٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أحسن ما قيل في نظم هذه الآية ما ذكره أبو مسلم رحمه الله تعالى فقال: ذكر في الآية الأولى السماوات والأرض، إذ لا مكان سواهما. وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار إذ لا زمان سواهما، فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات، ومالك للزمان والزمانيات، وهذا بيان في غاية الجلالة. وأقول ههنا دقيقة أخرى، وهو أن الابتداء وقع بذكر المكان والمكانيات، ثم ذكر عقيبه الزمان والزمانيات، وذلك لأن المكان والمكانيات أقرب إلى العقول والأفكار من الزمان والزمانيات، لدقائق مذكورة في العقليات الصرفة، والتعليم الكامل هو الذي يبدأ فيه بالأظهر فالأظهر مترقياً إلى الأخفى فالأخفى، فهذا ما يتعلق بوجه النظم. المسألة الثانية: قوله: {وله ما سكن في الليل والنهار} يفيد الحصر والتقدير: هذه الأشياء له لا لغيره، وهذا هو الحق لأن كل موجود فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، فالواجب لذاته ليس إلا الواحد. وما سرى ذلك الواحد ممكن. والممكن لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، وكل ما حصل بإيجاده وتكوينه كان ملكاً له، فثبت أن ما سوى ذلك الموجود الواجب لذاته فهو ملكه ومالكه فلهذا السبب قال {وله ما سكن في الليل والنهار}. المسألة الثالثة: في تفسير هذا السكون قولان: الأول: أن المراد منه الشيء الذي سكن بعد أن تحرك، فعلى هذا، المراد كل ما استقر في الليل والنهار من الدواب، وجملة الحيوانات في البر والبحر/ وعلى هذا التقدير: قالوا في الآية محذوف والتقدير: وله ما سكن وتحرك في الليل والنهار كقوله تعالى: {أية : سَرَابِيل تقيكم الحر} تفسير : [النحل: 81] أراد الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر لأنه يعرف ذلك بالقرينة المذكورة، كذلك هنا حذف ذكر الحركة، لأن ذكر السكون يدل عليه. والقول الثاني: أنه ليس المراد من هذا السكون ما هو ضد الحركة، بل المراد منه السكون بمعنى الحلول. كما يقال: فلان يسكن بلد كذا إذا كان محله فيه، ومنه قوله تعالى: {أية : وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم}تفسير : [إبراهيم: 45] وعلى هذا التقدير: كان المراد، وله كل ما حصل في الليل والنهار. والتقدير: كل ما حصل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وهذا التفسير أولى وأكمل. والسبب فيه أن كل ما دخل تحت الليل والنهار حصل في الزمان فقد صدق عليه أنه انقضى الماضي وسيجيء المستقبل، وذلك مشعر بالتغير وهو الحدوث، والحدوث ينافي الأزلية والدوام، فكل ما مرّ به الوقت ودخل تحت الزمان فهو محدث وكل حادث فلا بدّ له من محدث، وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدماً عليه والمتقدم على الزمان فهو محدث وكل حادث فلا بدّ له من محدث، وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدماً عليه والمتقدم على الزمان يجب أن يكون مقدماً على الوقت والزمان فلا تجري عليه الأوقات ولا تمر به الساعات ولا يصدق عليه أنه كان وسيكون. وأعلم أنه تعالى لما بيّن فيما سبق أنه مالك للمكان وجملة المكانيات ومالك للزمان وجملة الزمانيات، بين أنه سميع عليم يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين. والمقصود منه الرد على من يقول الإله تعالى موجب بالذات، فنبّه على أنه وإن كان مالكاً لكل المحدثات لكنه فاعل مختار يسمع ويرى ويعلم السر وأخفى، ولما قرر هذه المعاني قال: {قل أغير الله أتخذ ولياً}. وأعلم أنه فرق بين أن يقال {أغير الله أتخذ ولياً} وبين أن يقال: أتخذ غير الله ولياً لأن الانكار إنما حصل على اتخاذ غير الله ولياً، لا على اتخاذ الولي، وقد عرفت أنهم يقدمون الأهم فالأهم الذي هم بشأنه أعنى فكأن قوله {قل أغير الله أتخذ ولياً} أولى من العبارة الثانية، ونظيره قوله تعالى: {أية : أفغير الله تأمروني أعبد}تفسير : [الزمر: 64] وقوله تعالى: {أية : الله أذن لكم}تفسير : [يونس: 59]. ثم قال {فاطر السماوات والأرض} وقريء {فاطر السماوات} بالجر صفة الله وبالرفع على إضمار "هو" والنصب على المدح. وقرأ الزهري {فطر السماوات} وعن ابن عباس: ما عرفت {فاطر السماوات} حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها وقال ابن الأنباري: أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه، فقوله {فاطر السماوات والأرض} يريد خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضم الأشياء إلى بعض، فلما كان الأصل الشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح وفي حال أخرى شق إفساد. ففاطر السماوات من الاصلاح لا غير. وقوله {أية : هل ترى من فطور} تفسير : [الملك: 3] و {أية : إذا السماء انفطرت} تفسير : [الإنفطار: 1] من الافساد، وأصلهما واحد. ثم قال تعالى: {وهو يطعم ولا يطعم} أي وهو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد. فإن قيل: كيف فسرت الاطعام بالرزق؟ وقد قال تعالى: {أية : ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون}تفسير : [الذاريات: 57] والعطف يوجب المغايرة. قلنا لا شك في حصول المغايرة بينهما، إلا أنه قد يحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر لشدة ما بينهما من المقاربة والمقصود من الآية: أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع. وقرئ {ولا يطعم} بفتح الياء، وروى ابن المأمون عن يعقوب {وهو يطعم ولا يطعم} على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل، وعلى هذا التقدير: فالضمير عائد إلى المذكور في قوله {أغير الله} وقرأ الأشهب {وهو يطعم ولا يطعم} على بنائهما للفاعل. وفسر بأن معناه: وهو يطعم ولا يستطعم. وحكى الأزهري: أطعمت بمعنى استطعمت. ويجوز أن يكون المعنى: وهو يطعم تارة لا يطعم أخرى على حسب المصالح كقوله: وهو يعطي ويمنع، ويبسط ويقدر، ويغني ويفقر. وأعلم أن المذكور في صدر الآية هو المنع من اتخاذ غير الله تعالى ولياً. واحتج عليه بأنه فاطر السماوات والأرض وبأنه يطعم ولا يطعم. ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غيره ولياً. أما بيان أنه فاطر السماوات والأرض، فلأنا بينا أن ما سوى الواحد ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يقع موجوداً إلا بإيجاد غيره، فنتج أن ما سوى الله فهو حاصل بإيجاده وتكوينه. فثبت أنه سبحانه هو الفاطر لكل ما سواه من الموجودات. وأما بيان أنه يطعم ولا يطعم فظاهره لأن الاطعام عبارة عن إيصال المنافع، وعدم الاستطعام عبارة عن عدم الانتفاع. ولما كان هو المبديء تعالى وتقدس لكل ما سواه، كان لا محالة هو المبديء لحصول جميع المنافع. ولما كان واجباً لذاته كان لا محالة غنياً ومتعالياً عن الانتفاع بشيء آخر فثبت بالبرهان صحة أنه تعالى فاطر السماوات والأرض، وصحة أنه يطعم ولا يطعم، وإذا ثبت هذا امتنع في العقل اتخاذ غيره ولياً لأن ما سواه محتاج في ذاته وفي جميع صفاته وفي جميع ما تحت يده. والحق سبحانه هو الغني لذاته الجواد لذاته، وترك الغني الجواد، والذهاب إلى الفقير المحتاج ممنوع عنه في صريح العقل. وإذا عرفت هذا فنقول: قد سبق في هذا الكتاب بيان أن الولي معناه الأصلي في اللغة: هو القريب. وقد ذكرنا وجوه الاشتقاقات فيه. فقوله {قل أغير الله أتخذ ولياً} يمنع من القرب من غير الله تعالى. فهذا يقتضي تنزيه القلب عن الالتفات إلى غير الله تعالى، وقطع العلائق عن كل ما سوى الله تعالى. / ثم قال تعالى: {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} والسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق أمته في الإسلام لقوله {أية : وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}تفسير : [الأنعام: 163] ولقول موسى {أية : سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين}تفسير : [الأعراف: 143]. ثم قال: {ولا تكونن من المشركين} ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك. ثم إنه تعالى لما بيّن كون رسوله مأموراً بالإسلام ثم عقبه بكونه منهياً عن الشرك قال بعده {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} والمقصود أني إن خالفته في هذا الأمر والنهي صرت مستحقاً للعذاب العظيم. فإن قيل: قوله: {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} يدل على أنه عليه السلام كان يخاف على نفسه من الكفر والعصيان، ولولا أن ذلك جائز عليه لما كان خائفاً. والجواب أن الآية لا تدل على أنه خاف على نفسه، بل الآية تدل على أنه لو صدر عنه الكفر والمعصية فإنه يخاف. وهذا القدر لا يدل على حصول الخوف، ومثاله قولنا: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين، وهذا لا يدل على أن الخمسة زوج ولا على كونها منقسمة بمتساويين، وهذا لا يدل على أن الخمسة زوج ولا على كونها منقسمة بمتساويين والله أعلم. وقوله تعالى: {إني أخاف} قرأ ابن كثير ونافع {أني} بفتح الياء. وقرأ أبو عمرو والباقون بالإرسال. {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ} في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه قرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي {يُصْرَفْ } بفتح الياء وكسر الراء. وفاعل الصرف على هذه القراءة والضمير العائد إلى ربي من قوله {أية : إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى } تفسير : [الأنعام: 15] والتقدير: من يصرف هو عنه يومئذ العذاب. وحجة هذه القراءة قوله {فَقَدْ رَحِمَهُ } فلما كان هذا فعلاً مسنداً إلى ضمير اسم الله تعالى وجب أن يكون الأمر في تلك اللفظة