٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا دليل آخر في بيان أنه لا يجوز للعاقل أن يتخذ غير الله ولياً، وتقريره أن الضر اسم للألم والحزن والخوف وما يفضي إليها أو إلى أحدها. والنفع اسم للذة والسرور وما يفضي إليهما أو إلى أحدهما. والخير اسم للقدر المشترك بين دفع الضر وبين حصول النفع فإذا كان الأمر كذلك فقد ثبت الحصر في أن الإنسان إما أن يكون في الضر أو في الخير لأن زوال الضر خير سواء حصل فيه اللذة أو لم تحصل. وإذا ثبت هذا الحصر فقد بيّن الله تعالى أن المضار قليلها وكثيرها لا يندفع إلا بالله، والخيرات لا يحصل قليلها وكثيرها إلا بالله. والدليل على أن الأمر كذلك، أن الموجود إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته أما الواجب لذاته فواحد فيكون كل ما سواه ممكناً لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، وكل ما سوى الحق فهو إنما حصل بإيجاد الحق وتكوينه فثبت أن اندفاع جميع المضار لا يحصل إلا به، وحصول جميع الخيرات والمنافع لا يكون إلا به، فثبت بهذا البرهان العقلي البين صحة ما دلّت الآية عليه. فإن قيل: قد نرى أن الإنسان يدفع المضار عن نفسه بماله وبأعوانه وأنصاره، وقد يحصل الخير له بكسب نفسه وبإعانة غيره، وذلك يقدح في عموم الآية. وأيضاً فرأس المضار هو الكفر فوجب أن يقال إنه لم يندفع إلا بإعانة الله تعالى. ورأس الخيرات هو الإيمان، فوجب أن يقال أنه لم يحصل إلا بإيجاد الله تعالى، ولو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يستحق الإنسان بفعل الكفر عقاباً ولا بفعل الإيمان ثواباً. وأيضاً فإنا نرى أن الإنسان ينتفع بأكل الدواء ويتضرر بتناول السموم، وكل ذلك يقدح في ظاهر الآية. والجواب عن الأول: أن كل فعل يصدر عن الإنسان فإنما يصدر عنه إذا دعاه الداعي إليه لأن الفعل بدون الداعي محال، وحصول تلك الداعية ليس إلا من الله تعالى. وعلى هذا التقدير فيكون الكل من الله تعالى وهكذا القول في كل ما ذكرتموه من السؤالات. المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر إمساس الضر وإمساس الخير، إلا أنه ميّز الأول عن الثاني بوجيهين: الأول: أنه تعالى قدم ذكر إمساس الضر على ذكر إمساس الخير، وذلك تنبيه على أن جميع المضار لا بدّ وأن يحصل عقبيها الخير والسلامة. والثاني: أنه قال في إمساس الضر {فَلاَ كَـاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ } وذكر في إمساس الخير {فَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدُيرٌ } فذكر في الخير كونه قادراً على جميع الأشياء وذلك يدل على أن إرادة الله تعالى لايصال الخيرات غالبة على إرادته لايصال المضار. وهذه الشبهات بأسرها دالة على أن إرادة الله تعالى جانب الرحمة غالب، كما قال: (سبقت رحمتي غضبي).
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} المسُّ والكشف من صفات الأجسام، وهو هنا مجاز وتَوسُّع؛ والمعنى: إن تنزِل بك يا محمد شدّة من فقر أو مرض فلا رافع وصارِف له إلاّ هو، وإن يصِبك بعافية ورخاءٍ ونعمة {فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من الخير والضر؛ حديث : روى ٱبن عباس قال: كنتُ رَدِيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: «يا غلام ـ أو يا بنيّ ـ أَلاَ أعلِّمك كلماتٍ ينفعك الله بِهنّ»؟ فقلت: بلى؛ فقال: «ٱحفظِ الله يَحفظْك ٱحفظِ الله تَجِدْه أمامك تَعرَّف إلى الله في الرَّخاءِ يَعْرِفْك في الشدّة إذا سألتَ فٱسأل الله وإذا ٱستعنتَ فاستعِنْ بالله فقد جَفَّ القلمُ بما هو كائنٌ فلو أنّ الخلق كلهم جميعا أرادوا أن يضروك بشيء لم يَقضِه الله لك لم يقدروا عليه وٱعمل لله بالشكر واليقين وٱعلم أنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً وأنّ النّصر مع الصّبر وأن الفرَجَ مع الكَرْب وأن مع العسر يسراً» تفسير : أخرجه أبو بكر بن ثابت الخطيب في كتاب «الفصل والوصل» وهو حديث صحيح؛ وقد خرجه الترمذيّ، وهذا أتم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً: أنه مالك الضر والنفع، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، { وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدُيرٌ} كقوله تعالى: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} تفسير : [فاطر: 2]، وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» تفسير : ولهذا قال تعالى: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} أي: وهو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه، وعظمته وعلوه، وقدرته على الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت قهره وحكمه، {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} أي في جميع أفعاله {ٱلْخَبِيرُ} بمواضع الأشياء ومحالها، فلا يعطي إلا من يستحق، ولا يمنع إلا من يستحق، ثم قال: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدةً} أي: من أعظم الأشياء شهادة؟ {قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي: هو العالم بما جئتكم به، وما أنتم قائلون لي، {وَأُوحِيَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لأنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} أي: وهو نذير لكل من بلغه، كقوله تعالى: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هود: 17] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع وأبو أسامة، وأبو خالد، عن موسى ابن عبيدة، عن محمد بن كعب، في قوله: {وَمَن بَلَغَ} من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، زاد أبو خالد: وكلمه، ورواه ابن جرير من طريق أبي معشر: عن محمد بن كعب، قال: من بلغه القرآن، فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم، وقال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة، في قوله تعالى: {لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله» تفسير : وقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو كالذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ينذر بالذي أنذر، وقوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ} أيها المشركون أي {أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لاَّ أَشْهَدُ} كقوله: {أية : فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} تفسير : [الأنعام: 150] {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِىءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} ثم قال تعالى مخبراً عن أهل الكتاب: أنهم يعرفون هذا الذي جئتهم به، كما يعرفون أبناءهم بما عندهم من الأخبار والأنباء عن المرسلين المتقدمين والأنبياء، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته، وبلده ومهاجره وصفة أمته، ولهذا قال بعده: {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} أي: خسروا كل الخسارة {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء، ونوهت به في قديم الزمان وحديثه ثم قال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَٰتِهِ} أي: لا أظلم ممن تقوَّل على الله، فادعى أن الله أرسله، ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن كذب بآيات الله، وحججه وبراهينه ودلالاته، {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي لا يفلح هذا ولا هذا، لا المفتري ولا المكذب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ } بلاء كمرض وفقر {فَلاَ كَاشِفَ } رافع {لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ } كصحة وغنى {فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدُيرٌ } ومنه مَسُّكَ به ولا يقدر على ردّه عنك غيره.