٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَّن يُصْرَفْ } بالبناء للمفعول أي العذاب، وللفاعل أي الله، والعائد محذوف {عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ } تعالى أي أراد له الخير {وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } النجاة الظاهرة.
ابن عادل
تفسير : "مَنْ" شرطيةٌ، ومَحَلُّها يحتمل الرَّفْعَ والنصب، كما سيأتي بيانه. وقرأ الأخوان، وأبو بكر عن عاصم: "يَصْرِف" بفتح الياء وكسر الراء على تسمية الفاعل. والباقون بضمِّ الياء وفتح الراء على ما لم يُسَمَّ فاعله. فأمَّا في القراءة الأولى، فـ "مَنْ" فيها تَحْتَمِلُ الرفع والنصب، فالرفعُ من وجهٍ واحدٍ، وهو الابتداء، وخبرها فعل الشَّرطِ أو الجواب أو هما، على حَسَبِ الخلاف، وفي مفعول "يَصْرِف" حينئذ احتمالان: أحدهما: أنه مَذْكُورٌ وهو "يومئذ"، ولا بُدَّ من حَذْفِ مَضَافٍ، أي: من يَصْرِفِ اللَّه عنه هَوْلَ يومئذ أو عذابَ يومئذ - فقد رحمه - فالضمير في "يَصْرِف"، يعود على اللَّهِ تعالى، ويدلُّ عليه قراءة أبَيِّ بن كعبٍ "مَنْ يَصْرِف اللَّهُ" بالتصريح به. والضميران في "عنه" و "رحمه" لـ "مَنْ". والثاني: أنه محذوف لدلالةِ ما ذكر عليه قَبْلَ ذلك، أي: مَنْ يَصْرف اللَّهُ عنه العذاب "يومئذ" منصوب على الظرِفِ. وقال مكيٌ: "ولا يَحْسُنُ أن تُقَدَّر هاء؛ لأن الهاء إنما تُحْذَفُ من الصِّلاتِ". قتل شهابُ الدين: يعني أنه لا يُقَدَّر المَفْعُولُ ضميراً عائداً على عذاب يوم؛ لأن الجملة الشرطية عنده صِفَةٌ لـ "عَذَاب"، والعائِدُ منها محذوف، لكنَّ الحَذْفَ إنما يكون من الصِّلَةِ لا من الصِّفَةِ، وهذا معنى قول الواحديّ أيضاً، إلاَّ أنَّ قَوْلَ مَكي "إنما يُحْذَفُ من الصِّلاتِ" يريدُ في الأحسن، وإلاَّ فيحذف من الصِّفاتِ والأخبار والأحوال، ولكنَّه دون الصِّلة. والنصبُ من وجهين: أحدهما: أنَّه مفعول مُقَدَّمٌ لـ "يَصْرِف" والضمير في "عنه على هذا يتعيَّنُ عودهُ على العذابِ المتقدمّ، والتقدير: أيَّ شخصٍ يصرفِ اللَّهُ عن العذاب. والثاني: أنه مَنْصُوبٌ على الاشْتِغَالِ بفعلٍ مُضْمَرٍ لا يبرز، يفسره هذا الظَّاهِرُ من معناه لا من لَفْظِهِ، والتقدير: مَنْ نُكْرِمْ أو مَنْ نُنَجِّ يَصْرِف اللَّه. والضمير في "عنه" للشرطية. وأمَّا مفعول "يَصْرِفْ" على هذا فَيَحْتَمِلُ الوجهين المُتقدَّمينِ، أعني كونه مذكوراً، وهو "يومئذٍ" على حَذْفِ مُضافٍ، أو محذوفاً اختصاراً. وأمَّا القراءة الثَّانية فـ "مَنْ" تحتمل وجهين: أحدهما: أنها في مَحَلّ رفع بالابتداء، وخبره ما بعده على ما تقدَّم والفاعل المَحْذُوفُ هو اللَّهُ - تعالى - يَدُلُّ عليه قراءةُ أبيّ المُتقدِّمةُ وفي القائم مقامه أربعة أوجه: أحدهما: أنه ضمير العذاب، والضمير في "عنه" يعود على "مَنْ" فقط، والظرف فيه حينئذ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب بـ "يصرف". والثاني: أنه منصوب بالعذاب، أي: الذي قام ضميره مقام الفاعل، قاله أبو البقاء - رضي الله عنه -. ويلزم منه إعْمَالُ المصدر مضمراً، وقد يقال: يُغْتَفَرُ ذلك في الظروف. الثالث: قال أبو البقاء: "إنه حال من الضمير" - يعني الضمير الذي قامَ مقامَ الفاعل، وجازَ وقوع الحال ظَرْفَ زمان؛ لأنها في معنًىلا عن جُثّة. الثاني من الأوجه الأربعة: أن القَائِمَ مقام الفاعل ضميره "مَنْ" والضمير في "عنه" يعُود على العذاب، والظَّرف منصوب، إمَّا بـ "يُصْرف" وإمَّا على الحالِ من هاء "عنه". والثالث: من أوجه العامل في "يومئذٍ" متعذِّرٌ هنا وهو واضح، والتقديرُ: أي شخصٍ يُصْرف هو عن العذاب. الثالث: أنَّ القائم مقام الفاعل "يومئذ" إمَّا على حذف مضاف أي: من يُصْرَف عنه فَزَعُ أو هَوْلُ يومئذ، وإمَّا على قيام الظرف دون مضاف، كقولك: "سير يوم الجمعة"، وإنما