الأخرى على هذا الوجه ليتفق الفعلان، وعلى هذا التقدير: صرف العذاب مسنداً إلى الله تعالى، وتكون الرحمة بعد ذلك مسندة إلى الله تعالى، وأما الباقون فإنهم قرؤا {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ } على فعل ما لم يسم فاعله، والتقدير من يصرف عنه عذاب يومئذ وإنما حسن ذلك لأنه تعالى أضاف الغذاب إلى اليوم في قوله {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }[الإنعام: 15] فلذلك أضاف الصرف إليه. والتقدير: من يصرف عنه عذاب ذلك اليوم. المسألة الثانية: ظاهر الآية يقتضي كون ذلك اليوم مصروفاً وذلك محال، بل المراد عذاب ذلك اليوم، وحسن هذا الحذف لكونه معلوماً. المسألة الثالثة: دلّت الآية على أن الطاعة لا توجب الثواب، والمعصية لا توجب العقاب لأنه تعالى قال: {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ } أي كل من صرف الله عنه العذاب في ذلك اليوم فقد رحمه. وهذا إنما يحسن لو كان ذلك الصرف واقعاً على سبيل التفضل أما لو كان واجباً مستحقاً لم يحسن أن يقال فيه إنه رحمه ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب العبد، فإذا لم يضربه لا يقال إنه رحمه. أما إذا حسن منه أن يضربه ولم يضربه فإنه يقال إنه رحمه، فهذه الآية تدل على أن كل عقاب انصرف وكل ثواب حصل، فهو ابتداء فضل وإحسان من الله تعالى وهو موافق لما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »حديث : والذي نفسي بيده ما من الناس أحد يدخل الجنة بعمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» تفسير : ووضع يده فوق رأسه، وطول بها صوته. المسألة الرابعة: قال القاضي: الآية تدل على أن من لم يعاقب في الآخرة ممن يصرف عنه العقاب، فلا بد من أن يثاب وذلك يبطل قول من يقول: إن فيمن يصرف عنه العقاب من المكلفين من لا يثاب، لكنه يتفضل عليه. فإن قيل: أليس من لم يعاقبه الله تعالى ويتفضل عليه فقد حصل له الفوز المبين وذلك يبطل دلالة الآية على قولكم؟ قلنا: هذا الذي ذكرتموه مدفوع من وجوه: الأول: أن التفضل يكون كالابتداء من قبل الله تعالى، وليس يكون ذلك مطلوباً من الفعل والفوز هو الظفر بالمطلوب، فلا بدّ وأن يفيد أمراً مطلوباً. والثاني: أن الفوز المبين لا يجوز حمله على التفضل بل يجب حمله على ما يقتضي مبالغة في عظم النعمة، وذلك لا يكون إلا ثواباً. والثالث: أن الآية معطوفة على قوله {إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}[الأنعام: 15] والمقابل للعذاب هو الثواب، فيجب حمل هذه الرحمة على الثواب. واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف جداً وضعفه ظاهر فلا حاجة فيه إلى الاستقصاء والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي ثبت، وهذا ٱحتجاج عليهم أيضاً. وقيل: نزلت الآية لأنهم قالوا: علمنا أنه ما يحملك على ما تفعل إلاَّ الحاجة، فنحن نجمع لك من أموالنا حتى تصير أغنانا؛ فقال الله تعالىٰ: أخبِرهم أن جميع الأشياء لله، فهو قادر على أن يغنيني. و {سَكَنَ} معناه هدأ وٱستقر؛ والمراد ما سكن وما تحرك، فحُذِف لعلم السامع. وقيل: خص الساكن بالذكر لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة. وقيل: المعنى ما خلق، فهو عام في جميع المخلوقات متحركها وساكنها، فإنه يجري عليه الليل والنهار؛ وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد الحركة بل المراد الخلق، وهذا أحسن ما قيل؛ لأنه يجمع شتات الأقوال. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأصواتهم {ٱلْعَلِيمُ} بأسرارهم. قوله تعالىٰ: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} مفعولان؛ لما دعوه إلى عبادة الأصنام دين آبائه أنزل الله تعالىٰ {قُلْ} يا محمد: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} أي رباً ومعبوداً وناصراً دون الله. {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} بالخفض على النعت لاسم الله؛ وأجاز الأخفش الرفع على إضمار مبتدأ. وقال الزجاج: ويجوز النصب على المدح. أبو عليّ الفارسيّ: ويجوز نصبه على فعل مضمر كأنه قال: أترك فاطر السَّمٰوات والأرض؟ لأن قوله: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} يدل على ترك الولاية له، وحسن إضماره لقوة هذه الدلالة. {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} كذا قراءة العامة، أي يَرزُق ولا يُرزَق؛ دليله قوله تعالىٰ: { أية : مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } تفسير : [الذاريات: 57]. وقرأ سعيد بن جُبَير ومجاهد والأعمش: وهو يُطْعِمُ وَلاَ يَطْعَمُ، وهي قراءة حسنة؛ أي أنه يرزق عباده، وهو سبحانه غير محتاج إلى ما يحتاج إليه المخلوقون من الغذاء. وقُرِىء بضم الياء وكسر العين في الفِعلين، أي إن الله يُطعِم عباده ويرزقهم والوليّ لا يُطعِم نفسه ولا من يتخذه. وقُرِىء بفتح الياء والعين في الأوّل أي الوليّ «وَلاَ يُطْعِمُ» بضم الياء وكسر العين. وخص الإطعام بالذكر دون غيره من ضروب الإنعام؛ لأن الحاجة إليه أمسُّ لجميع الأنام. {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} أي ٱستسلم لأمر الله تعالىٰ. وقيل: أوّل من أخلص أي من قومي وأُمّتي؛ عن الحسن وغيره. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكينَ} أي وقيل لي: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكينَ}. {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} أي بعبادة غيره أن يعذبني، والخوف توقع المكروه. قال ٱبن عباس: «أخاف» هنا بمعنى أعلم. {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ} أي العذاب {يَوْمَئِذٍ} يوم القيامة {فَقَدْ رَحِمَهُ} أي فاز ونجا ورُحِم. وقرأ الكوفيون «مَّن يَصْرِفْ» بفتح الياء وكسر الراء، وهو ٱختيار أبي حاتم وأبي عُبيد؛ لقوله: {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ} ولقوله: {فَقَدْ رَحِمَهُ} ولم يقل رُحِم على المجهول، ولقراءة أبيّ «مَنْ يَصْرِفْهُ اللهُ عَنْهُ»؛ وٱختار سيبويه القراءة الأُولى ـ قراءة أهل المدينة وأبي عمرو ـ قال سيبويه: وكلما قَلَّ الإضمار في الكلام كان أولى؛ فأما قراءة من قرأ «مَنْ يَصْرِفْ» بفتح الياء فتقديره: من يصرف الله عنه العذاب، وإذا قُرِىء «مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ» فتقديره: من يُصرَف عنه العذابُ. {وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} أي النجاة البيِّنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَهُ } تعالى {مَا سَكَنَ } حلَّ {في اْليْلِ وَاْلنَّهَارِ } أي كل شيء فهو ربه وخالقه ومالكه {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لما يقال {ٱلْعَلِيمُ } بما يفعل.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَكَنَ} من السكنى، أو السكون خص السكون لأن الإنعام به أبلغ من الإنعام بالحركة.
النسفي
تفسير : {وَلَهُ } عطف على {لِلَّهِ } {مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } من السكنى حتى يتناول الساكن والمتحرك أو من السكون ومعناه ما سكن وتحرك فيهما فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر كقوله {تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } [النحل: 82] أي الحر والبرد، و ذكر السكون لأنه أكثر من الحركة وهو احتجاج على المشركين لأنهم لم ينكروا أنه خالق الكون و مدبره {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم فلا يخفى عليه شيء مما يشتمل عليه الملوان. {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً } ناصراً ومعبوداً وهو مفعول ثان لـ {ٱتَّخَذَ } والأول {غَيْرَ } وإنما أدخل همزة الاستفهام على مفعول {ٱتَّخَذَ } لا عليه لأن الإنكار في اتخاذ غير الله ولياً لا في اتخاذ الولي فكان أحق بالتقديم {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } بالجر صفة لله أي مخترعهما. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما عرفت معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } وهو يرزق ولا يرزق أي المنافع كلها من عنده ولا يجوز عليه الانتفاع {قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } لأن النبي سابق أمته في الإسلام كقوله: {وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنتَ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ } [الأنعام: 163] {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } وقيل لي لا تكونن من المشركين ولو عطف على ما قبله لفظاً لقيل: وأن لا أكون، والمعنى: أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك {قُلْ إِنّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } أي إني أخاف عذاب يوم عظيم وهو القيامة إن عصيت ربي فالشرط معترض بين الفاعل والمفعول به محذوف الجواب {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ } العذاب {يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ } الله الرحمة العظمى وهي النجاة. {مَّن يُصْرَفْ } حمزة وعلي و أبو بكر. أي من يصرف الله عنه العذاب {وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } النجاة الظاهرة {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ } من مرض أو فقر أوغير ذلك من بلاياه {فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ إلا هُوَ } فلا قادر على كشفه إلا هو { وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ } من غنى أو صحة {فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ } فهو قادر على إدامته وإزالته {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ } مبتدأ وخبر أي الغالب المقتدر {فَوْقَ عِبَادِهِ } خبر بعد خبر أي عال عليهم بالقدرة. والقهر بلوغ المراد بمنع غيره من بلوغه {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } في تنفيذ مراده {ٱلْخَبِيرُ } بأهل القهر من عباده. {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدةً } {أَيُّ شَيْء } مبتدأ و {أَكْبَرُ } خبره و {شَهَادَةً } تمييز و «أي» كلمة يراد بها بعض ما تضاف إليه، فإذا كانت استفهاماً كان جوابها مسمى باسم ما أضيفت إليه. وقوله {قُلِ ٱللَّهُ } جواب أي الله أكبر شهادة فـ {ٱللَّهُ } مبتدأ والخبر محذوف فيكون دليلاً على أنه يجوز إطلاق اسم الشيء على الله تعالى، وهذا لأن الشيء اسم للموجود ولا يطلق على المعدوم والله تعالى موجود فيكون شيئاً ولذا نقول الله تعالى شيء لا كالأشياء. ثم ابتدأ {شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ} أي هو شهيد بيني وبينكم، ويجوز أن يكون الجواب {ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } لإنه إذا كان الله شهيداً بينه وبينهم فأكبر شيء شهادة شهيد له {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ } أي ومن بلغه القرآن إلى قيام الساعة في الحديث «حديث : من بلغه القرآن فكأنما رأى محمد»تفسير : صلى الله عليه وسلم و «من» في محل النصب بالعطف على «كم» والمراد به أهل مكة والعائد إليه محذوف أي ومن بلغه، وفاعل {بَلَغَ } ضمير القرآن {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ } استفهام إنكار وتبكيت {قُلْ لا أشهد } بما تشهدون وكرر { قُلْ} توكيداً {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ } «ما» كافة «أن» عن العمل وهو مبتدأ و{إلٰه} خبره و{واحد} صفة أو بمعنى الذي في محل النصب «إن» وهو مبتدأ وإله خبره والجملة صلة «الذي» و{واحد} خبر «إن» وهذا الوجه أوقع {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ } به. {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } يعنى اليهود والنصارى. والكتاب:التوراة والإنجيل {يَعْرِفُونَهُ } أي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته ونعته الثابت في الكتابين {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ } بحلاهم ونعوتهم وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به وبصحة نبوته ثم قال {الذين خسروا أنفسهم} من المشركين ومن أهل الكتاب الجاحدين {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } به {وَمَنْ أَظْلَمُ } استفهام يتضمن معنى النفي أي لا أحد أظلم لنفسه، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأشنعه اتخاذ المخلوق معبوداً {مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ } اختلق {عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } فيصفه بما لا يليق به {أَوْ كَذَّبَ بِـئَايَـٰتِهِ } بالقرآن والمعجزات {إِنَّهُ } إن الأمر والشأن {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } جمعوا بين أمرين باطلين، فكذبوا على الله مالا حجة عليه وكذبوا بما ثبت بالحجة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وسموا القرآن والمعجزات سحراً. {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } هو مفعول به والتقدير: واذكر يوم نحشرهم {جَمِيعاً } حال من ضمير المفعول {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } مع الله غيره توبيخاً، وبالياء فيهما: يعقوب {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ } آلهتكم التي جعلتموها شركاء الله {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أي تزعمونهم شركاء فحذف المفعولان {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ } وبالياء: حمزة وعلي {فِتْنَتُهُمْ } كفرهم {إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبّنَا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ } يعني ثم لم تكن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه إلا جحوده والتبرؤ منه والحلف على الانتفاء من التدين به، أو ثم لم يكم جوابهم إلا أن قالوا: فسمي فتنة لأنه كذب. وبرفع الفتنة مكي وشامي وحفص؛ فمن قرأ {تَكُنْ } بالتاء ورفع الفتنة فقد جعل الفتنة اسم {تَكُنْ } و {أَن قَالُواْ } الخبر أي لم تكن فتنتهم إلا قولهم، ومن قرأ بالياء ونصب الفتنة جعل {أَن قَالُواْ } اسم {يَكُنِ } أي لم يكن فتنتهم إلا قولهم، ومن قرأ بالتاء ونصب الفتنة حمل على المقالة: {رَبَّنَا } حمزة وعلي، على النداء أي ياربنا وغيرهما بالجر على النعت من اسم الله {انظُرْ } يامحمد {كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } بقولهم {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } قال مجاهد: إذا جمع الله الخلائق ورأى المشركون سعة رحمة الله وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد فإذا قال لهم الله: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم {وَضَلَّ عَنْهُم } وغاب عنهم {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } إلٰهيته وشفاعته {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } حين تتلو القرآن. روي أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وأضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ فقال: والله ما أدري ما يقول محمد ألا إنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية. فقال أبو سفيان: إني لأراه حقاً فقال أبو جهل: كلا فنزلت {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أغطية جمع كنان وهو الغطاء مثل عنان وأعنة أن يفقهوه} كراهة أن يفقهوه {وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا } ثقلا يمنع من السمع، ووحد الوقر لأنه مصدر وهو عطف على {أَكِنَّةً } وهو حجة لنا في الأصلح على المعتزلة {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } «حتى» هي التي تقع بعدها الجمل، والجملة قوله {إذا جاؤك يقول الذين كفروا} و{يجادلونك} في موضع الحال، ويجوز أن تكون جارة ويكون {إذا جاءوك} في موضع الجر بمعنى حتى وقت مجيئهم و{يجادلونك} حال و{يقول الذين كفروا} تفسير له، والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك، وفسر مجادلتهم بأنهم يقولون {إِنْ هَذَآ } ما القرآن {إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } فيجعلون كلام الله أكاذيب، وواحد الأساطير أسطورة. {وَهُمْ } أي المشركون {يَنْهَوْنَ عَنْهُ } ينهون الناس عن القرآن أو عن الرسول واتباعه والإيمان به {ويَنْئَوْنَ عَنْهُ } ويبعدون عنه بأنفسهم فيضلون ويضلون { وَإِن يُهْلِكُونَ } بذلك {إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } أي لا يتعداهم الضرر إلى غيرهم وإن كانوا يظنون أنهم يضرون رسول الله وقيل: عنى به أبو طالب لأنه كان ينهى قريشاً عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى عنه فلا يؤمن به والأول أشبه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} الآية. {وَلَهُ} عطف على قوله: {لِلَّهِ}، و {سَكَنَ} هي من السُّكْنَى، ونحوه؛ أي: ما ثَبَتَ وتَقَرَّرَ. قاله السدي، وغيره. وقالت فرقَةٌ: هو من السُّكُونِ، وهو ضعيف. وقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. قال الطبري وغيره: أُمِرَ ـــ عليه السلام ـــ أن يَقُولَ هذه المَقَالَةَ لِلْكَفَرَةِ الذين دعوه إلى عبادة أوثانهم، فَتَجِيءُ الآية على هذا جَوَاباً لكلامهم. قال * ع *: وهذا يَحْتَاجُ إلى سَنَدٍ، والفصيح أنه لما قَرَّرَ معهم أن اللَّه ـــ تعالى ـــ له ما في السَّمَوَاتِ والأرض، وله ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنهار، أُمِرَ أن يقول لهم على جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتوقيف: أغَيْرَ اللَّه الذي هذه أَفْعالُهُ أتخذ وليًّا، بمعنى: أن هذا خَطَأٌ بَيِّنٌ ممن يفعله. والولي لفظ عام لمَعْبُودٍ وغير ذلك. ثم أخذ في صفات اللَّه ـــ تعالى ـــ فقال: {فَاطِر} بخَفْضِ الراء نَعْتٌ للَّه عز وجل. قال * ص *: {فَاطِر} الجمهور بالجَرِّ، وَوَجَّهَهُ ابن عَطِيَّةَ، وغيره على أنه نَعْتٌ {لِلَّهِ}. وأبو البقاء على أنه بَدَلٌ، وكأنه رَأَىٰ الفَصْلَ بين البَدَلِ والمبدل أَسْهَلَ؛ لأن البَدَلَ في المشهور على نِيَّةِ تَكْرَارِ العامل. انتهى. و «فطر» معناه: ابتدع، وخلق، وأنشأ، وفطر أيضاً في اللُّغَةِ: شَقَّ، ومنه {أية : هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} تفسير : [الملك:3] أي: من شُقُوقِ. و {يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} المقصود به: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ. وقوله: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ...} إلى {عظِيمٌ}. قال المفسرون: المعنى أول من أَسْلَمَ من هذه الأمة، وبهذه الشَّرِيعَةِ، ولفظة {عَصَيْتُ} عامة في أنواع المَعَاصِي، ولكنها هاهنا إنما تُشِيرُ إلى الشِّرْكِ المَنْهِيِّ عنه. واليوم العَظِيمُ هو يَوْمُ القيامة. وقرأ نَافِعٌ وغيره «من يُصْرَف عنه» مسنداً إلى المفعول، وهو الضمير العائد على العَذَابِ. وقرأ حمزة وغيره «مَنْ يَصْرِف» بإسناد الفَعْلِ إلى الضمير العائد إلى «ربي»، ويعمل في ضَمِيرِ العَذَابِ المذكور، ولكنه محذوف. وقوله: {وَذَلِكَ} إشارة إلى صَرْفِ العذاب، وحُصُولِ الرحمة، و {ٱلْفَوْزُ} النَّجَاةُ.