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} فيه وجهان: أحدهما: معناه إن أَلْحَقَ الله بك ضُراً، لأن المس لا يجوز على الله. والثاني: معناه وإن جعل الضُرَّ يمسك. وكذلك قوله: {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ}. وفي الضُرِّ والخير وجهان: أحدهما: أن الضُرَّ السُقْمُ، والخير العافية. والثاني: أن الضُرَّ الفقر، والخير الغنى. قوله عز وجل: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} فيه قولان: أحدهما: أن معناه القاهر لعباده، وفوق صلة زائدة. والثاني: أنه بقهره لعباده مستعلٍ عليهم، فكان قوله فوق مستعملاً على حقيقته كقوله تعالى: {أية : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِم} تفسير : [الفتح: 10] لأنها أعلى قوة. ويحتمل ثالثاً: وهو القاهر فوق قهر عباده، لأن قهره فوق كل قهر. وفي هذا القهر وجهان: أحدهما: أنه إيجاد المعدوم. والثاني: أنه لا راد لأقداره ولا صَادَّ عن اختياره. قوله عز وجل: {قَلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} الآية، في سبب [نزول] ذلك قولان: أحدهما: أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشهد لك النبوة، فأنزل الله تعالى هذه الآية يأمره فيها أن يقول لهم: {أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً}، ثم أجابه عن ذلك فقال: {قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} يعني: بصدقي وصحة نبوتي وهي أكبر الشهادات، قاله الحسن. والثاني: أن الله تعالى أمره أن يشهد عليهم بتبليغ الرسالة إليهم فقال ذلك ليشهده عليهم. {لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} فيه وجهان: أحدهما: لأنذركم [يا] أهل مكة ومن بلغه القرآن من غير أهل مكة. والثاني: لأنذركم به: [أيها] العربُ ومن بُلِّغ من العَجَم. قوله عز وجل: {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} فيه قولان: أحدهما: أنه التوراة والإِنجيل، قاله الحسن، وقتادة، والسدي، وابن جريج. والثاني: أنه القرآن. {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنآءَهُم} فيه قولان: أحدهما: يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، لأن صفته موجودة في كتابهم، قاله الحسن، وقتادة، ومن زعم أن الكتاب هو التوراة والإِنجيل. والثاني: يعرفون الكتاب الدال على صفته، وصدقه، وصحة نبوته، وهذا قول من زعم أن الكتاب هو القرآن. وعنى بقوله: {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ} تثبيتاً لصحة المعرفة. وحكى الكلبي والفراء: أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام حين أسلم: ما هذه المعرفة التي تعرفون بها محمداً صلى الله عليه وسلم كما تعرفون أبناءكم؟ قال: والله لأنا به إذا رأيته أعرف مني بابني وهو يلعب مع الصبيان، لأني لا أشك أنه محمد، وأشهد أنه حق، ولست أدري ما صنع النساء في الابن. {الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: أنهم خسروا بالكفر منازلهم وأزواجهم في الجنة، لأنه ليس أحد من مؤمن ولا كافر إلا وله منازل وأزواج، فإن أسلموا كانت لهم، وإن كفروا كانت لمن آمن من أهلهم، وهو معنى قوله تعالى: {أية : الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [المؤمنون: 11]، قاله الفراء. والثاني: معناه غبنوها فأهلكوها بالكفر والتكذيب، ومنه قول الأعشى: شعر : لا يأخذ الرِّشْوَة في حُكْمِهِ ولا يُبالي خُسْرَ الخاسر
ابن عطية
تفسير : {يمسسك} معناه يصبك وينلك، وحقيقة المس هي بتلاقي جسمين فكأن الإنسان والضر يتماسان، و "الضُّر" بضم الضاد سوء الحال في الجسم وغيره، "والضَّر" بفتح الضاد ضد النفع، وناب الضر في هذه الآية مناب الشر وإن كان الشر أعم منه مقابل الخير، وهذا من الفصاحة عدول عن قانون التكلف والصنعة فإن باب التكلف وترصيع الكلام أن يكون الشيء مقترناً بالذي يختص به بنوع من أنواع الاختصاص موافقة أو مضادة، فمن ذلك قوله تعالى: {أية : إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} تفسير : [طه:118، 119] فجعل الجوع مع العري وبابه أن يكون مع الظمأ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : كَأَنِّيَ لَمْ أَرْكَبْ جَوَاداً لِلَذَّةٍ وَلَمْ أَتَبَطَّنْ كَاعِباً ذَاتَ خَلْخَالِ وَلَمْ أسْبَإِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولمْ أقُلْ لِخَيْلِيَ كُرِّي كُرَّةً بِعْدَ إجْفَالِ تفسير : وهذا كثير، قال السدي "الضر" ها هنا المرض والخير العافية. قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال ومعنى الآية الإخبار عن أن الأشياء كلها بيد الله إن ضر فلا كاشف لضره غيره وإن أصاب بخير فكذلك أيضاً لا راد له ولا مانع منه، هذا تقرير الكلام، ولكن وضع بدل هذا المقدر لفظاً أعم منه يستوعبه وغيره، وهو قوله: {على كل شيء قدير} ودل ظاهر الكلام على المقدر فيه، وقوله: {على كل شيء قدير} عموم أي على كل شيء جائز يوصف الله تعالى بالقدرة عليه، وقوله تعالى: {وهو القاهر} الآية، أي وهو عز وجل المستولي المقتدر، و {فوق} نصب على الظرف لا في المكان بل في المعنى الذي تضمنه لفظ القاهر، كما تقول زيد فوق عمرو في المنزلة، وحقيقة فوق في الأماكن، وهي في المعاني مستعارة شبه بها من هو رافع رتبة في معنى ما، لما كانت في الأماكن تنبىء حقيقة عن الأرفع وحكى المهدوي: أنها بتقدير الحال، كأنه قال: وهو القاهر غالباً. قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يسلم من الاعتراض أيضاً والأول عندي أصوب: و "العباد" بمعنى العبيد وهما جمعان للعبد أما أنا نجد ورود لفظة العباد في القرآن وغيره في مواضع تفخيم أو ترفيع أو كرامة، وورود لفظ العبيد في تحقير أو استضعاف أو قصد ذم، ألا ترى قول امرىء القيس: [السريع] شعر : قولا لدودانَ عبيدِ العَصَا تفسير : ولا يستقيم أن يقال هنا عباد العصا وكذلك الذين سموا العباد لا يستقيم أن يقال لهم العبيد لأنهم أفخم من ذلك، وكذلك قول حمزة رضي الله عنه وهل أنتم إلا عبيد لأبي، لا يستقيم فيه عباد، و {الحكيم} بمعنى المحكم، و {الخبير} دالة على مبالغة العلم، وهما وصفان مناسبان لنمط الآية.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ}. يَمْسَسْكَ: معناه يُصِبْكَ، ويَنَلْكَ، والضُّرُّ بضم الضاد: سوء الحَالِ في الجِسْمِ وغيره، وبفتحها ضِدُّ النَّفْعِ، ومعنى الآية: الإخْبَارُ أن الأَشْيَاءَ كلها بِيَدِ اللَّه؛ إن ضَرَّ فلا كَاشِفَ لضره غَيْرُه، وإن أصَابَ بِخَيْرٍ، فكذلك أيضاً. وعن ابن عَبَّاسٍ قال: كنت خَلْفَ النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: «حديث : يا غُلاَمُ إنِّي أُعَلِّمَكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهِ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّه، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعْلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّه لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رفعت الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»تفسير : . رويناه في الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي زيادة: «حديث : احْفَظِ اللَّه تَجِدْهُ أمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، واعْلَمْ أن ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ...» تفسير : وفي آخره: «حديث : واعلم أن النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وأنّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأن مع العُسْرِ يُسْراً».تفسير : قال النووي: هذا حديث عَظِيمُ الموقع. انتهى من «الحِلْيَة». وقرأت فرقة: «وَأَوْحَى إلَيَّ هذا القُرآن» على بناء الفعل للفاعل، ونصب «القرآن»، وفي «أوحى» ضمير يَعُودُ على اللَّه تعالى. وقوله: {لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} معناه على قول الجمهور: بلاغ القرآن، أي: لأنْذِرَكُمْ وأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ، ففي «بلغ» ضمير محذوف؛ لأنه في صلة «من» فحُذِفَ لِطُولِ الكلام. وقالت فرقة: ومن بلغ الحُلُمَ. وروي في معنى التأويل الأَوَّلِ أَحَادِيثُ. وظاهر الآية أنها في عَبَدَةِ الأصنام. وذكر الطبري أنه قد وَرَدَ من وَجْهٍ لم تثبت صحته أنها في قَوْمٍ من اليهود، قالوا: يا محمد ما تَعْلَمُ مع اللَّه إلهاً غيره، فقال لهم: «لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ» فنزلت الآية. واللَّه أعلم. وأمر اللَّه ـــ سبحانه ـــ نَبِيَّهُ ـــ عليه السلام ـــ أن يعلن بالتَّبَرِّي من شَهَادَةِ الكفرة، والإعلان بالتوحيد للَّه ـــ عز وجل ـــ والتبرِّي من إشراكهم. قال الغزالي في «الإحياء». وينبغي للتَّالِي أن يقدر أنه المقصود بكل خِطَابٍ في القرآن، فإن سمع أمراً أو نَهْياً قَدَّرَ المَنْهِيُّ، والمأمور، وكذا إن سَمِعَ وَعْداً أو وعيداً، وكذا ما يَقِفُ عليه من القَصَصِ، فالمقصود به الاعْتِبَارُ. قال تعالى: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} تفسير : [هود:120]. وقال تعالى: {أية : هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران:138]. وقال: {وَأَوْحَيَ إلَيَّ هذا القُرءَانُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ}. قال محمد بن كَعْبٍ القُرظي: من بلغه القرآن فكأنما كَلَّمَهُ اللَّه عز وجل انتهى.
