٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنا روينا في الآية الأولى أن الكفار سألوا اليهود والنصارى عن صفة محمد عليه الصلاة والسلام فأنكروا دلالة التوراة والإنجيل على نبوته، فبيّـن الله تعالى في الآية الأولى أن شهادة الله على صحة نبوته كافية في ثبوتها وتحققها، ثم بيّـن في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم أنا لا نعرف محمداً عليه الصلاة والسلام، لأنهم يعرفونه بالنبوّة والرسالة كما يعرفون أبناءهم لما روي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر لعبد الله بن سلام: أنزل الله على نبيه هذه الآية فكيف هذه المعرفة، فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد مني يا بني لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد أنه حق من الله تعالى. وأعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون علمهم بنبوة محمد عليه السلام مثل علمهم بأبنائهم وفيه سؤال وهو أن يقال: المكتوب في التوراة والإنجيل مجرد أنه سيخرج نبي في آخر الزمان يدعو الخلق إلى الدين الحق، أو المكتوب فيه هذا المعنى مع تعين الزمان والمكان والنسب والصفة والحلية والشكل، فإن كان الأول فذلك القدر لا يدل على أن ذلك الشخص هو محمد عليه السلام، فكيف يصح أن يقال: علمهم بنوته مثل علمهم بنبوة أبنائهم، وإن كان الثاني وجب أن يكون جميع اليهود والنصارى عالمين بالضرورة من التوراة والإنجيل بكون محمد عليه الصلاة والسلام نبياً من عند الله تعالى، والكذب على الجمع العظيم لا يجوز لأنا نعلم بالضرورة أن التوراة والإنجيل ما كانا مشتملين على هذه التفاصيل التامة الكاملة،لأن هذا التفصيل إما أن يقال:إنه كان باقياً في التوراة والإنجيل حال ظهور الرسول عليه الصلاة والسلام أو يقال: إنه ما بقيت هذه التفاصيل في التوراة والإنجيل في وقت ظهوره لأجل أن التحريف قد تطرق إليهما قبل ذلك، والأول باطل لأن إخفاء مثل هذه التفاصيل التامة في كتاب وصل إلى أهل الشرق والغرب ممتنع، والثاني أيضاً باطل، لأن على هذا التقدير لم يكن يهود ذلك الزمان، ونصارى ذلك الزمان عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم علمهم بنبوة أبنائهم، وحينئذٍ يسقط هذا الكلام. والجواب عن الأول: أن يقال المراد بـ {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } اليهود والنصارى، وهم كانوا أهلاً للنظر والاستدلال، وكانوا قد شاهدوا ظهور المعجزات على الرسول عليه الصلاة والسلام، فعرفوا بواسطة تلك المعجزات كونه رسولاً من عند الله، والمقصود من تشبيه إحدى المعرفتين بالمعرفة الثانية هذا القدر الذي ذكرناه. أما قوله {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ففيه قولان: الأول: أن قوله دالذين} صفة للذين الأولى، فيكون عاملهما واحداً ويكون المقصود وعيد المعاندين الذين يعرفون ويجحدون. والثاني: أن قوله الذين خسروا أنفسهم ابتداء. وقوله{فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } خبره، وفي قوله {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ } وجهان: الأول: أنهم خسروا أنفسهم بمعنى الهلاك الدائم الذي حصل لهم بسبب الكفر والثاني: جاء في التفسير أنه ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله منزلتة في الجنة، فمن كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورث منزلة غيره.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ}. يريد اليهود والنصارى الذين عرفوا وعاندوا وقد تقدّم معناه في «البقرة». و «الذين» في موضع رفع بالابتداء. {يَعْرِفُونَهُ} في موضع الخبر؛ أي يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم؛ عن الحسن وقَتَادة ، وهو قول الزجاج. وقيل: يعود على الكتاب، أي يعرفونه على ما يدلّ عليه، أي على الصفة التي هو بها من دلالته على صحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم. {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} في موضع النعت؛ ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُ } أي محمدا بنعته في كتابهم {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } منهم {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } به.
ابن عطية
تفسير : {الذين} رفع بالابتداء وخبره {يعرفونه} و {الكتاب} معناه التوراة والإنجيل وهو لفظ مفرد يدل علىالجنس، والضمير في {يعرفونه} عائد في بعض الأقوال على التوحيد لقرب قوله: {أية : قل إنما هو إله واحد} تفسير : [الأنعام:19] وهذا استشهاد في ذلك على كفرة قريش والعرب بأهل الكتاب، و {الذين خسروا} على هذا التأويل منقطع مرفوع بالابتداء وليس من صفة {الذين} الأولى، لأنه لا يصح أن يستشهد بأهل الكتاب ويذمون في آية واحدة. قال القاضي أبو محمد: وقد يصح ذلك لاختلاف ما استشهد فيه بهم وما ذموا فيه، وأن الذم والاستشهاد ليس من جهة واحدة، وقال قتادة والسدي وابن جريج: الضمير عائد في {يعرفونه} على محمد عليه السلام ورسالته، وذلك على ما في قوله: {أية : وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم} تفسير : [الأنعام:19] فكأنه قال وأهل الكتاب يعرفون ذلك من إنذاري والوحي إليَّ، وتأول هذا التأويل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يدل على ذلك قوله لعبد الله بن سلام إن الله أنزل على نبيه بمكة أنكم تعرفون أبناءكم فكيف هذه المعرفة فقال عبد الله بن سلام نعم أعرفه الصفة التي وصفه الله في التوراة فلا أشك فيه، وأما ابني فلا أدري ما أحدثت أمه. قال القاضي أبو محمد: وتأول ابن سلام رضي الله عنه المعرفة بالابن تحقق صحة نسبه، وغرض الآية إنما هو الوقوف على صورته فلا يخطىء الأب فيها، وقالت فرقة: الضمير من {يعرفونه} عائد على القرآن المذكور قبل. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن تعيد الضمير على هذه كلها دون اختصاص، كأنه وصف أشياء كثيرة، ثم قال: أهل الكتاب {يعرفونه} أي ما قلنا وما قصصنا وقوله تعالى: {الذين خسروا} الآية، يصح أن يكون {الذين} نعتاً تابعاً لـ {الذين قبله} ، والفاء من قوله {فهم} عاطفة جملة على جملة، وهذا يحسن على تأويل من رأى في الآية قبلها أن أهل الكتاب متوعدون مذمومون لا مستشهد بهم، ويصح أن يكون {الذين} رفعاً بالابتداء على استئناف الكلام، وخبره {فهم لا يؤمنون} والفاء في هذا جواب، {وخسروا} معناه غبنوها، وقد تقدم، وروي أن كل عبد له منزل في الحاجة ومنزل في النار، فالمؤمنون ينزلون منازل أهل الكفر في الجنة والكافرون ينزلون منازل أهل الجنة في النار فهاهنا هي الخسارة بينة والربح للآخرين، وقوله تعالى: {ومن أظلم} الآية {من} استفهام مضمنه التوقيف والتقرير، أي لا أحد أظلم ممن افترى، و {افترى} معناه اختلق، والمكذب بالآيات مفتري كذب، ولكنهما منحيان من الكفر، فلذلك نصا مفسرين، و "الآيات" العلامات والمعجزات ونحو ذلك، ثم أوجب {إنه لا يفلح الظالمون} والفلاح بلوغ الأمل والإرادة والنجاح، ومنه قول عبيد: [الراجز] شعر : أفْلِحْ بِمَا شِئْتَ فَقَدْ تَبْلُغُ بالضْـ ـضعْفِ وقد يُخْدَعُ الأرِيبُ
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} القرآن، أو التوراة، والإنجيل {يَعْرِفُونَهُ} محمداً صلى الله عليه وسلم بصفته في كتبهم، أو يعرفون القرآن الدال على صحة نبوّته. {خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ} غبنوها وأهلكوها بالكفر، أو خسروا منازلهم وأزواجهم في الجنة، إذ لكلٍّ منازل وأزواج في الجنة، فإن آمن فهي له، وإن كفر فهي لمن آمن من أهلهم، وهذا معنى {أية : ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ} تفسير : [المؤمنون: 11].
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ}. قال قتادة، وغيره: يعرفون محمداً ـــ عليه السلام ـــ. وقوله: {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} الآية؛ روي أن كل عَبْدٍ له مَنْزِلٌ في الجَنَّةِ، ومنزل في النار، فالمؤمنون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الكُفْرِ في الجَنَّةِ، والكافرون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الجَنَّةِ في النار، فهنا هي الخِسَارَةُ البَيِّنَةُ، والربح للآخرين. وباقي الآية بَيِّنٌ. وقوله سبحانه: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} المعنى: واذكر يوم نحشرهم.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنَّ الكُفَّار لمَّا سألوا اليهود والنَّصَارى عن صَفَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فأنكروا دلالة التَّوْرَاةِ والإنجيل على نُبُوًّتِهِ بَيَّنَ اللَّهُ - تعالى - في الآية الأولى أنَّ شهادةَ اللَّه على صِحًّةِ نُبُوَّتِهِ كافيةٌ في ثبوتها، ثُمَّ بَيّن في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم: لا نعرف محمداً، لأنهم يعرفونه بالنُّبُوًّةِ والرسالة، كما يعرفون أبناءهم. روي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم "المدينة" قال عمر لعبد الله بن سلام: أنزل اللَّهُ على نبيِّه هذه الآية، فكيف هذه المعرفة؟ فقال: يا عمرُ لقد عرفته فيكم حين رَأيْتُهُ، كما أعرف ابني، ولأنا أشَدُّ معرفةً بمحمد منِّي بابني؛ لأني لا أدري ما صنعَ النساء وأشهدُ أنه حَقّ من الله تعالى. قوله: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} الموصول مبتدأ، و"يَعْرِفُونه" خبره، والضميرُ المَنْصُوبُ يجوز عَوْدُهُ على الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام، وعلى القرآن لتقدُّمهِ في قوله: "وأوحِيَ إليَّ هذا القُرآنُ لأنذركُمْ بِهِ" أو على التوحيد لدلالة قوله:{أية : إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}، تفسير : [الأنعام:19] أو على كتابهم، أو على كتابهم، أو على جميع ذلك، وأفرد الضمير باعتبار المَعْنَى، كأنَّهُ قيل: يعرفون ما ذكرنا وقَصَصْنَا. وقد تقدَّم إعْرَابُ هذه الجملة في "البقرة". قوله: "الَّذينَ خَسِرُوا" في مَحَلّه أربعة أوجه: أظهرها: أنه مبتدأ، وخبره الجملة من قوله:{فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، ودخلت "الفاء" لما تقدَّم من شبه الموْصُولِ بالشرط. الثاني: أنه نَعْت للذين آتيناهم الكتاب. قاله الزَّجَّاج. الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين خسروا. الرابع: أنه منصوبٌ على الذَّمِّ، وهذان الوجهان فَرْعَانِ على النعت؛ لأنهما مقطوعان عنه، وعلى الأقوال الثلاثة الأخيرة يكون {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} من باب عطف جملة اسمية على مِثْلِهَا، ويجوز أن يكون عَطْفاً على "خَسِرُوا" وفيه نَظَرٌ من حيث إنه يؤدِّي إلى ترتُّب عدم الإيمان على خسرانهم، والظاهر أنَّ الخُسْرَانَ هو المترتب على عدم الإيمان وعلى الوجه الأول يكون "الذين خسروا" أعمُّ من أهل الكتاب الجاحدين والمشركين، وعلى غيره يكون خَاصّاً بأهل الكتاب، والتقدير: الذين خسروا أنفسهم منهم، أي: من أهْلِ الكتاب. واسْتُشْكِلَ على كونه نَعْتاً الاستشهادُ بهم على كُفَّار قريش وغيرهم من العرب، يعني كيف يُسْتَشْهَدُ بهم، ويُذَمُّون في آيةٍ واحدة؟ فقيل: إنَّ هذا سيق للذَّمِّ لا للاستشهاد. وقيل: بل سِيقَ للاستشهاد، وإن كان في بعض الكلام ذَمٌّ لهم، لأنَّ ذلك بوجهين واعتبارين. قال ابن عطية: فصَحَّ ذلك لاختلاف ما استشهد بهم فيه، وما ذُمُّوا فيه، وأنَّ الذَّمَّ والاستشهاد ليسا من جِهِةٍ واحدةٍ. فصل في بيان المراد من ظاهر الآية ظَاهِرُ هذه الآية الكريمة يقتضي أن يكون علمهم بنُبُوَّةِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم علمهم بأبنائهم، وهنا سُؤالٌ- وهو أن يُقَالَ: المكتوب في التَّوْرَاةِ والإنجيل مُجَرَّدُ أنه سيخرج نَبِيٌّ في آخر الزمان يدعو الخَلْقَ إلى الحَقِّ، أو المكتوب فيه هذا االمعنى مع تعيين الزَّمَانِ والمكان والنَّسَبِ والصِّفَةِ والحِلْيَةِ والشَّكْلِ، فإن كان الأول، فذلك القدر لا يَدُلُّ على أنَّ ذلك الشَّخْصَ هو مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم فكيف يَصِحُّ أن يقال: علمهم بنبوته مثل علمهم ببنوَّةِ أبنائهم وإن كان الثاني وجب أن يكون [جميع] اليَهُودِ والنَّصَارَى عالمين بالضرورة بأنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم نَبِيُّ من عِنْدِ الله، والكَذِبُ على الجَمْعِ العظيم لا يجوز، ولأنَّا نَعْلَمُ بالضرورة أن التوراة والإنجيل ما كانا مُشْتَمِلَيْنِ على هذه التفاصيل التَّامَّةِ الكاملة؛ لأن هذا التفصيل إمَّا أن يُقَالَ: إنه كان بَاقِياً في التَّوْرَاةِ والإنجيل، أو كان مَعْدُوماً في وَقْتِ ظهوره، لأجل أن التَّحْرِيف قد تَطَرَّقَ إليهما قبل ذلك، والأول باطلٌ؛ لأنَّ إخْفاءَ مِثْلِ هذه التفاصيل التامة في كتابٍ وصل إلى أهل الشرق والغرب مُمْتَنِعٌ. والثاني: أيضاً باطل؛ لأن على هذا التقدير لم يكن يَهُودُ أهل ذلك الزمان، ونصارى ذلك الزَّمان عالمين بنبُوَّة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم علمهم بنبوَّةِ أنبيائهم، وحينئدٍ يَسْقُطُ هذا الكلام. والجوابُ ان يقال: المراد بـ "الذين آتيناهم الكتاب" اليهود والنَّصارى، وهم كانوا أهْلاً للنَّظَرِ والاستدلال، وكانوا قد شاهدوا ظهور المعجزات على الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فعرفوا بواسطة تلك المعجزات كونه رسولاً من عند اللَّهِ تعالى، والمقصود بمعرفتهم هي المعرفةُ من طريق النَّظرِ، والاستدلال من طريق النَّقْلِ. فصل في المراد بالخسران قال المفسرون: معنى هذا الخُسْران أنَّ الله - تبارك وتعالى - جعل لكلِّ آدمي مَنْزِلاً في الجنَّةِ ومَنْزِلاً في النَّار، فإذا كان يوم القيامة جعل اللَّه تبارك وتعالى للمؤمنين مَنَازِلَ أهل النار في الجنة ولأهل النار منازل أهل الجنَّة في النَّار وذلك هو الخسران.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن السدي {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ...} الآية. يعني يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، لأن نعته معهم في التوراة. {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} لأنهم كفروا به بعد المعرفة.