ابن عادل
تفسير : قوله: "ولَهُ مَا سَكَن": جملة من مُبْتَدَأ وخبر، وفيها قولان: أظهرهما: أنها اسْتِئْنَافُ إخبار بذلك. والثاني: أنها في مَحَلّ نَصْبٍ نَسَقاً على قوله: "الله"، أي: على الجملة المَحْكيَّةِ بـ "قل" أي: قل: هو لله، وقل: له ما سَكَنَ. و"ما" موصولة بمعنى "الذي"، ولا يجوز غَيْرُ ذلك. و"سَكَنَ" قيل: معناه ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، ولم يذكر الزمخشري غيره. كقولهم: فلان يسكنُ بَلْدَة كذا، ومنه قوله تبارك وتعالى {أية : وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُم} تفسير : [إبراهيم:45]. وقيل: هو مِنْ "سَكَنَ" مقابل "تَحَرَّك"، فعلى الأوَّل لا حذف في الآية الكريمة. قال الزمخشري: وتعدِّيه بـ "في" كما في قوله: {أية : وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُم} تفسير : [إبراهيم:45]، ورجَّح هذا التفسير ابن عطية. وعلى الثَّاني اخْتَلَفُوا، فمنهم من قال: لا بُدَّ من محذوفٍ لِفَهْمِ المعنى، وقدَّر ذلك المحذوف معْطُوفاً، فقال: تقديره: وله ما سَكَنَ وما تحرك، كقوله في موضع آخر: {أية : تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل:81] أي: والبَرْد وحذف المعطوف فاشٍ في كلامهم، وأنشد القائل في ذلك: شعر : 2116- كَأنَّ الحَصَى مِنْ خَلْفِهَا وَأمَامِهَا وإذَا نَجَلَتْهُ رِجْلُهَا خَذْفُ أعْسَرَا تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 2117- فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جَاءَ سَالِماً أبُو حُجُرٍ إلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُ تفسير : يريد: رِجْلَهَا ويدها، وبين الخير وبيني. ومنهم من قال: لا حَذْفَ؛ لأنَّ كُلَّ متحرك قد يسكن. وقيل: لأنَّ المُتَحرِّكَ أقَلُّ، والساكن أكثرُ، فلذلك أوثِرَ بالذِّكْرِ. وقيل: إنما خصَّ السُّكون بالذِّكْرِ، لأن النعمة فيه أكثر. فصل في نظم الآية قال أبو مسلم: وجه نَظْمَ الآية الكريمة أنه - تبارك وتعالى - ذَكَرَ في الآية الأولى: السَّمَوَات والأرضَ؛ إذ لا مكانَ سِوَاهُمَا، وفي هذه الآية الكريمة ذكر الليل والنَّهار، إذ لا زمان سواهما، فالزَّمَان والمكان ظرفان للمحدثات، فأخبر - تبارك وتعالى - أنه مَالِكٌ للمكان والمَكَانِيَّاتِ، ومالك للزَّمانِ والزَّمانِيَّاتِ. قال محمد بن جرير: كُلُّ ما طلعت عليه الشَّمْسُ وغَرَبَتْ، فهو من مَسَاكن اللَّيل والنَّهَار، والمراد جميع ما في الأرض. وقيل: مَعْنَاه له ما يمرُّ عليه اللَّيْلُ والنَّهَارُ، وهو السميعُ لأصواتهم، العَلِيمُ بأسْرَارِهِمْ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {وله ما سكن في الليل والنهار} يقول: ما استقر في الليل والنهار. وفي قوله {قل أغير الله أتخذ ولياً} قال: أما الولي فالذي يتولاه ويقر له بالربوبية . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {فاطر السماوات والأرض} قال: بديع السموات والأرض . وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن جرير وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال، أحداهما: أنا فطرتها. يقول: أنا ابتدأتها . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فاطر السماوات والأرض} قال: خالق السموات والأرض . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {وهو يطعِم ولا يطعَم} قال: يرزق ولا يُرزق . وأخرج النسائي وابن السني والحاكم والبيهقي في الشعب وابن مردويه عن أبي هريرة قال "دعا رجل من الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقنا معه، فلما طعَم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يده قال: حديث : الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم ومنَّ علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغني عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العرى، وهدانا من الضلال، وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير من خلقه تفصيلاً، الحمد لله رب العالمين " . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {من يصرف عنه يومئذ} قال: من يصرف عنه العذاب . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق بشر بن حاتم من طريق بشر بن السري عن هارون النحوي قال: في قراءة أبي {من يصرفه الله} . وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله {وإن يمسسك بخير} يقول: بعافية .
ابو السعود
تفسير : {وَلَهُ} أي لله عز وجل خاصةً {مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} نُزِّلَ الملوان منزلةَ المكان فعبّر عن نسبة الأشياء الزمانية إليهما بالسُكنى فيهما، وتعديتُه بكلمة (في) كما في قوله تعالى: {أية : وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } تفسير : [إبراهيم، الآية 45] أو السكونِ مقابلَ الحركة، والمرادُ ما سكن فيهما أو تحرّك فاكتفي بأحد الضدَّيْن عن الآخر {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} المبالغُ في سماع كلِّ مسموع {ٱلْعَلِيمُ} المبالغ في العلم بكلّ معلوم، فلا يخفى عليه شيءٌ من الأقوال والأفعال. {قُلْ} لهم بعد ما بكّتهم بما سبق من الخطاب {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} أي معبوداً بطريق الاستقلالِ أو الاشتراك، وإنما سُلِّطت الهمزةُ على المفعول الأول لا على الفعل إيذاناً بأن المنكرَ هو اتخاذُ غيرِ الله ولياً، لا اتخاذُ الوليِّ مطلقاً كما في قوله تعالى: {أية : أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبّا } تفسير : [الأنعام، الآية 164] وقوله تعالى: {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ }تفسير : [الزمر، الآية 64] الخ {فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض} أي مُبدعِهما، بالجرِّ صفةٌ للجَلالة مؤكِّدةٌ للإنكار لأنه بمعنى الماضي، ولذلك قُرىء (فطَرَ) ولا يضرّ الفصلُ بـينهما بالجملة لأنها ليست بأجنبـية إذ هي عاملةٌ في عامل الموصوف أو بدلٌ فإن الفصلَ بـينه وبـين المبدل منه أسهلُ لأن البدلَ على نية تكرير العامل وقرىء بالرفع والنصب على المدح، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما عرفتُ معنى الفاطرِ حتى اختصم إليَّ أعرابـيانِ في بئر فقال أحدهما: أنا فَطَرْتُها أي ابتدأتها {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} أي يرزُق الخلق ولا يُرْزَق، وتخصيصُ الطعام بالذكر لشدة الحاجة إليه أو لأنه معظمُ ما يصل إلى المرزوق من الرزق، ومحلُ الجملة النصبُ على أن الضميرَ لغير الله والمعنى أأُشرِك بمن هو فاطرُ السموات والأرض ما هو نازلٌ عن رتبة الحيوانية؟ وببنائهما للفاعل على أن الثانيَ بمعنى يستطعم أو معنى أنه يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله تعالى: {أية : يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} تفسير : [البقرة، الآية 245]. {قُلْ} بعد بـيان اتخاذِ غيرِه تعالى ولياً مما يَقْضي ببطلانه بديهةُ العقول {إِنّى أُمِرْتُ} من جنابه عز وجل {أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} وجهَه لله مخلِصاً له لأن النبـيَّ إمامُ أمته في الإسلام كقوله تعالى: {أية : وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ } تفسير : [الأنعام، الآية 163] وقوله تعالى: {أية : سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الأعراف، الآية 143] {وَلاَ تَكُونَنَّ} أي وقيل لي: ولا تكونن {مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي في أمر من أمور الدين، ومعناه أُمرت بالإسلام ونُهيتُ عن الشرك، وقد جوَّزَ عطفَه على الأمر {قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى} أي بمخالفة أمرِه ونهيه أيَّ عصيانٍ كان فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً وفيه بـيانٌ لكمال اجتنابه عليه السلام عن المعاصي على الإطلاق وقوله تعالى: {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم} أي عذابَ يوم القيامة، مفعولُ أخاف، والشرطية معترِضةٌ بـينهما، والجوابُ محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه وفيه قطعٌ لأطماعهم الفارغة وتعريضٌ بأنهم عصاةٌ مستوجبون للعذاب العظيم.
السلمي
تفسير : قوله عز ذكره: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} [الآية: 13]. كيف لا يسكن إلى الحق ولدعاة الحقيقة تقصده وهو موضع النظر. وقال الواسطى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} فمن أدعى شيئًا من ملكه وهو ما سكن فى الليل والنهار من خطرةٍ أو حركة أنها له فقد جارب القبضة وأوهن العزة. {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} تفسير : أمر إطلاق. وقال أيضًا فى هذه الآية: أزال الأملاك بل أبطلها حين أضافها إلى نفسه وتولاها بقدرته وأظهرها بمشيئته وأوجدها بعدما أفقدها، فهو المالك لها على الحقيقة.
القشيري
تفسير : الحادثاتُ للهِ مِلْكاً، وباللهِ ظهوراً، ومِنْ اللهِ بدءاً، وإلى اللهِ رجوعاً. وهو {ٱلسَّمِيعُ} لأنين المشتاقين، {ٱلْعَلِيمُ} بحنين الواجدين.
البقلي
تفسير : {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} الاشارة فى هذه الأية الى قلوب المقبضين بصلوة العظمة وقلوب المنبسطين يبسط انوار جمال المشاهدة سكنت قلوب اهل القبض فى الليالى بنعت الا ذابه فى سرادق كبريائه والسكون فى مقام التواضع عند بروز سطوات عزة ذاته حيث تخاصت عن ازدحام اهل الغفلة وسكنت قلوب اهل البسط برؤية انوار جماله فى مناظر اياته فى النهار ولطائف صنع صفاته حيث تخصلت من رؤية اعلام عظمته وكبريائه اى له هذه القلوب العاشقة والافئدة المتحيرة لا لغيره من الحدثان خصها لنفسه النظر الى مشاهدة وصنع قوله تعالى وهو السميع العليم يسمع انينها فى شوقه ويعلمها ضمائرها المخزونة جماله قال محمد بن على الكنانى اختص الحق بقلوب العارفين لسكونها اليه فقال وله ما سكن فى الليل والنهار كيف لايسكن الى الحق ولدغات الحقيقة بقصده وهو موضع النظر.
اسماعيل حقي
تفسير : {وله ما سكن فى الليل والنهار} ـ روى ـ ان كفار مكة اتوا رسول الله فقالوا يا رسول الله قد علمنا انك ما يحملك على ما تدعونا اليه الا الفقر والحاجة فنحن نجمع لك من القبائل اموالا تكون اغنانا رجلا وترجع عما انت عليه من الدعوة فانزل الله تعالى هذه الآية والمعنى ولله تعالى خاصة جميع ما استقر فيهما واشتملا عليه فان اراد يعطى رسوله مالا كثيرا ليكون اغنى الخلق نزل الملوان منزلة المكان فعبر عن نسبة الاشياء الزمانية اليهما بالسكنى فيهما {وهو السميع} المبالغ فى سماع كل مسموع {العليم} المبالغ فى العلم بكل معلوم فلا يخفى عليه شئ من الأقوال والافعال وفى الخبر (ان الله تعالى خلق جوهرتين احداهما مظلمة والاخرى مضيئة فاستخلص من المضيئة كل نور فخلق من نورها النهار ومن الباقى النار واستخلص من الظلمة كل ظلمة فخلق منها الليل وخلق من الباقى الجنة فالليل من الجنة والنار من النهار) ولذلك كان الانس بالليل اكثر فالليل انس المحبين وقرة اعين المحبوبين وقدم لهم الليل على النهار لان الليل لخدمة المولى والنهار لخدمة الخلق ومعارج الانبياء كانت بالليل والقدر فى الليل خير من الف شهر وليس فى الايام مثلها وكان بعض الاولياء يقول اذا جاء الليل جاء الخلق الاعظم يقول الفقير جامع هذه المجالس اما من حجب عن سر الليل وحلاوة المناجاة فيه وذوق الخلوة والوحدة فالمحبوب اليه النهار كعلماء الرسوم ألا ترى الى ثعلب النحوى يقول وددت ان الليل نهار حتى لا تنقطع عنى اصحابى وهذا حرص منه على الكثرة والالفة معها والا فكل معلم لم يكن اعلى حالا من المجتهدين ألا ترى ان امامنا الاعظم كان يدرس ويحيى الليل شعر : هر كنج سعادت كه اوداد يحافظ ازيمن دعاى شب وورد سحرى بود تفسير : وعلم من التقرير المذكور افضلية الليل على النهار. واعلم ان الكل خلق الله تعالى ولكل منهما ملك موكل به وفى الخبر عن سلمان رضى الله عنه قال الليل موكل به ملك يقال له شراهيل فاذا حان وقت الليل اخذ خرزة سواداء فدلاها من قبل المغرب فاذا نظرت اليها الشمس وجبت فى اسرع من طرفة العين وقد امرت ان لا تغرب حتى ترى الخرزة فاذا غربت جاء الليل وقد نشرت الظلمة من تحت جناحى ملك فلا تزال الخرزة معلقة حتى يجيئ ملك آخر يقال له هراهيل بخرزة بيضاء فيعلقها من قبل المطلع فاذا رأتها الشمس طلعت فى طرفة عين وقد امرت ان لا تطلع حتى ترى الخرزة البيضاء فاذا طلعت جاء النهار فنشر النور من تحت جناحى ملك فلنور النهار ملك موكل ولظلمة الليل ملك موكل عند الطلوع والغروب كما وردت الاخبار.