ابن عادل
تفسير : هذا دليل آخر في بَيَانِ أنه لا يجوز للعاقلِ أنْ يتّخذ ولياً غير الله. و"الباء" في قوله: "بِضُرٍّ" للتعدية، وكذلك في "بخير"، والمعنى: وإن يمسك اللَّهُ الضُّرَ، أي: يجعلك ماسَّاً له، وإذا مسست الضر فقد مَسَّك، إلاَّ أن التَّعديَةَ بالباء في الفعل المُتَعَدِّي قليلةٌ جداً، ومنه قولهم: "صَكَكْتُ أحَدَ الحجرين بالآخر". وقال أبو حيان: ومنها قوله تعالى {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} تفسير : [البقرة:251]. وقال الواحديُّ: - رحمه الله -: "إن قيل: إن المَسَّ من صِفَةِ الأجَسْامِ فكيف قال: وإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ؟ فالجواب "الباء" للتعدية، والباء والألف يتعاقَبَانِ في التَّعديَةِ، والمعنى: إن أمَسَّك اللَّهُ ضُرّاً، أي: جعله مَاسَّك، فالفعلُ للضُّرِّ، وإن كان في الظاهر قد أسند إلى اسمِ اللَّهِ تعالى، كقولك: "ذهبَ زيدٌ بعمرو"، وكان الذَّهابُ فِعْلاً لعمرو، غير أن زيداً هو المُسَبِّبُ له والحاملُ عليه، كذلك هنا المسُّ للضُرِّ، والله - تعالى - جعله مَاسّاً". قوله: "فلا كاشف له": "له": خبر "لا"، وثمَّ مَحْذُوفٌ تقديره: فلا كاشف له عنك، وهذا المحذوف لي متعلِّقاً بـ "كاشف"، إذ كان يلزمُ تنوينه وإعرابه، بل يتعلَّق بمحذوف، أي: أغني عنه. و"إلاَّ هو" فيه وجهان: أحدهما: أنه بدلٌ من مَحَلّ "لا كاشف" فإن مَحَلَّه الرفع على الابتداء. والثاني: أنه بَدَلٌ من الضمير المُسْتَكِنِّ في الخبرِ، ولا يجوز أن يرتفع باسم الفاعل، وهو "كاشف"؛ لأنه مطوَّلاً [ومتى كان مطوَّلاً] أعْرِبَ نَصْباً، وكذلك لا يجوز أن يكون بَدَلاً من الضمير المُسْتَكِنّ في "كاشف" للعلَّةِ المتقدّمة؛ إذ البدلُ يحلُّ مَحَلُّ المبدل منه فإن قيل: المقابل للخير هو الشَّر، فكيف عدل عن لَفْظِ الشَّرِّ؟ والجواب أنه أراد تَغْلِيبَ الرحمة على ضِدِّهَا، فأتى في جانب الشَّرِّ بأخَصَّ منه وهو الضُّرُّ، وفي جانب الرَّحْمَةِ بالعام الذي هو الخَيْرُ تغليباً لهذا الجانب. قال ابن عطية: نابَ الضُّرُ مَنَابَ الشَّرِّ، وإن كان الشَّرُّ أعَمَّ منه، فقابل الخير. وهذا من الفصاحةِ عُدُولٌ عن قانون التكليف والصيغة، فإن باب التكليف وترصيع الكلام أن يكون الشيء مُقْترناً [بالذي يختص به بنوع من أنواع الاختصاص موافقة أو مُضاهاة فمن ذلك] {أية : إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} تفسير : [طه:118-119] فجاء بالجوع مع العُرْي، وبابه أن يكون مع الظَّمَأ. ومنه قوله امرئ القيس: [الطويل] شعر : 2119- كَأنِّيَ لَمْ أرْكَبْ جَواداً لِلَذَّةٍ وَلَمْ أتَبَطَّنْ كَاعِباً ذَاتَ خَلْخَالِ وَلَمْ أسْبإ الزِّقَّ الرَّوِيَّ وَلَمْ أقُلْ لِخَيْلِيَ كُرِّي كرَّةً بَعْدَ إجْفَالِ تفسير : ولم يوضّح ابن عطيَّة ذلك، وإيضاحه في آية "طه" اشْتَرَاكُ الجوع والعُرْيِ في شيء خاص وهو الخلُوُّ، فالجوع خُلُوُّ وفراغٌ من الباطن، والعُرْيُ خُلُوٌّ وفراغٌ من الظَّاهرِ واشتراك الظَّمَأ والضَّحَي في الاحتراق، فالظَّمَأُ احتراق في الباطن، ولذلك تقول: "بَرَّدَّ الماءُ حَرارةَ كبدي وأوام عطشي". والضَّحَى: احْتِرَاقُ الظَّاهر. وأمَّا البيتان، فالجامعُ بين الرُّكوب لِلذَّةِ وهو الصيد وتبطُّن الكَاعِب اشتراكهما في لَذَّةِ الاسْتِعْلاءِ، والقهر والاقْتِنَاصِ والظّفر بمثل هذا المركوب، ألا ترى إلى تسميتهم هَنَ المرأة "رَكَباً"، بفتح الراء والكاف، وهو فَعَل بمعنى مَفْعُول كقوله: [الرجز] شعر : 2120- إنَّ لَهَا لَرَكَباً إرْزَبَّا كَأنَّهُ جَبْهَةُ ذَرَّي حَبَّا تفسير : وأمَّا البيت الثاني فالجامعُ بين سَبَأ الخمر، والرُّجوع بعد الهزيمة اشتراكهما في البذْل، فشراءُ الخَمْرِ بَذْلُ المال، والرجوع بعد الانهزام بَذْلُ الروح. وقدَّم تبارك وتعالى مَسَّ الضُّرِّ على مَسِّ الخير لمناسبة اتِّصالِ مسِّ الضُّرِّ بما قبله من التَّرْهيبِ المدلول عليه بقوله تعالى: "إنِّي أخَافُ"، وجاء جواب الشَّرْط الأوَّل بالحَصْر إشارةً إلى اسْتِقلالِهِ بكشف الضُّرِّ دون غيره، وجاء الثاني بقوله تعالى {فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} إشارةً إلى قدرته الباهرة، فيندرج فيها المَسُّ بخير وغيره، على أنَّه لو قيل: إنَّ جواب الثاني مَحْذُوفٌ لكان وَجْهاً أي: وإن يمسسك بخيرٍ فلا رَادَّ لِفَضْلِهِ، للتصريح بمثله في موضع آخر. فصل روى ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قال: "حديث : أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَغْلَةٌ أهْدَاهَا لَهُ كِسْرَى، فَرَكِبَهَا بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ، ثُمَّ أرْدَفَنِي خَلْفَهُ، ثُمَّ صَارَ بي مَلِيَّاً، ثُمَّ الْتَفَتَ إليَّ وقال: يا غُلامُ فَقُلتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله فقال احْفَظِ اللَّهَ يَحْفظْكَ، احَفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وإذا سَألْتَ فَأسْألِ اللَّهَ، وإن اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ، فقَدْ مَضَى القَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ جَهِدَ الخلائِقُ علَى أنَّ يَنْفَعُوك بشيء لم يقضِهِ اللهُ سبحانه لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ولوْ جَهِدُوا أنْ يَضُرُّوكَ عَمَّا لَمْ يَكْتُب اللهُ عَلَيْكَ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ، فإن اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ بالصَّبْرِ مَعَ اليَقيْنِ فافْعَلْ، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فإنَّ في الصَّبْرِ على ما تَكْرَهُ خَيْرَاً كَثِيراً، واعْلَمْ أنَّ النَّصْر مَعَ الصَّبْرِ، وأنَّ مَعَ الكَرْبِ الفَرَجَ، وأنَّ مَعَ العُسْر يسْراً ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} [الآية: 17]. قال الوراق: اعتمد على الله فى جميع أمورك وأحوالك، فإنه لا مانع لما أعطى ولا دافع لما أنزل سواه، ألا تراه يقول: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ}. وقال الجنيد رحمة الله عليه: معبودك أول خاطر يخطر لك عند نزول ضُرٍّ أو نزول بلاء إن رجعت فيه إلى الله فهو معبودك وهو الذى يكفيك، وإن رجعت إلى غيره تركك وما رجعت إليه.
