Verse. 807 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَہُوَالْقَاہِرُ فَوْقَ عِبَادِہٖ۝۰ۭ وَہُوَالْحَكِيْمُ الْخَبِيْرُ۝۱۸
Wahuwa alqahiru fawqa AAibadihi wahuwa alhakeemu alkhabeeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهو القاهر» القادر الذي لا يعجزه شيء مستعليا «فوق عباده وهو الحكيم» في خلقه «الخبير» ببواطنهم كظواهرهم.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن صفات الكمال محصورة في القدرة والعلم فإن قالوا: كيف أهملتم وجوب الوجود. قلنا: ذلك عين الذات لا صفة قائمة بالذات لأن الصفة القائمة بالذات مفتقرة إلى الذات والمفتقر إلى الذات مفتقر إلى الغير فيكون ممكناً لذاته واجباً بغيره فيلزم حصول وجوب قبل الوجوب وذلك محال فثبت أنه عين الذات، وثبت أن الصفات التي هي الكمالات حقيقتها هي القدرة والعلم فقوله {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } إشارة إلى كمال القدرة، وقوله {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ } إشارة إلى كمال العلم. وقوله {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ } يفيد الحصر ومعناه أنه لا موصوف بكمال القدرة وكمال العلم إلا الحق سبحانه وعند هذا يظهر أنه لا كامل إلا هو، وكل من سواه فهو ناقص. إذا عرفت هذا فنقول: أما دلالة كونه قاهراً على القدرة فلأنا بينا أن ما عدا الحق سبحانه ممكن بالوجود لذاته، والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه ولا عدمه على وجوده إلا بترجيحه وتكوينه وإيجاده وإبداعه فيكون في الحقيقة هو الذي قهر الممكنات تارة في طرف ترجيح الوجود على العدم، وتارة في طرف ترجيح العدم على الوجود ويدخل في هذا الباب كونه قاهراً لهم بالموت والفقر والاذلال ويدخل فيه كل ما ذكره الله تعالى في قوله {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } تفسير : [آل عمران: 26] إلى آخر الآية. وأما كونه حكيماً، فلا يمكن حمله ههنا على العلم لأن الخبير إشارة إلى العلم فيلزم التكرار أنه لا يجوز، فوجب حمله على كونه محكماً في أفعاله بمعنى أن أفعاله تكون محكمة متقنة آمنة من وجوه الخلل والفساد والخبير هو العالم بالشيء المروي. قال الواحدي: وتأويله أنه العالم بما يصح أن يخبر به قال: والخبر علمك بالشيء تقول: لي به خبر أي علم وأصله من الخبر لأنه طريق من طرق العلم. المسألة الثانية: المشبهة استدلوا بهذه الآية على أنه تعالى موجود في الجهة التي هي فوق العالم وهو مردود ويدل عليه وجوه: الأول: أنه لو كان موجوداً فوق العالم لكان إما أن يكون في الصغر بحيث لا يتميز جانب منه من جانب وإما أن يكون ذاهباً في الأقطار متمدداً في الجهات. والأول: يقتضي أن يكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد فلو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون إله العالم بعض الذرات المخلوطة بالهبات الواقعة في كوة البيت وذلك لا يقوله عاقل، وإن كان الثاني كان متبعضاً متجزئاً، وذلك على الله محال. والثاني: أنه إما أن يكون غير متناه من كل الجوانب فيلزم كونه ذاته مخالطاً للقاذورات وهو باطل أو يكون متناهياً من كل الجهات وحينئذ يصح عليه الزيادة والنقصان. وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بمقداره المعين لتخصيص مخصص، فيكون محدثاً أو يكون متناهياً من بعض الجوانب دون البعض، فيكون الجانب الموصوف بكونه متناهياً غير الجانب الموصوف بكونه غير متناه وذلك يوجب القسمة والتجزئة. والثالث: إما أن يفسر المكان بالسطح الحاوي أو بالبعد والخلاء. فإن كان الأول: فنقول أجسام العالم متناهية فخارج العالم لا خلا ولا ملا ولا مكان ولا حيث ولا جهة، فيمتنع حصول ذات الله تعالى فيه. وإن كان الثاني فنقول الخلاء متساوي الأجزاء في حقيقته وإذا كان كذلك، فلو صحّ حصول الله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء لصح حصوله في سائر الأجزاء، ولو كان كذلك لكان حصوله فيه بتخصيص مخصص، وكل ما كان واقعاً بالفاعل المختار فهو محدث، فحصول ذاته في الجزء محدث. وذاته لا تنفك عن ذلك الحصول وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، فيلزم كون ذاته محدثة وهو محال.والرابع أن البعد والخلاء أمر قابل للقسمة و التجزئة،وكل ما كان كذلك فهو ممكن لذاته ومفتقر إلى الموجد ويكون موجده موجوداً قبله فيكون ذات الله تعالى قد كانت موجودة قبل وجود الخلاء والجهة والحيث والحيز. وإذا ثبت هذا: فبعد الحيز والجهة والخلاء وجب أن تبقى ذات الله تعالى كما كانت وإلا فقد وقع التغيير في ذات الله تعالى وذلك محال. وإذا ثبت هذا وجب القول بكونه منزهاً عن الأحياز والجهات في جميع الأوقات. والخامس: أنه ثبت أن العالم كرة. وإذا ثبت هذا فالذي يكون فوق رؤوس أهل الري يكون تحت أقدام قوم آخرين. وإذا ثبت هذا، فإما أن يقال: إنه تعالى فوق أقوام بأعيانهم. أو يقال: إنه تعالى فوق الكل. والأول: باطل، لأن كونه فوقاً لبعضهم يوجب كونه تحتاً لآخرين، وذلك باطل. والثاني: يوجب كونه تعالى محيطاً بكرة الفلك فيصير حاصل الأمر إلى أن إله العالم هو فلك محيط بجميع الأفلاك وذلك لا يقوله مسلم. والسادس: هو أن لفظ الفوقية في هذه الآية مسبوق بلفظ وملحوق بلفظ آخر. أما أنها مسبوقة فلأنها مسبوقة بلفظ القاهر، والقاهر مشعر بكمال القدرة وتمام المكنة. وأما أنها ملحوقة بلفظ فلأنها ملحوقة بقوله {عِبَادِهِ } وهذا اللفظ مشعر بالمملوكية والمقدورية، فوجب حمل تلك الفوقية على فوقية القدرة لا على فوقية الجهة. فإن قيل: ما ذكرتموه على الضد من قولكم إن قوله {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } دل على كمال القدرة. فلو حملنا لفظ الفوق على فوقية القدرة لزم التكرار، فوجب حمله على فوقية المكان والجهة. قلنا: ليس الأمر كما ذكرتم لأنه قد تكون الذات موصوفة بكونها قاهرة للبعض دون البعض وقوله {فَوْقَ عِبَادِهِ } دل على أن ذلك القهر والقدرة عام في حق الكل. والسابع: وهو أنه تعالى لما ذكر هذه الآية رداً على من يتخذ غير الله ولياً، والتقدير: كأنه قال إنه تعالى فوق كل عباده، ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غير الله ولياً. وهذه النتيجة إنما يحسن ترتيبها على تلك الفوقيات كان المراد من تلك الفوقية، الفوقية بالقدرة والقوة. أما لو كان المراد منها الفوقية بالجهة فإن ذلك لا يفيد هذا المقصود لأنه لا يلزم من مجرد كونه حاصلاً في جهة فوق أن يكون التعويل عليه في كل الأمور مفيداً وأن يكون الرجوع إليه في كل المطالب لازماً. أما إذا حملنا ذلك على فوقية القدرة حسن ترتيب هذه النتيجة عليه فظهر بمجموع ما ذكرنا أن المراد ما ذكرناه، لا ما ذكره أهل التشبيه والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} القهر الغلبة، والقاهر الغالب، وأُقهِر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل؛ قال الشاعر: شعر : تَمَنَّى حُصَينٌ أن يَسُودَ جِذاعُه فأمسى حُصَينٌ قَد أَذلَّ وأَقْهَرا تفسير : وقُهر غُلب. ومعنى {فَوْقَ عِبَادِهِ} فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم؛ أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان؛ كما تقول: السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة. وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة، وهو منع غيره عن بلوغ المراد. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} في أمره {ٱلْخَبِيرُ} بأعمال عباده، أي من ٱتصف بهذه الصفات يجب ألاَّ يُشرَكَ به. قوله تعالىٰ: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} وذلك أن المشركين قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: من يشهد لك بأنك رسول الله فنزلت الآية؛ عن الحسن وغيره. ولفظ {شَيْءٍ} هنا واقع موقع ٱسم الله تعالىٰ؛ المعنى الله أكبر شهادة أي ٱنفراده بالربوبية، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم؛ فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلّغتكم وصَدَقت فيما قلته وٱدّعيته من الرسالة. قوله تعالىٰ: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ} أي والقرآن شاهد بنبوّتي. {لأُنذِرَكُمْ بِهِ} يا أهل مكة. {وَمَن بَلَغَ} أي ومن بلغه القرآنُ. فحذف «الهاء» لطول الكلام. وقيل: ومن بلغ الحُلُم. ودلّ بهذا على أن من لم يَبلغ الحُلُم ليس بمخاطَب ولا مُتعبَّد. وتبليغ القرآن والسنة مأمور بهما، كما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بتبليغهما؛ فقال: { أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } تفسير : [المائدة: 67]. وفي صحيح البخاريّ عن عبد الله بن عمرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : بَلِّغُوا عني ولو آية وحَدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج ومن كَذَب عليّ متعمِّداً فَلْيتبّوأ مَقْعَده من النار » تفسير : . وفي الخبر أيضاً؛ من بَلَغته آية من كتاب الله فقد بَلَغه أمر الله أَخَذَ به أو تَرَكه. وقال مُقاتل: من بَلَغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له. وقال القُرَظيّ: من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمداً صلى الله عليه وسلم وسمعَ منه. وقرأ أبو نَهِيك: «وَأُوْحَي إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ» مسمى الفاعل؛ وهو معنى قراءة الجماعة. {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ} ٱستفهام توبيخ وتقريع. وقرىء {أَئِنَّكُمْ} بهمزتين على الأصل. وإن خَفَّفت الثانية قلت: «أَيِنَّكُمْ». وروى الأصمعِيّ عن أبي عمرو ونافع «أَئِنَّكُمْ»؛ وهذه لغة معروفة، تُجعَل بين الهمزتين ألفٌ كراهة لالتقائهما؛ قال الشاعر: شعر : أَيَا ظبيةَ الْوَعْسَاءِ بين جَلاَجِلٍ وَبَيْنَ النَّقَا آأَنْتِ أَمْ أَمُّ سَالِم تفسير : ومن قرى «إنَّكُمْ» على الخبر فعلى أنه قد حَقّق عليهم شركهم. وقال: «آلِهَةً أُخْرَىٰ» ولم يقل: «أُخَر»؛ قال الفرّاء: لأن الآلهة جمعٌ والجمع يقع عليه التأنيث؛ ومنه قوله: { أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 180] وقوله { أية : فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [طه: 51] ولو قال: الأوّل والآخر صَحّ أيضاً. {قُل لاَّ أَشْهَدُ} أي فأنا لا أشهد معكم فحذف لدلالة الكلام عليه، ونظيره { أية : فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } تفسير : [الأنعام: 150].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ } القادر الذي لا يعجزه شيء مستعلياً {فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } في خلقه {ٱلْخَبِيرُ } ببواطنهم كظواهرهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَوْقَ عِبَادِهِ} أي القاهر لعباده، وفوق: صله، أو علا على عباده بقهره لهم {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}تفسير : [الفتح: 10] أعلى من أيديهم قوة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وهو القاهر فوق عباده} يعني وهو الغالب لعباده القاهر لهم وهم مقهورون تحت قدرته والقاهر والقهار معناه الذي يدبر خلقه بما يريد فيقع في ذلك ما يشق عليهم ويثقل ويغم ويحزن ويفقر ويميت ويذل خلقه فلا يستطيع أحد من خلقه رد تدبيره والخروج من تحت قهره وتقديره وهذا معنى القاهر في صفة الله تعالى لأنه القادر والقاهر الذي لا يعجزه شيء أراده ومعنى فوق عباده هنا أن قهره قد استعلى على خلقه فهم تحت التسخير والتذليل بما علاهم به من الاقتدار والقهر الذي لا يقدر أحد على الخروج منه ولا ينفك عنه فكل من قهر شيئاً فهو مستعل عليه بالقهر والغلبة. وقال ابن جرير الطبري: معنى القاهر المتعبد خلقه العالي عليهم وإنما قال فوق عباده لأنه تعالى وصف نفسه بقهره إياهم ومن صفة كل قاهر شيئاً أن يكون مستعلياً عليه فمعنى الكلام إذاً والله الغالب عباده المذلل لهم العالي عليهم بتذليله إياهم فهو فوقهم بقهره إياهم وهم دونه. وقيل: فوق عباده هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل: {وهو الحكيم} يعني في أمره وتدبير عباده {الخبير} يعني بأعمالهم وما يصلحهم. قوله عز وجل: {قل أي شيء أكبر شهادة} قال الكلبي أتى أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد أرنا من يشهد أنك رسول الله فإنا لا نرى أحداً يصدقك ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر فأنزل الله عز وجل قل يعني يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون نبوتك من قومك أي شيء أكبر شهادة يعني أعظم شهادة فإن هم أجابوك وإلا {قل} أنت يا محمد {الله شهيد بيني وبينكم} قال مجاهد أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يسأل قريشاً أي شيء أكبر شهادة ثم أمره أن يخبرهم فيقول الله شهيد بيني وبينكم يعني يشهد لي بالحق وعليكم بالباطل الذي تقولونه والحاصل أنهم طلبوا شاهداً مقبول القول يشهد له بالنبوة فبيَّن الله تعالى بهذه الآية أن أكبر الأشياء شهادة هو الله تعالى ثم بيَّن أنه يشهد له بالنبوة وهو المراد بقوله: {وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به} يعني أن الله عز وجل يشهد لي بالنبوة لأنه أوحى إليّ هذا القرآن وهو معجزة لأنكم أنتم الفصحاء البلغاء وأصحاب اللسان وقد عجزتم عن معارضته فكان معجزاً وإذا كان معجزاً كان نزوله على شهادة من الله بأني رسوله وهو المراد بقوله لأنذركم به يعني أوحي إلى هذا القرآن لأخوفكم به وأحذركم مخالفة أمر الله عز وجل: {ومن بلغ} يعني وأنذر من بلغه القرآن ممن يأتي بعدي إلى يوم القيامة من العرب والعجم وغيرهم من سائر الأمم فكل من بلغ إليه القرآن وسمعه فالنبي صلى الله عليه وسلم نذير له قال محمد بن كعب القرظي من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه وقال أنس بن مالك لما نزلت هذه الآية كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل (خ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " تفسير : (شرح ما يتعلق بهذا الحديث) فيه الأمر بإبلاغ ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إلى من بعده من قرآن وسنة وقوله وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج الحرج الضيق والإثم ومعنى الحديث أنه مهما قلتم عن بني إسرائيل فإنهم كانوا في حال أكثر مما قلتم وأوسع وليس هذا فيه إباحة الكذب والإخبار عن بني إسرائيل لكن معناه الرخصة في الحديث عنهم على بعض البلاغ وإن لم يتحقق ذلك بنقل لأنه أمر قد تعذر لبعد المسافة وطول المدة عن ابن مسعود قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى له من سامع"تفسير : أخرجه الترمذي وله عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه"تفسير : عن ابن عباس قال "تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم" أخرجه أبو داود موقوفاً. وقوله تعالى: {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى} يعني قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذي جحدوا نبوتك واتخذوا آلهة غيري إنكم أيها المشركون لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى يعني الأصنام التي كانوا يعبدونها وإنما قال أخرى لأن الجمع يلحقه التأنيث كما قال تعالى: {أية : ولله الأسماء الحسنى} تفسير : [الأَعراف: 180]{أية : فما بال القرون الأولى}تفسير : [طه: 51] ولم يقل الأول ولا الأولين {قل لا أشهد} يعني قل يا محمد لهؤلاء المشركين لا أشهد بما تشهدون به أن مع الله آلهة أخرى بل أجحد ذلك وأنكره {قل إنما هو إله واحد} يعني قل لهم إنما الله إله واحد ومعبود واحد لا شريك له وبذلك أشهد {وإنني بريء مما تشركون} يعني أنا بريء من كل شيء تعبدونه سوى الله وفي هذه الآية دليل على إثبات التوحيد لله عز وجل وإبطال كل معبود سواه لأن كلمة إنما تفيد الحصر ولفظة الواحد صريح في التوحيد ونفي الشريك فثبت بذلك إيجاب التوحيد وسلب كل شريك والتبرؤ من كل معبود سوى الله تعالى قال العلماء يستحب لكل من أسلم أن يأتي بالشهادتين ويبرأ من كل دين خالف الإسلام لقوله تعالى: {وإنني برئ مما تشركون}. قوله عز وجل: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} المراد بالذين أوتوا الكتاب علماء اليهود والنصارى الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن كفّار مكة لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنا سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر وأنكروا معرفته بين الله عز وجل أن شهادته له كافية على صحة نبوته وبين في هذه الآية أنهم يعرفونه وأنهم كذبوا في قولهم إنهم لا يعرفونه. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن سلام قال له عمر بن الخطاب: إن الله عز وجل أنزل على نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بمكة {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم مني بابني فقال عمر وكيف ذاك؟ قال أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً ولا أدري ما يصنع النساء. وقوله تعالى: {الذين خسروا أنفسهم} يعني: أهلكوا أنفسهم وغبنوها وأوبقوها في نار جهنم بإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الذين خسروا أنفسهم قولان: أحدهما: أنه صفة الذين الأولى ويكون المقصود من ذلك وعيد المعاندين الذين يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم ويجحدون نبوته وهم كفار أهل الكتابين {فهم لا يؤمنون} يعني به. والقول الثاني: إنه كلام مبتدأ ولا تعلق له بالأول وهم كفار مكة الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وذكروا في معنى الخسار وجهين: أحدهما: أنه الهلاك الدائم الذي حصل لهم بسبب كفرهم وإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. والوجه الثاني: أنه جعل لكل واحد من بني آدم منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار فذلك هو الخسران.