الجنابذي
تفسير : {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} هذا ايضاً يحتمل كونه مقولاً للقول ومستأنفاً يعنى قل لهم بعد ما قلت انّ له ما سكن فى الامكنة له ما سكن فى الازمنة، وسكن من السّكنى او السّكون، ولمّا كان التّجدّد والانطباق على الزّمان من خواصّ الطّبيعيّات الّتى هى المتحيّزات كان ما سكن فى اللّيل والنّهار يعنى ما دخل تحت الزّمان بعينه هو ما سكن فى السّماوات والارض اى ما انطبق على المكان وان عممّ السّماوات والارض بين مطلق الارواح والاشباح فاللّيل والنّهار يعمّان، ولمّا كان مملوكيّة الاشياء له مهتمّاً بها اكّد الاوّل بالثّانى بتغيير العبارة ليتمكّن فى نفوسهم {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} لا سمع الاّ بسمعه ولا علم الاّ بعلمه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَهُ مَا سَكَنَ في الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي فلا أسمع منه ولا أعلم. {قُلْ} يا محمد {أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي خالق السماوات والأرض {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} أي يرزق ولا يُرزق. وقال في الذاريات: (أية : وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ) تفسير : [الذاريات:57] وبعضهم يقرأها: ولا يَطعَم. {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} يعني من أمته {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ}. {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ مَّن يُّصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ} يعني من يُّصرف عنه يومئذ عذابه {فَقَدْ رَحِمَهُ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لن ينجي أحداً منكم عملُه، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمَّدني الله برحمته، ولكن قاربوا وسدّدوا، واغدوا ورُوحوا، وشيء من الدُّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا . تفسير : قوله: {وَذَلِكَ الفَوْزُ الْمُبِينُ} قد فسّرناه في غير هذا الموضع.
اطفيش
تفسير : {ولهُ ما سَكَن فى اللَّيل والنَّهار} له خبر، وما مبتدأ، والجملة معطوفة على قوله: {لله} ومبتدأه المحذوف، أى قل هو الله، وله ما سكن فى الليل والنهار، وفى الكلام حذف، أى وله ما سكن فى الليل والنهار وما تحرك فيهما، فالسكون ضد الحركة، وإن جعلنا سكن من السكنى وهو التمكين فى الدار أو غيرها من المساكن لم تحتج إلى حذف، أى وله ما جرى عليه الليل والنهار، وهو شامل لما تحرك وما سكن، وفيه سلامة الكلام من الحذف، مع حصول العموم الموجود فى الوجه الأول، ولكن الأصل أن لا يجعل الليل والنهار مسكناً، وإنما المسكن الأرض ونحوها من الأجسام، ووجه الإطلاق السكنى على الكون فى الليل والنهار تشبيه اشتمالهما على من فيهما باشتمال، نحو: الدار على من فيها، ففى الوجه الأول إضمار، وفى الثانى مجاز، والإضمار لدليل المقدم على المجاز، ثم إن أكثر المواضع لا ليل فيها ولا نهار كالسماوات. ولو قلنا: الشمس ليست تحت سماء الدنيا، بل فى الرابعة، لأنها ولو غابت لا تظلم لها السماوات، وكالعرش والكرسى، وما لا يصله ضوء الشمس من البحر المحيط، فإنها تغيب بالدوران من وسطه ولا تقطعه، بل أكثر يكون من ورائها مظلماً أبداً، وما وراء البحر المحيط من الأرض وجميع الفضاء والأجسام فوق السماوات، وفى جهة الأرض، وفيما تحت هذه الأرض من الأرضين الست، وكل ذلك أيضاً لله، ولم يذكره لأن نعلمه بالقياس أو لذكره فى غير هذه الآية، مثل قوله تعالى: {أية : ألا له الخلق} تفسير : ولو قلنا الخلق بالمعنى المصدرى، لأنهم إذا كان له الخلق كان له المخلوق. ويجوز أن يراد له ما سكن أو تحرك حين كان الليل، أو كان النهار سواء أكان حيث الليل والنهار، أو حيث لا ليل ولا نهار، أو له ما تمكن حين كان الليل والنهار سواء أتمكن حيث الليل والنهار أو حيث لا ليل ولا نهار، وقدّم الليل لتقدم جنسه وهو الظلمة، إذ الضوء حادث بعدها، والمناسبة السكون لقلة الحركة فى الليل، لأنه للنوم والراحة كقوله تعالى: {أية : وجعل لكم الليل لتسكنوا فيه} تفسير : وأما على أن قوله: {سكن} من السكنى فقدم الليل لتقدم الظلمة، وجود الصحيح عند المفسرين أن سكن هنا من السكنى، وعندى أنه من السكون ضد الحركة. {وهُو السَّميع} العليم بكل ما قيل {العليم} بذات الصدور، وكل ما كان من فعل أو ترك فيثبت ويعاقب، فهذا تضمن وعداً ووعيداً للمؤمنين والكافرين.
اطفيش
تفسير : {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى اللَّيْلِ والنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ} بالأَقوال {الْعَلِيمُ} بالأَفعال والأَحوال. وذلك وعيد لأَهل الشرك، وهذا آخر المحكى بقل الأَخير، أَمر الله جل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم أَن يخاطبهم بقوله لله: كتب على نفسه.. إِلى قوله، وهو السميع العليم، ويجوز أَن يكون قوله: وله ما سكن.. إِلخ غير داخل، أَو كتب.. إِلى العليم غير داخل، وعلى الأَول يكون وله ما سكن عطفاً على لله مع هو المقدر قبله، وعلى كل حال تكون هذه الآية تقريراً لقوله: قل لله، ومعنى سكن ثبت، فإِنه يجوز أَن تقول أَسكنت فى العام أَو فى الشهر أَو غير ذلك، كما تقول: سكنت فى الدار على المجاز المرسل التبعى لعلاقة الإِطلاق والتقييد، أَو على الاستعارة فشمل التحرك فهو من السكنى مثل: "أية : وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا" تفسير : [إبراهيم: 45] أَو لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، أَو عموم المجاز. أَو معناه لم يتحرك، فهو من السكون فيقدر محذوف، وهذا الحذف لظهروه لكل أَحد، لا ينافى أَن المقام للبسط أَى ما سكن وما تحرك، واقتصر البعض على السكون فى هذا الوجه لأَن الساكن أَكثر من المتحرك، ولأَن عاقبة كل متحرك السكون، ولأَن السكون نعمة غالباً، ولأَن الأَصل السكون والتحرك طارئ، والمتحرك يسكن غالبا فيرجع إِلى قسيم الساكن، أَو الساكن جميع المخلوقات لأَن المتحرك ساكن في حال حركاته بين كل حركتين سكون خفيف لا يظهر لخفته جداً يتمكن به لحركة تعقبه تختلف الحركات سرعة وبطؤاً لقلة السكنات المتخللة وكثرتها.
الالوسي
تفسير : {وَلَهُ} عطف على {لِلَّهِ} فهو داخل تحت { أية : قُلْ } تفسير : [الأنعام: 12] على أنه احتجاج ثان على المشركين وإليه ذهب غير واحد. وقال أبو حيان: «الظاهر أنه استئناف إخبار وليس مندرجاً تحت الأمر» أي ولله سبحانه وتعالى خاصة. / {مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي الوقتين المخصوصين. و (ما) موصولة و {سَكَنَ } إما من السكنى فيتناول الكلام المتحرك والساكن من غير تقدير، وتعديتها بفي إلى الزمان مع أن حق استعمالها في المكان لتشبيه الاستقرار بالزمان بالاستقرار بالمكان، وجوز أن يكون هناك مشاكلة تقديرية لأن معنى لله ما في السماوات والأرض ما سكن فيهما واستقر، والمراد وله ما اشتملا عليه، وإما من السكون ضد الحركة كما قيل، وفي الكلام الاكتفاء بأحد الضدين كما في قوله تعالى: { أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] والتقدير ما سكن فيهما وتحرك وإنما اكتفى بالسكون عن ضده دون العكس لأن السكون أكثر وجوداً وعاقبة كل متحرك السكون كما قيل: شعر : إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون تفسير : ولأن السكون في الغالب نعمة لكونه راحة ولا كذلك الحركة. ورد بأنه لا وجه للاكتفاء بالسكون عن التحرك في مقام البسط والتقرير وإظهار كمال الملك والتصرف. وأجيب بأن هذا المحذوف في قوة المذكور لسرعة انفهامه من ذكر ضده والمقام لا يستدعي الذكر وإنما يستدعي عموم التغيرات والتصرفات الواقعة في الليل والنهار، ومتى التزم كون السكون مع ضده السريع الانفهام كناية عن جميع ذلك ناسب المقام. وقيل: إن ما سكن يعم جميع المخلوقات إذ ليس شيء منها غير متصف بالسكون حتى المتحرك حال ما يرى متحركاً بناءً على ما حقق في موضعه من أن تفاوت الحركات بالسرعة والبطء لقلة السكنات المتخللة وكثرتها، وفي معنى الحركة والسكون وبيان أقسام الحركة المشهورة كلام طويل يطلب من محله. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} أي المبالغ في سماع كل مسموع فيسمع هواجس كل ما يسكن في الملوين {ٱلْعَلِيمُ } أي المبالغ في العلم بكل معلوم من الأجناس المختلفة؛ والجملة مسوقة لبيان إحاطة سمعه وعلمه سبحانه وتعالى بعد بيان إحاطة قدرته جل شأنه أو للوعيد على أقوالهم وأفعالهم ولذا خص السمع والعلم بالذكر، وهي تحتمل أن تكون من مقول القول وأن تكون من مقول الله تعالى.