القشيري
تفسير : إنَّه مَنْ ينجيك من البلاء، ومن يُلقيك في العناء. وإذ المتفرِّد بالإبلاغ واحد فالأغيارُ كلُّهم أفعاله؛ وإن الإيجاد لا يَصْلُحُ من الأفعال.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} اى ان يمسك بضر الحجاب فلا كاشف لضره الا ظهور مشاهدة جماله لك قال الجنيد معبودك او خاطر يخطر لك عند نزول خيرا وظهور بلاء ان رجعت فيه الى الله فهو مبعودك وهو الذى يكفيك وان رجعت الى غيره تركك وما رجعت اليه قال الاستاد انما ينجيك من البلاء من يلقيك فى الفناء اذا المتفرد بالابداع واحد فالاغيار كلهم افعال والايجاد لا يصلح من الافعال.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان يمسسك الله بضر} دليل آخر على انه لا يجوز للعاقل ان يتخذ غير الله وليا اى ببلية كمرض وفقر ونحو ذلك والباء للتعدية وترجمته بالفارسية [واكر برساند خدا بتوسختى] {فلا كاشف له} اى فلا قادر على كشف ذلك الضر ورفعه عنك {الا هو} تعالى وحده {وان يمسسك بخير} من صحة ونعمة ونحو ذلك {فهو على كل شئ قدير} فكان قادرا على حفظه وادامته فلا يقدر غيره على رفعه كقوله {أية : فلا راد لفضله} تفسير : [يونس: 107]. حديث : وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال اهدى الى النبى عليه السلام بغلة اهداها كسرى فركبها بحبل من شعر ثم اردفنى خلفه ثم سار بى مليا ثم التفت الى فقال "يا غلام" فقلت لبيك يا رسول الله فقال "احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده امامك تعرّف الى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة واذا سألت فاسأل الله واذا استعنت فاستعن بالله فقد مضى القلم بما هو كائن فلوجهد الخلائق ان ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ولو جهدوا ان يضروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه فان استطعت ان تعمل بالصبر مع اليقين فافعل فان لم تستطع فاصبر فان فى الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم ان النصر مع الصبر وان مع الكرب الفرج وان مع العسر يسرا"" تفسير : فان قلت قد يتصور ان يكشف الانسان عن صاحبه كربة من الكرب. قلت كاشف الضر فى الحقيقة هو الله تعالى اما بواسطة الاسباب او بغيرها: قال الحافظ شعر : كررنج بيشت آيدوكر راحت اى حكيم نسبت مكن بغير كه اينها خدا كند تفسير : وكذا الاستعانة فى الحقيقة من الله تعالى فالاستعانة من الانبياء والاولياء انما هى استشفاع منهم فى قضاء الحاجة والموحد لا يعتقد ان فى الوجود مؤثرا غير الله تعالى.
الطوسي
تفسير : معنى الآية الاولى أنه لا يملك النفع والضرر الا الله تعالى أو من يملكه الله ذلك. فبين تعالى أنه مالك السوء من جهته {فلا كاشف له إلا هو} ولا يملك كشفه سواه مما يعبده المشركون ولا أحد سوى الله، وأنه إِن ناله بخير فهو على ذلك قادر. وقوله يمسسك بضر أو بخير، معناه يمسك ضره أو خيره. فجعل المس لله على وجه المجاز، وهو في الحقيقة الخير والضر، وهو مجاز في الخير والضر أيضاً، لانهما عرضان لا تصح عليهما المماسة. وأراد تعالى بذلك الترغيب في عبادته، وحده، وترك عبادة سواه، لانه المالك للضر والنفع دون غيره، وأنه القادر عليهما. والقاهر هو القادر على أن يقهر غيره. فعلى هذا يصح وصفه فيما لم يزل بأنه قاهر. وفي الناس من قال: لا يسمى قاهرا الا بعد أن يقهر غيره، فعلى هذا لا يوصف تعالى فيما لم يزل بذلك. ومثل قوله {فوق عباده} قوله {أية : يد الله فوق أيديهم}تفسير : والمراد أنه أقوى منهم، وأنه مقتدر عليهم، لان الارتفاع في المكان لا يجوز عليه تعالى، لانه من صفات الاجسام. فاذاً المراد بذلك أنه مستعل عليهم، مقتدر عليهم. وكل شىء قهر شيئاً فهو مستعل عليه، ولما كان العباد تحت تسخيره وتذليله وأمره ونهيه، وصف بأنه فوقهم. وقوله {وهو الحكيم الخبير} معناه أنه مع قدرته عليهم لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة، ولا يفعل ما فيه مفسدة، أو وجه قبح لكونه عالماً بقبح الاشياء وبأنه غني عنها.
الجنابذي
تفسير : {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} عطف على قوله من يصرف (الى آخره) كأنّه قال ان يصرف الله العذاب عنك يؤمئذ فقد رحمك {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} من اقامة السّبب مقام الجزاء يعنى فلا مانع له.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ} أي بمرض {فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} أي بعافية {فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} من ذلك {قَدِيرٌ}. {وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} قهرهم بالموت وبما شاء من أمره {وَهُوَ الحَكِيمُ} في أمره {الخَبِيرُ} بأعمال عباده في تفسير الحسن. ويقال: الخبير بخلقه، وهو واحد. قوله: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} قال الكلبي: قال المشركون من أهل مكة للنبي: من يعلم أنك رسول الله فيشهد لك؟ فأنزل الله: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} {قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} فهو يشهد أني رسوله. وقال مجاهد: أمر النبي أن يسأل قريشاً: {أيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً}، ثم أمر أن يخبرهم فيقول: {اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}، أي: إن لم تؤمنوا. قوله: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُِنذِرَكُم بِهِ} قال الحسن: عذاب الله في الدنيا والآخرة. قوله: {وَمَن بَلَغَ} أي: ومن بلغه القرآن. قال بعضهم: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حديث : يا أيها الناس، بَلِّغوا ولو آية من كتاب الله، فمن بلغه أية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه . تفسير : وذكر لنا أنه كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي يدعوهم إلى الله. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من بلغه أنني أدعو إلى لا إله إلا الله فقد بلغته الحجة وقامت عليه تفسير : . وقال مجاهد: ومن بلغ، أي: من أسلم من العجم وغيرهم. قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ ءَالِهَةً أُخْرَى} وهذا على الاستفهام؛ يقول: نعم، قد شهدتم أن مع الله آلهة أخرى. {قُل لاَّ أَشْهَدُ} أن مع الله آلهة أخرى. {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}، يعني أوثانهم أشركوها بعبادة الله. وقال الكلبي: إنما قال لهم النبي: أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى. قالوا: نعم، نشهد، فقال الله للنبي عليه السلام. {قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وإِنْ يمسسك اللهُ بضُرّ} كفقر ومرض، والباء المتعدية قائمة مقام همزة التعدية، أى وإن يمسسك ضر بضم الياء وكسر السين الأولى أى يصير الله الضر ما سألك {فَلا كَاشِفَ له} مزيل له عنك {إلاَّ هو وإن يَمسَسْكَ بخيرٍ} كفتى وصحة وجسم {فَهوَ عَلى كلِّ شَئ قَدِير} أى فقد جاءك من الله، لأنه على كل شئ قدير، فهو أيضا لا يصلك، ولا يقدر غيره على رده، وإذا كان الخير والشر بيد الله، فكيف أتخذ غيره وليّاً. قال ابن عباس رضى الله عنهما: كنت خلف النبى صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: "حديث : يا غلام إنى أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، وإن استطعت أن تعمل لله بالرضا واليقين فاعمل، وإلا ففى الصبر على ما تكره خير كثير، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً ولم يغلب عسر يسرين" وقال صلى الله عليه وسلم: لن ينجى أحداً منكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمته ولكن قاربوا وسددوا، وأغدوا وروحوا وشئ من الدلجة والقصد تبلغوا".
