٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكم على أولئك المنكرين بالخسران في الآية الأولى بيّـن في هذه الآية سبب ذلك الخسران، وهو أمران: أحدهما: أن يفترى على الله كذباً، وهذا الافتراء يحتمل وجوهاً: الأول: أن كفار مكة كانوا يقولون هذه الأصنام شركاء الله، والله سبحانه وتعالى أمرهم بعبادتها والتقرب إليها، وكانوا أيضاً يقولون الملائكة بنات الله، ثم نسبوا إلى الله تحريم البحائر والسوائب. وثانيها: أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ والتغيير، وأنهما لا يجيء بعدهما نبي، وثالثها: ما ذكره الله تعالى في قوله {أية : وَإِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } تفسير : [الأعراف: 28] ورابعها: أن اليهود كانوا يقولون {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ُٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] وكانوا يقولون {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } تفسير : [البقرة: 80] وخامسها: أن بعض الجهال منهم كان يقول: إن الله فقير ونحن أغنياء، وأمثال هذه الأباطيل التي كانوا ينسبونها ألى الله كثيرة، وكلها افتراء منهم على الله. والنوع الثاني: من أسباب خسرانهم تكذيبهم بآيات الله، والمراد منه قدحهم في معجزات محمد صلى الله عليه وسلم، وطعنهم فيها وإنكارهم كون القرآن معجزة قاهرة بينة، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذين الأمرين قال: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا وفي الآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان. وأما قوله {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } ففي ناصب قوله {وَيَوْمَ } أقوال: الأول: أنه محذوف وتقديره {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } كان كيت وكيت، فترك ليبقى على الابهام الذي هو أدخل في التخويف، والثاني: التقدير اذكر يوم نحشرهم، والثالث: أنه معطوف على محذوف كأنه قيل لا يفلح الظالمون أبداً ويوم نحشرهم. وأما قوله {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } فالمقصود منه التقريع والتبكيت لا السؤال، ويحتمل أن يكون معناه أين نفس الشركاء، ويحتمل أن يكون المراد أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم، وعلى كلا الوجهين: لا يكون الكلام إلا توبيخاً وتقريعاً وتقريراً في نفوسهم أن الذي كانوا يظنونه مأيوس عنه، وصار ذلك تنبيهاً لهم في دار الدنيا على فساد هذه الطريقة، والعائد على الموصول من قوله {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } محذوف، والتقدير: الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاء، فحذف مفعول الزعم لدلالة السؤال عليه، قال ابن عباس: وكل زعم في كتاب الله كذب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَمَنْ أَظْلَمُ} ابتداء وخبر أي لا أحد أظلم {مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ} أي ٱختلق {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} يريد القرآن والمعجزات. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} قيل: معناه في الدنيا؛ ثم ٱستأنف فقال: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} على معنى واذكر «يوم نحشرهم». وقيل: معناه أنه لا يفلح الظالمون في الدنيا ولا يوم نحشرهم؛ فلا يوقف على هذا التقدير على قوله: «الظَّالِمُونَ» لأنه متصل. وقيل: هو متعلق بما بعده وهو «ٱنظر» أي أنظر كيف كذبوا يوم نحشرهم؛ أي كيف يكذبون يوم نحشرهم؟. {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ} سؤال إفضاح لا إفصاح. {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي في أنهم شفعاء لكم عند الله بزعمكم، وأنها تُقرّبكم منه زُلْفَى؛ وهذا توبيخ لهم. قال ابن عباس: كل زعم في القرآن فهو كذبٌ.
