Verse. 808 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قُلْ اَيُّ شَيْءٍ اَكْبَرُ شَہَادَۃً۝۰ۭ قُلِ اؙ۝۰ۣۙ شَہِيْدٌۢ بَيْنِيْ وَبَيْنَكُمْ۝۰ۣ وَاُوْحِيَ اِلَيَّ ہٰذَا الْقُرْاٰنُ لِاُنْذِرَكُمْ بِہٖ وَمَنْۢ بَلَغَ۝۰ۭ اَىِٕنَّكُمْ لَتَشْہَدُوْنَ اَنَّ مَعَ اللہِ اٰلِہَۃً اُخْرٰي۝۰ۭ قُلْ لَّاۗ اَشْہَدُ۝۰ۚ قُلْ اِنَّمَا ہُوَاِلٰہٌ وَّاحِدٌ وَّاِنَّنِيْ بَرِيْۗءٌ مِّمَّا تُشْرِكُوْنَ۝۱۹ۘ
Qul ayyu shayin akbaru shahadatan quli Allahu shaheedun baynee wabaynakum waoohiya ilayya hatha alquranu lionthirakum bihi waman balagha ainnakum latashhadoona anna maAAa Allahi alihatan okhra qul la ashhadu qul innama huwa ilahun wahidun wainnanee bareeon mimma tushrikoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إئتنا بمن يشهد لك بالنبوة فإن أهل الكتاب أنكروك «قل» لهم «أيُّ شيءٍ أكبر شهادة» تمييز محول عن المبتدأ «قل اللهُ» إن لم يقولوه لا جواب غيره، وهو «شهيد بيني وبينكم» على صدقي «وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم» أخوفكم يا أهل مكة «به ومن بلغ» عطف على ضمير أنذركم أي بلغة القرآن عن الأنس والجن «أئنَّكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى» إستفهام إنكاري «قل» لهم «لا أشِهدُ» بذلك «قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون» معه من الأصنام.

19

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: أعلم أن الآية تدل على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله تعالى. ثم بيّـن أن شهادة الله حاصلة إلا أن الآية لم تدل على أن تلك الشهادة حصلت في إثبات أي المطالب فنقول: يمكن أن يكون المراد حصول شهادة الله في ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في ثبوت وحدانية الله تعالى. أما الاحتمال الأول: فقد روى ابن عباس أن رؤساء أهل مكة قالوا يا محمد ما وجد الله غيرك رسولاً وما نرى أحداً يصدقك وقد سألنا اليهود والنصارى عنك فزعموا أنه لا ذكر لك عندهم بالنبوة فأرنا من يشهد لك بالنبوة، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة من الله حتى يعترفوا بالنبوة، فإن أكبر الأشياء شهادة هو الله سبحانه وتعالى فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهيد لي بالنبوة لأنه أوحي إليّ هذا القرآن وهذا القرآن معجز، لأنكم أنتم الفصحاء والبلغاء وقد عجزتم عن معارضته فإذا كان معجزاً، كان إظهار الله إياه على وفق دعواي شهادة من الله على كوني صادقاً في دعواي. والحاصل: أنهم طلبوا شاهداً مقبول القول يشهد على نبوته فبين تعالى أن أكبر الأشياء شهادة هوالله، ثم بيّـن أنه شهد له بالنبوة وهو المراد من قوله {وأحِيَ إليَّ هذا القُرءان لأُنذِرَكُم بِهِ ومن بَلَغَ} فهذا تقرير واضح. وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في وحدانية الله تعالى. فاعلم أن هذا الكلام يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمة، وهي أنا نقول: المطالب على أقسام ثلاثة: منها ما يمتنع إثباته بالدلائل السمعية فإن كل ما يتوقف صحة السمع على صحته امتنع إثباته بالسمع، وإلا لزم الدور. ومنها ما يمتنع إثباته بالعقل وهو كل شيء يصح وجوده ويصح عدمه عقلاً، فلا امتناع في أحد الطرفين أصلاً، فالقطع على أحد الطرفين بعينه لا يمكن إلا بالدليل السمعي، ومنها ما يمكن إثباته بالعقل والسمع معاً، وهو كل أمر عقلي لا يتوقف على العلم به، فلا جرم أمكن إثباته بالدلائل السمعية. إذا عرفت هذا فنقول: قوله {قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } في إثبات الوحدانية والبراءة عن الشركاء والاضداد والأنداد والأمثال والأشباه. ثم قال: {وأحِيَ إليَّ هذا القُرءان لأُنذِرَكُم بِهِ ومن بَلَغَ} أي إن القول بالتوحيد هو الحق الواجب، وأن القول بالشرك باطل مردود. المسألة الثانية: نقل عن جهم أنه ينكر كونه تعالى شيئاً. واعلم أنه لا ينازع في كونه تعالى ذاتاً موجوداً وحقيقة إلا أنه ينكر تسميته تعالى بكونه شيئاً، فيكون هذا خلافاً في مجرد العبارة. واحتج الجمهور على تسمية الله تعالى بالشيء بهذه الآية وتقريره أنه قال أي الأشياء أكبر شهادة ثم ذكر في الجواب عن هذا السؤال قوله {قُلِ ٱللَّهُ } وهذا يوجب كونه تعالى شيئاً، كما أنه لو قال: أي الناس أصدق، فلو قيل: جبريل، كان هذا الجواب خطأ لأن جبريل ليس من الناس فكذا ههنا. فإن قيل: قوله {قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } كلام تام مستقبل بنفسه لا تعلق له بما قبله لأن قوله {ٱللَّهُ} مبتدأ، وقوله {شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } خبره، وهو جملة تامة مستقلة بنفسها لا تعلق لها بما قبلها. قلنا الجواب في وجهين: الأول: أن نقول قوله {قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً } لا شك أنه سؤال ولا بدّ له من جواب: إما مذكور، وإما محذوف. فإن قلنا الجواب مذكور:كان الجواب هو قوله {قل الله} وههنا يتم الكلام.فأما قوله {شهيد بيني وبينكم}فههنا يضمر مبتدأ، والتقدير، هو شهيد بيني وبينكم،وعند هذا يصح الاستدلال المذكور وأما إن قلنا: الجواب محذوف فنقول: هذا على خلاف الدليل، وأيضاً فبتقدير أن يكون الجواب محذوفاً، إلا أن ذلك المحذوف لا بدّ وأن يكون أمراً يدل المذكور عليه ويكون لائقاً بذلك الموضع. والجواب اللائق بقوله {أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً } هو أن يقال: هو الله، ثم يقال بعده {ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } وعلى هذا التقدير فيصح الاستدلال بهذه الآية أيضاً على أنه تعالى يسمى باسم الشيء فهذا تمام تقرير هذا الدليل. وفي المسألة دليل رخر وهو قوله تعالى: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] والمراد بوجهه ذاته، فهذا يدل على أنه تعالى استثنى ذات نفسه من قوله {كُلّ شَىْء } والمستثنى يجب أن يكون داخلاً تحت المستثنى منه، فهذا يدل على أنه تعالى يسمى باسم الشيء. واحتج جهم على فساد هذا الاسم بوجوه: الأول: قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] والمراد ليس مثل مثله شيء وذات كل شيء مثل مثل نفسه فهذا تصريح بأن الله تعالى لا يسمى باسم الشيء ولا يقال الكاف زائدة، والتقدير: ليس مثله شيء لأن جعل كلمة من كلمات القرآن عبثاً باطلاً لا يليق بأهل الدين المصير إليه إلا عند الضرورة الشديدة. والثاني: قوله تعالى: {أية : الله خالق كل شيء} تفسير : [الرعد: 16] ولو كان تعالى مسمى بالشيء لزم كونه خالقاً لنفسه وهو محال، لا يقال: هذا عام دخله التخصيص لأنا نقول: إدخال التخصيص إنما يجوز في صورة نادرة شاذة لا يؤبه بها ولا يلتفت إليها، فيجري وجودها مجرى عدمها، فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيهاً على أن البقية جارية مجرى العدم ومن المعلوم أن الباري تعالى لو كان مسمى باسم الشيء لكان هو تعالى أعظم الأشياء وأشرفها، وإطلاق لفظ الكل مع أن يكون هذا القسم خارجاً عنه يكون محض كذب ولا يكون من باب التخصيص. الثالث: التمسك بقوله {أية : وَٱللَّهِ ٱلأَسْمَاءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 180] والاسم إنما يحسن لحسن مسماه وهو أن يدل على صفة من صفات الكمال نعت من نعوت الجلال ولفظ الشيء أعم الأشياء فيكون مسماه حاصلاً في أحسن الأشياء وفي أرذلها ومتى كان كذلك لم يكن المسمى بهذا اللفظ صفة من صفات الكمال ولا نعتاً من نعوت الجلال فوجب أن لا يجوز دعوة الله تعالى بهذا الاسم لأن هذا الاسم لما لم يكن من الأسماء الحسنى والله تعالى أمر بأن يدعى بالأسماء الحسنى وجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا الاسم وكل من منع من دعاء الله بهذا الاسم قال: إن هذا اللفظ ليس اسماً من أسماء الله تعالى ألبتة. الرابع: أن اسم الشيء يتناول المعدوم، فوجب أن لا يجوز إطلاقه على الله تعالى بيان الأول: قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىءٍ إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً } تفسير : [الكهف: 23] سمى الشيء الذي سيفعله غداً باسم الشيء في الحال والذي سيفعله غدا يكون معدوماً في الحال فدل ذلك على أن اسم الشيء يقع على المعدوم. وإذا ثبت هذا فقولنا: إنه شيء لا يفيد امتياز ذاته عن سائر الذوات بصفة معلومة ولا بخاصة متميزة ولا يفيد كونه موجوداً فيكون هذا لفظاً لا يفيد فائدة في حق الله تعالى ألبتة، فكان عبثاً مطلقاً، فوجب أن لا يجوز إطلاقه على الله تعالى. والجواب عن هذه الوجوه أن يقال: لما تعارضت الدلائل. فنقول: لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص صدق العام، فمتى صدق فيه كونه ذاتاً وحقيقة وجب أن يصدق عليه كونه شيئاً وذلك هو المطلوب والله أعلم. أما قوله {وأحِيَ إليَّ هذا القُرءان لأُنذِرَكُم بِهِ ومن بَلَغَ} فالمراد أنه تعالى أوحى إليّ هذا القرآن لأنذركم به، وهو خطاب لأهل مكة، وقوله دومن بلغ ذ عطف على المخاطبين من أهل مكة أي لأنذركم به، وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، وقيل من الثقلين، وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة، وعن سعيد بن جبير: من بلغه القرآن، فكأنما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا التفسير فيحصل في الآية حذف، والتقدير: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به، ومن بلغه هذا القرآن إلا أن هذا العائد محذوف لدلالة الكلام عليه، كما يقال الذي رأيت زيد، والذي ضربت عمرو. وفي تفسير قوله {وَمَن بَلَغَ } قول آخر، وهو أن يكون قوله {وَمَن بَلَغَ } أي ومن احتلم وبلغ حد التكليف، وعند هذا لا يحتاج إلى إضمار العائد إلا أن الجمهور على القول الأول. أما قوله {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإني برىء مما تشركون} فنقول: فيه بحثان. البحث الأول: قرأ ابن كثير: (أينكم) بهمزة وكسرة بعدها خفيفة مشبهة ياء ساكنة بلا مدة، وأبو عمرو وقالون عن نافع كذلك إلا أنه يمد والباقون بهمزتين بلا مد. والبحث الثاني: أن هذا استفهام معناه الجحد والانكار. قال لفراء: ولم يقل آخر لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث كما قال: {أية : وللهِ ٱلأَسْمَاءُ ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأعراف: 180] وقال: {أية : فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [طه: 51] ولم يقل الأول ولا الأولين وكل ذلك صواب. ثم قال تعالى: {قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } واعلم أن هذا الكلام دال على إيجاب التوحيد والبراءة عن الشرك من ثلاثة أوجه: أولها: قوله {قُل لاَّ أَشْهَدُ } أي لا أشهد بما تذكرونه من إثبات الشركاء. وثانيها: قوله {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } وكلمة {إِنَّمَا } تفيد الحصر، ولفظ الواحد صريح في التوحيد ونفي الشركاء. وثالثها: قوله {إِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشركاء فثبت دلالة هذه الآية على إجاب التوحيد بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد. قال العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام. ونص الشافعي رحمه الله على استحباب ضم التبري إلى الشهادة لقوله {وَإِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } عقيب التصريح بالتوحيد.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ائتنا بمن يشهد لك بالنبوّة، فإن أهل الكتاب أنكروك {قُلْ } لهم {أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً } تمييز محوّل عن المبتدأ {قُلِ ٱللَّهُ } إن لم يقولوه لا جواب غيره، هو {شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } على صدقي {وَأُوحِىَ إلَىَّ هَٰذَا القُرْءَان لأُنذِرَكُم} أخوّفكم يا أهل مكة {بِهِ وَمَن بَلَغَ } عطف على ضمير أنذركم: أي بلغة القرآن من الإِنس والجنّ {أَئِنَّكُمْ لتشهدُونَ أن مَعَ اللهِ ءالهةً أُخرَىٰ }؟ استفهام إنكار {قُلْ } لهم {لاَّ أَشْهَدُ } بذلك {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } معه من الأصنام.