اطفيش
تفسير : {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ} فى النفس بقلة العلم والفضل والعفة، أَو فى البدن كعدم جارحة ونقص ومرض، أَو فى حالة ظاهرة كقلة مال وجاه، والضر مساو للشر المقابل للخير، وقيل أَخص، ويناسبه أَنه قابل به الخير، وفى ذكر الضر تهويل وفى ذكر الخير تنشيط {فَلاَ كَاشِفَ} لا مزيل {لَهُ إِلاَّ هُوَ} فكيف يتخذ أَحد وليا سواه، وهو بدل من ضمير فى وجود المقدر خبر للا، أَو من لا كاشف لأَن لا وسمها المبنى بمنزلة المبتدأ لا خبر لأَن لا غير عاملة فى المعرفة، {وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} ضد الضر المذكور، ككثرة العلم والفضل والعفة وكمال الجوارح والصحة، وغنى واحترام، قال ابن عباس: قال لى صلى الله عليه وسلم، وأَنا رديفة: حديث : يا غلام، احفظ الله تعالى تجده أَمامك، وإِذا سأَلت فاسأَل الله، وإِذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما هو كائن، ولو جهد العباد أَن ينفعوك بشئ لم يقضه الله سبحانه وتعالى لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أَن يضروك بشئ لم يقضه الله تعالى عليك لم يقدروا عليه، فإِن استطعت أَن تعمل لله تعالى بالصدق فى اليقين فاعمل، فإِن لم تستطع فإِن فى الصبر على ما تكره خيرا كثيراً تفسير : {فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ} علة للجواب، أَى وإِن يمسسك بخير فلا راد له لأَنه قدير على كل شئٍ، كقوله تعالى "أية : وإِن يردك بخير فلا راد لفضله" تفسير : [يونس: 107] ويضعف جعله تعليلا لهذا المقدر، ولقوله تعالى فلا كاشف له إِلا هو معا، كما أَنه لو كان التعليل باللام لم يصح بإِعادة التعليل أَو بتقدير قولك ذلك لأَن الله على كل شيءٍ قدير، ولأَن الثانى متغلب على العلة لأَنها دليله، بخلاف الجواب الأَول فإِنه مذكور، ويجوز أَن يكون هو على كل شئٍ قدير جوابا، أَى فهو قادر على إِدامته كسائر الأَشياء.
الالوسي
تفسير : {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ} أي ببلية كمرض وحاجة {فَلاَ كَـٰشِفَ } أي لا مزيل ولا مفرج {لَهُ } عنك {إِلاَّ هُوَ } والمراد لا قادر على كشفه سواه سبحانه وتعالى من الأصنام وغيرها {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ } من صحة وغنى {فَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدُيرٌ} ومن جملته ذلك فيقدر جل شأنه عليه فيمسك به ويحفظه عليك / من غير أن يقدر على دفعه أو رفعه أحد كقوله تعالى: { أية : فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ } تفسير : [يونس: 107] ويظهر من هذا ارتباط الجزاء بالشرط. وقيل: إن الجواب محذوف تقديره فلا راد له غيره تعالى، والمذكور تأكيد للجوابين لأن قدرته تعالى على كل شيء من الخير والشر تؤكد أنه سبحانه وتعالى كاشف الضر وحافظ النعم ومديمها، وزعم أنه لا تعلق له بالجواب الأول بل هو علة الجواب الثاني ظاهر البطلان إذ القدرة على كل شيء تؤكد كشف الضر بلا شبهة وإنكار ذلك مكابرة، «وأصل المس ـ كما قال أبو حيان ـ تلاقي الجسمين، والمراد به هنا الإصابة. وجعل غير واحد الباء في (بضر) وفي (بخير) للتعدية وإن كان الفعل متعدياً كأنه قيل: وإن يمسسك الله الضر. وفسروا الضر بالضم بسوء الحال في الجسم وغيره وبالفتح بضد النفع، وعدل عن الشر المقابل للخير إلى الضر ـ على ما في «البحر» ـ لأن الشر أعم فأتى بلفظ الأخص مع الخير الذي هو عام رعاية لجهة الرحمة، وقال ابن عطية: إن مقابلة الخير بالضر مع أن مقابله الشر وهو أخص منه من خفي الفصاحة للعدول عن قانون الضعة وطرح رداء التكلف وهو أن يقرن بأخص من ضده ونحوه لكون أوفق بالمعنى وألصق بالمقام كقوله تعالى: { أية : إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ } تفسير : [طه: 118-119] فجيء بالجوع مع العري وبالظمأ مع الضحو وكان الظاهر خلافه. ومنه قول امرىء القيس: شعر : كأني لم أركب جواداً للذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال تفسير : وإيضاحه أنه في الآية قرن الجوع الذي هو خلو الباطن بالعري الذي هو خلو الظاهر والظمأ الذي فيه حرارة الباطن بالضحى الذي فيه حرارة الظاهر. وكذلك قرن امرىء القيس علوه على الجواد بعلوه على الكاعب لأنهما لذتان في الاستعلاء وبذل المال في شراء الراح ببذل الأنفس في الكفاح لأن في الأول: سرور الطرب وفي الثاني: سرور الظفر. وكذا هنا أوثر الضر لمناسبته ما قبله من الترهيب» فإن انتقام العظيم عظيم. ثم لما ذكر الإحسان أتى بما يعم أنواعه، والآية من قبيل اللف والنشر فإن مس الضر ناظر إلى قوله تعالى: { أية : إِنّى أَخَافُ } تفسير : [الأنعام: 15] الخ ومس الخير ناظر إلى قوله سبحانه: { أية : مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 16] الخ. وهي على ما قيل داخلة في حيز { أية : قُلْ } تفسير : [الأنعام: 15] والخطاب عام لكل من يقف عليه أو لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ولا نافية للجنس، و {كَـٰشِفَ } اسمها و {لَهُ } خبرها والضمير المتفصل بدل من موضع {لا كَـٰشِفَ } أو من الضمير في الظرف، ولا يجوز ـ على ما قيل أبو البقاء ـ أن يكون مرفوعاً بكاشف ولا بدلاً من الضمير فيه لأنك في الحالين تعمل اسم لا ومتى أعملته في ظاهر نونته. وفي هذه الآية الكريمة رد على من رجا كشف الضر من غيره سبحانه وتعالى وأمل أحداً سواه. وفي «فتوح الغيب» للقطب الرباني سيدي عبد القادر الجيلاني قدس الله تعالى سره من كلام طويل أن من أراد السلامة في الدنيا والآخرة فعليه بالصبر والرضا وترك الشكوى إلى خلقه وإنزال حوائجه بربه عز وجل ولزوم طاعته وانتظار الفرج منه سبحانه وتعالى والانقطاع إليه فحرمانه عطاء وعقوبته نعماء وبلاؤه دواء ووعده حال، وقوله فعل وكل أفعاله حسنة وحكمة ومصلحة غير أنه عز وجل طوى علم المصالح عن عباده وتفرد به فليس إلا الاشتغال بالعبودية من أداء الأوامر واجتناب النواهي والتسليم في القدر وترك الاشتغال / بالربوبية والسكون عن لم وكيف ومتى؟ وتستند هذه الجملة إلى حديث حديث : ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "بينما أنا رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: يا غلام احفظ الله تعالى يحفظك احفظ الله تعالى تجده أمامك وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله جف القلم بما هو كائن ولو جهد العباد أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله سبحانه وتعالى لك لم يقدروا عليه ولو جهدوا أن يضروك بشيء لم يقضه الله تعالى عليك لم يقدروا عليه فإن استطعت أن تعمل لله تعالى بالصدق في اليقين فاعمل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا"تفسير : فينبغي لكل مؤمن أن يجعل هذا الحديث مرآة قلبه وشعاره ودثاره وحديثه فيعمل به من جهة حركاته وسكناته حتى يسلم في الدنيا والآخرة ويجد العزة برحمة الله عز وجل.
