Verse. 803 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قُلْ اَغَيْرَ اللہِ اَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَہُوَيُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ۝۰ۭ قُلْ اِنِّىْۗ اُمِرْتُ اَنْ اَكُوْنَ اَوَّلَ مَنْ اَسْلَمَ وَلَا تَكُوْنَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ۝۱۴
Qul aghayra Allahi attakhithu waliyyan fatiri alssamawati waalardi wahuwa yutAAimu wala yutAAamu qul innee omirtu an akoona awwala man aslama wala takoonanna mina almushrikeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «أغير الله أتَّخذ وليّاً» أعبده «فاطر السماوات والأرض» مبدعهما «وهو يُطعم» يرزق «ولا يُطعم» يُرزق «قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم» لله من هذه الأمة «و» قيل لي «لا تكوننَّ من المشركين» به.

14

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً } أعبده {فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } مبدعهما {وَهُوَ يُطْعِمُ } يرزق {وَلاَ يُطْعَمُ } ولا يُرْزق لا {قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } لله من هذه الأمة {وَ} قيل لي {لاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } به.

ابن عطية

تفسير : قال الطبري وغيره: أمر أن يقول هذه المقالة للكفرة الذين دعوه إلى عبادة أوثانهم، فتجيء الآية على هذا جواباً لكلامهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يحتاج إلى سند في أن هذا نزل جواباً وإلا فظاهر الآية لا يتضمنه، والفصيح هو أنه لما قرر معهم أن الله تعالى {أية : لمن ما في السماوات والأرض} تفسير : [الأنعام:12] {أية : وله ما سكن في الليل والنهار} تفسير : [الأنعام:13] وأنه سميع عليم أمر أن يقول لهم على جهة التوبيخ والتوقيف {أغير} هذا الذي هذه صفاته {أتخذ ولياً} بمعنى أن هذا خطأ لو فعلته بين. وتعطي قوة الكلام أن من فعله من سائر الناس بين الخطأ، و {اتخذ} عامل في قوله {أغير} وفي قوله: {ولياً} تقدم أحد المفعولين, والولي لفظ عام لمعبود وغير ذلك من الأسباب الواصلة بين العبد وربه, ثم أخذ في صفات الله تعالى فقال: {فاطر} بخفض الراء نعت لله تعالى، وفطر معناه ابتدع وخلق وأنشأ وفطر أيضاً في اللغة: شق، ومنه {أية : هل ترى من فطور} تفسير : [الملك:3] أي من شقوق، ومن هذا انفطار السماء، وفي هذه الجهة يتمكن قولهم فطر ناب البعير إذا خرج لأنه يشق اللثة، وقال ابن عباس ما كنت أعرف معنى {فاطر السماوات} حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي اخترعتها وأنشأتها. قال القاضي أبو محمد: فحمله ابن عباس على هذه الجهة، ويصح حمله، على الجهة الأخرى أنه شق الأرض والبئر حين احتفرها، وقرأ ابن أبي عبلة: "فاطرُ" برفع الراء على خبر ابتداء مضمر أو على الابتداء {يطعم ولا يطعم} المقصود به يرزق ولا يرزق، وخص الإطعام من أنواع الرزق لمسّ الحاجة إليه وشهرته واختصاصه بالإنسان، وقرأ يمان العماني وابن أبي عبلة "يُطعِم" بضم الياء وكسر العين في الثاني مثل الأول يعني الوثن أنه لا يطعم وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير والأعمش وأبو حيوة وعمرو بن عبيد وأبو عمرو بن العلاء في رواية عنه في الثاني "ولا يَطعم" بفتح الياء على مستقبل طعم فهي صفة تتضمن التبرية أي لا يأكل ولا يشبه المخلوقين، وقوله تعالى: {قل إني أمرت} إلى {عظيم} قال المفسرون: المعنى أول من أسلم من هذه الأمة وبهذه الشريعة، ولا يتضمن الكلام إلا ذلك، قال طائفة: في الكلام حذف تقديره: وقيل لي ولا تكونن من الممترين. قال القاضي أبو محمد: وتلخيص هذا أنه عليه السلام أمر فقيل له كن أول من أسلم ولا تكونن من المشركين فلما أمر في الآية أن يقول ما أمر به جاء بعض ذلك على المعنى وبعضه باللفظ بعينه ولفظة {عصيت} عامة في أنواع المعاصي، ولكنها هاهنا إنما تشير إلى الشرك الذي نهي عنه، واليوم العظيم هو يوم القيامة وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم "من يُصرَف عنه" بضم الياء وفتح الراء، والمفعول الذي أسند إليه الفعل هو الضمير العائد على العذاب فهو مقدر، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم أيضاً: "من يصرف عنه" فيسند الفعل إلى الضمير العائد إلى {ربي} ويعمل في ضمير العذاب المذكور آنفاً لكنه مفعول محذوف وحكي أنه ظهر في قراءة عبد الله وهي "من يصرفه عنه يومئذ"، وفي قراءة أبيّ بن كعب "من يصرفه الله عنه" وقيل: إنها من يصرف الله عنه، قال أبو علي وحذف هذا الضمير لا يحسن كما يحسن حذف الضمير من الصلة، كقوله عز وجل: {أية : أهذا الذي بعث الله رسولاً} تفسير : [الفرقان:41] وكقوله: {أية : وسلام على عباده الذين اصطفى} تفسير : [النمل:59] معناه بعثه واصطفاهم فحسن هذا للطول كما علله سيبويه، ولا يحسن هذا لعدم الصلة، قال بعض الناس القراءة بفتح الياء "من يَصرف" أحسن لأنه يناسب {فقد رحمه} وكان الأولى على القراءة الأخرى "فقد رحم" ليتناسب الفعلان. قال القاضي أبو محمد: وهذا توجيه لفظي تعلقه خفيف، وأما بالمعنى فالقراءتان واحد، ورجح قوم قراءة ضم الياء لأنها أقل إضماراً، وأشار أبو علي إلى تحسين القراءة بفتح الياء بما ذكرناه، وأما مكي بن أبي طالب رحمه الله فتخبط في كتاب الهداية في ترجيح القراءة بفتح الياء، ومثل في احتجاجه بأمثلة فاسدة والله ولي التوفيق، ورحم عامل في الضمير المتصل وهو ضمير من ومستند إلى الضمير العائد إلى ربي، وقوله: {وذلك} إشارة إلى صرف العذاب وإلى الرحمة، والفوز والنجاة.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَاطِرِ} خالق ومبتدىء، ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ: "كنت لا أدري ما فاطر حتى اختصم إليَّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها"أصل الفَطر: الشق،{أية : مِن فُطُورٍ}تفسير : [الملك: 3] شقوق. {يُطْعِمُ} يَرْزُق ولا يُرْزَق. {أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} من هذه الأمة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قل أغير الله أتخذ ولياً} قال مقاتل لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائه أنزل الله هذه الآية فقال قل لهم يا محمد أغير الله اتخذ ولياً يعني رباً ومعبوداً وناصراً ومعيناً وهو استفهام ومعناه الإنكار أي لا أتخذ غير الله ولياً {فاطر السموات والأرض} أي خالق السموات والأرض ومبدعهما ومبدئهما {وهو يطعم ولا يطعم} يعني وهو يرزق ولا يرزق وصف الله عز وجل نفسه بالغني عن الخلق وباحتياج الخلق إليه لأن من كان من صفته أن يطعم الخلق لاحتياجهم إليه وهو لا يطعم لاستغنائه سبحانه وتعالى عن الإطعام فهو غني عن الخلق ومن كان كذلك وجب أن يتخذ رباً وناصراً وولياً ومعبوداً {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} يعني من هذه الأمة والإسلام بمعنى الاستسلام يعني أمرت أن استسلم لأمر الله وأنقاد إلى طاعته {ولا تكونن من المشركين} يعني وقيل لي يا محمد لا تكونن من المشركين {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} يعني قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى عبادة غيري إن ربي أمرني أن أكون أول من أسلم ونهاني عن عبادة شيء سواه وإني أخاف إن عصيت ربي فعبدت شيئاً سواه عذاب يوم عظيم وهو عذاب يوم القيامة {من يصرف عنه} يعني العذاب {يومئذ} يعني يوم القيامة {فقد رحمه} يعني بأن أنجاه من العذاب ومن أنجاه من العذاب فقد رحمه وآتاه الثواب لا محالة وإنما ذكر الرحمة من صرف العذاب لئلا يتوهم أنه صرف العذاب فقط بل تحصل الرحمة من صرف العذاب عنه {وذلك الفوز المبين} يعني أن صرف العذاب وحصول الرحمة هو النجاة والفلاح المبين. قوله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر} يعني بشدة وبلية والضر اسم جامع لما ينال الإنسان من ألم ومكروه وغير ذلك مما هو في معناه {فلا كاشف له إلا هو} يعني فلا يدفع ذلك الضر إلا الله عز وجل: {وإن يمسسك بخير} يعني بعافية ونعمة والخير اسم جامع لكل ما ينال الإنسان من لذة وفرح وسرور ونحو ذلك {فهو على كل شيء قدير} يعني من دفع الضر وجلب الخير. وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: لا تتخذ ولياً سوى الله لأنه هو القادر على أن يمسك بضر وهو القادر على دفعه عنك وهو القادر على إيصال الخير إليك وأنه لا يقدر على ذلك إلا هو فاتخذه ولياً وناصراً ومعيناً. وهذا الخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فهو عام لكل أحد والمعنى وأن يمسسك الله بضر أيها الإنسان فلا كاشف لذلك الضر إلا هو وإن يمسسك بخير أيها الإنسان فهو على كل شيء قدير من دفع الضر وإيصال الخير. حديث : عن ابن عباس قال: "كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال لي يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف"تفسير : أخرجه الترمذي زاد فيه رزين "حديث : تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وفيه "وإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن الصبر على ما تكره خير كثير واعلم أن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ولن يغلب عسر يسرين"تفسير : قال ابن الأثير: وقد جاء نحو هذا أو مثله بطوله في مسند أحمد بن حنبل.