ابن عطية

تفسير : {أي} استفهام، وهي معربة مع إبهامها، وإنما كان ذلك لأنها تلتزم الإضافة ولأنها تتضمن علم جزء من المستفهم عنه غير معين، لأنك إذا قلت أي الرجلين جاءنا فقد كنت تعلم أن أحدهما جاء غير معين فأخرجها هذان الوجهان عن غمرة الإبهام فأعربت، وتتضمن هذه الآية أن الله عز وجل يقال عليه {شيء} كما يقال عليه موجود، ولكن ليس كمثله تبارك وتعالى شيء، و {شهادة} نصب على التمييز ويصح على المفعول بأن يحمل {أكبر} علىالتشبيه بالصفة المشبهة باسم الفاعل وهذه الآية مثل قوله تعالى {أية : قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} تفسير : [الأنعام:12] في أن استفهم على جهة التوقيف والتقدير ثم بادر إلى الجواب إذ لا تتصور فيه مدافعة، وهذا كما تقول لمن تخاصمه وتتظلم منه من أقدر من في البلد ثم تبادر وتقول السلطان فهو يحول بيننا، ونحو هذا من الأمثلة، فتقدير الآية أنه قال لهم أي شيء أكبر شهادة الله أكبر شهادة، فهو شهيد بيني وبينكم، فـ {الله} رفع بالابتداء وخبره مضمر يدل عليه ظاهر الكلام كما قدرناه، و {شهيد} خبر ابتداء مضمر. وقال مجاهد المعنى أن الله تعالى قال لنبيه عليه السلام: قل لهم: أي شيء أكبر شهادة؟ وقل لهم: الله شهيد بيني وبينكم لما عيوا عن الجواب، فـ {شهيد} على هذا التأويل خبر لله وليس في هذا التأويل مبادرة من السائل إلى الجواب المراد بقوله: {شهيد، بيني وبينكم} أي في تبليغي، وقرأت فرقة: "وأوحى إليّ هذا القرآن" على الفعل الماضي ونصب القرآن وفي "أوحى" ضمير عائد على الله تعالى من قوله {قل الله}، وقرأت فرقة "وأوحي" على بناء الفعل للمفعول "القرآن" رفعاً، {لأنذركم} معناه لأخوفكم به العقاب والآخرة، {ومن} عطف على الكاف والميم في قوله: {لأنذركم} و {بلغ} معناه على قول الجمهور بلاغ القرآن، أي لأنذركم وأنذر من بلغه، ففي بلغ ضمير محذوف لأنه في صلة من، فحذف لطول الكلام، وقالت فرقة ومن بلغ الحكم، ففي {بلغ} على هذا التأويل ضمير مقدر راجع إلى {من}، وروي في معنى التأويل الأول أحاديث، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية، فإنه من بلغ آية من كتاب الله تعالى فقد بلغه أمر الله تعالى أخذه أو تركه"تفسير : ، ونحو هذا من الأحاديث كقوله "حديث : من بلغه هذا القرآن فأنا نذيره" تفسير : وقرأت فرقة "أأينكم" بزيادة ألف بين الهمزة الأولى والثانية المسهلة عاملة بعد التسهيل العاملة قبل التسهيل وقرأت فرقة "أينكم" بهمزتين الثانية مسهلة دون ألف بينهما، وقرأت فرقة "أإنكم" استثقلت اجتماع الهمزتين فزادت ألفاً بين الهمزتين، وقرأت فرقة "أنكم" بالإيجاب دون تقدير وهذه الاية مقصدها التوبيخ وتسفيه الرأي. و {أخرى} صفة لآلهة وصفة جمع ما لا يعقل تجري في الإفراد مجرى الواحدة المؤنثة كقوله {أية : مآرب أخرى} تفسير : [طه:18] وكذلك مخاطبته جمع ما لا يعقل كقوله: {يا جبال أوبي معه} ونحو هذا، ولما كانت هذه الآلهة حجارة وعيداناً أجريت هذا المجرى ثم أمره الله تعالى أن يعلن بالتبري من شهادتهم، والإعلان بالتوحيد لله عز وجل والتبري من إشراكهم، {وإنني} إيجاب ألحقت فيه النون التي تلحق الفعل لتبقى حركته عند اتصال الضمير به في قوله ضربني ونحوه، وظاهر الآية أنها في عبدة الأصنام وذكر الطبري أنه قد ورد من وجه لم يثبت صحته أنها نزلت في قوم من اليهود، وأسند إلى ابن عباس قال: جاء النحام بن زيد وفردم بن كعب وبحري بن عمرو، فقالوا: يا محمد ما تعلم مع الله إلهاً غيره؟ فقال لهم: لا إله إلا الله بذلك أمرت، فنزلت الآية فيهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَىُّ شَىْءٍ} نزلت لما قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم من يشهد لك بالنبوّة فشهد الله ـ تعالى ـ له بالنبوّة، أو أمره أن يشهد عليهم بتبليغ الرسالة، فقال لهم ذلك ليشهده عليهم.

ابن عادل

تفسير : قال الكَلْبِيُّ: أتى أهْلُ "مكة" رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أرِنَا من يشهد بأنك رسول اللَّهِ، فإنَّا لا نَرَى أحَداً يُصَدِّقك، ولقد سالنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أنه ليس لك عِنْدَهُمْ ذكرٌ، فأنزل الله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} أي: أعظم شهادة، فإن أجَابُوكَ، وإلاَّ فقل: {ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُم} على ما أقول لأني أوحي إليَّ هذا القُرْآن مُعَجزاً لأنكم أنتم البُلَغَاءُ والفصحاء، وقد عجزتم عن مُعَارضته، فكان مُعْجِزاً، وإذا كان مُعْجِزاً كان إظهار الله - تعالى - له على وَفْقِ دَعْواي شهادة من اللَّهِ على كوني صادقاً في دَعْوَاي. قوله تعالى: {أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ} مبتدأ وخبرٌ، وقد تقدَّمَ أن "أيًّا" بعض ما تضاف إليه، فإذا كانت استفهامية اقتضى الظَّاهِرُ أن يكون مُسَمَّى باسم ما أضيف إليه. قال أبو البقاء - رحمه الله -: "وهذا يُوجِبُ أن يُسَمّى اللَّهُ تعالى "شيئاً"، فعلى هذا تكون الجلالةُ خبرَ مبتدأ محذوف [ والتقدير: الله أكبر شَهَادَةً، و"شهيد" على هذين القولين خَبَرُ مبتدأ محذوف] أي: ذلك الشيء هو الله تعالى، ويجوز أن تكون الجلالة مبتدأ خبره محذوف أي: هو شهيدٌ بيني وبينكم، والجملةُ من قوله: "قل اللَّه" على الوَجْهَيْنِ المتقدمين جواب لـ "أي" من حَيْثُ اللفظ والمعنى، ويجوز أن تكون الجلالةُ مبتدأ، و"شهيد" خبرها، والجملة على هذا جواب لـ "أيّ" من حيث المعنى، أي: إنها دالّةٌ على الجواب، وليست به. قوله: "شَهَادَةً" نَصْبٌ على التمييز، وهذا هو الذي لا يَعْرِفُ النحاةُ غيره. وقال ابن عطية - رضي الله عنه -: ويَصِحُّ على المفعول بأن يُحْمَلَ "أكثر" على التشبيه بالصفة المشبهة باسم الفاعل وهذا ساقط جدّاً؛ إذ نصَّ النحويون على أن معنى شبهها باسم الفاعل في كونها تؤنّث وتُثَنَّى، وتُجْمَعُ، وأفعلُ مِنْ لا تُؤنَّثُ ولا تُثَنَّى ولا تُجْمَعُ، فلم يُشبه اسم الفاعل، حتَّى إنَّ أبا حيَّان نَسَبَ هذا الخِبَاطَ إلى النَّاسخِ دون أبي محمد. قوله: "بيني وبينكم" متعلِّقٌ بـ "شهيد"، وكان الأصل: قل اللَّهُ شهيدٌ بيننا، فكُرِّرت "بين" توكيداً، وهو نظير قوله: [الوافر] شعر : 2121- فَأيِّي ما وأيُّكَ كَانَ شَرًّا فَسيقَ إلى المَقَامَةِ لا يَرَاهَا تفسير : وقوله: [الرجز] شعر : 2122- يَا ربَّ مُوسَى أظْلَمِيَ وأظْلَمُه ْ أرسل عليه مَلِكاً لا يَرْحَمُهْ تفسير : وقوله: [الكامل] شعر : 2123- فَلَئِنْ لَقيتُكَ خَالِيَيْنِ لَتَعْلَمَنْ أيِّي وَأيُّك فَارِسُ الأحْزَابِ تفسير : والجامع بينهما: أنَّهُ لمَّا أضاف إلى "الياء" وَحْدَها احتاج إلى تكرير ذلك المضاف. ويجوزُ أبو البقاء أن يكون "بيني" متعلّقاً بمحذوف على أنَّهُ صفة لـ "شهيد"، فيكون في مَحَلّ رفع، والظاهر خلافُهُ. قوله: "وأوْحِيَ" الجمهور على بِنَائِهِ للمفعول، وحُذِف الفاعل للعلم به، وهو الله تبارك وتعالى. و"القرآن" رفع به. وقرأ أبو نهيك، والجحدري، وعكرمة، وابن السَّمَيْفَع: "وأوْحَى" ببنائه للفاعل، "القرآن" نَصْباً على المفعول به. و"لأنْذِرَكُمْ" متعلِّقٌ بـ "أوحي". قيل: وثمَّ مَعْطُوف حُذِفَ لدلالة الكلام عليه، أي: لأنذركم به وأبَشِّركم به، كقوله تعالى: {أية : تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل:81]، وتقدم فيه نظائرُ، وقيل: لا حاجة إليه، لأن المقام مَقَامُ تخويف. فصل في بيان معنى الآية والمعنى: اللَّهُ شهيدٌ بيني وبينكم أنِّي قد أبلغكم وصدّقْتُ فيما قلته وادَّعَيْتُهُ من الرسالة، والقرآن أيضاً شَاهِدٌ بنبوَّتي لأنذركم به يا أهل "مكة"، ومن بلغه القرآن العظيم. قوله تعالى: "ومَنْ بَلَغَ" فيه ثلاثةُ أقوال: أحدهما: أنه في مَحَلِّ نَصْبٍ عطفاً على المنصوب في "لأنْذِرَكُمْ"، وتكون "مَنْ" موصولةً، والعائِدُ عليها من صِلَتِهَا مَحْذُوفٌ. أعني: ولأنذر الذي بلغه القرآن الكريم من العَرَبِ والعَجَمِ. وقيل: من الثَّقَلَيْنِ. وقيل: من بَلَغَهُ [من القرآن الكريم] إلى يوم القيامةِ. وعن سعيد بن جبير: "من بلغه من القرآن، فكأنما رأى مُحَمَّداً عليه الصَّلاة والسَّلامُ". الثاني: أنَّ في "بَلَغَ" ضميراً مرفوعاً يَعُودُ على "مَنْ"، ويكون المفعول محذوفاً، وهو منصوب المَحَلّ أيضاً نَسَقاً على مَفْعُول "لأنذركم" والتقدير: ولأنذر الذي بَلَغَ الحُلُمَ، فالعَائِدُ هنا مُسْتَتِرٌ في الفعل. الثالث: أنّ "مَنْ" مرفوعةُ المحلِّ نَسَقاً على الضَّميرِ المرفوع في "لأنذركم"، وجاز ذلك؛ لأنَّ الفصل بالمفعول والجارِّ والمجرور أغْنَى عن تأكيده، والتقديرُ: لأنذركم به، ولينذركم الذي بَلَغَهُ القرآن. قوله: "أإنًّكُمْ" الجمهور على القراءة بهمزتين: أولاهما للاستفهام، وهو استفهامُ تَفْريعٍ وتوبيخ. قال الفراء - رحمه الله تعالى -: ولم يَقُل آخر لأن الآلهة جمع، والجمع يقع عليه التأنيث، كقوله: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَى} تفسير : [الأعراف: 180] وقوله: {أية : فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [طه:51] [ولم يقل الأوّل، ولا الأوّلين وكل ذلك صوابٌ] وقد تقدَّم الكلامُ في قراءاتٍ مثل هذا. قال أبو حيَّان: "وبِتَسْهيلِ الثانية، وبإدخال ألف بين الهمزة الأولى والهمزة المُسَهَّلَة، روى هذه الأخيرة الأصمعي عن أبي عمرو، ونافع" انتهى. وهذا الكلام يؤذن بأنها قراءةٌ مُسْتَغْرَبَةٌ، وليس كذلك، بل المَرْوِيُّ عن أبي عمرو- رضي الله عنه - المَدُّ بين الهَمْزَتَيْنِ، ولم يُخْتَلَفْ عن قالون في ذلك. وقرئ بهمزة واحدة وهي محتملةٌ للاستفهام، وإنَّما حُذِفَتْ لفهم المعنى، ودلالة القراءة الشهيرة عليها، وتحتمل الخبر المَحْضَ. ثم هذه الجملة الاستفهامية، يحتمل أن تكون مَنْصُوبَةَ المَحَلّ لكونها في حَيَّزِ القول، وهو الظَّاهر، كأنه أُمِرَ أن يقول: أيُّ شيء أكْبَرُ شَهَادةً وأن يقول أإنّكم لتشهدون. ويحتمل أن تكون داخلَةً في حيِّزه فلا مَحَلّ لها حينئذٍ، و"أخرى" صفةٌ لـ "آلهة"؛ لأن ما لا يَعْقِل يُعَامَلُ جَمْعُهُ مُعاملةَ الوحداةِ المؤنّثة، كقوله: {أية : مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه:18]، و {أية : ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ }تفسير : [الأعراف: 180] كما تقدَّم. قوله: "إنَّمَا هُوَ إلَهٌ واحِدٌ" [يجوز] في "ما" هذه وجهان: أظهرهما: أنها كافَّةٌ لـ "إنَّ" عن عملها، و"هو" مبتدأ، و"إله" خبر، و"واحد" صفته. والثاني: أنها مَوْصُولَةٌ بمعنى "الذي"، وهو مبتدأ، و"إله" خبره، وهذه الجملةُ صَلَةٌ وعائد، والموصول في مَحَلِّ نصب اسماً لـ "إن" و "واحد" خبرها. والتقدير: إنَّ الذي هو إله واحد، ذكره أبو البقاء، وهو ضعيف، ويَدُلُّ على صِحَّةِ الوجه الأوَّلِ تعيُّنُه في قوله تبارك وتعالى: {أية : إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} تفسير : [النساء:171]، إذ لا يجوز فيه أن تكون مَوْصُولَةً لخلوِّ الجملة عن ضمير الموصول. وقال أبو البقاء في هذا الوَجْهِ: وهو ألْيَقُ مما قبله. قال شهابُ الدِّين: - رضي الله عنه -: ولا أدري ما وجه ذلك؟ فصل فيما تفيده الآية أعملم أنَّ هذا الكلام دَلَّ على إيجاب التَّوحيدِ، والبراءةِ من الشِّرْكِ من ثلاثة أوجه: أولها: قوله: "قُلْ لا أشْهَدُ" بما تذكرونه من إثبات الشُّرَكَاءِ. وثانيها: قوله: "قُلْ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ"، وكلمة "إنَّمَا" تفيد الحَصْرَ، ولفظ الواحد صريحٌ في التوحيد، ونفي الشركاء. وثالثها: قوله تبارك وتعالى: {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}، وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشُّرَكَاءِ. قال العلماء: يُسْتَحَبُّ لمن أسلم ابتداءً أن يأتي بالشهادتين، ويبرأ من كل دينٍ سوى دين الإسلام. ونصَّ الشَّافعي - رحمه اله تعالى - على استحباب ضَمِّ التَّبَرِّي إلى الشهادة، كقوله تبارك وتعالى: {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} عقيب التّصريح بالتوحيد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: جاء النحام بي زيد، وقردم بن كعب، وبحرى بن عمرو، فقالوا: يا محمد ما تعلم مع الله إلهاً غيره؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا إله إلا الله بذلك بعثت، وإلى ذلك أدعو، فأنزل الله في قولهم {قل أي شيء أكبر شهادة} الآية " . تفسير : وأخرج ابن آدم بن أبي أياس وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله {قل أي شيء أكبر شهادة} قال: أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يسأل قريشاً أي شيء أكبر شهادة، ثم امره أن يخبرهم فيقول: الله شهيد بيني وبينكم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس {وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به} يعني أهل مكة {ومن بلغ} يعني من بلغه هذا القرآن فهو له نذير . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية {وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به} كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر والنجاشي وكل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل، وليس النجاشي الذي صلي عليه . وأخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب قال "حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى فقال لهم: هل دعيتم إلى الإسلام؟ قالوا: لا. فخلى سبيلهم، ثم قرأ {وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} ثم قال: خلوا سبيلهم حتى يأتوا ما منهم من أجل أنهم لم يدعوا " . تفسير : وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والخطيب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من بلغه القرآن فكأنما شافهته به، ثم قرأ: {وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي في قوله {وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} قال: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ : من بلغه القرآن حتى يفهمه ويعقله كان كمن عاين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه . وأخرج آدم بن أبي أياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله {وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به} قال: العرب {ومن بلغ} قال: العجم . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن حسن بن صالح قال: سألت ليثاً هل بقي أحد لم تبلغه الدعوة؟ قال: كان مجاهد يقول: حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ {لأنذركم به ومن بلغ} . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول "حديث : بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله " . تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ من طريق قتادة عن الحسن "حديث : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أيها الناس بلغوا ولو آية من كتاب الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذها أو تركها " . تفسير : وأخرج البخاري وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: كأن الناس لم يسمعوا القرآن قبل يوم القيامة حين يتلوه الله عليهم .

