحب معها في مهمتها الشاقة تلك الحقائق والمشاعر.. ما أحوجها بعد ذلك كله إلى موقف الإشهاد والقطع والمفاصلة والتبرؤ من الشرك الذي تزاوله الجاهلية البشرية اليوم كما كانت تزاوله جاهلية البشرية الأولى. وأن تقول ما أُمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقوله؛ وأن تقذف في وجه الجاهلية، بما قذف به في وجهها الرسول الكريم، تنفيذاً لأمر ربه العظيم: {قل: أي شيء أكبر شهادة؟ قل: الله، شهيد بيني وبينكم، وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ. أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل: لا أشهد. قل: إنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون}.. إنه لا بد أن تقف العصبة المسلمة في الأرض، من الجاهلية التي تغمر الأرض، هذا الموقف. لا بد أن تقذف في وجهها بكلمة الحق هذه عالية مدوية، قاطعة فاصلة، مزلزلة رهيبة.. ثم تتجه إلى الله تعلم أنه على كل شيء قدير، وأنه هو القاهر فوق عباده. وأن هؤلاء العباد - بما فيهم الطواغيت المتجبرون - أضعف من الذباب، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه! وأنهم ليسوا بضارين من أحد إلا بإذن الله؛ وليسوا بنافعين أحداً إلا بإذن الله، وأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ولا بد أن تستيقن العصبة المسلمة كذلك أنها لن تنصر ولن يتحقق لها وعد الله بالتمكين في الأرض، قبل أن تفاصل الجاهلية على الحق عند مفترق الطريق. وقبل أن تعلن كلمة الحق في وجه الطاغوت، وقبل أن تشهد على الجاهلية هذا الإشهاد، وتنذرها هذه النذارة، وتعلنها هذا الإعلان، وتفاصلها هذه المفاصلة، وتتبرأ منها هذه البراءة.. إن هذا القرآن لم يأت لمواجهة موقف تاريخي؛ إنما جاء منهجاً مطلقاً خارجاً عن قيود الزمان والمكان. منهجاً تتخذه الجماعة المسلمة حيثما كانت في مثل الموقف الذي تنزل فيه هذا القرآن. وهي اليوم في مثل هذا الموقف تماماً؛ وقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا القرآن لينشىء الإسلام في الأرض إنشاء.. فليكن اليقين الجازم بحقيقة هذا الدين. والشعور الواضح بحقيقة قدرة الله وقهره. والمفاصلة الحاسمة مع الباطل وأهله.. لتكن هذه عدة الجماعة المسلمة.. والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين..
ابن عاشور
تفسير : جملة {قل لمن ما في السماوات والأرض} تكرير في مقام الاستدلال، فإنّ هذا الاستدلال تضمّن استفهاماً تقريرياً، والتقرير من مقتضيان التكرير، لذلك لم تعطف الجملة. ويجوز أن يجعل تصدير هذا الكلام بالأمر بأن يقوله مقصوداً به الاهتمام بما بعد فعل الأمر بالقول على الوجه الذي سنبيّنه عند قوله تعالى: {أية : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة}تفسير : في هذه السورة (40). والاستفهام مستعمل مجازاً في التقرير. والتقرير هنا مراد به لازم معناه، وهو تبكيت المشركين وإلجاؤهم إلى الإقرار بما يفضي إلى إبطال معتقدهم الشركَ، فهو مستعمل في معناه الكنائي مع معناه الصريح، والمقصود هو المعنى الكنائي. ولكونه مراداً به الإلجاء إلى الإقرار كان الجواب عنه بما يريده السائل من إقرار المسؤول محقّقاً لا محيص عنه، إذ لا سبيل إلى الجحد فيه أو المغالطة، فلذلك لم ينتظر السائل جوابهم وبادرهم الجواب عنه بنفسه بقوله: {لله} تبكيتاً لهم، لأنّ الكلام مسوق مساق إبلاغ الحجّة مقدّرة فيه محاورة وليس هو محاورة حقيقية. وهذا من أسلوب الكلام الصادر من متكلّم واحد. فهؤلاء القوم المقدّر إلجاؤهم إلى الجواب سواء أنصفوا فأقرّوا حقّيّة الجواب أم أنكروا وكابروا فقد حصل المقصود من دمغهم بالحجّة. وهذا أسلوب متّبع في القرآن، فتارة لا يذكر جواب منهم كما هنا، وكما في قوله تعالى: {أية : قل من ربّ السماوات والأرض قل الله}تفسير : [الرعد: 16]، وقوله: {أية : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} تفسير : [الأنعام: 91] إلى قوله {أية : قل الله}تفسير : [الأنعام: 91]، وتارة يذكر ما سيجيبون به بعد ذكر السؤال منسوباً إليهم أنّهم يجيبون به ثم ينتقل إلى ما يترتّب عليه من توبيخ ونحوه، كقوله تعالى: {أية : قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكّرون} تفسير : [المؤمنون: 84] إلى قوله {أية : قل فأنّى تسحرون}تفسير : [المؤمنون: 89]. وابتدىء