ابن عادل

تفسير : قوله: "أغَيْرَ اللَّهِ" مفعول أوّل لـ "أتَّخِذُ" و "ولياً" مفعولٌ ثانٍ، وإنما قدَّم المفعول الأوَّل على فعله لمعنى، وهو إنكار أن يُتَّخَذَ غَيْرَ اللَّهِ وليّاً لا اتّخَاذ الوليّ، ونحوه قولك لمن يُهِينُ زيداً وهو مستحقٌّ للإكرام: "أزيداً أهَنْتَ"؟! أنْكَرْتَ أن يكون مِثْلَهُ مُهَاناً. وقد تقدَّم هذا موضحاً في قوله: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} تفسير : [المائدة:116]، ومثله: {أية : أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً} تفسير : [الأنعام: 164]، {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ} تفسير : [الزمر:64] {أية : ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} تفسير : [يونس:59] {أية : ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} تفسير : [الأنعام:143] وهو كثيرٌ، ويجوز أن يكُونَ "أتخذ" متعدّياً لواحدٍ، فيكون "غير" مَنْصُوباً على الحال من "ولياً"؛ لأنه في الأصل صِفَةٌ له، ولا يجوز أن يكُونُ استثناءً ألْبَتَّةَ، كذا منعه أبو البقاء، ولم يُبَيَّنْ وجهه. والذي يظهر أنَّ المَانِعَ تقدُّمه على المستثنى منه في المعنى، وهو "وَلياً". وأمَّا المعنى فلا يَأبى الاستثناء؛ لأن الاستفهام لا يُرَادُ به حقيقته، بل يُراد به الإنْكَار، فكأنه قيل: لا أتَّخذُ وليَّا غير اللَّه، ولو قيل كذا لكان صحيحاً، فظهر أنَّ المانع عنده إنما هو التَّقْدِيمُ على المستثنى منه، لكن ذلك جائز وإن كان قليلاً، ومنه: [الطويل] شعر : 2118- ومَا لِي إلاَّ آل أحْمَدَ شِيعَةٌ وَمَا لِيَ إلاَّ مَشْعَبَ الحَقِّ مشْعَبُ تفسير : وقرأ الجمهور "فَاطرِ" بالجر، وفيها تخريجان: أحدهما- وبه قال الزمخشريّ والحوفيّ وابن عطيّة -: صفة للجلالة المجرورة بـ "غير"، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بين الصِّفَةِ، والموصوف بهذه الجملة الفعلية ومفعولها؛ لأنها ليست بأجنبيةٍ، إذ هي عاملةٌ في عامل الموصوف. الثاني- وإليه نَحَا أبو البقاء -: أنه بَدَلٌ من اسم اللَّهِ، وكأنه فَرَّ من الفَصْلِ بين الصٍّفةِ وموصوفها. فإن قيل: هذا لازمٌ له في البدل، فإنه فَصَل بين التَّابع ومتبوعه أيضاً، فيقال: إنَّ الفَصْلَ بين البدلِ والمبدل فيه أسهل؛ لأن البَدَلَ على نِيَّةِ تَكْرَارِ العامل، فهو أقربُ إلى الفَصْلِ، وقد يُرجَح تخريجه بوَجْهٍ آخر، وهو أنَّ "فاطر" اسم فاعل، والمعنى ليس على المُضِيِّ حتى تكون إضافته غير مَحْضَةٍ، فيلزم وَصْفُ المعرفة بالنَّكرة؛ لأنه في نيَّةِ الانفصال من الإضافة، ولا يقال: اللَّهُ فَاطِرُ السموات والأرض فيما مضى، فلا يُرَادُ حالٌ ولا استقبالٌ؛ لأن كلام اللِّهِ - تبارك وتعالى - قديمٌ متقدّمٌ على خَلْقِ السموات، فيكون المراد به الاسْتِقْبَال قطعاً، ويَدُلُّ على جواز كونه في نيَّة التَّنْوين ما يأتي ذكره عن أبي البَقَاءِ قريباً. وقرأ ابن أبي عَبْلَةَ برفعه، وتخريجه سَهْلٌ، وهو انه خبر مبتدأ محذوف. وخرَّجه ابن عطية على أنه مبتدأ، فيحتاج إلى تقدير خَبَرٍ، والدلالَةُ عليه خفيَّةٌ بخلاف تقدير المبتدأ، فإنه ضمير الأول، أي: "هو فاطر". وقرئ شاذاً بنصبه، وخرَّجه أبو البقاء على وجهين: أحدهما: أنه بَدَلٌ من "ولياً" قال: "والمعنى على هذا أجْعَلُ فاطر السموات والأرض غير اللِّهِ"، كذا قدَّرَهُ، وفيه نظر؛ لأنه جعل المفعول الأول، وهو "غير الله" مفعولاً ثانياً، وجعل البدل من المفعول الثاني مفعولاً أوَّل، فالتقدير عَكْسُ التركيب الأصلي. والثاني: أنه صِفَةٌ لـ"ولياً" قال: ويجوز أن يكون صَفَةٌ لـ "وَليّاً" والتنوين مُرَادٌ. قال شهاب الدين: يعني بقوله: "التنوين مُرَاد" أنَّ اسم الفاعل عاملٌ تقديراً، فهو في نِيَّةِ الانْفِصَالِ، ولذلك وقع وَصْفاً للنكرة كقوله: {أية : هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا}تفسير : [الأحقاف: 24]. وهذا الوجه لا يَكَادُ يَصِحُّ، إذ يصير المعنى: أأتَّخِدُ غير اللَّهِ وليّاً فاطر السموات إلى آخره، فيصف ذلك الوَلِيّ بأنه فاطر السَّموات. وقرأ الزُّهري: "فَطَرَ" على أنه فِعْل ماضٍ، وهي جملة في مَحَلِّ نصب على الحال من الجلالةِ، كما كان "فاطر" صفتها في قراءة الجمهور. ويجوز على رأي أبي البقاءِ أن تكون صِفَةً لـ "وليَّاً"، ولا يجوز أن تكون صَفَةً للجلالة؛ لأن الجملة نكرةٌ. والفَطْرُ: الشَّقُّ مُطْلقاً، وقيَّدَهُ الرَّاغب بالشَّقِّ طولاً، وقيَّدَهُ الواحدي بشقِّ الشيء عند ابتدائه. والفطرُ: إبداع وإيجاد شيء على غير مثال، ومنه {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْض}، أي: أوجدها على غير مثال يُجْتدى. وعن ابن عبَّاس: ما كنتُ أدْرِي ما معنى فَطَر وفَاطِر، حتَّى اختصم إليَّ أعْرَابيَّان في بِئرٍ، فقال أحدهما: "إنا فَطَرتُهَا"، أي: أنْشَأتُهَا وابتدأتها. ويقال: فَطَرْتُ كذا فَطْراً وفَطَر هو فُطوراً، وانْفَطَرَ إنْفَطَاراً وفَطَرْتُ الشَّاة: حَلَبْتُهَا بأصْبُعَيْنِ، وفَطرْتُ العَجينَ: خبزته في وَقْتِهِ. وقوله تبارك وتعالى: {أية : فِطْرتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} تفسير : [الروم:30] إشارة منه إلى ما فَطَرَ، أي: أبدع وركز الناس من معرفته [ما ركز]، ففطرة اللِّهِ ما رُكِّز من القُو‍َّةِ المُدْرِكة لمعرفته، وهو المُشَارُ إليه بقوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [الزخرف:87]. وعليه: "حديث : كُلُّ مولودٍ يُوْلَدُ على الفِطْرَةِ" تفسير : الحديث. وهذه الآية الكريمة نزلت حين دعا إلى الله آباءه فقال تعالى: يا محمد {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} رباً معبوداً وناصراً ومعيناً. قوله: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} القراءة المَشْهُورة ببناء الأوَّل للفاعل، والثَّاني للمفعول، والضمير للِّهِ تعالى، والمعنى: وهو يَرْزق ولا يُرْزَق، وهو موافق لقوله تعالى: {أية : مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} تفسير : [الذاريات:57]. وقرأ سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، والأعمش، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، وأبو عمرو بن العلاء في رواية عنه: "وَلاَ يَطْعَمُ" بفتح الياء والعين، بمعنى: ولا يَأكل، والضميرُ لله تعالى أيضاً. وقرأ ابن أبي عَبْلَة ويمان العماني: "وَلاَ يُطْعِم" بضم الياء، وكسر العين كالأول، فالضميران - أعني هو والمُسْتَكنُّ في "يطعم" - عائدان على اللهِ تعالى، والضميرُ في ولا يُطْعِم للولِيّ. وقرأ يعقوب في رواية أبي المأمون: "وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِم" ببناء الأوَّل للمفعول، والثَّاني للفاعل، على عَكْسِ القراءة المشهورة، والضمائر الثلاثة أعني هو والمستترين في الفعلين للولي فقط أي: وذلك الولي يُطعمه غيره، ولا يُطْعِمُ هو أحداً لعَجْزِه. وقرأ الأشْهَبُ: "وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِم" ببنائهما للفاعل. وذكر الزمخشري فيهما تخريجين ثانيهما لنفسه، فإنه قال بعد أن حَكَى القراءة: وفُسِّر بأنَّ معناه وهو يُطْعِم ولا يِسْتطْعمِ. وحكى الأزهري: أطعمت بمعنى اسْتَطْعَمْتُ، ونحوه: أفَدْت، ويجوز أن يكون المعنى: هو يُطْعِمُ تارةً، ولا يُطْعم أخرى على حسب المَصَالِحِ، كقولك: هو يعطي ويمنع، ويَقْدر ويبسط ويغني ويُفْقر. قال شهابُ الدين: هكذا ذكر أبو حيَّان هذه القراءات. وقراءةُ الأشهب هي كقراءة ابن أبي عَبْلَةَ والعماني سواء لا تَخَالُفَ بينهما، فكان ينبغي أن يذكر هذه القراءة لهؤلاء كُلِّهم، وإلاَّ يوهم هذا أنهما قِرَاءتانِ مُتغَايرَتَانِ، وليس كذلك. وقُرئَ شاذّاً: "يَطْعَمُ" يفتح الياء والعين، "ولايُطعم" بضم الياء وكسر العين، أي: وهو يأكل، ولا يطعم غيره، ذكر هذه القراءة أبو البقاء قال: "والضميرُ راجع على الوَليّ الذي هو غَيْرُ اللِّهِ". فهذه ست قراءات، وفي بعضها - وهو تَخَالُفُ الفعلين - من صناعة البَديع تَجنيسُ التشكيل، وهو أن يكون الشَّكْلُ فارقاً بين الكلمتين، وسمَّاهُ أسَامةُ بن منقذ تجنيس التَّحْريفِ، وهو تَسْمِيَةٌ فَظِيعَةٌ، فتسميتهُ بتجنيس التَّشْكيل أوْلَى. قوله: {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} يعني من هذه الأمَّةِ، والإسلامُ بمعنى الاسْتِسْلام لأمرِ اللِّهِ تعالى. وقيل: أسْلمَ أخْلَصَ، و"مَنْ" يجوز أن تكون نكرة موصوفةً واقعةً موقع اسم جمع أي: أوَّل فريق أسلم، وأن تكون موصولةً أي: أوَّل الفريق الذي أسْلَم، وأفرد الضمير في "أسلم" إمَّا باعتبار "فريق" المُقَدَّر وإمَّا باعتبار لَفْظِ "مَنْ"، وقد تقدَّم الكلام على "أول" وكيف يُضَاف إلى مفرد بالتأويل المذكور في سورة البقرة. قوله: "ولا تَكُونَنَّ" فيه تأويلان: أحدهما: على إضمار القول، أي: وقيل لي: لا تكونن. قال أبو البقاء: "ولو كان مَعْطُوفاً على ما قبله لَفظاً لقال: وأنْ لا أكون" وإليه نَحَا الزمخشري فإنه قال: "ولا تَكُونَنَّ: وقيل لي لا تكونَنَّ، ومعناه: وأُمرت بالإسْلامِ، ونُهيت عن الشِّرْكِ". والثاني: أنه مَعْطُوفٌ على معمول "قُلْ" حَمْلاً على المعنى، والمعنى: قل إني قيل لي: كُنْ أوَّلَ مَنْ أسلم، ولا تكوننَّ من المشركين، فهما جميعاً محمولان على القَوْلِ، لكن أتى الأوَّل بغير لفظ القول، وفيه معناه، فَحُمِلَ الثاني على المعنى. وقيل: هو عَطْفٌ على "قل" أُمِرَ بأن يقول كذا، ونهي عن كذا.