السلمي

تفسير : قوله عز علا: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} [الآية: 19]. قال الحسين: لا شهادة أصدق من شهادة الحق لنفسه بما شهد به فى الأزل لقوله {أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ ٱللَّهُ}.

القشيري

تفسير : غلَبَتْ شهادة الحق - سبحانه - كلَّ شهادة، فهم إذا أقبلوا يشهدون فلا تحيط بحقائِقِ الشيء علومُهم، والحقُّ - سبحانه - هو الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ، ثم أخبره - صلى الله عليه وسلم أنه مبعوثٌ إلى الكافة ومَنْ سيوجد إلى يوم القيامة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} اى اى شئ اعظم من شهود الله بوصف ظهرو تجلى جلاله وجماله من كل ذرة على شئ من العرض الى الثرى وذلك شهادته الازلية التى سبقت منه على وحدانبيه حيث لم يكن وجود الحدث فى القدم وتصديق ذلك جواب الامر بالامر بقوله تعالى {قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} لما عمى القوم عن رؤية شهود الله وصموا عن شهادة على نفسه انكروا على شارف موقع شهادة وهو النبى صلى الله عليه وأله وسلم لغابوتهم وجهلهم بما ظهر من وجهه من انوار جلاله الله امر نبيه عليه السلام ان يقول لهم بعد قولهم قل اى شئ اكبر شهادة بقوله قل الله شيهد بينى وينكم بان يظهر انوار صفاته متى للعالمين --- ذلك سهورة المعجزات لى اى من لم ير الشهادة العظمى فى وجهى فانه يحتاج الى رؤية الشهادة والصغرى ذلك معجزتى ومن يكون اعمى عن رؤية الشهادة الكبرى فايضا يكون اعمى عن رؤية الشهادة الصغرى قال الحسين لاشهادة اصدق من شهادة الحق لنفسه بما شهديه فى الازل بقوله اى شئ اكبر شهادة قل الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل أى شئ أكبر شهادة} ـ روى ـ ان قريشا قالوا لرسول الله يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا ان ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فارنا من يشهد انك رسول الله فانهم انكروك فانزل الله تعالى هذه الآية امر حبيبه عليه السلام بان يقول لهم اى شئ اعظم من جهة الشهادة {قل الله} اى الله اكبر شهادة فشهادته اكبر من شهادة الخلق فان شهادة الخلق وعلومهم لا تحيط بحقائق الاشياء كلها والحق سبحانه هو الذى يحيط علمه بجميع حقائق الاشياء امر له عليه السلام بان يتولى الجواب بنفسه للايذان بتعينه وعدم قدرتهم على ان يجيبوا بغيره {شهيد} اى هو شهيد {بينى وبينكم} على صدقى {واوحى الىّ} من جهته تعالى {هذا القرآن} الشاهد بصحة رسالتى {لأُنذركم به} اى اخوفكم بما فيه من الوعيد ايها الموجودون وقت نزول القرآن {ومن بلغ} عطف على ضمير المخاطبين اى بلغه القرآن من الانس والجن الى يوم القيامة. قال محمد بن كعب القرطبى من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا عليه السلام وسمع منه {أئنكم لتشهدون} الجاء لهم الى الاقرار باشراكهم اذ لا سبيل لهم الى انكاره لاشتهارهم به والاستفهام فيه للانكار والتوبيخ والمعنى بالفارسية [آيا شما ييدكه كواهى ميدهيد] {ان مع الله آلهة اخرى قل} لهم {لا اشهد} بذلك وان شهدتم به فانه باطل صرف {قل انما هو اله واحد} تكرير الامر للتأكيد اى بل انما اشهد انه تعالى لا اله الا هو اى متفرد بالالوهية {واننى برىء مما تشركون} به من الاصنام.

ابن عجيبة

تفسير : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ...} قلت: {قل الله شهيد}: يحتمل المبتدأ والخبر، أو يكون {الله} خبرًا عن مضمر، أو مبتدأ حُذف خبره، و {شهيد}: خبر عن مضمر، أي: قل هو الله، أو الله أكبر شهادة، وهو شهيد بيني وبينكم، و {من بلغ}: عطف على مفعول، "أنذر"، أي: لأنذركم يا أهل مكة، وأنذر من بلغه القرآن، وحذف مفعول {بلغ}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد للذين سألوك مَن يشهد لك بالنبوة: {أيُّ شيء} عندكم هو {أكبر شهادة}؟ فإن لم يجيبوا فقل لهم: هو {الله}؛ فإنه أكبر الشاهدين، وهو الذي يشهد لي بالنبوة والرسالة؛ بإقامة البراهين وإظهار المعجزات، وهو {شهيد بيني وبينكم}، وكفى به شهيدًا. {وأُوحي إليَّ هذا القرآن لأُنذركم به} أي: لأخوّفكم به، إن أعرضتم عنه، وأُبشِّركم به إن آمنتم به، واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة؛ لأنه مصرح به في موضع آخر، ولأن الأهم هنا هو الإنذار؛ لغلبة الكفر حينئذٍ، وأُنذر به أيضًا كل من بلغه القرآن من الأحمر والأسود، والجن والإنس إلى يوم القيامة. وفيه دليل على أن أحكام القرآن تعُم الموجودين وقت النزول ومَن بعدَهم، وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه، وهو نادر، قال سعيد بن جبير: ( مَن بلَغه القرآن فكأنما رأى محمدًا صلى الله عليه وسلم). الإشارة: في الآية حثٌّ على اكتفاء بعلم الله، والاستغناء به عما سواه، وعلامةُ الاكتفاء بعلم الله ثلاث: استواء المدح والذم، والرضى بالقليل والكثير، والرجوع إلى الله وحده في السراء والضراء. واعلم أن الحق تعالى إذا شهد لك بالخصوصية، ثم اكتفيت بشهادته فأنت من أهل الخصوصية، وإن لم تكتف بشهادته، وتطلعت إلى أن يعلم الناس بخصوصيتك، فأنت كاذب في دعوى الخصوصية. واطلاع الحق تعالى على ثبوت خصوصيتك هو شهادته لك، فاقنع بعلم الله، ولا تلتفت إلى أحد سواه، لئلا ينزعَها مِن قلبك، حيث لم تقنع بعلم الله فيك. وبالله التوفيق. ولمّا أتى قومٌ من الكفار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد؛ أما تعلم أن مع الله إلهًا آخر؟ أنزل الله تعالى: {...أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} قلت: الاستفهام للإنكار والتوبيخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: في الإنكار على المشركين: {أئنكم لتشهدون أنَّ مع الله آلهة أُخرى} تستحق أن تعبد {قل} لهم يا محمد: أنا {لا أشهدُ} بما تشهدون به، {قل} لهم: {إنما هو إله واحد}؛ بل أشهد ألا إله إلا هو، {وإنني بريءٌ مما تُشركون} به من الأصنام. الإشارة: لم يَبرَأ من الشرك الخفي والجلِي إلا أهلُ الفناء؛ الذين وحدوا الله في وجوده، فلم يروَا معه سواه، قال بعضُ من بلغ هذا التوحيد: ( لو كُلفت أن أرى غيره لم أستطع؛ فإنه لا غيرَ معه حتى أشهده) وقال آخر: مُحَالٌ أن تشهده وتشهد معه سواه. وقال شاعرهم: شعر : مُذ عَرَفتُ الإلَه لَم أرَ غَيرًا وَكَذَا الغَيرُ عِندَنَا مَمنُوعُ تفسير : إلى غير ذلك من مقالاتهم الدالة على تحقيق وجدانهم. نفعنا الله بذكرهم ومحبتهم. آمين. ولمّا قالت قريش: قد سألنا اليهود والنصارى عنك، فلم يجدوا لك عندهم ذكراً، ردّ الله عليهم، فقال: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ}.

الطوسي

تفسير : اختلفوا في الهمزتين اذا كانت الاولى مفتوحة، والثانية مكسورة من كلمة واحدة نحو (أئنك) و (أإذا) و (أإنا) و (أإفكا) فقرأ ابن عامر وأهل الكوفة وروح بتحقيق الهمزتين حيث وقع إِلا في قوله {أئنكم لتشهدون} ها هنا. وفي الاعراف {أية : أئنكم لتأتون الرجال}تفسير : و {أية : أإن لنا لأجراً}تفسير : و (أاما) حيث وقع. و {أية : أإنك لأنت يوسف}تفسير : و {أية : أإذا ما مت}تفسير : وفي العنكبوت {أية : أإنكم لتأتون الفاحشة}تفسير : و {أية : أإنا لمغرمون}تفسير : في الواقعة. والاستفهامين في الرعد. وبني اسرائيل. والمؤمن. والنحل. وسجدة لقمان. والصافات. والواقعة. والنازعات. وسنذكر الخلاف فيها في مواضعها. الباقون بتحقيق: الاولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بألف أهل المدينة. الا ورشاً، وابو عمرو، والحلواني عن هشام، وافقهم الداجوني عن هشام على الفصل في قوله {أإِنا لتاركوا آلهتنا}. و {أإذا متنا} في (ق). وأما قوله {أئنكم}. ها هنا فقرأه ابن عامر وأهل الكوفة الا الكسائي عن أبي بكر وروح بتحقيق الهمزتين إِلا أن الحلواني عن هشام يفصل بينهما بألف الباقون بتحقيق الاولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بألف أهل المدينة الا ورشاً وأبو عمرو والكسائي عن أبي بكر. وقد روي عن الكسائي عن أبي بكر أنه لا يفصل. أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لهؤلاء الكفار {أي شيء أكبر شهادة} لانهم كانوا مقرين بأنه لا شىء أكبر شهادة من الله، واذا أقروا بأنه الله حينئذ أمره أن يقول لهم هو الشهيد بيني وبينكم على ما بلغتكم ونصحتكم وقررت عندكم من أن إِلهكم إِله واحد، وعلى براءتي من شرككم. والوقوف على قوله {قل الله} وقف تام. وفي الآية دلالة على من قال: لا يوصف تعالى بأنه شيء. لانه لو كان كما قال لما كان للآية معنى كما أنه لا يجوز أن يقول القائل: أي الناس أصدق؟ فيجاب بـ (جبرائيل) لما لم يكن من جملة الناس بل كان من الملائكة. فان قيل قوله {أي شيء أكبر شهادة} تمام، وقوله {قل الله} ابتداء، وليس بجواب، ولو كان جوابا كان ما بعده من قوله {شهيد بيني وبينكم} لا ابتداء له ولا معنى له؟! قيل: لسنا ننكر ذلك - الا أن هذا وان كان هكذا لولا أنه متقرراً عند السائل والمسؤل - ان الله شهيد - ما كان للكلام معنى، ولكان قوله: {قل أي شيء أكبر شهادة} لغوا وحشوا، وذلك منزه عن كلامه تعالى. وقوله: {لأنذركم به ومن بلغ} وقف تام. أي من بلغه القرآن الذي أنذرتكم به، فقد انذرته كما انذرتكم، وهو قول الحسن رواه عن النبي (صلى الله عليه وسلم): انه قال: "حديث : من بلغه أني أدعو الى لا إِله الا الله، فقد بلغه". تفسير : يعني بلغته الحجة، وقامت عليه. وقال مجاهد: {لأنذركم به} يعني اهل مكة. {ومن بلغ} من أسلم من العجم وغيرهم. وقوله {آلهة أخرى} ولم يقل اخر، لان الآلهة جمع والجمع يقع على التأنيث، كما قال: {ولله الأسماء الحسنى} و {قال فما بال القرون الأولى} ولم يقل الاول. والشاهد: هو المبين لدعوى المدعي. قال الحسن: قال المشركون لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): من يشهد لك؟ فنزلت هذه الآية. وهي قوله: {وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به} أي اني أخوفكم به، لان الانذار هو الاعلام على وجه التخويف. {ومن بلغ} يعني القرآن و (من) في موضع نصب بالانذار. ثم قال موبخا {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى} ثم قال لنبيه: قل أنت يا محمد: لا أشهد بمثل ذلك بل اشهد انه إِله واحد {وإنني برىء مما تشركون} بعبادته مع الله واتخاذه إِلهاً.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} توطئة لإشهاد الله يعنى انّهم يقرّون بأنّ الله أعظم وأصدق من كلّ شهيدٍ فنبّههم على ذلك ثمّ قال {قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} ويحتمل ان يكون الله مبتدءً محذوف الخبر جواباً من قبلهم وشهيداً خبراً محذوف المبتدأ مستأنفاً لبيان المقصود {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} فى اىّ مكان كان وفى اىّ زمانٍ الى يوم القيامة يعنى لا نذركم وانذر من بلغه القرآن او من صار بالغاً مبلغ الرّجال وروى انّ من بلغ معطوف على المستتر فى انذركم وترك التأكيد بالضّمير المنفصل للفصل والمعنى لانذركم انا ومن بلغ من آل محمّد (ص) ان يكون اماماً كقوله تعالى، {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} تفسير : [يوسف:108] {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ} بعد ما وبّخهم على شهادتهم انّ مع الله آلهةً اخرى {إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} من اليهود والنّصارى {يَعْرِفُونَهُ} اى رسول الله (ص) بما ذكر لهم فى كتبهم من اوصافه او الّذين آتيناهم الكتاب من امّة محمّد (ص) يعرفون محمّداً (ص) بالصّدق فى امر الولاية او يعرفون عليّاً (ع) بما شاهدوا منه من فضله وعلمه وصدقه وامانته {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} مبالغة فى اثبات معرفتهم {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} استيناف جواب لسؤال مقدّر او استدراك توهّم متصوّر كأنّه قيل افامنوا به او توهّم انّه ما بقى منهم كافر وتكرار الموصول لانّ كلاّ جوابٌ او استدراك لما نشأ من امرٍ غير منشأ الآخر، ويحتمل كون الثّانى بدلاً او مفعولاً لمحذوف او خبراً لمبتدء.