ابن عادل

تفسير : والمرادُ بالقاهر الغالب، وفي "القاهِرِ" زيادَةُ معنى على القدرةِ وهو منع غيره من بلوغ المُرَادِ. وقيل: المنفرد بالتَّدْبير الذي يجبرُ الخَلْق على مُرَادِه. قوله: "فوق" فيه أوجه: أظهرها: أنه مَنْصُوبٌ باسم الفاعل قَبْلَهُ، والفوقيَّةُ هنا عبارةٌ عن الاسْتِعْلاءِ والغَلَبَة. والثاني: أنه مرفوعٌ على [أنه] خبر ثانٍ، أخبر عنه بشيئين: أحدهما: أنه قاهرٌ. والثاني: أنه فوق عباده بالغَلَبَةِ. والثالث: أنه بَدَلٌ من الخبر. والرابع: أنه منصوبٌ على الحال من الضمير في "القاهر" كأنهُ قيل: وهو القاهرُ مُسْتَعْلِياً أو غالباً، ذكره المهدوي وأبو البقاء. الخامس: أنها زائدةٌ، والتقديرُ: وهو القَاهِرُ عِبَادَهُ. ومثله: {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} تفسير : [الأنفال: 12] وهذا مردود؛ لأن الأسماء لا تزاد. ثم قال" وهو الحكيم" أي في أمره، "الخبيرُ" بأعمال عباده.