بإبطال أعظم ضلالهم. وهو ضلال الإشراك. وأدمج معه ضلال إنكارهم البعث المبتدأ به السورة بعد أن انتقل من ذلك إلى الإنذار الناشىء عن تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك لمّا كان دليل الوحدانية السالف دالاً على خلق السماوات والأرض وأحوالها بالصراحة، وعلى عبودية الموجودات التي تشملها بالالتزام، ذكر في هذه الآية تلك العبودية بالصراحة فقال: {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله}. وقوله: {لله} خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه {ما في السماوات}. الخ. ويقدّر المبتدأ مؤخّراً عن الخبر على وزان السؤال لأنّ المقصود إفادة الحصر. واللام في قوله: {لله} للملك؛ دلّت على عبودية الناس لله دون غيره، وتستلزم أنّ العبد صائر إلى مالكه لا محالة، وفي ذلك تقرير لدليل البعث السابق المبني على إثبات العبودية بحقّ الخلق. ولا سبب للعبوديّة أحقّ وأعظم من الخالقية، ويستتبع هذا الاستدلالُ الإنذار بغضبه على من أشرك معه. وهذا استدلال على المشركين بأنّ غير الله ليس أهلاً للإلهيّة، لأنّ غير الله لا يملك ما في السماوات وما في الأرض إذ ملك ذلك لخالق ذلك. وهو تمهيد لقوله بعده {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة}، لأنّ مالك الأشياء لا يهمل محاسبتها. وجملة: {كتب على نفسه الرحمة} معترضة، وهي من المقول الذي أمر الرسول بأن يقوله. وفي هذا الاعتراض معان: أحدها: أنّ ما بعده لمّا كان مشعراً بإنذار بوعيد قُدّم له التذكير بأنّه رحيم بعبيده عساهم يتوبون ويقلعون عن عنادهم، على نحو قوله تعالى: {أية : كتب ربّكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنّه غفور رحيم}تفسير : [الأنعام: 54]، والشرك بالله أعظم سوءٍ وأشدّ تلبّساً بجهالة. والثاني: أنّ الإخبار بأنّ لله ما في السماوات وما في الأرض يثير سؤال سائل عن عدم تعجيل أخذهم على شركهم بمن هم مِلكه. فالكافر يقول: لو كان ما تقولون صدقاً لعجّل لنا العذاب، والمؤمن يستبطىء تأخير عقابهم، فكان قوله: {كتب على نفسه الرحمة} جواباً لكلا الفريقين بأنّه تفضّل بالرحمة، فمنها رحمة كاملة: وهذه رحمته بعباده الصالحين، ومنها رحمة موقّتة وهي رحمة الإمهال والإملاء للعصاة والضّالّين. والثالث: أنّ ما في قوله: {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} من التمهيد لما في جملة {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} من الوعيد والوعد. ذُكرت رحمة الله تعريضاً ببشارة المؤمنين وبتهديد المشركين. الرابع: أنّ فيه إيماء إلى أنّ الله قد نجّى أمّة الدعوة المحمدية من عذاب الاستئصال الذي عذّب به الأمم المكذّبةَ رسلها من قبل، وذلك ببركة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ جعله رحمة للعالمين في سائر أحواله بحكم قوله تعالى: {أية : وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين}تفسير : [الأنبياء: 107]، وإذ أراد تكثير تابعيه فلذلك لم يقض على مكذّبيه قضاء عاجلاً بل أمهلهم وأملى لهم ليخرج منهم من يؤمن به، كما رجا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك لمّا قالوا: {أية : اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : [الأنفال: 32] قال الله تعالى {أية : وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم}تفسير : [الأنفال: 33]. وقد حصل ما رجاه رسول الله فلم يلبث من بقي من المشركين أن آمنوا بالله ورسوله بعد فتح مكة ودخلوا في دين الله أفواجاً، وأيّد الله بهم بعد ذلك دينه ورسوله ونشروا كلمة الإسلام في آفاق الأرض. وإذ قد قدّر الله تعالى أن يكون هذا الدين خاتمة الأديان كان من الحكمة إمهال المعاندين له والجاحدين، لأنّ الله لو استأصلهم في أول ظهور الدين لأتى على من حوتْه مكة من مشرك ومسلم، ثم يحشرون على نيّاتهم، كما ورد في الحديث لمّا قالت أمّ سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنهلك وفينا الصالحون، قال: نعم، إذا كثر الخبث ثم يحشرون على نيّاتهم»تفسير : . فلو كان ذلك في وقت ظهور الإسلام لارتفع بذلك هذا الدين فلم يحصل المقصود من جعله خاتمة الأديان. وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا نزل عليه {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم} فقال: {أعوذ بسبحات وجهك الكريم}. ومعنى {كتب} تعلّقت إرادته، بأن جعل رحمته الموصوف بها بالذات متعلّقة تعلّقاً عامّاً مطّرداً بالنسبة إلى المخلوقات وإن كان خاصّاً بالنسبة إلى الأزمان والجهات. فلما كان ذلك مطّرداً شبّهت إرادته بالإلزام، فاستعير لها فعل (كتب) الذي هو حقيقة في الإيجاب، والقرينة هي مقام الإلهية، أو جعَل ذلك على نفسه لأنّ أحداً لا يُلزم نفسه بشيء إلاّ اختياراً وإلاّ فإنّ غيره يُلزمه. والمقصود أنّ ذلك لا يتخلّف كالأمر الواجب المكتوب، فإنّهم كانوا إذا أرادوا تأكيد وعد أو عهد كتبوه، كما قال الحارث بن حلّزة:شعر : واذكروا حلف ذي المجاز وما قدّم فيه العهود والكفلاء حذر الجور والتطاخي وهل ينقض ما في المهارق الأهواء تفسير : فالرحمة هنا مصدر، أي كتب على نفسه أن يرحم، وليس المراد الصفة، أي كتب على نفسه الاتّصاف بالرحمة، أي بكونه رحيماً، لأنّ الرحمة صفة ذاتية لله تعالى واجبة له، والواجب العقلي لا تتعلّق به الإرادة، إلاّ إذا جعلنا {كتب} مستعملاً في تمجّز آخر، وهو تشبيه الوجوب الذاتي بالأمر المحتّم المفروض، والقرينة هي هي إلاّ أنّ المعنى الأول أظهر في الامتنان، وفي المقصود من شمول الرحمة للعبيد المعرضين عن حقّ شكره والمشركين له في ملكه غيره. وفي «الصحيحين» من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا قضى الله تعالى الخلق كتب كتاباً فوضعه عنده فوق العرش «حديث : إنّ رحمتي سَبَقَتْ غضبي»تفسير : . وجملة {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة} واقعة موقع النتيجة من الدليل والمسبّب من السبب، فإنّه لمّا أبطلت أهلية أصنامهم للإلهية ومحّضت وحدانية الله بالإلهية بطلت إحالتهم البعث بشبهة تفّرق أجزاء الأجساد أو انعدامها. ولام القسم ونون التوكيد أفادا تحقيق الوعيد. والمراد بالجمع استقصاء متفرّق جميع الناس أفراداً وأجزاءاً متفرّقة. وتعديته بــ {إلى} لتضمينه معنى السوق. وقد تقدّم القول في نظيره عند قوله تعالى: {أية : الله لا إله إلاّ هو ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه}تفسير : في سورة [النساء: 87]. وضمير الخطاب في قوله: {ليجمعنّكم} مراد به خصوص المحجوجين من المشركين، لأنّهم المقصود من هذا القول من أوله؛ فيكون نِذارة لهم وتهديداً وجواباً عن أقلّ ما يحتمل من سؤال ينشأ عن قوله: {كتب على نفسه الرحمة} كما تقدّم. وجملة {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} الأظهر عندي أنّها متفرّعة على جملة {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة} وأنّ الفاء من قوله: {فهم لا يؤمنون} للتفريع والسببية. وأصل التركيب: فأنتم لا تؤمنون لأنّكم خسرتم أنفسكم في يوم القيامة؛ فعدل عن الضمير إلى الموصول لإفادة الصلة أنّهم خسروا أنفسهم بسبب عدم إيمانهم. وجعل {الذين خسروا أنفسهم} خبرَ مبتدأ محذوف. والتقدير: أنتم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون. ونظم الكلام على هذا الوجه أدعى لإسماعهم، وبهذا التقدير يستغنى عن سؤال «الكشاف» عن صحّة ترتّب عدم الإيمان على خسران أنفسهم مع أنّ الأمر بالعكس. وقيل: {الذين خسروا أنفسهم} مبتدأ، وجملة: {فهم لا يؤمنون} خبره، وقرن بالفاء لأنّ الموصول تضمّن معنى الشرط على نحو قوله تعالى: {أية : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم}تفسير : [النساء: 15]. وأشرب الموصول معنى الشرط ليفيد شموله كلّ من اتّصف بمضمون الصلة، ويفيد تعليق حصول مضمون جملة الخبر المنزّل منزلة جواب الشرط على حصول مضمون الصلة المنزّلة منزلة جملة الشرط، فيفيد أنّ ذلك مستمرّ الارتباط والتعليل في جميع أزمنة المستقبل التي يتحقّق فيها معنى الصلة. فقد حصل في هذه الجملة من الخصوصيات البلاغية ما لا يوجد مثله في غير الكلام المعجز. ومعنى: {خسروا أنفسهم} أضاعوها كما يضيّع التاجر رأس ماله، فالخسران مستعار لإضاعة ما شأنه أن يكون سبب نفع. فمعنى {خسروا أنفسهم} عدموا فائدة الانتفاع بما ينتفع به الناس من أنفسهم وهو العقل والتفكير، فإنّه حركة النفس في المعقولات لمعرفة حقائق الأمور. وذلك أنّهم لمّا أعرضوا عن التدبّر في صدق الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ فقد أضاعوا عن أنفسهم أنفع سبب للفوز في العاجل والآجل، فكان ذلك سبب أن لا يؤمنوا بالله والرسول واليوم الآخر. فعدم الإيمان مسبّب عن حرمانهم الانتفاع بأفضل نافع. ويتسبّب عن عدم الإيمان خسران آخر، وهو خسران الفوز في الدنيا بالسلامة من العذاب، وفي الآخرة بالنجاة من النار، وذلك يقال له خسران ولا يقال له خسران الأنفس. وقد أشار إلى الخسرانين قوله تعالى: {أية : أولئك الذين خسروا أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون لا جرم أنّهم في الآخرة هم الأخسرون}تفسير : [هود: 21، 22].