الأعقم

تفسير : {قل أيُّ شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم}، قيل: قالت مشركو قريش لقد سألنا اليهود والنصارى عنك فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فأرنا من يشهد لك فنزل قوله تعالى: {وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به} وأنذر كل من بلغه من العرب والعجم، وقيل: من الثقلين، وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة، وعن سعيد بين جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {أئنكم لتشهدون} تقرير لهم مع استنكار واستبعاد {قل لا أشهد} بشهادتكم، قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} هؤلاء هم اليهود يعرفون محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلم) كما يعرفون أبناءهم وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب، وبصحة نبوته، ثم قال: {الذين خسروا أنفسهم} من المشركين ومن أهل الكتاب والجاحدين {فهم لا يؤمنون} به، قال جار الله: جمعوا بين أمرين متناقضين فكذبوا على الله تعالى، وكذبوا رسوله حيث قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا وقالوا: والله أمرنا بها، وقالوا: الملائكة بنات الله، وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} أي كفر، قال الحسن: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً فأشرك به غيره {أو كذب بآياته} وهي القرآن {إنه لا يفلح الظالمون} {ويوم نحشرهم جميعاً} العابدين والمعبودين {ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم} أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله {الذين كنتم تزعمون} أنها تنفعكم وإنما قال لهم ذلك على جهة التوبيخ {ثم لم تكن فتنتهم} كفرهم {إلا أن قالوا} والمعنى {ثم لم تكن} عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به، وقيل: لم يكن جوابهم إلاَّ أن قالوا تسمى فتنة لأنه كذبٌ، وقيل: الآية نزلت في المنافقين مروا على عادتهم في الدنيا، وقيل: هو عام في المنافقين والكفار وهو الصحيح، وقيل: {فتنتهم} خلاصهم يعني المحنة التي يتوهمون أنهم يتخلصون بها، وقيل: معذرتهم {إلاَّ أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} يعني لم يكن اعتذارهم إلاَّ هذا، وقيل: قالوا ذلك لعظيم ما يرون من الأهوال {انظر} يا محمد {كيف كذبوا على أنفسهم} في الدنيا بقولهم انا مصيبون في قولنا، انا غير مشركين، واختلفوا هل يجوز في الآخرة أن يكذبوا فالأكثر قالوا لا يجوز لأنها ليست دار تكليف، وقيل: يجوز ذلك لما يلحقهم من الدهش، قال جار الله: فإن قلتَ: كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور على أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟ قلتُ: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشاً، ألا تراهم يقولون ربنا أخرجنا فإن عدنا فانا ظالمون وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكُّوا فيه وقالوا: يا مالك ليقض علينا ربك وقد علموا أنه لا يقضي عليهم، وأما قول من يقول معناه ما كنا مشركين عند أنفسنا، وما علمنا انا على خطأ في معتقدنا، وحمل قوله: {أنظر كيف كذبوا على أنفسهم} يعني في الدنيا متحمل وتعسف وتحريف، وقد قال تعالى: {أية : يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون} تفسير : [المجادلة: 18] بعد قوله: {أية : ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} تفسير : [المجادلة: 14] فشبَّه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا.

اطفيش

تفسير : {قلْ} يا محمد لهؤلاء {أىُّ شئْ أكبَرُ شَهادةً} أى أعظم شهادة، ولا يجدون أعظم من الله شهادة، فإن قالوا: الله أكبر شهادة صدقوا وقد شهد الله لك بالرسالة، ولكن لا يقولون فى جوابك: الله أكبر شهادة، ولو علموا أنه أكبر شهادة، بل يسكتون أو يقولون الله أكبر شهادة، وينكرون أنه قد شهد لك. {قل} لهم لأنك على يقين من أمرك {اللهُ شهيدٌ بينى وبيْنَكم} برسالتى هو الذى أخبركم بها، الله مبتدأ، وشهيد خبره، وبينى متعلق بشهيد، أو خبر ثان أو نعت لشهيد عند مجيز نعت الصفة، والله معلوم عندهم أنه أكبر شهادة، فإذا شهد له فقد شهد لهُ من هو أكبر شهادة، ففى كونه شهيداً تضمن لجواب أى شئ أكبر شهادة وزيادة وحكمة العدول، إلى الجواب يكون الله شهيداً عن الجواب، بأن الشئ الذى هو أكبر شهادة هو الله أن كونه أكبر شهادة معلوم لهُ لا ينكرونه، فأخبر أنه شهيد كذبتم أو صدقتم، لأن الله قد شهد له، فما له إلا أن يكتفى بذكر شهادة، ولو أنكروا أن يكون قد شهد له. ويجوز أن يكون الله مبتدأ خبره محذوف، أى الله أكبر شهادة، فهذا جواب فى قوله: {أى شئ أكبر شهادة} أجاب به، هو أيضا لأنه لابد أن الله عنده أكبر شهادة، فلا يلزم التوقف حتى يكون هم المجيبون، وعلى هذا فيكون شهيد خبراً ثانيا، والأول محذوف كما رأيت أو شهيد خبر لمحذوف، أى هو شهيد، والجملتان محكيتان بالقول، وهذا الوجه هو مختار القاضى، وفى الآية دليل على أنه يجوز أن يقول الله شئ، لأن قوله: {قل الله} أو مع ما بعده وقع جواب لقوله: {أى شئ} ومثله استثناؤه تعالى من كل شئ فى قوله تعالى: {كل شئ هالك} والأصل فى الاستثناء الاتصال، وقيل: لا يقال الله شئ إلا أن يراد لا كالأشياء. {وأوحِى إلىَّ هذا القُرآن لأنذِركُم بهِ ومَنْ بَلَغ} عطف من كل كاف أنذركم، فكأنه قيل: لأنذركم به وأنذر من بلغه، فالرابط هاء محذوفة، وضمير بلغ عائد إلى القرآن، أى أى أنذر بالقرآن من بلغه القرآن، وزعم بعض أن المراد ومن بلغ الحكم، وفى الكلام حذف آخر، أى لا تذكركم به، وأبشركم به، وأنذر به من بلغ وأبشر، والخطاب لأهل مكة فيكون قوله: {ومن بلغ} لغيرهم من الجن والإنس والعرب والعجم الموجودين فى ذلك الزمان، أو بعده، ودخل فيه من يوحد بعد من أهل مكة أو الخطاب للموجودين فى الدنيا كلها حال النزول من أهل مكة وغيرهم من الجن والإنس العرب والعجم، فيكون قوله: {ومن بلغ} لمن يوجد فى أى موضع منهم كلهم، فإن القرآن منذر مبشر بما فيه، ومعجز بفصاحته وبلاغته، وأخبار الغيوب الموافقة. وعن مجاهد: الخطاب للمؤمنين من العرب، وقوله: {ومن بلغ} بمعنى من أسلم من غير العرب، قال محمد بن كعب القرضى: من بلغهُ القرآن فكأنما رأى النبى صلى الله عليه وسلم وكلمه وسمعه، وقال أيضا: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله عز وجل، قال سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم. قال الغزالى فى الإحياء: ينبغى للتالى أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب فى القرآن، فإن سمع أمراً أو نهياً قدر أنه المنهى والمأمور، وكذا إن سمع وعداً أو وعيداً، وكذا ما يقف عليه من القصص، فالمقصود به الاعتبار، قال تعالى: {أية : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} تفسير : وقال تعالى:{أية : هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} تفسير : وقيل: الخطاب لعباد الأصنام، وقيل: المراد به قوم من اليهود، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نعلم مع الله إلهاً غيره، فقال لهم: لا إله إلا الله، وبذلك أمرت فنزلت الآية آمرة له بالإعلان بالتبرؤ من الشرك، ولم يصح هذا. وفى الآية دليل على أنه من حلف لا يكلم فلاناً، فأرسل إليه كلاماً فى كتاب أو برسول فقرأ الكتاب أو قرئ عليه، أو سمع كلام الرسول حنث، لأن ذلك بلاغ، ومن حلف أن يكلمه، فكان ذلك بر هذا ما ظهر لى، وفيه دليل على أنه من لم يبلغه أن الله أنزل القرآن لم يكلف العمل بما فيه، ويكلف بالتوحيد، وذلك فى زمنه صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة، وعندنا يعذر من كان على دين نبى، ولم تبلغه الدعوى، فلا يقاتل المشركون أو يسبوا ويغنموا إلا أن دعوا، لأن الله تعالى قال: {ومن بلغ} فالدعوة لابد منها إلى يوم القيامة. قال أنس بن مالك: لما نزلت هذه الآية، كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر والنجاشى، وكل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل، فالآية مدنية، ولا مانع من أن يكون ذلك فى مكة أيضاً، لكن أنس بن مالك مدنى، فإن كان ذلك بمكة أيضاً، فلعله رواه عن غيره. وعن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من بلغه أنى أدعوه إلى أن لا إله إلا الله فقد بلغته الحجة وقامت عليه" تفسير : وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا أيها الناس بلغوا ولو آية من كتاب الله، وأن من بلغ آية من كتاب الله فقد بلغ أمر الله أخذه أو تركه" تفسير : أى عمل بما بلغه إلى غيره، أو لم يعمل، وعن عبد الله بن عمرو ابن العاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علىَّ فليتبوأ مقعده من النار" تفسير : أى كل ما سمعتم عن بنى إسرائيل من التعاصى فهم أكثر مما سمعتم. وعن ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : نضَّر الله امرأ سمع شيئا فبلغه كما سمعه فربّ مبلغ أوعى من سامع " تفسير : وعن زيد بن ثابت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : نضَّر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه" تفسير : ومعنى نضر بالضاد المعجمة غير مشالة وهى مشددة بهجه ونعمه ونوَّره، ومعنى الحديث: أن حامل الفقه إلى غيره قد يكون لا يحقق معانى ما يحمل ولا يعمل بها، وسامعه يحقق ويعمل، قال ابن عباس: تسمعون ويسمع منكم. وهذه الأحاديث كلها أدلة على أن الدعوة تتجدد، وهى متصلة غير منقطعة كما زعم بعض أنها قد تمت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقتل المشركون ويسبون ويغنمون بلا دعاء، لتقدم دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الربيع بن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد حديث : بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليّاً فى سرية فقال: "يا على لا تقاتل القوم حتى تدعوهم وتنذرهم وبذلك أمرت" قال: وجئ بالأسارى من حى من أحياء العرب، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعانا أحد، ولا بلغنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آالله، فقالوا: أى والله، فقال: خلوا سبيلهم، ثم قال: "حتى تصل إليهم دعوتى، فإن دعوتى تامة لا تنقطع إلى يوم القيامة" ثم تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}" تفسير : الآية. قال ابن عمر والحسن: إن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تمت فى حياته، وانقضت بعد موته، فلا دعوة اليوم، قال الربيع، قال أبو عبيدة: الدعوة غير منقطعة إلى يوم القيامة إلا من فجأك بالقتال، فلك أن تدفع عن نفسك بلا دعوة. {أئنَّكم}: بتسهيل الهمزة الثانية، وقرئ بإدخال ألف بين المحققة والمسهلة، وقرأ الجمهور بتحقيق الهمزتين {لتشْهدُون أنَّ مَع الله آلهةً أخْرى} هذا من جملة ما حكى بالقول من قوله: {قل الله شهيد} فكأنه قيل: قل لهؤلاء المشركين أئنكم لتشهدون، والاستفهام توبيخى أو تقريرى. {قُلْ لا أشْهَد} بما تشهدون {قُلْ إنما هُوَ} أى الله {إلهٌ واحدٌ} لا إله معه {وإنَّنِى برئٌ مما تشْرِكُون} أى من إشراككم على أن ما مصدرية، أو مما تشركونه، أى من الأصنام التى تشركونها، على أن ما موصولة اسمية، أوجب الله عز وجل التوحيد من ثلاثة أوجه: بل أربع: الأول: قوله تعالى: {أئنكم لتشهدون} لأنه توبيخ على الإشراك، وإنكار لثبوت الشريك. الثانى: قوله تعالى: {قل لا أشهد}. الثالث: {قل إنما هو إله واحد} بأداة الحصر الإصطلاحية، وهو إنما، وهو مبتدأ وإله خبره، وواحد نعت أو خبر ثان أو بالحصر المطلق اللغوى، وهو كل لفظ أفاده كقط وحسب، وأخص وأقصر، وذلك بأن نجعل إنما إن واسمها وهو مبتدأ عائد إلى ما الموصولة التى هى اسم إن، وإله خبر مبتدأ، والجملة صلة ما، وواحد خبر إن الذى هو إله يكون واحداً، ولا يكون متعدداً. الرابع: قوله: {وإننى برئ مما تشركون} وينبغى لمن أسلم من الشرك أن يقول بعد الجمل ثلاث: وأبرأ من الأصنام التى يشركها المشركون، ومن إشراك غير الله به، ومن كل دين سوى دين الإسلام.