البيضاوي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} كقولهم: الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله. {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} كأن كذبوا بالقرآن والمعجزات وسموها سحراً. وإنما ذكر (أو) وهم وقد جمعوا بين الأمرين تنبيهاً على أن كلا منهما وحده بالغ غاية الإِفراط في الظلم على النفس. {إِنَّهُ} الضمير للشأن. {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} فضلاً عمن لا أحد أظلم منه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَنْ } أي لا أحد {أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } بنسبة الشريك إليه {أَوْ كَذَّبَ بِئَايَٰتِهِ} القرآن {أَنَّهُ } أي الشأن {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ } بذلك.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} يعني ومن أشد عناداً وأخطأ فعلاً وأعظم كفراً ممن اختلق على الله كذباً فزعم أن له شريكاً من خلقه وإلهاً يعبد من دونه كما قال المشركون من عبدة الأصنام، أو ادعى أن له صاحبة وولداً كما قالت النصارى {أو كذب بآياته} يعني كذب بحجته وأعلام أدلته التي أعطاها رسله كما كذبت اليهود بمعجزات الأنبياء وقيل معناه أو كذب بآيات القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم {إنه لا يفلح الظالمون} يعني أنه لا ينجح القائلون على الله الكذب والمفترون على الله الباطل {ويوم نحشرهم جميعاً} أي اذكر يوم نحشر العابدين والمعبودين وهو يوم القيامة {ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} يعني أنها تشفع لكم عند ربكم. قوله عز وجل: {ثم لم تكن فتنتهم} يعني قولهم وجوابهم وقال ابن عباس معذرتهم والفتنة التجربة، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل له فتنة قال الزجاج في قوله ثم لم تكن فتنتهم معنى لطيف وذلك أن الرجل يفتتن بمحبوب ثم تصيبه فيه محنة فيبرأ من محبوبه فيقال لم تكن فتنته إلا بذلك المحبوب فكذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام ثم لما رأوا العذاب تبرؤوا منها. يقول الله تبارك وتعالى ثم لم تكن فتنتهم ومحبتهم للأصنام إلا أن تبرؤوا منها وهو قوله تعالى: {إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} وذلك إذا شاهدوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى لأهل التوحيد فيقول بعضهم لبعض تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو من أهل التوحيد فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالشرك والكفر قال الله تعالى: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} يعني انظر يا محمد بعين البصيرة والتأمل إلى حال هؤلاء المشركين كيف كذبوا على أنفسهم يعني اعتذارهم بالباطل وتبرؤهم من الأصنام والشرك الذي كانوا عليه واستعمالهم الكذب مثل ما كانوا عليه في دار الدنيا وذلك لا ينفعهم وهو قوله: {وضل عنهم} يعني زال عنهم وذهب {ما كانوا يفترون} يعني ما كانوا يكذبون وهو قولهم إن الأصنام تشفع لهم وتنصرهم فبطل ذلك كله في ذلك اليوم.
ابن عادل
تفسير : لمَّا بَيَّنَ خُسْرَانَ المنكرين في الآية الأولى بَيَّنَ في هذه الآية الكريمة سَبَبَ ذلك الخسران وهو أمران. أحدهما: الافتراء على اللَّه كذباً، وهذا الافتراءُ يحتمل وجوهاً: أحدها: أن كُفَّار "مكة" المشرفة كانوا يقولون: هذه الأصنام شركاء الله، اللَّهُ أمرهم بعبادتها، وكانوا يقولون: الملائكة بَنَاتُ اللَّهِ. وثانيها: أنَّ اليهود والنَّصارى كانوا يقولون: حصل في التَّوْراة والإنجيل أن هاتيْنِ الشريعيتين لا يَتَطَرَّقُ إليهما النَّسْخُ والتغييرُ. وثالثها: ما حكاه تعالى عنهم بقوله: {أية : وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} تفسير : [الأعراف:28]. ورابعها: قول اليهود: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه} تفسير : [المائدة: 18] وقولهم: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} تفسير : [البقرة: 80] وقول جُهَّالِهِمْ: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآء}تفسير : [آل عمران: 181] ونحوه. الأمرُ الثاني من أسباب خسارتهم؛ تكذيبهم بآيات الله تعالى: وقدحُهُمْ في معجزات محمد - عليه الصلاة والسلام - وإنكارهم كون القرآن العظيم معجزةً قاهرةً منه، ثم إنَّه لمَّا حكى عنهم سبب هذين الأمرين قال: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُون}، أي: الكافرون - أي لا يَظْفَرُونَ بِمطَالِبهمْ في الدنيا ولا في الآخرة.