ابو السعود
تفسير : {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} جواب عما سبق من قولهم لقد سألنا عنك اليهود والنصارى أُخِّر عن تعيـين الشهيد مسارعةً إلى إلزامهم بالجواب عن تحكّمهم بقولهم: فأرنا من يشهد لك الخ، والمرادُ بالموصول اليهودُ والنصارى، وبالكتاب الجنسُ المنتظمُ للتوراة والإنجيل، وإيرادُهم بعنوان إيتاء الكتاب للإيذان بمدار ما أسند إليهم بقوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ} أي يعرفون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من جهة الكتابَـيْن بحِلْيته ونُعوتِه المذكورة فيهما {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ} بحِلاهم بحيث لا يشكون في ذلك أصلاً. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة قال عمرُ رضي الله عنه لعبد اللَّه بن سلام: أنزل الله تعالى على نبـيه هذه الآيةَ وكيف هذه المعرفة؟ فقال: يا عمر، لقد عرفتُه فيكم حين رأيته كما أعرِف ابني، ولأنا أشدُّ معرفةً بمحمدٍ مني بابني، لأني لا أدري ما صنع النساء، وأشهد أنه حقٌّ من الله تعالى. {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} من أهل الكتابـين والمشركين بأن ضيّعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها وأعرضوا عن البـينات الموجبةِ للإيمان بالكلية {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} لما أنهم مطبوعٌ على قلوبهم، ومحل الموصول الرفعُ على الابتداء وخبرُه الجملة المصدرةُ بالفاء لِشَبَه الموصول بالشرط، وقيل: على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي هم الذين خسروا الخ، وقيل: على أنه نعتٌ للموصول الأول، وقيل: النصبُ على الذم، فقوله تعالى: {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} على الوجوه الأخيرة عطفٌ على جملة {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} الخ. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} بوصفهم النبـيَّ الموعودَ في الكتابـين بخلاف أوصافِه عليه الصلاة والسلام فإنه افتراءٌ على الله سبحانه وبقولهم: الملائكةُ بناتُ الله، وقولِهم: {أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ }تفسير : [يونس، الآية 18]، ونحو ذلك، وهو إنكارٌ واستبعادٌ لأن يكونَ أحدٌ أظلمَ ممن فعل ذلك أو مساوياً له، وإن كان سبكُ التركيب غيرَ متعرِّض لإنكار المساواة ونفيُها يشهد به العُرف الفاشي، والاستعمالُ المطَّرد، فإنه إذا قيل: من أكرمُ من فلانٍ أو لا أفضلَ من فلان فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريم، وأفضلُ من كل فاضل، ألا يُرى إلى قوله عز وجل: {أية : لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ } تفسير : [هود، الآية 22] بعد قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} الخ، والسرُّ في ذلك أن النسبةَ بـين الشيئين إنما تُتصوَّر غالباً ـ لا سيما في باب المغالبة ـ بالتفاوُت زيادةً ونُقصاناً، فإذا لم يكن أحدُهما أزيدَ يتحقق النُقصانُ لا محالة {أو كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} كأن كذّبوا بالقرآن الذي من جملته الآيةُ الناطقةُ بأنهم يعرِفونه عليه الصلاة والسلام كما يعرِفون أبناءهم، وبالمُعجزات وسمَّوْها سحراً، وحرفوا التوراة وغيّروا نُعوته عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك تكذيبٌ بآياته تعالى، وكلمةُ (أو) للإيذان بأن كلاًّ من الافتراء والتكذيب وحدَه بالغٌ غايةَ الإفراط في الظلم، فكيف وهم قد جمعوا بـينهما فأثبتوا ما نفاه الله تعالى ونفَوْا ما أثبته، قاتلهم الله أنى يؤفكون. {إِنَّهُ} الضمير للشأن، ومدارُ وضعه موضعَه ادِّعاءُ شهرتِه المُغْنية عن ذكره، وفائدةُ تصديرِ الجملة به الإيذانُ بفَخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن فإن الضمير لا يُفهم منه من أول الأمر إلا شأنٌ مُبهمٌ له خطرٌ فيبقىٰ الذهن مترقباً لما يعقبُه فيتمكّن عند وروده له فضلُ تمكُّنٍ فكأنه قيل: إن الشأن الخطيرَ هذا هو {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي لا ينجُون من مكروهٍ ولا يفوزون بمطلوب، وإذا كان حالُ الظالمين هذا فما ظنُّك بمن في الغاية القاصيةِ من الظلم.
القشيري
تفسير : أحاط علمُهم بصدقِ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في نُبوَّتِه، ولكن أدركتهم الشقاوة الأزلية فعقدت ألسنتهم عن الإقرار به؛ فجحدوه جهراً، وعلموا صِدْقَه سِرّاً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} بين الله سبحانه ان اليؤهود كانوا يعرفون النبى صلى الله عليه وسلم بالعلامات الصحيحة التى وجدوها فى التوراة من نعته وصفته وصدق معجزته لكن لم يعروفوه بنور معرفة اله ورؤية مشاهدة الله فى وجهه كانوا مقلدين فى معرفته لذلك خالفوه واى عرفوه بمعرفة الله لكانوا كالصحابة المباركة حيث كانوار تراب قدمه صلى الله عليه وسلم وأله وسلم على أله الطيبين الطاهرين واصحابه المتحبين.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين آتيناهم الكتاب} جواب عما سبق من قولهم (لقد سألنا عنك اليهود والنصارى). والمراد بالموصول اليهود والنصارى وبالكتاب الجنس المنتظم للتوراة والانجيل {يعرفونه} اى محمدا عليه السلام بحليته ونعوته فى كتابهم {كما يعرفون ابناءهم} بحلالهم المعينة لهم ـ روى ـ ان رسول الله لما قدم المدينة قال عمر رضى الله عنه لعبد الله بن سلام انزل الله تعالى على نبيه هذه الآية فكيف هذه المعرفة فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما اعرف ابنى ولأنا اشد معرفة بمحمد منى يا بنى لانى لا ادرى ما صنع النساء واشهد انه حق من الله تعالى فقال عمر وفقك الله يا ابن سلام {الذين خسروا انفسهم} اى غبنوا انفسهم من اهل الكتابين والمشركين بان ضيعوا فطرة الله التى فطر الناس عليها واعرضوا عن البينات الموجبة للايمان بالكلية وهو مبتدأ خبره قوله {فهم لا يؤمنون} لما انهم مطبوع على قلوبهم والفاء السببية تدل على ان تضييع الفطرة الاصلية والعقل السليم سبب لعدم الايمان. قال البغوى وذلك ان الله تعالى جعل لكل آدمى منزلا فى الجنة ومنزلا فى النار فاذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل اهل النار فى الجنة ولاهل النار منازل اهل الجنة فى النار وذلك هو الخسران.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {الذين آتيناهم الكتاب} من اليهود والنصارى، {يعرفونه} أي: محمدًا صلى الله عليه وسلم بحليته المذكورة في التوراة والإنجيل، {كما يعرفون أبناءهم} أو أشد، وإنما كتموه؛ جحدًا وخوفًا على رياستهم.. {الذين خسروا أنفسهم} من أهل الكتاب؛ حيث كذَّبوا وكتموا، ومن المشركين حيث كفروا وجحدوا، {فهم لا يؤمنون}؛ لتضييعهم ما به يُكتسب الإيمان من النظر والتفكير والإنصاف للحق، فقد ظلموا أنفسهم وبخسوها. {ومَن أظلم ممّن افترى على الله كذبًا}؛ بأن كتم شهادة الحق، وهي صفة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو ادّعاءُ الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، {أو كذَّب بآياته}؛ كالقرآن والمعجزات وسمَّوها سِحرًا، أي: لا أحد أظلم ممن فَعل هذا، وإنما عبَّر بـ"أو"، وهم قد جمعوا بين الأمرين؛ تنبيهًا على أن كل واحد منهما وحده بالِغٌ غاية الإفراط في الظلم على النفس، {إنه} أي: الأمر والشأن {لا يُفلح الظالمون}، فضلاً عمّن لا أحد أظلم منه. الإشارة: أقبحُ الناس منزلة عند الله، من تحقق بخصوصية ولي من أولياء الله، ثم كَتمها وجَحدها؛ حسدًا وعنادًا، وجعل يُنكر عليه، فقد آذن بحرب من الله، فالتسليمُ عناية، والانتقاد جناية، والاستنصافُ من شأن الكرام، والتعصب من شأن اللئام. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد أهل الشّرك، فقال: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً}.
الطوسي
تفسير : {الذين آتيناهم الكتاب} رفع بالابتداء. وقوله {يعرفونه} خبر. وقوله {الذين خسروا أنفسهم} أيضا رفع، ويحتمل رفعه وجهين: أحدهما - ان يكون نعتاً لـ {الذين} الاولى - ويحتمل ان يكون رفعا على الابتداء وخبره {فهم لا يؤمنون}. فان حملته على النعت كان المعني به أهل الكتاب وان حملته على الابتداء يتناول جميع الكفار. وقال بعض المفسرين: ما من كافر الا وله منزلة في الجنة وأزواج فان أسلم وسعد صار الى منزله وأزواجه، وان كفر صار منزله وأزواجه الى من أسلم، فذلك قوله {أية : الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}تفسير : وقوله: {الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} وهذه الآية لا بد أن تكون مخصوصة بجماعة من أهل الكتاب، وهم الذين عرفوا التوراة والانجيل فعرفوا صحة نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) بما كانوا عرفوه من صفاته المذكورة، ودلائله الموجودة في هذين الكتابين كما عرفوا ابناءهم في أنها صحيحة لا مرية فيها ولم يرد أنهم عرفوا بنبوته اضطراراً، كما عرفوا أبناءهم ضرورة على أن احدا لا يعرف أن من ولد على فراشه ابنه على الحقيقة، لانه يجوز ان يكون من غيره، وان حكم بأنه ولده لكونه مولوداً على فراشه، فصار معرفتهم بالنبي (صلى الله عليه وسلم) آكد من معرفتهم بابنائهم لهذا المعنى. ولم يكن جميع أهل الكتاب كذلك، فلذلك خصصنا الآية. فان قيل: كيف يصح - على مذهبكم في الموافاة - ان يكونوا عارفين بالله، وبنبيه ثم يموتون على الكفر؟! قلنا عنه جوابان: احدهما - ان لا يكونوا عارفين بذلك بل يكونوا معتقدين أعتقاد تقليد، ويعتقدون مع ذلك انهم عالمون به، فقال الله تعالى {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} في اعتقادهم، لا انهم يعرفونه على الحقيقة كما قال {أية : ذق إِنك أنت العزيز الكريم} تفسير : يعني عند نفسك، وقومك. الثاني - ان يكونوا عرفوا ذلك على وجه لا يستحق به الثواب، لانهم يكونون نظروا في الادلة لا لوجه وجوب ذلك عليهم، فولد ذلك المعرفة لكن لا يستحق بها الثواب. وقد بينا مثل ذلك في عدة مواضع فيما مضى فسقط السؤال. وقوله {الذين خسروا أنفسهم} يعني بكفرهم بمحمد (صلى الله عليه وسلم) على وجه المعاندة {فهم لا يؤمنون} وخسرانهم أنفسهم اهلاكهم لها بهذا الكفر، وتصييرهم لها الى ان لا ينتفعون بها. ومن جعل نفسه بحيث لا ينتفع بها فقد خسر نفسه.
الهواري
تفسير : ثم قال: {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يعني مشركي أهل مكة. لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام: إن الله أنزل على نبيّه وهو بمكة أن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فكيف هذه المعرفة يا ابن سلام؟ قال: نعرف نبي الله للنعت الذي نعته به إذا رأيناه كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه مع الغلمان؛ والذي يحلف به عبد الله بن سلام، لأنا بمحمد أشد معرفة مني بابني، فقال عمر: كيف ذلك؟ قال عرفته بما نعته الله لنا في كتابنا، وأشهد هو نبي الله، وأما ابني فلا أدري ما أحدثت أمه. فقال له عمر: وفَّقك الله، فقد أصبت وصدقت. وقال بعضهم: يعرفون أن الإِسلام دين الله، وأن محمداً رسول الله. قوله: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يعني من كفر من أهل الكتاب. قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} فعبد معه الأوثان {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} وهذا على الاستفهام، يقول: لا أحد أظلم منه {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} أي المشركون.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ آتيناهُم الكِتابَ} اليهود والنصارى، والكتاب التوراة والإنجيل {يَعْرفُونه} يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهُ رسول الله إلى الناس كلهم بصفاته التى يذكر بها فى التوراة والإنجيل، وقيل: يعرفون القرآن لذكره فى قوله: {أية : وأوحى إلىَّ هذا القرآن} تفسير : ويدل للأول قوله تعالى: {كَما يعْرِفُون أبناءهم} فإن التشبيه بمعرفة الأبناء تناسب معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أراد القرآن لقال: كما يعرفون التوراة والإنجيل، كذب الله عز وجل اليهود مع قولهم لقريش كما مر آنفا: إنا لا نعرف محمداً. لما أسلم عبد الله بن سلام، قال له عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أنزل الله بمكة: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} كيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام رضى الله عنه: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما عرفت، ولا أنا أشد معرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم منى يا بنى، فقال عمر رضى الله عنه: كيف ذلك؟ قال: أشهد أنه رسول الله حقاً، ولا أدرى ما تصنع النساء، أى وأما الولد فلعل المرأة زنت فكان من الزنى، فقال له عمر: لقد أصبت وصدقت، ذكره الشيخ هود رحمه الله وغيره باختلاف فى بعض الألفاظ، وهذا من عمر وابن سلام تفسير لها، يعرفونه برسول الله صلى الله عليه وسلم لا بالقرآن. {الَّذِينَ خَسِرُوا أنفُسَهم} ضيعوا أنفسهم عن الإسلام، وثوابه به من أهل الكتاب وسائر المشركين، فكانت منازلهم فى الجنة للمؤمنين، ومنازل المؤمنين فى النار لهم، والذين مبتدأ، وخبره هو ما بعد الفاء من قوله تعالى: {فَهُم لا يُؤمنُون} من جملة المبتدأ والخبر، وقرنت بالفاء لشبه المبتدأ باسم الشرط، أو منصوب على الذم، أو خبر لمحذوف أو بدل من الذين آتيناهم، وإنما قال الله: {فهم لا يؤمنون} لأنهم ضيعوا ما به يكتسب الإيمان وهو النظر، هذا فى المشركين غير أهل الكتاب، وأما المشركون أهل الكتاب فضيعوه، لأنهم عرفوه وجحدوه عناداً صلى الله عليه وسلم.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} جواب عما سبق في الرواية الأولى من قولهم: سألنا [عنك] اليهود والنصارى الخ أخر عن تعيين الشهيد مسارعة [إلزامهم بِـ] إلى الجواب عن تحكمهم بقولهم: أرنا من يشهد لك فالمراد من الموصول ما يعم الصنفين اليهود والنصارى ومن الكتاب جنسه الصادق على التوراة والإنجيل، وإيرادهم بعنوان إيتاء الكتاب للإيذان بمدار ما أسند إليهم بقوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ} أي يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم [من جهة الكتابين] بحليته ونعوته المذكورة فيهما، وفيه التفات. وقيل: الضمير للكتاب، واختاره أبو البقاء. والأول هو الذي تؤيده الأخبار كما ستعرفه. {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ } / بحلاهم بحيث لا يشكون في ذلك أصلاً. روى أبو حمزة وغيره أنه لما قدم النبـي صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر رضي الله تعالى عنه لعبد الله بن سلام: إن الله تعالى أنزل على نبيه عليه الصلاة والسلام أن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فكيف هذه المعرفة؟ فقال ابن سلام: نعرف نبـي الله صلى الله عليه وسلم بالنعت الذي نعته الله تعالى به إذا رأيناه فيكم عرفناه كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه بين الغلمان وأيم الله الذي يحلف به ابن سلام لأنا بمحمد أشد معرفة مني بابني لأني لا أدري ما أحدثت أمه فقال عمر رضي الله تعالى عنه قد وفقت وصدقت. وزعم بعضهم أن المراد بالمعرفة هنا ما هو بالنظر والاستدلال لأن ما يتعلق بتفاصيل حليته صلى الله عليه وسلم إما أن يكون باقياً وقت نزول الآية أو لا بل محرفاً مغيراً والأول باطل ولا يتأتى لهم إخفاء ذلك لأن إخفاء ما شاع في الآفاق محال؛ وكذا الثاني لأنهم لم يكونوا حينئذ عارفين حليته الشريفة عليه الصلاة والسلام كما يعرفون حلية أبنائهم. وفيه أن الإخفاء مصرح به في القرآن كما في قوله تعالى: { أية : تَجْعَلُونَهُ قَرٰطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً } تفسير : [الأنعام: 91] وإخفاؤها ليس بإخفاء النصوص بل بتأويلها، وبقولهم: إنه رجل آخر سيخرج وهو معنى قوله سبحانه: { أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ } تفسير : [النمل: 14]. {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } من أهل الكتابين والمشركين {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بما يجب الإيمان به، وقد تقدم الكلام في هذا التركيب آنفاً.