الالوسي

تفسير : {قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً} روى الكلبـي أن كفار مكة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد أما وجد الله تعالى رسولاً غيرك ما نرى أحداً يصدقك فيما تقول ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله فنزلت. وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاء النحام بن زيد وقردم بن كعب وبحري بن عمرو فقالوا: يا محمد ما تعلم مع الله إلٰهاً غيره؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : لا إله إلا الله تعالى بذلك بعثت وإلى ذلك أدعو " تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية، والأول: أوفق بأول الآية والثاني: بآخرها. فأي مبتدأ و {أَكْبَرَ} خبره و {شَهَادَةً} تمييز. والشيء في اللغة ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، فقد ذكر سيبويه في الباب المترجم بباب مجاري أواخر الكلم وإنما يخرج التأنيث من التذكير ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى والشيء مذكر انتهى. وهل يطلق على الله تعالى أم لا؟ فيه خلاف فمذهب الجمهور أنه يطلق عليه سبحانه فقال: شيء لا كالأشياء واستدلوا على ذلك بالسؤال والجواب الواقعين في هذه الآية وبقوله سبحانه: { أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] حيث إنه استثنى من (كل شيء) الوجه وهو بمعنى الذات عندهم وبأنه أعم الألفاظ فيشمل الواجب والممكن. ونقل الإمام «أن جهماً أنكر صحة الإطلاق محتجاً بقوله تعالى: { أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَاءُ ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأعراف: 180] فقال: لا يطلق عليه سبحانه إلا ما يدل على صفة من صفات الكمال والشيء ليس كذلك»، وفي «المواقف وشرحه» الشيء عند الأشاعرة يطلق على الموجود فقط فكل شيء عندهم موجود وكل موجود شيء، ثم سيق فيهما مذاهب الناس فيه ثم قيل: والنزاع لفظي متعلق بلفظ الشيء وأنه على ماذا يطلق، والحق ما ساعد عليه اللغة والنقل إذ لا مجال للعقل في إثبات اللغات. والظاهر معنا فأهل اللغة في كل عصر يطلقون لفظ الشيء على الموجود حتى لو قيل عندهم الموجود شيء تلقوه بالقبول، ولو قيل: ليس بشيء تلقوه بالإنكار. ونحو قوله سبحانه: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} بنفي إطلاقه بطريق الحقيقة على المعدوم لأن الحقيقة لا يصح فيها انتهى. وفي «شرح المقاصد» أن البحث في أن المعدوم شيء حقيقة أم لا لغوي يرجع فيه إلى النقل والاستعمال وقد وقع فيه اختلافات نظراً إلى الاستعمالات. فعندنا هو اسم للموجود لما نجده شائع الاستعمال في هذا المعنى ولا نزاع في استعماله في المعدوم مجازاً ثم قال: وما نقل عن أبـي العباس أنه اسم للقديم وعن الجهمية أنه اسم للحادث، وعن هشام أنه اسم للجسم فبعيد جداً من جهة أنه لا يقبله أهل اللغة انتهى. وفي ذلك كله بحث فإن دعوى الأشاعرة التساوي بين الشيء والموجود لغة أو الترادف كما يفهم مما تقدم من الكليتين ليس لها دليل يعول عليه. وقوله: إن أهل اللغة في كل عصر الخ إنما يدل على أن كل موجود شيء، وأما أن كل ما يطلق عليه لفظ الشيء حقيقة لغوية موجود فلا دلالة فيه عليه إذ لا يلزم من أن يطلق على الموجود لفظ شيء دون لا شيء أن يختص الشيء لغة بالموجود لجواز أن يطلق الشيء على المعدوم والموجود حقيقة لغوية / مع اختصاص الموجود بإطلاق الشيء دون اللاشيء. وإنكار أهل اللغة على من يقول: الموجود ليس بشيء لكونه سلباً للأعم عن الأخص وهو لا يصح لا لكونهما مترادفين أو متساويين. وقد أطلق على المعدوم الخارجي كتاباً وسنة فقد قال الله تعالى: { أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ } تفسير : [الكهف: 23-24] وقال سبحانه: { أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40]. وأخرج الطبراني عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سأله رجل فقال: « حديث : إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجري يقول: لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن » تفسير : ونحوه عن معاذ بن جبل والأصل في الإطلاق الحقيقة فلا يعدل عنها إلا إذا وجد صارف وشيوع الاستعمال لا يصلح أن يكون صارفاً بعد صحة النقل عن سيبويه. ولعل سبب ذلك الشيوع أن تعلق الغرض في المحاورات بأحوال الموجودات أكثر لا لاختصاص الشيء بالموجود لغة. وقوله تعالى: { أية : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 9] إنما يلزم منه نفي إطلاقه بطريق الحقيقة على المعدوم وهو يضرنا لو كان المدعى تخصيص إطلاق الشيء لغة بالمعدوم وليس كذلك، فإن التحقيق عندنا أن الشيء بمعنى المشيء العلم به والإخبار عنه وهو مفهوم كلي يصدق على الموجود والمعدوم الواجب والممكن وتخصيص إطلاقه ببعض أفراده عند قيام قرينة لا ينافي شموله لجميع أفراده حقيقة لغوية عند انتفاء قرينة مخصصة وإلا لكان شموله للمعدوم والموجود معاً في قوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } تفسير : [الحجرات: 16] جمعاً بين الحقيقة والمجاز وهي مسألة خلافية ولا خلاف في الاستدلال على عموم تعلق علمه تعالى بالأشياء مطلقاً بهذه الآية فهو دليل على أن شموله للمعدوم والموجود معاً حقيقة لغوية، وذكر بعض الأجلة بعد زعمه اختصاص الشيء بالموجود أنه في الأصل مصدر استعمل بمعنى شاء أو مشيء فإن كان بمعنى شاء صح إطلاقه عليه تعالى وإلا فلا وأنت تعلم أنه على ما ذكرنا من التحقيق لا مانع من إطلاق الشيء عليه تعالى من غير حاجة إلى هذا التفصيل لأنه بمعنى المشيء العلم به والإخبار عنه فيكون إطلاق الشيء بهذا المعنى عليه عز وجل كإطلاق المعلوم مثلاً، ومعنى {أَكْبَرُ شَهَـٰدةً } أعظم وأصدق. {قُلِ ٱللَّهُ } أمر له صلى الله عليه وسلم أن يتولى الجواب بنفسه هو عليه الصلاة والسلام لما مر قريباً. والاسم الجليل مبتدأ محذوف الخبر أي الله أكبر شهادة، وجوز العكس. ومذهب سيبويه أنه إذا كانت النكرة اسم استفهام أو أفعل تفضيل تقع مبتدأ يخبر عنه بمعرفة، وقوله سبحانه: {شَهِيدٌ} خبر مبتدأ محذوف أي هو سبحانه شهيد {بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} فهو ابتداء كلام، وجوز أن يكون خبر {ٱللَّهِ } والمجموع على ما ذهب إليه الزمخشري هو الجواب لدلالته على أن الله عز وجل إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم فأكبر شيء شهادة شهيد له، ونقل في «الكشف» أنه إن جعل تمام الجواب عند قوله سبحانه: {ٱللَّهِ} فهو للتسلق من إثبات التوحيد إلى إثبات النبوة بأن هذا الشاهد الذي لا أصدق منه شهد لي بإيحاء هذا القرآن. وإن جعل الكلام بمجموعه الجواب فهو من الأسلوب الحكيم لأن الوهم لا يذهب إلى أن هذا الشاهد يحتمل أن يكون غيره تعالى بل الكلام في أنه يشهد لنبوته أولاً فليفهم. {وَأُوحِىَ إِلَىَّ } من قبله تعالى {هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ } العظيم الشاهد بصحة رسالتي {لأنذِرَكُمْ بِهِ} بما فيه من الوعيد. واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة لأنه / المناسب للمقام، وقيل: إن الكلام مع الكفار وليس فيهم من يبشر. وفي «الدر المصون» أن الكلام على حد { أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] {وَمَن بَلَغَ} عطف على ضمير المخاطبين أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه القرآن ووصل إليه من الأسود والأحمر أو من الثقلين أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن سيوجد إلى يوم القيامة. قال ابن جرير: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم. وأخرج أبو نعيم وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : من بلغه القرآن فكأنما شافهته » تفسير : واستدل بالآية على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله ومن سيوجد بعد إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها. واختلف في ذلك هو بطريق العبارة في الكل أو بالإجماع في غير الموجودين وفي غير المكلفين. فذهب الحنابلة إلى الأول والحنفية إلى الثاني وتحقيقه في الأصول. وعلى أن من لم يبلغه القرآن غير مؤاخذ بترك الأحكام الشرعية، ويؤيده ما أخرجه أبو الشيخ عن أبـي بن كعب قال: « حديث : أُتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى فقال لهم: هل دعيتم إلى الإسلام؟ فقالوا: لا فخلى سبيلهم ثم قرأ {وَأُوحِيَ إِلَيَّ} الآية » تفسير : وهو مبني على القول بالمفهوم كما ذهب إليه الشافعية، واعترض بأنه لا دلالة للآية على ذلك بوجه من الوجوه لأن مفهومها انتفاء الإنذار بالقرآن عمن لم يبلغه وذلك ليس عين انتفاء المؤاخذة وهو ظاهر ولا مستلزماً له خصوصاً عند القائلين بالحسن والقبح العقليين إلا أن يلاحظ قوله تعالى: { أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15] وفيه أن عدم استلزام انتفاء الإنذار بالقرآن لانتفاء المؤاخذة ممنوع، والحسن والقبح العقليان قد طوي بساط ردهما، وجوز أن يكون {مِنْ} عطفاً على الفاعل المستتر في (أنذركم) للفصل بالمفعول أي لأنذركم أنا بالقرآن وينذركم به من بلغه القرآن أيضاً، وروى الطبرسي ما يقتضيه عن العياشي عن أبـي جعفر وأبـي عبد الله رضي الله تعالى عنهما ولايخفى أنه خلاف المنساق إلى الذهن. {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءالِهَةً أُخْرَىٰ } جملة مستأنفة أو مندرجة في القول، والاستفهام للتقرير أو للإنكار، وقيل: لهما، وفيه جمع بين المعاني المجازية و {أُخْرَىٰ } صفة لآلهة. وصفة جمع ما لا يعقل ـ كما قال أبو حيان ـ كصفة الواحدة المؤنثة نحو { أية : مَآرِبُ أُخْرَىٰ } تفسير : [طه: 18] { أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَاءُ ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأعراف: 180] ولما كانت الآلهة حجارة وخشباً مثلاً أجريت هذا المجرى تحقيراً لها {قُلْ } لهم {لاَّ أَشْهَدُ } بذلك وإن شهدتم به فإنه باطل صرف. {قُلْ } تكرير للأمر للتأكيد {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ } أي بل إنما أشهد أنه تعالى لا إله إلا هو. و (ما) كافة. وجوز أبو البقاء ـ وزعم أنه الأليق بما قبله ـ كونها موصولة ويبعده كونها موصولة وعليه يكون {وٰحِدٌ } خبراً وهو خلاف الظاهر. {وَإِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } من الأصنام أو من إشراككم.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من الاستدلال على إثبات ما يليق بالله من الصفات، إلى إثبات صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى جعْللِ الله حكماً بينه وبين مكذّبيه، فالجملة استئناف ابتدائي، ومناسبة الانتقال ظاهرة. روى الواحدي في «أسباب النزول» عن الكلبي: أنّ رؤساء مكّة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً مصدّقَك بما تقول، وقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس عندهم ذكرُك ولا صفتك فأرِنا من يشهد أنّك رسول الله. فنزلت هذه الآية. وقد ابتدئت المحاورة بأسلوب إلقاء استفهام مستعمل في التقرير على نحو ما بيّنته عند قوله تعالى: {أية : قل لمن ما في السماوات والأرض}تفسير : [الأنعام: 12] ومثل هذا الأسلوب لإعداد السامعين لتلقّي ما يرد بعد الاستفهام. و(أي) اسم استفهام يطلب به بيان أحد المشتركات فيما أضيف إليه هذا الاستفهام، والمضاف إليه هنا هو {شيء} المفسّر بأنَّه من نوع الشهادة. و{شَيء} اسم عامّ من الأجناس العالية ذات العموم الكثير، قيل: هو الموجود، وقيل: هو ما يعلم ويصحّ وجوده. والأظهر في تعريفه أنّه الأمر الذي يعلم. ويجري عليه الإخبار سواء كان موجوداً أو صفة موجود أو معنى يتعقّل ويتحاور فيه، ومنه قوله تعالى: {أية : فقال الكافرون هذا شيء عجيب أإذا متنا وكنّا تراباً ذلك رجْع بعيد}تفسير : [ق: 2، 3]. وقد تقدّم الكلام على مواقع حسن استعمال كلمة (شيء) ومواقع ضعفها عند قوله تعالى: {أية : ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع}تفسير : في سورة [البقرة: 155]. {وأكبَرُ} هنا بمعنى أقوى وأعدل في جنس الشهادات، وهو من إطلاق ما مدلوله عظم الذات على عظم المعنى، كقوله تعالى: {أية : ورضوان من الله أكبر}تفسير : [التوبة: 72] وقوله: {أية : قل قتال فيه كبير} تفسير : . وقد تقدّم في سورة [البقرة: 217]. وقوة الشهادة بقوة اطمئنان النفس إليها وتصديق مضمونها. وقوله: {شهادة} تمييز لنسبة الأكبرية إلى الشيء فصار ماصْدق الشيء بهذا التمييز هو الشهادة. فالمعنى: أيّة شهادة هي أصدق الشهادات، فالمستفهم عنه بِــ {أي} فرد من أفراد الشهادات يطلب عِلم أنَّه أصدق أفراد جنسه. والشهادة تقدّم بيانها عند قوله تعالى: {أية : شهادة بينكم}تفسير : في سورة [المائدة: 106]. ولمّا كانت شهادة الله على صدق الرسول غير معلومة للمخاطبين المكذّبين بأنّه رسول الله، صارت شهادة الله عليهم في معنى القسم على نحو قوله تعالى: {أية : ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الكاذبين}تفسير : [النور: 8] أي أن تُشهد الله على كذب الزوج، أي أن تحلف على ذلك بسم الله، فإنّ لفظ (أشهد الله) من صيغ القسم إلاّ أنّه إن لم يكن معه معنى الإشهاد يكون مجازاً مرسلاً، وإن كان معه معنى الإشهاد كما هنا فهو كناية عن القسم مراد منه معنى إشهاد الله عليهم، وبذلك يظهر موقع قوله: {الله شهيد بيني وبينكم}، أي أشهده عليكم. وقريب منه ما حكاه الله عن هود {أية : قال إنّي أشهد الله}تفسير : [هود: 54]. وقوله: {قل الله شهيد بيني وبينكم} جواب للسؤال، ولذلك فصلت جملته المصدّرة بــ {قل}. وهذا جواب أمر به المأمور بالسؤال على معنى أن يسأل ثم يبادر هو بالجواب لكون المراد بالسؤال التقرير وكون الجواب ممّا لا يسع المقرّر إنكاره، على نحو ما بيّنّاه في قوله: {أية : قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله}تفسير : [الأنعام: 12] ووقع قوله: {الله شهيد بيني وبينكم} جواباً على لسانهم لأنّه مرتّب على السؤال وهو المقصود منه فالتقدير: قل شهادة الله أكبر شهادة، فالله شهيد بيني وبينكم، فحذف المرتّب عليه لدلالة المرتّب إيجازاً كما هو مقتضى جزالة أسلوب الإلجاء والجدل. والمعنى: أنّي أشهد الله الذي شهادته أعظم شهادة أنّني أبلغتكم أنّه لا يرضى بأن تشركوا به وأنذرتكم. وفي هذه الآية ما يقتضي صحة إطلاق اسم (شيء) على الله تعالى لأنّ قوله: {الله شهيد} وقع جواباً عن قوله: {أي شيء} فاقتضى إطلاق اسم (شيء) خبراً عن الله تعالى وإن لم يدلّ صريحاً. وعليه فلو أطلقه المؤمن على الله تعالى لما كان في إطلاقه تجاوز للأدب ولا إثم. وهذا قول الأشعرية خلافاً لجهم بن صفوان وأصحابه. ومعنى: {شهيد بيني وبينكم} أنّه لمّا لم تنفعهم الآيات والنذر فيرجعوا عن التكذيب والمكابرة لم يبق إلاّ أن يكلهم إلى حساب الله تعالى. والمقصود: إنذارهم بعذاب الله في الدنيا والآخرة. ووجه ذكر {بيني وبينكم} أنّ الله شهيد له، كما هو مقتضى السياق. فمعنى البيْن أنّ الله شهيد للرسول صلى الله عليه وسلم بالصدق لردّ إنكارهم رسالته كما هو شأن الشاهد في الخصومات. وقوله: {وأوحي إليّ هذا القرآن} عطف على جملة {الله شهيد بيني وبينكم}، وهو الأهمّ فيما أقسم عليه من إثبات الرسالة. وينطوي في ذلك جميع ما أبلغهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما أقامه من الدلائل. فعطف {وأوحي إلي هذا القرآن} من عطف الخاصّ على العامّ، وحُذف فاعل الوحي وبني فعله للمجهول للعلم بالفاعل الذي أوحاه إليه وهو الله تعالى. والإشارة بــ {هذا القرآن} إلى ما هو في ذهن المتكلّم والسامع. وعطف البيان بعد اسم الإشارة بيَّن المقصود بالإشارة. واقتصر على جعل علّة نزول القرآن للنذارة دون ذكر البشارة لأنّ المخاطبين في حال مكابرتهم التي هي مقام الكلام لا يناسبهم إلاّ الإنذار، فغاية القرآن بالنسبة إلى حالهم هي الإنذار، ولذلك قال {لأنذركم به} مصرَّحاً بضمير المخاطبين. ولم يقل: لأنذر به، وهم المقصود ابتداء من هذا الخطاب وإن كان المعطوف على ضميرهم ينذر ويبشّر. على أنّ لام العلّة لا تؤذن بانحصار العلّة في مدخولها إذ قد تكون للفعل المعدّى بها علل كثيرة. {ومن بلغ} عطف على ضمير المخاطبين، أي ولأنذر به من بلغه القرآن وسمعه ولو لم أشافهه بالدعوة، فحذف ضمير النصب الرابط للصلة لأنّ حذفه كثير حسن، كما قال أبو علي الفارسي. وعموم {مَن} وصلتها يشمل كلّ من يبلغه القرآن في جميع العصور. {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. جملة مستأنفة من جملة القول المأمور بأن يقوله لهم. فهي استئناف بعد جملة {أيّ شيء أكبر شهادة}. خصّ هذا بالذكر لأنّ نفي الشريك لله في الإلهية هو أصل الدعوة الإسلامية فبعد أن قرّرهم أنّ شهادة الله أكبر شهادة وأشهد الله على نفسه فيما بلّغ، وعليهم فيما أعرضوا وكابروا؛ استأنف استفهاماً على طريقة الإنكار استقصاء في الإعذار لهم فقال: أتشهدون أنتم على ما أصررتم عليه أنّ مع الله آلهة أخرى كما شهدت أنا على ما دعوتكم إليه، والمقرّر عليه هنا أمر ينكرونه بدلالة المقام. وإنّما جعل الاستفهام المستعمل في الإنكار عن الخبر الموكّد بــ (إنّ) ولام الابتداء ليفيد أنّ شهادتهم هذه ممَّا لا يكاد يصدَّق السامعون أنّهم يشهدونها لاستبعاد صدورها من عقلاء، فيحتاج المخبر عنهم بها إلى تأكيد خبره بمؤكّديْن فيقول: إنّهم ليشهدون أنّ مع الله آلهة أخرى، فهنالك يحتاج مخاطبهم بالإنكار إلى إدخال أداة الاستفهام الإنكاري على الجملة التي من شأنها أن يحكى بها خبرهم، فيفيد مثلُ هذا التركيب إنكارين: أحدهما صريح بأداة الإنكار، والآخر كنائي بلازم تأكيد الإخبار لغرابة هذا الزعم بحيث يشكّ السامع في صدوره منهم. ومعنى {لتشهدون} لتدّعونا دعوى تحقَّقونها تحقيقاً يشبه الشهادة على أمر محقّق الوقوع، فإطلاق {تشهدون} مشاكلة لقوله {قل الله شهيد بيني وبينكم}. والآلهة جمع إله، وأجري عليه الوصف بالتأنيث تنبيهاً على أنّها لا تعقل فإنّ جمع غير العاقل يكون وصفه كوصف الواحدة المؤنّثة. وقوله: {قل لا أشهد} جواب للاستفهام الذي في قوله: {أإنّكم لتشهدون} لأنّه بتقدير: قل أإنّكم، ووقعت المبادرة بالجواب بتبرّىء المتكلّم من أن يشهد بذلك لأنّ جواب المخاطبين عن هذا السؤال معلوم من حالهم أنّهم مقرّون به فأعرض عنهم بعد سؤالهم كأنّه يقول: دعْنا من شهادتكم وخذوا شهادتي فإنّي لا أشهد بذلك. ونظير هذا قوله تعالى: {أية : فإن شهدوا فلا تشهد معهم}تفسير : [الأنعام: 15]. وجملة: {قل إنّما هو إله واحد} بيان لجملة {لا أشهد} فلذلك فصلت لأنّها بمنزلة عطف البيان، لأنّ معنى لا أشهد بأنّ معه آلهة هو معنى أنّه إله واحد، وأعيد فعل القول لتأكيد التبليغ. وكلمة {إنّما} أفادت الحصر، أي هو المخصوص بالوحدانية: ثم بالغ في إثبات ذلك بالتبرّىء من ضدّه بقوله: {وإنّني بريء ممَّا تشركون}. وفيه قطع للمجادلة معهم على طريقة المتاركة. و(ما) في قوله: {ممّا تشركون} يجوز كونها مصدرية، أي من إشراككم. ويجوز كونها موصولة، وهو الأظهر، أي من أصنامكم التي تشركون بها، وفيه حذف العائد المجرور لأنّ حرف الجرّ المحذوف مع العائد متعيّن تقديره بلا لبس، وذلك هو ضابط جواز حذف العائد المجرور، كقوله تعالى: {أية : أنسجد لما تأمرنا}تفسير : [الفرقان: 60] أي بتعظيمه، وقوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر} أي بالجهر به. وظاهر كلام «التسهيل» أنّ هذا ممنوع، وهو غفلة من مؤلّفه اغترّ بها بعض شرّاح كتبه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ}. صرح في هذه الآية الكريمة بأنه صلى الله عليه وسلم منذر لكل من بلغه هذا القرآن العظيم كائناً من كان، ويفهم من الآية أن الإنذار به عام لكل من بلغه، وأن كل من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار، وهو كذلك. أما عموم إنذاره لكل من بلغه، فقد دلت عليه آيات أخر أيضاً كقوله {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} تفسير : [الأعراف: 158]، وقوله {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} تفسير : [سبأ: 28]، وقوله {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1]. وأما دخول من لم يؤمن به النار، فقد صرح به تعالى في قوله {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هود: 17]. وأما من لم تبلغه دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فله حكم أهل الفترة الذين لم يأتهم رسول، والله تعالى أعلم.