البقاعي

تفسير : ولما كانت الجملتان من الاحتباك، فأفادتا بما ذكر وما دل عليه المذكور مما حذف أنه تعالى غالب على أمره، قال مصرحاً بذلك: {وهو القاهر} أي الذي يعمل مراده كله ويمنع غيره مراده إن شاء، وصور قهره وحققه لتمكن الغلبة بقوله: {فوق عباده} وكل ما سواه عبد؛ ولما كان في القهر ما يكون مذموماً، نفاه بقوله: {وهو} أي وحده {الحكيم} فلا يوصل أثر القهر بإيقاع المكروه إلا لمستحق، وأتم المعنى بقوله: {الخبير *} أي بما يستحق كل شيء، فتمت الأدلة على عظيم سلطانه وأنه لا فاعل غيره. ولما ختم بصفتي الحكمة والخبرة، كان كأنه قيل: فلم لم يعلم أنا نكذبك بخبرته فيرسل معك بحكمته من يشهد لك - على ما يقول من أنه أمرك أن تكون أول من أسلم، ونهاك عن الشرك لنصدقك - من ملك كما تقدم سؤالنا لك فيه أو كتاب في قرطاس أو غيرهما؟ فقال: قد فعل، ولم يرض لي إلا بشهادته المقدسة فقال - أو يقال: إنه لما أقام الأدلة على الوحدانية والقدرة ووصل إلى صفة القهر المؤذن بالانتقام، لم يبق إلا الإشهاد عليهم إيذاناً بما يستحقونه من سوء العذاب وإنذاراً به لئلا يقولوا إذا حل بهم: إنه لم يأتنا نذير، فقال: {قل} أي يا أيها الرسول لهم {أي شيء أكبر} أي أعظم وأجل {شهادة} فإن أنصفوا وقالوا: الله! فقل: هو الذي يشهد لي، كما قال في النساء "لكن الله يشهد بما أنزل إليك" ولكنه قطع الكلام هنا إشارة إلى عنادهم أو سكوتهم، أو إلى تنزيلهم منزلة المعاند، أو العالم بالشيء العامل عمل الجاهل، فقال آمراً له صلى الله عليه وسلم: {قل الله} أي الملك الأعظم المحيط علماً وقدرة أكبر شهادة. ولما كانوا بمعرض أن يسلموا ذلك ويقولوا: إنه لَكذلك، ولكن هلم شهادته! قال: {شهيد} أي هو أبلغ شاهد يشهد {بيني وبينكم} أي بهذا القرآن الذي ثبت بعجزكم عنه أنه كلامه، وبغيره من الآيات التي عجزتم عن معارضتها؛ ولما قرر أنه أعظم شهيد، وأشار إلى شهادته بالآيات كلها، نبه على أعظمها، لأن إظهاره تعالى للقرآن على لسانه صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه شهادة من الله له بالصدق، فقال ذاكراً لفائدته في سياق تهديد متكفل بغثبات الرسالة وإثبات الوحدانية، وقدم الأول لأنه المقرر للثاني والمفهم له بغايته، عاطفاً على جملة "شهيد" بانياً للمفعول، تنبيهاً على أن الفاعل معروف للإعجاز، وبني للفاعل في السواد: {وأوحي إلي} وحقق الموحى به وشخّصه بقوله: {هذا القرآن} ولما كان في سياق التهديد قال مقتصراً على ما يلائمه: {لأنذركم} أي أخوفكم وأحذركم من اعتقاد شائبة نقص في الإله لا سيما الشرك {به ومن} أي وأنذر به كل من {بلغ} أي بلغه، قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في صلات "الذي" و "من" و "ما". وقال البخاري في آخر الصحيح: {لأنذركم به} يعني أهل مكة، ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير علقه بصيغة الجزم عن ابن عباس ووصله إليه ابن أبي حاتم كما أفاده شيخنا في شرحه. وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله. وقال الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي في جواب سؤال ورد عليه سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل بعث إلى الجن - ومن خطه نقلتُ: الكتاب والسنة ناطقان بذلك، والإجماع قائم عليه، لا خلاف بين المسلمين فيه؛ ثم أسند الإجماع إلى أبي طالب القضاعي وأبي عمر بن عبد البر في التمهيد وأبي محمد بن حزم في كتاب الفِصَل وغيرهم ثم قال: أما الكتاب فآيات إحداها {لأنذركم به ومن بلغ} قال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس - فذكره، وقال السدي: من بلغ القرآن فهو له نذير، وقال ابن زيد: من بلغه هذا القرآن فأنا نذيره. وهذه كلها أقوال متفقة المعنى، وقد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا الكلام وأن ينذر بالقرآن كل من بلغه، ولم يخص إنساً ولا جناً من أهل التكليف، ولا خلاف أن الجن مكلفون - انتهى. وسيأتي مما ذكر من الآيات وغيرها ما يليق بالاستدلال على الإرسال إلى الملائكة عليهم السلام، فالمعنى: فمن صدق هذا القرآن فقد أفلح، ومن كذب فليأت بسورة من مثله، ثم عجزه شاهد على نفسه بالكذب، وهو شهادة الله لي بالصدق، ولأجل أن الله هو الشاهد لم تنقض الشهادة بموت النبي صلى الله عليه وسلم، بل استمرت على مرّ الأيام وكرّ الأعوام لبقاء الشاهد وتعاليه عن شوائب النقص وسمات الحدث، وإلى ذلك الإشارة بقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" تفسير : أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه. ولعل الاقتصار على الإنذار مع ما تقدم إشارة إلى أن أكثر الخلق هالك، وقد ذكر في نزول هذه الآية أن أهل مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أما وجد الله رسولاً غيرك؟ ما نرى أحداً يصدقك بما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس عندهم منك ذكر، فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزلها الله. ولما لم يبق لمتعنت شبهة، ساق فذلكة ذلك وقطب دائرته - وهو لزوم التوحيد الذي جعلت الرسالة مُرَقَّى إليه، فإذا ثبت في قلب فاضت أنواره بحسب ثباته حتى أنها ربما ملأت الأكوان وعلت على كيوان - مساق استفهام على طريقة الإنكار والتعجيب تعظيماً لشأنه وتفخيماً لمقامه وتنبيهاً لهم على أن يعدوا عن الشرك فقال: أئنكم لتشهدون أن مع الله} أي الذي حاز جميع العظمة {آلهة}. ولما كانوا لكثرة تعنتهم ربما أطلقوا على أسمائه سبحانه إله كما قالوا حين سمعوه صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يا الله يا رحمن" تفسير : كما سيأتي إن شاء الله تعالى آخر الحِجْر وآخر سبحان، صرح بالمقصود على وجه لا يحتمل النزاع فقال: {أخرى} ولما كان كأنه قيل: إنهم ليقولون ذلك، فماذا يقال لهم؟ قال: {قل لا أشهد} أي معكم بشيء مما تقولونه لأنه باطل، ولو كان حقاً لشهدت به. ولما كان هذا غير قاطع لطمعهم فيه، اجتثَّه من أصله وبرمته بقوله: {قل إنما هو} أي الإله {إله واحد} وهو الله الذي لا يعجزه شيء وهو يعجز كل شيء، لأنه واحد لا كفوء له، فإنكم عجزتم عن الإتيان بسورة من مثل كلامه وأنتم أفصح الناس. ولما كان معنى هذا البراءة من إنذارهم، صرح به في قوله مؤكداً في جملة اسمية: {وإنني بريء مما تشركون *} أي الآن وفي مستقبل الزمان إبعاداً من تطمعهم أن تكون الموافقة بينه وبينهم باتخاذه الأنداد أو شيئاً منها ولياً، فثبت التوحيد بهذه الآية بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد، ولقد امتثل صلى الله عليه وسلم الأمر بإنذار من يمكن إبلاغه القرآن، فلما استراح عن حرب قريش وكثير ممن حوله من العرب في عام الحديبية، وهو سنة ست من الهجرة، وأعلمه الله تعالى أن ذلك فتح مبين، أرسل إلى من يليه من ملوك الأمصار في ذلك العام وما بعده، وكان أكثر عند منصرفه من ذلك الاعتمار يدعوهم إلى جنات وأنهار في دار القرار، وينذرهم دار البوار، قال أهل السير: خرج صلى الله عليه وسلم - بعد رجوعه من عمرة الحديبية التي صد عنها - على أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فقال: حديث : أيها الناس! إن الله بعثني رحمة وكافة، وإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجمتفسير : وقال ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن عبد الرحمن بن عبد القادر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ذات يوم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال: حديث : أما بعد فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك العجم، فأدوا عني يرحمكم الله، ولا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون تفسير : وقال ابن عبد الحكم: بنو إسرائيل - على عيسى ابن مريم عليهما السلام، فقال المهاجرون: يا رسول الله! والله لا نختلف عليك في شيء أبداً، فمرنا وابعثنا، فسألوه: كيف اختلف الحواريون على عيسى عليه السلام؟ قال: دعاهم إلى الذي وفي رواية لمثل الذي - دعوتكم إليه، وقال ابن عبد الحكم: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام أن ابعث إلى مقدس الأرض، فبعث الحواريون - فأما من بعثه مبعثاً قريباً فرضي وسلم، وأما من بعثه مبعثاً بعيداً فكره وجهه وتثاقل - قال ابن عبد الحكم: وقال: لا أحسن كلام من تبعثني إليه - فشكا ذلك عيسى عليه السلام إلى الله عز وجل، فأصبح كل رجل - وقال ابن عبد الحكم: فأوحى الله تعالى إليه أني سأكفيك، فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم - يتكلم بلغة الأمة التي بعث إليها. فقال عيسى عليه السلام: هذا أمر قد عزم الله عليه فامضوا له. وقال الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي في القاموس: إن المكان الذي جمع فيه عيسى عليه السلام الحواريين وأنفذهم إلى النواحي قرية بناحية طبرية تسمى الكرسي. وقال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب المصري أنه وجد كتاباً فيه ذكر من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البلدان وملوك العرب والعجم وما قال لأصحابه حين بعثهم، قال: فبعث به إلى محمد بن شهاب الزهري فعرفه - فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: قال ابن إسحاق: وكان من بعث عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم من الحواريين والأتباع الذين كانوا بعدهم في الأرض بطرس الحواري ومعه بولس - وكان بولس من الأتباع ولم يكن من الحواريين - إلى رومية، وأندرائس ومنتا إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس، وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق وقيبليس إلى قرطاجنة، وهي إفريقية، ويحنس إلى أقسوس قرية الفتية أصحاب الكهف، ويعقوبس إلى أوراشلم وهي إيلياء قرية بيت المقدس، وابن ثلما إلى الأعرابية، وهي أرض الحجاز، وسيمن إلى أرض البربر، ويهودا ولم يكن من الحواريين، جُعل مكان يودس - انتهى. كذا رأيت في نسخة معتمدة مقابلة من تهذيب السيرة لابن هشام، وكذا في مختصرها للامام جمال الدين محمد بن المكرم الأنصاري عدد رسله وأسمائهم، وفي أخرهم: قوله: مكان يودس، ولم يتقدم ليودس ذكر، والذي حررته أنا من الأناجيل التي بأيدي النصارى غير هذا، ولعله أصح، وقد جمعت ما تفرق من ألفاظها، قال في إنجيل متى ما نصه - ومعظم السياق له: ودعا يعني عيسى عليه السلام - تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم سلطاناً على جميع الأرواح النجسة لكي يخرجوها ويشفوا كل الأمراض؛ وفي أنجيل مرقس: وصعد إلى الجبل ودعا الذين أحبهم فأتوا إليه، وانتخب اثني عشر ليكونوا معه ولكي يرسلهم ليكرزوا، وأعطاهم سلطاناً على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين، وفي إنجيل لوقا: وكان في تلك الأيام خرج إلى الجبل يصلي، وكان ساهراً في صلاة الله، فلما كان النهار دعا تلاميذه واختار منهم اثني عشر؛ وقال في موضع آخر: ودعا الاثني عشر الرسل وأعطاهم قوة وسلطاناً على جميع الشياطين وشفاء المرضى، وأرسلهم يكرزون بملكوت الله ويشفون الأوجاع؛ وهذه أسماء الاثني عشر الرسل: سمعان المسمى بطرس - ونسبه في موضع من إنجيل متى: ابن يونا - وأندراوس أخوه، ويعقوب بن زبدي ويوحنا أخوه قال في إنجيل مرقس: وسماهما باسمي بوانرجس اللذين ابنا الرعد - وفيلبس وبرثولوماوس، وتوما ومتى الشعار، ويعقوب بن حلفي، ولباوس الذي يدعى تداوس، وجعل في إنجيل مرقس بدل هذا: تدى، وفي إنجيل لوقا بدلهما: يهوذا بن يعقوب، ثم اتفقوا: وسمعان القاناني، وقال في إنجيل لوقا: المدعو الغيور، ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه - أي دل عليه في الليلة التي ادعى اليهود القبض عليه فيها - هؤلاء الاثنا عشر الرسل الذين أرسلهم يسوع - وفي إنجيل مرقس: ودعا الاثني عشر وجعل يرسلهم اثنين اثنين، وأعطاهم السلطان على الأرواح النجسة - قائلاً: لا تسلكوا طريق الأمم، ولا تدخلوا مدينة السامرة، وانطلقوا خاصة إلى الخراف التي ضلت من بيت إسرائيل، وإذا ذهبتم فاكرزوا وقولوأ: قد اقتربت ملكوت السماوات، اشفوا المرضى، أقيموا الموتى، طهروا البرص، أخرجوا الشياطين، مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا، لا تكنزوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً في مناطقكم ولا همياناً في الطريق ولا ثوبين ولا حذاء ولا عصى، والفاعل مستحق طعامه، وفي إنجيل مرقس: وأمرهم أن لا يأخذوا في الطريق غير عصى فقط ولا همياناً ولا خبزاً ولا فضة ولا نحاساً في مناطقهم إلا نعالاً في أرجلهم ولا يلبسوا قميصين؛ وفي إنجيل لوقا: وقال لهم: لا تحملوا في الطريق شيئاً، لا عصى ولا همياناً ولا خبزاً ولا فضة، ولا يكون لكم ثوبان، وأي مدينة أو قرية دخلتموها فحصوا فيها عمن يستحقكم، وكونوا هناك حتى تخرجوا، فإذا دخلتم إلى البيت فسلموا عليه، فإن كان البيت مستحقاً لسلامكم فهو يحل عليه، وإن كان لا يستحق فسلامكم راجع إليكم، ومن لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم فإذا خرجتم من ذلك البيت وتلك القرية أو تلك المدينة انفضوا غبار أرجلكم؛ وفي إنجيل مرقس: وقال لهم: أي بيت دخلتموه أقيموا فيه إلى أن تخرجوا منه، وأي موضع لم يقبلكم ولم يسمع منكم فإذا خرجتم من هناك فانفضوا الغبار الذي تحت أرجلكم للشهادة عليهم، الحق أقول لكم! إن الأرض سدوم وعامورا راحة في يوم الدين أكثر من تلك المدينة، هو ذا أنا مرسلكم كالخراف بين الذئاب، كونوا حكماء كالحية وودعاء كالحمام، احذروا من الناس، فإنهم يسلمونكم إلى المحافل، وفي مجامعهم يضربونكم، ويقدمونكم إلى القواد والملوك من أجلى شهادة لهم وللأمم - وفي إنجيل مرقس: شهادة عليهم وعلى كل الأمم، ينبغي أولاً أن يكرزوا بالإنجيل - فإذا أسلموكم فلا تهتموا بما تقولون - وفي إنجيل مرقس: ولا ماذا تجيبون - فإنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، ولستم أنتم المتكلمين لكن روح أبيكم - وفي إنجيل مرقس: لكن روح القدس يتكلم فيم - وسيسلم الأخ أخاه إلى الموت والأب ابنه، ويقوم الأبناء على آبائهم فيقتلونهم، وتكونون مبغوضين من الكل من أجل اسمي، والذي يصبر إلى المنتهى يخلص، فإذا طردوكم من هذه المدينة اهربوا إلى أخرى، الحق الحق أقول لكم! إنكم لا تكلمون مدائن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان، ليس تلميذ أفضل من معلمه، ولا عبد أفضل من سيده، وحسب التلميذ أن يكون مثل معلمه والعبد مثل سيده، إن كانوا سموا رب البيت باعل زبول فكم بالحري أهل بيته! فلا تخافوهم، فليس خفي إلا سيظهر ولا مكتوم إلا سيعلم، الذي أقول لكم في الظلمة قولوه أنتم في النور، وما سمعتموه بآذانكم فاكرزوا به على السطوح، ولا تخافوا ممن يقتل الجسد ولا يستطيع أن يقتل النفس، خافوا ممن يقدر أن يهلك النفس والجسد جميعاً في جهنم، أليس عصفوران يباعان بفلس، وواحد منهما لا يسقط على الأرض دون إرادة أبيكم، وأنتم فشعور رؤوسكم كلها محصاة، فلا تخافوا، فإنكم أفضل من عصافير كثيرة، لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض سلامة، لكن سيفاً، أتيت لأفرق الإنسان من أبيه والابنة من أمها، والعروس من حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته، من أحب أباً أو أماً أكثر مني فما يستحقني، ومن وجد نفسه فليهلكها، ومن أهلك نفسه من أجلي وجدها، ومن قبلكم فقد قبلني، ومن قبلني فهو يقبل الذي أرسلني، ومن يقبل نبياً باسم نبي فأجر نبي يأخذ، ومن يأخذ صديقاً باسم صديق فأجر صديق يأخذ، ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ - الحق أقول لكم - إن أجره لا يضيع، ولما أكمل يسوع أمره لتلاميذه الاثني عشر، انتقل من هناك ليعلم ويكرز في مدنهم؛ وفي إنجيل مرقس: فلما خرجوا - يعني الرسل - كرزوا بالتوبة وأخرجوا شياطين كثيرة ومرضى عديدة يدهنونهم بالزيت فيشفون؛ وفي إنجيل لوقا: ومن بعد هذا أيضاً ميز الرب سبعين آخرين ويرسلهم اثنين اثنين قدام وجهه إلى كل مدينة وموضع أزمَعَ أن يأتيه، وقال لهم: إن الحصاد كثير والفعلة قليلون، أطلبوا من رب الحصاد ليخرج فعلة لحصاده؛ وفي إنجيل متى ما ظاهره أن هذا الكلام كان للاثني عشر، فإنه قال قبل ذكر عددهم: فلما رأى الجمع تحنن عليهم لأنهم كانوا ضالين ومطرحين كالخراف التي ليس لها راع، حينئذ قال لتلاميذه الاثني عشر - إلى آخر ما ذكرته عنه أولاً، فيجمع بأنه قاله للفريقين - رجع إلى السياق الأول: اذهبوا، وهو ذا أرسلكم كالخراف بين الذئاب، لا تحملوا همياناً ولا حذاء ولا مزوداً ولا تقبلوا أحداً في الطريق، وأي بيت دخلتموه فقولوا أولاً: سلام لأهل