بُنِيَ "يومئذٍ" على الفَتْحِ لإضافته إلى غير مُتَمَكِّنٍ، ولو قُرِئَ بالرفع لكان جِائِزاً في الكلام، وقد قرئ: {أية : وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} تفسير : [هود:66] فتحاً وجراً بالاعتبارين، وهما اعتبارانِ مُتَغَايِرَان. فإن قيل: يلزمُ على عدم تقدير حَذْفِ المضاف إقامةُ الظَّرْفِ غير التام مقام الفاعل، وقد نصُّوا على أنَّ الظَّرْفِ المقطُوعَ عن الإضافة لا يُخبَرُ به، ولا يقوم مقام فاعل، ولو قلت: "ضُرب قبلُ" لم يَجُزْ، والظرف هنا في حكم المقطوع عن الإضافة فلا يجوز هنا قيامه مقام الفاعل، إلاَّ على حَذْفِ مضاف، فالجواب أن هذا في قُوَّة الظَّرْفِ المضاف؛ إذ التنوين عِوَضٌ عنه، وهذا ينتهضُ على رَأي الجمهور أما الأخفش فلا، لأنَّ التنوين عنده تَنْوِينُ صَرْفٍ والكَسْرُ كَسْرُ إعراب. والرابع: أنَّ القائم مقامَهُ "عنه"، والضميرُ في "عنه" يعودُ على "مَنْ"، و "يومئذٍ" منصوب على الظَّرْفِ، والعامل فيه "يُصْرَفْ"، ولا يجوز الوجهان الأخيران، أعني نَصْبَهُ على الحالِ، لأن الضمير للجُثَّة والزَّمَان لا يقع حالاً عنهما، كما لا يَقَعُ خبراً، وأعني كونه مَعْمُولاً للعذاب، إذ ليس هو قائماً مقام الفاعلِ. والثاني من وَجْهي "مَنْ" أنها في مَحَلِّ نصب بفعل مُضْمَرٍ يفسّره الظاهرُ بعده، وهذا إذا جعلنا "عنه" في مِحَلِّ نصب بأنْ يُجْعَلَ القائم مقامَ الفاعل: إمَّا ضميرَ العذاب، وإمَّا "يومئذ". والتقدير: مَنْ يكرم اللَّهُ، أو من يُنَجِّ يُصْرَفْ عنه العذابُ أو هولُ يومئذ، ونظيره: "زيدٌ به مُرُور حسن"، أقمت المصدر فبقي "عنه" منصوب المَحَلّ. والتقدير: جاوزت زيداً مُرَّ به مُرُورُ حسن، وأمَّا جُعل "عنه" قائماً مقام الفاعل تعيَّنَ رفعُه بالابتداء. وأعلم أنه متى قلت: مَنْصُوبٌ على الاشتغال، فإنما يُقدَّر الفعل بعد "مَنْ"؛ لأن لها صدر الكلام، ولذلك لم أظْهِره إلاَّ مؤخّراً، ولهذه العِلَّةِ منع بعضهم الاشتغال فيما له صَدْرُ الكلام كالاسْتِفهَامِ والشرط. والتنوين في "يومئذٍ عوضٌ عن جُمْلَةٍ مَحْذُوفةٍ تضمَّنها الكلام السَّابق. والتقدير: يومئذٍ يكون الجزاء، وإنَّما قلنا ذلك؛ لأنه لم يتقدَّم في الكلام جملةٌ مُصَرَّحٌ بها يكون التنوين عَوَضاً منها، وقد تقدَّم خلافُ الأخفش. وهذه الجملة الشَّرطيَّةُ يجوز فيها وجهان: الاستئناف، والوصف لـ "عذاب يوم"، فحيثُ جعلنا فيها ضميراً يعود على عذاب يوم، إمَّا مِنْ "يُصَرف"، وإمَّا مِنْ "عنه" جاز أن تكون صفةً وهو الظَّاهر، وأن تكون مُسْتأنفةً، وحَيْثُ لم نجعلْ فيها ضميراً يعود عليه - وقد عرفت كيفية ذلك - تعيَّنَ أن تكون مُسْتَأنَفَةً، ولا يجوز أن تكون صِفَةً لخلوِّها من الضمير. وَرجَّح بعضهم إحْدى القراءَتَيْنِ على الأخرى، وذلك على عَادَتِهِمْ، فقال أبو عَلِيٍّ الفارسي: قراءة "يَصْرِف" يعني المبنيَّ للفاعل أحْسَنُ لمناسبة قوله: "رحمه"، يعني: أنَّ كُلاًّ منهما مَبْنيٌّ للفاعل، ولم يقل: "فقد رُحِمَ" واختارها أبو حَاتِم، وأبو عُبَيْد، ورجَّحَ بعضهم قراءة المبنى للمفعول بإجماعهم على قراءة قوله: {أية : لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} تفسير : [هود: 8] يعني في كونه أتى بصيغة اسم المَفْعُول المُسْنَدِ إلى ضمير العذابِ المذكور أوَّلاً. ورجَّحَهَا محمد بن جرير بأنها أقَلُّ إضماراً، ومكي - رحمه الله - تَلَعْثَم في كلامه في ترجيحه لقراءة الأخوين، وأتى بأمثلةٍ فَاسِدَةٍ في كتاب "الهداية" له. قال ابن عطية: "وقد تقدَّمَ أوَّلَ الكتاب عن ثَعْلبٍ وغيره من العلماء أنَّ ترجيح إحدى القراءاتِ المتواترة على الأخرى بحيث تُضَعَّفُ الأخرى لا يجوز". والجملة من قوله: "فقد رحمه" في محلّ جَزْمٍ على جواب الشرط والفاء واجبة. قوله: "وذلِكَ الفَوزُ" مبتدأ وخبر جيء بهذه الجُمْلَةِ مقرِّرةً لما تقدَّم من مضمون الجملة قبلها، والإشارَةُ بـ "ذلك" إلى المَصْدَرِ المفهوم من قوله: "يُصْرف"، أي: ذلك الصرف. و"المبين" يحتمل أن يكون مُتَعَدِّياً، فيكون المفعول مَحْذُوفاً، أي: المبين غيرَه، وأن يكون قاصراً بمعنى يبين، وقد تقدَّمَ أنَّ "أبان"، يكون قاصراً بمعنى "ظَهَرَ"، ومتعدّياً بمعنى "أظهر".