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كتب على نفسه الرحمة: أي أوجب على نفسه رحمة خلقه. لا ريب فيه: لا شك في مجيئه وحصوله في أجله المحدد له. خسروا أنفسهم: حيث لوثوها بأوضار الشرك والمعاصي فلم ينتفعوا بها. وله ما سكن في الليل والنهار: أي ما استقر فيها من ساكن ومتحرك أي له كل شيء. ولياً: أحبه وأنصره وأطلب نصرته ومحبته وولايته. من يصرف عنه: أي من العذاب بمعنى يبعد عنه. الفوز المبين: أي الواضح إذ النجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث مع العادلين بربهم غيره من أهل الشرك فيقول تعالى لرسوله سلهم قائلاً: {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} خلقاً وإيجاداً أو ملكاً وتصرفاً وتدبيراً، واسبقهم إلى الجواب فقل لله، إذ ليس لهم من جواب إلا هذا: {للَّهِ}، أي هو الله الذي {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} قضى بها وأوجبها على نفسه، ومظاهرها متجلية في الناس: إنهم يكفرونه ويعصونه وهو يطعمهم ويسقيهم ويكلؤهم ويحفظهم، وما حمدوه قط. ومن مظاهر رحمته جمعه الناس ليوم القيامة ليحاسبهم ويجزيهم بعملهم الحسنة بعشر أمثالها أما السيئة فبسيئة مثلها فقط وهو ما دل عليه قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي الكائن الآتي بلا ريب ولا شك، وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يخبر تعالى أنَّ الذين كتب خسرانهم أزلاً في كتاب المقادير فهم لذلك لا يؤمنون وما كتب أزلاً لعلم تام بموقفهم هذا الذي هم وافقوه من الكفر والعناد والشرك والشر والفساد، بذلك استوجبوا الخسران هذا ما دلت عليه الآية الأولى [12] أما الآية الثانية [13] {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} وهذا تقرير بأنه رب كل شيء والمالك لكل شيء إذ ما هناك إلا ساكن ومتحرك وهو رب الجميع، وهو السميع لأحوال عباده وسائر مخلوقاته العليم فأفعالهم الظاهرة والباطنة ولذا لا يسأل عما يفعل ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ومن هنا وجب اللجأ إليه والتوكل عليه، والانقياد لأمره ونهيه. وقوله تعالى في الآية الثالثة [14] {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} يأمر تعالى رسوله أن يرد على المشركين المطالبين منه أن يوافقهم على شركهم ويعبد معهم آلهتهم فيقول: أفغير الله فاطر السماوات والأرض الذي يطعم غيره لافتقاره إليه، ولا يطعم لغناه المطلق أغيره تعالى أتخذ ولياً أعبده كما اتخذتم أنتم أيها المشركون أولياء تعبدونهم. إن هذا لن يكون أبداً كما أمره ربه تعالى أن يقول في صراحة ووضوح، {إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} أي وجهه لله، وأقبل عليه بعبده بما شرع له، ونهاني أن أكون من المشركين بقوله: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} الذين يعبدون مع الله غيره من مخلوقاته وأمره في الآية [15] أن يقول للمشركين الراغبين في تركه التوحيد: {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وهو عذاب يوم القيامة. إنه عذاب أليم لا يطاق من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه أي أدخله الجنة والنجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم كما قال تعالى {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}تفسير : [آل عمران: 185] نعم فاز وأي فوز أكبر من الخلوص من العذاب ودخول في دار السلام. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- عموم رحمة الله تعالى. 2- تقرير مبدأ الشقاوة والسعادة في الأزل قبل خلق الخلق. 3- الله رب كل شيء ومليكه. 4- تحريم ولاية غير الله، وتحريم الشرك به تعالى. 5- بيان الفوز الأخروي وهو النجاة من العذاب ودخول الجنة.