البقاعي

تفسير : ولما نهض من الحجج ما لم يبق معه لذي بصيرة شك، كان لسان الحال مقتضياً لأن ينادي بالإنكار عليهم في الالتفات عن جنابه والإعراض عن بابه فأبرز تعالى ذلك في قالب الأمر له صلى الله عليه وسلم بالإنكار على نفسه، ليكون أدعى لهم وأرفق بهم، ولأن ما تقدم منبئ عن غاية المخالفة، منذر بما أنذر من سوء عاقبة المشاققة، فكأنهم قالوا: فهل من سبيل إلى المواقة؟ فقيل: لا إلا باتخاذكم إلهي ولياً، وذلك لعمري سعادتكم في الدارين، وبتطمعكم في اتخاذي أندادكم أولياء، وهذا ما لا يكون أبداً، وهو معنى قوله تعالى: {قل} أي مصرحاً لهم بإنكار أن تميل إلى أندادهم بوجه. ولما كان الإنكار منصباً إلى كون الغير متخذاً، لا إلى اتخاذ الولي، أولى "غير" الهمزة فقال: {أغير الله} أي الذي لا شيء يدانيه في العظمة {أتخذ} أي أكلف نفسي إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى والعقل المجرد عن الهوى كما فعلتم أنتم وآخذ {ولياً} أي أعبده لكونه يلي جميع أموري، ثم وصفه بما يحقق ولايته ويصرف عن ولاية غيره فقال: {فاطر السماوات والأرض} أي خالقهما ابتداء على غير مثال سبق {وهو} أي والحال أن الله {يطعم} أي يرزق كل من سواه مما فيه روح. ولما كان المنفي كونه سبحانه مفعولاً من الطعم، لا كون ذلك من مطعم معين، بني للمفعول قوله: {ولا يطعم} أي ولا يبلغ أحد بوجه من الوجوه أن يطعمه، والمعنى أن المنافع من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع، فامتنع في العقل اتخاذ غيره ولياً، لأن غيره محتاج في ذاته وفي جميع صفاته إليه، وهو سبحانه الغني على الإطلاق، وهذا التفات إلى قوله تعالى: {أية : ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} تفسير : [المائدة: 75] وتعريض بكل ما عبد من دون الله ولا سيما الأصنام، فإنهم كانوا يهدون لها الأطعمة فتأكلها الدواب والطيور، فمعلوم أنها لا تطعم ولا تطعم روى الدارمي في أول مسنده بسند حسن عن الأعمش عن مجاهد قال: "حدثني مولاي أن أهله بعثوا معه بقدح فيه زبد ولبن إلى آلهتهم، قال: فمنعني أن آكل الزبد مخافتها، فجاء كلب فأكل الزبد وشرب اللبن ثم بال على الصنم" ومولاه كان شريك النبي صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام، واختلف فيه فقيل: هو قيس بن السائب بن عويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وقيل: قريبه السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخروم. وقيل: ابنه عبد الله بن السائب - والله أعلم؛ وله عن أبي رجاء - هو العطاردي وهو مخضرم - قال: "كنا في الجاهلية إذا أصبنا حجراً حسناً عبدناه، وإن لم نصب حجراً جمعنا كثبة من رمل، ثم جئنا بالناقة الصفي فنفاج عليها فنحلبها على الكثبة حتى نرويها، ثم نعبد تلك الكثبة ما أقمنا بذلك المكان" وفيه أيضاً إيماء إلى أنه كما خلقكم كلكم من طين على اختلافكم في المقادير والألوان والأخلاق وهو غني عنكم، فكذلك خلق المطعومات على اختلاف أشكالها وطعومها ومنافعها وألوانها من طين، وجعلها منافع لكم وهو غني عنها، وسيأتي التصريح بذلك في قوله: {أية : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء} تفسير : [الأنعام: 99] المستوفي في مضماره {أية : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} تفسير : [الأنعام: 118] وفي الآية كلها التفات إلى قوله أول السورة {أية : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} تفسير : [الأنعام: 1] وقوله في التي قبلها {أية : ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} تفسير : [المائدة: 81] في أمثالها مما فيه تولي الكفار لغير خالقهم سبحانه وتعالى، هذا لو لم يرد أمر من قبل الخالق كان النظر السديد كافياً في التنزه عنه، كما كنت قبل النبوة لا ألتفت إلى أصنامكم ولا أعتبر للعبادة شيئاً من أنصابكم، فكيف وقد أمرت بذلك! وهو معنى {قل إني أمرت} أي من جهة من له الأمر، ولا أمر إلا له وهو من تقدم أن له كل شيء، وهو الله وحده {أن أكون} أي بقلبي وقالبي {أول من أسلم} في الرتبة مطلقاً، وفي الزمان بالنسبة إلى الأمة. ولما كان الأمر بالإسلام نهياً عن الشرك، لم يكتف به، بل صرح به جمعاً بين الأمر والنهي من هذا الرب الكريم الذي يدعو إحسانه وكرمه إلى ولايته، وينهى تمام ملكه وجبروته عن شيء من عداوته، في قوله عطفاً على {قل} على وجه التأكيد: {ولا تكونن} أي بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات أصلاً {من المشركين *} أي في عدادهم باتباعهم في شيء من أغراضهم، وهذا التأكيد لقطع أطماعهم عنه صلى الله عليه وسلم في سؤالهم أن يطرد بعض أتباعه ليوالوه، ونحو ذلك مما كانوا يرجون مقاربته منهم به، إعلاماً بأن فعل شيء مما يريدون مصحح للنسبة إليهم والكون في عدادهم "حديث : من تشبه بقوم فهو منهم ". تفسير : ولما كان فعل المنهي قد لا يعذب عليه، قال معلماً بأن المخالفة في هذا من أبلغ المخالفات، فصاحبها مستحق لأعظم الانتقام، وكل ذلك فطماً لهم عن الطمع فيه، وأكده لذلك ولإنكارهم مضمونه: {قل إني} ولما كان المقام للخوف، قدمه فقال: {أخاف إن عصيت} أي شيء مما تريدون مني أن أوافقكم فيه بما أمرت به أو نهيت عنه {ربي} أي المحسن إليّ {عذاب يوم} ولما كان عظم الظرف بعظم مظروفه قال: {عظيم *}. ولما كان قد قدم من عموم رحمته ما أطمع الفاجر ثم أيأسه من ذلك بما أشير إليه من الخسارة، صرح هنا بما اقتضاه ذلك المتقدم، فقال واصفاً لذلك العذاب مبيناً أن الرحمة في ذلك اليوم على غير المعهود الآن، فإنها خاصة لا عامة دائمة السبوغ على من نالته، لا زائلة وكذا النعمة، هكذا شأن ذلك اليوم {من يصرف عنه} أي ذلك العذاب؛ ولما كان المراد دوام الصرف في جميع اليوم، قال: {يومئذ} أي يوم إذ يكون عذاب ذلك اليوم به {فقد رحمه} أي فعل به بالإنعام عليه فعل المرحوم {وذلك} أي لا غيره {الفوز} أي الظفر بالمطلوب {المبين *} أي الظاهر جداً، ومن لم يصرف عنه فقد أهانه، وذلك هو العذاب العظيم. ولما كان التقدير: فإن يصرف عنك ذلك العذاب فقد قرت عينك، عطف عليه دليلاً آخر لأنه لا يجوز في العقل أن يتخذ غيره ولياً، فقال معمماً للحكم في ذلك العذاب وغيره مبيناً أنه لا مخلص لمن أوقع به: {وإن يمسسك الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له؛ ولما كان المقام للترهيب، قدم قوله: {بضر} أي هنا أو هناك {فلا كاشف له} أصلاً بوجه من الوجوه {إلا هو} أي لأنه لا كفوء له، فهو قادر على إيقاعه، ولا يقدر غيره على دفاعه، لأنه على كل شيء قدير {وإن يمسسك بخير} أي في أي وقت أراد. ولما كان القياس على الأول موجباً لأن يكون الجزاء: فلا مانع له، كان وصفه من صفة قوله {فهو على كل شيء} أي من ذلك وغيره {قدير *} ولا يقدر غيره على منعه، منبهاً على أن رحمته سبحانه سبقت غضبه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} [الآية: 14]. قال الجوزجانى: أبغى سواه ملجأً وقد سهل السبيل إليه. وقال غيره: أسِوَاه أستكفى، وهو الذى يكفينى المهم فى الدارين. وقال أبو عثمان: الالتجاء إلى الله عز وجل فإنه موضع اللجأ {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً}. قوله تعالى: {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ}. قال بعضهم: أكون أول من انقاد للحق إذا ظهر. وقال ابن عطاء: أن أكون من الخاضعين لما يبدو من مبادئ القدرة. وقال جعفر: من الراضين بموارد القضاء.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}. أَبَعْدَ ما أكرمني بجميل ولايته أتولى غيره؟ وبعد ما وَقَعَ عليَّ ضياءُ عنايته أنظرُ في الدارين إلى أحد؟ إنَّ هذا محالٌ في الظنِّ والتقدير. قوله جلّ ركره: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ}. له نعتُ الكَرَمِ فلذلك يُطْعِمُ، وله حقُّ القِدَمِ فلذلك لا يُطْعَمْ.

البقلي

تفسير : {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} اى كيف اتخذا احدا بالمحبة دونه وليس له صفة القدم التى اغارت قلوب اوليائه بحسن تجليها وكيف اتخذ بالولاية محدثا لا يقدر على ان يمنع عنى علة الحجاب بينى وبينه حيث الكل حاجز فى امر مشيته وملك جلاله الا ترى اشارته تعالى الى ذلك بقوله فاطر السموات والارض اى لكل ملكه فكيف الجامن ملكه الى ملكه وعلة الملك فى المالك متلاش بقوله وهو يطعم ولا يطعم قال الجوارجانى ابغى سواه ملجا وقد سهل الى السبيل اليه وقال غيره اسواه استكفى وهو الذى يكفينى الهم فى الدارين قوله تعالى {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} اى امرنى حين كنت جوهر فطرة الكون حيث لم يكن غيرى فى الحضرة ان اكون اول الخلق له فى المحبة والعشق والشوق واول الخلق له مناقد بنعت مبحتى له ارضاي بروبيته غير منازع لامر معيشته قال بعضهم اكون ال من انقاد للحق اذا اظهروا قال ابن عطا ان اكون من الخاضعين لما تبدوا من مبادى القدرة وقال جعفر عليه السلام عن الراضين بموارد القضاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد لكفار مكة ونزلت حين دعوه الى الشرك ودين آبائه {أغير الله أتخذ وليا} اى معبودا بطريق الاستقلال او الاشتراك وقد اتخذني الله فى ازليته حبيبا كما قال عليه السلام "حديث : لو كنت متخذا خليلا غير الله لاتخذت ابا بكر خليلا ولكن الله اتخذ صاحبكم خليلا " .تفسير : اى لا اتخذ فالمنكر هو اتخاذ غير الله وليا لا نفس اتخاذ الولى لكن قدم المفعول لكونه مناط الانكار {فاطر السموات والارض} مبدعهما اى خالقهما ابتداء لا على مثال سبق وهو بدل من الجلالة {وهو} اى والحال انه {يطعم ولا يطعم} اى يرزق الخلق ولا يرزق وتخصيص الطعام بالذكر لشدة الحاجة اليه {قل انى امرت ان اكون اول من اسلم} وجهه لله مخلصا له لان النبى امام امته فى الاسلام {ولا تكونن من المشركين} اى وقيل لى لا تكونن من المشركين به تعالى فى امر من امور الدين ومعناه امرت بالاسلام ونهيت عن الشرك وحقيقة الاسلام الاخلاص من حبس الوجود وما خلص منه غيره عليه السلام بالكلية ولهذا يقول الانبياء نفسى نفسى وهو يقول امتى امتى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {فاطر}: نعت لله، ومعناه: خالق ومبدع. قال ابن عباس رضي الله عنه: ( ما كُنت أعرف معنى فاطر، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطَرتها بيدي). وجملة: {وهو يطعم}: حال، وقُرِىء بعكس الأول؛ ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، على أن ضمير {هو} راجع لغير الله، وببنائهما للفاعل؛ على معنى يُطعِم تارة، ويمنع أخرى، كقوله: {أية : يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ } تفسير : [البَقَرَة:245]، وجملة {إن عصيتُ}: معترضة بين الفعل والمفعول، والجواب: محذوف دل عليه ما قبله، أي: إن عصيتُ فإني أخاف عذاب يوم عظيم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم يا محمد: {أغير الله أتخذ وليًّا} أي: معبودًا أُواليه بالعبادة والمحبة، وأُشركه مع الله الذي أبدع السماوات والإرض، {وهو} الغني عما سواه، الصَّمَداني، {يُطعِمُ} ولا يحتاج إلى من يُطعمه، فهو يَرزُق ولا يُرزق، وتخصيص الطعام؛ لشدة الحاجة إليه {قُل} لهم: {إني أُمرتُ أن أكون أول من أسلم}، وأنقاد بكُلّيتي إلى هذا الإله الحقيقي، العني بالإنطلاق، وأرفضُ كل ما سواه، ممن عمّه الفقرُ ابتداءً ودوامًا. فكان عليه الصلاة والسلام هو أولَ سابق إلى الدين. ثم قيل له: {ولا تكونن من المشركين}؛ تنفيرًا لغيره من الشرك، وإلاّ فهو مبرَّأ منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ. {قل إني أخاف إن عصيت ربي} بالشرك وغيره {عذاب يوم عظيم}، وهذه مبالغة أخرى في قطع أطماعهم، وتعريض لهم بأنهم عصاة، مستوجبون للعذاب، {من يُصرف عنه} ذلك العذاب، {يومئدٍ} أي: يوم القيامة، {فقد رحمه} أي: نجاه، وأنعم عليه، {وذلك الفوز المبين} أي: وذلك الصرف أو الرحمة هو الفلاح المبين. ثم ذكر حجة أخرى على استحقاقه للعبادة والولاية، فقال: {وإن يمسسك الله بضرّ} كمرض أو فقر، {فلا كاشف له إلا هو}؛ إذ لا يقدر على صرفه غيره، {وإن يمسسك بخير}؛ بنعمة، كصحة وغنى ومعرفة وعلم، {فهو على كل شيء قدير}، فهو قادر على حفظه وإدامته، ولا يقدر أحد على دفعه، كقوله تعالى: {أية : فَلآ رَآدَّ لِفَضْلِهِ } تفسير : [يُونس:107]، {وهو القاهر} لجميع خلقه؛ كلهم في قبضته، {فوق عباده} بهذه القهرية والغلبة والقدرة، {وهو الحكيم} في صنعه وتدبيره، {الخبير} بخفايا أمور عباده، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم الباطنة والظاهرة. الإشارة: في الآية حَضٌّ على محبة الحق، وولايته على الدوام، ورفض كل ما سواه ممن عمَّه الفقر من الأنام، وفيها أيضًا: حثّ على المسابقة إلى الخيرات، والمبادرة إلى الطاعات، اقتداء بسيد أهل الأرض والسماوات، فكان ـ عليه الصلاة والسلام ـ أول من عبد الله، وأول من توجه إلى مولاه، قال تعالى: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعابِِِدِينَ } تفسير : [الزّخرُف:81]، فلو جاز أن يتخذ ولدًا، لكنت أنا أولى به، لأني أنا أول من عبده. قال الورتجبي: {قل إني أُمرت أن أكون أول من أسلم} أي: أمرني حين كنت جوهر فطرة الكون ـ حيث لم يكن غيري في الحضرة ـ أن أكول أول الخلق في المحبة والعشق والشوق، وأول الخلق له منقادًا بنعت محبتي له، راضيًا بربوبيته، غير منازع لأمر مشيئته. وقال بعضهم: أكون أول من انقاد للحق إذا ظهر. هـ. ولما قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد: لقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرِنا مَن شهد لك؟ أنزل الله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ}.