ابن عاشور
تفسير : عطف على الجمل المفتتحة بفعل {أية : قل}تفسير : [الأنعام: 15] فالخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم. وهذا مؤذن بأنّ المشركين خوّفوا النبي صلى الله عليه وسلم أو عرّضوا له بعزمهم على إصابته بشرّ وأذى فخاطبه الله بما يثبّت نفسه وما يؤيس أعداءه من أن يستزلّوه. وهذا كما حكي عن إبراهيم عليه السلام {أية : وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنّكم أشركتم بالله ما لم ينزّل به عليكم سلطاناً}تفسير : [الأنعام: 81]، ومن وراء ذلك إثبات أنّ المتصرّف المطلق في أحوال الموجودات هو الله تعالى بعد أن أثبت بالجمل السابقة أنّه محدث الموجودات كلّها في السماء والأرض، فجُعل ذلك في أسلوب تثبيت للرسول صلى الله عليه وسلم على عدم الخشية من بأس المشركين وتهديدهم ووعيدهم، ووعدُه بحصول الخير له من أثر رضى ربّه وحدَه عنه، وتحدّي المشركين بأنّهم لا يستطيعون إضراره ولا يجلبون نفعه. ويحصل منه ردّ على المشركين الذين كانوا إذا ذُكّروا بأنّ الله خالق السماوات والأرض ومن فيهن أقرّوا بذلك، ويزعمون أنّ آلهتهم تشفع عند الله وأنّها تجلب الخير وتدفع الشرّ، فلمَّا أبطلت الآيات السابقة استحقاق الأصنام الإلهية لأنّها لم تخلق شيئاً، وأوجبت عبادة المستحقّ الإلهية بحقّ، أبطلت هذه الآية استحقاقهم العبادة لأنّهم لا يملكون للناس ضرّاً ولا نفعاً، كما قال تعالى: {أية : قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرّاً ولا نفعاً}تفسير : [المائدة: 76] وقال عن إبراهيم عليه السلام: {أية : قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرّون}تفسير : [الشعراء: 73]. وقد هيّأت الجمل السابقة موقعاً لهاته الجملة، لأنّه إذا تقرّر أنّ خالق الموجودات هو الله وحده لزم من ذلك أنّه مقدّر أحوالِهم وأعمالِهم، لأنّ كون ذلك في دائرة قدرته أولى وأحقّ بعد كون معروضات تلك العوارض مخلوقة له. فالمعروضات العارضة للموجودات حاصلة بتقدير الله لأنّه تعالى مقدّر أسبابها، واضع نظام حصولها وتحصيلها، وخالق وسائل الدواعي النفسانية إليها أو الصوارف عنها. والمسّ حقيقته وضع اليد على شيء. وقد يكون مباشرة وقد يكون بآلة، ويستعمل مجازاً في إيصال شيء إلى شيء فيستعار إلى معنى الإيصال فيكثر أن يذكر معه ما هو مستعار للآلة. ويدخل عليه حرف الآلة وهو الباء كما هنا، فتكون فيه استعارتان تبعيتان إحداهما في الفعل والأخرى في معنى الحرف، كما في قوله: {أية : ولا تمسّوها بسوء}تفسير : [الأعراف: 73]. فالمعنى: وإن يصبك الله بضرّ، أو وإن ينلك من الله ضرّ. والضُرّ ـــ بضم الضاد ـــ هو الحال الذي يؤلم الإنسان، وهو من الشرّ، وهو المنافر للإنسان. ويقابله النفع، وهو من الخير، وهو الملائم. والمعنى إن قدّر الله لك الضرّ فهلاّ يستطيع أحد كشفه عنك إلاّ هو إن شاء ذلك، لأنّ مقدّراته مربوطة ومحوطة بنواميس ونظم لا تصل إلى تحويلها إلاّ قدرة خالقها. وقابل قوله: {وإن يمسسك الله بضرّ} بقوله: {وإن يمسسك بخير} مقابلة بالأعمّ، لأنّ الخير يشمل النفع وهو الملائم ويشمل السلامة من المنافر، للإشارة إلى أنّ المراد من الضرّ ما هو أعمّ، فكأنّه قيل: إن يمسسك بضرّ وشرّ وإن يمسسك بنفع وخير، ففي الآية احتباك. وقال ابن عطية: ناب الضرّ في هذه الآية مناب الشرّ والشرّ أعمّ وهو مقابل الخير. وهو من الفصاحة عدول عن قانون التكلّف والصنعة، فإنّ من باب التكلّف أن يكون الشيء مقترناً بالذي يختصّ به ونظَّر هذا بقوله تعالى: {أية : إنّ لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنَّك لا تظمأ فيها ولا تضحى}تفسير : [طه: 118، 119]. اهــ. وقوله: {فهو على كلّ شيء قدير} جعل جواباً للشرط لأنّه علّة الجواب المحذوف والجواببِ المذكور قبله، إذ التقدير: وإن يمسسك بخير فلا مانع له لأنّه على كلّ شيء قدير في الضرّ والنفع. وقد جعل هذا العموم تمهيداً لقوله بعده {أية : وهو القاهر فوق عباده}تفسير : [الأنعام: 18].
الشنقيطي
تفسير : أشار تعالى بقوله هنا فهو على كل شيء قدير بعد قوله {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} إلى أن فَضْلَه وعطاءَه الجزيل لا يقدر أحد على رده، عمن أراده له تعالى. كما صرح بذلك في قوله: {أية : وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [يونس: 107] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يمسسك: يصبك. بضر: الضر: ما يؤلم الجسم أو النفس كالمرض والحزن. بخير: الخير: كل ما يسعد الجسم أو الروح. القاهر: الغالب المذل المعز. شهادة: الشهادة: إخبار العالم بالشيء عنه بما لا يخالفه. لأنذركم به: لأخوفكم بما فيه من وعيد الله لأهل عداوته. إله واحد: معبود واحد لأنه رب واحد، إذ لا يعبد إلا الرب الخالف الرازق المدبر. معنى الآيات: ما زال السياق في توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم وتقوية موقفه من أولئك العادلين بربهم المشركين به فيقول له ربه تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} أي إن أصابك الله بما يضرك في بدنك فلا كاشف له عنك بإِنجائك منه إلا هو. {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} أي وإن يردك بخير فلا راد له {فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ}، والخطاب وإن كان موجهاً للرسول صلى الله عليه وسلم عام في كل أحد فلا كاشف للضر إلا هو، ولا راد لفضله أحد، ومع كل أحد، وقوله تعالى في الآية الثانية [18] {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} تقرير لربوبيته المستلزمة لألوهيتة فقهره لكل أحد، وسلطانه على كل أحد مع علو كلمته وعلمه بكل شيء موجب لألوهيته وطاعته وطلب ولايته، وبطلان ولاية غيره وعبادة سواه وقوله تعالى في الآية الثالثة [19] {قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} نزلت لما قال المشركون بمكة للرسول صلى الله عليه وسلم إئتنا بمن يشهد لك بالنبوة فإن أهل الكتاب أنكروها فأمره ربه تعالى أن يقول لهم رداً عليهم: أي شيء أكبر شهادة؟ ولما كان لا جواب لهم إلا أن يقولوا الله أمره أن يجيب به: {قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ}. فشهادة الله تعالى لي بالنبوّة إيحاؤه إليّ بهذا القرآن الذي أنذركم به. وأنذر كل من بلغه وسمع به بأن من بلغه ولم يؤمن به ويعمل بما جاء فيه من العقائد والعبادات والشرائع فإنه خاسر لنفسه يوم القيامة. ثم أمره أن ينكر عليهم الشرك بقوله: أئنكم لتشهدون مع الله آلهة أخرى، وذلك بإيمانكم بها وعبادتكم لها أما أنا فلا أعترف بها بل أنكرها فضلاً عن أن أشهد بها. ثم أمره بعد إنكار آلهة المشركين أن يقرر ألوهيته الله وحده وأن يتبرأ مع آلهتهم المدعاة فقال له قل: {إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب اللجأ إلى الله تعالى دون غيره من سائر خلقه إذ لا يكشف الضر إلا هو. 2- شهادة الله تعالى لرسوله بالنبوة وما أنزل عليه من القرآن وما أعطاه من المعجزات. 3- نذارة الرسول بلغت كل من بلغه القرآن الكريم إلى يوم الدين. 4- تقرير مبدأ التوحيد لا إله إلا الله، ووجوب البراءة من الشرك.
القطان
تفسير : المس: أعمًّ من اللمس، يقال مسه السوء او الكِبَر او العذاب او التعب، أصابه. الضر: الألم والحزن والخوف، القاهر: الغالب. الشهيد: الشاهد عن علم ويقين. الانذار: التخويف. بعد أن بين سبحانه وتعالى ان صَرْفَ العذاب والفوزَ بالنعيم هو من رحمته تعالى في الآخرة- بين هنا ان الامر كذلك في الدنيا، وان التصرف فيها له وحده. {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ...}. إن يُصبْك الله بأي نوع من الألم والسوء والحزن وغيره فلا صارف يصرفه عنك الا الله وان يمنحك خيرا كصحة وغنى وقوة وجاه فلا رادّ لفضله، وهو القادر على حفظه عليك، لأن القدير على كل شيء. وبعد ان اثبت الله تعالى لنفسه كمال القدرة، اثبت لها كمال السلطان والقوة، مع كمال الحكمة والعلم المحيط بخفايا الامور، فقال: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ}. وهوا لغالب بقدرته، المتسعلي على عباده، المتّصف بالحكمة في كل ما يفعل، هو المحيط علمه بما ظهر واستتر، والخبير بمصالح الاشياء، ومضارها، لا تخفى عليه خوافي الامور. {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ}. قل ايها النبي لِمَن يطلبون شهادة على رسالتك: أي شيء أعظمُ شهادةً وأحق التصديق؟ ثم قل: ان الله اعظم شاهد بيني وبينكم على صدق ما جئتكم به، وقد أنزل عليّ هذا القرآن ليكون حجة لصدقي، لأحذركم به أنتم وكل من بلغه خبرُه. واسألْهم: أانتم الذين تقولون، معتقدين، إن مع الله آلهة غيره؟ ثم قل لهم: لا أشهد بذلك، ولا أُقركم عليه، وانما المعبودُ بحق إلهٌ واحد هو الله ربي وربكم، وأنا بريء مما تشركون به من الأصنام والأوثان.