ابو السعود
تفسير : {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ} على البناء للمفعول أي العذاب، وقرىء على البناء للفاعل والضمير لله سبحانه، وقد قرىء بالإظهار، والمفعول محذوف وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ} ظرف للصرف، أي في ذلك اليوم العظيم، وقد جوز أن يكون هو المفعول على قراءة البناء للفاعل بحذف المضاف أي عذاب يومئذ {فَقَدْ رَحِمَهُ} أي نجاه وأنعم عليه وقيل: فقد أدخله الجنة كما في قوله تعالى: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ }تفسير : [آل عمران، الآية 185] والجملة مستأنفةٌ مؤكِّدةٌ لتهويل العذاب، وضميرُ عنه ورَحمه (لمن)، وهو عبارة عن غير العاصي {وَذَلِكَ} إشارة إلى الصرف أو الرحمة، لأنها مؤوّلة بأن مع الفعل وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد مكانه في الفضل، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى: {ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} أي الظاهرُ كونُه فوزاً وهو الظَفَر بالبُغية، والألف واللام لقصره على ذلك. {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ} أي ببليةٍ كمرَض وفقر ونحو ذلك {فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ} أي فلا قادرَ على كشفه عنك {إِلاَّ هُوَ} وحده {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} من صِحةٍ ونعمةٍ ونحو ذلك {فَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدُيرٌ} ومن جملته ذلك، فيقدِرُ عليه فيمسَسْك به ويحفَظْه عليك من غير أن يقدِرَ علي دفعه، أو على رفعه أحدٌ، كقوله تعالى: {أية : فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ }تفسير : [يونس، الآية 107] وحملُه على تأكيد الجوابـين يأباه الفاء. روي «حديث : عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أُهدي للنبـي صلى الله عليه وسلم بغلةٌ أهداها له كسرى، فركِبها بحبْل من شعر ثم أردفني خلفه ثم سار بـي ميلاً، ثم التفت إلي فقال: «يا غلام» فقلت: لبـيك يا رسول الله. فقال: "أحفَظِ الله يحفَظْك، احفظ الله تجدْه أمامك، تعرَّفْ إلى الله في الرخاء يعرِفْك في الشدة، وإذا سألت فاسألِ الله، وإذا استعنت فاستعنْ بالله، فقد مضىٰ القلمُ بما هو كائن، فلو جَهَدَ الخلائقُ أن ينفعوك بما لم يقضِه الله لك لم يقدِروا عليه، ولو جَهَدوا أن يضروك بما لم يكتُبِ الله عليك ما قدَروا عليه، فإن استطعتَ أن تعملَ بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطِعْ فاصبر، فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن مع الكرْب فرَجاً، وأن مع العسر يسراً""تفسير : . {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} تصويرٌ لقهره وعلوِّه بالغَلَبة والقُدرة {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} في كل ما يفعله ويأمر به {ٱلْخَبِيرُ} بأحوال عبادِه وخفايا أمورِهم، واللام في المواضع الثلاثة للقصر. {قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً} روي (أن قريشاً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد لقد سألنا عنك اليهودَ والنصارى فزعموا أنْ ليس عندهم ذكرٌ ولا صفةٌ فأرِنا من يشهد لك أنك رسولُ الله فنزلت). (فأيّ) مبتدأ و(أكبرُ) خبره و(شهادة) نُصب على التميـيز وقوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ} أمرٌ له عليه الصلاة والسلام بأن يتولَّى الجواب بنفسه، إما للإيذان بتعيُّنه وعدمِ قدرتهم على أن يجيبوا بغيره، أو لأنهم ربما يتلعثمون فيه لا لتردُّدهم في أنه أكبرُ من كل شيء، بل في كونه شهيداً في هذا الشأن، وقوله تعالى: {شَهِيدٌ} خبرُ مبتدأ محذوف، أي هو شهيد {بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} ويجوز أن يكون (الله شهيد بـيني وبـينكم) هو الجواب، لأنه إذا كان هو الشهيدَ بـينه وبـينهم كان أكبرُ شيءٍ شهادةً شهيداً له عليه الصلاة والسلام، وتكريرُ (البـين) لتحقيق المقابلة {وَأُوحِىَ إِلَىَّ} أي من جهته تعالى {هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ} الشاهدُ بصِحة رسالتي {لأِنذِرَكُمْ بِهِ} بما فيه من الوعيد، والاقتصارُ على ذكر الإنذار لما أن الكلام مع الكفرة {وَمَن بَلَغَ} عطفٌ على ضمير المخاطَبـين أي لأنذركم به يا أهلَ مكةَ وسائرَ مَنْ بلغه من الأسودِ والأحمرِ أو من الثقلَيْن، أو لأنذركم به أيها الموجودون ومَنْ سيوجد إلى يوم القيامة، وهو دليل على أن أحكام القرآن تعمُّ الموجودين يوم نزولِه ومن سيوجد بَعْدُ إلى يوم القيامة، خلا أن ذلك بطريق العبارة في الكل عند الحنابلة، وبالإجماع عندنا في غير الموجودين وفي غير المكلفين يومئذ كما مر في أول سورة النساء {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ} تقرير لهم مع إنكار واستبعاد {قُل لاَّ أَشْهَدُ} بذلك وإن شهدتم به فإنه باطل صِرْف {قُلْ} تكرير للأمر للتأكيد {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} أي بل إنما أشهد أنه تعالى لا إلٰه إلا هو {وَإِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ} من الأصنام أو من إشراككم.
القشيري
تفسير : من أدركه سابقُ عنايته صَرَفَ عنه لاحِقَ عقوبته.
اسماعيل حقي
تفسير : {من يصرف عنه يومئذ} اى من يصرف عنه العذاب فى ذلك اليوم العظيم ويومئذ ظرف للصرف {فقد رحمه} اى نجاه وانعم عليه {وذلك} الصرف {الفوز المبين} اى النجاة الظاهرة.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة الا حفصاً، ويعقوب {من يصرف} بفتح الياء وكسر الراء. الباقون بضم الياء وفتح الراء. وفاعل {يصرف} هو الضمير العائد الى "ربي" من قوله: {إِني أخاف إن عصيت ربي}. ويكون حذف الضمير العائد الى العذاب، والمعنى من يصرف الله عنه، وكذلك هو في قراءة أبي. قال أبو علي: وليس حذف الضمير بالسهل لانه ليس بمنزلة الضمير الذي يحذف من الصلة اذا عاد الى الموصول، نحو {أية : أهذا الذي بعث الله رسولا}تفسير : و {أية : سلام على عباده الذين اصطفى ءالله}تفسير : أي بعثهم الله واصطفاهم، ولا يعود الضمير المحذوف - ها هنا - الى موصول ولا الى {من} التي للجزاء، وانما يرجع الى العذاب من قوله {إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم}، وليس هذا بمنزلة قوله {أية : والحافظين فروجهم}تفسير : لان هذا فعل واحد قد تكرر وعدي الاول فيهما الى المفعول، فعلم بتقدير الاول أن الثاني بمنزلته. والذي يحسن قراءة من قرأ {يصرف} بفتح المياء أن ما بعده من قوله {فقد رحمه} فعل مسند الى ضمير اسم الله. فقد اتفق الفعلان في الاسناد الى هذا الضمير، فيمن قرأ {يصرف} بفتح الياء. ويقويه أيضا أن الهاء المحذوفة من (يصرفه) لما كان في حيز الجزاء، وكان ما في حيزه في أنه لا يتسلط على الموصول، حسن حذف الهاء منه كما حسن حذفها من الصلة. ومن ضم الياء فالمسند اليه الفعل المبني للمفعول ضمير العذاب المتقدم ذكره، ويقوي ذلك قوله {أية : ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم}تفسير : ألا ترى أن الفعل بني للمفعول، وفيه ضمير العذاب. وقال الزجاج: التقدير من يصرف الله عنه العذاب فيمن فتح الياء. ومن ضم الياء، فتقديره من يصرف عنه العذاب.