الطوسي

تفسير : أجمع القراء على ضم الياء وفتح العين من قوله {ولا يطعم} وقرىء في الشواذ بفتح الياء والعين معا. فمن ضم الياء أراد أن غيره لا يطعمه في مقابلة قوله: {وهو يطعم}. ومن فتح الياء أراد أنه نفسه لا يطعم. والمعنى هو يرزق الخلق ولا يرزقه أحد. والطعمة والطعم والاطعام الرزق، قال امرؤ القيس: شعر : مطعم للصيد ليس له غيرها كسب على كبره تفسير : وقال علقمة بن عدي: شعر : ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمة أنى توجه والمحروم محروم تفسير : ألا ترى أنه وضع الحرمان في مقابلة الاطعام، كما يوضع أبداً مقابلا للرزق. وقيل: إِنه ذكر الاطعام، لان حاجة العباد اليه أشد، ولان نفيه عن الله أدل على نفي شبهه بالمخلوقين، لان الاطعام لا يجوز الا على الاجسام. والاختيار في {فاطر} الخفض لانه من صفة {الله}. والرفع، والنصب جائزان على المدح. فمن رفع فعلى اضمار (هو)، وتقديره: هو فاطر السماوات والارض، وهو يطعم ولا يطعم. ومن نصب فعلى معنى: اذكروا عني. ومعنى: { فاطر السماوات والأرض} خالقهما، كما قال: {أية : وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون}تفسير : أي خلقني. قال ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى {فاطر} حتى اختصم الي اعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها. وأصل الفطر الشق، ومنه قوله تعالى: {أية : إذا السماء انفطرت}تفسير : أي انشقت. ومعنى {فطر السماوات والارض} خلقهما خلقا قاطعا. والإِنفطار، والفطور تقطع وتشقق وفي الآية دلالة وحجة على الكفار، لان من خلق السماوات والارض وأنشأ ما فيها، وأحكم تدبيرهما، واطعم من فيهما هو الذي ليس كمثله شىء وان الخلق فقراء اليه وهو الغني القادر القاهر، فلا يجوز لمن عرف ذلك أو جعل له السبيل الى معرفته ان يعبد غيره. وقوله {وأمرت أن أكون أول من أسلم} معناه أن أكون اول من خضع، وآمن وعرف الحق من قومي، وأن اترك ما هم عليه من الشرك. ومثله قوله {أية : قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين}تفسير : بأنه لم يكن للرحمان ولد، يعني من هذه الامة، لأنه قد عبد الله النبيون والمؤمنون قبله، ومثله قوله {أية : سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين}تفسير : ممن سألك أن تريه نفسك - بأنك لا ترى. وقول السحرة {أية : إِنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين}تفسير : بأن هذا ليس بسحر، وأنه الحق، أي أول المؤمنين من السحرة، ومعنى الولي - ها هنا - الإِله الذي أعبده ليتولاني، ويحفظني. وقوله: {وأمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين} أي أمرت بالامرين معاً: أن أكون أول من أسلم من هذه الامة، وألا أكون من المشركين. والمعنى أمرت بذلك ونهيت عن الشرك، لان الامر لا يتناول ألا يكون الشىء، لانه لا يكون أمرا إِلا بارادة المأمور، والارادة لاتتعلق بألا يكون الشىء. وانما المراد ما قلناه: أنه كره مني الشرك.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} بعد انّه مالك الكلّ {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} التّوصيف به للاشعار بالعلّة {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} علّة اخرى للحكم {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} لا يسبقنى احد فى ظاهر الاسلام ولا فى باطنه لانّى امرت تكويناً وتكليفاً ان اكون خاتم الرّسل وسابق الكلّ {وَ} قيل لى {لاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} او هو عطف على {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.

اطفيش

تفسير : {قلْ أغَير اللهِ أتَّخذُ وليّاً} استفهام إنكار، وقدم غير على أتخذ، مع أنه مفعول به لأتخذ، لأنه المستفهم عنه، والمستفهم عنه يلى همزة الاستفهام، وذلك أن الإنكار فى كون غير الله ولياً لا فى مطلق اتخاذ الولى، وقيل: لو أخر عن أتخذ لأفاد ذلك، ولكن تقديمه أتم فى ذلك على طريق العرب فى التقديم للاهتمام، والولى الناصر والمعين، قال مجاهد والطبرى: لما دعا المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائهم نزلت هذه الآية. {فاطِرَ السَّماوات والأرْض} منشئهما وبادعهما، قال ابن عباس رضى الله عنهما: ما عرفت ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتانى أعرابيان يختصمان فى بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أى ابتدأتها، وفاطر نعت للفظ الجلالة، وقرئ فاطر بالرفع خبر لمحذوف، أى هو فاطر، وقرئ فاطر بالنصب أى أعنى بالله فاطر السماوات والأرض، أو أمدحه، وإضافة اسم الفاعل الذى للماضى تفيد التعريف، إذ كانت للمعرفة، فصح أن يكون فاطر نعتاً للفظ الجلالة، ولا يمنع من ذلك فصله باتخذ ولياً، لأن اتخذ عامل فى عامل منعوت، فإن المنعوت لفظ الجلالة وعامله غير، وغير مفعول لأتخذ، وذلك مذهب الجمهور، وقال أبو البقاء: فاطر بدل من لفظ الجلالة، لأن للماضى كما قرأ الزهرى فطر السماوات والأرض بصيغة الفعل الماضى، وفتح ضاد الأربع نصب به، وقيل: البدل أولى من فصل النعت إذ البدل على نية تكرار العامل. {وهو يُطْعِم} يرزق عباده ما يكون {ولا يُطْعَمُ} لا يرزقه أحد، لأنه لا يأكل، وأنه المالك لكل شئ، ولا يحتاج لشئ، ولو قال وهو يَرزُق ولا يرْزَق لعم ما ينتفع به مأكولا أو مشروباً أو غيرهما، لكنه ذكر الطعام، لأن الحاجة إليه أشد، ويفهم الشراب منه، لأنه يبنى على الأكل، أو يدخل فى الطعام، لأنه قد يقال: طعمت الماء، وجملة هو يطعم حال من المستتر فى فاطر مستقبلة، لأن الإطعام بعد خلق السماوات والأرض، لأن ما يأكل خلقه بعد خلقهما إلا أن يعتبر الحوت فى الماء قبل أن يخلق الأرض والسماوات، والحوت الحامل للخلق، والطائر الذى يأكل فى كل يوم خردلة حتى فنيت، وقد ملأت سبع دنيا كل مقدار دنيا كدنيانا هذه أو أكثر من سبع أو أقل، ونحو ذلك مما يذكر فى القصص، فتكون الحال مقارنة، أو الجملة معطوفة على جملة، هو السميع العليم. وقراءة رفع فاطر تعطف على جملة هو فاطر، وقرئ ولا يطعم بالبناء للفاعل، أى ولا يأكل بفتح الياء والعين، والضمائر فى القراءتين لله، وكذا فى قراءة الأشهب ببنائهما للفاعل من الرباعى، أى يطعم تارة ولا يطعم أخرى بحسب الحكمة، مثل يقبض ويبسط، أو المعنى ولا يستطعم، حكى الأزرى: أطعم بمعنى استطعم، وهذا بعيد، وقرئ وهو يُطعم بالبناء للمفعول ولا يُطعِم بالبناء للفاعل بضم الباء، وكسر العين والضمائر لغيره فى قوله: {أغير الله} أى كيف أتخذ غير الله ولياً، والحال أن غير الله يطعمه ولا يطعم هو غيره، إلا أن قدر الله ذلك فهو كسائر الحيوانات الناس وغيرهم، أو يعتبر أن الناس يطعمون غيرهم، وبعضهم بعضاً، والدابة لا تطعم غيرها، فيكون قد نزل عن درجة الناس، إلا أن الدابة أيضا قد تطعم الناس كالجارحة الصائدة وتطعم الدابة دابة أخرى، وهذه القراءة عن ابن المأمون عن يعقوب. {قُلْ إنى أموتُ أنْ أكُونَ أوَّل مَنْ أسْلَم} لأن النبى يسبق أمته فى الدين، ولو جاءهم وهم مؤمنون لأنه سابق فيما يوحى إليه، قال الله جل وعلا: {أية : وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} تفسير : وهذا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال موسى: {أية : سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} تفسير : {ولا تكونَنَّ مِنَ المشْرِكِينَ} عطف على قل عطف نهى على أمر، أى قل كذا ولا تكن من كذا، كقولك: افعل كذا ولا تفعل كذا أو محكية بقيل محذوفاً، والمحذوف معطوف على محكى قل: أى قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم، وقيل لى: ولا تكون من المشركين، كأنه قيل: وقل قيل لى: لا تكونن من المشركين، ولو عطف لا تكونن على أن أكون لقيل، ولا أكون، نعم قد يجوز هذا العطف على طريق الالتفات من التكلم إلى الخطاب.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} الاستفهام إِنكار والمراد مطلق الولى، ولى معبود أَو غير معبود، نفى أَن يتخذ غير الله ولياً، وأَثبت أَن وليه الله وحده، فالمنكر هو اتخاذ غير الله ولياً لا اتخاذ الولى مطلقاً، ولذلك قدم المفعول الثانى وهو غير، وأَولاه الهمزة كما أَولى اللفظ غير الهمزة فى قوله عز وجل "أية : قل أَغير الله أَبغى رباً" تفسير : [الأنعام: 164] إِذ كان المنكر غير الله، ومعنى اتخاذ غير الله عبادة غيره، ويجوز أَن تكون العبادة فى لفظ وليا لا فى أَتخذ، أَى أتخذ معبوداً، وذلك أَن الإِنكار فى الآية رد على من دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى الإِشراك، إِذ قالوا له: إِنما تركت دين قومك لفقرك، فارجع إِليهم نجمع لك ما تكون به أَغناناً، لا يقال: الرد عليهم بأَن يقال اتخذ غير الله ولياً، لأَن المشرك لم يخص عبادته بغير الله تعالى لأَنا نقول من أَشرك بالله تعالى غيره لم يتخذ الله معبوداً لأَنه لا تجتمع عبادته سبحانه مع عبادة غيره، قلت: شعر : لمن صافــــى عدوك أَو يعــــادى صديقك فى معاداة عريق ومن صافى صديقك أَو يعادى عدوك أَو عدوه صديـــق تفسير : ولام لمن للابتداء، وهاء عدوه للصديق، ولو أَدخل الإِنكار على اتخذ وقال: أَأَتخذ غير الله ولياً لحصل المقصود من إِنكار اتخاذ غير الله ولياً، لكن لما كان متعلق الإِنكار غير الله كان تقديم غير الله أَهم، وقيل ولياً بمعنى نصير، فإِذا انتفى اتخاذ غير الله ناصراً فأولى أَن ينتفى اتخاذه معبوداً، ويجوز أَن يكون الكلام من الإِخراج على خلاف مقتضى الظاهر لإِمحاض النصح، كقوله تعالى "أية : ومالى لا أَعبد الذى فطرنى" تفسير : [يس: 22] {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} نعت للفظ الجلالة لأَنه للماضى، فليست السماوات مفعولا به لفظاً ولا تقديراً، فالإضافة محضة تفيد التعريف، كما أَن المنعوت معرفة، ولا يضر الفصل بينهما بجملة أَتخذ لأَنها غير أَجنبية إِذ عمل فعلها فى عامل الموصوف، ولا يترجح البدل بكون فصله أسهل، لأَنه يقابل بكون البدل من المشتق ضعيفاً، عن ابن عباس: ما عرفت معنى فاطر حتى اختصم إِلىَّ أعرابيان فى بئر، فقال أَحدهما: أَنا فطرتها أَى ابتدأتها، ومعنى فطرة الله ما أَبدع فى الناس من معرفته، والفطر، الإِيجاد على غير مثال كما فعل الله، وعلى مثال كما فى كلام ابن عباس، ولا يختص بالأَول كما قيل. {وَهُوَ يُطْعِمُ} غيره مأْكولا ومشروباً، ومن لم يطعمه فإِنه منسى {وَلاَ يُطْعَمُ} لا يرزقه غيره مأْكولا ولا مشروباً لأَنه لا يوصف بالأَكل والشرب، ولا يحتاج إِلى شئ، قال الله عز وجل "أية : ما أريد منهم من رزق وما أريد أَن يطعمون، إِن الله هو الرزاق" تفسير : [الذاريات: 57 - 58] وعبر بالخاص وهو الإِطعام عن العام وهو مطلق الرزق الشامل لكل منفعة على المجاز المرسل التبعى، واشتق منه يطعم بمعنى يرزق، وحكمه ذلك أَن الأَكل والشرب أَعظم الرزق، وأَعظم ما يحتاج إِليه منه قل أَو كثر {قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} أنقاد من هذه الأُمة، وذلك أَن كل نبى أَول أُمته فى الإِيمان بما أوحى إِليه لأَنه يعلم قبل غيره بما أُحى إِليه وتتبعه أُمته فيه أَو تكفر، وأَول من آمن به من هذا الإِيجاد، ولو أَوحى أَيضاً قبله وآمن غيره لنزوله قبل فهو موحى إِليه بأَن يسلم كغيره ويؤمن بنبوءَة نفسه ورسالته، وكأَنه أَرسل إِلى نفسه، وينبغى لكل آمر بشئ أَن يسبق إِلى عمله إِن كان مما له عمله، لأنه أَدعى إِلى الامتثال، كما قال موسى: "أية : سبحانك تبت إِليك"تفسير : [الأعراف: 143] أَو ذلك تحريض كما يأْمر الملك الرعية بشئ ويقول أَنا أَول من يفعل ليمتثلوا، ولا يلزم من الأَمر بشئ أَن يكون المأْمور قد امتنع منه، وهو صلى الله عليه وسلم لم يمتنع فلا إِشكال، لكن الحمل على هذا خلاف الأَصل {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ} عطف على قل عطف نهى على أَمر، ولا ناهية، كقولك: كلْ ولا تشرب، كلفه الله عز وجل أَن يقول إِنى أمرت، وبأَن لا يكون من المشركين، ولا حاجة إِلى تقدير: وقيل لى لا نكونن من المشركين، ولا إلى دعوى الالتفات من التكلم إِلى الخطاب، وأَن الأَصل ولا أَكونن عطفا على أمرت، وأَن لا نافية، وأَنه ساغ التوكيد لأَن المراد النهى، ولا إِلى دعوى تأْويل أَمرت بقيل لى فيكون العطف على أَن أَكون ولا ناهية.