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير: خسروا ففاتهم الإيمان، لأنهم ظلموا بكتمان الشهادة، فكان الظلم سبب خسرانهم، فمن أظلم منهم! عطف عليه ما يؤذن بأنهم بدلوا كتابهم، أو نسبوا إليه ما ليس فيه، فقال واضعاً للظاهر موضع ضميرهم لذلك: {ومن أظلم ممن افترى} أي تعمد {على الله كذباً} كهؤلاء الذين حرفوا كتابهم ونسبوا إلى الله ما لم يقله، زيادة كتبوها بأيديهم لا أصل ها، إضلالاً منهم لعباده {أو كذب بآياته} أي الآتي بها الرسل كالقرآن وغيره من المعجزات كالمشركين، لا أحد أظلم منهم فهم لا يفلحون {إنه لا يفلح الظالمون} أي فكيف بالأظلمين!. ولما كان معنى هذا أنهم أكذب الناس، دل عليه بكذبهم يوم الحشر بعد انكشاف الغطاء فقال: {ويوم} أي اذكر كذبهم على الله وتكذيبهم في هذه الدار، واذكر أعجب من ذلك، وهو كذبهم في عالم الشهادة عند كشف الغطاء وارتفاع الحجب يوم {نحشرهم} أي نجمعهم بما لنا من العظمة وهم كارهون صاغرون {جميعاً} أي أهل الكتاب والمشركين وغيرهم ومعبوداتهم، وأشار إلى عظمة ذلك اليوم وطوله ومشقته وهوله بقوله بأداة التراخي: {ثم نقول} أى بما لنا من العظمة التي انكشفت لهم أستارها وتبدت لهم بحورها وأغوارها توبيخاً وتنديماً {للذين أشركوا} أي سموا شيئاً من دوننا إلهاً وعبدوه بالفعل من الأصنام أو عزير أو المسيح أو الظلمة أو النور أو غير ذلك، أو بالرضى بالشرك، فإن الرضى بالشيء فعل له لا سيما إن انضم إليه تكذيب المحق والشهادة للمبطل بأن دينه خير {أين شركاؤكم} أضافهم إلى ضميرهم لتسميتهم لهم بذلك {الذين كنتم تزعمون} أي أنهم شركاؤنا بالعبادة أو الشهادة بما يؤدي إليها، ادعوهم اليوم لينقصوكم مما نريد من ضركم، أو يرفعوكم مما نريد من وضعكم، وسؤالهم هذا يجوز أن يكون مع غيبة الشركاء عنهم وأن يكون عند إحضارهم لهم، فيكون الاستفهام عما كانوا يظنون من نفعهم، فكأن غيبته غيبتهم. ولما كان إخبارهم بغير الواقع في ذلك اليوم مستبعداً بعد رفع الحجاب عن الأهوال وإظهار الزلازل والأوجال. أشار إليه بأداة البعد فقال: {ثم لم تكن فتنتهم} أي عاقبة مخالطتنا لهم بهذا السؤال وأمثاله من البلايا التي من شأنها أن يميل ما خالطته فتحيله - ولو أنه جبل - عن حاله بما ناله من قوارعه وزلزاله إلاّ كذبهم في ذلك الجمع، وهو معنى قوله: {إلاّ أن قالوا} ثباتاً منهم فيما هم عريقون فيه من وصف الكذب: {والله} فذكروا الاسم الأعظم الذي تندك لعظمته الجبال الشم، وتنطق بأمره الأحجار الصم، الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى التي ظهر لهم كثير منها في ذلك اليوم، وأكدوا ذلك بذكر الوصف المذكر بتربيتهم ودوام الإحسان إليهم فقالوا: {ربنا} فلم يقنعوا بمجرد الكذب حتى أقسموا، ولا بمجرد القسم حتى ذكروا الاسم الجامع والوصف المحسن {ما كنا مشركين} أي إن تكذيبهم لك أوصلهم إلى حد يكذبون فيه في ذلك اليوم بعد كشف الغطاء تطمعاً بما لا ينفعهم، كما ترى الحائر المدهوش في الدنيا يفعل مثل ذلك فهو إيئاس من فلاح الجميع: المشركين وأهل الكتاب، أو يكون المعنى تنديماً لهم وتأسيفاً: أنه لم يكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به في لزومه والافتخار به والقتال عليه - لكونه دين الآباء - إلاّ جحوده والبراءة منه والحلف على الانتفاء من التدين به، والمعنى على قراءتي النصب والرفع في "فتنة" على جعلها خبراً أو اسماً واحداً، فمعنى قراء النصب: لم يكن شيء إلاّ قولهم - أي غير قولهم الكذب - فتنتهم، أي لم يكن شيء فتنتهم إلاّ هذا القول، فهذا القول وحده فتنتهم، فنفى عن فتنتهم وسلب عنها كل شيء غير قولهم هذا، فالفتنة مقصورة على قولهم الكذب، والكذب قد يكون ثابتاً لغيرها، أي إنهم يكذبون من غير فتنة، بل في حال