د. أسعد حومد

تفسير : {شَهَادةًْ} {ٱلْقُرْآنُ} {أَئِنَّكُمْ} {آلِهَةً} {وَاحِدٌ} (19) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَسْأَلَ كُفَّارَ قٌرَيشٍ عَنْ أَيِّ شَهَادَةٍ هِيَ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ، وَأَجْدَرُ بِأنْ تَكُونَ أَصَحَّ الشَّهَادَاتِ وَأَصْدَقَها؟ ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يُجِيبَ عَلَى هَذا السُّؤَالِ: بِأنَّ أَكْبَرَ الأَشْياءِ شَهَادَةً هُوَ مَنْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي شَهَادَتِهِ كَذِبٌ وَلاَ خَطَأٌ وَلاَ زُورٌ، وَهُوَ اللهُ تَعَالَى. وَهُوَ الشَّهِيدُ بَيْنِي وَبَيْنَكُم، وَهُوَ الذِي أَوْحَى إِليَّ هذا القُرْآنَ لأُِنْذِرَكُمْ بِهِ عِقَابَهُ عَلَى تَكْذِيبِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ، مُؤَيَّداً بِشَهَادَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَأُنْذِرَ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ هَذَا القُرْآنُ، لأَِنَّ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ فَهُوَ مَدْعُوٌّ إِلى اتِّبَاعِهِ حَتَّى تَقُومَ القِيَامَةُ. وَشَهَادَتُهُ تَعَالَى هِيَ شَهَادَةُ آياتِهِ فِي القُرْآنِ، وَآيَاتِهِ فِي الأَنْفُسِ وَالأَكْوَانِ، وَآيَاتِهِ فِي العَقْلِ وَالوِجْدَانِ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:حديث : بَلِّغُوا عَنِ اللهِ فَمَنْ بَلَغَتْهُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ فَقَدْ بَلَغَهُ أَمْرُ اللهِتفسير : ). ثُمَّ أَمَرَ تَعَالَى رَسُولَهُ بِأَنْ يَقُولَ لِهَؤلاءِ المُشْرِكِينَ: إِنْ كُنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى، فَأَنَا لاَ أَشْهَدُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ، خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وَخَضَعَ لَهُ كُلُّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْدَادِ وَالأَوْثَانِ. مَنْ بَلَغَ - مَنْ بَلَغَهُ القُرْآنُ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ.