الالوسي

تفسير : {قُلْ} للمشركين بعد توبيخهم بما سبق {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} إنكار لاتخاذ غير الله تعالى ولياً لا لاتخاذ الولي مطلقاً ولذا قدم المفعول الأول وأولى الهمزة ونحوه { أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ } تفسير : [الزمر: 64] والمراد بالولي هنا المعبود لأنه رد لمن دعاه صلى الله عليه وسلم، فقد قيل: إن أهل مكة قالوا له عليه الصلاة والسلام: يا محمد تركت ملة قومك وقد علمنا أنه لا يحملك على ذلك إلا الفقر فارجع فإنا نجمع لك من أموالنا حتى تكون من أغنانا فنزلت. واعترض بأن المشرك لم يخص عبادته بغير الله تعالى فالرد عليه إنما يكون لو قيل: أأتخذ غير الله ولياً. وأجيب بأن من أشرك بالله تعالى غيره لم يتخذ الله تعالى معبوداً لأنه لا يجتمع عبادته سبحانه مع عبادة غيره كما قيل: شعر : إذا صافى صديقك من تعادى فقد عاداك وانقطع الكلام تفسير : وقيل: الولي بمعنى الناصر كما هو أحد معانيه المشهورة، ويعلم من إنكار اتخاذ غير الله تعالى ناصراً أنه لا يتخذه معبوداً من باب الأولى، ويحتمل الكلام ـ على ما قيل ـ أن يكون من الإخراج على خلاف مقتضى الظاهر قصداً إلى إمحاض النصح ليكون أعون على القبول كما في قوله تعالى: { أية : وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تفسير : [يۤس: 22]. {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي مبدعهما كما أخرجه ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. / وأخرج أبو عبيدة وابن جرير وابن الأنباري عنه رضي الله تعالى عنه قال: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها يقول: أنا ابتدأتها، وهو نعت للجلالة مؤكد للإنكار، وصح وقوعه نعتاً للمعرفة لأنه بمعنى الماضي سواء كان كلاماً من الله تعالى ابتداءً أو محكياً عن الرسول صلى الله عليه وسلم إذ المعتبر زمان الحكم لا زمان التكلم، ويدل على إرادة المضي أنه قرأ الزهري {فَطر } ولا يضر الفصل بينهما بالجملة لأنها ليست بأجنبية إذ هي عاملة في عامل الموصوف، وقيل: بدل من الاسم الجليل، ورجحه أبو حيان بأن الفصل فيه أسهل، وقرىء بالرفع والنصب على المدح أي هو فاطر أو امدح فاطر، وجوز أن يكون النصب على البدلية من {وَلِيّاً } لا الوصفية لأنه معرفة، نعم يجوز على قراءة الزهري أن تكون الجملة صفة له. {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } أي يرزق ولا يرزق كما أخرجه ابن جرير وغيره عن السدي، فالمراد من الطعم الرزق بمعناه اللغوي وهو كل ما ينتفع به بدليل وقوعه مقابلاً له في قوله تعالى: { أية : مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } تفسير : [الذاريات: 57] وعبر بالخاص عن العام مجازاً لأنه أعظمه وأكثره لشدة الحاجة إليه، ويحتمل أنه اكتفى بذكره عن ذكره لأنه يعلم من ذلك نفي ما سواه فهو حقيقة، والجملة في محل نصب على الحالية، وعن أبـي عمرو والأعمش وعكرمة أنهم قرأوا {ولا يطعم} بفتح الياء والعين أي ولا يأكل والضمير لله تعالى، ومثله قراءة أبـي عبلة بفتح الياء وكسر العين، وقرأ يعقوب بعكس القراءة الأولى أعني بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل، والضمير حينئذٍ في الفعلين لغير الله تعالى أي أتخذ من هو مرزوق غير رازق ولياً، والكلام وإن كان مع عبدة الأصنام إلا أنه نظر إلى عموم غير الله تعالى وتغليب أولي العقول كعيسى عليه الصلاة والسلام لأن فيه إنكار أن يصلح الأصنام للألوهية من طريق الأولى، وقد يقال: الكلام كناية عن كونه مخلوقاً غير خالق كقوله تعالى: { أية : لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } تفسير : [النحل: 20 والفرقان: 3] ويحمل الفعل على معنى النفع لا يرد شيء رأساً، وقرأ الأشهب {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } ببنائهما للفاعل، ووجهت إما بأن أفعل بمعنى استفعل كما ذكره الأزهري أي وهو يطعم ولا يستطعم أي لا يطلب طعاماً ويأخذه من غيره أو بأن المعنى يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله سبحانه وتعالى { أية : يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } تفسير : [البقرة: 245] والضميران لله تعالى، ورجوع الضمير الثاني لغير الله تعالى تكلف يحتاج إلى التقدير. {قُلْ } بعد بيان أن اتخاذ غيره تعالى ولياً مما يقضي ببطلانه بديهة العقول {إِنّى أُمِرْتُ } من جناب وليي جل شأنه {أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } وجهه لله سبحانه وتعالى مخلصاً له لأن النبـي عليه الصلاة والسلام مأمور بما شرعه إلا ما كان من خصائصه عليه الصلاة والسلام وهو إمام أمته ومقتداهم وينبغي لكل آمر أن يكون هو العامل أولاً بما أمر به ليكون أدعى للامتثال، ومن ذلك ما حكى الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام { أية : سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الأعراف: 143]. وقيل: إن ما ذكر للتحريض كما يأمر الملك رعيته بأمر ثم يقول وأنا أول: من يفعل ذلك ليحملهم على الامتثال وإلا فلم يصدر عنه صلى الله عليه وسلم امتناع عن ذلك حتى يؤمر به وفيه نظر. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } أي في أمر من أمور الدين، وفي الكلام قول مقدر أي وقيل لي: لا تكونن، فالواو من الحكاية عاطفة للقول المقدر على {أُمِرْتُ }، وحاصل المعنى إني أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك، وقيل: إنه معطوف على مقول {قُلْ} على المعنى إذ هو في معنى قل إني قيل لي كن أول مسلم ولا تكونن فالواو من المحكي، وقيل: إنه عطف على {قُلْ} / على معنى أنه عليه الصلاة والسلام أمر بأن يقول كذا ونهي عن كذا، وتعقب بأن سلاسة النظم تأبـى عن فصل الخطابات التبليغية بعضها عن بعض بخطاب ليس منها، وجوز أن يعطفه على {إِنّى أُمِرْتُ} داخلاً في حيز {قُلْ } والخطاب لكل من المشركين، ولا يخفى تكلفه وتعسفه، وعدم صحة عطف على {أَكُونَ} ظاهر إذ لا وجه للالتفات ولا معنى لأن يقال أمرت أن لا تكونن.