الجنابذي
تفسير : {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ} عن النّبىّ (ص) "حديث : والذى نفسى بيده ما من النّاس احد يدخل الجنّة بعمله، قالوا ولا انت يا رسول الله؟ - قال (ص): ولا انا الاّ أن تغمّدنى الله برحمةٍ منه وفضل" تفسير : {وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} مقول القول اومستأنف من الله.
اطفيش
تفسير : {مَن يُصرفْ عَنه يَومئذٍ فَقَد رَحمهُ} أنعم عليه، ومن وشرطها وجوابها جملة نعت لعذاب، وضمير يُصرف عائد إلى عذاب أو حال مقدرة، أو مستأنفة، ومعنى يومئذ يوم إذ يكون ذلك العذاب، وقرأ حمزة والكسائى ويعقوب وأبو بكر، عن عاصم: يَصرف بالبناء للفاعل الذى هو الله تعالى، وقرأ أبى بن كعب: من يصرف الله بذكر الفاعل ظاهراً، ففى قراءة الجمهور المفعول ضمير العذاب نائب عن الفاعل المستتر، وفى قراءة حمزة ومن معه وأبى المفعول محذوف، أى ومن يصرف عنه العذاب، ومن يصرف الله عنه العذاب، ويومئذ ظرف متعلق بيصرف، والمفعول يومئذ على حذف مضاف، أى من يصرف عنه هول يومئذ، أو عذاب يومئذ، ومن يصرف الله عنه هول يومئذ، أو عذاب يومئذ. {وذَلكَ} الصرف {الفَوْز المبينُ} لأنه نجاة من النار، يعقبها دخول الجنة، أو ذلك المذكور من الرحمة.
اطفيش
تفسير : {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ} من والشرط والجواب نعت ليوم، وهو وجه حسن، ولا وجه لمنعهم إِياه، وضمير يصرف للعذاب، وهو رابط النعت، وهاء عنه لمن، ويجوز العكس والأَول أَولى، لأَن أَصل الصرف أَن يطلق على المتوجه إِلى غيره وهو هنا العذاب، وتنوين إِذ عوض عن جملة بعث أَو قام من قبره، ومعنى فقد رحمه حقق الله له إِدخال الجنة، أَو أَراد له فى الأَزل أَن يرحم بصرف العذاب عنه، وأَنعم عليه بنجاته منه، أَو رحمه الرحمة العظمى، كقولهم من أَدرك مرعى الصمان فقد أَدرك، أَى أَدرك المرعى التام، من صرف المطلق إِلى الكامل، ويضعف أَن يكون المعنى أَنه لا يبقى بلا جنة {وَذَلِكَ} المذكور من صرف العذاب، ومن الرحمة، وهذا أَولى من رجوع الإِشارة إِلى أَحدهما فقط، ووجه ردها إِلى الرحمة تأْويلها بالمذكور، أَو إِلى الرحم - باسكان الحاء وضم الراء أَو ضمها بلا تاء - إِلا أَن الرحم بلا تاء قليل {الفَوْزُ} النجاة من المكروه والظفر بالحبوب {الْمُبِينُ} الواضح، فمن زحزح عن النار.. إِلخ.