الثعلبي

تفسير : {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} الآية. قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما وجد اللّه رسولاً غيرك وما نرى أحداً يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول اللّه كما تزعم، فأنزل اللّه {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} فإن أجابوك وإلاّ فقل {قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} على ما أقول {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ} وخوفكم يا أهل مكة {بِهِ وَمَن بَلَغَ} يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم. قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد (من) و(ما) فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت [أبرّ به] بمعنى أكرمته. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب اللّه فإن من بلغته آية من كتاب اللّه فقد بلغه أمر اللّه أخذه أو تركه ". تفسير : وقال الحسن بن صالح: سألت ليثاً: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة. قال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية. فقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له. وقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً (عليه السلام) وسمع منه {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ} ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى {أية : فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [طه: 51]. {قُل} يا محمد إن أشهدوكم أنتم {لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} يعني التوراة والإنجيل {يَعْرِفُونَهُ} يعني محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} أي من الصبيان. قال الكلبي: لما قدم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المدينة، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لعبيد اللّه بن سلام: إن اللّه قد أنزل على نبيّه {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد اللّه: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف إبني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد صلى الله عليه وسلم مني بإبني، قال: وكيف؟ قال: نعته اللّه عز وجل في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك اللّه يا ابن سلام {أَبْنَآءَهُمُ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ} غبنوا {أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل اللّه لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار {وَمَنْ أَظْلَمُ} أكفر. قال الحسن: فلا أحد أظلم { مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ} اختلق {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فأشرك به غيره {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} يعني القرآن. قال الحسن: كل ما في القرآن بآياتنا وآياته يعني به الدين بما فيه {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} الكافرون {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} العابدين والمعبودين {جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} إنما يشفع لكم عند ربكم {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة. {إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة اللّه عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد ويقولون {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فيقول اللّه تعالى لهم: {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} وتدعون أنهم شركائي ثم نختم على أفواههم وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ} زال وبطل {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الأصنام {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} الآية، قال: إجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأُبي إبنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته يعني الكعبة قال: ما أدري ما يقول إلاّ إنه يحرك لسانه ويقول: {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها. فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفياً، فقال أبو جهل: كلا فأنزل اللّه تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} وإلى كلامك {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} غشاوة وغطاء {أَن يَفْقَهُوهُ} يعلموه {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} ثقلاً وصماً {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} يعني حكاياتهم إسطورة وإسطارة. وقال بعض أهل اللغة: هي التُّرَّهّات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}. قال مقاتل: نزلت في أبي طالب وإسمه عبد مناف وذلك إن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو طالب: واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسّد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشر بذلك وقر منك عيونا ودعوتني وزعمت إنك ناصحي * ولقد صدقت وكنت ثم سببا وفرضت ديناً لا محالة إنه * من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحاً بذاك مبينا فأنزل اللّه تعالى {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي يمنعون الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويناؤن عنه أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وهم ينهون الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه. قال مجاهد: وهم ينهون عنه قريشاً ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه. وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم ويتباعدون عنه {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} إنما كذلك {وَلَوْ تَرَىٰ} يا محمد { إِذْ وُقِفُواْ} حبسوا {عَلَى ٱلنَّارِ} يعني في النار كقوله: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} تفسير : [البقرة: 102] يعني في ملك سليمان. وقرأ السميقع {إِذْ وُقِفُواْ} بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف. فقال: وقفت بنفسي وقوفاً ووقفتم وقفاً، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجباً {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قرأه العامة ويكون بالرفع على معنى يا ليتنا نرد ونحوَ لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين أردنا أم لم نرد. وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: ولا نكذب وتكون نصباً على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء. وقرأ ابن عامر: نرد ولا نكذب: بالرفع، ونكون: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين واخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا {بَلْ بَدَا} ظهر {لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ} يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم. وقال السدي إنهم قالوا: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فذلك إخفاؤهم {مِن قَبْلُ} فأنطق اللّه عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل {بَلْ بَدَا لَهُمْ} وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلاّ أن تجعل الآية في المنافقين. قال المبرد: بدا لهم (جزاء ما كانوا يخفون من قبل). وقال النضر بن شميل: معناه بل بدا (لعنهم)، ثم قال {وَلَوْ رُدُّواْ} إلى الدنيا {لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} من الكفر {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد اختلف الرسول صلى الله عليه وسلم مع القوم المناوئين له. والاختلاف يتطلب حكماً وبينة. والشهود هم إحدى البينات، فما بالنا والشاهد هو الله؟! إنه الشاهد والحكم والمنفذ. وشهادة الله لا تحايل فيها، وحكمه لا ظلم فيه، وإرادته لا تظلم عبداً مثقال ذرة، ولا شهادة - إذن - أكبر من شهادة الحق لرسوله بأنه رسول من الله. ولو شاء الحق لجعلكم كلكم مؤمنين، لكنه أراد للإنسان الاختيار. وحنان الرسول صلى الله عليه وسلم على البشر هو الذي جعله يتمنى إيمانهم، لكن الحق يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 3-4]. أي أن الحق يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشفق على نفسه وألاّ يقتلها بالحزن عليهم لعنادهم وعدم إيمانهم. ولو أراد الحق لجعلهم جميعاً مؤمنين بآية منه؛ فمهمة الرسول هي البلاغ فقط. ولو شاء الحق لقهر الخلق جميعاً على الإيمان به كما سخّر الكون ليخدم الإنسان وليسبح الكون بحمد الله. لكنه سبحانه ترك للخلق الاختيار حتى يأتي إيمانهم مثبتاً صفة المحبوبية لله؛ لأن إيمان المختار هو الذي يثبت تلك المحبوبية. والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو نذير وبشير بهذا القرآن المُنزَّل عليه بالوحي. والنذارة تأتي هنا لأن المجال مجال شهادة؛ لأن الشهادة إنما تكون على خلاف، فهو صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإيمان، والمناوئون له يدعون إلى الكفر وإلى الشرك، وشهادة الله أكبر من كل شهادة أخرى. لذلك يقرر الحق هنا بأن الرسول نذير بالقرآن. وهذا خطاب موجه لتبليغ المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولَمن وصله بعد ذلك أي شيء من القرآن، فكأنه قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ووصله البلاغ عنه. فقد قال - سبحانه -: {وَمَن بَلَغَ} أي لأنذركم به وأنذر كل من بلغه القرآن من البشر جميعاً. ويوجه الحق على لسان رسوله سؤالاً استنكارياً للمناوئين فيقول: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ}. إنه سؤال من سائل يثق أن من يسمع سؤاله لا بد أن ينفي وجود آلهة أخرى غير الله. إنه سؤال يستنبط الإقرار من سامعه. والمثال على هذا ما عرضه الحق على رسوله من أمر قد حدث في عام ميلاده فيقول: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ما حدث في عام الفيل؛ لأنه عام ميلاده، ولكن حين يخبره الله بذلك فمعنى هذا أنه بلاغ عن الله، والبلاغ عن الله يجعل الخبر القادم منه فوق الرؤية وأوثق وأكد منها. وهنا يأتي السؤال الاستنكاري: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ}. وعندما أعجزهم هذا السؤال في بعض مراحل الدعوة قال بعضهم: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3]. وكأنهم أخيراً يعترفون أن المتقرَّب إليه هو الله، ولكن الحق يحسم أمر الشرك فيقول على لسان رسوله: {قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يشهد بأي آلهة غير الله، وألقى إليهم السؤال الاستنكاري لعلهم يديرون رءوسهم ليهتدوا إلى صحيح الإجابة التي يوجزها الحق في قوله للرسول: {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. إن الكلام هنا موجه إلى فئة من المناوئين لرسول الله من عبدة الأوثان، وهم بعض من الكافرين برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبعض الآخر هم بعض من أهل الكتاب، هؤلاء الذين تغافلوا عن الكتب المنزلة إليهم، وغابت عنهم الخمائر الإيمانية التي كانت ترد العاصي عن معصيته، فانتشر الفساد في الكون. لذلك أرسل الحق رسوله صلى الله عليه وسلم لأن العاصي لم يجد من يرده، واختفت من المجتمع في ذلك الوقت النفس اللوامة، وسادت فيه النفس الأمارة بالسوء. إن الحق سبحانه لم يترك أمر الرسول غائباً عن البشر، فقد كان الرسول في كل أمةٍ ينبئ ويخبر عن الرسول الذي يليه حتى يستعد الناس لاستقبال النذير والبشير، ولذلك كانت كل الرسالات تتنبأ بالرسل القادمين حتى لا يظنوا أن مدّعيا اقتحم عليهم قداسة دينهم، ولأن الإسلام جاء ديناً عاماً، فلم يأت الخبر فقط بمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة، ولكن جاءت أوصافه وسماته أيضاً واضحة وبيّنه فيها. إن الذين قرأوا هذه الأوصاف لو أخرجوا أنفسهم عن سلطتهم الزمنية لآمنوا على الفور برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما فعل "عبدالله بن سلام" رضي الله عنه حين قال: لقد عرفته حين رأيته وعرفته كابني، ومعرفتي لمحمد أشد ونسي هؤلاء أنهم هم الذين نُصروا برسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يدروا؛ فقد كانوا يستفتحون به على الأوس والخزرج، وقالوا للأوس والخزرج: قَرُب مجيء نبي منكم سنؤمن به ونتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. وأسرع الأوس والخزرج للإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم قائلين: لعل هذا هو النبي الذي توعدتنا به يهود، هيا نسبق إليه. إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتحم العالم بهذا الدين، بل عَرَفَ نبأ مقدمه وبعثه وصورته ونعته كلُّ من له صلة بكتاب من كتب السماء. إنهم يعلمون أنه الرسول الخاتم الذي ختمت به أخبار السماء إلى الأرض. ولذلك يقول الحق سبحانه: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ ...}

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما أفاض جلّ ذكره في إِقامة الدلائل والبراهين على قدرته ووحدانيته من أول السورة الكريمة ذكر هنا شهادته تعالى على صدق نبوة محمد عليه السلام ثم ذكر موقف الجاحدين للقرآن المكذبين للوحي، وحسرتهم الشديدة يوم القيامة. اللغَة: {لأُنذِرَكُمْ} الإِنذار: إِخبار فيه تخويف {فِتْنَتُهُمْ} الفتنة الاختبار {أَكِنَّةً} جمع كِنان وهو الغطاء {وَقْراً} ثقلاً يقال وقرت أذنه إِذا ثقلت أو صُمّت {أَسَاطِيرُ} خرافات وأباطيل جمع أسطورة قال الجوهري الأساطير: الأباطيل والتُّرهات {يَنْأَوْنَ} يبعدون يقال نأى عنه إِذا ابتعد {بَغْتَةً} فجأة يقال: بغته إِذا فَجَأَه {فَرَّطْنَا} فرّط: قصّر مع القدرة على ترك التقصير قال أبو عبيد: فرَّط: ضيّع {أَوْزَارَهُمْ} ذنوبهم جمع وزر {يَزِرُونَ} يحملون {لَهْوٌ} اللهو: صرف النفس عن الجدّ إِلى الهزل، وكل ما شغلك فقد ألهاك. سَبَبُ النّزول: أ - روي أن رؤساء مكة قالوا يا محمد: ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكرٌ ولا صفةٌ فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم؟ فأنزل الله {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً؟ قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ..} الآية. ب - عن ابن عباس أن "أبا سفيان" و "الوليد بن المغيرة" و "النضر بن الحارث" جلسوا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ فقال أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية فأنزل الله {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ..} الآية. ج - روي أن "الأَخنْس بن شُريق" التقى بـ "أبي جهل بن هشام" فقال له: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادقٌ هو أم كاذب؟ فإِنه ليس عندنا أحدٌ غيرنا فقال أبو جهل: والله إِن محمداً لصادق وما كذب قط، ولكن إِذا ذهب "بنو قصيّ" باللواء، والسقاية، والحجابة، والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ..} الآية. التفسِير: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} أي قل لهم يا محمد أي شيء أعظم شهادة حتى يشهد لي بأني صادقٌ في دعوى النبوة؟ {قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي أجبهم أنت وقل لهم الله يشهد لي بالرسالة والنبوة وكفى بشهادة الله لي شهادة قال ابن عباس: قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل لهم أي شيء أكبر شهادة فإِن أجابوك وإِلاّ فقل لهم الله شهيد بيني وبينكم {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} أي وأوحي إِليَّ هذا القرآن لأنذركم به يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم إِلى يوم القيامة قال ابن جزيّ: والمقصودُ بالآية الاستشهاد بالله - الذي هو أكبر شهادة - على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهادة الله بهذا هي علمه بصحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإِظهار معجزته الدالة على صدقه {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ} استفهام توبيخ أي أئنكم أيها المشركون لتقرون بوجود آلهة مع الله؟ فكيف تشهدون أن مع الله آلهة أُخرى بعد وضوح الأدلة وقيام الحجة على وحدانية الله؟ {قُل لاَّ أَشْهَدُ} أي قل لهم لا أشهد بذلك {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي قل يا محمد إِنما أشهد بأن الله واحد أحدٌ، فرد صمد {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} أي وأنا بريء من هذه الأصنام، ثم ذكر تعالى أن الكفار بين جاهل ومعاند فقال {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} يعني اليهود والنصارى الذين عرفوا وعاندوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم بحليته ونعته على ما هو مذكور في التوراة والإِنجيل كما يعرف الواحد منهم ولده لا يشك في ذلك أصلاً قال الزمخشري: وهذا استشهادٌ لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب وبصحة نبوته {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي أولئك هم الخاسرون لأنهم لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد وضوح الآيات {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} الاستفهام إِنكاري ومعناه النفي أي لا أحد أظلم ممن اختلق على الله الكذب أو كذّب بالقرآن والمعجزات الباهرة وسمّاها سحراً قال أبو السعود: وكلمة {أَوْ} للإِيذان بأن كلاً من الافتراء والتكذيب وحده بالغٌ غاية الإِفراط في الظلم، فكيف وهم قد جمعوا بينهما فأثبتوا ما نفاه الله ونفوا ما أثبته! قاتلهم الله أنّى يؤفكون {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} أي لا يفلح المفتري ولا المكذّب وفيه إِشارة إِلى أن مدّعي الرسالة لو كان كاذباً لكان مفترياً على الله فلا يكون محلاً لظهور المعجزات {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي اذكر يوم نحشرهم جميعاً للحساب ونقول لهم على رءوس الأشهاد {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي أين آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله؟ قال البيضاوي: والمراد من الاستفهام التوبيخ و {تَزْعُمُونَ} أي تزعمونهم آلهة وشركاء مع الله فحذف المفعولان ولعله يحال بينهم وبين آلهتهم حينئذٍ ليفقدوها في الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها قال ابن عباس: كل زعم في القرآن فهو كذب {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال ورأوا الحقائق {إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} أي أقسموا كاذبين بقولهم والله يا ربنا ما كنا مشركين قال القرطبي: تبرءوا من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين قال ابن عباس: يغفر الله لأهل الإِخلاص ذنوبهم فإِذا رأى المشركون ذلك قالوا تعالوا نقول: إِنّا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين، فيختم على أفواههم وتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أي انظر يا محمد كيف كذبوا على أنفسهم بنفي الإِشراك عنها أمام علاّم الغيوب، وهذا للتعجيب من كذبهم الصريح {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي تلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم وغاب عنهم ما كانوا يفترونه على الله من الشركاء، ثم وصف تعالى حال المشركين حين استماع القرآن فقال {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} أي ومن هؤلاء المشركين من يصغي إِليك يا محمد حين تتلو القرآن {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} أي جعلنا على قلوبهم أغطية لئلا يفقهوا القرآن {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} أي ثقلاًَ وصمماً يمنع من السمع قال ابن جزي: والمعنى أن الله حال بينهم وبين فهم القرآن إِذا استمعوه وعبّر بالأكنَّة والوقر مبالغة {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} أي مهما رأوا من الآيات والحجج البيّنات لا يؤمنوا بها لفرط العناد {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي بلغوا من التكذيب والمكابرة إِلى أنهم إِذا جاءوك مجادلين يقولون عن القرآن ما هذا إلا خرافات وأباطيل الأولين {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي هؤلاء المشركون المكذبون ينهون الناس عن القرآن وعن اتباع محمد عليه السلام ويُبعدون هم عنه {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} أي وما يهلكون بهذا الصنيع إِلا أنفسهم وما يشعرون بذلك قال ابن كثير: فهم قد جمعوا بين الفعلين القبيحين لا ينتفعون ولا يدعون أحداً ينتفع ولا يعود وباله إِلا عليهم وما يشعرون {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} أي لو ترى يا محمد هؤلاء المشركين إِذ عرضوا على النار لرأيت أمراً عظيماً تشيب لهوله الرءوس قال البيضاوي: وجواب {لَوْ} محذوف تقديره لرأيت أمراً شنيعاً وإِنما حذف ليكون أبلغ ما يقدره السامع {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا} أي تمنّوا الرجوع إِلى الدنيا ليعملوا عملاً صالحاً ولا يكذبوا بآيات الله {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي إِذا رجعنا إِلى الدنيا نصدّق ونؤمن بالله إِيماناً صادقاً فتمنوا العودة ليصلحوا العمل ويتداركوا الزلل قال تعالى ردّاً لذلك التمني {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} أي ظهر لهم يوم القيامة ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم وقبائحهم فتمنوا ذلك {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي لو ردّوا - على سبيل الفرض لأنه لا رجعة إلى الدنيا بعد الموت - لعادوا إلى الكفر والضلال وإِنهم لكاذبون في وعدهم بالإِيمان {وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} أي قال أولئك الكفار الفجار ما هي إِلا هذه الحياة الدنيا ولا بعث ولا نشور {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} أي لو ترى حالهم إِذ حُبسوا للحساب أمام رب الأرباب كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده للعقاب، وجواب {لَوْ} محذوف للتهويل من فظاعة الموقف {قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} أي أليس هذا المعاد بحق؟ والهمزة للتقريع على التكذيب {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا} أي قالوا بلى والله إِنه لحق {قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون} أي ذوقوا العذاب بسبب كفركم في الدنيا وتكذيبكم رسل الله، ثم أخبر تعالى عن هؤلاء الكفار فقال {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} أي لقد خسر هؤلاء المكذبون بالبعث {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} أي حتى إِذا جاءتهم القيامة فجأةً من غير أن يعرفوا وقتها قال القرطبي: سميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها {قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} أي قالوا يا ندامتنا على ما قصَّرنا وضيّعنا في الدنيا من صالح الأعمال {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} أي والحال أنهم يحملون أثقال ذنوبهم على ظهورهم قال البيضاوي: وهذا تمثيلٌ لاستحقاقهم آصار الآثام وقال {عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، قال ابن جزي: وهذا كناية عن تحمل الذنوب، وقيل إِنهم يحملونها على ظهورهم حقيقة فقد رُوي أن الكافر يركبه عمله بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله بعد أن يتمثل له في أحسن صورة {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} أي بئس ما يحملونه من الأوزار {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} أي باطل وغرور لقصر مدتها وفناء لذتها {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي الآخرة وما فيها من أنواع النعيم خير لعباد الله المتقين من دار الفناء لأنها دائمة لا يزول عنهم نعيمها ولا يذهب عنهم سرورها {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أفلا تعقلون أن الآخرة خير من الدنيا؟ ثم سلَّى تعالى نبيه لتكذيب قومه له فقال {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ} أي قد أحطنا علماً بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم قال الحسن: كانوا يقولون إِنه ساحر وشاعر وكاهن ومجنون {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} أي فإنهم في دخيلة نفوسهم لا يكذبونك بل يعتقدون صدقك ولكنهم يجحدون عن عناد فلا تحزن لتكذيبهم قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب فى شىء ولكنهم كانوا يجحدون فكان أبو جهل يقول: ما نكذبك يا محمد وإِنك عندنا لمصدّق وإِنما نكذّب ما جئتنا به {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ} أي صبروا على ما نالهم من قومهم من التكذيب والاستهزاء {وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} أي وأُوذوا في الله حتى نصرهم الله، وفي الآية إِرشادٌ إِلى الصبر، ووعدٌ له بالنصر {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} قال ابن عباس: أي لمواعيد الله، وفي هذا تقوية للوعد {وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي ولقد جاءك بعض أخبار المرسلين الذين كُذّبوا وأُوذوا كيف أنجيناهم ونصرناهم على قومهم فتسلَّ ولا تحزن فإِن الله ناصرك كما نصرهم {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} أي إِن كان إِعراضهم عن الإِسلام قد عظم وشقّ عليك يا محمد {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ} أي إِن قدرت أن تطلب سرَباً ومسكناً في جوف الأرض {أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} أي مصعداً تصعد به إِلى السماء فتأتيهم بآيةٍ ممّا اقترحوه فافعل {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} أي لو أراد الله لهداهم إِلى الإِيمان فلا تكوننَّ يا محمد من الذين يجهلون حكمة الله ومشيئته الأزلية. البَلاَغَة: 1- {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} فيه تشبيه يسمى "المرسل المجمل". 2- {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} فيه إيجاز بالحذف أي تزعمونهم شركاء. 3- {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ} الصيغة للتعجيب من كذبهم الغريب. 4- {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} عبَّر بالأكنة في القلوب والوقر في الآذان وهو تمثيل بطريق الاستعارة لإِعراضهم عن القرآن. 5- {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} وضع الظاهر موضع الضمير لتسجيل الكفر عليهم. 6- {يَنْهَوْنَ وَيَنْأَوْنَ} بينهما من المحسنات البديعية الجناس الناقص. 7- {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} وردت الصيغة مؤكدة بمؤكدين "إنَّ" و "اللام" للتنبيه على أن الكذب طبيعتهم. 8- {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} تشبيه بليغ حيث جعلت الدنيا نفس اللعب واللهو مبالغة كقول الخنساء: "فإِنما هي إقبال وإدبار". 9- {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} الاستفهام للتوبيخ. 10- {كُذِّبَتْ رُسُلٌ} تنوين رسل للتفخيم والتكثير. تنبيه: قال الإِمام الفخر: قوله تعالى {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} يقتضي له جواباً وقد حُذف تفخيماً للأمر وتعظيماً للشأن، وأشباهه كثير في القرآن والشعر، وحذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره ألا ترى أنك لو قلت لغلامك: والله لئن قمتُ إليك - وسكتَّ عن الجواب - ذهب فكره إلى أنواع المكروه من الضرب، والقتل، والكسر، وعظم خوفه لأنه لم يدر أي الأقسام تبغي، ولو قلت: والله لئن قمتُ إليك لأضربنك فأتيتَ بالجواب لعلم أنك لم تبلغ شيئاً غير الضرب، فثبت أن حذف الجواب أقوى تأثيراً في حصول الخوف.