الرخاء، وهذا بعينه معنى قراءة ابن كثير وابن عامر وحفص برفع فتنة، أي لم تكن فتنتهم شيئاً غير كذبهم، فقد نفيت فتنتهم عن كل شيء غير الكذب، فانحصرت فيه، ويجوز أن يكون ثابتاً في حال غيرها - على ما مر، وهذا التقدير نفيس عزيز الوجود دقيق المسلك - يأتي إن شاء الله تعالى عند {أية : وما كان صلاتهم عند البيت} تفسير : [الأنفال: 35] في الأنفال ما ينفع هنا فراجعه. ولما كان هذا من أعجب العجب، أشار إليه بقوله: {انظر} وبالاستفهام في قوله: {كيف كذبوا} وبالإشارة إلى أنهم فعلوه مع علمهم بما انكشف لهم من الغطاء أنه لا يجديهم بقوله: {على أنفسهم} وهو نحو قوله {أية : فيحلفون له كما يحلفون لكم} تفسير : [المجادلة: 18] - الآية. ولما كان قولهم هذا مرشداً إلى أن شركاءهم غابوا عنهم، فلم ينفعوهم بنافعة، وكان الإعلام بفوات ما أنهم مقبل عليه فرح به، ساراً لخصمه جالباً لغمه، صرح به في قوله: {وضل} أي غاب {عنهم} إما حقيقة أو مجازاً، أو هما بالنظر إلى وقتين، ليكون إنكاراً {ما كانوا يفترون} أي يتعمدون الكذب في ادعاء شركته عناداً لما على ضده من الدلائل الواضحة. ولما علم أن هذه الآيات قد ترابطت حتى كانت آية واحدة، وختم بأن مضمون قوله {أية : فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} تفسير : [الأنعام: 5] - الآية، قد صار وصفاً لهم ثابتاً حتى ظهر في يوم الجمع، قسم الموسومين بما كانت تلك الآية سبباً له، وهو الإعراض عن الآيات المذكور في قوله {أية : إلاّ كانوا عنها معرضين} تفسير : [الأنعام: 4]، فكان كأنه قيل: فمنهم من أعرض بكليته، فعطف عليه قوله: {ومنهم من يستمع إليك} أي يصغي بجهده كما في السيرة عن أبي جهل بن هشام وأبي سفيان بن حرب والأخنس بن شريق أن كلاًّ منهم جلس عند بيت النبي صلى الله عليه وسلم في الليل يستمع القرآن. لا يعلم أحد منهم بمجلس صاحبه، فلما طلع الفجر انصرفوا فضمهم الطريق فتلاوموا وقالوا: لو رآكم ضعفاؤكم لسارعوا إليه، وتعاهدوا على أن لا يعودوا، ثم عادوا تمام ثلاث ليال، ثم سأل الأخنس أبا سفيان عما سمع فقال: سمعت أشياء عرفتها وعرفت المراد منها، وأشياء لم أعرفها ولم أعرف المراد منها، فقال: وأنا كذلك، ثم سأل أبا جهل فأجاب بما يعرف منه أنه علم صدقه وترك تصديقه حسداً وعناداً، وذلك هو المراد من قوله: {وجعلنا} أي والحال أنا قد جعلنا {على قلوبهم أكنة} أي أغطية، جمع كنان أي غطاء {أن} أي كراهة أن {يفقهوه} أي القرآن {وفي آذانهم وقراً} أي ثقلاً يمنع من سمعه حق السمع، لأنه يمنع من وعيه الذي هو غاية السماع، فهم لا يؤمنون بما يسمع منك لذلك. ولما ذكر ما يتعلق بالسمع، ذكر ما يظهر للعين، معبراً بما يعم السمع وغيره من أسباب العلم فقال: {وإن يروا} أي بالبصر أو البصيرة {كل آية} أي من آياتنا سواه {لا يؤمنوا بها} لما عندهم من العناد والنخوة في تقليد الآباء والأجداد {حتى} كانت غايتهم في هذا الطبع على قلوبهم أنهم مع عدم فقههم {إذا جاءوك يجادلونك} أي بالفعل أو بالقوة، والغاية داخلة، وكأنه قيل تعجباً: ماذا يقولون في جدالهم؟ فقال مظهراً للوصف الذي أداهم إلى ذلك: {يقول الذين كفروا} أي غطوا لما هو ظاهر لعقولهم وهو معنى الطبع {إن} أي ما {هذا} أي الذي وصل إلينا {إلا أساطير} جمع سطور وأسطر جمع سطر وهي أيضاً جمع إسطار وإسطير بكسرهما وأسطور، وبالهاء في الكل {الأولين} وقد قال ذلك النضر بن الحارث، فصدق قوله إخبار هذه الآية {وهم} حال من فاعل {يستمع} أي يستمعون إليك والحال أنهم {ينهون عنه} أي عن الاستماع أو عن اتباع القرآن {وينأون} أي يبعدون {عنه} أي كما وقع لأبي جهل وصاحبيه في المعاهدة على ترك المعاودة للسماع وما يتبعه {وإن} أي وما {يهلكون} أي بعبادتهم ومكابدتهم {إلاّ أنفسهم} أي وما هم بضاريك ولا بضاري أحد من أتباعك فيما يقدح في المقصود من إرسالك من إظهار الدين ومحو الشرك وإذلال المفسدين {وما يشعرون} أي وما لهم نوع شعور بما يؤديهم إليه الحال، بل هم كالبهائم، بل هي أصلح حالاً منهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قال النضر وهو من بني عبد الدار: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون}.