هذا البيت، فإن كان هناك ابن سلامكم فإن سلامكم يحل عليه، وإلا فسلامكم راجع إليكم، وكونوا في ذلك البيت، كلوا واشربوا من عندهم، فإن الفاعل مستحق أجرته، ولا تنتقلوا من بيت إلى بيت، وأي مدينة دخلتموها ويقبلكم أهلها فكلوا مما يقدم لكم، واشفوا المرضى الذين فيها، وقولوا لهم: قد قربت ملكوت الله، وأي مدينة دخلتموها ولا يقبلكم أهلها فاخرجوا من شوارعها وقولوا لهم: نحن ننفض لكم الغبار الذي لصق بأرجلنا من مدينتكم، لكن اعلموا أن ملكوت الله قد قربت، أقول لكم: إن سدوم في ذلك اليوم لها راحة أكثر من تلك المدينة، الويل لك يا كورزين! والويل لك يا بيت صيدا! لأنه لو كان في صور وصيدا القوات التي كنَّ فيكما جلسوا وتابوا بالمسوح والرماد، وأما صور وصيدا فلهما راحة في الدينونة أكثر منكم، وأنت يا كفرناحوم لو أنك ارتفعت إلى السماء سوف تهبطين إلى الجحيم، من سمع منكم فقد سمع مني، ومن جحدكم فقد جحدني، ومن جحدني فقد شتم الذي أرسلني؛ فرجع السبعون بفرح قائلين: يا رب! الشياطين باسمك تخضع لنا يا رب فقال لهم: قد رأيت الشيطان سقط من السماء مثل البرق، وهو ذا قد أعطيتكم سلطاناً لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو، ولا يضركم شيء، ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم، افرحوا لأن أسماءكم مكتوبة في السماوات، وفي تلك الساعة تهلل يسوع بالروح، والتفت إلى تلاميذه خاصة وقال: طوبى للأعين التي ترى ما رأيتم! أقول لكم: إن أنبياء كثيرين وملوكاً اشتهوا أن ينظروا ما نظرتم فلم ينظروا، ويسمعوا ما سمعتم فلم يسمعوا؛ وفي إنجيل متى - بعد ما ادعى اليهود صلبه - أنه ظهر لتلاميذه الأحد عشر - وهم من تقدم غير يهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه - في الجليل في الجبل الذي أمرهم به يسوع، وكلمهم قائلاً: أعطيت كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا الآن وتلمذوا كل الأمم؛ وفي آخر إنجيل مرقس أنه ظهر لهم وهم مجتمعون، وكانوا في تلك الأيام يبكون وينوحون فبكّتهم لقلة إيمانهم وقسوة قلوبهم وقال لهم: امضوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل في الخليقة كلها، فمن آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدان، وهذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة، ويحملون بأيديهم الحيات ولا تؤذيهم. ويشربون السم القاتل فلا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون، ومن بعد ما كلمهم يسوع ارتفع إلى السماء، فخرج أولئك يكرزون في كل مكان؛ وفي إنجيل لوقا: فلما خرجوا كانوا يطوفون في القرى ويبشرون ويشفون في كل موضع وفي آخره بعد أن ذكر تلامذته الأحد عشر وكلاماً كانوا يخوضون فيه بعد ادعاء اليهود لصلبه: وفيما هم يتكلمون وقف يسوع في وسطهم وقال لهم: السلام لكم، أنا هو! لا تخافوا، فاضطربوا وظنوا أنهم ينظرون روحاً فقال: ما بالكم تضطربون؟ ولِمَ تأتي الأفكار في قلوبكم؟ انظروا يدي ورجلي فإني أنا هو! جسّوني وانظروا، إن الروح ليس له لحم ولا عظم كما ترون أنه لي؛ ولما قال هذا أراهم يديه ورجليه، وإذا هم غير مصدقين من الفرح، قال لهم: أعندكم ههنا ما يؤكل؟ فأعطوه جزءاً من حوت مشوي ومن شهد عسل، فأخذ قدامهم وأكل، وأخذ الباقي وأعطاهم، وقال لهم: هذا الكلام الذي كلمتكم به إذ كنت معكم، وأنه سوف يكمل كل شيء هو مكتوب في ناموس موسى والأنبياء والمزامير لأجلي، وحينئذ فتح أذهانهم ليفهموا، وقال لهم: اجلسوا أنتم في المدينة يروشليم حتى تتذرعوا لقوة من العلى، ثم أخرجهم خارجاً إلى بيت عنيا، فرفع يديه وباركهم، وكان فيما هو يباركهم انفرد عنهم وصعد إلى السماء أمامهم، فرجعوا إلى يروشليم بفرح عظيم، وكانوا في كل حين يسبحون ويباركون الله - انتهى ما نقلته من الأناجيل. وما كان فيه من لفظ يوهم نقصاً ما فقد تقدم في أول آل عمران أنه لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى وإن كان صح إطلاقه في شرعهم، فهو مؤول وقد نسخ؛ وقال الإمام محيي السنة البغوي في تفسير آل عمران فيما نقله عن وهب: فلما كان بعد سبعة أيام - أي من ادعاء اليهود لصلبه - قال الله تعالى لعيسى عليه السلام: اهبط على مريم المجدلانية في جبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن عليك أحد حزنها، ثم لتجمع لك الحواريين فتبثهم في الأرض دعاة إلى الله تعالى، فأهبطه الله تعالى عليها فاشتعل الجبل حين هبط نوراً، فجمعت له الحواريين فتبثهم في الأرض دعاة، ثم رفعه الله إليه، وتلك الليلة هي التي تدخن فيها النصارى، فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى عليه السلام إليهم، فذلك قوله تعالى {أية : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} تفسير : [آل عمران: 54] هذا ما ذكر من شأن رسل عيسى عليه السلام أنهم كانوا دعاة، وأما رسل النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا مبلغين لكتبه صلى الله عليه وسلم، فمن قبل ذلك كان حظه من الله، ومن أبى كان جوابه السيف الماحق لدولته - كما ذكرته مستوفى في شرحي لنظمي للسيرة وهو مذكور في فتوح البلاد؛ ولما بعث صلى الله عليه وسلم رسله اتخذ لأجل مكاتبة الملوك الخاتم، أخرج أبو يعلى في مسنده عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر - وفي رواية: وأكيدر دومة وإلى كل جبار - يدعوهم إلى الله وأخرج الشيخان في صحيحهما - وهذا لفظ مسلم - عن أنس بن مالك أيضاً رضي الله عنه قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم - وفي رواية: إلى العجم - قالوا: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من فضة كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم نقشه "محمد رسول الله". فبعث دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه إلى قيصر ملك الروم وأمره أن يوصل الكتاب إلى عظيم بصرى ليوصله إليه، فعظم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وقبله وقرأه ووضعه على وسادة وعلم صدقه صلى الله عليه وسلم وأنه سيغلب على ملكه، فجمع الروم وأمرهم بالإسلام فأبوا، فخافهم فقال: إنما أردت أن أجربكم، ثم لم يقدر الله له الإسلام، فأزال الله حكمه عن الشام وكثير من الروم على يدي أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ثم عن كثير من الروم أيضاً على يد من بعدهم، ومكن بها الإسلام، لكن أثابه الله على تعظيم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن أبقى ملكه في أطراف بلاده إلى الآن، وبلغني أن الكتاب محفوظ عندهم إلى هذا الزمان؛ وبعث شجاع بن وهب الأسدي رضي الله عنه إلى الحارث بن أبي شمر الغساني - وقال القضاعي: المنذر بن أبي شمر عامل قيصر على تخوم الشام - ثم إلى جبلة بن الأيهم الغساني، فأما الحارث أو المنذر فغضب من الكتاب وهمّ بالمسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليقاتله، زعم فنهاه عن ذلك قيصر، فأكرم شجاعاً ورده وأسلم حاجبه مري الرومي بما عرف من صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الإنجيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : باد ملك الحارث، وفاز مري" تفسير : فقلّ ما لبث الحارث حتى مات، وولي بعده في مكانه جبلة بن الأيهم الغساني، وهو آخر ملوك غسان على نواحي الشام، فرد إليه النبي صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب رضي الله عنه، فرد على النبي صلى الله عليه وسلم رداً جميلاً ولم يسلم، واستمر يتربص حتى أسلم في خلافة عمر رضي الله عنه لما رأى من ظهور نور الإسلام وخمود نار الشرك، ثم إنه ارتد - ولحق ببلاد الروم - في لطمة أريد أن يقتص منه فيها، فسبحان الفاعل لما يشاء! وبعث عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه إلى كسرى ملك الفرس، وأمره أن يدفع الكتاب إلى عظيم البحرين ليوصله إليه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم بدأ باسمه الشريف مزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه، فرجع عبد الله، فلما سكن غضب الخبيث التمسه فلم يجده فأرسل في طلبه فسبق الطلب، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن تمزيق الكتاب، دعا على كسرى أن يمزق كل ممزق، فأجاب الله دعوته فشتت شملهم وقطع وصلهم على يد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم قتل يزدجرد آخر ملوكهم في خلافة عثمان رضي الله عنه، فأصبح ملك الأكاسرة كأمس الدابر، وعم بلادهم الإسلام وظهرت بها كلمة الإيمان، بل تجاوز الإسلام ملكهم إلى ما وراء النهر وإلى بلاد الخطا. وبعث حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إلى المقوقس صاحب مصر والإسكندرية، فعلم من صدق النبي صلى الله عليه وسلم ما علمه قيصر من الإنجيل، فأكرم الرسول وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ورد رداً جميلاً ولم يسلم، فأباد الله ملكه على يد عمرو بن العاص أمير لعمر رضي الله عنهما. وبعث عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه إلى النجاشي فآمن رضي الله عنه وقال: أشهد أنه النبي صلى الله عليه وسلم الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل عليهم السلام. وأن العيان ليس بأشفى من الخبر، وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدايا كثيرة، وأرسل ابنه بإسلامه في سبعين من الحبشة، وقال في كتابه: وإني لا أملك إلا نفسي ومن آمن بك من قومي، وإن أحببت أن آتيك يا رسول الله فعلتُ؛ فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على النجاشي واستغفر له؛ وبعث العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين وإلى أسيحت مرزبان هجر بكتاب يدعوهما فيه إلى الإسلام أو الجزية، وأرض البحرين من بلاد العرب، لكن كان الفرس قد غلبوا عليها، وبها خلق كثير من عبد القيس وبكر بن وائل وتميم فأسلم المنذر وأسيحت وجميع من هناك من العرب وبعض العجم، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على عمله؛ وبعث سليط بن عمرو العامري رضي الله عنه إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وكان عاملاً لقيصر على قومه، فقرأ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ورد رداً دون رد، فصادف أن قدم عليه راهب من دمشق، فأخبره أنه لم يجب إلى الإسلام، فقال: لم؟ قال: ضننت بملكي، قال الراهب: لو تبعته لأقرك والخير لك في اتباعه، فإنه النبي صلى الله عليه وسلم، بشر به عيسى عليه السلام، قال هوذة للراهب: فما لك لا تتبعه؟ فقال: أجدني أحسده وأحب الخمر، فكتب هوذة كتاباً وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهدية مكانه ذلك، وشعر به قومه فأتوه فهددوه، فرد الرسول واستمر على نصرانيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع إليه سليط: حديث : باد هوذة وباد ما في يدهتفسير : ! فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من فتح مكة جاءه جبرئيل عليه السلام بأن هوذة مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يقتل بعديتفسير : ، فكان كذلك كما هو مشهور من أمر مسيلمة الكذاب، وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي رضي الله عنه إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن، فلما بلغه رسالة النبي صلى الله عليه وسلم قال الحارث: قد كان هذا النبي عرض نفسه عليّ فخطئت عنه، وكان ذخراً لمن صار إليه، وسأنظر، وتباطأ به الحال إلى أن أسلم عند رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك سنة الوفود، وكاتب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ وبعث عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى جيفر وعبد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان، فتوقفا واضطرب رأيهما، ثم عزم الله لهما على الرشد فقال جيفر: إنه والله قد دلني على هذا النبي صلى الله عليه وسلم الأمي أنه لا يأمر بخير إلاّ كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يفجر، وأنه يوفى بالعهد وينجز الوعد، ولا يزال يطع على سر قوم يساوي فيه أهله، وإني أشهد أنه رسول الله، وأسلم أخوه أيضاً، وكتبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامهما، فقال خيراً وأثنى خيراً، وكان في سير هؤلاء الرسل لعمري غير ما ذكر أحاديث عجائب وأقاصيص غرائب من دلائل النبوة وأعلام الرسالة، خشيت من ذكرها الإطالة وأن تمل وإن لم يكن فيها ما يقتضي ملاله، وقد شفيت في شرحي لنظمي للسيرة باستيفائها القليل في ترتيب جميل ونظم أسلوبه لعمري جليل، هؤلاء رسل البشر، وأما الرسل من الجن فقد روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {أية : وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن} تفسير : [الجن: 29] قال: كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم قال الهيثمي: وفي سنده النضر أبو عمر وهو متروك، ويؤيد عموم هذه الآية في تناولها الملائكة عليهم السلام قوله تعالى {أية : ليكون للعالمين نذيراً} تفسير : [الفرقان: 1] وإذا تأملت سياق الآيات التي بعدها مع آخر السورة التي قبلها قطعت بذلك {أية : لينذر من كان حياً} تفسير : [يس: 70]، {أية : إنما تنذر من اتبع الذكر} تفسير : [يس: 11] إذ هم من جملة العالمين وممن بلغه القرآن وممن هو حي وممن اتبع الذكر، والخطاب بالإنذار وارد مورد التغليب، إذ الإنس والجن أهل له، فانتفى ما يقال: إن الملائكة في غاية الخوف من الله تعالى مع عصمتهم فليسوا ممن يخوف، ويزيد ذلك وضوحاً قوله تعالى: {أية : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} تفسير : [الأنبياء: 29] ولا إنذار أعظم من ذلك، وإن عيسى عليه السلام من هذه الأمة وممن شملته الآيات الدالة على عموم الرسالة بغير شك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : والذي نفسي بيده! لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي" تفسير : أخرجه الإمام أحمد والدارمي والبيهقي في الشعب عن جابر رضي الله عنه، ومذهب أهل السنة أن رسل البشر أفضل من رسل الملائكة، وقد ثبتت رسالته إلى الأفضل المعصوم بالفعل لعيسى، وبالتعليق بالحياة بموسى عليه السلام، وقد أخذ الله سبحانه ميثاق النبيين كلهم عليهم السلام إن أدركوه ليؤمنن به، وقد خوطب النبي صلى الله عليه وسلم - وهو أشرف الخلق وأكملهم - بالإنذار في غير آية، فمهما أول به ذلك في حقه صلى الله عليه وسلم قيل مثله في حقهم عليهم السلام، ومما يرفع النزاع ويدفع تعلل المتعلل بالإنذار قوله تعالى {أية : لتنذر به وذكرى للمؤمنين} تفسير : [الأعراف: 2] فخذل مفعول "تنذر" دال على عموم رسالته، وتعليق الذكرى بالمؤمنين مدخل لهم بلا ريب لأنهم من رؤوسهم - عليهم السلام، وقوله تعالى {أية : لتبشر به المتقين} تفسير : [مريم: 97] إلى غيرها من الآيات، فيكون عموم رسالته لهم زيادة شرف له، وهو واضح، وزيادة شرف لهم بحمل أنفسهم على طاعته والتقيد بما حده لهم من أعمال ملته طاعة لله تعالى زيادة في أجورهم ورفعة درجاتهم، وذلك مثل ما قال أبو حيان في قوله تعالى {أية : فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} تفسير : [الأعراف: 144]: إن في الأمر له بذلك مزيد تأكيد وحصول أجر بالامتثال؛ وقال القاضي عياض في الفصل السابع من الباب الأول من القسم الأول من الشفا في قوله تعالى {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} تفسير : [آل عمران: 81] قال المفسرون: أخذ الله الميثاق بالوحي، فلم يبعث نبياً إلا ذكر له محمداً ونعته وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به، وبعضد ذلك ما قال في أول الباب الأول: وحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبرئيل عليه السلام: حديث : هل أصابك من هذه الرحمة المذكورة في قوله تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} شيء؟ قال نعم! كنت أخشى العاقبة فآمنت لثناء الله عز وجل عليّ بقوله {ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين} [التكوير: 20، 21]تفسير : وروى مسلم في كتاب الصلاة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" تفسير : وحمل من حمل الخلق على الناس - للرواية التي فيها "إلى الناس" تحكم، بل العكس أولى لمطابقة الآيات، وقد خرج من هذا العموم من لا يعقل بالدليل العقلي، فبقي غيرهم داخلاً في اللفظ، لا يحل لأحد أن يخرج منه أحداً منهم إلا بنص صريح ودلالة قاطعة ترفع النزاع، وقال عياض في الباب الثالث من القسم الأول: وذكر البزار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان - فذكر المعراج وسماع الأذان من وراء الحجاب ثم قال: ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه، فأمّ بأهل السماء فيهم آدم ونوح - انتهى. وروى عبد الرزاق عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا كان الرجل بأرض قيّ فحانت الصلاة فليتوضأ، فإن لم يجد الماء فليتيمم، فإن أقام صلى معه ملكاه، وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاهتفسير : . قال المنذري: القيّ - بكسر القاف وتشديد الياء، وهي الأرض القفر. وروى مالك والستة إلا الترمذي وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقولوا آمين تفسير : -وفي رواية إذا أمن الإمام فأمنوا - فإنه من وافق تأمينه - تأمين الملائكة - وفي رواية: من وافق قوله قول الملائكة - غفر له ما تقدم من ذنبه. وفي رواية في الصحيح: حديث : إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم له من ذنبهتفسير : . وفي رواية لأبي يعلى: إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال الذين خلفه: آمين، التقت من أهل السماء وأهل الأرض آمين، غفر للعبد ما تقدم من ذنبه. وللشيخين عن أبي هريرة أيضاً رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبهتفسير : ؛ وفي رواية: فإذا وافق قول أهل السماء قول أهل الأرض غفر له ما تقدم من ذنبه؛ في أشكال ذلك مما يؤذن بائتمام الملائكة بأئمتنا، وذلك ظاهر في التقيد بشرعنا؛ وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم - وجزم ابن معين والذهلي بصحته - عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : وإن الصف الأول على مثل صف الملائكةتفسير : . وأدل من جميع ما مضى ما روى مالك والشيخان وأبو داود وابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكرتفسير : ؛ وفي رواية: حديث : فإذا قعد الإمام طويت الصحفتفسير : ؛ وفي رواية لأحمد عن أبي سعيد: فإذا أذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر طويت الصحف ودخلوا المسجد يستمعون الذكر. فإن تركهم لكتابة الناس وإقبالهم على الاستماع دليل واضح على الائتمام، بما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أيضاً رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت" تفسير : قال الحليمي في الرابع من شعب الإيمان في الجواب عما أورد على قوله: {أية : لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} تفسير : [الإسراء: 87] من أن التخصيص بالإنس والجن لا يمنع قدرة الملائكة على المعارضة ما نصه: وأما الملائكة فلم يتحدوا على ذلك لأن الرسالة إذا لم تكن إليهم لم يكن القرآن حجة عليهم، فسواء كانوا قادرين على مثله أو عاجزين، وهم عندنا عاجزون؛ وقال في الخامس عشر في أن من أنواع تعظيمه الصلاة عليه فأمر الله عباده أن يصلوا عليه ويسلموا، وقدم قبل ذلك إخبارهم بأن ملائكته يصلون عليه، فأمر الله عباده لنبيهم بذلك على ما في الصلاة عليه من الفضل إذا كانت الملائكة مع انفكاكهم عن شريعته تتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والتسليم عليه، ليعلموا أنهم بالصلاة والتسليم عليه أول وأحق - هذا نصه في الموضعين، ولم يذكر لذلك دليلاً، ونسب الجلال المحلي في شرحه لجمع الجوامع مثل ذلك إلى البيهقي في الشعب فإنه قال: وصرح الحليمي والبيهقي في الباب الرابع من شعب الإيمان بأنه عليه الصلاة والسلام لم يرسل إلى الملائكة، وفي الباب الخامس عشر بانفكاكهم من شرعه، قال: وفي تفسير الإمام الرازي والبرهان النسفي حكاية الإجماع في تفسير الآية الثانية - أي {أية : ليكون للعالمين نذيراً} تفسير : [الفرقان: 1] أنه لم يكن رسولاً إليهم - انتهى. وهو شهادة نفي كما ترى، لا ينهض بما ذكرته من النصوص على أن الحليمي لم يقل بذلك إلا لقوله بأن لملائكة أفضل من الأنبياء - كما نقله عنه الإمام فخر الدين في كتاب الأربعين والشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد وغيرهما، ولم يوافقه على ذلك أحد من أهل السنة إلا القاضي ابو بكر الباقلاني، فكما لم يوافق على الأصل لا يوافق على الفرع، وأما البيهقي فإنما نقله عن الحليمي وسكوته عليه لا يوجب القطع برضاه، قال الزركشي في شرح جمع الجوامع: وهي مسألة وقع النزاع فيها بين فقهاء مصر مع فاضل درس عندهم وقال لهم: الملائكة ما دخلت في دعوته، فقاموا عليه، وقد ذكر الإمام فخر الدين في تفسير سورة الفرقان الدخول محتجاً بقوله تعالى {ليكون للعالمين نذيراً}: والملائكة داخلون في هذا العموم - انتهى. وهذا يقدح فيما نقل عنه من نقل الإجماع، وعلى تقدير صحته ففيه أمور، أما أولاً فالإجماع لا يرجع إلا إلى أهل الاطلاع على المنقولات من حفاظ الآثار وأقاويل السلف فيه، وأما ثانياً فإنه نقل يحتمل التصحيح والتضعيف، لأنه بطرقه احتمال أن يكون نقل عمن لا يعتد به، أو يكون أخذه عن أحد مذاكرة وأحسن الظن به، أو حصل له سهو، ونحو ذلك، فلا وثوق إلا بعد معرفة المنقول عنه وسند النقل والاعتضاد بما يوجب الثقة ليقاوم هذه الظواهر الكثيرة، وأما ثالثاً فإنه سيأتي عن الإمام تقي الدين السبكي أن بعض المفسرين قال بالإرسال إلى الملائكة، وقا الإمام ولي الدين أبو زرعة أحمد ابن الحافظ زين الدين العراقي في شرحه لجمع الجوامع: وأما كونه مبعوثاً إلى الخلق أجمعين فالمراد المكلف منهم، وهذا يتناول الإنس والجن والملائكة، فأما الأولان فبالإجماع، وأما الملائكة فمحل خلاف فأين الإجماع! هذا على تقدير صحة هذا النقل وأنى لمدعي ذلك به فإني راجعت تفسير الإمام للآية المذكورة فلم أجد فيه نقل الإجماع، وإنما قال: ثم قالوا: هذه الآية تدل على أحكام: الأول أن العالم كل ما سوى الله، فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، لكنا نبئنا أنه عليه السلام لم يكن رسولاً إلى الملائكة، فوجب أن ينفى كونه رسولاً إلى الجن والإنس جميعاً، وبطل قول من قال: إنه كان رسولاً إلى البعض دون البعض، الثاني أن لفظ {العالمين} يتناول جميع المخلوقات، فتدل الآية على أنه رسول إلى المكلفين إلى يوم القيامة، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل - هذا لفظه في أكثر النسخ، وفي بعضها: لكنا أجمعنا - بدل: نبئنا - وهي غير صريحة في إجماع الأمة كما ترى، ولم يعين الموضع الذي أحال عليه في النسخ الأخرى - فليطلب من مظانه ويتأمل، وأما النسفي فمختصر له - والله الموفق؛ ثم رأيت في خطبة كتاب الإصابة في أسماء الصحابة لشيخنا حافظ عصره أبي الفضل بن حجر في تعريف الصحابي: وقد نقل الإمام فخر الدين في أسرار التنزيل الإجماع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مرسلاً إلى الملائكة، ونوزع في هذا النقل، بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلاً إليهم واحتج بأشياء يطول شرحها - انتهى. والعجب من الرازي في نقل هذا الذي لا يوجد لغيره مع أنه قال في أسرار التنزيل في أواخر الفصل الثاني من الباب الثالث في الاستدلال بخلق الآدمي على وجود الخالق: الوجه الرابع - أي في تكريم بني آدم - أنه جعل أباهم رسولاً إلى الملائكة حيث قال {أية : أنبئهم باسمائهم} تفسير : [البقرة: 31] وقد تقرر أن كل كرامة كانت لنبي من الأنبياء فلنبينا صلى الله عليه وسلم مثلها أو أعظم منها، وقال في تفسيره الكبير في {أية : وعلم آدم الأسماء} تفسير : [البقرة: 31]: ولا يبعد أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى من يوجه التحذير إليهم من الملائكة، لأن جميعهم وإن كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسول لبعثة إبراهيم إلى لوط عليهما السلام - انتهى. وأنت خبير بأمر عيسى عليه السلام بعد نزوله من السماء، والحاصل أن رسالته صلى الله عليه وسلم إليهم صلوات الله عليهم - رتبة فاضلة ودرجة عالية كاملة جائزة له، لائقة بمنصبه، مطابقة لما ورد من القواطع لعموم رسالته وشمول دعوته، وقد دلت على حيازته لها ظواهر الكتاب والسنة مع أنه لا يلزم من إثباتها له إشكال في الدين ولا محذور في الاعتقاد، فليس لنا التجريء على نفيها إلا بقاطع كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة في آية الأنعام {أية : قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً} تفسير : [الأنعام: 145] قال: فاحتملت معنيين: أحدهما أن لا يحرم على طاعم يطعمه أبداً إلا ما استثنى الله عز وجل، وهذا المعنى الذي إذا وُوجه رجل مخاطباً به كان الذي يسبق إليه أنه لا يحرم عليه غير ما سمى الله عز وجل محرماً، وما كان هكذا فهو الذي يقال له أظهر المعاني وأعمها وأغلبها والذي لو احتملت الآية معاني سواه - كان هو المعنى الذي يلزم أهل العلم القول به إلا أن تأتي سنة للنبي صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي - تدل على معنى غيره مما تحتمله الآية، فنقول: هذا معنى ما أراد الله عزّ وجلّ، ولا يقال بخاص في كتاب الله ولا سنة إلا بدلالة فيهما أو في واحد منهما، ولا يقال بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن تكون أريد بها ذلك الخاص، فأما ما لم تكن محتملة له فلا يقال فيها بما لا تحتمل الآية - انتهى. وشرحه الإمام أبو محمد بن حزم في المحلى فقال: ولا يحل لأحد أن يقول في آية أو في خبر: هذا منسوخ أو مخصوص في بعض ما يقتضيه ظاهر لفظه، ولا أن لهذا النص تأويلاً غير مقتضى ظاهر لفظه، ولا أن هذا الحكم غير واجب علينا من حين وروده إلا بنص آخر وارد بأن هذا النص كما ذكر، أو بإجماع متيقن بأنه كما ذكر، أو بضرورة حس موجبة أنه كما ذكر، برهانه: {أية : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} تفسير : [النساء: 64] {أية : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} تفسير : [إبراهيم: 4] وقال {أية : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة} تفسير : [النور: 63]، ومن ادعى أن المراد بالنص بعض ما يقتضيه في اللغة العربية، لا كل ما يقتضيه فقد أسقط بيان النص، وأسقط وجوب الطاعة له بدعواه الكاذبة، وليس بعض ما يقتضيه النص بأولى بالاقتصار عليه من سائر ما يقتضيه - انتهى. وقال أهل الأصول: إن الظاهر ما دل على المعنى دلالة ظنية أي راجحة، والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل عليه لدليل فصيح - أو لما نظن دليلاً وليس في الواقع بدليل - فاسد، أو لا لشيء فلعب لا تأويل، قال الإمام الغزالي في كتاب المحبة من الإحياء في الكلام على أن رؤية الله تعالى في الآخرة هل هي بالعين أو بالقلب: والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين، ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلاّ لضرورة - انتهى، وقال الإمام تقي الدين السبكي في جواب السؤال عن الرسالة إلى الجن الذي تقدم في أول الكلام على هذه الآية أني رأيته بخطه: الآية العاشرة: {أية : ليكون للعالمين نذيراً} تفسير : [الفرقان: 1] قال المفسرون كلهم في تفسيرها: للجن والإنس، وقال بعضهم: والملائكة. الثانية عشرة {أية : وما أرسلناك إلا كافة للناس} تفسير : [سبأ: 28] قال المفسرون: معناها: إلا إرسالاً عاماً شاملاً لجميع الناس، أي ليس بخاص ببعض الناس، فمقصود الآية نفي الخصوص وإثبات العموم، ولا مفهوم لها فيما وراء الناس، بل قوتها في العموم يقتضي عدم الخصوصية فيهم وحينئذ يشمل الجن، ولو كان مقصود الآية حصر رسالته في الناس لقال: وما أرسلناك إلا إلى الناس، فإن كلمة "إلا" تدخل على ما يقصد الحصر فيه، فلما أدخلها على {كافة} دل على أنه المقصود بالحصر، ويبقى قوله {للناس} لا مفهوم له، أما أولاً فلأنه مفهوم قلب وأما ثانياً فلأنه لا يقصد بالكلام، أما ثالثاً فلأنه قد قيل: إن {الناس} يشمل الإنس والجن، أي على القول بأنه مشتق من النوس، وهو التحرك، وهو على هذا شامل للملائكة أيضاً، وممن صرح من أهل اللغة بأن {الناس} يكون من الإنس ومن الجن الإمام أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي في كتابه ديوان الأدب، قال السبكي: السابعة عشرة {أية : إن هو إلا ذكر للعالمين} تفسير : [ص: 87] الثامنة عشرة {أية : إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} تفسير : [يس: 11] ونحوهما كقوله {أية : لتنذر من كان حياً} تفسير : [يس: 70] وكذا قوله {هدى للمتقين}، وأما السنة فأحاديث: الأول حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : وأرسلت إلى الخلق كافة"تفسير : ، "إلى الخلق" عام يشمل الجن بلا شك، ولا يرد على هذا أنه ورد في روايات هذا الحديث من طرق أخرى في صحيح البخاري وغيره "الناس" موضع "الخلق" لأنا نقول: ذلك من رواية جابر، وهذا من رواية أبي هريرة؛ فلعلهما حديثان، وفي رواية الخلق زيادة معنى على الناس، فيجب الأخذ به إذ لا تعارض بينهما، ثم جوز أن يكون من روى "الناس" روى بالمعنى فلم يوف به، قال: وهذا الحديث يؤيد قول من قال: إنه مرسل إلى الملائكة ولا يستنكر هذا، فقد يكون ليلة الإسراء يسمع من الله كلاماً فبلغه لهم في السماء أو لبعضهم، وبذلك يصح أنه مرسل إليهم، ولا يلزم من كونه مرسلاً إليهم من حيث الجملة أن يلزمهم جميعُ الفروع التي تضمنتها شريعته، فقد يكون مرسلاً إليهم في بعض الأحكام أو في بعض الأشياء التي ليست بأحكام، أو يكون يحصل لهم بسماع القرآن زيادةُ إيمان، ولهذا جاء فيمن قرأ سورة الكهف: فنزلت عليه مثل الظلة، ثم قال في أثناء كلام: بخلاف الملائكة، لا يلتزم أن هذه التكاليف كلها ثابتة في حقهم إذا قيل بعموم الرسالة لهم، بل يحتمل ذلك ويحتمل في شيء خاص كما أشرنا إليه فيما قبل - انتهى. قلت: ولا ينكر اختصاص الأحكام ببعض المرسل إليهم دون بعض في شرع واحد في الأحرار والعبيد والنساء والرجال والحطّابين والرعاء بالنسبة إلى بعض أعمال الحج وغير ذلك مما يكثر تعداده - والله الموفق؛ ومن تجرأ على نفي الرسالة إليهم من أهل زماننا بغير نص صريح يضطره إليه، كان ضعيف العقل مضطرب الإيمان مزلزل اليقين سقيم الدين، ولو كان حاكياً لما قيل على وجه الرضى به، فما كل ما يُعلَم يقال، وكفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع، ولعمري! إن الأمر لعلى ما قال صاحب البردة وتلقته الأمة بالقبول، وطرب عليه في المحافل والجموع: شعر : دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم تفسير : ولما أثبت شهادة الله تعالى له بالتصديق بأنه محق، وكان ذلك ربما أوهم أن غير الله تعالى لا يعرف ذلك، لا سيما وقد ادعى كفار قريش أنهم سألوا أهل الكتابين فادعوا أنهم لا يعرفونه، أتبعه بقوله على طريق الاستئناف: {الذين آتيناهم} أي بما لنا من العظمة من اليهود والنصارى {الكتاب} أي الجامع لخيري الدنيا والآخرة، وهو التوراة والإنجيل {يعرفونه} أي الحق الذي كذبتم به لما جاءكم وحصل النزاع بيني وبينكم فيه لما عندهم في كتابهم من وصفي الذي لا يشكون فيه، ولما هم بمثله آنسون مما أثبت به من المعجزات، ولما في هذا القرآن من التصديق لكتابهم والكشف لما أخفوا من أخبارهم، ولأساليبه التي لا يرتابون في أنها خارجة من مشكاة كتابهم مع زيادتها بالإعجاز، فهم يعرفون هذا الحق {كما يعرفون أبناءهم} أي من بين الصبيان بحُلاهم ونعوتهم معرفة لا يشكون فيها، وقد وضعتموهم موضع الوثوق، وأنزلتموهم منزلة الحكم بسؤالكم لهم عني غير مرة، وقد آمن بي جماعة منهم وشهدوا لي، فما لكم لا تتابعونهم! لقد بان الهوى وانكشف عن ضلالكم الغطاء. ولما كان أكثرهم يخفون ذلك ولا يشهدون به، قال جواباً لمن يسأل عنهم: {الذين خسروا} أي منهم، ولكنه حذفها للتعميم {أنفسهم فهم} أي بسبب ذلك {لا يؤمنون} أي لما سبق لهم من القضاء بالشقاء الذي خسروا به أنفسهم بالعدول عما دعت إليه الفطرة السليمة والفكرة المستقيمة، ومن خسر نفسه فهو لا يؤمن فكيف يشهد! فقد بينت هذه الجملة أن من لا يشهد منهم فهو في الحقيقة ميت أو موات، لأن من ماتت نفسه كذلك، بل هم أشقى منه، فلقد أداهم ذلك الشقاء إلى أن حرفوا كتابهم وأخفوا كثيراً مما يشهد لي بالنبوة، فكانوا أظلم الخلق بالكذب في كتاب الله للتكذيب لرسل الله.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الآية: 18]. قيل: جبرهم وقهرهم حتى لو استطاعوا عنه معدلاً ما أطاقوا، يجحدون ظاهرين وتكذبهم البواطن. وقال الحسين: القاهر يمحو به كل موجود. وقال بعضهم: قهرهم على الايجاد والاظهار، كما قهرهم على الموت والفناء. وقال بعضهم: القاهر: الآمر بالطاعة من غير حاجة، والناهى عن المعصية من غير كراهية، والمثيب من غير عوض، والمعاقب من غير حقد، لا يشتفى بالعقوبة ولا يتعزز بالطاعة.