ابن عاشور

تفسير : . استئناف آخر ناشىء عن جملة: {أية : قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله}تفسير : [الأنعام: 12]. وأعيد الأمر بالقول اهتماماً بهذا المقول، لأنّه غرض آخر غير الذي أمر فيه بالقول قبله، فإنّه لمّا تقرّر بالقول، السابق عبودية ما في السماوات والأرض لله وأنّ مصير كلّ ذلك إليه انتقل إلى تقرير وجوب إفراده بالعبادة، لأنّ ذلك نتيجة لازمة لكونه مالكاً لجميع ما احتوته السماوات والأرض، فكان هذا التقرير جارياً على طريقة التعريض إذ أمر الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ بالتبرّىء من أن يعبد غير الله. والمقصود الإنكار على الذين عبدوا غيره واتّخذوهم أولياء، كما يقول القائل بمحضر المجادل المكابر (لا أجحد الحقّ) لدلالة المقام على أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصدر منه ذلك، كيف وقد علموا أنّه دعاهم إلى توحيد الله من أول بعثته، وهذه السورة ما نزلت إلاّ بعد البعثة بسنين كثيرة، كما استخلصناه ممّا تقدّم في صدر السورة. وقد ذكر ابن عطية عن بعض المفسّرين أنّ هذا القول أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم ليجيب المشركين الذين دعوه إلى عبادة أصنامهم، أي هو مثل ما في قوله تعالى: {أية : قل أفغير الله تأمروني أعبد أيّها الجاهلون}تفسير : [الزمر: 64]، وهو لعمري ممّا يشعر به أسلوب الكلام وإن قال ابن عطية: إنّ ظاهر الآية لا يتضمّنه كيف ولا بدّ للاستئناف من نكتة. والاستفهام للإنكار. وقدّم المفعول الأول لــ {أتّخذ} على الفعل وفاعله ليكون موالياً للاستفهام لأنّه هو المقصود بالإنكار لا مطلق اتّخاذ الوليّ. وشأن همزة الاستفهام بجميع استعمالاته أن يليها جزء الجملة المستفهم عنه كالمنكر هنا، فالتقديم للاهتمام به، وهو من جزئيات العناية التي قال فيها عبد القاهر أن لا بدّ من بيان وجه العناية، وليس مفيداً للتخصيص في مثل هذا لظهور أنّ داعي التقديم هو تعيين المراد بالاستفهام فلا يتعيّن أن يكون لغرض غير ذلك. فمن جعل التقديم هنا مفيداً للاختصاص، أي انحصار إنكار اتّخاذ الولي في غير الله كما مال إليه بعض شرّاح «الكشاف» فقد تكلّف ما يشهد الاستعمال والذوق بخلافه، وكلام «الكشاف» بريء منه بل الحقّ أنّ التقديم هنا ليس إلاّ للاهتمام بشأن المقدّم ـــ ليليَ أداة الاستفهام فيعلم أن محلّ الإنكار هو اتّخاذ غير الله وليّاً، وأما مّا زاد على ذلك فلا التفات إليه من المتكلم. ولعلّ الذي حداهم إلى ذلك أنّ المفعول في هذه الآية ونظائرها مثل {أية : أفغير الله تأمروني أعبد}تفسير : [الزمر: 64] {أية : أغير الله تدعون}تفسير : [الأنعام: 40] هو كلمة {غير} المضافة إلى اسم الجلالة، وهي عامّة في كلّ ما عدا الله، فكان الله ملحوظاً من لفظ المفعول فكان إنكار اتّخاذ الله وليّاً لأنّ إنكار اتّخاذ غيره وليّاً مستلزماً عدم إنكار اتّخاذ الله وليّاً، لأنّ إنكار اتّخاذ غير الله لا يبقى معه إلاّ اتّخاذ الله وليّاً؛ فكان هذا التركيب مستلزماً معنى القصر وآئلاً إليه وليس هو بدالّ على القصر مطابقة، ولا مفيداً لما يفيده القصر الإضافي من قلب اعتقاد أو إفراد أو تعيين، ألا ترى أنّه لو كان المفعول خلاف كلمة (غير) لما صحّ اعتبار القصر، كما لو قلت: أزيداً أتتّخذ صديقاً، لم يكن مفيداً إلاّ إنكار اتّخاذ زيد صديقاً من غير التفات إلى اتّخاذ غيره، وإنّما ذلك لأنّك تراه ليس أهلاً للصداقة فلا فرق بينه وبين قولك: أتتّخذ زيداً صديقاً، إلاّ أنّك أردت توجّه الإنكار للمتّخذ لا للاتّخاذ اهتماماً به. والفرق بينهما دقيق فأجد فيه نظرك. ثم إن كان المشركون قد سألوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتّخذ أصنامهم أولياء كان لتقديم المفعول نكتة اهتمام ثانية وهي كونه جواباً لكلام هو المقصود منه كما في قوله: {أية : أفغير الله تَأمُرُونيَ أعْبُدُ أيّها الجاهلون}تفسير : [الزمر: 64] وقوله: {أية : قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} تفسير : [الأعراف: 138] إلى قوله {أية : قال أغير الله أبغيكم إلهاً}تفسير : [الأعراف: 140]. وأشار صاحب «الكشاف» في قوله: {أغير الله أبغي ربّاً} الآتي في آخر السورة إلى أنّ تقديم {غير الله} على {أبغي} لكونه جواباً عن ندائهم له إلى عبادة آلهتهم. قال الطيبي: لأنّ كل تقديم إمّا للاهتمام أو لجواب إنكار. والوليّ: الناصر المدبّر، ففيه معنى العلم والقدرة. يقال: تولّى فلاناً، أي اتّخذه ناصراً. وسمّي الحليف وليّاً لأنّ المقصود من الحلف النصرة. ولمّا كان الإله هو الذي يرجع إليه عابده سمّي وليّاً لذلك. ومن أسمائه تعالى الولي. والفاطر: المبدع والخالقُ. وأصله من الفطر وهو الشقّ. وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيات في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتُها. وإجراء هذا الوصف على اسم الجلالة دون وصف آخر استدلال على عدم جدارة غيره لأن يتّخذ وليّاً، فهو ناظر إلى قوله: في أول السورة {أية : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون}تفسير : [الأنعام: 1]. وليس يغني عنه قوله قبله {أية : قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله}تفسير : [الأنعام: 12] لأنّ ذلك استدلال عليهم بالعبودية لله وهذا استدلال بالافتقار إلى الله في أسبَاب بقائهم إلى أجل. وقوله: {وهو يُطعم} جملة في موضع الحال، أي يُعطي الناس ما يأكلونه ممّا أخرج لهم من الأرض: من حبوب وثمار وكلأ وصيد. وهذا استدلال على المشركين بما هو مسلّم عندهم، لأنّهم يعترفون بأنّ الرازق هو الله وهو خالق المخلوقات وإنّما جعلوا الآلهة الأخرى شركاء في استحقاق العبادة. وقد كثر الاحتجاج على المشركين في القرآن بمثل هذا كقوله تعالى: {أية : أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون}تفسير : [الواقعة: 63، 64]. وأمّا قوله: {ولا يُطْعَمْ} ـــ بضم الياء وفتح العين ـــ فتكميل دالّ على الغنى المطلق كقوله تعالى: {أية : وما أريد أن يطعِمونِ}تفسير : [الذاريات: 57]. ولا أثر له في الاستدلال إذ ليس في آلهة العرب ما كانوا يطعمونه الطعام. ويجوز أن يراد التعريض بهم فيما يقدّمونه إلى أصنامهم من القرابين وما يهرقون عليها من الدماء، إذ لا يخلو فعلهم من اعتقاد أنّ الأصنام تنعم بذلك. {قُلْ إِنِّىۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ}. استئناف مكرّر لأسلوب الاستئناف الذي قبله. ومثار الاستئنافين واحد ولكن الغرض منهما مختلف، لأنّ ما قبله يحوم حول الاستدلال بدلالة العقل على إبطال الشرك، وهذا استدلال بدلالة الوحي الذي فيه الأمر باتّباع دين الإسلام وما بني عليه اسم الإسلام من صرف الوجه إلى الله، كما قال في الآية الأخرى {أية : فقل أسلمت وجهي لله}تفسير : [آل عمران: 20]، فهذا إبطال لطعنهم في الدين الذي جاء به المسمّى بالإسلام، وشعاره كلمة التوحيد المبطلة للإشراك. وبني فعل {أمرت} للمفعول، لأنّ فاعل هذا الأمر معلوم بما تكرّر من إسناد الوحي إلى الله. ومعنى {أوّل من أسلم} أنّه أول من يتّصف بالإسلام الذي بعثه الله به، فهو الإسلام الخاصّ الذي جاء به القرآن، وهو زائد على ما آمن به الرسل من قبل، بما فيه من وضوح البيان والسماحة، فلا ينافي أنّ بعض الرسل وصفوا بأنّهم مسلمون، كما في قوله تعالى: حكاية عن إبراهيم ويعقوب {أية : يا بنيّ إنّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون}تفسير : . وقد تقدّم بيان ذلك عند ذكر تلك الآية في سورة [البقرة: 132]. ويجوز أن يكون المراد أول من أسلم ممّن دعوا إلى الإسلام. ويجوز أن يكون الأول كناية عن الأقوى والأمكن في الإسلام، لأنّ الأول في كلّ عمل هو الأحرص عليه والأعلق به، فالأوليّة تستلزم الحرص والقوة في العمل، كما حكى الله تعالى عن موسى قوله:{أية : وأنا أول المؤمنين}تفسير : [الأعراف: 143]. فإنّ كونه أوّلهم معلوم وإنّما أراد: أنّي الآن بعد الصعقة أقوى الناس إيماناً. وفي الحديث: «حديث : نحن الآخرون الأولون يوم القيامة»تفسير : . وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: {أية : ولا تكونوا أول كافر به}تفسير : في سورة [البقرة: 41]. والمقصود من هذا على جميع الوجوه تأييس المشركين من عوده إلى دينهم لأنّهم ربّما كانوا إذا رأوا منه رحمة بهم وليناً في القول طمعوا في رجوعه إلى دينهم وقالوا إنّه دين آبائه. وقوله: {ولا تكوننّ من المشركين} عطف على قوله: {قل}، أي قل لهم ذلك لييْأسوا. والكلام نهي من الله لرسوله مقصود منه تأكيد الأمر بالإسلام، لأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، فذكر النهي عن الضدّ بعد ذلك تأكيد له، وهذا التأكيد لتقطع جرثومة الشرك من هذا الدين. و{من} تبعيضية، فمعنى {من المشركين} أي من جملة الذين يشركون، ويحتمل أنّ النهي عن الانتماء إلى المشركين، أي هو أمر بالبراءة منهم فتكون {من} اتّصالية ويكون {المشركين} بالمعنى اللقبي، أي الذي اشتهروا بهذا الاسم، أي لا يكن منك شيء فيه صلة بالمشركين، كقول النّابغة: شعر : فإنِّي لَسْتُ منك ولست منّي تفسير : والتأييس على هذا الوجه أشدّ وأقوى. وقد يؤخذ من هذه الآية استدلال للمأثور عن الأشعري: أنّ الإيمان بالله وحده ليس ممّا يجب بدليل العقل بل تتوقّف المؤاخذة به على بعثة الرسول، لأنّ الله أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أن ينكر أن يتّخذ غير الله وليّاً لأنّه فاطر السماوات والأرض، ثم أمره أن يقول {إنّي أمرت أن أكون أول من أسلم} ثم أمره بما يدلّ على المؤاخذة بقوله: {أية : إنّي أخاف إن عصيت ربّي إلى قوله فقد رحمه}تفسير : [الأنعام: 15، 16].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ}. يعني أنه تعالى هو الذي يرزق الخلائق، وهو الغني المطلق فليس بمحتاج إلى رزق. وقد بين تعالى هذا بقوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ} تفسير : [الذاريات: 56-58]، وقراءة الجمهور على أن الفعلين من الإطعام، والأول مبني للفاعل، والثاني مبني للمفعول، كما بيناه، وأوضحته الآية الأخرى. وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد، والأعمش. الفعل الأول كقراءة الجمهور، والثاني بفتح الياء والعين مضارع طعم الثلاثي بكسر العين في الماضي، أن أنه يرزق عباده، ويطعمهم وهو جل وعلا، لا يأكل، لأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه المخلوق من الغذاء، لأنه جل وعلا الغني لذاته، الغني المطلق، سبحانه وتعالى علواً كبيراً، {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} تفسير : [فاطر: 15]. والقراءة التي ذكرنا عن سعيد ومجاهد، والأعمش موافقة لأحد الأقوال في تفسير قوله تعالى {أية : ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} تفسير : [الإخلاص: 2] قال بعض العلماء {ٱلصَّمَدُ} السيد الذي يُلجأ إليه عند الشدائد والحوائج. وقال بعضهم: هو السيد الذي تكامل سؤدده وشرفه وعظمته، وعلمه وحكمته، وقال بعضهم {ٱلصَّمَدُ} هو الذي {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الاخلاص: 3-4]، وعليه فما بعده تفسير له. وقال بعضهم: هو الباقي بعد فناء خلقه. وقال بعضهم {ٱلصَّمَدُ} هو الذي لا جوف له، ولا يأكل الطعام، وهو محل الشاهد، وممن قال بهذا القول ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبد الله بن بريدة، وعكرمة، وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، والضحاك، والسدي. كما نقله عنهم ابن كثير وابن جرير وغيرهما. قال مقيده عفا الله عنه: من المعروف في كلام العرب، إطلاق الصمد على السيد العظيم، وعلى الشيء المصمت الذي لا جوف له، فمن الأول قول الزبرقان: شعر : سيروا جميعاً بنصف الليل واعتمدوا ولا رهينة إلا سيد صمد تفسير : وقول الآخر: شعر : علوته بحسام ثم قلت له خذها حذيف فأنت السيد الصمد تفسير : وقول الآخر: شعر : ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد تفسير : ومن الثاني قول الشاعر: شعر : شهاب حروب لا تزال جياده عوابس يعلكن الشكيم المصمدا تفسير : فإذا علمت ذلك، فالله تعالى هو السيد الذي هو وحده الملجأ عند الشدائد والحاجات، وهو الذي تنزه وتقدس وتعالى عن صفات المخلوقين كأكل الطعام ونحوه، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. قوله تعالى: {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} الآية. يعني أول من أسلم من هذه الأمة التي أُرسلت إليها، وليس المراد أول من أسلم من جميع الناس كما بينه تعالى بآيات كثيرة تدل على وجود المسلمين. قبل وجوده صلى الله عليه وسلم، ووجود أمته كقوله عن إبراهيم: {أية : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة: 131]، وقوله عن يوسف: {أية : تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [يوسف: 101]، وقوله {أية : يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} تفسير : [المائدة: 44] وقوله عن لوط وأهله، {أية : فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الذاريات: 36]، إلى غير ذلك من الآيات.