ابن عاشور
تفسير : جملة معطوفة على {لله} من قوله: {أية : قل لله}تفسير : [الأنعام: 12] الذي هو في تقدير الجملة، أي ما في السماوات والأرض لله، وله ما سكن. والسكون استقرار الجسم في مكان، أي حيّز لا ينتقل عنه مدّة، فهو ضدّ الحركة، وهو من أسباب الاختفاء، لأنّ المختفي يسكن ولا ينتشر. والأحسن عندي أن يكون هنا كناية عن الخفاء مع إرادة المعنى الصريح. ووجه كونه كناية أنّ الكلام مسوق للتذكير بعلم الله تعالى وأنّه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ومحاسبكم عليها يوم يجمعكم إلى يوم القيامة، فهو كقوله تعالى: {أية : الله يعلم ما تحمل كلّ أنثى} تفسير : [الرعد: 8] إلى أن قال {أية : ومن هو مستخف بالليل}تفسير : [الرعد: 10]. فالذي سكن بالليل والنهار بعض ما في السماوات والأرض، فلمّا أعلمهم بأنّه يملك ما في السموات والأرض عطف عليه الإعلام بأنه يملك ما سكن من ذلك لأنّه بحيث يُغفل عن شمول ما في السماوات والأرض إيّاه، لأنّ المتعارف بين الناس إذا أخبروا عن أشياء بحكم أن يريدوا الأشياء المعروفة المتداولة. فهذا من ذكر الخاصّ بعد العامّ لتقرير عموم الملك لله تعالى بأنّ مِلكه شمل الظاهرات والخفيّات، ففي هذا استدعاء ليوجّهوا النظر العقلي في الموجودات الخفيّة وما في إخفائها من دلالة على سعة القدرة وتصرّفات الحكمة الإلهية. و{في} للظرفية الزمانية، وهي ظرف مستقرّ، لأنّ فعل السكون لا يتعدّى إلى الزمان تعدية الظرف اللغو كما يتعدّى إلى المكان لو كان بمعنى حلّ واستقرّ وهو ما لا يناسب حمل معنى الآية عليه. والكلام تمهيد لسعة العلم، لأنّ شأن المالك أن يعلم مملوكاته. وتخصيص الليل بالذكر لأنّ الساكن في ذلك الوقت يزداد خفاء، فهو كقوله: {أية : ولا حَبَّةٍ في ظلمات الأرض}تفسير : [الأنعام: 59]. وعطف النهار عليه لقصد زيادة الشمول، لأنّ الليل لمّا كان مظنّةً الاختفاء فيه قد يظنّ أنّ العالِم يقصد الاطّلاع على الساكنات فيه بأهميّة ولا يقصد إلى الاطّلاع على الساكنات في النهار، فذكر النهار لتحقيق تمام الإحاطة بالمعلومات. وتقديم المجرور للدلالة على الحصر، وهو حصر الساكنات في كونها له لا لغيره، أي في كون ملكها التامّ له، كماتقدّم في قوله: {أية : قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله}تفسير : [الأنعام: 12]. وقد جاء قوله: {وهو السميع العليم} كالنتيجة للمقدمة، لأنّ المقصود من الإخبار بأنّ الله يملك الساكنات التمهيد لإثبات عموم علمه، وإلاّ فإنّ مِلك المتحرّكات المتصرّفات أقوى من ملك الساكنات التي لا تبدي حَراكاً، فظهر حسن وقع قوله: {وهو السميع العليم} عقب هذا. والسميع: العالم العظيم بالمسموعات أو بالمحسوسات. والعليم: الشديد العلم بكلّ معلوم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 13- ولله ما فى كل زمان، كما أن له ما فى كل مكان، وهو السميع لكل ما يسمع، العليم بكل ما يُعلم. 14- قل - أيها النبى -: لا أتخذ غير الله إلهاً وناصراً، وهو - وحده - المنشئ للسموات والأرض على نظام لم يسبق إليه، وهو الرازق لعباده طعامهم، ولا يحتاج منهم إلى طعام. قل: إنى أمرنى الله أن أكون أول من أسلم، ونهانى أن أشرك معه غيره فى العبادة. 15- قل: إنى أخاف، إن خالفت أمر ربى وعصيته، عذاب يوم شديد. 16- من يُصرف عنه هذا العذاب يوم القيامة، فقد رحمه الله، وذلك هو الفوز الثابت البيّن. 17- وإن يصبك الله بسوء فلا كاشف له إلا هو، وإن يمنحك خيراً فلا راد لفضله، لأنه على كل شئ قدير. 18- وهو الغالب بقدرته، المستعلى على عباده، المتصف بالحكمة فى كل ما يفعل، المحيط علمه بما ظهر واستتر. 19- قل - أيها النبى - لمن يكذبوك ويطلبون شهادة على رسالتك، أى شئ أعظم شهادة وأحق بالتصديق؟ ثم قل: إن الله أعظم شاهد بينى وبينكم على صدق ما جئتكم به، وقد أنزل علىّ هذا القرآن ليكون حُجّة لصدقى، لأحذركم به أنتم وكل من بلغه خبره، وهو حُجة قاطعة شاهدة بصدقى، لأنكم لا تستطيعون أن تأتوا بمثله!! سلهم: أأنتم الذين تقولون معتقدين أن مع الله آلهة غيره؟ ثم قل لهم: لا أشهد بذلك، ولا أقوله، ولا أقركم عليه، وإنما المعبود بحق إله واحد، وإننى برئ مما تشركون به من أوثان.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْلَّيْلِ} (13) - واللهُ تَعَالَى هُوَ المُتَصَرِّفُ فِي الخَلْقِ كُلِّهِ دَقِيقِهِ وجَلِيلِهِ، كَمَا يَشَاءُ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الرُّبُوبِيَّةِ الكَامِلَةِ، وَجَمِيعُ مَا فِي الوُجُودِ عِبَادٌ للهِ، وَخَلْقٌ مَنْ خَلْقِهِ، وَهُمْ تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ وَتَصَرُّفِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَقَدْ أَحَاطَ سَمْعُهُ تَعَالَى بِكُلِّ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسْمَعَ، مَهْمَا يَكُنْ خَفِيّاً، كَمَا أَحَاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيءٍ مِنْ حَرَكَاتِ العِبَادِ، وَمِمَّا يُسِرُّونَ فِي ضَمَائِرِهِمْ. مَا سَكَنَ - مَا اسْتَقَرَّ وَحَلَّ.
الثعلبي
تفسير : {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} الآية. قال الكلبي: إن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد إنا قد علمنا أنه ما يحملك على ما تدعونا إليه إلاّ الحاجة، فنحن نجمع ذلك من أموالنا ما نغنيك حتى تكون من أغنانا فأنزل اللّه تعالى قوله {وَلَهُ مَا سَكَنَ} أي استقر {فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} من خلق. قال أبو روحى: إن من الخلق ما يستقر نهاراً وينتشر ليلاً ومنها ما يستقر ليلاً وينتشر نهاراً. وقال عبد العزيز بن يحيى ومحمد بن جرير: كلّ ما طلعت عليه الشمس وغيبت فهو من ساكن الليل والنهار والمراد جميع ما في الأرض لأنه لا شيء من خلق اللّه عز وجل إلاّ هو ساكن في الليل والنهار، وقيل: معناه وله ما يمر عليه الليل والنهار. وقال أهل المعاني: في الآية لغتان واختصار مجازها: وله ما سكن وشرك في الليل والنهار كقوله {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81] والبرد وأراد في كل شيء {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأصواتهم {ٱلْعَلِيمُ} بأسرارهم. وقال الكلبي: يعني هو السميع لمقالة قريش العليم بمن يكسب رزقهم {قُلْ} يا محمد {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} رباً معبوداً وناصراً ومعيناً {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي خالقها ومبدعها ومبدئها وأصل الفطر الشق ومنه فطر ناب الجمل إذا شقق وابتدأ بالخروج. قال مجاهد: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني اعرابيان يختصمان في بعير. فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أنا أحدثتها {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} أي وهو يرزق ولا يرزق وإليه قوله عز وجل {أية : مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} تفسير : [الذاريات: 57]. وقرأ عكرمة والأعمش: ولا يَطعم بفتح الياء أي وهو يرزق ولا يأكل. وقرأ أشهب العقيلي: وهو يُطعِم ولا يُطعَم كلاهما بضم الياء، وكسر العين. قال الحسن بن الفضل: معناه هو القادر على الإطعام وترك الإطعام كقوله {أية : يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} تفسير : [الرعد: 26]. وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا منصور الأزهري بهراة يقول: معناه وهو يطعم ولا يستطعم، يقول العرب: أطعمت غيري بمعنى استطعمت. وأنشد: شعر : إنّا لنطعم من في الصيف مطعماً وفي الشتاء إذا لم يؤنس القرع تفسير : أي استطعمنا وقيل: معناه وهو يطعم يعني اللّه ولا يطعم يعني الولي {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} أخلص {وَلاَ تَكُونَنَّ} يعني وقيل لي: ولا تكونن {مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} تعبدت غيره {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وهو يوم القيامة. {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ} يعني من يُصَرف الغضبُ عنه. وقرأ أهل الكوفة: يصرف بفتح الياء وكسر الراء على معنى من صرف اللّه عنه العذاب، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقوله {من الله} بأن قبل فيما قبله: {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ} [الأنعام: 12]، ولقوله فيما بعده {رَحِمَهُ} ولم يقل: فقد رحم، على الفعل المجهول. [ولقراءة أُبيّ: من يصرفه الله عنه]. يعني يوم القيامة، وهو ظرف مبني على الخبر لإضافة الوقت إلى إذ كقولك: حينئذ [وساعتئذ] {فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} يعني نجاة البينة {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} بشدة وبلية وفقر ومرض {فَلاَ كَاشِفَ} دافع وصارف {لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} عافية ورخاء ونعمة {فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من الخير والشر {قَدُيرٌ}. روى شهاب بن حرش عن عبد الملك بن عمير حديث : عن ابن عباس قال: أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة أهداها له كسرى فركبها جهل بن شعر ثم أردفني خلفه وسار بي ملياً ثم احتنا لي وقال لي: يا غلام، قلت: لبيك يا رسول اللّه، قال: "إحفظ اللّه يحفظك احفظ اللّه تجده أمامك، تعرَّف إلى اللّه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فأسأل اللّه وإذا استعنت فاستعن باللّه قد مضى القلم بما هو كائن فلو عمل الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لك لما قدروا عليه ولو جهدوا أن ينصروك بما لم يكتب اللّه عليك ما قدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطيع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً واعلم أن النصر مع الصبر فإن مع الكرب الفرج وإن مع العسر يسراً ". تفسير : {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ} القادر الغالب {فَوْقَ عِبَادِهِ} وفي القهر معنى زائد على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} في أمره {ٱلْخَبِيرُ} بما جاء من عباده.