القطان
تفسير : كتب على نفسه الرحمة: أوجب على نفسه ايجاب فضل وكرم. سكن: من السكون، ضد الحركة، الولي: الناصر ومتولي الأمر. فاطر السموات والارض: مبدعها على غير مثال. وهو يُطعم ولا يطعم: هو الرزاق ليغره ولا يرزقه احد. يصرف عنه: يبعد عنه. في الآيات السابقة ذكرَ اللهُ تعالى أصول الدين الثلاثة: التوحيد، والبعث والجزاء، ورسالة محمد، ثم ذكر شبهات الكافرين الجاحدين وبيّن ما يدحضها، ثم أرشد الى سننه تعالى في اقوام الرسل المكذّبين وعاقبتهم. وهنا يرد ذِكر هذه الاصول الثلاثة باسلوب آخر: اسلوب السؤال والجواب. ويسيرُ هذا الاسلوب في طريقين بارزين لانكاد نجدهما بهذه الكثرة في غير هذه السورة. فهي تورد الأدلةَ المتعلقة بتوحيد الله، وتفرُّدِه بالمُلك والقدرة في صورة الشأن المسلَّم بالتقرير الذي لا يقبل الإِنكار او الجدل {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} هذا الاسلوب. أما الأسلوب الثاني فهو أسلوب التلقين: تلقين الحجة والأمر بقذفها في وجه الخصم حتى تحيط به من جميع جوانبه فلا يستطيع التفلّت منها، ولا يجد بُدّاً من الاستسلام لها. ففي حجج التوحيد والقدرة: {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ....} الآية. {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} وفي حجج الوحي وبيان مهمة الرسول، وأن الرسالة لا تنافي البشرية، وفي إيمان الرسول بدعوته، واعتماده على الله، وعدم اكتراثه بهم، او انتظار الأجر منهم: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً؟ قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ}. {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} إلى آيات كثيرة. وفي وعيدهم على التكذيب: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}. {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّالِمُونَ}. {قُلْ يَاقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ}. {قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ}. وفي الرد عليهم في التحليل والتحريم من دون الله وتفنيدِ شبهتهم في الشرك وآثاره، وفي بيان ما حرم خاصة في الطعام، وعامة في نظام الله: {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ}. {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً...} الآية. {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ؟}. {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}. هذان الاسلوبان قد تناوبا معظم ما تصمنته هذه السورة العظيمة، والقرآن كله عظيم.. ويدل الاسلوبان على انهما صدرا في موقف واحد، وفي مقصد واحد، ولخصم واحد بَلَغ من الشدة والعتو مبلغاً استدعى من الله تزويد الرسول بعدةٍ قوية تتضافر في جملة شديدة يقذف بها في معسكر الاعداء، فتزلزل عمده، وتهد من بنيانه، فيخضع بالتسليم للحق. {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ؟}. قل ايها الرسول لقومك الجاحدين لرسالتك، المعرضين عن عدوتك: من هو مالك السماوات والأرض ومن فيهن؟ فان احجموا ولم يجيبوا، فقل الجواب الذي لا جواب غيره: إن مالكها هو الله وحده لا شريك له. لقد أوجب على ذاته العلية الرحمة بخلقه، فلا يعجل في عقوبتهم وانما يقبل توبتهم. ومن مقتضى هذه الرحمة ان يجمعكم الى يوم القيامة. {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. والذين ضّيعوا أنفسَهم، وعرَّضوها للعذاب في هذا اليوم هم الذين لا يؤمنوا بالله، ولم يصدقوا رسوله، ولا بيوم الحساب. {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}. فلله ما في السماوات والأرض، وله كل ما فيهنّ من ساكن ومتحرك في كل مكان وزمان، وهو السميع المحيط سمعه بكل شيء، والعليم المحيط علمه بكل شيء. {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً؟...} الآية. قل أيها النبي، أنا لا اتخذ غير الله إلهاً وناصرا، وهو وحده منشئ السماوات والأرض على نظام لم يُسبق اليه. روى عن ابن عباس انه قال: ما عرفت معنى فاطر السماوات والارض، حتى أتاني اعرابيان يختصمان في بئر، فقال احدهما: أنا فطرتها، اي ابتدعتها. وهو الرزاق لعباده طعامَهم، ولي هو بحاجة الى من يرزقه ويطعمه. وقل لهم يا محمد: بعد ان استبانت لكم الأدلة على وجوب عبادة الله وحده، فأنا أُبلّغكم أنني قد أمرني ربي ان اكون أول من أسلم اليه، ونهاني عن ان اشرك معه غيره في العبادة. ذلك أني أخاف إن خالفتُ أمر ربي وعصيته، عذابَ يوم يتجلى فيه الرب على عباده ويحاسبهم على اعمالهم ويجازيهم بما يستحقون. إنه يوم شديد عند ذلك، فمن صرُف عنه العذاب ونجا من العقوبة، فقد رحمه الله، فدخل الجنة، وفاز فوزا عظيما.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلْقِيَامَةِ} (12) - قُلَ يَا أَيُّها الرَّسُولُ لِقَوْمِكَ المُكَذِّبِينَ الجَاحِدِينَ لِرِسَالَتِكَ، المُعْرِضِينَ عَنْ دَعْوَتِكَ: لِمَنْ هَذِهِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَمَنْ خَلَقَها؟ وَبِمَا أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ كَانُوا يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَأَنَّه مَالِكُهَا المُتَفَرِّدُ، وَأَنَّ الخَلْقَ كُلَّهُمْ عَبيدُهُ، فَسَيَقُولُونَ: إنَّهُ اللهُ، وَهذَا لاَ خِلاَفُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فِيهِ، فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللهَ الذِي تُقِرُّونَ بِمُلْكِهِ لِلْكَوْنِ قَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ بِخَلْقِهِ، إِذ أَفَاضَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا، وَمِنْ مُقْتَضَى هَذِهِ الرَّحْمَةِ أَنْ لا يُعَجِّلَ العُقُوبَةَ لِلنَّاسِ، وَأَنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُمْ، إذَا تَابُوا وَعَمِلُوا أَعْمَالاً صَالِحَةً، وَأَنَّهُ سَيَجْمَعُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ- وَهُوَ يَوْمٌ آتٍ قَرِيبٌ لاَ شَكَّ فِيهِ وَلاَ رَيْبَ - لِلْحِسَابِ وَالجَزَاءِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ الجَزَاءَ العَادِلَ عَنْ عَمَلِهِ، إِنْ خَيْراً فَخَيْراً، وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً. وَمِنْ رَحْمَتِهِ تَعَالَى أَنْ بَيَّنَ لِعِبَادِهِ هَذَا، لِيَحْذَرُوا، وَليُحْسِنُوا العَمَلَ، فَلَوْلاَ خَوْفُ النَّاسِ مِنَ العِقَابِ وَالحِسَابِ لَسَادَ الفَسَادُ فِي الأَرْضِ، وَلانْتَشَرَ الظُّلْمُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أنَّ الذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيا بِالكُفْرِ، وَالتَّقْلِيدِ وَالتَّرَدُّدِ.. لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، لأِنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهُمْ فِيمَا خَلَقَهَا اللهُ لَهُ مِنَ التَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ وَالاتِّعَاظِ. كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ - قَضَى وَأَوْجَبَ، تَفَضُّلاً مِنْهُ وَإِحْسَاناً، الرَّحْمَةَ عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ. خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ - أَهْلَكُوهَا وَغَبَنُوهَا بِالكُفْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كأن الحق يعلَّم رسوله السؤال والجواب؛ حتى يتعلم الناس من خلال ذلك أن كُلَّ المُلْك لله؛ لأنهم مهما بحثوا عن مالك الكون فلن يجدوا إلا الله، حتى المكذبين منهم قال الحق عنهم: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} تفسير : [العنكبوت: 61]. وعلى الرغم من شركهم بالله لا يقدرون إلا على الإقرار بأن الله هو خالق كل شيء؛ لأن الإنسان قد يغتر بما لذاته من اختيار، لكن عندما ينظر لما يقع على ذاته من اضطرار فهو يعترف فوراً على الإيمان. وقد يختار الإنسان أشياء لكنَّ هناك أحداثاً تقع عليه لا اختيار له فيها وذلك لينبه الحق خلقه أنه فعال لما يريد وأنه يحكم هذا الكون وأن الاختيار ما كان إلاّ ليختبر الإنسان نفسه باتباع تكاليف الله. والأحداث ثلاثة: حدث يقع عليك، وحدث يقع فيك، وحدث يقع منك. وما يقع عليك ليس لك فيه اختيار، وما يقع فيك لا اختيار لك فيه، ولا يبقى لك إلا ثلث الأحداث وهو ما يقع منك. وأنت محكوم في ذلك بقوسين لا اختيار لك فيهما: قوس الميلاد وقوس الموت، إذن فالأمر كله لله. ويطمئن الحق خلقه قائلاً: {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} وهو قول ليُطَمِئَن به الحقُّ عباده حتى لا يظن الناس أن الله يعاقبهم دون حساب؛ لأنه الحليم ذو الفضل وهو القائل: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} تفسير : [يونس: 58]. ويعفو سبحانه عن الكثير، وباب رحمته وفضله مفتوح ويفسح التوبة لكل عاصٍ. ومن فضل الله أنه جعل بعضاً من الكفار يقفون في بداية الإسلام ضد المسلمين ثم يكونون من بعد ذلك سيوفاً للإسلام، وسبحانه الرحيم الذي يجمعنا للحساب يوم القيامة الذي لا ريب فيه ولا شك، ونسير جميعاً مدفوعين إلى ذلك اليوم ويأتي الكافر على رغم أنفه، والمؤمن يتيقن رحمة الله وفضله ويفرح بلقاء ربه. والكافر - والعياذ بالله - قد خسر نفسه بعمله مصداقا لقوله الحق: {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} وخسران النفس مترتب على عدم الإيمان؛ لأننا لو نظرنا إلى الغايات وإلى الوسائل لوجدنا أن الوسيلة تأتي قبل الغاية، ولكن في التحضير العملي الغاية تتضح قبل الوسيلة؛ فالذي يستذكر إنما يستحضر في ذهنه الغاية وهي النجاح، فيبذل الجهد لينجح؛ لأننا نعلم أن كل شرط هو واقع بين أمرين، بين جواب دافع، وجواب واقع؛ فالنجاح دافع للمذاكرة، والمذاكرة تجعل النجاح واقعاً، ويقول ابن الرومي: شعر : ألا مَنْ يُرِيني غايتي قَبْلَ مَذْهبي ومِنْ أين والغايات بعد المذاهبِ؟ تفسير : وهذا القول منه غير سديد؛ لأن الإنسان عليه أن يتنبه إلى الغاية وأن يتعرف على الوسيلة التي توصله إلى الغاية، فإذا كانت الغاية أن يذهب الإنسان إلى الله، والوسيلة هي المنهج، فلماذا الحيرة إذن؟ وهكذا نعلم أن الذين لم يؤمنوا قد خسروا أنفسهم لأنهم لم يميزوا الغاية الدافعة وهي الذهاب إلى الله والنزول على حكمه، عن الغاية الواقعة وهي الوسيلة، وسبحانه قد يسرها لعباده إذ قد أتى لهم بالمنهج الذي يسيرون عليه. ويقول الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} معناهُ غَشُّوا أَنفُسَهُمْ.