سيد قطب
تفسير : هذه الجولة - أو هذه الموجة - عودة إلى مواجهة المشركين المكذبين بالقرآن الكريم، المكذبين بالبعث والآخرة.. ولكنها لا تواجههم بتصوير تعنتهم وعنادهم؛ ولا تواجههم بمصارع الغابرين من المكذبين من أسلافهم - كما سبق في سياق السورة - إنما تواجههم بمصيرهم في يوم البعث الذي يكذبون به؛ وبجزائهم في الآخرة التي ينكرونها.. تواجههم بهذا الجزاء وبذلك المصير في مشاهد حية شاخصة.. تواجههم به وهم محشورون جميعاً، مسؤولون سؤال التبكيت والتأنيب، وسؤال التشهير والتعجيب: {أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟} وهم في رعب وفزع، وفي تضعضع وذهول يقسمون بالله ويعترفون له وحده بالربوبية: {والله ربنا ما كنا مشركين}!.. وتواجههم به وهم موقوفون على النار، محبوسون عليها، وهم في رعب وفزع، وفي ندم وحسرة يقولون: {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين}!.. وتواجههم به وهم موقوفون على ربهم، وهم يتذاوبون من الخجل والندم، ومن الروع والهول؛ وهو - جل جلاله - يسألهم سبحانه: {أليس هذا بالحق؟} فيجيبون في استخذاء وتذاوب: {بلى وربنا}. فلا يجديهم هذا الاعتراف شيئاً: {قال: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}.. ويواجهون به وهم قد خسروا أنفسهم وخسروا كل شيء إذن؛ وجاءوا يحملون أوزارهم على ظهورهم؛ وهم يجأرون بالحسرة على تفريطهم في الآخرة، وأخذهم للصفقة الخاسرة! مشهد وراء مشهد، وكل مشهد يزلزل القلوب، ويخلخل المفاصل، ويهز الكيان، ويفتح العين والقلب - عند من يشاء الله أن يفتح عينه وقلبه - على الحق الذي يواجههم به رسول الله صلى الله عليه وسلم - والكتاب الذي يكذبون به؛ بينما الذين أوتوا الكتاب من قبلهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم! {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون}.. لقد تكرر في القرآن الكريم ذكر معرفة أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - لهذا القرآن؛ أو لصحة رساله محمد - صلى الله عليه وسلم - وتنزيل هذا القرآن عليه من عند الله.. تكرر ذكر هذه الحقيقة سواء في مواجهة أهل الكتاب أنفسهم، عندما كانوا يقفون من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن هذا الدين وقفة المعارضة والإنكار والحرب والعداء (وكان هذا غالباً في المدينة) أو في مواجهة المشركين من العرب؛ لتعريفهم أن أهل الكتاب، الذين يعرفون طبيعة الوحي والكتب السماوية، يعرفون هذا القرآن، ويعرفون صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أنه وحي أوحى به ربه إليه كما أوحى إلى الرسل من قبله. وهذا الآية - كما رجحنا - مكية. وذكر أهل الكتاب فيها على هذا النحو - إذن - يفيد أنها كانت مواجهة للمشركين بأن هذا القرآن الذي ينكرونه، يعرفه أهل الكتاب كما يعرفون أبناءهم؛ وإذا كانت كثرتهم لم تؤمن به فذلك لأنهم خسروا أنفسهم، فهم لا يؤمنون. شأنهم في هذا شأن المشركين، الذين خسروا أنفسهم، فلم يدخلوا في هذا الدين! والسياق قبل هذه الآية وبعدها كله عن المشركين. مما يرجح مكيتها كما قلنا من قبل في التعريف بالسورة.. وقد جرى المفسرون على تفسير مثل هذا التقرير: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}.. على أنهم يعرفون أنه منزل من عند الله حقاً؛ أو على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رسول من عندالله حقاً، يوحى إليه بهذا القرآن.. وهذا جانب من مدلول النص فعلاً، ولكنا نلمح - باستصحاب الواقع التاريخي وموقف أهل الكتاب من هذا الدين فيه - أن هناك جانباً آخر من مدلول النص؛ لعل الله - سبحانه - أراد أن يعلمه للجماعة المسلمة، ليستقر في وعيها على مدار التاريخ، وهي تواجه أهل الكتاب بهذا الدين.. إن أهل الكتاب يعرفون أن هذا الكتاب حق من عند الله؛ ويعرفون - من ثم - ما فيه من سلطان وقوة؛ ومن خير وصلاح؛ ومن طاقة دافعة للأمة التي تدين بالعقيدة التي جاء بها؛ وبالأخلاق التي تنبثق منها؛ وبالنظام الذي يقوم عليها. ويحسبون كل حساب لهذا الكتاب وأهله؛ ويعلمون جيداً أن الأرض لا تسعهم وتسع أهل الدين!.. إنهم يعرفون ما فيه من حق، ويعرفون ما هم فيه من باطل.. ويعرفون أن الجاهلية التي صاروا إليها، وصارت إليها أوضاع قومهم وأخلاقهم وأنظمتهم، لا يمكن أن يهادنها هذا الدين، أو يبقي عليها.. وأنها - من ثم - معركة لا تهدأ حتى تجلو الجاهلية عن هذه الأرض، ويستعلي هذا الدين، ويكون الدين كله لله.. أي أن يكون السلطان في الأرض كله لله؛ وأن يطارد المعتدون على سلطان الله في الأرض كلها. وبذلك وحده يكون الدين كله لله.. إن أهل الكتاب يعلمون جيداً هذه الحقيقة في هذا الدين.. ويعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم.. وهم جيلاً بعد جيل يدرسون هذا الدين دراسة دقيقة عميقة؛ وينقبون عن أسرار قوته؛ وعن مداخله إلى النفوس ومساربه فيها؛ ويبحثون بجد: كيف يستطيعون أن يفسدوا القوة الموجهة في هذا الدين؟ كيف يلقون بالريب والشكوك في قلوب أهله؟ كيف يحرفون الكلم فيه عن مواضعه؟ كيف يصدون أهله عن العلم الحقيقي به؟ كيف يحولونه من حركة دافعة تحطم الباطل والجاهلية وتسترد سلطان الله في الأرض وتطارد المعتدين على هذا السلطان، وتجعل الدين كله لله.. إلى حركة ثقافية باردة، وإلى بحوث نظرية ميتة، وإلى جدل لاهوتي أو فقهي أو طائفي فارغ؟ كيف يفرغون مفهوماته في أوضاع وأنظمة وتصورات غريبة عنه مدمرة له، مع إيهام أهله أن عقيدتهم محترمة مصونة؟! كيف في النهاية يملأون فراغ العقيدة بتصورات أخرى ومفهومات أخرى واهتمامات أخرى، ليجهزوا على الجذور العاطفية الباقية من العقيدة الباهتة؟! إن أهل الكتاب يدرسون هذا الدين دراسة جادة عميقة فاحصة؛ لا لأنهم يبحثون عن الحقيقية - كما يتوهم السذج من أهل هذا الدين! - ولا لينصفوا هذا الدين وأصله - كما يتصور بعض المخدوعين حينما يرون اعترافاً من باحث أو مستشرق بجانب طيب في هذا الدين! - كلا! إنما هم يقومون بهذه الدراسة الجادة العميقة الفاحصة، لأنهم يبحثون عن مقتل لهذا الدين! لأنهم يبحثون عن منافذه ومساربه إلى الفطرة ليسدوها أو يميعوها! لأنهم يبحثون عن أسرار قوته ليقاوموه منها! لأنهم يريدون أن يعرفوا كيف يبني نفسه في النفوس ليبنوا على غراره التصورات المضادة التي يريدون ملء فراغ الناس بها! وهم من أجل هذه الأهداف والملابسات كلها يعرفونه كما يعرفون أبناءهم! ومن واجبنا نحن أن نعرف ذلك.. وأن نعرف معه أننا نحن الأوْلى بأن نعرف ديننا كما نعرف أبناءنا! إن الواقع التاريخي من خلال أربعة عشر قرناً ينطق بحقيقة واحدة.. هي هذه الحقيقة التي يقررها القرآن الكريم في هذه الآية: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}.. ولكن هذه الحقيقة تتضح في هذه الفترة وتتجلى بصورة خاصة.. إن البحوث التي تكتب عن الإسلام في هذه الفترة تصدر بمعدل كتاب كل أسبوع؛ بلغة من اللغات الأجنبية.. وتنطق هذه البحوث بمدى معرفة أهل الكتاب بكل صغيرة وكبيرة عن طبيعة هذا الدين وتاريخه، ومصادر قوته، ووسائل مقاومته، وطرق إفساد توجيهه! ومعظمهم - بطبيعة الحال - لا يفصح عن نيته هذه؛ فهم يعلمون أن الهجوم الصريح على هذا الدين كان يثير حماسة الدفاع والمقاومة؛ وأن الحركات التي قامت لطرد الهجوم المسلح على هذا الدين - الممثل في الاستعمار - إنما كانت ترتكز على قاعدة من الوعي الديني أو على الأقل العاطفة الدينية؛ وأن استمرار الهجوم على الإسلام - ولو في الصورة الفكرية - سيظل يثير حماسة الدفاع والمقاومة! لذلك يلجأ معظمهم إلى طريقة أخبث.. يلجأ إلى إزجاء الثناء لهذا الدين، حتى ينوم المشاعر المتوفزة، ويخدر الحماسة المتحفزة، وينال ثقة القارىء واطمئنانه.. ثم يضع السم في الكأس ويقدمها مترعة.. هذا الدين نعم عظيم.. ولكنه ينبغي أن يتطور بمفهوماته ويتطور كذلك بتنظيماته ليجاري الحضارة "الإنسانية" الحديثة! وينبغي ألا يقف موقف المعارضة للتطورات التي وقعت في أوضاع المجتمع، وفي أشكال الحكم، وفي قيم الأخلاق! وينبغي - في النهاية - أن يتمثل في صورة عقيدة في القلوب، ويدع الحياة الواقعية تنظمها نظريات وتجارب وأساليب الحضارة "الإنسانية" الحديثة! ويقف فقط ليبارك ما تقرره الأرباب الأرضية من هذه التجارب والأساليب.. وبذلك يظل ديناً عظيماً..!!! وفي أثناء عرض مواضع القوة والعمق في هذا الدين - وهي ظاهرياً تبدو في صورة الإنصاف الخادع والثناء المخدر - يقصد المؤلف قومه من أهل الكتاب؛ لينبههم إلى خطورة هذا الدين، وإلى أسرار قوته؛ ويسير أمام الأجهزة المدمرة بهذا الضوء الكشاف، ليسددوا ضرباتهم على الهدف. وليعرفوا هذا الدين كما يعرفون أبناءهم! إن أسرار هذا القرآن ستظل تتكشف لأصحابه؛ جديدة دائماً؛ كلما عاشوا في ظلاله؛ وهم يخوضون معركة العقيدة؛ ويتدبرون بوعي أحداث التاريخ؛ ويطالعون بوعي أحداث الحاضر. ويرون بنور الله. الذي يكشف الحق، وينير الطريق.. {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته؟ إنه لا يفلح الظالمون. ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين. انظر كيف كذبوا على أنفسهم، وضل عنهم ما كانوا يفترون}.. هذا استطراد في مواجهة المشركين بحقيقة ما يزاولونه، ووصف موقفهم وعملهم في تقدير الله سبحانه.. مواجهة تبدأ باستفهام تقريري لظلمهم بافتراء الكذب على الله؛ وذلك فيما كانوا يدعونه من أنهم على دينه الذي جاء به إبراهيم عليه السلام؛ ومن زعمهم أن ما يحلونه وما يحرمونه من الأنعام والمطاعم والشعائر - كالذي سيجيء في آخر السورة مشفوعاً بقوله تعالى: {بزعمهم} - هو من أمر الله.. وليس من أمره. وذلك كالذي يزعمه بعض من يدعون اليوم أنهم على دين الله الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - ويقولون عن أنفسهم إنهم "مسلمون"! وهو من الكذب المفترى على الله. ذلك أنهم يصدرون أحكاماً وينشئون أوضاعاً، ويبتدعون قيماً من عند أنفسهم يغتصبون فيها سلطان الله ويدعونه لأنفسهم، ويزعمون أنها هي دين الله؛ ويزعم لهم بعض من باعوا دينهم ليشتروا به مثوى في دركات الجحيم، أنه هو دين الله!.. وباستنكار تكذيبهم كذلك بآيات الله، التي جاءهم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فردوها وعارضوها وجحدوها. وقالوا: إنها ليست من عند الله. بينما هم يزعمون أن ما يزاولونه في جاهليتهم هو الذي من عند الله! وذلك كالذي يحدث من أهل الجاهلية اليوم.. حذوك النعل بالنعل.. يواجههم باستنكار هذا كله؛ ووصفه بأنه أظلم الظلم: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته!}.. والظلم هنا كناية عن الشرك. في صورة التفظيع له والتقبيح. وهو التعبير الغالب في السياق القرآني عن الشرك. وذلك حين يريد أن يبشع الشرك وينفر منه. ذلك أن الشرك ظلم للحق، وظلم للنفس، وظلم للناس. هو اعتداء على حق الله - سبحانه - في أن يوحد ويعبد بلا شريك. واعتداء على النفس بإيرادها موارد الخسارة والبوار. واعتداء على الناس بتعبيدهم لغير ربهم الحق، وإفساد حياتهم بالأحكام والأوضاع التي تقوم على أساس هذا الاعتداء.. ومن ثم فالشرك ظلم عظيم، كما يقول عنه رب العالمين. ولن يفلح الشرك ولا المشركون: {إنه لا يفلح الظالمون}.. والله - سبحانه - يقرر الحقيقة الكلية؛ ويصف الحصيلة النهائية للشرك والمشركين - أو للظلم والظالمين - فلا عبرة بما تراه العيون القصيرة النظر، في الأمد القريب، فلاحاً ونجاحاً.. فهذا هو الاستدراج المؤدي إلى الخسار والبوار.. ومن أصدق من الله حديثاً؟.. وهنا يصور من عدم فلاحهم موقفهم يوم الحشر والحساب، في هذا المشهد الحي الشاخص الموحي: {ويوم نحشرهم جميعاً، ثم نقول للذين أشركوا: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين. انظر كيف كذبوا على أنفسهم، وضل عنهم ما كانوا يفترون}.. إن الشرك ألوان، والشركاء ألوان، والمشركين ألوان.. وليست الصورة الساذجة التي تتراءى للناس اليوم حين يسمعون كلمة الشرك وكلمة الشركاء وكلمة المشركين: من أن هناك ناساً كانوا يعبدون أصناماً أو أحجاراً، أو أشجاراً، أو نجوماً، أو ناراً.. الخ.. هي الصورة الوحيدة للشرك! إن الشرك في صميمه هو الاعتراف لغير الله - سبحانه - بإحدى خصائص الألوهية.. سواء كانت هي الاعتقاد بتسيير إرادته للأحداث ومقادير الكائنات. أو كانت هي التقدم لغير الله بالشعائر التعبدية والنذور وما إليها. أو كانت هي تلقي الشرائع من غير الله لتنظيم أوضاع الحياة.. كلها ألوان من الشرك، يزاولها ألوان من المشركين، يتخذون ألواناً من الشركاء! والقرآن الكريم يعبر عن هذا كله بالشرك؛ ويعرض مشاهد يوم القيامة تمثل هذه الألوان من الشرك والمشركين والشركاء؛ ولا يقتصر على لون منها، ولا يقصر وصف الشرك على واحد منها؛ ولا يفرق في المصير والجزاء بين ألوان المشركين في الدنيا وفي الآخرة سواء.. ولقد كان العرب يزاولون هذه الألوان من الشرك جميعاً: كانوا يعتقدون أن هناك كائنات من خلق الله، لها مشاركة - عن طريق الشفاعة الملزمة عندالله - في تسيير الأحداث والأقدار. كالملائكة. أو عن طريق قدرتها على الأذى - كالجن بذواتهم أو باستخدام الكهان والسحرة لهم - أو عن طريق هذه وتلك - كأرواح الآباء والأجداد - وكل أولئك كانوا يرمزون له بالأصنام التي تعمرها أرواح هذه الكائنات؛ ويستنطقها الكهان؛ فتحل لهم ما تحل، وتحرم عليهم ما تحرم.. وإنما هم الكهان في الحقيقة.. هم الشركاء! وكانوا يزاولون الشرك في تقديم الشعائر لهذه الأصنام؛ وتقديم القربان لها والنذور - وفي الحقيقة للكهان - كما أن بعضهم - نقلاً عن الفرس - كانوا يعتقدون في الكواكب ومشاركتها في تسيير الأحداث - عن طريق المشاركة لله - ويتقدمون لها كذلك بالشعائر (ومن هنا علاقة الحلقة المذكورة في هذه السورة من قصة إبراهيم عليه السلام بموضوع السورة كما سيأتي).. وكذلك كانوا يزاولون اللون الثالث من الشرك بإقامتهم لأنفسهم - عن طريق الكهان والشيوخ - شرائع وقيماً وتقاليد، لم يأذن بها الله.. وكانوا يدعون ما يدعيه بعض الناس اليوم من أن هذا هو شريعة الله! وفي هذا المشهد - مشهد الحشر والمواجهة - يواجه المشركين - كل أنواع المشركين بكل ألوان الشرك - بسؤالهم عن الشركاء - كل أصناف الشركاء - أين هم؟ فإنه لا يبدو لهم أثر؛ ولا يكفون عن أتباعهم الهول والعذاب: {ويوم نحشرهم جميعاً، ثم نقول للذين أشركوا: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟}.. والمشهد شاخص، والحشر واقع، والمشركون مسؤولون ذلك السؤال العظيم.. الأليم: {أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟}.. وهنا يفعل الهول فعله.. هنا تتعرى الفطرة من الركام الذي ران عليها في الدنيا.. هنا ينعدم من الفطرة ومن الذاكرة - كما هو منعدم في الواقع والحقيقة - وجود الشركاء؛ فيشعرون أنه لم يكن شرك، ولم يكن شركاء.. لم يكن لهذا كله من وجود لا في حقيقة ولا واقع.. هنا "يفتنون" فيذهب الخبث، ويسقط الركام - من فتنة الذهب بالنار ليخلص من الخبث والزبد -: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين}.. إن الحقيقة التي تجلت عنها الفتنة، أو التي تبلورت فيها الفتنة، هي تخليهم عن ماضيهم كله وإقرارهم بربوبية الله وحده؛ وتعريهم من الشرك الذي زاولوه في حياتهم الدنيا.. ولكن حيث لا ينفع الإقرار بالحق والتعري من الباطل.. فهو إذن بلاء هذا الذي تمثله قولتهم وليس بالنجاة.. لقد فات الأوان.. فاليوم للجزاء لا للعمل.. واليوم لتقرير ما كان لا لاسترجاع ما كان.. لذلك يقرر الله سبحانه، معجباً رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أمر القوم، أنهم كذبوا على أنفسهم يوم اتخذوا هؤلاء الشركاء شركاء، حيث لا وجود لشركتهم مع الله في الحقيقة. وأنهم اليوم غاب عنهم ما كانوا يفترونه، فاعترفوا بالحق بعد ما غاب عنهم الافتراء: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم، وضل عنهم ما كانوا يفترون}.. فالكذب منهم كان على أنفسهم؛ فهم كذبوها وخدعوها يوم اتخذوا مع الله شريكاً، وافتروا على الله هذا الافتراء. وقد ضل عنهم ما كانوا يفترون وغاب، في يوم الحشر والحساب! هذا هو التأويل الذي أستريح إليه في حلفهم بالله يوم القيامة وهم في حضرته: أنهم ما كانوا مشركين. وفي تأويل كذبهم على أنفسهم كذلك. فهم لا يجرؤون يوم القيامة أن يكذبوا على الله، وأن يحلفوا أنهم ما كانوا مشركين عامدين بالكذب على الله - كما تقول بعض التفاسير - فهم يوم القيامة لا يكتمون الله حديثاً.. إنما هو تعري الفطرة عن الشرك أمام الهول الرعيب؛ وأنمحاء هذا الباطل الكاذب حتى لا أثر له في حسهم يومذاك. ثم تعجيب الله - سبحانه - من كذبهم الذي كذبوه على أنفسهم في الدنيا؛ والذي لا ظل له في حسهم ولا في الواقع يوم القيامة! .. والله أعلم بمراده على كل حال.. إنما هو احتمال.. ويمضي السياق يصور حال فريق من المشركين؛ ويقرر مصيرهم في مشهد من مشاهد القيامة.. يصور حالهم وهم يستمعون القرآن معطلي الإدراك، مطموسي الفطرة، معاندين مكابرين، يجادلون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم على هذا النحو من الاستغلاق والعناد، ويدعون على هذا القرآن الكريم أنه أساطير الأولين؛ وينأون عن سماعه وينهون غيرهم عنه أيضاً.. يصور حالهم هكذا في الدنيا في صفحة، وفي الصفحة الأخرى يرسم لهم مشهداً كئيباً مكروباً؛ وهم موقوفون على النار محبوسون عليها، وهي تواجههم بهول المصير الرعيب؛ وهم يتهافتون متخاذلين؛ ويتهاوون متحسرين؛ يتمنون لو يردون إلى الدنيا فيكون لهم موقف غير ذلك الموقف، الذي انتهى بهم إلى هذا المصير. فيردون عن هذا التمني بالتصغير والتحقير: {ومنهم من يستمع إليك، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، حتى إذا جاءوك يجادلونك، يقول الذين كفروا: إن هذا إلا أساطير الأولين. وهم ينهون عنه وينأون عنه، وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون. ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين! بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون}.. إنهما صفحتان متقابلتان: صفحة في الدنيا يرتسم فيها العناد والإعراض؛ وصفحة في الآخرة يرتسم فيها الندم والحسرة.. يرسمها السياق القرآني، ويعرضهما هذا العرض المؤثر الموحي؛ ويخاطب بهما الفطر الجاسية؛ ويهز بها هذه الفطر هزاً، لعل الركام الذي ران عليها يتساقط، ولعل مغاليقها الصلدة تتفتح، ولعلها تفيء إلى تدبر هذا القرآن قبل فوات الأوان. {ومنهم من يستمع إليك، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها}.. والأكنة: الأغلفة التي تحول دون أن تتفتح هذه القلوب فتفقه؛ والوقر: الصمم الذي يحول دون هذه الآذان أن تؤدي وظيفتها فتسمع.. وهذه النماذج البشرية التي تستمع؛ ولكنها لا تفقه، كأن ليس لها قلوب تدرك؛ وكأن ليس لها آذان تسمع.. نماذج مكرورة في البشرية في كل جيل وفي كل قبيل، في كل زمان وفي كل مكان.. إنهم أناسي من بني آدم.. ولكنهم يسمعون القول وكأنهم لا يسمعونه. كأن آذانهم صماء لا تؤدي وظيفتها. وكأن إدراكهم في غلاف لا تنفذ إليه مدلولات ما سمعته الآذان! {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها. حتى إذا جاءوك يجادلونك. يقول الذين كفروا: إن هذا إلا أساطير الأولين}.. فأعينهم ترى كذلك. ولكن كأنها لا تبصر. أو كأن ما تبصره لا يصل إلى قلوبهم وعقولهم! فما الذي أصاب القوم يا ترى؟ ما الذي يحول بينهم وبين التلقي والاستجابة. بينما لهم آذان ولهم عيون ولهم عقول؟ يقول الله - سبحانه -: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً. وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها}.. وهذا يعبر عن قضاء الله فيهم بألا يتلقى إدراكهم هذا الحق ولا يفقهه؛ وبألا تؤدي أسماعهم وظيفتها فتنقل إلى إدراكهم ما تسمع من هذا الحق فتستجيب له، مهما يروا من دلائل الهدى وموحيات الإيمان. غير أنه يبقى أن نلتمس سنة الله في هذا القضاء.. إنه سبحانه يقول: {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}تفسير : ويقول: {أية : ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها}تفسير : .. فشأن الله - سبحانه - أن يهدي من يجاهد ليبلغ الهدى؛ وأن يفلح من يزكي نفسه ويطهرها.. فأما هؤلاء فلم يتجهوا إلى الهدى ليهديهم الله؛ ولم يحاولوا أن يستخدموا أجهزة الاستقبال الفطرية في كيانهم، فييسر الله لهم الاستجابة.. هؤلاء عطلوا أجهزتهم الفطرية ابتداء؛ فجعل الله بينهم وبين الهدى حجاباً؛ وجرى قضاؤه فيهم بهذا الذي جرى جزاء على فعلهم الأول ونيتهم الأولى.. وكل شيء إنما يكون بأمر الله. ومن أمر الله أن يهدي من يجاهد، وأن يفلح من يتزكى. ومن أمر الله أن يجعل على قلوب المعرضين أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها.. والذين يحيلون ضلالهم وشركهم وخطاياهم على إرادة الله بهم، وعلى قضائه فيهم، إنما يغالطون في هذه الإحالة. والله سبحانه يجبههم بالحق، وهو يحكي أقوالهم في هذا الشأن ويسفهها: {أية : وقال الذين أشركوا: لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا، ولا حرمنا من دونه من شيء. كذلك فعل الذين من قبلهم. فهل على الرسل إلا البلاغ المبين؟ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً: أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}تفسير : .. فدل هذا على إنكار الله عليهم قولهم؛ وعلى أن الضلالة إنما حقت عليهم - بعد النذارة - بفعلهم.. والذين أثاروا قضايا القضاء والقدر، والجبر والاختيار، وإرادة العبد وكسبه.. ليجعلوا منها مباحث لاهوتية، تخضع لما تتصوره عقولهم من فروض وتقديرات، إنما يجانبون منهج القرآن في عرض هذه القضية في صورتها الواقعية التقريرية البسيطة؛ التي تقرر أن كل شيء إنما يكون بقدر من الله؛ وأن اتجاه الإنسان على هذا النحو أو ذاك داخل في حدود فطرته التي خلقه الله عليها، والتي جرى بها قدر الله فكانت على ما كانت عليه؛ وأن اتجاهه على هذا النحو أو ذاك تترتب عليه نتائج وآثار في الدنيا والآخرة يجري بها قدر الله أيضاً، فتكون.. وبهذا يكون مرجع الأمر كله إلى قدر الله.. ولكن على النحو الذي يرتب على إرادة الإنسان الموهوبة له ما يوقعه قدر الله به.. وليس وراء هذا التقرير إلا الجدل الذي ينتهي إلى المراء! والمشركون كانت معروضة عليهم أمارات الهدى ودلائل الحق وموحيات الإيمان، في هذا القرآن، الذي يلفتهم إلى آيات الله في الأنفس والآفاق؛ وهي وحدها كانت كفيلة - لو اتجهت إليها قلوبهم - أن توقع على أوتار هذه القلوب، وأن تهز فيها المدارك الغافية فتوقظها وتحييها، لتتلقى وتستجيب.. إلا أنهم هم لم يجاهدوا ليهتدوا؛ بل عطلوا فطرتهم وحوافزها؛ فجعل الله بينهم وبين موحيات الهدى حجاباً؛ وصاروا حين يجيئون إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يجيئون مفتوحي الأعين والآذان والقلوب؛ ليتدبروا ما يقوله لهم تدبر الباحث عن الحق؛ ولكن ليجادلوا ويتلمسوا أسباب الرد والتكذيب: {حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا: إن هذا إلا أساطير الأولين}.. والأساطير جمع أسطورة. وكانوا يطلقونها على الحكايات التي تتضمن الخوارق المتعلقة بالألهة والأبطال في قصص الوثنيات. وأقربها إليهم كانت الوثنية الفارسية وأساطيرها. وهم كانوا يعلمون جيداً أن هذا القرآن ليس بأساطير الأولين. ولكنهم إنما كانوا يجادلون؛ ويبحثون عن أسباب الرد والتكذيب؛ ويتلمسون أوجه الشبهات البعيدة.. وكانوا يجدون فيما يتلى عليهم من القرآن قصصاً عن الرسل وأقوامهم؛ وعن مصارع الغابرين من المكذبين. فمن باب التمحل والتماس أوهى الأسباب، قالوا عن هذا القصص وعن القرآن كله: {إن هذا إلا أساطير الأولين}! وإمعاناً في صرف الناس عن الاستماع لهذا القرآن، وتثبيت هذه الفرية.. فرية أن هذا القرآن إن هو إلا أساطير الأولين.. كان مالك بن النضر، وهو يحفظ أساطير فارسية عن رستم واسفنديار من أبطال الفرس الأسطوريين، يجلس مجلساً قريباً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتلو القرآن. فيقول للناس: إن كان محمد يقص عليكم أساطير الأولين، فعندي أحسن منها! ثم يروح يقص عليهم مما عنده من الأساطير، ليصرفهم عن الاستماع إلى القرآن الكريم! ولقد كانوا كذلك ينهون الناس عن الاستماع إليه - وهم كبراؤهم - وينأون هم عن الاستماع خشية التأثر والاستجابة: {وهم ينهون عنه، وينأون عنه، وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون}.. لقد كانوا على يقين من أنه ليس أساطير الأولين. وأن مواجهته بأساطير الأولين لا تجدي لو ترك الناس يسمعون! وكان كبراء قريش يخافون على أنفسهم من تأثير هذا القرآن فيها كما يخافون على أتباعهم. فلم يكن يكفي إذن في المعركة بين الحق النفاذ بسلطانه القوي، والباطل الواهن المتداعي، أن يجلس النضر بن الحارث يروي للناس أساطير الأولين! ومن ثم كانوا ينهون أتباعهم أن يستمعوا لهذا القرآن؛ كما كانوا هم أنفسهم ينأون بأنفسهم - خوفاً عليها أن تتأثر وتستجيب - وحكاية الأخنس بن شريق، وأبي سفيان بن حرب، وعمرو بن هشام وهم يقاومون جاذبية القرآن التي تشدهم شداً إلى التسمع في خفية لهذا القرآن حكاية مشهورة في السيرة. وهذا الجهد كله الذي كانوا يبذلونه ليمنعوا أنفسهم ويمنعوا غيرهم من الاستماع لهذا القرآن؛ ومن التأثر به والاستجابة له.. هذا الجهد كله إنما كانوا يبذلونه في الحقيقة لإهلاك أنفسهم - كما يقرر الله - سبحانه -: {وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون}! وهل يهلك إلا نفسه من يجاهد نفسه ويجاهد غيره دون الهدى والصلاح والنجاة، في الدنيا والآخرة؟ إنهم مساكين أولئك الذين يجعلون همهم كله في الحيلولة بين أنفسهم والناس معهم وبين هدى الله! مساكين! ولو تبدوا في ثياب الجبابرة وزي الطواغيت! مساكين فهم لا يهلكون إلا أنفسهم في الدنيا والآخرة. وإن بدا لهم حيناً من الدهر وبدا للمخدوعين بالزبد أنهم رابحون مفلحون. ومن شاء أن يرى فلينظر في الصفحة الأخرى المواجهة لهذه الصفحة الأولى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا: يا ليتنا نرد، ولا نكذب بآيات ربنا، ونكون من المؤمنين}! إنه المشهد المقابل لمشهدهم في الدنيا.. مشهد الاستخذاء والندامة والخزي والحسرة. في مقابل مشهد الإعراض والجدال والنهي والنأي والادعاء العريض! {ولو ترى إذ وقفوا على النار}.. لو ترى ذلك المشهد! لو تراهم وقد حبسوا على النار لا يملكون الإعراض والتولي! ولا يملكون الجدل والمغالطة! لو ترى لرأيت ما يهول! ولرأيتهم يقولون: {يا ليتنا نرد، ولا نكذب بآيات ربنا، ونكون من المؤمنين}.. فهم يعلمون الآن أنها كانت "آيات ربنا"! وهم يتمنون لو يردون إلى الدنيا. وعندئذ فلن يكون منهم تكذيب بهذه الآيات، وعندئذ سيكونون من المؤمنين! ولكنها ليست سوى الأماني التي لا تكون! على أنهم إنما يجهلون جبلتهم. فهي جبلة لا تؤمن. وقولهم هذا عن أنفسهم: إنهم لو ردوا لما كذبوا ولكانوا مؤمنين، إنما هو كذب لا يطابق حقيقة ما يكون منهم لو كان لإجابتهم من سبيل! وإنهم ما يقولون قولتهم هذه، إلا لأنه تكشف لهم من سوء عملهم وسوء مغبتهم ما كانوا من قبل يخفونه على أتباعهم ليوهموهم أنهم محقون، وأنهم ناجون، وأنهم مفلحون. {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل. ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. وإنهم لكاذبون}.. إن الله يعلم طبيعتهم؛ ويعلم إصرارهم على باطلهم؛ ويعلم أن رجفة الموقف الرعيب على النار هي التي أنطقت ألسنتهم بهذه الأماني وهذه الوعود.. {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون}.. ويدعهم السياق في هذا المشهد البائس، وهذا الرد يصفع وجوههم بالمهانة والتكذيب! يدعهم ليفتح صفحتين جديدتين متقابلتين كذلك؛ ويرسم لهما مشهدين متقابلين: أحدهما في الدنيا وهم يجزمون بأن لا بعث ولا نشور، ولا حساب ولا جزاء. وثانيهما في الآخرة وهم موقوفون على ربهم يسألهم عما هم فيه: {أليس هذا بالحق؟}.. السؤال الذي يزلزل ويذيب.. فيجيبون إجابة المهين الذليل: {بلى! وربنا}.. فيجبهون عندئذ بالجزاء الأليم بما كانوا يكفرون.. ثم يمضي السياق يرسم مشهدهم والساعة تأخذهم بغتة، بعدما كذبوا بلقاء الله، فتنتابهم الحسرة؛ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم! وفي النهاية يقرر حقيقة وزن الدنيا والآخرة في ميزان الله الصحيح: {وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا، وما نحن بمبعوثين. ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال: أليس هذا بالحق؟ قالوا: بلى وربنا. قال: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون.. قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها، وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون. وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، وللدار الآخرة خير للذين يتقون. أفلا تعقلون؟} وقضية البعث والحساب والجزاء في الدار الآخرة من قضايا العقيدة الأساسية، التي جاء بها الإسلام؛ والتي يقوم عليها بناء هذه العقيدة بعد قضية وحدانية الألوهية. والتي لا يقوم هذا الدين - عقيدة وتصوراً، وخلقاً وسلوكاً، وشريعة ونظاماً - إلا عليها.. وبها.. إن هذا الدين الذي أكمله الله، وأتم به نعمته على المؤمنين به، ورضيه لهم ديناً - كما قال لهم في كتابه الكريم - هو منهج للحياة كامل في حقيقته، متكامل متناسق في تكوينه.. "يتكامل" ويتناسق فيه تصوره الاعتقادي مع قيمه الخلقية، مع شرائعه التنظيمية.. وتقوم كلها على قاعدة واحدة من حقيقة الألوهية فيه وحقيقة الحياة الآخرة. فالحياة - في التصور الإسلامي - ليست هي هذه الفترة القصيرة التي تمثل عمر الفرد؛ وليست هي هذه الفترة المحدودة التي تمثل عمر الأمة من الناس؛ كما أنها ليست هي هذه الفترة المشهودة التي تمثل عمر البشرية في هذه الحياة الدنيا. إن الحياة في - التصور الإسلامي - تمتد طولاً في الزمان، وتمتد عرضاً في الآفاق، وتمتد عمقاً في العوالم، وتمتد تنوعاً في الحقيقة.. عن تلك الفترة التي يراها ويظنها ويتذوقها من يغفلون الحياة الآخرة من حسابهم ولا يؤمنون بها. إن الحياة - في التصور الإسلامي - تمتد في الزمان، فتشمل هذه الفترة المشهودة - فترة الحياة الدنيا - وفترة الحياة الأخرى التي لا يعلم مداها إلا الله؛ والتي تعد فترة الحياة الدنيا بالقياس إليها ساعة من نهار! وتمتد في المكان، فتضيف إلى هذه الأرض التي يعيش عليها البشر؛ داراً أخرى: جنة عرضها كعرض السماوات والأرض؛ وناراً تسع الكثرة من جميع الأجيال التي عمرت وجه الأرض ملايين الملايين من السنين! وتمتد في العوالم، فتشمل هذا الوجود المشهود إلى وجود مغيب لا يعلم حقيقته كلها إلا الله؛ ولا نعلم نحن عنه إلا ما أخبرنا به الله. وجود يبدأ من لحظة الموت، وينتهي في الدار الآخرة. وعالم الموت وعالم الآخرة كلاهما من غيب الله. وكلاهما يمتد فيه الوجود الإنساني في صور لا يعلمها إلا الله. وتمتد الحياة في حقيقتها؛ فتشمل هذا المستوى المعهود في الحياة الدنيا، إلى تلك المستويات الجديدة في الحياة الأخرى.. في الجنة وفي النار سواء.. وهي ألوان من الحياة ذات مذاقات ليست من مذاقات هذه الحياة الدنيا.. ولا تساوي الدنيا - بالقياس إليها - جناح بعوضة! والشخصية الإنسانية - في التصور الإسلامي - يمتد وجودها في هذه الأبعاد من الزمان، وفي هذه الآفاق من المكان، وفي هذه الأعماق والمستويات من العوالم والحيوات.. ويتسع تصورها للوجود كله؛ وتصورها للوجود الإنساني؛ ويتعمق تذوقها للحياة؛ وتكبر اهتماماتها وتعلقاتها وقيمها، بقدر ذلك الامتداد في الأبعاد والآفاق والأعماق والمستويات.. بينما أولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة، يتضاءل تصورهم للوجود الكوني، وتصورهم للوجود الإنساني؛ وهم يحشرون أنفسهم وتصوراتهم وقيمهم وصراعهم في ذلك الجحر الضيق الصغير الضئيل من هذه الحياة الدنيا! ومن هذا الاختلاف في التصور يبدأ الاختلاف في القيم، ويبدأ الاختلاف في النظم.. ويتجلى كيف أن هذا الدين منهج حياة متكامل متناسق؛ وتتبين قيمة الحياة الآخرة في بنائه: تصوراً واعتقاداً، وخلقاً وسلوكاً، وشريعة ونظاماً.. إن إنساناً يعيش في هذا المدى المتطاول من الزمان والمكان والعوالم والمذاقات، غير إنسان يعيش في ذلك الجحر الضيق، ويصارع الآخرين عليه، بلا انتظار لعوض عما يفوته، ولا لجزاء عما يفعله وما يفعل به.. إلا في هذه الأرض ومن هؤلاء الناس! إن اتساع التصور وعمقه وتنوعه ينشئ سعة في النفس وكبراً في الاهتمامات ورفعة في المشاعر! ينشأ عنها هي بذاتها خلق وسلوك، غير خلق الذين يعيشون في الجحور وسلوكهم! فإذا أضيف إلى سعة التصور وعمقه وتنوعه، طبيعة هذا التصور، والاعتقاد في عدل الجزاء في الدار الآخرة، وفي ضخامة العوض عما يفوت ونفاسته؛ استعدت النفس للبذل في سبيل الحق والخير والصلاح الذي تعلم أنه من أمر الله، وأنه مناط العوض والجزاء؛ وصلح خلق الفرد واستقام سلوكه - متى استيقن من الآخرة كما هي في التصور الإسلامي - وصلحت الأوضاع والأنظمة، التي لا يتركها الأفراد تسوء وتنحرف، وهم يعلمون أن سكوتهم على فسادها لا يحرمهم صلاح الحياة الدنيا وحدها وخيراتها؛ ولكنه يحرمهم كذلك العوض في الآخرة، فيخسرون الدنيا والآخرة! والذين يفترون على عقيدة الحياة الآخرة فيقولون: إنها تدعو الناس إلى السلبية في الحياة الدنيا؛ وإلى إهمال هذه الحياة؛ وتركها بلا جهد لتحسينها وإصلاحها؛ وإلى تركها للطغاة والمفسدين تطلعاً إلى نعيم الآخرة.. الذين يفترون هذا الافتراء على عقيدة الآخرة يضيفون إلى الافتراء الجهالة! فهم يخلطون بين عقيدة الآخرة - كما هي في التصورات الكنسية المنحرفة - وعقيدة الآخرة كما هي في دين الله القويم.. فالدنيا - في التصور الإسلامي - هي مزرعة الآخرة. والجهاد في الحياة الدنيا لإصلاح هذه الحياة، ورفع الشر والفساد عنها، ورد الاعتداء عن سلطان الله فيها، ودفع الطواغيت وتحقيق العدل والخير للناس جميعاً.. كل أولئك هو زاد الآخرة؛ وهو الذي يفتح للمجاهدين أبواب الجنة، ويعوضهم عما فقدوا في صراع الباطل، وما أصابهم من الأذى.. فكيف يتفق لعقيدة هذه تصوراتها أن يدع أهلها الحياة الدنيا تركد وتأسن، أو تفسد وتختل، أو يشيع فيها الظلم والطغيان، أو تتخلف في الصلاح والعمران.. وهم يرجون الآخرة، وينتظرون فيها الجزاء من الله؟ إن الناس إذا كانوا في فترات من الزمان يعيشون سلبيين؛ ويدعون الفساد والشر والظلم والطغيان والتخلف والجهالة تغمر حياتهم الدنيا - مع ادعائهم الإسلام - فإنما هم يصنعون ذلك كله أو بعضه لأن تصورهم للإسلام قد فسد وانحرف؛ ولأن يقينهم في الآخرة قد تزعزع وضعف! لا لأنهم يدينون بحقيقة هذا الدين؛ ويستيقنون من لقاء الله في الآخرة. فما يستيقن أحد من لقاء الله في الآخرة، وهو يعي حقيقة هذا الدين، ثم يعيش في هذه الحياة سلبياً، أو متخلفاً، أو راضياً بالشر والفساد والطغيان. إنما يزاول المسلم هذه الحياة الدنيا، وهو يشعر أنه أكبر منها وأعلى. ويستمتع بطيباتها أو يزهد فيها وهو يعلم أنها حلال في الدنيا خالصة له يوم القيامة. ويجاهد لترقية هذه الحياة وتسخير طاقاتها وقواها وهو يعرف أن هذا واجب الخلافة عن الله فيها. ويكافح الشر والفساد والظلم محتملاً الأذى والتضحية حتى الشهادة وهو إنما يقدم لنفسه في الآخرة.. إنه يعلم من دينه أن الدنيا مزرعة الآخرة؛ وأن ليس هنالك طريق للآخرة لا يمر بالدنيا؛ وأن الدنيا صغيرة زهيدة ولكنها من نعمة الله التي يجتاز منها إلى نعمة الله الكبرى.. وكل جزئية في النظام الإسلامي منظور فيها إلى حقيقية الحياة الآخرة؛ وما تنشئه في التصور من سعة وجمال وارتفاع؛ وما تنشئه في الخلق من رفعة وتطهر وسماحة ومن تشدد في الحق وتحرج وتقوى؛ وما تنشئه في النشاط الإنساني من تسديد وثقة وتصميم. من أجل ذلك كله لا تستقيم الحياة الإسلامية بدون يقين في الآخرة. ومن أجل ذلك كله كان هذا التوكيد في القرآن الكريم على حقيقة الآخرة.. وكان العرب في جاهليتهم - وبسبب من هذه الجاهلية - لا تتسع آفاقهم التصورية والشعورية والفكرية للاعتقاد في حياة أخرى غير هذه الحياة الدنيا؛ ولا في عالم آخر غير هذا العالم الحاضر: ولا في امتداد الذات الإنسانية إلى آماد وآفاق وأعماق غير هذه الآماد المحسوسة.. مشاعر وتصورات أشبه شيء بمشاعر الحيوان وتصوراته.. شأنهم في هذا شأن الجاهلية الحاضرة.. "العلمية" كما يصر أهلها على تسميتها! {وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين}.. وكان الله - سبحانه - يعلم أن الاعتقاد على هذا النحو يستحيل أن تنشأ في ظله حياة إنسانية رفيعة كريمة.. هذه الآفاق الضيقة في الشعور والتصور، التي تلصق الإنسان بالأرض، وتلصق تصوره بالمحسوس منها كالبهيمة.. وهذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان، التي تطلق السعار في النفس، والتكالب على المتاع المحدود، والعبودية لهذا المتاع الصغير، كما تطلق الشهوات من عقالها تعربد وحدها بلا كابح، ولا هدنة، ولا أمل في عوض، إن لم تقض هذه الشهوات الهابطة الصغيرة، التي لا تكاد تبلغ نزوات البهيمة!.. وهذه الأنظمة والأوضاع، التي تنشأ في الأرض منظوراً فيها إلى هذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان؛ بلا عدل ولا رحمة، ولا قسط ولا ميزان.. إلا أن يصارع الأفراد بعضهم بعضاً، وتصارع الطبقات بعضها بعضاً، وتصارع الأجناس بعضها بعضاً.. وينطلق الكل في الغابة انطلاقاً لا يرتفع كثيراً على انطلاق الوحوش والغيلان! كما نشهد اليوم في عالم "الحضارة".. في كل مكان.. كان الله - سبحانه - يعلم هذا كله؛ ويعلم أن الأمة التي قدر أن يعطيها مهمة الإشراف على الحياة البشرية، وقيادتها إلى القمة السامقة التي يريد أن تتجلى فيها كرامة الإنسانية في صورة واقعية.. أن هذه الأمة لا يمكن أن تؤدي واجبها هذا إلا بأن تخرج بتصوراتها وقيمها من ذلك الجحر الضيق إلى تلك الآفاق والآماد الواسعة.. من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.. ولهذا كان ذلك التوكيد على حقيقة الآخرة.. أولاً لأنها حقيقة. والله يقص الحق. وثانياً لأن اليقين بها ضرورة لاستكمال إنسانية الإنسان: تصوراً واعتقاداً، وخلقاً وسلوكاً، وشريعة ونظاماً. ومن ثم كانت هذه الإيقاعات العنيفة العميقة التي نراها في هذه الموجة من نهر السورة المتدفق.. الإيقاعات التي يعلم الله أن فطرة الإنسان تهتز لها وترجف؛ فتتفتح نوافذها، وتستيقظ أجهزة الاستقبال فيها، وتتحرك وتحيا، وتتأهب للتلقي والاستجابة.. ذلك كله فضلاً على أنها تمثل الحقيقة: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم. قال: أليس هذا بالحق؟ قالوا: بلى وربنا. قال: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}.. هذا مصير الذين قالوا: {إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين}.. وهذا هو مشهدهم البائس المخزي المهين؛ وهم موقوفون في حضرة ربهم الذي كذبوا بلقائه، لا يبرحون الموقف. وكأنما أُخذ بأعناقهم حتى وقفوا في هذا المشهد الجليل الرهيب: {قال: أليس هذا بالحق؟}.. وهو سؤال يخزي ويذيب! {قالوا: بلى وربنا}.. الآن. وهم موقوفون على ربهم. في الموقف الذي نفوا على سبيل التوكيد أن يكون! وفي اختصار يناسب جلال الموقف، ورهبة المشهد، وهول المصير، يجيء الأمر العلوي بالقضاء الأخير: {قال: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}.. وهو مصير يتفق مع الخلائق التي أبت على نفسها سعة التصور الإنساني وآثرت عليه جحر التصور الحسي! والتي أبت أن ترتفع إلى الأفق الإنساني الكريم، وأخلدت إلى الأرض، وأقامت حياتها وعاشت على أساس ذلك التصور الهابط الهزيل! لقد ارتكست هذه الخلائق حتى أهلت نفسها لهذا العذاب؛ الذي يناسب طبائع الكافرين بالآخرة؛ الذين عاشوا ذلك المستوى الهابط من الحياة! بذلك التصور الهابط الهزيل! ويستكمل السياق المشهد الذي ختمه هناك بهذا القضاء العلوي تنسيقاً له مع الجلال والروعة والهول.. يستكمله بتقرير حقيقته: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله. حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها!}.. فهي الخسارة المحققة المطلقة.. خسارة الدنيا بقضاء الحياة فيها في ذلك المستوى الأدنى.. وخسارة الآخرة على النحو الذي رأينا.. والمفاجأة التي لم يحسب لها أولئك الغافلون الجاهلون حساباً: {حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها!}.. ثم مشهدهم كالدواب الموقرة بالأحمال: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم}.. بل الدواب أحسن حالاً. فهي تحمل أوزاراً من الأثقال. ولكن هؤلاء يحملون أوزاراً من الآثام! والدواب تحط عنها أوزارها فتذهب لتستريح. وهؤلاء يذهبون بأوزارهم إلى الجحيم. مشيعين بالتأثيم: {ألا ساء ما يزرون!}.. وفي ظلال هذا المشهد الناطق بالخسارة والضياع، بعد ذلك المشهد الناطق بالهول والرهبة.. يجيء الإيقاع الأخير في هذا المقطع؛ بحقيقة وزن الدنيا ووزن الآخرة في ميزان الله؛ وقيمة هذه الدنيا وقيمة الآخرة في هذا الميزان الصحيح: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، وللدار الآخرة خير للذين يتقون. أفلا تعقلون؟}.. هذه هي القيمة المطلقة الأخيرة في ميزان الله للحياة الدنيا وللدار الآخرة.. وما يمكن أن يكون وزن ساعة من نهار، على هذا الكوكب الصغير، إلا على هذا النحو، حين توازن بذلك الأبد الأبيد في ذلك الملك العريض. وما يمكن أن تكون قيمة نشاط ساعة في هذه العبادة إلا لعباً ولهواً حين تقاس إلى الجد الرزين في ذلك العالم الآخر العظيم.. هذا تقييم مطلق.. ولكنه في التصور الإسلامي لا ينشئ - كما قلنا - إهمالاً للحياة الدنيا ولا سلبية فيها ولا انعزالاً عنها.. وليس ما وقع من هذا الإهمال والسلبية والانعزال وبخاصة في بعض حركات "التصوف" "والزهد" بنابع من التصور الإسلامي أصلاً. إنما هو عدوى من التصورات الكنسية الرهبانية؛ ومن التصورات الفارسية، ومن بعض التصورات الإشراقية الإغريقية المعروفة بعد انتقالها للمجتمع الإسلامي! والنماذج الكبيرة التي تمثل التصور الإسلامي في أكمل صورة، لم تكن سلبية ولا انعزالية.. فهذا جيل الصحابة كله؛ الذين قهروا الشيطان في نفوسهم، كما قهروه في الأنظمة الجاهلية السائدة من حولهم في الأرض؛ حيث كانت الحاكمية للعباد في الإمبراطوريات.. هذا الجيل الذي كان يدرك قيمة الحياة الدنيا كما هي في ميزان الله، هو الذي عمل للآخرة بتلك الآثار الإيجابية الضخمة في واقع الحياة، وهو الذي زاول الحياة بحيوية ضخمة، وطاقة فائضة، في كل جانب من جوانبها الحية الكثيرة. إنما أفادهم هذا التقييم الرباني للحياة الدنيا وللدار الآخرة، أنهم لم يصبحوا عبيداً للدنيا. لقد ركبوها ولم تركبهم! وعبدوها فذللوها لله ولسلطانه ولم تستعبدهم! ولقد قاموا بالخلافة عن الله فيها بكل ما تقتضيه الخلافة عن الله من تعمير وإصلاح، ولكنهم كانوا يبتغون في هذه الخلافة وجه الله، ويرجون الدار الآخرة. فسبقوا أهل الدنيا في الدنيا، ثم سبقوهم كذلك في الآخرة! والآخرة غيب. فالأيمان بها سعة في التصور. وارتقاء في العقل. والعمل لها خير للمتقين يعرفه الذين يعقلون: {وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون}.. والذين ينكرون الآخرة اليوم لأنها "غيب" إنما هم الجهال الذين يدعون العلم.. فالعلم علم الناس - (كما سنذكر فيما بعد) لم يعد لديه اليوم حقيقة واحدة مستيقنة له إلا حقيقة الغيب وحقيقة المجهول!!!
ابن عاشور
تفسير : جملة مستأنفة انتقل بها أسلوب الكلام من مخاطبة الله المشركين على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إخبار عامّ كسائر أخبار القرآن. أظهر الله دليلاً على صدق الرسول فيما جاء به بعد شهادة الله تعالى التي في قوله {أية : قل الله شهيد بيني وبينكم}تفسير : [الأنعام: 19]، فإنّه لمَّا جاء ذكر القرآن هنالك وقع هذا الانتقال للاستشهاد على صدق القرآن المتضمّن صدق من جاء به، لأنّه هو الآية المعجزة العامَّة الدائمة. وقد علمت آنفاً أنّ الواحدي ذكر أنّ رؤساء المشركين قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم قد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس عندهم ذكرك ولا صفتك إلى آخره؛ فإذا كان كذلك كان التعرّض لأهل الكتاب هنا إبطالاً لما قالوه أنّه ليس عندهم ذكر النبي ولا صفته، أي فهم وأنتم سواء في جحد الحقّ، وإن لم تجعل الآية مشيرة إلى ما ذكر في أسباب النزول تعيّن أن تجعل المراد بِــ {الذين آتيناهم الكتاب} بعض أهل الكتاب، وهم المنصفون منهم مثل عبد الله بن سلام ومخيريق، فقد كان المشركون يقدُرون أهل الكتاب ويثقون بعلمهم وربما اتّبع بعض المشركين دين أهل الكتاب وأقلعوا عن الشرك مثل ورقة بن نوفل، فلذلك كانت شهادتهم في معرفة صحّة الدين موثوقاً بها عندهم إذا أدّوها ولم يكتموها. وفيه تسجيل على أهل الكتاب بوجوب أداء هذه الشهادة إلى الناس. فالضمير المنصوب في قوله: {يعرفونه} عائد إلى القرآن الذي في قوله: {أية : وأوحي إليّ هذا القرآن}تفسير : [الأنعام: 19]. والمراد أنَّهم يعرفون أنّه من عند الله ويعرفون ما تضمّنه ممّا أخبرت به كتبهم، ومن ذلك رسالة من جاء به، وهو محمد صلى الله عليه وسلم لما في كتبهم من البشارة به. والمراد بالذين أوتوا الكتاب علماء اليهود والنصارى كقوله تعالى: {أية : قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب}تفسير : [الرعد: 43]. والتشبيه في قوله: {كما يعرفون أبناءهم} تشبيه المعرفة بالمعرفة. فوجه الشبه هو التحقّق والجزم بأنّه هو الكتاب الموعود به، وإنّما جعلت المعرفة المشبّه بها هي معرفة أبنائهم لأن المرء لا يضلّ عن معرفة شخص ابنه وذاته إذا لقيه وأنّه هو ابنه المعروف، وذلك لكثرة ملازمة الأبناء آباءهم عرفاً. وقيل: إنّ ضمير {يعرفونه} عائد إلى التوحيد المأخوذ من قوله: {أية : إنّما هو إله واحد}تفسير : [الأنعام: 19] وهذا بعيد. وقيل: الضمير عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أنّه لم يجر له ذكر فيما تقدّم صريحاً ولا تأويلاً. ويقتضي أن يكون المخاطب غير الرسول صلى الله عليه وسلم وهو غير مناسب على أنّ في عوده إلى القرآن غنية عن ذلك مع زيادة إثباته بالحجَّة وهي القرآن. وقوله: {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} استئناف لزيادة إيضاح تصلّب المشركين وإصرارهم، فهم المراد بالذين خسروا أنفسهم كما أريدوا بنظيره السابق الواقع بعد قوله {أية : ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه}تفسير : [النساء: 87]. فهذا من التكرير للتسجيل وإقامة الحجَّة وقطع المعذرة، وأنّهم مصرّون على الكفر حتى ولو شهد بصدق الرسول أهل الكتاب، كقوله {أية : قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم}تفسير : [الأحقاف: 10]. وقيل: أريد بهم أهل الكتاب، أي الذين كتموا الشهادة، فيكون {الذين خسروا} بدلاً من {الذين آتيناهم الكتاب}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 20- الذين آتيناهم الكتب السماوية من اليهود والنصارى، يعرفون محمداً وصدق رسالته، من هذه الكتب، كمعرفتهم أبناءهم. إن الذين ضيعوا أنفسهم، لا يقرون بما يعرفون، فهم لا يؤمنون. 21- وليس أحد أشد ظلماً لنفسه وللحق ممن افترى على الله الكذب، وادعى أن له ولداً أو شريكاً، أو نسب إليه ما لا يليق، أو أنكر أدلته الدالة على وحدانيته وصدق رسله. إن الظالمين لا يفوزون بخير فى الدنيا والآخرة. 22- واذكر لهم ما سيحصل يوم نجمع الخلق كلهم للحساب، ثم نقول توبيخاً للذين عبدوا مع الله غيره: أين الذين جعلتموهم شركاء لله لينفعوكم؟ 23- ثم لم تكن نتيجة محنتهم الشديدة فى هذا الموقف إلا محاولة التخلص من شركهم السابق بالكذب، فقالوا كاذبين: والله ربنا ما أشركنا فى العبادة أحداً غيرك. 24- انظر كيف غالطوا أنفسهم بهذا الكذب، وغاب عنهم ما كانوا يختلقونه من عبادة الأحجار ويزعمونها شركاء لله!!