الالوسي
تفسير : {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ} أي من يصرف العذاب عنه فنائب الفاعل ضمير العذاب، وضمير {عَنْهُ } يعود على {مِنْ }، وجوز العكس أي من يصرف عن العذاب. و {مِنْ} على الوجهين مبتدأ خبره الشرط أو الجواب أو هما على الخلاف، والظرف متعلق بالفعل أو بالعذاب أو بمحذوف وقع حالاً من الضمير. وجوز أن يكون نائب الفاعل. وهل يحتاج حينئذٍ إلى تقدير مضاف أي عذاب يومئذٍ أم لا؟ فيه خلاف فقيل: لا بد منه لأن الظرف غير التام أي المقطوع عن الإضافة كقبل وبعد لا يقام مقام الفاعل إلا بتقدير / مضاف و {يَوْمَئِذٍ } له حكمه. وفي «الدر المصون» لا حاجة إليه لأن التنوين لكونه عوضاً يجعل في قوة المذكور خلافاً للأخفش. وذكر الأجهوري أن التنوين هنا عوض عن جملة محذوفة يتضمنها الكلام السابق والأصل يوم إذ يكون الجزاء ونحو ذلك، والجملة مستأنفة مؤكدة لتهويل العذاب؛ وجوز أن تكون صفة {عَذَابِ }. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم {من يصرف } على أن الضمير فيه لله تعالى. وقرأ أبـي {من يصرف ٱللَّه } بإظهار الفاعل والمفعول به محذوف أي العذاب أو {يَوْمَئِذٍ } بحذف المضاف أو يجعل اليوم عبارة عمار يقع فيه، و {مِنْ } في هذه القراءة أيضاً مبتدأ. وجوز أبو البقاء أن تجعل في موضع نصب بفعل محذوف تقديره من يكرم يصرف الله العذاب عنه فجعل يصرف تفسيراً للمحذوف، وأن يجعل منصوباً بيصرف ويجعل ضمير {عَنْهُ} للعذاب أي أي إنسان يصرف الله تعالى عنه العذاب. {فَقَدْ رَحِمَهُ } أي الرحمة العظمى وهي النجاة كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعة فقد أحسنت إليه تريد فقد أتممت الإحسان إليه، وعلى هذا يكون الكلام من قبيل من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك و « حديث : من كانت هجرته إلى الله تعالى » تفسير : الخبر، ومن قبيل صرف المطلق إلى الكامل، وقيل: المراد فقد أدخله الجنة فذكر الملزوم وأريد اللازم لأن إدخال الجنة من لوازم الرحمة إذ هي دار الثواب اللازم لترك العذاب. ونقض بأصحاب الأعراف، وأجيب بأن قوله تعالى: {وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } حال مقيدة لما قبله، والفوز المبين إنما هو بدخول الجنة لقوله تعالى: { أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } تفسير : [آل عمران: 185] وأنت تعلم أنه إذا قلنا: إن الأعراف جبل في الجنة عليه خواص المؤمنين كما هو أحد الأقوال لا يرد النقض، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك، وما ذكر من الجواب مبني على ما لا يخفى بعده، والداعي إلى التأويل اتحاد الشرط والجزاء الممتنع عندهم. وقال بعض الكاملين: إن ما في النظم الجليل نظير قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه » تفسير : يعني بالشراء المذكور، وإن اختلاف العنوان يكفي في صحة الترتيب والتعقيب، ولك أن تقول: إن الرحمة سبب للصرف سابق عليه على ما تلوح إليه صيغة الماضي والمستقبل والترتيب باعتبار الاخبار. وتعقبه الشهاب بأنه تكلف لأن السبب والمسبب لا بد من تغايرهما معنى، والحديث المذكور منهم من أخذ بظاهره ومنهم من أوله بأن المراد لا يجزيه أصلاً وهو دقيق لأنه تعليق بالمحال. وأما كون الجواب ماضياً لفظاً ومعنى ففيه خلاف حتى منعه بعضهم في غير كان لعراقتها في المضي اهـ فليفهم. والإشارة إما إلى الصرف الذي في ضمن {يُصْرَفْ } وإما إلى الرحمة، وذكر لتأويل المصدر بأن والفعل. ومنهم من اعتبر الرحم بضم فسكون أو بضمتين وهو ـ على ما في «القاموس» ـ بمعنى الرحمة. ومعنى البعد للإيذان بعلو درجة ما أشير إليه، والفوز الظفر بالبغية، وأل لقصره على المسند إليه.
الواحدي
تفسير : {من يصرف عنه} أَي: العذاب {يومئذ} يوم القيامة {فقد رحمه} فقد أوجب الله له الرَّحمة لا محالة. {وإن يمسسك الله بضر...