الجيلاني
تفسير : {قُل} لهم يا أكمل الرسل تبكيتاً وإلزاماً: {لِّمَن مَّا} ظهر {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تصرفاً وتملكاً إيجاداً وإظهاراً وإعداماً وإفناءً {قُل} أيضاً أنت يا أكمل الرسل بعدما بُهتوا وتحيروا في الجواب: {للَّهِ} المتوحد المتفرد بالتجلي والظهور والتصرف مطلقاً؛ إذ {كَتَبَ} أوجب وألزم {عَلَىٰ نَفْسِهِ} أي: ذاته حين كان ولم يكن معه شيء {ٱلرَّحْمَةَ} العامة؛ أي: التجلي باسم الرحمن على عروش ذرائر الأكوان المنعكسة من أوصافه الذاتية، والله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} أيها العكوس والأضلال بمقتضى اسم الرحيم {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ} التي هي الطامة الكبرى المرتفعة فيها نقوش الغير والسوى مطلقاً {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي: في جمعه ورفعه عند أولي البصائر المتأملين في سر الظهور والإظهار، وأما {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} باقتصار النظر في هذه الأضلال والتماثيل الزائفة الزائلة التي لا قرار لها ولا مدار للذاتها وشهواتها {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 12] بالرجوع إلى ما في التوحيد ومقر التجريد والتفريد، أولئك هم الظالمون في تيه الحرمان، الباقون في ظلمة الإمكان. {وَ} كيف ينكرون جمعه وتوحيده مع أنه {لَهُ} سبحانه {مَا سَكَنَ} وبطن {فِي ٱلْلَّيْلِ} أي: مرتبة الباطن والغيب {وَ} ما ظهر وانكشف في {ٱلنَّهَارِ} أي: مرتبة الظاهر و الشهادة {وَهُوَ} بذاته {ٱلسَّمِيعُ} لكل ما سمع {ٱلْعَلِيمُ} [الأنعام: 13] لكل ما علم وأدرك لا يخفى عليه شيء مما ظهر وبطن. {قُلْ} لمن أنكر توحيد الله وأثبت الشريط له، ومع ذلك يرغبك يا أكمل الرسل إلى شركه إلزاماً وتبكيتاً: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد الذي لا شريك له أصلاً {أَتَّخِذُ وَلِيّاً} مولياً وكيلاً لأكون مشركاً مع كونه سبحانه {فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: موجدهما ومظهرهما من كتم العدم {وَهُوَ يُطْعِمُ} أي: يرزق للمحتاجين {وَلاَ يُطْعَمُ} لتنزهه عن الأكل والشرب، خص بهذه الصنعة؛ لأنه من أقوى أسباب الإمكان، وأجل أمارات الحدوث وأظهرها، والباقي متفرع عليه {قُلْ} يا أكمل الرسل لكافة البرايا: {إِنِّيۤ أُمِرْتُ} من عند ربي {أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} أطاع وانقاد، وأظهر التوحيد الذاتي وأدعو الناس إليه {وَ} أيضاً نُهيت أنا على وجه المبالغة والتأكيد من عنده سبحانه بقوله: {لاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} [الأنعام: 14] المثبتين الوجود لغير الحق من الأظلال وبعدما أمرت مما أمرت.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الهالكين في الغفلة وكمال الرحمة بقوله تعالى: {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ} [الأنعام: 12]، والإشارة فيهما أن ما في الكون سوى الله لا داع ولا مجيب، قل: "أنت" يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني إياك، وناد لمن في السماوات والأرض؛ فلا تجد على الحقيقة مجيباً مكوناً من غير تكويني إياه، فقل: "أنت" يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني القول فيك الله؛ أي: لله ما في السماوات والأرض حلقاً وملكاً ووجوداً وعدماً وإيجاداً واعداً، فهو الأول الكون والآخر والظاهر والباطن {كَتَبَ} [الأنعام: 12]، في أزليته {عَلَىٰ} [الأنعام: 12]، ذمة كرم {نَفْسِهِ} [الأنعام: 12]، وحقيقة هيئته {ٱلرَّحْمَةَ} [الأنعام: 12]، بخلقه ومكوناته {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} [الأنعام: 12]، بالإيجاد لإظهار الرحمة في الوجود المجازي {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ} [الأنعام: 12]، الذي {لاَ رَيْبَ فِيهِ} [الأنعام: 12]، وهو يوم ظهور آثار الصفة القهارية لا يبقى فيه إلا الوجود الحقيقي، فأنادي بعزتي ولعظمتي {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [غافر: 16]، فلا يكون مجيباً لا في الصورة ولا في المعنى غير واحديتي، فأجيب لذاتي بذاتي {أية : لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. ففي ذلك اليوم {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} [الأنعام: 12]؛ أي: أفسدوا استعدادات أنفسهم لقبول الكمال في الدنيا، وذاقوا ألم خسرانهم في نقصانهم، ووجدوا عقوبة حرمانهم وخسرة خذلانهم {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 12]، بعد {وَ} قد شاهدوا على الحقيقة وعاينوا أن {لَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} [الأنعام: 13]؛ أي: من سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، ومن سكن في نهار الروحانية إلى المواهب الربانية؛ كانوا ملكاً له يظهر عليهم آثار صفات قهره