القشيري

تفسير : عَلَتْ رُتبةُ الأحدية صفةَ البشرية، فهذا لم يزل لم يكن فحصل. ومتى يكون بقاء للحدثان مع وضوح سلطان التوحيد؟.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} قدمه جار الجمهور فى خيرة قهر ولطفه بلطف مشاهدة جماله وكشف جلال بالمحبين حتى ذاوبا فى حلاوة شهود مشاهدته وقهر بسلطان كبريائه اهل التوحيد والمعرفة حتى فنوا فى سبحات عظمته وعزة ازليته وايضا اى كان قاهرا فى الازل قدمه علا عن العدم حين تجلى قدمه لعدم واجاربه العباد عن العدم وكان المقدرة فى العدم تحت القدم وبقى القدم بوصفه الى الابد وبقى المقدرة بوصفه كما خرج من العدم الا الابد وقال الحسين القاهرية تمحو كل موجود وقال بعضهم قهرهم على الايجاد والاظهار كما قهرهم على الموت والفناء قال ابن طاهر القاهر الذى اذا اشهر سوى العبد افناه عما سواه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهو القاهر} اى القادر الذى لا يعجزه شئ مستعليا {فوق عباده وهو الحكيم} فى كل ما يفعله ويأمر به{الخبير} باحوال عباده وخفايا امورهم. صور قهره تعالى وعلو شانه بالعلو الحسى فعبر عنه بالفوقية بطريق الاستعارة التمثيلية فقوله {وهو القاهر فوق عباده} عبارة عن كمال القدرة كما ان قوله {وهو الحكيم الخبير} عبارة عن كمال العلم. قال المولى الفنارى فى تفسيره الفوقية من حيث القدرة لا من حيث المكان لعلو شأنه تعالى عن ذلك فانه تعالى قاهر للممكنات معدومة كانت او موجودة لانه يقهر كل واحد منهما بضده فيقهر المعدومات بالايجاد والتكوين والموجودات بالافناء والافساد. وفى التأويلات النجمية وقد عم قهره جميع عباده فقهر الكفار بموت القلوب وحياة النفوس اذا اخطأهم النور المرشش على الارواح فى بدء الخلقة فضلوا فى ظلمات الطبيعة وما اهتدوا الى نور الشريعة وقهر نفوس المؤمنين بانوار الشريعة فاخرجهم من ظلمات الطبيعة وما اهتدوا الى نور الشريعة وقهر نفوس المؤمنين بانوار الشريعة فاخرجهم من ظلمات الطبيعة بالقيام على طاعته وقهر قلوب المحبين بلوعات الاشتياق فآنسها بلطف مشاهده وقهر ارواح الصديقين بسطوات تجلى صفات جلاله وبالجملة لا ترى شيأ سواه الا وهو مقهور تحت اعلام عزته وذليل فى ميادين صمديته فعلى العبد ان يعرف مولاه ويشتغل بعبوديته وهو الله تعالى الذى خلق كل شئ واوجده وقهره ـ وحكى ـ عن الشيخ عبد الواحد بن زيد قدس سره قال كنت فى مركب فطرحتنا الريح الى جزيرة واذا فيها رجل يعبد صنما فقلنا له يا رجل من تعبد فاومأ الى الصنم فقلنا له ان آلهك هذا مصنوع عندنا من يصنع مثله ما هذا بآله يعبد قال فانتم من تعبدون قلنا نعبد الذى فى السماء عرشهُ وفى الارض بطشه وفى الاحياء والاموات قضاؤه تقدست اسماؤه وجلت عظمته وكبرياؤه قال ومن اعلمكم بهذا قلنا وجه الينا رسولا كريما فاخبرنا بذلك قال ما فعل الرسول فيكم قلنا لما ادى الرسالة قبضه الملك اليه واختار له ما لديه قال فهل ترك عندكم من علامة قلنا نعم ترك عندنا كتابا للملك قال فارونى كتاب الملك فانه ينبغى ان تكون كتب الملوك حسانا فاتيناه بالمصحف فقال ما أعرفُ هذا فقرأنا عليه سورة فلم يزل يبقى حتى ختمنا السورة فقال ينبغى لصاحب هذا الكلام ان لا يعصى ثم اسلم وحسن اسلامه ثم مات بعد ايام على احسن حال والحمد لله الملك المتعال فى الغدو والآصال انه هو المعبود المقصود واليه يأول كل امر موجود.

الجنابذي

تفسير : {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} كيفيّة قهره للعباد بفناء الكلّ تحت سطوته يستفاد ممّا مضى {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} فى فعاله لا يفعل ما يفعل الاّ بحكمة {ٱلْخَبِيرُ} بما يقتضى اختلاف التّدبير وانواع التّصرّف فيهم.

اطفيش

تفسير : {وهُو القَاهرُ فَوقَ عِبادِه} الغالب لخلقه على ما يريد، لا يعجزه شئ، الكامل القدرة الذى قدرته فوق قدرة السلاطين وغيرهم، من كل قوى من خلقه، وفوق متعلق بمحذوف خبر ثان، أو حال من المستتر فى قاهر، وهو مؤكد، والمراد بالفوقية علو القدرة. {وهُو الحَكيمُ} المتقن للأمر الواضع له موضعه المدبر للمصالح {الخبير} العليم بما يدق علمه كما فى الصدور، قال الكلبى: أتى قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من يشهد لك أنك رسول الله، وما رأينا أحداً يصدقك؟ فنزل قوله تعالى:

اطفيش

تفسير : {وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} لا يعجز عن شئ، كل ما سواه مغلوب له وذيل له، والفوقية علو شأْن لا حس، تعالى الله عن الجهة، والجملة استعارة تمثيلية لعلو شأْنه تعالى، والاستعارة فى فوق بأَن شبه الغلبة بمكان محسوس، وقيل: كنى عن القهر والعلو، بالغلبة، وفوق متعلق بقاهر، أَو حال من ضميره، أَو خبر ثان، وذلك عبارة عن كمال القدرة كما أَن قوله تعالى {وَهُوَ الْحَكِيمُ الخَبِيرُ} عبارة عن كمال العلم، فإِن الحكيم لا يكون إِلا عالما فى تدبيره وأَمره محققا، والخبير العليم ببواطنهم كظاهرهم سواء، قال الجيلانى: من أَراد السلامة فى الدنيا والآخرة فعليه بالصبر والرضا وترك الشكوى إِلى خلقه، وإِنزال حوائجه بربه عز وجل، ولزوم طاعته وانتظار الفرج منه تعالى، والانقطاع إِليه، فحرمانه عطاءَ، وعقوبته نعماء وبلاؤه دواء ووعده حال، وقوله فعل، وكل أَفعاله حسنة وحكمة ومصلحة، غير أَنه عز وجل طوى علم المصالح عن عباده وتفرد به، فليس لك إِلا الاستقلال بالعبودية من أَداءِ الأوامر واجتناب النواهى والتسليم فى القدر وترك الاشتغال بالربوبية والسكوت عن: لم وكيف ومتى، ولما قال أَهل مكة: يا محمد أَرنا من يشهد أَنك رسول الله فإِنا لا نرى أَحداً يصدقك، ولقد سأَلنا اليهود والنصارى فأَنكروك وقالوا ليس لك عندهم ذكر ولا صفة نزل قوله تعالى: {قُلْ أَىُّ شَئٍْ أَكْبَرُ شَهَادَةً} أَى موجود من الموجودات، فإِن الشئَ يطلق على من وجد وفنى أَو يفنى أَو سيوجد لا علَى غير ذلك وأَصله مصدر شاءَ، أَى ما شاءَ الله وجوده أَو ما شِئَ وجوده {قُلِ اللهُ} أَى هو الله، أَى إِن الشئَ الأَكبر شهادة هو الله، والله هو، أَى الله ذلك الأَكبر شهادة لا محيد لهم عن أَن يقولوا هو الله، فقله أَنت، أَو قلة إِن لم يقولوه على حد ما مر فى "أية : لمن ما فى السماوات والأَرض قل لله" تفسير : [الأنعام: 12] وذلك هو الجواب، وقوله {شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} خبر لمحذوف، أَى هو شهيد بينى وبينكم، وهو تقرير لقوله: قل الله، وبيان لمتعلق الشهادة بعد إِجمالها، سألهم عن الأَكبر شهادة فى مطلق الأَخبار، وأَجاب الله إِجمالا وفصل بهذا بأَنه تعالى شهيد بينه وبينهم بالرسالة لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويجوز أَن يكون الله شهيد مبتدأ وخبر كجواب من حيث المعنى؛ لأَنه إِذا كان الله شهيدا فهو الأَكبر شهادة عندهم أَيضا الذى سأَلوا عنه، أَو أَجاب بما هو أَليق بالسؤال عنه، ويسمى الأسلوب الحكيم، وشهادة الله عز وجل إِخبار بأَنه رسول صلى الله عليه وسلم، واقتصر على ذلك فى الجواب لأَنه حق واضح لا محيد عنه مفهوم عند بعضهم مجحود، وسهل الإِدراك لمن استعمل نظره، والقرآن معجز أَيضا لم يقدروا على معارضته، أَو بشهادة الله عز وجل معجزاته، فإِن الإِعجاز كما يكون بالقول يكون بالفعل، لأَن حقيقته ما بين به المدعى بل بيانه بالفعل أَقوى منه بالقول لعروض الاحتمال فى القول لأَنه من باب العيان والقول من باب الأَخبار، ولو كان فى التشريع أَقوى من الفعل لأَنه يعدو القائل، فالاحتجاج بقول عالم أَقوى منه بفعله، وكرر بين لتحقيق المقابلة، ولو شاءَ لقال بيننا، وفى الآية تسمية الله شيئا لأَنه فى جواب أَى شئ، لكن يقال شئ لا كالأَشياء، أَو لا كسائر الأَشياء، والحق أَن الشئَ يطلق على ما وجد فى الحال وفى الماضى وفى المستقبل، وما ليس من ذلك لا يطلق عليه الشئ إِلا مجازا، وكذا فى قوله تعالى "أية : كل شئٍ هالك إِلا وجهه" تفسير : [القصص: 88] دلالة على أَن الله عز وجل شئ لا كالأَشياءِ، وأَما قوله تعالى "أية : ولا تقولن لشئٍ إِنى فاعل" تفسير : [الكهف: 23] فالاطلاق فيه على تقدير وجوده كما أَطلق عليه بالجزم بالوجود فى قوله تعالى "أية : إنما قولنا لشيءٍ إِذا أَردنا أَن نقول له كن فيكون" تفسير : [النحل: 40] وقيل: لا يطلق الشئ على ما لم يوجد وسيوجد أَو وجد وفنى إِلا مجازا، وقيل حقيقة، ولو بقى المستحيل كما روى عن أُم سلمة ومعاذ بن جبل أَنه سأَل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ تحدثنى نفسى به ولو تكلمت به لأَحبطت أَجرى فأَجابه بأَنه لا يقول سؤالك هذا إِلا مؤمن، وقال الله تعالى: "أية : وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا"تفسير : [مريم: 9] وظاهره أَنه قبل الخلق ليس شيئا، الجواب أَنه أُريد شيئا موجودا، بل شئ سيوجد {وَأُوحِىَ إِلىَّ هَذَا القُرآنُ لأُنْذرَكُمْ} يا أَهل مكة، وغيرهم كذلك، أَو الخطاب لكل من وجد حال النزول {بِهِ} ناطقا بالحجة زائدة على ما رأَيتم من المعجزات المحسنات، والتقدير لأَنذركم به، ولأُبشركم إِن آمنتم به، واقتصر اللفظ على الإِنذار لأَن الكلام مع الكفار، والإِيحاء إِليه صلى الله عليه وسلم حجة احتج بها عليهم قرر بها شهادة الله فى قوله شهيد بينى وبينكم {وَمَنْ بَلَغَ} عطف على الكاف، والضمير فى بلغ للقرآن أَى ولأنذر به من بلغ إِلى يوم القيامة، أَو من بلغ الحلم، أَو عطف على المستتر فى أنذر للفصل بالمفعول به، أَى ولينذر من بلغه القرآن بعدى من عاصره، ومن بلغه القرآن فكأَنه رأَى النبى صلى الله عليه وسلم وسمع منه كما قال محمد بن كعب القرظى، قال ابن جرير: من بلغه القرآن فكأَنما رأَى محمدا صلى الله عليه وسلم، وأَخرج أَبو نعيم عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : من بلغه القرآن فكأَنما شافهته"تفسير : ، وأَحكام القرآن تعم كل من بلغه، ولا يؤخذ بها من لم تبلغه إِن كان على دين نبى، والآية دليل على أَن أَحكامه تعم من يأْتى إِلى يوم القيامة، فقالت الحنابلة ذلك بطريق العبارة فى الكل، وقالت الحنفية بالإِجماع فى غير الموجودين حال النزول، وروى أبى بن كعب أَنه أَتى صلى الله عليه وسلم بأَسارى فقال: حديث : هل دعيتم إِلى الإِسلام، فقالوا: لا، فخلى سبيلهمتفسير : ، وقال النحام بن زيد قردم بن كعب وبحرى بن عمرو: يا محمد ما نعلم مع الله إِلهاً غيره، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا إِله إِلا الله، بذلك بعثت، وإِلى ذلك أَدعو"تفسير : ، فنزل قوله تعالى {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى} إِنكاراً لصحة الشهادة وتصريح ببطلانها، وذلك تقريع لهم واستبعاد وتوبيخ وإِلجاء إِلى الإِقرار بأَنهم أَشركوا ولا يجدون إِنكارا لإِشراك {قُلْ لاَ أَشْهَدُ} بأَن مع الله آلهة أُخر، ولا إِلهين معه، ولا إِله معه، أَى لا أَشهد بالشركة، فإِن المعبود لا يتعدد، وإِنما ذكر الله سبحانه وتعالى تعدد الآلهة لأَنه معتقدهم {قُلْ إِنَّمَا هُوَ} أَى الله {إِلهٌ وَاحِدٌ} لا إِله معه، وإِنما للحصر وما كافة، ويجوز أَن تكون موصولة أَو موصوفة بجملة هو إِله، فيكون خبر إِن هوقوله واحد، أَى إِن الشئ الذى هو إِله هو واحد لا متعدد، أَو إِن شيئا هو إِله هو واحد لا متعدد، ومع ضعف الوجهين ورجحان كون ما للحصر كما هو المتعين فى قوله تعالى "أية : إِنما الله إِلٰه واحد"تفسير : [النساء: 171] قد يكونان أَليق بما قبل لأَن فيهما مساق الحجة والبرهان، أَى لا أَشهد لأَن ما استحق الأُلوهية لا يقبل التعدد {وَإِنَّنِى بَرِئٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} أَى من إِشراككم، أَو من أُلوهة ما تشركونه من الأَصنام، ويستحب لمن أَسلم أَولا أَو كرر الشهادة أَو يقول عقب ذلك وإِننى برئٌ من الإِشراك ومن كل دين سوى دين الإِسلام، ولما أَنكر اليهود والنصارى أَن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أَو صفة فى التوراة والإِنجيل ولا غيرهما بالنبوءَة وأَنكروه نزل قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ} أَى يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم فى التوراة والإِنجيل بأَسمائه وصفاته {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} أَنهم أَبناؤُهم بمعاينة الولادة أَو المعاشرة أَو الشبه بهم، ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر رضى الله عنه لعبد الله بن سلام رضى الله عنه: أَنزل الله هذه الآية فما هذه المعرفة؟ فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حيث رأَيته كما أَعرف ابنى، ولأَنا أَشد معرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم منى بابنى، لأَنى لا أَدرى ما صنعت النساء، ويروى: ما أَحدثت أمه، ويروى: ما فعلت اليهودية، وأَشهد أَنه حق أرسل من الله تعالى، ويجوز عود هاء يعرفونه للقرآن لتقدم ذكره، وعودها للتوحيد المعلوم من قبل، فيكون فيه تعريض بشرك أَهل الكتاب بإِنكار نبوءَة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإِنكار القرآن كما أَشركت النصارى بالمسيح وأُمه، واليهود بعزير، وغير ذلك، وعودها إِلى كتابهم، أَو إِلى ذلك كله بتأْويل ما ذكر، والمتبادر ما مر أَولا، ولا سيما أَن تشبيه الإِنسان بالإِنسان أَولى من تشبيه غير الإِنسان بالإِنسان {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} من أَهل الكتاب وغيرهم مبتدأ خبره قوله {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} زيد فيه الفاء لشبه الذين باسم الشرط أَو نعت للذين آتيناهم الكتاب، أَو يقدر هم الذين، أَو أَذم الذين، وعلى الثلاثة الآخرة الفاء عاطفة على الجملة الاسمية قبل، ولا سببية فى الفاء، وهو قليل، وإِن عطفنا على خسر فوجه السببية أَن خسروا بمعنى ضيعوا النظر بعقولهم، أَو قضى عليهم بتضييع ما لهم فى الجنة، فانتفى إِيمانهم، وهذا الوجه هو وجه السببية فيما إِذا جعلنا الجملة خبرا للذين..