} الآية. أيْ: إنْ جعل الضُّرَّ وهو المرض والفقر يمسُّك. {وهو القاهر} القادر الذي لا يعجزه شيء {فوق عباده} أَيْ: إنَّ قهره قد استعلى عليهم، فهم تحت التَّسخير. {قل أي شيء أكبر شهادة} قال أهل مكة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: ائتنا بمَنْ يشهد لك بالنُّبوَّة، فإنَّ أهل الكتاب ينكرونك، فنزلت هذه الآية، أمر الله تعالى محمداً عليه السَّلام أن يسألهم، ثمَّ أمر أن يخبرهم فيقول: {الله شهيد بيني وبينكم} أَي: الله الذي اعترفتم بأنَّه خالق السَّموات والأرض، والظُّلمات والنُّور يشهد لي بالنُّبوَّة بإقامة البراهين، وإنزال القرآن عليَّ. {وأوحي إلي هذا القرآن} المُعجز بلفظه ونظمه وأخباره، عمَّا كان ويكون {لأنذركم} لأخوِّفكم {به} عقاب الله على الكفر {ومَنْ بلغ} يعني: ومَنْ بلغه القرآن من بعدكم، فكلُّ مَنْ بلغه القرآن فكأنَّما رأى محمداً عليه السَّلام. قل: {أإنكم لتشهدون أنَّ مع الله آلهة أخرى} استفهام معناه الجحد والإِنكار {قل لا أشهد... } الآية. {الذين آتيناهم الكتاب} مفسَّرة في سورة البقرة. {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} أَيْ: لا أحد أظلم ممَّن اختلق على الله كذباً. يعني: الذين ذكرهم في قوله: {أية : وإذا فعلوا فاحشة...} تفسير : الآية. {أو كذَّب بآياته} بالقرآن وبمحمد عليه السَّلام {إنَّه لا يفلح الظالمون} لا يسعد مَنْ جحد ربوبيَّة ربِّه، وكذَّب رسله، وهم الذين ظلموا أنفسهم بإهلاكها بالعذاب. {ويوم} واذكروا يوم {نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم} أصنامكم وآلهتكم {الذين كنتم تزعمون} أنَّها تشفع لكم، وهذا سؤال توبيخ. {ثم لم تكن فتنتهم} أَيْ: لم تكن عاقبة افتتانهم بالأوثان وحبِّهم لها {إلاَّ أن} تبرَّؤوا منها فـ {قالوا والله ربنا ما كنا مشركين}. {انظر} يا محمد {كيف كذبوا على أنفسهم} بجحد شركهم في الآخرة {وضلَّ} وكيف ضلَّ ذلك: زال وبطل {عنهم ما كانوا يفترون} بعبادته من الأصنام.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَوْمَئِذٍ} (16) - وَمَنْ يُحَوَّلُ عَنْهُ العَذَابُ فِي ذلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ (يُصْرَفْ عَنْهُ)، فَيَكُونُ اللهُ تَعَالَى قَدْ رَحِمَهُ، وَأَدْخَلَهُ الجَنَّةً، وَإِنَّ النَجَاةَ فِي ذلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ مِنَ العَذَابِ، ثُمَّ دُخُولَ الجَنَّةِ، هُمَا الفَوْزُ الذِي لاَ فَوزَ أَعْظَمُ مِنْهُ. صُرِفَ عَنْهُ - جُنِّبَهُ وأُبْعِدَ عَنْهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فكأن من لا يُصرف عنه هذا العذاب هو من ينجذب إلة قوة العذاب؛ لأن لنار جهنم شهيقاً يجذب ويسحب إليه الذين قُدِّرَ عليهم العذاب ويقول سبحانه: {أية : وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ * إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ} تفسير : [الملك: 6-7]. والذين يكفرون بالله لهم العذاب الذي يبدأ بسماع شهيق جهنم في أثناء فورانها. والشهيق كما تعلم هو قوة تجذب وتسحب الهواء إلى الأنف والصدر، فما بالنا بقوة شهيق جهنم وهي تسحب وتجذب الذين وقع عليهم الأمر بالعذاب؟ وهذه النار نفسها ترد على سؤال الحق لها عندما تسمع قوله: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30]. إذن فقوة العذاب التي جعلها الله مهمة لجنهم هي التي تلح وتندفع لطلب المزيد من عقاب الكافرين. وسبحانه خلق كل شيء ليؤدي مهمة، والنار مهمتها أن تتمثل لأمر الحق تبارك وتعالى عندما يأمرها بمباشرة مهمتها؛ لذلك فهي تلح في طلب الذين سيتلقون العذاب، ولا تخرج النار أبداً عن أمر الله وقدره، فإن صَرَف الحق العذاب عن عبد من العباد فالنار تمتثل لذلك الأمر. {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ} وسبحانه فعال لما يريد، وهو إن حاسبنا بالعدل فكل منا يسميه شيء من عذاب جهنم؛ ولكن رحمة الله هي التي تجعل النار لا تمس المؤمنين؛ لأنه سبحانه وتعالى يعفو عن كثير؛ ولأن للنار شهيقاً، فهي تستنشق المكتوب عليهم العذاب، ونعلم أن الشهيق يتم بسرعة أكبر من الزفير. والشهيق في الحياة يكون للهواء. والسبب ازدياد سرعة الشهيق عن الزفير أن في الشهيق مهمة استدامة الحياة الأولى وهي إمداد الجسم بالهواء، والإنسان - كما نعلم - لا يصبر على الهواء إلا لأقل مدة ممكنة. ومن رحمة الله أنه لم يملِّك الهواء لأحد. وهذا الشهيق الذي يعطي الحياة في الأرض يوجد - أيضاً - في الآخرة وهو منسوب إلى النار، إنها تشهق لتبتلع العصاة، وهي بذلك تؤدي مهمتها الموكولة لها. ونعرف أيضاً أن النار تؤدي مهمتها بغيظ طبقاً لما قاله الحق سبحانه: {أية : تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ} تفسير : [الملك: 8]. فهل تؤدي النار مهمتها وهي غير راضية عنها؟ وهل تختلف النار عن كل كائنات الحق التي تؤدي مهمتها بسعادة وانسجام؟ إن النار تَمَيَّزُ من الغيظ لأن الكافر من هؤلاء لم يعرف قيمة الإيمان، وللنار مشاعر مثل بقية المخلوقات. وللكون كله مشاعر؛ فالكون - على سبيل المثال - قد فرح بميلاد محمد صلى الله عليه وسلم؛ فالأرض والسماء والنجوم والشجر وكل الكون فرحت بمقدم الرسول الكريم؛ لأن كل هذه الكائنات مسخرة للإنسان وهي مسبحة لله وطائعة بطبيعتها، مثلما يأتي البشير ليهدي الإنسان إلى الصراط المستقيم ليجعله طائعاً، فهي تفرح بمقدم هذا البشير. ونعرف أن المكان يوجد به الإنسان، هذا المكان يفرح إن كان الإنسان فيه طائعاً، وهذا المكان نفسه يحزن إن كان الإنسان عاصياً، ويضج المكان - أي مكان - بوجود أي عاص فيه. ونرى ذلك واضحاً في قول الحق سبحانه وتعالى عن قوم فرعون: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} تفسير : [الدخان: 25-29]. والأرض التي كان بها قوم فرعون كان لها مشاعر، والجنات والأنهار والعيون وكل النعم التي ينعم بها الإنسان لها مشاعر وأحاسيس، وهي تغضب وتسخط وتضج بوجود الكافرين بنعمة الله فيها، ولذلك لا تبكي السماء والأرض على الخسف والتنكيل بهؤلاء العصاة الكافرين المشركين. بينما تبكي السماء والأرض إن فارقها مؤمن، ولنا في قول الإمام علي - كرم الله وجهه - إيضاح لهذا؛ فقد قال: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء، وموضع في الأرض. أما موضعه في السماء فهو مصعد عمله الطيب، وأما موضعه في الأرض فهو موضع مُصلاَّه. وفي الحديث: "حديث : إذا مات أحدكم عُرض عليه مقعد بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ". تفسير : إذن فموضع صعود عمل الإنسان في السماء يحزن؛ لأن هناك فقداناً لعمل صالح يمر فيه، وموضع صلاة الإنسان يفقد سجود إنسان خشوعاً لله، ولكل الكائنات المخلوقة لله مشاعر، وكل شيء في الكون يؤدي مهمته بقانون التسيير والتسخير لا قانون التخيير، الإنسان - فقط - هو الذي يحيا بقانون التخيير في بعض أحواله؛ لأنه قادر على الطاعة، وقادر على المعصية. ولذلك فعندما نرى السجود لله في القرآن فإننا نسمع قول الحق: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [الحج: 18]. إذن فكل الكائنات تسجد له ما عدا كل أفراد الإنسان؛ فكثير منه يسجد لله وكثير منه يحق عليه العذاب لأنه لا يطيع الحق. ومن يعص منهج الله غير مؤمن به يطرده الله من رحمته، ومن يهنه الله بذلك فليس له تكريم أبداً. وقد أجمع الكون على السجود لله، إلا الإنسان فمنه الصالح المنسجم بعمله مع خضوع الكون لله، ويفرح به الكون، ومنه يغضب منه الكون لأنه يعصي الله. إن اللغة العربية توضح لنا ذلك؛ فالعرب يقولون: فلان نَبَتْ به الأرض من النَّبْوَة وهي الجفوة والبعد والإعراض. . أي أن الأرض تكره شخصاً بعينه؛ لأنه لا انسجام للأرض مع كائن عاصٍ. ويقول الحق عن الذين يصرف عنهم العذاب من فرط رحمته بعباده لأنهم أطاعوه وكانت معاصيهم تغلبهم في بعض الأحيان فيتوبون عنها.:br> {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} [الأنعام: 16]. ونعلم أن هذا الفوز هو أرقى درجات الفوز؛ ذلك أن الفوز درجات؛ فالفوز في الدنيا كالنجاح أو المال أو غير ذلك هو فوز مُعرَّض لأن يضيع. وهو عُرضة لأن يترك الإنسان أو يتركه الإنسان، لكن فوز الآخرة هو الفوز الدائم الذي لا ينتهي. وهذا هو الفارق بين نعم الدنيا ونعم الآخرة، والإنسان يتنعم في الدنيا على قدر تصوره للنعيم، فنجد الريفي - مثلاً - يتصور النعيم أن تكون له مِصطبة أمام داره يجلس عليها، وعدد من القلل التي تمتلئ بالماء النقي، فإذا ما انتقل هذا الريفي إلى المدينة فهو يتصور النعيم في منزل متسع فيه أثاث فاخر وأدوات كهربائية من ثلاجة وغير ذلك، إذن فإمكانات النعيم مختلفة على حسب تصور الإنسان، أما نعيم الآخرة فهو نعيم لا يفوته الإنسان ولا يفوت الإنسان؛ لأنه نعيم من صنع الخالق الواسع والعطاء . . إن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولذلك فالفوز بنعيم الآخرة هو الفوز المبين. والحق سبحانه وتعالى هو المحيط بكل شيء عِلْمًا واقتداراً: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ...}
همام الصنعاني
تفسير : 804- وقال: في قوله تعالى: {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ}: [الآية: 16]، قال: من يصرف عنه العذاب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):