ولطفه؛ فالمعنى: فإنهم يؤمنون ولكن يوم لا ينفع نفساً غيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، ويظهر لهم في ذلك اليوم أن الله {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} [الأنعام: 13]؛ أي: كان سميعاً لما يسخرون من الأنبياء والأولياء ويطعنون فيهم ويكذبونهم {ٱلْعَلِيمُ} [الأنعام: 13]، بما كانوا يعمرون ولا يظهرون من حيث عقائدهم، فجازهم به وهو السميع ثناؤه من سكن إليه العليم تعلق من اشتياق إليه. ثم أخبر عن امتناع النبي من اتخاذ غير الله الولي بقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} [الأنعام: 14]، إلى قوله: {وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} [الأنعام: 16]، والإشارة فيها: أن قل أغير الله اتخذ اليوم ولياً؟! وقد اتخذني الله في أزليته حبيباً كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ". تفسير : {فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الأنعام: 14] أي: فاطر سماوات القلوب على محبته، وفاطر أرض النفوس على عبوديته {وَهُوَ يُطْعِمُ} [الأنعام: 14]، أرواح العارفين من طعام المشاهدات، وليسقيهم شربات المكاشفات كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : ، {وَلاَ يُطْعَمُ} [الأنعام: 14]، غيره هذا الطعام والشراب {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ} [الأنعام: 14]، في الأزل وخصصت {أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} [الأنعام: 14]؛ أي: أخلص عن جنس الوجود وما خلص عنه غيره بالكلية، ولهذا يقول الأنبياء: نفسي نفسي، وهو يقول: أمتي أمتي، وخاطبني بخطاب التكوين، وقال في الأزل: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} [الأنعام: 14]، فما كنت من المشركين في أيام النبوة. {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} [الأنعام: 15]، برؤية الضر والتفاته {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام: 15]، فهو يوم الشرك والعذاب العظيم، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]، وعذاب الشرك أن نزل قدمه عن مقام الوحدة {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ} [الأنعام: 16]، عذاب الشرك {يَوْمَئِذٍ} [الأنعام: 16]، يوماً قدر فيه الشرك لأقوام {فَقَدْ رَحِمَهُ} [الأنعام: 16] أي: نظر إليه بالرحمة فيرحمه وعافاه عن الشرك، كما قال لحبيبه يومئذ: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ}، فما كان {وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} [الأنعام: 16]، لمن نجاه من الشرك وألزمه التوحيد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قُلْ } لهؤلاء المشركين بالله، مقررا لهم وملزما بالتوحيد: { لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: مَن الخالق لذلك، المالك له، المتصرف فيه؟ { قُلْ } لهم: { لِلَّهِ } وهم مقرون بذلك لا ينكرونه، أفلا حين اعترفوا بانفراد الله بالملك والتدبير، أن يعترفوا له بالإخلاص والتوحيد؟!! وقوله { كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } أي: العالم العلوي والسفلي تحت ملكه وتدبيره، وهو تعالى قد بسط عليهم رحمته وإحسانه، وتغمدهم برحمته وامتنانه، وكتب على نفسه كتابا أن رحمته تغلب غضبه، وأن العطاء أحب إليه من المنع، وأن الله قد فتح لجميع العباد أبواب الرحمة، إن لم يغلقوا عليهم أبوابها بذنوبهم، ودعاهم إليها، إن لم تمنعهم من طلبها معاصيهم وعيوبهم، وقوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ } وهذا قسم منه، وهو أصدق المخبرين، وقد أقام على ذلك من الحجج والبراهين، ما يجعله حق اليقين، ولكن أبى الظالمون إلا جحودا، وأنكروا قدرة الله على بعث الخلائق، فأوضعوا في معاصيه، وتجرءوا على الكفر به، فخسروا دنياهم وأخراهم، ولهذا قال: { الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } .
همام الصنعاني
تفسير : 774- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن عَاصم بن سُليمان، عن أبي عُثْمَانَ النَّهْدِيّ، عن سَلْمَانَ، في قوله تعالى: {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}: [الآية: 12]، أن سَلْمَانَ قال: إنا نجد في التوراة: أن الله خلق السماوات والأرْض ثم خلق أو جعل مائة رحمة قبل أن يَخْلُقَ الخَلْقَ ثم خَلَقَ الخَلْقَ فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمْسك عنده تِسْعاً وتسعين رحمةً، قال: فبها يَتَرَاحَمُونَ، وبها يتعاطفونَ، وَبهَا يتباذَلون، وَبهَا يَتَزَوَرُونَ، وبها تَحِنُّ النَّاقَةُ وبها تَنْتُجُ البَقْرَةُ وبها تَثْغُو الشَّاةُ وبها تتابع الطير، وَبِهَا تَتَابَعُ الحيتاُ في البحر فإذا كَانَ يَومُ الْقِيَامَةِ جمع [الله] تِلْكَ الرحمة إلى ما عنده ورحمته أفضل وأوسع.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):