الالوسي

تفسير : {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} قيل هو استعارة تمثيلية وتصوير لقهره سبحانه وتعالى وعلوه عز شأنه بالغلبة والقدرة، وجوز أن تكون الاستعارة في الظرف بأن شبه الغلبة بمكان محسوس، وقيل: إنه كناية عن القهر والعلو بالغلبة والقدرة، وقيل: إن {فَوْقَ} زائدة وصحح زيادتها ـ وإن كانت اسماً ـ كونها بمعنى على وهو كما ترى، والداعي إلى التزام ذلك كله أن ظاهر الآية يقتضي القول بالجهة والله تعالى منزه عنها لأنها محدثة بإحداث العالم وإخراجه من العدم إلى الوجود، ويلزم أيضاً من كونه سبحانه وتعالى في جهة مفاسد لا تخفى، وأنت تعلم أن مذهب السلف إثبات الفوقية لله تعالى كما نص عليه الإمام الطحاوي وغيره، واستدلوا لذلك بنحو ألف دليل، وقد روى الإمام أحمد في حديث الأوعال عن العباس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : والعرش فوق ذلك والله تعالى فوق ذلك كله » تفسير : وروى أبو داود عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده حديث : قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي استشفع بالله تعالى عليه: "ويحك أتدري ما الله تعالى؟ إن الله تعالى فوق عرشه وعرشه فوق سماواته وقال بأصابعه مثل القبة وانه ليئط به أطيط الرحل الجديد بالراكب"تفسير : . وأخرج الأموي في «مغازيه» من حديث صحيح حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال لسعد يوم حكم في بني قريظة: "لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سماوات" تفسير : وروى ابن ماجه يرفعه قال: « حديث : بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا إليه رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ} [يۤس: 58] فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه » تفسير : . وصح أن عبد الله بن رواحة أنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبياته التي عرض بها عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته وهي: شعر : شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإلٰه مسومينا تفسير : فأقره عليه الصلاة والسلام على ما قال وضحك منه، وكذا أنشد حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه قوله: شعر : شهدت بإذن الله أن محمداً رسول الذي فوق السماوات من عل / وأن أبا يحيـى ويحيـى كلاهما له عمل من ربه متقبل وأن الذي عادى اليهود ابن مريم رسول أتى من عند ذي العرش مرسل وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم يقوم بذات الله فيهم ويعدل تفسير : فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: وأنا أشهد. وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى حكاية عن إبليس: { أية : ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ } تفسير : [الأعراف: 17] أنه قال: لم يستطع أن يقول ومن فوقهم لأنه قد علم أن الله تعالى سبحانه من فوقهم، والآيات والأخبار التي فيها التصريح بما يدل على الفوقية كقوله تعالى: { أية : تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } تفسير : [الزمر: 1] و { أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } تفسير : [فاطر: 10] و { أية : بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ } تفسير : [النساء: 158] إليه. و { أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلَـئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ } تفسير : [المعارج: 4] وقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم: « حديث : وأنت الظاهر فليس فوقك شيء » تفسير : كثيرة جداً، وكذا كلام السلف في ذلك فمنه ما روى شيخ الإسلام أبو إسمٰعيل الأنصاري في كتابه «الفاروق» بسنده إلى أبـي مطيع البلخي أنه سأل أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه عمن قال: لا أعرف ربـي سبحانه في السماء أم في الأرض فقال: قد كفر لأن الله تعالى يقول: { أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } تفسير : [طه: 5] وعرشه فوق سبع سماوات فقال: قلت فإن قال إنه على العرش ولكن لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ فقال رضي الله تعالى عنه هو كافر لأنه أنكر آية في السماء ومن أنكر آية في السماء فقد كفر، وزاد غيره لأن الله تعالى في أعلى عليين وهو يدعى من أعلى لا من أسفل اهـ. وأيد القول بالفوقية أيضاً بأن الله تعالى لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة تعالى عن ذلك فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد فتعين أنه خلقهم خارجاً عن ذاته ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم لكان متصفاً بضد ذلك لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده وضد الفوقية السفول وهو مذموم على الإطلاق، والقول بأنا لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها مدفوع بأنه سبحانه لو لم يكن قابلاً للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها فمتى سلم بأنه جل شأنه ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ذهنياً فقط بل وجوده خارج الأذهان قطعاً وقد علم كل العقلاء بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو إما داخل العالم وإما خارج عنه وإنكار ذلك إنكار ما هو أجلى البديهيات فلا يستدل بدليل على ذلك إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه وأوضح، وإذا كان صفة الفوقية صفة كمال لا نقص فيها ولا يوجب القول بها مخالفة كتاب ولا سنة ولا إجماع كان نفيها عين الباطل لا سيما والطباع مفطورة على قصد جهة العلو عند التضرع إلى الله تعالى. وذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس إمام الحرمين وهو يتكلم في نفي صفة العلو ويقول: كان الله تعالى ولا عرش وهو الآن على ما كان فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة بطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف تدفع هذه الضرورة عن أنفسنا قال: فلطم الإمام على رأسه ونزل وأظنه قال وبكى وقال حيرني الهمداني، وبعضهم تكلف الجواب عن هذا بأن هذا التوجه إلى فوق إنما هو لكون السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، ثم هو أيضاً منقوض بوضع الجبهة على الأرض مع أنه سبحانه ليس في جهة الأرض، ولا يخفى أن هذا باطل، أما أولاً: فلأن السماء قبلة للدعاء لم يقله أحد من سلف الأمة ولا أنزل الله تعالى به من / سلطان والذي صح أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة فقد صرحوا بأنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة. وقد استقبل النبـي صلى الله عليه وسلم الكعبة في دعائه في مواطن كثيرة فمن قال: إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة فقد ابتدع في الدين وخالف جماعة المسلمين. وأما ثانياً: فلأن القبلة ما يستقبله الداعي بوجهه كما تستقبل الكعبة في الصلاة وما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه مثلاً لا يسمى قبلة أصلاً فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها ولم يثبت ذلك في شرع أصلاً، وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من نقض فإن واضع الجبهة إنما قصده الخضوع لمن فوقه بالذل لا أن يميل إليه إذ هو تحته بل هذا لا يخطر في قلب ساجد. نعم سمع عن بشر المريسي أنه يقول: سبحان ربـي الأسفل ـ تعالى الله سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون علواً كبيراً. وتأول بعضهم كل نص فيه نسبة الفوقية إليه تعالى بأن فوق فيه بمعنى خير وأفضل كما يقال: الأمير فوق الوزير والدينار فوق الدرهم. وأنت تعلم أن هذا مما تنفر منه العقول السليمة وتشمئز منه القلوب الصحيحة فإن قول القائل ابتداء: الله تعالى خير من عباده أو خير من عرشه من جنس قوله الثلج بارد والنار حارة والشمس أضوأ من السراج والسماء أعلى من سقف الدار ونحو ذلك وليس في ذلك أيضاً تمجيد ولا تعظيم لله تعالى بل هو من أرذل الكلام فكيف يليق حمل الكلام المجيد عليه وهو الذي لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولوكان بعضهم لبعض ظهيراً، على أن في ذلك تنقيصاً لله تعالى شأنه ففي «المثل السائر»: شعر : ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف خير من العصا تفسير : نعم إذا كان المقام يقتضي ذلك بأن كان احتجاجاً على مبطل كما في قول يوسف الصديق عليه السلام { أية : أأَرْبابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ } تفسير : [يوسف: 39] وقوله تعالى: { أية : ٰ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } تفسير : [النمل: 59] { أية : وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } تفسير : [طه: 73] فهو أمر لا اعتراض عليه ولا توجه سهام الطعن إليه، والفوقية بمعنى الفوقية في الفضل مما يثبتها السلف لله تعالى أيضاً وهي متحققة في ضمن الفوقية المطلقة، وكذا يثبتون فوقية القهر والغلبة كما يثبتون فوقية الذات ويؤمنون بجميع ذلك على الوجه اللائق بجلال ذاته وكمال صفاته سبحانه وتعالى منزهين له سبحانه عما يلزم ذلك مما يستحيل عليه جل شأنه ولا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ولا يعدلون عن الألفاظ الشرعية نفياً ولا إثباتاً لئلا يثبتوا معنى فاسداً أو ينفوا معنى صحيحاً فهم يثبتون الفوقية كما أثبتها الله تعالى لنفسه. وأما لفظ الجهة فقد يراد به ما هو موجود وقد يراد به ما هو معدوم؛ ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى كان مخلوقاً والله تعالى لا يحصره شيء ولا يحيط به شيء من المخلوقات تعالى عن ذلك وإن أريد بالجهة أمر عدمي وهو ما فوق العالم فليس هناك إلا الله تعالى وحده فإذا قيل: إنه تعالى في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح عندهم، ومعنى ذلك أنه فوق العالم حيث انتهت المخلوقات، ونفاة لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفي العلو يذكرون من أدلتهم أن الجهات كلها مخلوقة وأنه سبحانه كان قبل الجهات وأنه من قال: إنه تعالى في جهة يلزمه القول بقدم شيء من العالم وأنه جل شأنه كان مستغنياً عن الجهة ثم صار فيها. وهذه الألفاظ ونحوها تنزل على أنه عز اسمه ليس في شيء من المخلوقات سواء سمي جهة أم لم يسم وهو كلام حق ولكن الجهة ليست أمراً وجودياً بل هي أمر اعتباري ولا محذور في ذلك، وبالجملة يجب تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين وتفويض علم ما جاء من المتشابهات إليه عز شأنه والإيمان بها على الوجه الذي جاءت عليه. والتأويل القريب إلى الذهن / الشائع نظيره في كلام العرب مما لا بأس به عندي على أن بعض الآيات مما أجمع على تأويلها السلف والخلف والله تعالى أعلم بمراده. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } أي ذو الحكمة البالغة وهي العلم بالأشياء على ما هي عليه والإتيان بالأفعال على ما ينبغي أو المبالغ في الأحكام وهو اتقان التدبير وإحسان التقدير {ٱلْخَبِيرُ } أي العالم بما دق من أحوال العباد وخفي من أمورهم. واللام هنا وفيما تقدم للقصر.

ابن عاشور

تفسير : هذه الجملة معطوفة على جملة {أية : وإن يمسسك الله بضرّ}تفسير : [الأنعام: 17] الآية، والمناسبة بينهما أنّ مضمون كلتيهما يبطل استحقاق الأصنام العبادة. فالآية الأولى أبطلت ذلك بنفي أن يكون للأصنام تصرّف في أحوال المخلوقات، وهذه الآية أبطلت أن يكون غير الله قاهراً على أحد أو خبيراً أو عالماً بإعطاء كل مخلوق ما يناسبه، ولا جرم أنّ الإله تجب له القدرة والعلم، وهما جماع صفات الكمال، كما تجب له صفات الأفعال من نفع وضرّ وإحياء وإماتة، وهي تعلّقات للقدرة أطلق عليها اسم الصفات عند غير الأشعري نظراً للعرف، وأدخلها الأشعري في صفة القدرة لأنّها تعلّقات لها، وهو التحقيق. ولذلك تتنزّل هذه الآية من التي قبلها منزلة التعميم بعد التخصيص لأنّ التي قبلها ذكرت كمال تصرّفه في المخلوقات وجاءت به في قالب تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم كما قدّمنا، وهذه الآية أوعت قدرته على كلّ شيء وعلمه بكلّ شيء، وذلك أصل جميع الفعل والصنع. والقاهر الغالب المُكرِه الذي لا ينفلت من قدرته من عُدّي إليه فعل القهر. وقد أفاد تعريف الجزأين القصر، أي لا قاهر إلاّ هو، لأنّ قهر الله تعالى هو القهر الحقيقي الذي لا يجد المقهور منه ملاذاً، لأنّه قهر بأسباب لا يستطيع أحد خلق ما يدافعها. وممّا يشاهد منها دوماً النوم وكذلك الموتُ. سبحان من قهر العباد بالموت. و{فوق} ظرف متعلَّق بِــ {القاهر}، وهو استعارة تمثيلية لحالة القاهر بأنَّه كالذي يأخذ المغلوب من أعلاه فلا يجد معالجة ولا حراكاً. وهو تمثيل بديع ومنه قوله تعالى حكاية عن فرعون {أية : وإنّا فوقهم قاهرون}تفسير : [الأعراف: 127]. ولا يفهم من ذلك جهة هي في علوّ كما قد يتوهّم، فلا تعدّ هذه الآية من المتشابهات. والعباد: هم المخلوقون من العقلاء، فلا يقال للدوابّ عباد الله، وهو في الأصل جمع عبد لكن الاستعمال خصّه بالمخلوقات، وخصّ العبيد بجمع عبد بمعنى المملوك. ومعنى القهر فوق العباد أنّه خالق ما لا يدخل تحت قُدرهم بحيث يوجدُ ما لا يريدون وجوده كالموت، ويمنع ما يريدون تحصيله كالولد للعقيم والجهل بكثير من الأشياء، بحيث إنّ كلّ أحد يجد في نفسه أموراً يستطيع فعلها وأموراً لا يستطيع فعلها وأموراً يفعلها تارة ولا يستطيع فعلها تارة، كالمشي لمن خَدِرت رجله؛ فيعلم كلّ أحد أنّ الله هو خالق القُدر والاستطاعات لأنّه قد يمنعها، ولأنّه يخلق ما يخرج عن مقدور البشر، ثم يقيس العقل عوالم الغيب على عالم الشهادة. وقد خلق الله العناصر والقوى وسلّط بعضها على بعض فلا يستطيع المدافعة إلاّ ما خوّلها الله. والحكيم: المحكم المتقن للمصنوعات، فعيل بمعنى مفعل، وقد تقدّم في قوله: {أية : فاعلموا أنّ الله عزيز حكيم }تفسير : في سورة [البقرة: 209] وفي مواضع كثيرة. والخبير: مبالغة في اسم الفاعل من (خَبَر) المتعدّي، بمعنى (علم)، يقال: خبر الأمر، إذا علمه وجرّبه. وقد قيل: إنّه مشتقّ من الخَبر لأنّ الشيء إذا علم أمكن الإخبار به.

د. أسعد حومد

تفسير : (18) - وَهُوَ الذِي خَضَعَتْ لَهُ رِقَابُ العِبَادِ، وَذَلَّتْ لَهُ الجَبَابِرَةُ، وَقَهَرَ كُلَّ شَيءٍ، وَدَانَتْ لَهُ الخَلاِئِقُ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ، فَلاَ يَقَعُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلَلٌ، وَهُوَ الخَبِيرُ بِمَوَاضِعِ الأَشْيَاءِ وَمَحَالِّهَا، فَلاَ يُعْطِي إِلاَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ، وَلاَ يَمْنَعُ إِلاَّ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّ المَنْعَ عَنْهُ. القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ - المُسَيْطِرُ عَلَيْهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد رتب سبحانه وتعالى الكون والخلْق بأسباب ومسببات. وكل شيء موجود هو واسطة بين شيء وشيء، فالأرض واسطة لاستقبال النبات، والإنسان واسطة بين أبيه وابنه، ولنفهم جميعاً أَنَّ الحقَ، فوق عباده، إنه غالب بقدرته، يدير الكون بحكمة وإحاطة علم، وهو خبير بكل ما خفي وعليهم بكل ما ظهر. وهو القائل: {أية : قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} تفسير : [الأنعام: 65]. سبحانه وتعالى له مطلق القدرة على أن يرسل العذاب من السماء أو من بطن الأرض، أو أن يجعل بين العباد العداء ليكونوا متناحرين ليدفع بعضهم بعضا حتى لا تفسد الأرض {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ}. فإياك أن تظن أيها الإنسان أن الحق حين يملِّك بعض الخلق أسباباً أنهم مالكو الأسباب فعلاً، لا؛ إن الحق سبحانه أراد بذلك ترتيب الأعمال في الكون. ولذلك ساعة نرى واحداً يظلم في الكون فإننا نجد ظالماً آخر هو الذي يؤدب الظالم الأول. ولا يؤدب الحق الشرير على يد رجل طيب، إنما يؤدبه عن طريق شرير مثله: {أية : وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [الأنعام: 129]. لأنه سبحانه وتعالى يُجل المظلوم من أهل التقوى أن يكون له دور في تأديب الظالم، إنما ينتقم الله من الظالم بظالم أو أقوى منه. وهذا ما نراه على مدار التاريخ القريب والبعيد، فحين يتمكن العبد الصالح من الذين أساءوا إليه يقول ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة حيث قال: "حديث : يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ". تفسير : أما إذا أراد الله الانتقام من شرير فهو يرسل عليه شريراً مثله يدق عنقه، أو يجدع أنفه، أو يذله حتى لا ينتشر ويستشري الفساد؛ فسبحانه القاهر فوق عباده، وهو قهر بحكمة وبعلم وليس قهر استعلاء وقهر جبروت وسيطرة. وحتى نوضح ذلك قد يجري الله على أحد عباده قَدَرًا بأن ينكسر ذراع ولده فيسوق الرجل ولده إلى طبيب غير مجرب ليقيم جبيرة لذراع الابن، وتلتئم العظام على ضوء هذه الجبيرة في غير مكانها، فيذهب الرجل بابنه إلى طبيب ماهر فيكسر يد الطفل مرة أخرى ليعيد وضع العظام في مكانها الصحيح. إن هذا الكسر كان لحكمة وهي استواء العظام ووضعها الوضع السليم. ولا يغيظ عبد من العباد الخالق أبداً، ولكن الحق ينتصف للمغيظ. ونعلم أن الإنسان مخير بين الإيمان والكفر، فإن كفر وعصى فليس له في الآخرة إلا العذاب، إلا أن الله يجري عليه قَدَر المرض فلا يستطيع أن يتمرد عليه؛ لأنه سبحانه قاهر فوق عباده بدليل أنه متحكم في أشياء لا خيار للعباد فيها. وما دام الإنسان منا محكوماً بقوسين ولا رأي له في ميلاده أو موته فلماذا - إذن - التمرد بالعصيان على أوامر الله؟ ولنعلم أن الحق هو القاهر فوق عباده بقهر الحكمة وسبحانه يضع لكل أمر المجال الذي يناسبه وهو خبير بمواطن الداءات، ويعالج عباده منها على وفق ما يراه. ويقول الحق من بعد ذلك: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً...}