القشيري
تفسير : شؤم الخذلان بلغ بالنكاية فيهم ما جرَّهم إلى الإصرار على الكذب على الله تعالى، ثم لم يستحيوا من اطلاعه، ولم يخشوا من عذابه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} لوصفهم النبى المنعوت فى الكتابين بخلاف اوصافه عليه السلام فانه افتراء على الله تعالى وبقولهم الملائكة بنات وقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله ونحو ذلك اى لا احد اظلم منه {او كذب بآياته} كأن كذبوا بالقرآن وبالمعجزات وسموها سحرا وحرفوا التوراة وغيروا نعوته عليه السلام فان ذلك تكذيب بآياته وكلمة او للايذان بان كلا من الافتراء والتكذيب وحده بالغ غاية الافراط فى الظلم كيف وهم قد جمعوا بينهما فاثبتوا ما نفاه الله تعالى ونفوا ما اثبته {انه} اى الشان {لا يفلح الظالمون} اى لا ينجون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب واذا كان حال الظالمين هذا فما ظنك بمن فى الغاية القاصية من الظلم.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى ان من أفترى على الله الكذب فوصفه بخلاف صفاته، واخبر عنه بخلاف ما اخبر به عن نفسه، وعن أفعاله أنه لا أحد أظلم لنفسه منه اذ كان بهذا الفعل قد أهلك نفسه وأوقعها في العذاب الدائم في النار. ثم أخبر أن الظالم لا يفلح أي لا يفوز برحمة الله وثوابه ورضوانه، ولا بالنجاة من النار، لان الظلم - ها هنا هو الكفر بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) وذلك لا يغفر بلا خلاف.
الجنابذي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} بادّعاء خلافة الله لنفسه او بنسبة ما قاسه برأيه الى الله، او بتوهّم انّ الرّسوم والعادات من الله، او بادّعاء النّيابة من الامام من غير إذن واجازةٍ غفلة عن انّ النّيابة من الامام شفاعة عند الله للخلق ولا تكون الاّ باذن الله، او بكتابة كتاب النّبوّة بأيديهم ونسبته الى الله، او بكتب صورة القرآن بأيديهم ونسبته الى الله {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} التّدوينيّة والتّكوينيّة الآفاقيّة والانفسيّة واعظم الكلّ بل اصل الكلّ وحقيقته الانسان الكامل والاصل فيه علىّ (ع) امير المؤمنين، ولفظ او ههنا لمنع الخلوّ فانّ اكثرهم جامعون بين الوصفين مع انّه لو لم يكن لهم الاّ واحد منهما كفى {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} كأنّه قيل: فما حال الظّالم حتّى يكون من هو اظلم اشدّ فيها؟ فقال جواباً: انّه لا يفلح الظّالمون ولذا اكّده استحساناً.
اطفيش
تفسير : {ومَنْ أظْلم ممَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذباً} بأن قال: الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله مشيرين للأصنام، أو قال إن عيسى ابن الله وأمه صاحبته سبحان الله وتعالى {أو كذَّب بآياته} آيات القرآن والكتب، أو دلائله الدالة على وحدانيته تعالى، ورسالة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسمعوا ذلك سحراً وأو بمعنى الواو، لأنهم جمعوا بين افتراء الكذب على الله والتكذيب بآياته، وأولى من هذا إبقاء أو على أصلها، على معنى أن افتراء الكذب على الله غاية فى الظلم، ولو لم يضم إليه التكذيب بالآيات، وإن التكذيب بالآيات غاية فى الظلم، ولو لم يضم إليه افتراء الكذب فهما غايتان مستويتان والاستفهام للنفى والإنكار، أى لا أظلم ممن افترى، والمراد أنه لا يساوى فضلا عن أن يفاق. {إنَّه لا يُفْلح الظَّالمُونَ} مطلقاً فضلا عمن ظلم بالافتراء على الله، والكذب بآياته، أو المراد بالظلم من ذكر أى أنهم لا يفلحون، فوضع الظاهر موضع المضمر ليسميهم ثانياً باسم الظلم.