الواحدي

تفسير : {قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات والأرض} خالقهما ابتداءً {وهو يطعم ولا يطعم} يَرزق ولا يُرزق.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (14) - قُلْ لَهُمْ: إِنَّنِي لاَ أَطْلُبُ مِنْ غَيْرِ اللهِ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً، وَلاَ فِعْلاً وَلاَ مَنْعاً، وَلاَ أَتَّخِذُ غَيْرَهُ تَعَالَى وَلِيّاً لِي، فَهُوَ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَخَالِقُهُما وَمُبْدِعُهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ. وَهُوَ الذِي يَرْزُقُ العِبَادَ الطَّعَامَ، وَلَيْسَ هُوَ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يَرْزُقُهُ وَيُطْعِمُهُ، لأِنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الحَاجَةِ إِلى كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَقُلْ لَهُمْ بَعْدَ أَنِ اسْتَبَانَتْ لَهُمُ الأَدِلَّةُ عَلَى وُجُوبِ عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ: لَقَدْ أَمَرَنِي رَبِّي، جَلَّ شَأْنُهُ وَعَلاَ، أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ، وَانْقَادَ لأَِمْرِهِ، مِنْ تِلْكَ الأُمَّةِ التِي بُعِثْتُ فِيهَا، فَلاَ أَدْعُو إِلى شَيءٍ إِلاَّ كُنْتُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَقَدْ أَمَرَنِي رَبِّي بِأَلاَّ أَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ الذِينَ اتَّخَذُوا أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ لِيُقَرِّبُوهُمْ إِليهِ زُلْفَى. وَلِيّاً - مَعْبُوداً وَنَاصِراً وَمُعِيناً. فَاطِرِ - خَالِقِ وَمُبْدِعِ. هُوَ يُطْعِمُ - هُوَ يَزْرُقُ عِبَادَهُ. مَنْ أَسْلَمَ - مَنْ خَضَعَ للهِ بِالعُبُودِيَّةِ وَانْقَادَ لَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والهمزة هنا في "أغير" يسمونها همزة الإنكار كقول قائل: أتسب أباك؟ إنها ليست استفهاماً بقدر ما هي توبيخ ولوم. وكذلك: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً}. أي أن الحق يأمر رسوله أن يستنكر اتخاذ ولي غير الله. إن اتخاذ الله كولي هو أمر ضروري؛ لأن الإنسان تطرأ عليه أحداث تؤكد له أنه ضعيف وله أغيار، وساعة ضعف الإنسان لا بد أن يأوي إلى من هو أشد منه قوة ولا يتغير. إن الولي - وهو الله - قوته لا يمكن أن تصير ضعفاً، وغناه لا يمكن أن ينقلب فقراً، وعلمه لا يمكن أن يئول إلى جهل. إنه مُغيِّر ولا يتغير. ولذلك فمن نعمة الله على خلقه أنه جعل من نفسه وليّاً لهم، فهو صاحب الأغيار. والحق سبحانه وتعالى يعلِّم خلقه أن يكونوا أهل حكمة؛ يضعون الأمور في نصابها ويتوكلون عليه، فهو الحي الذي لا يموت. ونلحظ أن الحق هنا يأمر رسوله بالبلاغ عنه. وتتجلى هنا دقة الأداء القرآني فيأتي البلاغ كما نزل من الحق حرفياً. مثال ذلك قول الحق سبحانه: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1]. ويبلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالنص القرآني كما نزل عليه، مبتدئاً بكلمة "قل" ويبلغه الرسول لنا بأمانة البلاغ عن ربه. وهو هنا يقول: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً}. وهو الإله الذي جاءت كمالاته في الآيات السابقة؛ الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور وله ما سكن في الليل والنهار، هذا الإله الحق هو الجدير بالعبادة. ويريد الحق لرسوله أن يستخرج من الناس الإجابة، لا أن يقول هو: لا أتخذ ولياً غير الله، وسبحانه يأمر رسوله أن يسألهم: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً}. وليكن السؤال مطروحاً منك يا رسول الله تبليغاً عن الله، وتعطى لهم الحرية في الإجابة، وسيكون الجواب كما تريد. وعندما يسمع الإنسان مثل هذا السؤال لا بد أن يسأل نفسه ويدير عقله كي يجد جواباً. ولن يجد الإنسان جواباً سوى أن يقول: ليس لي وَليٌّ غير الله؛ فالولي هو القريب الذي ينصر الإنسان في ضعفه، وإن استصرخه جاء لينقذه. ولا يستصرخ الإنسان أحداً إلا إذا انتابه حادث جلل، فإذا ما جاء القوي ليغيث صاحبه الصرخة فهو يطمئن إلى أن من جاءه سيعينه ويخلصه. واتخاذ الولي أمر فطري في الكون، والأمر المنكر أن يجعل الإنسان لنفسه ولياً غير الله. ونحن - المؤمنين - يتخذ بعضنا بعضاً أولياء في إطار الولاية لله مصداقاً لقوله الحق: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تفسير : [التوبة: 71]. ويتبادل المؤمنون والمؤمنات المحبة والنصرة طبقاً للتعاقد الإيماني بينهم وبين الحق سبحانه وتعالى، ويأمر بعضهم بعضاً بأوامر المنهج، وينهى بعضهم بعضاً عن المحظورات التي حرمها الله ويتواصلون مع الحق بإقامة الصلاة. ويؤدون حق الله في مالهم بالزكاة، ويطيعون الله ويمتثلون أوامر رسوله، وهم بذلك ينالون وعد الله الحق بالرحمة، وهو سبحانه القادر على رعايتهم، وهو حكيم في صيانتهم، عزيز لا يغلبه أحد. إذن فأنت تطلب الولي لحظة الضعف، ولحظة الشدة، ولا يوجد إنسان استوت له كل زوايا الحياة فيصير قوياً لا يضعف أبداً، أو يصير غنياً لا يفتقر أبداً. ونعلم أن الإنسان من الأغيار، فلم نر قوياً ثبتت له قوته، ولا غنياً ثبت له ثراؤه؛ فالإنسان ابن الأغيار، وتأتي له حالات فوق قدرته؛ لذلك فهو يسأل عمن يعينه ويساعده. والمؤمن يحب أيضاً أن يكون قوياً ليساعد غيره؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قد وزع المواهب على خلقه في الكون ليضمن بقاء الولاية واستمراريتها، فأنت في احتياج إلى عمل إنسان آخر؛ لأنك ضعيف في ناحية وغيرك قوي فيها، الطبيب يحتاج إلى المهندس، والمهندس يحتاج إلى الطبيب، والطبيب والمهندس يحتاجان إلى الفلاح، والفلاح يحتاج إلى عمل المهندس والطبيب، والطبيب والمهندس والفلاح يحتاجون إلى عمل المحامي. هكذا وزع الله المواهب في الكون، ولم يجعل من إنسان مجمعاً لكل المواهب. وذلك حتى يتساند المجتمع لا بالتفضيل والتكرم بل بتساند الحاجة. فكل إنسان هو سيد في زاوية ما من زوايا الحياة، وبقية الزوايا يسودها غيره من البشر، ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [الزخرف: 32]. هذا هو الإعلان من الله سبحانه وتعالى بأنه وزع المواهب بين البشر ليتسادنوا ويُسخر بعضهم بعضاً في قضاء حوائج بعضهم بعضاً لتنتظم أمور الحياة. وفي هذا التقسيم رحمة من الحق بالخلق. فلو تساوى الناس في الذكاء، وصاروا كلهم من العباقرة، فمن هو الذي سيتولى أمور تنظيم الشوارع؟ ومن الذي سيقوم بأعمال وصيانة المباني ورعاية وإطعام الحيوان والقيام على أمره ونحو ذلك من الأمور التي لا تنتظم الحياة إلا بها؟ وكلنا يرى الرجل الذي ينزح آبار المجاري ويخرج في الصباح قائلاً: يا فتاح يا عليم، يا رزاق كريم. ويطلب بئراً جديداً من المجاري لينزحه حتى يكسب قوت نفسه وعياله. وكل منا مضطر ومحتاج إلى غيره، وهذا هو معنى: {أية : لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} تفسير : [الزخرف: 32]. إذن فاتخاذ الولي هو أمر فطري. والإيمان بالله يعطينا ذكاء اختيار الولي. فالإنسان المؤمن عليه أن يختار الولي الذي يجده عندما يحتاج إليه؛ لذلك فعليه أن يختار ولاية الله، ولا يختار ولاية الأغيار. فيسخر الله للمؤمن حتى عدوه ليخدمه. لذلك يبلغنا الحق على لسان رسوله: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} والذين ينكرون علينا أن نتخذ الله ولياً ويريدون أن نتخذ غيره يرون في أنفسهم المثل . . فقد يخيب رجاؤهم، فالإنسان منهم قد يتخذ إنساناً مثله ولياً، وساعة يحتاج إليه يجده مريضاً أو غائباً أو تغير قلبه عليه، لكن المؤمن يختار الله وليه لأنه الذي لا يغيب ولا يتغير، ولا يضعف. ولا ينكر القرآن أن يتخذ الإنسان له ولياً من البشر، ولكن الحق يدلنا على أنه الولي الحق، وأن المؤمن عليه أن يتخذ إخوته المؤمنين أولياء له؛ لأنها ولاية من الله وفى الله. وأنت أيها المسلم حين تختار الحق سبحانه وتعالى ولياً لك فهو الذي يُحْضر لك كل زوايا المواهب ويعدُّها ويهيئها لتكون في خدمتك؛ لأنه سبحانه وتعالى: {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} وقد خلق السموات والأرض على غير مثال. وسبحانه قد أبدع هذا الكون دون نموذج مسبق. وحين أراد سيدنا عيسى عليه السلام أن يثبت لقومه معجزته جاء بالطين وجعله كهيئة الطير، إذن فهناك مثال سبقه ووجده واتبعه. وعيسى إنسان من الخلق، أما خالق كل الخلق فقد خلق السموات والأرض على غير مثال. وأنت أيها الإنسان قد لا تلتفت إلى مسألة خلق السموات والأرض لأنك تراهما كل لحظة بصورة رتيبة، وقد تظن أنها مسألة سهلة، ولكن الحق سبحانه يقول: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [غافر: 57]. وهو سبحانه يقسم أن خلق السموات والأرض مسألة أكبر وأدق من خلق الناس لكن أكثر الناس لا تعلم ذلك. فسبحانه وتعالى يقول: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} تفسير : [الذاريات: 47]. وفي قوله {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} إشارة إلى خلق هذا الكون المرئي وغير المرئي؛ لأن هناك الكثير من الأجرام والمجموعات الشمسية، وما وراء ذلك من اتساع ذلك الكون ما لا يدركه العقل ولا يمكنه تحديده، وهذه السعة المذهلة هي من قدرة الله سبحانه وتعالى. {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}. ونجد الحق يستخدم كلمة "فاطر" مرة في شيء مُصْلح، وأخرى في شيء مفسد. والمثال للشيء المصلح هو ما يقوله الحق هنا: {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي أنه خالق السمٰوات والأرض على غير مثال سابق وباقتدار محكم. ويقول الحق سبحانه في موضع آخر: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} تفسير : [الانفطار: 1]. أي أن الحق ينبه هنا إلى يوم الهول والأعظم الذي تنشق فيه السماء وتتساقط فيه الكواكب فلا يؤدي أي شيء منها مهمته؛ لأن الله - سبحانه - سلبها ما كانت به صالحة. ويقول أيضاً: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} تفسير : [الملك: 3]. فالحق لا يعجز عن شيء، وهو الخالق لسبه سموات بإتقان بعضها فوق بعض، فلا يرى الناظر أي خلل في هذا الخلق، وليُعد الإنسان النظر إلى السماء فلن يجد أي خلل من شقوق أو فروق. و "فطور" هنا معناها شقوق. إذن فالحق - بتمام قدرته - يعطي الشيء من الصفات ما يجعله صالحاً لأداء ما خُلِق له فلا يظنن ظان أنه خرج عن قدرة خالقه - سبحانه - وخلق السمٰوات والأرض بتمام إبداع وإحكام، وهو القادر على أن يفطرهما ويجعلهما غير صالحتين في أي وقت شاء، ومثلهما الشمس تُكَوَّر، والنجوم تُطْمَس، والجبال تنسف. وقال عالم من العلماء: ما فهمت كلمة "فاطر" إلا حين جاء أعرابي، وقال فلان ينازعني