الأندلسي

تفسير : {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ} الآية، قال الكلبي: قال رؤساء مكة: يا محمد ما نرى أحداً يصدقك فيما تقول من أمر الرسالة ولقد سألنا اليهود والنصارى عنك فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله هذه الآية. وقال الزمخشري: هنا الشىء أعم العام لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه فيقع على القديم والجوهر والعرض والمحال والمستقيم ولذلك صح أن يقال في الله عز وجل شىء لا كالأشياء، كأنك قلت: معلوم لا كسائر المعلومات، ولا يصح جسم لا كالأجسام. وأراد أي شىء أكبر شهادة فوضع شىء مكان شهيد ليبالغ في التعميم. "انتهى". وقال جهم بن صفوان: لا يطلق على الله لفظ شىء، وخالفه الجمهور في ذلك. {شَهَٰدةً} منتصب على التمييز. وقال ابن عطية: ويصح على المفعول بأن يحمل أكبر على التشبيه بالصفة المشبهة باسم الفاعل. "انتهى". وهذا كلام عجيب لأنه لا يصح نصبه على المفعول ولأن أفعل من لا يشبه بالصفة باسم الفاعل، ولا يجوز في أفعل من أن يكون من باب الصفة المشبهة باسم الفاعل لأن بشرط الصفة المشبهة باسم الفاعل أن تؤنث وتثنى وتجمع وأفعل من لا يكون فيها ذلك وهذا منصوص عليه من النحاة، فجعل ابن عطية المنصوب في هذا مفعولاً وجعل أكبر مشبهاً بالصفة المشبهة وجعل منصوبة مفعولاً وهذا تخبيط فاحش ولعله يكون من الناسخ لا من المصنف. {قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُ} مبتدأ وخبر، فهي جملة مستقلة بنفسها لا تعلق لها من قبلها من جهة الصناعة الأعرابية بل قوله: {أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً} هو استفهام على جهة التقرير والتوقيف ثم أخبر بأن خالق الأشياء والشهود هو الشهيد بيني وبينكم، وانتظم الكلام من حيث المعنى فالجملة ليست جواباً صناعياً وإنما يتم ما قالوه لو اقتصر على قل الله وقد ذهب إلى ذلك بعضهم فأعربه مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ما تقدم عليه والتقدير قل الله أكبر شهادة، ثم أضمر مبتدأ يكون شهيد خبراً له تقديره هو شهيد بيني وبينكم. {لأُنذِرَكُمْ} ولأبشركم فحذف المعطوف لدلالة المعنى عليه وقد صرح به في قوله: {أية : لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ}تفسير : [الكهف: 2]. واقتصر على الإِنذار لأنه في مقام تخويف لهؤلاء المكذبين بالرسالة المتخذين غير الله إلهاً والظاهر أن من في موضع نصب عطفاً على مفعول لأنذركم، والعائد على من ضمير منصوب محذوف، وفاعل بلغ ضمير يعود على أن القرآن أي ومن بلغه هو أي القرآن، ومن بلغه عام في العرب والعجم ويجوز أن يكون في موضع رفع عطفاً على الضمير المستكن في لأنذركم، وجاز ذلك للفصل بينه وبين الضمير بضمير المفعول وبالجار والمجرور أي ولينذر به من بلغه القرآن. {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ} قرىء: إنكم لتشهدون بصورة الإِيجاب فاحتمل أن يكون خبراً محضاً واحتمل الإِستفهام على تقدير حذف أداته ويبين ذلك قراءة الاستفهام، وهذا الاستفهام معناه التقريع لهم والتوبيخ والإِنكار عليهم، فإِن كان الخطاب لأهل مكة فالآلهة الأصنام فإِنهم أصحاب أوثان وإن كان لجميع المشركين فالآلهة كل ما عبد غير الله تعالى من وثن أو كوكب أو نار أو آدمي. و{أُخْرَىٰ} صفة لآلهة وصفة جمع ما لا يعقل كصفة الواحدة المؤنثة كقوله تعالى: {أية : مَآرِبُ أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 18]، ولما كانت الآلهة حجارة وخشباً أجريت مجرى المفرد تحقيراً لها فوصفت بما توصف به المفردة وهو لفظة أخرى. {قُل لاَّ أَشْهَدُ} إلى آخره وما أبدع هذا الترتيب أمر أولا بأن يخبرهم أنه لا يوافقهم في الشهادة ولا يلزم من ذلك إفراد الله بالألوهية فأمر به ثانياً ليجتمع مع انتفاء موافقتهم إثبات الوحدانية لله تعالى ثم أخبر ثالثا بالتبرؤ من إشراكهم وهو كالتأكيد لما قبله. {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} الآية، تقدم شرح الجملة الأولى في البقرة وشرح الثانية في هذه السورة.

الجيلاني

تفسير : وإن جادولك واستشهدوا منك شيهداً على نبوتك ورسالتك {قُلْ} لهم إلزاما وتبكيتاً: {أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ} وأتم {شَهَٰدةً قُلِ ٱللَّهُ} لأن المتعين المتعزز بالعظمة والكبرياء هو {شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَ} شهادته على أنه {أُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ} الجامع للكتب السالفة من عنده {لأُنذِرَكُمْ} وأبشركم {بِهِ} أيها الموجودون في حين نزوله {وَ} كذا {مَن بَلَغَ} له خبر وحيه وحكمه من الأسود والأحمر إذ أرسلت إ لى كافة البرية بشيراً ونذيراً على مقتضى التوحيد الذاتي {أَئِنَّكُمْ} أيها المنهمكون في بحر الضلال {لَتَشْهَدُونَ} بعد وضوح البرهان {أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ} المتوحد بذاته، المستقل بالألوهية {ءَالِهَةً أُخْرَىٰ} مشاركة له في ملكه ووجوده {قُل لاَّ أَشْهَدُ} ما تشهدون ظلماً وزوراً بل {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} متفرد بالألوهية، متوحد بالربوبية، ليس لغيره وجود حتى يشارك معه، بل لا وجود إلا هو، ولا إله سواه {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19] إليه من الأظلال الباطلة والتماثيل العاطلة. ثم قال سبحانه: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} من اليهود والنصارى {يَعْرِفُونَهُ} أي: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بحيلته وأوصافه المذكورة في كتبهم {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} بلا شائبة شك ووهم {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} من أهل الشرك والتحريف {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 20] به وبنوبته ورسالته عناداً ومكابرة. {وَمَنْ أَظْلَمُ} عند الله وأوجب للبطش والانتقام {مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} وحرَّف كتابه عناداً {أَوْ كَذَّبَ بِآيَٰتِهِ} المنزلة على رسوله المبينة لطريق توحيده مكابرة بلا سند ودليل، ومع ذلك يطلبون ويتوقعون الفوز والفلاح من عنده سبحانه {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [الأنعام: 21] الخارجون عن مقتضى العقل والنقل، التاركون متابعة من أيده الحق وأرسله إلى الخلق لإشاعة توحيده وتبليغ أحكامه اللائقة بوحدة ذاته وإزاحة الشرك وإزالته بالمرة.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 263 : 2 : 5 - سفين عن مجاهد في قوله {لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} من الأعاجم. [الآية 19].

همام الصنعاني

تفسير : 781- حدثنا عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ}: [الآية: 19]، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بلغوا عن الله، فمن بَلَغَتْهُ آيةٌ من كتاب الله فقد بلغه أمر الله ". تفسير : 782- حدثنا عبد الرزاق، [عن مَعْمَر]، قال: سمعت الاوزاعي يحدث عن حسَّان بن عطية، عن أبي كبشة، عن عبد الله بن عَمْرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بلغا عَنِّي وَلَوْ آية، وحدثوا عَنْ بني إسْرائيل وَلاَ حرج، ومن كذبَ عليَّ مُتعمِّداً فليتبوأ مقعده من النارِ ". 783تفسير : - حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: رَحِمَ الله من سمع حَديثاً فبلغه، فَرُبَّ مبلغ أَوْعَى من سَامِع.