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن من عظمة الموجود الأعلى الواجب الوجود أنه يتكلم عن نفسه بضمير الغيب وهو سبحانه القائل في أول بعض الآيات: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}. و"قل" هي أمر، فكأن الحق حين يقول: "هو" فلا يمكن أن تطلق "هو" إلا على الله ولا تنصرف إلا الله. {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} وكلمة "سكن" هي من مادة السين والكاف والنون، وتأتي لمعان متعددة؛ فتكون من السكنى أي الاستيطان، وتكون من السكون الذي هو ضد الحركة. والمثال على الاستيطان هو قول الله لآدم: {أية : ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} تفسير : [البقرة: 35]. إن الحق سبحانه يقول هنا: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} فكأن الليل والنهار ظرف، وكل الوجود مظروف فيه. وظرفية الليل والنهار تأتي على ظرفية المكان وهو الأرض. وكل مكان في الأرض يأتي عليه الليل والنهار. فإن أردنا الاستيطان في السكن فهي موجودة، وإن أردناها من السكون - وهو ضد الحركة - فهي موجودة؛ ذلك أن كل متحرك يؤول إلى ساكن، والإنسان سيد الحركة ثم يموت أو يسكن في الأرض. وهكذا نرى أن الجنس الأعم الذي يشملهما معًا هو {مَا سَكَنَ} ولذلك قال الحق: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [الأنعام: 13]. وحينما يقول: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}، فهو يتكلم عن الزمان، واحتوائية الزمان للزمانيات، أي للأشياء التي تحدث في هذا الزمان. والإنسان كما نعلم حدث. وكل ما يطرأ عنه حدث، وكل ما في الكون حدث، وقد أحدثه الحق الواجب الوجود. وما دام الحدث قد وُجد فلا بد له من زمان ولا بد له من مكان. أما مكان الحدث فهو السماء والأرض، وما بينهما. وأما زمان الحدث فهو الليل والنهار. إذن فالحق قد تكلم عن خلق الزمان من بعد أن أعلن لنا أنه خالق المكان. {أية : قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ} تفسير : [الأنعام: 12]. وهكذا نعلم أن الزمان والمكان قد وُجِدا عندما شاء الله أن يحدث هذا الكون. ولا تقل أبداً أيها الإنسان: أين كان الله قبل أن يخلق الكون؟ لأن "أين" هي بحث عن مكان، و"متى" هي بحث عن زمان. و"أين" و "متى" إنما وجدتا بعد وجود الحدث في الكون. والكون هو ظرف قار أي شيء ثابت. والزمان هو ظرف غير قار، لأنه يكون مرة ماضياً، ومرة يكون حاضراً أو مستقبلاً. والحق سبحانه عندما قال: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي أن له الظرفين: القار وغير القار. . أي له - سبحانه - الساكن وكذلك له ما يتحرك في الكون؛ لأن كل متحرك يؤول أمره إلى سكون. أو أن قوله الحق: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي ما حل في الليل والنهار، أي له سبحانه ما حل في الليل والنهار متحركاً كان أو ساكناً. والحق يذيل هذه الآية بقوله: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} فالسمع متعلق بالمسموع أي الذي له حركة، والعلم متعلق بالمسموع والمنظور والمشموم وكل شيء من آلات الإدراك؛ لذا جاء قوله - سبحانه -: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} ليشمل المتحرك والساكن، فسبحانه لا يعزب ولا يغيب عنه شيء. ونعلم أنه إذا أخبر الحق عن نفسه بصفة من صفات يوجد مثلها في البشر فنحن نأخذها في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. فأنت أيها الإنسان لك سمع فيقال عنك: سميع. ولك علم فيقال: عليم. ولك بصر فيقال: مبصر. ولك قدرة فيقال: قادر. وقد تكون ذا مال وفير فيقال: غني. ولك وجود فيقال: موجود. وأنت حي فيقال حي. لكن أهذه الصفات التي فيك هي عين الصفات التي في الله؟ لا؛ لأن صفات الله إنما نأخذها في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. ونحن نشاهد ذلك في أنفسنا؛ فالإنسان منا له حال حياة، وحال موت. وفي حال الحياة له حالتان: حالة يقظة، وحالة نوم. وفي حالة اليقظة نحن نرى بقانون البصر، ولهذا البصر حدود؛ فهو محكوم بقانون الضوء، وكذلك السمع محكوم بقانون الصوت والموجة والذبذبة. ومع ذلك فالإنسان ينام ويغمض عينيه ويرى رؤيا فيها ألوان حمراء وخضراء وغيرها، فبأي شيء أدركت الألوان وعينك مغمضة؟ إذن فما دام في البشر رؤيا بدون عين فلا تقل عن رؤيا الله لنا إن له عيوناً مثل عيوننا، بل هو يرى في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. إنه سبحانه وتعالى قيوم يحكم عبادَه في الزمان والمكان في حالة يقظتهم وفي حالة نومهم. ومثال من حياتنا اليومية، نحن نجد الرجل وزوجه ينامان في فراش واحد، وقد يرى الرجل في المنام أنه يواجه أعداءه، وترى الزوجة نفسها محاطة بسعادة الأبناء والأحفاد، ويستقيظ كل منهما ليحكي ما رأى في أكثر من ساعة، على الرغم من أن مخ الإنسان لا يعمل في أثناء النوم إلا لسبع ثوان. إذن، ففي النوم تُلغى المعية وكذلك الزمن، والمكان. فإذا كانت تلك هي القوانين التي تحكم الإنسان، فعلينا أن نعرف أن خالق كل القوانين وهو الحق لا يمكن إدراك صفاته، وعلينا أن نأخذها في إطار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. ويقول الحق من بعد ذلك: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ...}
الأندلسي
تفسير : {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} لما ذكر تعالى أن له ملك ما حوى المكان من السماوات والأرض ذكر ما حواه الزمان من الليل والنهار وإن كان كل واحد من المكان والزمان يستلزم الآخر لكن النص عليهما أبلغ في الملكية وقدم المكان لأنه أقرب إلى العقول والأفكار من الزمان. والظاهر أنه استئناف أخبار وليس مندرجاً تحت قوله: قل، والظاهر أن السكون ضد الحركة واقتصر عليه لأنه ما من متحرك إلا سكن ولا ينعكس. وقيل: هو على تقدير معطوف حذف تقديره وما تحرك. {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} الآية، لما تقدم أنه تعالى اخترع السماوات والأرض وأنه مالك لما تضمنه المكان والزمان أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم ذلك على سبيل التوبيخ لهم أي من هذه صفاته هو الذي يتخذ ولياً وناصراً ومعيناً لا إله إلا لا الآلهة التي لكم إذ هي لا تنفع ولا تضر لأنها بين جماد أو حيوان مقهور. ودخلت همزة الاستفهام على الاسم دون الفعل لأن الإِنكار في اتخاذ غير الله ولياً لا في اتخاذ الولي كقولك لمن ضرب زيداً وهو ممن لا يستحق الضرب بل يستحق الإِكرام أزيداً ضربت؟ تنكر عليه أن يكون مثل هذا يضرب ونحوه قوله تعالى: {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ} تفسير : [الزمر: 64] والله إذن لكم. وقرأ الجمهور فاطر بالجر، فوجهه ابن عطية والزمخشري وقبلهما الحوفي على أنه نعت لله. وخرجه أبو البقاء على أنه بدل وكأنه رأى أن الفصل بين المبدل منه والبدل أسهل من الفصل بين المنعوت والنعت إذ البدل على المشهور هو على نية تكرار العامل. وقرأ ابن أبي عبلة برفع الراء على إضمار هو. قال ابن عطية: أو على الابتداء. "انتهى". ويحتاج إلى إضمار خبر ولا دليل على حذفه. وقرىء: بالنصب على المدح أي أمدح فاطر السماوات، يقال: فطر أي خلق واخترع من غير مثال. {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} أي يرزق ولا يرزق كقوله: {أية : مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ}تفسير : [الذاريات: 57]، الآية، والمعنى أن المنافع كلها من عند الله وخص الإِطعام من أنواع الإِنتفاعات لمس الحاجة إليه، كما خص الربا بالأكل وإن كان المقصود الإِنتفاع بالربا. {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ} قال الزمخشري: لأن النبي صلى الله عليه وسلم سابق أمته في الإِسلام كقوله: {أية : وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 163]، وكقول موسى عليه السلام: {أية : سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 143]. وقال ابن عطية: المعنى أول من أسلم من هذه الأمة وبهذه الشريعة، وفي هذا القول نظر لأنه عليه السلام لم يصدر منه امتناع عن الحق وعدم انقياد إليه وإنما هذا على طريق التحريض على الإِسلام كما يأمر الملك رعيته بأمر ثم يُتبعُه بقوله: أنا أول من يفعل ذلك ليحملهم على فعله. {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} الظاهر أن الخوف هنا على بابه والخوف ليس بحاصل لعصمته صلى الله عليه وسلم بل هو معلق بشرط هو ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم. {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ} قرىء مبنياً للمفعول، ومن مبتدأة، والضمير في يصرف عائد على من، والضمير في عنه عائد على العذاب، والفاعل في رحمة عائد على الله تعالى؛ وقرىء من يصرف مبنياً للفاعل، والفاعل بيصرف ضمير يعود على الله تعالى، ومن مفعول مقدم تقديره أي شخص يصرف الله عنه العذاب فقد رحمه. {وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} الإِشارة بذلك إلى المصدر المفهوم من يصرف أي وذلك الصرف هو الظفر والنجاة