في بئر أنا فطرته. أي أن الأعرابي هو الذي بدأ حفر البئر. إذن فاطر السمٰوات والأرض. . أي الذي خلقهما على غير مثال. وسبحانه وتعالى القائل: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنبياء: 30]. وهذا القول الحكيم لم يصل إلى فهمه العميق من سبقونا، لكن إنسان هذا العصر الذي نعيشه فهمها بعد أن توصل العلماء إلى أن السمٰوات والأرض كانتا كتلة واحدة وفصلَهُما الحق بإرادته. وجعل من الماء حياة لكل كائن حي. إذن هو سبحانه قادر على كل شيء، ولا يخرج شيء عن نطاق قدرته. وهو سبحانه قبل أن يمتن علينا الحياة فهو يحذرنا أن يأخذنا الغرور بهذه الحياة، ولذلك قال: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ} تفسير : [الملك: 1-2]. وكأنه ينبه الإنسان إلى أن يستقبل الحياة، ليعرف أنه سبحانه أوجد ناقض الحياة وهو الموت، فإياك أن تأخذ الحياة على أنها تعطيك قوة الحركة والإدراك والإرادة برتابة وأبدية؛ لأن هناك ناقض الحياة وهو الموت. وها هو ذا سبحانه يقول في موضع آخر من القرآن الكريم: {أية : أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الواقعة: 58-61]. والإنسان لا يرى الحيوانات المنوية المقذوفة منه في رحم زوجه، ولا أحد يقدر على ذلك ويرعاه حتى يصير جنيناً ثم بشراً، ولكن الحق هو المقدر والخالق، إنّه القادر الذي أعطانا الحياو وقدّر علينا الموت ولا غالب له، إنه يبدل صورنا حين يريد، ويخلق غيرنا وينشئنا في صور لا نعرفها، وهو الواهب للحياة، وهو الذي ينزعها بالموت. ويقول لنا: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} تفسير : [الواقعة: 63-64]. هنا ينبهنا جل وعلا إلى أن الزرع الذي نأكله، والثمار التي نجنيها من الأرض ليس لنا فيها إلا إلقاء البذور، وهو سبحانه الذي أودع في البذرة عجائب مختزنة، ففي البذرة ما يقتيها إلى أن يوجد لها جذير يمتص غذاءها من الأرض، فَتَنمو لها ساق، ثم تقوى الجذور، وتشتد الساق. ولا عمل للإنسان إلا إلقاء البذرة وحرث الأرض. ومع ذلك احترم الحق عمل الإنسان فقال: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} تفسير : [الواقعة: 63]. وعن الماء يقول الحق: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} تفسير : [الواقعة: 68-70]. هذا الماء العذب الذي نشربه إنما أنزله الله من السحاب الممطر، وعملية الإمطار هذه غاية في التعقيد. والماء الساري في الأنهار إنما جاء من المطر الذي تم إنزاله من السماء. فقد أرسل الحق أشعة الشمس لتبخر الماء من البحار، وتتجمع في سحب ثم يجري الله عليها أمره من مرور تيارات هواء باردة فتسقط مطراً. ونحن عندما نقطّر كوب ماء في معمل، نأتي بموقد وإناء ووقود، ونضع الماء المراد تقطيره فيتبخر، ثم نكثف قطرات البخار بواسطة تيار من الهواء البارد. ومثل هذه العملية تكلفنا الكثير من العمل الذهني والمادي لبناء مثل هذا الجهاز حتى نقطر كوباً من الماء، فما بالنا بالمطر الذي ينزل مدراراً وسيولاً. إننا نجد ثلاثة أرباع الكرة الأرضية من ماء، إنه سبحانه - بسطه على رقعة واسعة، حتى يسهل البخر. وإذا ما نثرنا كوب ماء على سطح متسع في أبرد مكان فلسوف يتبخر. وهذا الانتشار المسطح للمياه هو الذي يسهل عملية البخر. ويصعد البخار من مياه المحيطات والبحر إلى أعالي الجو ثم يتكثف في صورة قطرات صغيرة من الماء تتساقط كمطر يتفاوت من منطقة إلى أخرى. وسبحانه قد أعدّ لكل أمر عدته. وهو أيضاً القادر على أن يذهب صلاح هذا الماء. ويقول لنا الحق: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} تفسير : [الواقعة: 71-73]. ويذكرنا هنا سبحانه بأنه الذي خلق النار التي نشعلها، وقد جاء بالمصدر الأول للوقود، وهي الأخشاب التي كانت أشجاراً خضراء وبعد ذلك جفت وصارت أخشاباً نوقدها ونشعل فيها النار. وفي كل ذلك تتجلّى لنا قدرة الحق سبحانه وتعالى، فنسبح باسمه العظيم: {أية : فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الواقعة: 74]. وننزهه سبحانه وتعالى عن أن يكون له شريك في أمور الخلق والكون. إذن فعندما يقول الحق سبحانه مبلغاً رسوله: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} [الأنعام: 14]. هذا السؤال يجبرنا على أن ندير أمر اختيار الولي في رءوسنا وأن نُعْمِلَ أفكارنا، وأن نعرف أن اتخاذ الولي أمر وارد على النفس البشرية، ولكن من الذي يستحق أن نتخذه ولياً؟ ونجد في تربية الحق لنا ما يعيننا على استنباط الفكرة السليمة والرأي الرشيد حين يقول لنا: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} تفسير : [الفرقان: 58]. ونعلم أن الإنسان لو اتخذ ولياً من البشر فهذا عرضة للموت، فتحس أيها الإنسان أنك وحيد في هذا الكون، ولكنك عندما تتوكل على الله فهو حيّ لا يموت أبداً، وهو سبحانه: {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} وهو الذي خلق السموات والأرض على غير مثال، وهو الذي يطعمنا من مطمور كنوز الأرض التي أرادها قوتاً لنا. ولماذا جاء الحق هنا بمسألة الطعام؟ إن الطعام لون من الرزق، والرزق - كما نعلم - رزق ينتفع به مباشرة؛ ورزق يأتي لنا بما ننتفع به مباشرة. فلو إن إنساناً في صحراء ومعه جبل من الذهب الخالص ولم يجد كوب من ماء ولا رغيف خبز، فجبل الذهب لا يساوي شيئاً. إن جبل الذهب رزق ولكن لا ينتفع به مباشرة. والرزق الذي ننتفع به مباشرة هو الطعام والشراب والكسوة. ونحن نحتاج إلى الطعام والشراب كل يوم، ونحتاج إلى ملابس جديدة مرة كل ستة أشهر في المتوسط. إذن فالرزق المباشر هو المقوّم الأساسي للحياة. والولي الذي ينصر لا بد أن تتوافر فيه القدرة على الإطعام الذي يمدنا بالقدرة التي هي أساس الحياة إنها طاقة استمرار الإنسان على الأرض. فالأم تطعم طفلها وهي تَطْعَم أيضاً بما يأتيها زوجها من طعام. والحق سبحانه وتعالى وحده هو الذي يُطعم كل الخلق ولا يُطعمه أحد. . وحينما نسلسل كل عطاء في الدنيا نجده يئول إلى الله تعالى. إذن فلا تجعل وليّك في الوسائط، بل اجعله في الغايات؛ لأن الوسائط كلها راجعة في الحقيقة إلى الله، ويأتي الأمر من الحق لرسوله: {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ}. وهذا الأمر يجيء من الآمر الأعلى وهو الله. فالرسول لم يقل: إن هذا الأمر منه؛ لأنه بشر مثلنا، وسبحانه أبلغ رسولنا أن يكون هو أول من أسلم، وأن ينال شرف الالتزام بمبادئ الإسلام، والمثال على ذلك أن كل قائد مسلم هو القدوة لغيره، فها هو ذا طارق بن زياد الذي فتح الأندلس وهي مُلْك عريض، ونزل من السفن وقال لجنوده: أنا لم آمركم أمراً عنه بنجوةٍ - أي أنا بعيد عنه - بل أنا معكم، واعلموا أني عندما يلتقي الجمعان حامل بنفسي على طاغية القوم "لزريق" فقاتِلُهُ إن شاء الله. إنه لم يأمر بأمر لم يطبقه على نفسه، بل طبقه على نفسه أولاً، وآفة الأوامر أن كل إنسان يأمر أمراً ولا يطبقه على نفسه. ومن قبل ذلك كان سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد حكم نفسه أولاً فحكم الدنيا، لقد جمع أقاربه أولاً وقال لهم: إني سأشرع للمسلمين، والذي نفسي بيده من خالفني منكم إلى شيء فيه لأجعلنه نكالاً للمسلمين. لقد أراد عمر - رضوان الله عليه - أن يَحْكم أقاربه أولاً ضارباً المثل لولي أي أمر ليحكم أقاربه أولاً، وأن يحذرهم أن يستغلوا اسمه، ليستقيم الأمر بين المسلمين؛ لأن الآفة أننا نجد الكثير من الناس تتكلم في الإسلام، ويريد كل إنسان من غيره أن يكونوا مسلمين بينما هو لا يطبق على نفسه مبادئ الإسلام. والحق سبحانه وتعالى أنزل لرسوله الأمر: {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ}. ومعنى "أسلم" أي ألقى زمام حياته إلى من يثق في حكمته وعدله وهو الحق سبحانه وتعالى. وعندما كنا صغاراً كنا نلقي زمام أمورنا لمن يتولى تربيتنا، ونرى الآباء والأمهات وهم يتعبون ويشقون، نطيع أوامرهم إلى أن نصل إلى المراهقة فتنمو فينا الذاتية، ونجد المراهق وهو يرفض مثلاً ارتداء البنطلون القصير ويرتدي البنطلون الطويل. ويختار ألوان ملابسه في ضوء الأزياء الحديثة السائدة. وبعد ذلك يبدأ الشاب في إدارة أموره بنفسه. وآفة حياتنا أننا نهمل تربية الأبناء وهم صغار، ثم نأتي لنقول: هيا لنربي الشباب متناسبين أن الشباب مرحلة تمتلئ بطاقة يمكن أن يستغلها المجتمع، والتربية السليمة زمانها الطفولة. {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ}. وها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل عن رب العزة، ويخبرنا أنه صلى الله عليه وسلم أول المسلمين، وأنه تلقى الأمر بعدم الشرك بالله. فإياكم أيها المسلمون أن تتعاظموا عل مثل هذا الأمر؛ لأن المصطفى المختار هو أول من أمره الحق بذلك، وإياك أيها المسلم أن تجد غضاضة في أن تتلقى أمراً من خالقك؛ لأن الغضاضة قد تأتيك عندما يصدر إليك أمرٌ من مساوٍ لك، لكن التوجيه الصادر من الحق لا بد أن يلزمك وترتضيه نَفْسُك ويطمئن به قلبك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجهد نفسه عندما يقابل حادثة ليس فيها حكم الله، ويأتي الرسول صلى الله عليه وسلم بحكم من عنده، فإن كان الحكم صحيحاً فإن الحق ينزل من القرآن ما يؤكده، وإن احتاج الحكم إلى تعديل، فإن الحق سبحانه ينزل التعديل اللازم للحكم، ويبلغنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعديل الحق سبحانه وتعالى له ولا يجد غضاضة في ذلك، بل يبلغنا ببشاشة وصدق وأمانة أنَّه البلاغ عن الله. والحق سبحانه وتعالى قد مَنَّ على رسوله صلى الله عليه وسلم عندما لم يعدل في الحكم احتراماً لاجتهاده صلى الله عليه وسلم فيقول سبحانه: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} تفسير : [التوبة: 43]. لقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض المنافقين بالتخلف عن القتال قبل أن يتبين أمرهم ليعلم الصادق منهم - في عذره - من الكاذب. وجاء العفو من الله لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهد ببشريته وأبلغنا الرسول بما أنزله الله. ونحن في حياتنا اليومية - ولله المثل الأعلى - نفتح كراسة الابن فنجد أن فيها شطباً بالقلم الأحمر، فنسأل الابن: من الذي فعل ذلك؟ فيقول الابن: صوب لي المدرس الأول هذا الموضوع. هو لم يتحدث عن تصويب المدرس، ولكن عن تصويب من هو أعلى من المدرس. وهذا شرف للتلميذ. فما بالنا بالمصوِّب الأعلى سبحانه وتعالى. وها هو ذا الرسول صلى الله عليه وسلم يتلقى عن الله: {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} معناهُ مُبتدئءُ خَلْقِها. والفُطُورُ: الصِّدُوعُ.

همام الصنعاني

تفسير : 803- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ في قوله تعالى: {فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}: [الآية: 14]، قال: خالق السماوات والأرض.