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الذين أوتوا الكتاب: علماء اليهود والنصارى. يعرفونه: يعرفون محمداً نبياً لله ورسولاً له. افترى على الله كذباً: اختلق الكذب وزوّره في نفسه وقال. لا يفلح الظالمون: لا ينجون من عذاب الله يوم القيامة. أين شركاؤكم: استفهام توبيخي لهم. تزعمون: تدعون أنهم شركاء يشفعون لكم عند الله. وضل عنهم: غاب عنهم ولم يحضرهم ما كانوا يكذبونه. معنى الآيات: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} أي علماء اليهود والنصارى {يَعْرِفُونَهُ} أي النبي محمداً صلى الله عليه وسلم أنه نبي الله وأن القرآن كتاب الله أوحاه إليه يعرفونه بما ثبت من أخباره ونعوته معرفة كمعرفة أبنائهم، رد الله تعالى بهذا على العرب الذين قالوا: لو كنت نبياً لشهد لك بذلك أهل الكتاب ثم أخبر تعالى أن الذين خسروا أنفسهم في قضاء الله وحكمه الأزلي لا يؤمنون، وإن علموا ذلك في كتبهم وفهموه واقتنعوا به، فهذا سر عدم إيمانهم، فلن يكون إذاً عدم إيمانهم حجة ودليلاً على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنه غير نبي ولا رسول هذا ما دلت عليه الآية الأولى [20] وفي الآية الثانية نداء الله تعالى لكلٍّ من مشركي العرب وكفار أهل الكتاب بقوله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} وهم المشركون بزعمهم أن الأصنام تشفع لهم عند الله ولذا عبدوها، أو كذبوا بآياته وهم أهل الكتاب، وأخبر أن الجميع في موقفهم المعادي للتوحيد والإسلام ظالمون، وإن الظالمون لا يفلحون فحكم بخسران الجميع إلا من آمن منهم وعبد الله ووحده وكان من المسلمين وقوله تعالى في الآية الثالثة [22] {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} مشركين وأهل كتاب أي لا يفلحون في الدنيا ولا يوم نحشرهم وهو يوم القيامة لأنهم ظالمون، ثم أخبر تعالى بمناسبة ذكر يوم القيامة أنه يسأل المشركين منهم فيقول لهم: {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم؟ ثم لم تكن نتيجة هذه الفتنة أي الاختبار إلا قولهم: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} يكذبون هذا الكذب لأنهم رأوا أن المشركين لا يغفر لهم ولا ينجون من النار. ثم أمر الله رسوله أن يتعجب من موقفهم هذا المخزي لهم فقال له: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أما ربهم فهو عليم بهم {وَضَلَّ عَنْهُمْ} أي غاب فلم يروه. {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي يكذبون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- لم يمنع أهل الكتاب من الدخول في الإسلام إلا إيثار الدنيا على الآخرة. 2- سببان في عظم الجريمة الكاذب على الله المفتري والمكذب الجاحد به وبكتابه وبنبيه. 3- تقرير عدم فلاح الظالمين في الحياتين. 4- الشرك لا يغفر لصاحبه إذا لم يتب منه قبل موته.
القطان
تفسير : افترى: كذب. تزعمون: تظنون، واكثر ما يستعمل الزعم فيما هو باطل. ضل: غاب، وخفِي. بين الله تعالى في الآية السابقة ان شهادة الله على صحة نبوة رسوله كافية في تحقُّقها، وذكَر كذب أهل الكتاب في ادعائهم أنهم لا يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم، فأورد أنهم يعرفون نبوّته كما يعرفون ابناءهم. وقد رُوي أن كفار قريش أرسلوا ليهودَ وسألوهم عن صفة النبي هل جاء في كتبهم عنها شيء، فأنكروا أن في التوراة والانجيل شيئا من ذلك وقد كذبوا في ذاك، إن صفته في كتبهم واضِحة ظاهرة. {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. فهؤلاء قد ضيعوا أنفسهم لأنهم كذبوا، ولم يقرّوا بما يعرفون، بل أصرّوا على إنكارهم الحقائق. وليس هناك من هو أشد ظلماً ممن افترى على الله كذِبا، كمن زعم ان له ولداً أو شريكا، ولا ممن كذّب بآياته المنزلة على أنبيائه السابقين وأنكرها. {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ؟}. اذكر لهم ايها الرسول ما سيحصل لهم يوم نجمع الخلق كلّهم للحساب، ثم نقول للذين عبدوا مع الله غيره: أين الذين جعلتموهم شركاء لله، وزعمتم في الدنيا أنهم اولياؤكم من دونه؟ { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. لن تكون نتيجة محنتهم الشديدة في هذا الموقف الحرج الا محاولة التخلص من شركهم السابق بالكذب، قائلين ما أشركنا في العبادة احدا. {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}. انظر كيف سيغالطون انفسهم بهذا الكذب، كيف غاب ما كانوا يختلقونه من عبادة الاحجار، ويزعمونها شركاء لله. قراءات: قرأ حمزة والكسائي "ثم لم يكن" بالياء والباقون "لم تكن" بالتاء. وقرأ بن كثير وابن عامر وحفص "فتنتهم" بالرفع، والباقون "فتنتهم" بنصب التاء. وقرأ حمزة وخلف والكسائي "والله ربنا" بنصب الباء، والباقون بكسرها.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَاهُمُ} {ٱلْكِتَابَ} (20) - إنَّ أَهْلَ الكِتَابِ يَعرِفُونَ أَنَّ مُحَمَّداً خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَالرُّسُلِ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبنَاءَهُمْ، بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الأَخْبَارِ وَالأَنْبَاءِ، عَنِ الأَنْبِيَاءِ المُتَقَدِّمِينَ، فَقَدْ بَشَّرَ الرُّسُلُ كُلُّهُمْ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ وَنَعْتِهِ، وَصِفَتِهِ وَمَكَانِ هِجْرَتِهِ، وَصِفَةِ أُمَّتِهِ ... وَالذِينَ أَنْكَرُوا نُبوَّةَ مُحَمَّدٍ وَرِسَالَتَهُ مِنْ عُلَمَاءِ اليَهُودِ، عِلَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ كَعِلَّةِ مَنْ أَنْكَرُوهَا مِنْ زُعَمَاءِ المُشْرِكِينَ، وَهِيَ الخَوْفُ مِنْ فِقْدَانِ الزَّعَامَةِ وَالرِّيَاسَةِ، لِذَلِكَ فَإِنَّ هَؤُلاءِ يُعَدُّونَ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لإِيثَارِهِمِ الجَاهَ وَالرِّيَاسَةَ عَلَى الإِيمَانِ باللهِ وَبِالرَّسُولِ، الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً فِي كُتُبِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن فرسول الله معلوم مقدماً من أهل الكتاب كمعرفتهم لأبنائهم، ولكنّ بعضاً منهم فضل السلطة الزمنية على الإيمان برسول الله فخسروا أنفسهم؛ لأن الخسارة - كما نعرف - هي ضياع لرأس المال أو نقصانه. وهم خسروا أنفسهم لأن تلك النفوس كان يجب أن تحرص على مصلحة الأرواح التي جاء محمد صلى الله عليه وسلم لإصلاحها. إنهم بذلك قد منعوا الخير عن أنفسهم بتفضيل سلطان الدنيا الزائل على الإيمان بالله، وفي ذلك خيبة كبرى. الله يعلمنا أن الإيمان إنما هو كسب للنفس، فإياك أيها المؤمن أن تظن أن قولك: "لا إله إلا الله" هو سند لعرش الله. لا، إنها سند لك أنت؛ لأنه لا إله إلا هو خَلَق الكون والخَلْقَ بصفات الكمال والقدرة والعلم والحكمة، واعتراف الخلق بألوهية الله وحده لا تزيد من كمال الله ولكنها تفيد العباد الذين آمنوا فيحسنون استقبال الأمر بعمارة الكون، لتسير حركة الحياة في ضوء منهج الله فينسجموا مع الكون كله المسبح لله. وحين يقول الحق: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 20]. فهو يخبر أهل مكة أن الصيحة الإيمانية التي صاح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في آذانهم لم تكن صيحة مفاجئة للكون، ولكنها صيحة بُشِّر بها على لسان كل رسول، وإذا كان أهل مكة قد بعدت صلتهم بالرسل والأنبياء وكانوا على فترة من الرسل، فهم بجوارهم لأهل كتاب في المدينة يعلمون هذه الحقيقة التي جاء بها رسلهم مؤكدين للعهد الذي أخذه الله عليهم؛ لأننا نعلم أن الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق واستعمرهم في الأرض أرادهم موهوبين من قدرته سبحانه قُدْرَةً، ومن غناه سبحانه غِنىً، ومن علمه الكامل علماً، ومن حكمته المطلقة حكمةً، ومن رحمته الكاملة رحمةً، ومن قاهرية الله قهراً؛ لأن الكون لا يمكن أن يستقيم إلا إن وُجدت فيه هذه المتكاملات وإن كانت متناقضة؛ لأن لكل صفة مجالها الذي تعمل فيه. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نجد الإنسان منا حين يرحم ولده دائماً يفسد الولد وإن لم يقس عليه مرة فأبوته ناقصة، إذن، فلا يمكن أن يكون المهيمن على الخلق رحيماً فقط، وإنما يجب أن يكون قاهراً أيضاً؛ لأن الموقف قد يتطلب القهر. ولا يريد الحق سبحانه وتعالى أن يطبع خلقه على خلق واحد، ولكنه سبحانه يريد أن يجعلهم ينفعلون للمواقف المختلفة؛ فالموقف الذي يتطلب رحمة، يكونون فيه رحماء، والموقف الذي يتطلب قسوةوشدة يكونون فيه قساة، ولذلك يقول الحق في المؤمنين: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} تفسير : [الفتح: 29]. إن الحق يحدثنا عن خلق المؤمنين. إنه سبحانه لم يطبعهم على الشدة؛ لأن المواقف قد تتطلب رحمة، ولكن الشدة مطلوبة لمواجهة أهل الباطل. ولم يطبعهم الحق على اللين، لكن اللين مطلوب فيما بينهم؛ لأن كلاً منهم يرجو رحمة الله وفضله؛ ففي الموقف الذي يتطلب رحمة؛ هم رحماء. وفي المواقف الذي يتطلب شدة هم أشداء، ولذلك يقول الحق سبحانه أيضاً عن المؤمنين: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [المائدة: 54]. ولم يجعل الحق المؤمن ذليلاً على إطلاقه، ولا عزيزاً على إطلاقه، ولكنه جعله ذليلاً على أخيه المؤمن، لين الجانب رحب الأخلاق. وجعله عزيزاً على الكافرين المتأبين على الله. إذن، فسبحانه يريد من خَلْقه أن يكونوا على خُلُقِ الحق سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عمار بن ياسر رضي الله عنه: "حديث : حُسْن الخلق خُلُق الله الأعظم" تفسير : ورُوِي: (حديث : تخلقوا بأخلاق الله ). تفسير : إن لله سبحانه وتعالى قدرة حكيمة، فخذوا أيها المؤمنون قدرته واستعملوها بحكمة، ولله علم فحاولوا أن تكونوا عالمين، ولله رحمة فحاولوا أن تكونوا رحماء، والله جبار فإذا تطلب الموقف منكم أن تكونوا جبارين فافعلوا، لأن سياسة الأرض وسياسة المجتمع قد لا تصلح إلا بهذا. وما دام الحق قد أراد من الخلق أن يعمروا هذا الكون فلا بد أن يضمن لهم منهجاً سليماً يرتكز على "افعل" و لا "تفعل"، فإن نحن أخذنا منهج الله فنحن نأخذ ما يمكن أن نسميه بالعرف الحاضر: "قانون الصيانة" فلنفعل ما قال الله افعلوا، ولنترك ما قال الله في شأنه لا تفعلوا حتى تؤدي الآلة الإنسانية مهمتها كما يريد الله لها أن تكون. إن الفساد إنما ينشأ من أنك أيها الإنسان تنقل الأعمال من نطاق "افعل" إلى نطاق "لا تفعل"، والأعمال التي يجعلها الله في نطاق "لا تفعل" تجعلها أنت في نطاق "افعل". فإن طلب الله أن نقيم الصلاة بـ "افعل" فكيف نجعلها في نطاق "لا تفعل" بعدم الصلاة؟، وإن طلب الله منا ألا نشرب الخمر فكيف نشربها إذن؟. إن الخلل الإيماني الذي يحدث في الكون إنما ينشأ من نقل متعلقات "افعل" إلى "لا تفعل"، ومن نقل متعلقات "لا تفعل" إلى "فعل"، أما ما لم يَرِد فيه "افعل" و "لا تفعل" فقد ترك الله لاختيارك إباحة أن تفعله أو لا تفعله، لأن الكون لا يفسد بشيء منها. وإذا نظرت إلى منهج الله في "افعل" و "لا تفعل" فأنت تجد أن الحق سبحانه لم يقض على حريتك ولم يقض على اختيارك، وإنما ضبطك ضبطاً محكماً فيما ينشأ فيه فساد الكون، أما الذي لا ينشأ منه فساد فإن شئت فافعله وإن شئت فاتركه. وزود الحق كل البشر بهذا المنهج من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة. وأخذ سبحانه على نفسه الوعد بعدم تعذيب أمة لم يبعث لها رسولاً، ولذلك توالى الموكب الرسالي. لماذا؟ لأن الغفلة تتمكن من الإنسان؛ فقد يتناسى الإنسان مرة الشيء الذي يحد حركته ويتكرر التناسي إلى أن يصير نسياناً، فيشاء الحق أن يرسل رسولاً لكل فترة لينبه إلى قانون صيانة الإنسان، إلى أن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمن الله أمةَ محمد أن تكون هي المبلغة بمنهج الله إلى أن تقوم الساعة. ولذلك أخذ سبحانه من النبيين ميثاقاً للبلاغ عن رسالة النبي الخاتم: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81]. إذن فقد أخذ الله العهد على كل نبي أن يبلغ قومه أن يؤمنوا برسالة الرسول الذي توافق دعوته دعوتهم، وأخذ الحق الإقرار من كل نبي على ذلك، وشهد الأنبياء على أنفسهم وشهد الله عليهم، وبلغوا ذلك إلى أقوامهم. إذن فنصرة النبي الخاتم موجودة في كل رسالة سابقة على الإسلام، وكان على كل رسول أن يعطي إيضاحاً بذلك العهد لقومه، وأن يأخذ عليهم العهد بنصرة الرسول القادم إليهم، ويبلغهم أن من تمام الإيمان أن يؤيِّدوا ذلك الرسول إن هم عاصروه. ويخصص الحق هنا أهل الكتاب الذين نزلت إليهم التوارة والإنجيل وهما أصحاب الديانتين العظيمتين اللتين سبقتا الإسلام: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} أي أنهم يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم بالبشارة به، وبالإخبار عنه، وبالنعت لشكله وصورته، فإذا كان كفار قريش على فترة من الرسل فليسألوا أهل الكتاب. وقد سمع الأوس والخزرج من أهل الكتاب أن هناك نبياً قادماً سيؤمنون به ويتبعونه ويقتلون به العرب قتل عاد وإرم. إذن فالصيحة الإيمانية على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن مفاجئة للكون، وإن كتمها الذين كفروا من أهل الكتاب، هؤلاء الذين جاء فيهم قول الحق سبحانه: {أية : وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 89]. لقد انتابت الآفة التي تنكر هذا البلاغ عن الله بعضاً من أهل الكتاب، فقد أخذوا، وهم المبلغون عن الله، السلطة الزمنية ورأوا فيها الحظ والجاه والنعيم، فمنهم القضاة وإليهم يلجأ الناس لمعرفة الحكم في الدماء، وكذلك يأخذون الصدقات. وألفوا حياة السيادة والنعيم. وها هي ذي دعوة جديدة جاءت لتسلب منهم هذه السيادة، وبالرغم من أنهم كانوا المبشرين بها من قبل، إلا أن الدعوة عندما جاءت تزلزت بها سلطتهم الزمنية، ولذلك بدأوا العداء. إذن فالآفة هي أخذ سلطة زمنية من باطن سلطة الله ثم يدعي أنها سلطة الله. وعندما ننظر إلى التاريخ الدياني في العالم نجد أن السلطة الزمنية في الأديان التي سبقت الإسلام هي التي أرهقت الكون؛ لأن الحق سبحانه حينما خلق الكون طمر فيه أسراراً تعمل في خدمة الإنسان وإن لم يدر بها الإنسان. وطموحات الإنسان العلمية هي التي تجعله يهتدي إلى هذه الأسرار ويكتشف القوانين التي تعمل بها؛ مثال ذلك قانون الجاذبية وقانون السالب والموجب، كل هذه قوانين موجودة في الكون، تماماً كما خلق الله الأرض كروية وكما جعل الشمس هي مصدر الحرارة والدفء والنور والإشراق. ويأخذ العلماء من تلك المقدمات ليصلوا إلى اكتشاف قوانين هذه الأجرام وقوانين هذا الكون. وحين يصل الذكي إلى اكتشاف قانون ما فإنه يقول: لقد اكتشفت كذا، وهذا تعبير فطري دقيق، ولا يقول أبداً: لقد ابتكرت كذا؛ لأنه يعلم أن ما اكتشفه كان موجوداً في الكون ولكن لا يعرفه. وعدم معرفة الإنسان بقانون موجود في الكون لا يمنع الفائدة من الوصول إلى الإنسان، وإن كانت المعرفة بالقانون تزيد من إمكان الإفادة منه. فالإنسان يتمتع بوجود الشمس قبل معرفة ما بها من طاقة، ولكن عندما تخصص العلماء في دراسة الشمس عرفوا أن الإنسان يمكن أن يستفيد بهذه الطاقة أكثر من فائدته التقليدية بها، ولذلك صارت هناك بعض المدن تنير شوارعها بالطاقة الشمسية، وصارت هناك بعض المباني تدفيء حجراتها بالطاقة الشمسية وتسخِّن المياه أيضاً بهذه الطاقة. ولم يمنع هذا الاكتشاف أن يستفيد الأمي أو البدوي في الصحراء من نور الشمس. وكذلك الكهرباء، والأدوات الكهربائية والمنزلية التي يمكن للجاهل الاستفادة منها، مثل استفادة الخبير بها، صحيح أن الأمي لا يعرف كيف تدور المصانع التي تنتج أجهزة التليفزيون ولكنه يستفيد برؤية التليفزيون. والتليفزيون ليس إلا ترجمة مادية لمجموعة من القوانين العلمية اكتشفها الإنسان ووضعها موضع التطبيق لصناعة هذه الآلة التي يستفيد بها الإنسان. ولكل سر ميلاد تماماً كميلاد الإنسان. وإذا جاء ميعاد ميلاد السر ولم يكن هناك من يبحث عنه، فسبحانه يكشفه لأي بشر بالمصادفة، وكثيراً ما نسمع أن عالماً كان يبحث في مجال ولكنه اكتشف سراً غير الذي كان يبحث عنه. ولذلك يقول الحق في آية الكرسي: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} تفسير : [البقرة: 255]. فأنت أيها الإنسان لا تحيط علماً بأسرار الكون إلا إذا أذن الله، وهناك عشرات الآلاف من الأمثلة على ذلك بداية من قاعدة أرشميدس التي تسير عليها البواخر والغواصات، إلى قانون الجاذبية الأرضية الذي اكتشفه نيوتن عندما وقعت تفاحة أمامه بالمصادفة، إلى اكتشاف البنسلين، إلى غير ذلك من أسرار هذا الكون. وإذا كانت هناك علوم لها مقدمات، فهناك أيضاً علوم ليس لها مقدمات؛ إن الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} تفسير : [الجن: 26-27]. فسبحانه وتعالى عالم الغيب فلا يظهر غيبه لأحد إلا لرسول يختاره الحق ليعلم بعضاً من الغيب، ويحميه الله ويعصمه ويحفظه بالملائكة لتحول بينه وبين وساوس الشياطين وتخليطهم حتى يُبَلِّغ ما أوحىَ به إليه, وحين يريد الحق أمراً محكماً لا اختيار لأحد فيه فإنه ينزل به رسولاً إلى الخلق ليهديهم بـ "افعل" و "لا تفعل". وهذه مسألة غير متروكة للبحث فيها، ولكنها تأتي بإذن من الله حتى تتعارض أهؤاونا؛ فسبحانه علم أن الأهواء بين البشر قد تتعارض ولا تتساند فيرسل الرسل من عنده سبحانه بالمنهج ليستقيم أمر البشر. إن النشاطات الذهنية التي يصل بها البشر إلى أسرار فيها رفاهية الحياة، هي أسرار بنت التجربة والمعمل، والمعمل لا يجامل، فلا توجد كيمياء روسية وأخرى أمريكية، إنما كل قوانين المادة تستنبط في المعمل . . ولذلك نرى الدول تتسابق كلٌّ يحاول أن يسرق ما عند الآخر بواسطة الجواسيس. أما في مجال الحركة الاجتماعية فالدول تقيم سدوداً بينها وبين المبادئ؛ فالغرب لا يسمح بدخول نظريات اجتماعية من الشرق، والشرق لا يسمح بذلك أيضاً. ويختلف هذا الأمر في البحث العلمي؛ فقوانين البحث العلمي عن أسرار الكون يحاول كل طرف امتلاكها. وإن لم يستطع حاول أن ينقلها عن غيره. ويعلمنا الحق أن نبحث في كل آيات الكون ولا نعرض عنها، فيقول لنا: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105]. فسبحانه يلفتنا إلى أن كل آية وكل ظاهرة من الظواهر تتطلب منا أن ننظر فيها بحكمة وإمعان؛ لأننا قد نستنبط منها أشياء تريحنا. ومثال ذلك قوة البخار، اكتشفها رجل وطورها آخر حتى صارت تلك القوة البخارية في خدمة البشرية كلها وكذلك الذي اخترع العجلة أفاد البشرية في نقل عشرات الأوزان عليها واختصار زمن الرحلات، كل ذلك إنما جاء من تأمل آيات الله في الكون بإمعان وتدبر. لقد جعل الحق البحث في آيات الكون مشاعاً للمؤمنين والكفار، وهو حق لمن يبحث في أسراره. وهذه هي قضية العلم. أما قضية الدِّين فأمرها مختلف؛ لأن الخبر في قضية الدين يأتي من الله بواسطة رسول. أما البحث في الكون وأسراره العلمية فالحق يقول فيه: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} تفسير : [فاطر: 27-28]. إن الحق يلفتك أيها الإنسان إلى أنه أنزل من السماء ماء فأنبت وأخرج به من الأرض النباتات التي تحمل ثماراً مختلفة الألوان ومختلفة الطعم. وجعل الجبال مختلفة الأشكال والألوان، وبعضها ضعيف وبعضها قوي. ويختلف لون الجبل عن الآخر بما فيه من مواد مطمورة. وهذه الجبال كلها من أصل واحد ولكن فروعها متباينة لخدمة الإنسان. لقد خلق الحق سبحانه الأنعام مختلفة الألوان والأشكال والأحجام، وكذلك الناس مختلفون في اللون والشكل. والعلماء هم الذين يتدبرون ذلك فيخشون الله الصانع العليم. إذن فأمر الدين محسوم من الحق. والرسل مبلغون عن الله، وكذلك أهل العلم بالدين، وأهل العلم بالدين مبلغون عن الله لا متكلمون بلسان الله؛ لأن بعض البشر قد يخلطون أهواءهم مع كلمات الله ويقولون: إن هذا هو كلام الله، وهذا خطأ فاحش وذنب كبير. إن ما حدث في القرون الوسطى - على سبيل المثال - كان خلطاً بين البحث العلمي وما ينزل الحق من منهج؛ فعندما جاء عالم مثل "جاليليو" ليبحث في طبيعة الكواكب أرادوا أن يحرقوه، وعندما أراد عالم آخر أن يتكلم في طبيعة الأرض حبسوا حريته. وعندما حكمت الكنيسة العالم الغربي بهذا الأسلوب تأخر العالم كله وعاش في عصور من الظلام، وعندما اتصل هؤلاء القوم بالمسلمين تحرروا من خزعبلات تلك القرون الوسطى وتعلموا حرية البحث العلمي من العرب وارتقت أوروبا بذلك الأسلوب العلمي الذي طرحه الإسلام وأثبته علماء المسلمين. إن السبب في تأخر أوروبا وجهلها هم أهل الكهنوت والدين، بل إن نفور الأوروبيين من الدين كان بسبب معرفتهم أن رجال الدين عندهم يمقتون الحياة والتقدم الحضاري - حماية لنفوذهم وسلطتهم الزمنية والروحية - وأراد بعض من أهل أوروبا أن يأخذوا كل الأديان بجريرة رجال الكهنوت عندهم. ونسي الذين حملوا على الدين - كل الدين - أن رجال الكهنوت افتأتوا وادعو ذلك على النصرانية، ونسبوه إليها؛ فالمسيح لم يقل لهم ذلك، ولكنهم كرجال كهنوت أفسدوا الحياة بالسلطة الزمنية التي كانت لهم وكانت النتيجة أن أخذ البعض من فساد سلطة الكنيسة حجة على فساد الدين. ولهؤلاء نقول: إن الدين لا يتدخل في أي أمر من أمور الحياة العلمية ولا يفسدها أبداً، بل نجد أن الحق قد أمرنا بالبحث في آياته وأن نزيد من البحث. وها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بأن نبحث عن شئون الدنيا على ضوء التجربة. وأراد الله أن يفصل بين أمور العلم التجريبي وأمور الدين، وأراد أن يحمي دينه من تدخل أي فئة تدعي أنها تملك كلام الله فتخلط بين أهوائها والبلاغ عن الله سبحانه. مثال ذلك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر تلقيح النخيل. ونعرف أن تلقيح النخيل يتم حين نأخذ طلع الذكورة ونلقح به الأنوثة من النخيل فيخرج التمر ناضجاً، وإن لم يحدث ذلك فالنخيل تنتج ثماراً غير ناضجة. والسر في إنتاج النخيل لثمار غير ناضجة أن التلقيح قد تم بواسطة الريح التي تنقل القليل من حبوب اللقاح، ولكن التلقيح اليدوي للنخيل هو الذي يزيد من جودة الثمار، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم مرة للصحابة ما يمكن أن يفهم منه ألا يقوموا بتلقيح النخيل وحدث نتيجة ذلك أن النخيل لم يثمر الثمار المرجوة بل أثمر شيصاً أي ثماراً غير مكتملة النضج، واستند الرسول في ذلك إلى قول الحق: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} تفسير : [الحجر: 22]. وهذا قول صحيح صادق حكيم نجد آثاره في السحاب الذي يتحول إلى مطر نتيجة اتصال الموجب بالسالب، ونجده في معظم النباتات من قمح وفاكهة وذرة وغير ذلك. فطلع الذكر ينتقل بواسطة الريح إلى عناصر الأنوثة في النباتات القريبة فتلقحها وتنقل الرياح كذلك اللقاح الخفيف. واللقاح عندما يكون ثقيل الوزن يحتاج في بعض الأحيان إلى جهد من الإنسان لينقل خلايا الذكورة إلى خلايا الأنوثة، ومثال ذلك النخيل. ولذلك عندما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلة إنتاج النخيل في العام الذي لم يلقح فيه بعض الصحابة نخيلهم. . قال صلى الله عليه وسلم لهم: "حديث : أنتم أعلم بأمر دنياكم ". تفسير : وبهذا حسم الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر ولم يعد لرجال الدين أن يتدخلوا في أي أمر لا تستقيم به الحياة إلا بناء على التجربة المعملية. ولذلك يقال عن الإسلام: إنه دين العلم؛ لأنه أتاح لرجال العلم أن ينطلقوا في تأمل آيات الله في هذا الكون، بل دعاهم وأمرهم أن يستنبطوا أسرار هذا الكون. أما في أمور السلوك البشري وحركة المجتمع فقد أنزل الحق من المنهج ما يكفي لعدم استعلاء أحد على أحد، وأن نضبط السلوك الإنساني بتعاليم المنهج الإيماني. لقد جاء المنهج الإيماني في كل الرسالات، وكانت الرسالة الخاتمة هي رسالة محمد ابن عبدالله، وكانت البشارة به موجودة في التوراة والإنجيل. ويقول الحق: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} فهل عمل أهل الكتاب بمقتضى هذه المعرفة؟ لا؛ ذلك أن بعضاً منهم خافوا أن تؤخذ منهم سلطتهم الزمنية، وأكبر مثال على ذلك هو عبدالله بن أُبي الذي كان رأس النفاق في الإسلام والذي كان يستعد لتولي مُلْك المدينة قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إليها. وكان هناك من أهل الكتاب من عمل بهذه النبوءة، مثال ذلك: عبدالله بن سلام رضي الله عنه. ولم يظلم القرآن أحداً، بل قال عن بعض أهل الكتاب: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [المائدة: 83]. إذن لم يظلم الحق الذين آمنوا من أهل الكتاب عندما وجدوا أن منهج الإسلام مطابق لما جاء إليهم. لكن بعض أهل الكتاب كفر وعادَى رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفاً على السلطة الزمنية التي كانت لهم. وعندما ننظر إلى التاريخ نجد أن السلطة الزمنية كانت في وقت من الأوقات لرجال الدين مثلما حدث في أوروبا، ولكن حدث استغلال من جانب رجال الدين للناس، وأفسد رجال الكهنوت في الأرض، فتمرد عليهم البشر وخرجوا عن طاعتهم ليقننوا لأنفسهم القوانين. ولأنهم كانوا يحكمون بالأهواء لا بالشرع فقد كان الحكم يتذبذب عند رجال الكهنوت في الأمر الواحد حسب شخصية من يرتكب هذا الأمر، فمن يدفع لهم ينال العفو، ومن لم يدفع ينال العقاب! لقد أخذوا متاع الدنيا القليل ولم ينفذوا ما أمرهم به الله فخرج الناس على سلطانهم. ومن هنا لم يعترف بعض من البشر برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاءت البشارة به وعرفوه بالإيضاح والنعت ولكنهم أنكروه لأنه يسلبهم ما حصلوا عليه من الانتفاع بالمال والسلطة فخسروا أنفسهم وظلوا على الكفر؛ لقد قال فيهم الحق: {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. لقد خسروا أنفسهم؛ لأنهم اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً. وخسارة النفس تفوق خسارة المال؛ لأن خسارة المال مردودة ويمكن أن تتدارك فيكسب الإنسان بعد خسارة، ولكن خسارة النفس أمرها كبير. ونعلم أن الصفقة الإيمانية لا تعزل عمل الدنيا عن حساب الآخرة. والمؤمن الحق هو من يربط الدنيا بالآخرة. لكنَّ بعضاً من أهل الكتاب أحبوا الدنيا على الآخرة وفصلوا بين الاثنتين فأخذوا حظاً قليلاً من الحياة الدنيا وخسروا الآخرة. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ...}
همام الصنعاني
تفسير : 788- حدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَر، عَنْ قَتادَةَ، في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ}: [الآية: 20]، قال: اليهود والنَّصار، يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم كما يعرفون أبناءهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):