من الهلكة. والمبين: البين في نفسه. أو المبين غيره. {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} أي إن يصبك وينلك بضر وحقيقة المس تلاقي جسمين، وكشف الضر أزاله. وكشفت عن ساقيها: أزالت ما يسترهما. والضر أخصُّ من الشر فناسب ذكر المسيس الذي هو أخص من الاستيلاء. وفي قوله: {فَلاَ كَاشِفَ لَهُ} محذوف تقديره عنك. {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} أراد يتعدى لمفعولين أحدهما بنفسه والآخر بالباء والباء تدخل على الذات، وينتصب الثاني كقوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} تفسير : [البقرة: 185]، وتارة تدخل الباء على المعنى، كقول الشاعر: شعر : أرادت عرار بالهوان ومن يرد عرار العمري بالهوان فقد ظلم تفسير : وعرار اسم رجل، وكقوله تعالى: {أية : أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ}تفسير : [الزمر: 38] وجاء جواب الأول بالحصر في قوله: فلا كاشف له إلا هو مبالغة في الإِستقلال بكشفه، وجاء جواب بالثاني بقوله: فهو على كل شيء قدير، دلالة على قدرته على كل شيء فيندرج فيه المس بخيره وغيره. ولو قيل: ان الجواب محذوف لدلالة الأول عليه لكان وجهاً حسناً وتقديره فلا موصل له إليك إلا هو، والأحسن تقديره فلا زاد له للتصريح بما يشبهه في قوله: {أية : وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} تفسير : [يونس: 107] ثم أتى بعد بما هو شامل للخير والشر وهو قدرته على كل شيء. {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} القهر: الغلبة، والحمل على الشىء من غير اختيار المحمول. لما ذكر انفراده تعالى بتصرفه بما يريده من خير وشرّ وقدرته على الأشياء ذكر قهره وغلبته وأن العالم مقهورون ممنوعون من بلوغ مرادهم. وفوق حقيقة في المكان، ولا يراد به الحقيقة إذ البارىء سبحانه وتعالى منزه عن أن يحل في جهة والعرب تستعمل فوق إشارة إلى علو المنزلة وشغوفها على غيرها من الرتب، ومنه قوله تعالى: {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}تفسير : [الفتح: 10]. وقوله: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يوسف: 76]. وقال النابغة: شعر : بلغنا السما مجداً وجوداً وسؤدداً وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً تفسير : يريد علو الرتبة والمنزلة. وفوق العامل فيه القاهره أي المستعلي بقهره فوق عباده. أو في موضع رفع على أنه خبر ثان لهو أخبر عنه بشيئين: أحدهما أنه القاهر، والثاني أنه فوق عباده بالرتبة والمنزلة. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} أي المحكم أفعاله متقنة آمنة من وجوه الخلل والفساد. {ٱلْخَبِيرُ} هو العالم بخفيات الأمور كجلاياتها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : اعلم أن هذه السورة الكريمة، قد اشتملت على تقرير التوحيد، بكل دليل عقلي ونقلي، بل كادت أن تكون كلها في شأن التوحيد ومجادلة المشركين بالله المكذبين لرسوله. فهذه الآيات، ذكر الله فيها ما يتبين به الهدى، وينقمع به الشرك. فذكر أن { لَهُ } تعالى { مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } وذلك هو المخلوقات كلها، من آدميها،وجِنِّها، وملائكتها، وحيواناتها وجماداتها، فالكل خلق مدبرون، وعبيد مسخرون لربهم العظيم، القاهر المالك، فهل يصح في عقل ونقل، أن يعبد مِن هؤلاء المماليك، الذي لا نفع عنده ولا ضر؟ ويترك الإخلاص للخالق، المدبر المالك، الضار النافع؟! أم العقول السليمة، والفطر المستقيمة، تدعو إلى إخلاص العبادة، والحب، والخوف، والرجاء لله رب العالمين؟!. { السَّمِيعُ } لجميع الأصوات، على اختلاف اللغات، بتفنن الحاجات. { الْعَلِيمُ } بما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، المطلع على الظواهر والبواطن؟!. { قُلْ } لهؤلاء المشركين بالله: { أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا } من هؤلاء المخلوقات العاجزة يتولاني، وينصرني؟!. فلا أتخذ من دونه تعالى وليا، لأنه فاطر السماوات والأرض، أي: خالقهما ومدبرهما. { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ } أي: وهو الرزاق لجميع الخلق، من غير حاجة منه تعالى إليهم، فكيف يليق أن أتخذ وليا غير الخالق الرزاق، الغني الحميد؟" { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } لله بالتوحيد، وانقاد له بالطاعة، لأني أولى من غيري بامتثال أوامر ربي. { وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } أي: ونهيت أيضا، عن أن أكون من المشركين، لا في اعتقادهم، ولا في مجالستهم، ولا في الاجتماع بهم، فهذا أفرض الفروض عليَّ، وأوجب الواجبات. { قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } فإن المعصية في الشرك توجب الخلود في النار، وسخطَ الجبار.وذلك اليوم هو اليوم الذي يُخاف عذابه، ويُحذر عقابه؛ لأنه مَن صُرف عنه العذاب يومئذ فهو المرحوم، ومن نجا فيه فهو الفائز حقا، كما أن من لم ينجمنه فهو الهالك الشقي. ومن أدلة توحيده، أنه تعالى المنفرد بكشف الضراء، وجلب الخير والسراء. ولهذا قال: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ } من فقر، أو مرض، أو عسر، أو غم، أوهم أو نحوه. { فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فإذا كان وحده النافع الضار، فهو الذي يستحق أن يفرد بالعبودية والإلهية. { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } فلا يتصرف منهم متصرف، ولا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن، إلا بمشيئته، وليس للملوك وغيرهم الخروج عن ملكه وسلطانه، بل هم مدبرون مقهورون، فإذا كان هو القاهر وغيره مقهورا، كان هو المستحق للعبادة. { وَهُوَ الْحَكِيمُ } فيما أمر به ونهى، وأثاب، وعاقب، وفيما خلق وقدر. { الْخَبِيرُ } المطلع على السرائر والضمائر وخفايا الأمور، وهذا كله من أدلة التوحيد. { قُلْ } لهم -لما بينا لهم الهدى، وأوضحنا لهم المسالك-: { أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً } على هذا الأصل العظيم. { قُلِ اللَّهُ } أكبر شهادة، فهو { شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } فلا أعظم منه شهادة، ولا أكبر، وهو يشهد لي بإقراره وفعله، فيقرني على ما قلت لكم، كما قال تعالى {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ * لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ } تفسير : فالله حكيم قدير فلا يليق بحكمته وقدرته أن يقر كاذبا عليه زاعما أن الله أرسله ولم يرسله وأن الله أمره بدعوة الخلق ولم يأمره وأن الله أباح له دماء من خالفه وأموالهم ونساءهم وهو مع ذلك يصدقه بإقراره وبفعله فيؤيده على ما قال بالمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة وينصره ويخذل من خالفه وعاداه فأي شهادة أكبر من هذه الشهادة؟!! وقوله { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } أي وأوحى الله إليَّ هذا القرآن الكريم لمنفعتكم ومصلحتكم لأنذركم به من العقاب الأليم والنذارة إنما تكون بذكر ما ينذرهم به من الترغيب والترهيب وببيان الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة التي مَن قام بها فقد قبل النذارة فهذا القرآنفيه النذارة لكم أيها المخاطبون وكل من بلغه القرآن إلى يوم القيامة فإن فيه بيان كل ما يحتاج إليه من المطالب الإلهية. لما بيّن تعالى شهادته التي هي أكبر الشهادات على توحيده قال قل لهؤلاء المعارضين لخبر الله والمكذبين لرسله { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ } أي إن شهدوا فلا تشهد معهم. فوازِنْ بين شهادة أصدق القائلين ورب العالمين وشهادة أزكى الخلق المؤيدة بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة على توحيد الله وحده لا شريك له وشهادة أهل الشرك الذين مرجت عقولهم وأديانهم وفسدت آراؤهم وأخلاقهم وأضحكوا على أنفسهم العقلاء. بل خالفوا بشهادة فطرهم وتناقضت أقوالهم على إثبات أن مع الله آلهة أخرى مع أنه لا يقوم على ما قالوه أدنى شبهة فضلا عن الحجج واختر لنفسك أي الشهادتين إن كنت تعقل ونحن نختار لأنفسنا ما اختاره الله لنبيه الذي أمرنا الله بالاقتداء به فقال { قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي منفرد لا يستحق العبودية والإلهية سواه كما أنه المنفرد بالخلق والتدبير. { وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } به من الأوثان والأنداد وكل ما أشرك به مع الله فهذا حقيقة التوحيد إثبات الإلهية لله ونفيها عما عداه. لما بيَّن شهادته وشهادة رسوله على التوحيد وشهادةَ المشركين الذين لا علم لديهم على ضده ذكر أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى { يَعْرِفُونَهُ } أي يعرفون صحة التوحيد { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } أي لا شك عندهم فيه بوجهكما أنهم لا يشتبهون بأولادهم خصوصا البنين الملازمين في الغالب لآبائهم. ويحتمل أن الضمير عائد إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأن أهل الكتاب لا يشتبهون بصحة رسالته ولا يمترون بها لما عندهم من البشارات به ونعوته التي تنطبق عليه ولا تصلح لغيره والمعنيان متلازمان. قوله { الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } أي فوتوها ما خلقت له من الإيمان والتوحيد وحرموها الفضل من الملك المجيد { فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } فإذا لم يوجد الإيمان منهم فلا تسأل عن الخسار والشر الذي يحصل لهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):