د. أسعد حومد
تفسير : (17) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ الضَّرِّ وَالنَّفْعِ، وَأَنَّهُ المُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، لا مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، وَلاَ رَادَّ لِقَضَائِهِ، فَإِذا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُصِيبَكَ خَيرٌ فَهُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أنْ يَرُدَّ مَا قَدَّرَهُ، فَعَلَى المُؤْمِنِ الصَّادِقِ أَنْ لاَ يَسْأَلَ فِي الشَّدَائِدِ غَيْرَ اللهِ، لأَِنَّ مَنْ دُونَهُ لاَ يَمْلِكُونَ لأَِنْفُسِهِمْ، وَلا لِغَيْرِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والضر هو ما يصيب الكائن الحي مما يخرجه عن استقامة حياته وحاله. فعندما يعيش الإنسان بغير شكوى أو مرض ويشعر بتمام العافية فهو يعرف أنه سليم الصحة؛ لأنه لا يشعر بألم في عيونه أو ضيق في تنفسه أو غير ذلك، لكن ساعة يؤلمه عضو من أعضاء جسمه فهو يضع يده عليه ويشكو ويفكر في الذهاب إلى الطبيب. إذن فاستقامة الصحة بالنسبة للإنسان هي رتابة عمل كل عضو فيه بصورة لا تلفته إلى شيء. ويلفت الحق أصحاب النعم عندما يرون إنساناً من حولهم وقد فقد نعمة ما، فساعة تسير في الشارع وترى إنساناً فقد ساقه فأنت تقول: "الحمد لله" لأنك سليم الساقين. كأنك لا تدرك نعمة الله في بعض منك إلا إن رأيتها مفقودة في سواك. وهكذا نعلم أن من الآلام والآفات منبهات للنعم. وأيضاً قد تصيب منغصات الحياة الإنسان ليعلم أنه لم يأخذ نعم الله كلها فيقول العبد لحظتها: يا مفرج الكروب يارب، ولذلك تجد الإنسان يقول: "يارب" حينما تأتيه آفة في نفسه ويفزع إلى الله. وقد قالها الله عن الإنسان: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [يونس: 12]. فالإنسان عندما يحس ضعفه إذا ما أصابه مكروه لا يمل دعاء الله، سواء أكان الإنسان مضطجعاً أم قاعداً أم قائماً، وعندما يكشف الحق عنه الضر قد ينصرف عن جانب الله، ويستأنف عصيان الله وكأنه لم يدع الله إلى كشف الضر، وهذا هو سلوك المسرفين على أنفسهم بعصيان الله. والنفس أو الشيطان تزين للعاصي بعد انكشاف الضر أن يغوص أكثر وأكثر في آبار المعاصي وحمأة الرذيلة. وقد ينسب الإنسان كشف الضر لغير الله، فينسب انكشاف الضر إلى مهارة الطبيب الذي لجأ إليه، ناسياً أن مهارة الطبيب هي من نعم الله. أو ينسب أسباب خروجه من كربه إلى ما آتاه الله من علم أو مال، ناسياً أن الله هو واهب كل شيءٍ، كما فعل قارون الذي ظن أن ماله قد جاءه من تعبه وكده وعلمه ومهارته، ناسياً أن الحق هو مسبب كل الأسباب، ضُرّاً أو نفعا، فسبحانه هو الذي يسبب الضر كما يسبب النفع. ويلفت الضر الإنسان إلى نعم الحق سبحانه وتعالى في هذه الدنيا. وإذا ما رضي الإنسان وصبر فإن الله يرفع عنه الضر؛ لأن الضر لا يستمر على الإنسان إلا إذا قابله بالسخط وعدم الرضا بقدر الله. ولا يرفع الحق قضاء في الخلق إلا أن يرضى خلق الله بما أنزل الله، والذي لا يقبل بالمصائب هو من تستمر معه المصائب، أما الذي يريد أن يرفع الله عنه القضاء فليقبل القضاء. إن الحق سبحانه يعطينا نماذج على مثل هذا الأمر؛ فها هوذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يتلقى الأمر بذبح ابنه الوحيد، ويأتيه هذا الأمر بشكل قد يراه غير المؤمن بقضاء الله شديد القسوة، فقد كان على إبراهيم أن يذبح ابنه بنفسه، وهذا ارتقاء في الابتلاء. ولم يلتمس إبراهيم خليل الرحمن عذراً ليهرب من ابتلاء الله له، ولم يقل: إنها مجرد رؤيا وليست وحياً ولكنها حق، وقد جاءه الأمر بأهون تكليف وهو الرؤيا، وبأشق تكليف وهو ذبح الابن، ونرى عظمة النبوة في استقبال أوامر الحق. ويلهمه الله أن يشرك ابنه اسماعيل في استقبال الثواب بالرضا بالقضاء: {أية : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الصافات: 102]. لقد بلغ إسماعيل عمر السعي في مطالب الحياة مع أبيه حين جاء الأمر في المنام لإبراهيم بأن يذبح ابنه، وامتلأ قلب إسماعيل بالرضا بقضاء الله ولم ينشغل بالحقد على أبيه. ولم يقاوم، ولم يدخل في معركة، بل قال: {أية : يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ} تفسير : [الصافات: 102]. لقد أخذ الاثنان أمر الله بقبولٍ ورضا؛ لذلك يقول الحق عنهما معاً: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الصافات: 103-107]. لقد اشترك الاثنان في قبول قضاء الله، وأسلم كل منهما للأمر؛ أسلم إبراهيم كفاعل، وأسلم إسماعيل كمنفعل، وعلم الله صدقهما في استقبال أمر الله، وهنا نادى الحق إبراهيم عليه السلام: لقد استجبت أنت وإسماعيل إلى القضاء، وحسبكما هذا الامتثال، ولذلك يجيء إليك وإلى ابنك اللطف، وذلك برفع البلاء. وجاء الفداء بِذِبْحٍ عظيم القدر، لأنه ذِبْحٌ جاء بأمر الله. ولم يكتف الحق بذلك ولكنَّ بشرَ إبراهيم بميلاد ابن آخر: {أية : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الصافات: 112]. لقد رفع الله عن إبراهيم القدَر وأعطاه الخير وهو ولد آخر. إذن فنحن البشر نطيل على أنفسنا أمد القضاء بعدم قبولنا له. لكن لو سقط على الإنسان أمر بدون أن يكون له سبب فيه واستقبله الإنسان من مُجريه وهو ربه بمقام الرضا، فإن الحق سبحانه وتعالى يرفع عنه القضاء. فإذا رأيت إنساناً طال عليه أمد القضاء فاعلم أنه فاقد الرضا. ونلحظ أن الحق هنا يقول: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} الله سبحانه وتعالى يعلم أن أي عبد لا يتحمل أن يضره الحق؛ فقوة الحق لا متناهية ولذلك يكون المس بالضر، وكذلك بالخير؛ فالإنسان في الدنيا لا ينال كل الخير، إنما ينال مس الخير؛ فكل الخير مدخر له في الآخرة. ونعلم أن خير الدنيا إما أن يزول عن الإنسان أو يزول الإنسان عنه، أما كل الخير فهو في الآخرة. ومهما ارتقى الإنسان في الابتكار والاختراع فلن يصل إلى كل الخير الذي يوجد في الآخرة، ذلك أن خير الدنيا يحتاج إلى تحضير وجهد من البشر، أما الخير في الآخرة فهو على قدر المعطي الأعظم وهو الله سبحانه وتعالى. إذن فكل خير الدنيا هو مجرد مس خير؛ لأن الخير الذي يناسب جمال كمال الله لا يزول ولا يحول ولا يتغير، وهو مدخر للآخرة. ولا كاشف لضر إلا الله؛ فالمريض لا يشفى بمجرد الذهاب إلى الطبيب، لكن الطبيب يعالج الموهوبة له من الله، والذي يَشفي هو الله. {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء: 80]. لأن الحق سبحانه وتعالى قد خلق الداء، وخلق الدواء، وجعل الأطباء مجرد جسور من الداء إلى الدواء ثم إلى الشفاء، والله يوجد الأسباب لِيُسرَّ ويُفْرِح بها عباده، فيجعل المواهب كأسباب، وإلا فالأمر في الحقيقة بيده - سبحانه وتعالى -. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تَدَاوَوْا عبادَ الله فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهِرَم ". تفسير : ونحن نرى أن الطبيب المتميز يعلن دائماً أن الشفاء جاء معه، لا به. ويعترف أن الله أكرمه بأن جعل الشفاء يأتي على ميعاد من علاجه. إذن فالحق هو كاشف الضر، وهو القدير على أن يمنحك ويَمَسَّك بالخير. وقدرته لا حدود لها. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن ضرر الشرك وخير التوحيد أنهما إليه وبه بقوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 17]، الآيتان والإشارة فيهما أن تعلم أن المقدر هو المدبر، ولا ينجيك من البلاء إلا من يعنيك في العناء، وإن تعلم أن دائرة أزليته متصلة بأبديته، وإن كل نقطة من الدائرة تصلح أن تكون مبدأ الدائرة وأولها، ومنتهى الدائرة وآخرها، فكل آن من آن أزليته وأبديته يصلح أن يكون أزلاً وأبداً، فبهذا يتحقق قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بقهر من الإبعاد ويبتليك بالإشراك والإضلال في البداية من حرمان النور المرشش على الأرواح. {فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 17]، في النهاية {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بلطف من إصابة النور المرشش في البداية والنهاية، أو فيما بينهما ويهديك إلى الصراط المستقيم الذي هو صراط الله، {فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} [الأنعام: 17]، أزلاً وأبداً. {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] في الأزل، فبالقهر إخرجهم من مكامن العدم إلا أنه سبحانه وتعالى يقهر هذه الحالة ويبدل العدم بالوجود، وقد عم قهره جميع عباده، فقهر الكفار بموت القلوب وحياة النفوس إذ أخطأهم النور المرشش على الأرواح في بدء الخلقة، فضلوا في ظلمات الطبيعة وما اهتدوا إلى نور الشريعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة؛ فأخرجهم عن ظلمات الطبيعة بالقيام على طاعته وقهر قلوب المحبين في بلوغات الاشتياق، فأسنها بلطف مشاهدته وقهر أرواح الصديقين بسطوات تجلي صفات جماله، وقهر أسرار الواصلين بسطوات بها صفات جلاله، وبالجملة لا ترى شيئاً سواه، إلا وهو مقهور تحت أعلام عزته وذليل في ميادين صمديته {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} [الأنعام: 18]، فيما يقهر فلا يخلو عن حكمته بالعز {ٱلْخَبِيرُ} [الأنعام: 18]، بما يصلح للطعن وقهره، فالقهر بما قهره أولى، واللطف بما لطفه به أخرى. ثم أخبر عن أكبر الشهادة لأهل السعادة بقوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً قُلِ ٱللَّهُ} [الأنعام: 19]، والإشارة فيها أن الله تعالى أراد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عقول مشركي أهل مكة بطريق السؤال عنهم في معرفة الله تعالى وجهلهم به، فأخبرهم بالسؤال، وقال: قل أي شيء أكبر شهادة، فمن كان التوفيق رفيقه يعلم أن شهادة الله أكبر من شهادة الخلق، وعلومهم لا تحيط بحقائق الأشياء كلها، والحق سبحانه هو الذي يحيط علمه بجميع حقائق الأشياء؛ لا سيما بحقيقة وحدانيته فيؤمن بالله وحده ولا يشرك به أحداً، ومن أوبقه الخذلان وعوقه الخسران يعرف الله ويقول: هو أكبر شهادة أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم قل الله قل هو الله الذي أكبر شهادة من كل شيء وهو {شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام: 19]، لعلهم ينتهون، ويعرفون الله بتعريفه إياهم ويؤمنون به. ثم قال {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ} [الأنعام: 19] أي: قل يا محمد وأوحي إلى هذا القرآن وهو معجز من أعظم المعجزات وهو الجوامع الكلم التي أويتها {لأُنذِرَكُمْ بِهِ} [الأنعام: 19]، وأنبئكم بآياته وحقائقه وإعجازه لما فيه من أخبار الأمم السالفة، ولما فيه من الأعلام لما سيكون فكان مثل ما قال: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67] أي: من أن يقتلوك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم معصوماً منهم. وقال تعالى: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} تفسير : [التوبة: 33]، فأظهر الله تعالى دين الإسلام على سائر الأديان بالحجة القاطعة وغلبة المسلمين على أكثر أقطار الأرض، وقال تعالى في اليهود وكانوا في وقت مبعثه أعز قوم وأمنعهم: {أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ}تفسير : [البقرة: 61]، فهم أذلاء إلى يوم القيامة، وأتى في القرآن بما كان وبما يكون وأوتي به مؤلفاً تأليفاً لم يقدر أحد من العرب أن يأتي بسورة مثله، وهم في الوقت الذي قيل لهم: ائتوا بسورة خطباء بلغاء شعراء لم يكن عندهم شيء إلا وجد من الكلام المنثور والموزون، فعجزوا عن ذلك فهذا كله حجة الله على من أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَن بَلَغَ} [الأنعام: 19]، بلغت نبوته ودعوته في حال حياته وبعد وفاته، وفيه إشارة أخرى: وهي لا تدرككم به ومن بلغه القرآن أعني وقف على حقائقه أيضاً ينذركم به متابعة لي، ويقول: بعد وفاتي بظهور ما أخبر القرآن بظهوره بعدي مع اليهود والنصارى وسائر المشركين {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ} [الأنعام: 19]، بعد ظهور الإسلام على الأديان كلها، وبعد أن بلغ ملك هذه الأمة من الشرق إلى الغرب. كما أخبر صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : زويت لي الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِي لي مِنْهَا"تفسير : ، فأي دليل أقوى وأظهر من هذا، كما قيل: إذا طلع الصباح استغني عن المصباح، ثم قال تعالى: {قُل لاَّ أَشْهَدُ} [الأنعام: 19]؛ يعني: فإن أصمهم الله وأعمى أبصارهم حتى لا ينتبهوا عن نومه الغفلات ولا يسمع هذه التقريرات، ولا يبصروا هذه المشاهدات والمعاينات، وهم يشهدون آلهة أخرى في الظواهر من الأوثان، وفي الباطن من الهوى والدنيا ويعبد بها من دون الله {قُلْ} [الأنعام: 19]، أنت يا محمد لا أشهد ما لا أشهد ما تشهدون لأني أشاهد من شهود الحق ما لا تشاهدون {إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [الأنعام: 19]، وقد شاهدت وحدانيته بوحدته {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19]، من الاثنينية التي أوبقتكم من الشرك. ثم أخبر عن أهل المعرفة وذكر أهل النكرة بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} [الأنعام: 20]، إلى قوله: {أية : مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}تفسير : [الأنعام: 24]، الإشارة فيها أن الله تعالى ميز أهل المعرفة من أهل النكرة، إذ قال بعد قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19]. {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} [الأنعام: 20] أي: فهمت قلوبهم حقائق الكتاب حتى تنورت بأنوارها فهم من ذلك يعرفونه؛ أي: يعرفون الله أنه إله واحد لا شريك له، ويجوز أن الهاء في قوله: يعرفونه عائدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم نور كقوله تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ}تفسير : [المائدة: 15]، فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم، والنور لا يدرك ولا يعرف إلا بالنور، فإن الكفار من أهل الكتاب فلما كانوا أصحاب الظلمة ما عرفوا الله ولا رسوله، كقوله تعالى: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} تفسير : [البقرة: 89]، وفي قوله تعالى: {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}تفسير : [البقرة: 164]، إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء ومبدأ وجود الأبناء منهم، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله تعالى مصدرهم ومبدأ وجودهم منه تبارك وتعالى، وهو إله واحد لا شريك له ولكن {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} [الأنعام: 20]، بإفساد استعداد فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو قبول نور الإيمان أفسدوه بانهماكهم في الشهوات الحيوانية ومتابعة الهوى {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 20]، بأن الله إله واحد؛ لأنهم من نور الإيمان بمعزل. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} [الأنعام: 21]، بأن يفسد استعداده الفطري فيضع الآلهة من الهوى والدنيا موضع إله واحد {أَوْ كَذَّبَ بِآيَٰتِهِ} [الأنعام: 21]، إذ يراها فلا يعرفها من عمى القلب {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [الأنعام: 21]، من عمائهم؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):