اطفيش
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ} لا أَظلم، وهو توبيخ ونفى، {مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} قطع كذبا على الله، أَو افترى على الله افتراء، وعلى الوجهين الافتراء إِثبات الشريك لله، ودعوى بنوة الملائكة لله سبحانه فهذا فى مشركى العرب {أَوْ كَذَّبَ بآيَاتِهِ} أَى القرآن والمعجزات ووصف النبى صلى الله عليه وسلم بخلاف وصفه فى التوراة والإِنجيل. وبإِنكار أَن الله أَنزل فى القرآن أَنه مذكور بالرسالة فى التوراة والإِنجيل، وهذا فى أَهل الكتاب المنكرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والآية فى المشركين وأَهل الكتاب، أَى لا أَظلم ممن افترى، أَو من كذب، فكيف من جمع بين الافتراءِ بما هو باطل لا يثبته من أَعمل عقله والتكذيب بما هو ثابت بالحجة، أَو الافتراء والتكذيب وكلاهما فى المشركين لأَنهم أَثبتوا الشريك وكذبوا بالقرآن، أَى لا أَظلم منهم لو اقتصروا على أَحد الأَمرين، فكيف وقد جمعوا بينهما، فذلك مفاد ولو لم نجعل أَو بمعنى الواو إِبقاء على أَصلها وحكمة إِبقائها على أَصلها إِفادة أَن كلا من الأَمرين وحده غاية الإِفراط فى الظلم، وبأَنهم جمعوا بين أَمرين متناقضين، أَثبتوا المنفى ونفوا الثابت، ومن شأْن النقيضين أَلاَّ يجتمعا، وأَيضا من نفى ما ثبت بالبرهان أَولى بنفى ما لم يثبت، ومن أَثبت ما نفى بالبرهان أَولى بإِثبات ما لم ينف، فالجمع بينهما جمع بين المتناقضين، والرماد نفى أَن يكون أَحد أَظلم ممن فعل ذلك أَو مساوياً له، وذلك فى الاستعمال، وأَما بالوضع فلا يدل على نفى المساواة، وذلك أَن النسبة بين الشيئين تتصور غالبا بالزيادة والنقص فإِذا لم يكن أَحدهما أَزيد تحقق النقص، وقيل دلالة التركيب على نفى المساواة وضعية، وإذا قلت: لا أَفضل فى البلد من زيد فغير الأَفضل مساو أَو ناقص، فاستعمل في أَحد فرديه وذلك من قصر الشئ على بعض أَفراده، واعترض بأَن هذا مشعر بالاستعمال {إِنَّهُ} أَى الواقع الذى لا بد منه وهو الشأْن {لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} لا يظفرون بمطلوب ولا يتخلصون من مكروه، وذلك فى مطلق الظالم فكيف من لا أَظلم منه.
الالوسي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} بادعائه أن له جل شأنه شريكاً وبقوله الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله. وعد من ذلك وصف النبـي عليه الصلاة والسلام الموعود في الكتابين بخلاف أوصافه. والاستفهام للاستعظام الادعائي. والمشهور أن المراد إنكار أن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك أو مساوياً له، والتركيب وإن لم يدل على إنكار المساواة وضعاً ـ كما قال العلامة الثاني في «شرح المقاصد» و«حواشي الكشاف» ـ يدل عليه استعمالاً فإذا قلت: لا أفضل في البلد من زيد فمعناه أنه أفضل من الكل بحسب العرف، والسر في ذلك أن النسبة بين الشيئين إنما تتصور غالباً لا سيما في باب المغالبة بالتفاوت زيادة ونقصاناً فإذا لم يكن أحدهما أزيد يتحقق النقصان لا محالة. وادعى بعض المتأخرين أنه سنح له في توجيه ذلك نكتة حسنة ودقيقة مستحسنة وهي أن المتساويين بل المتقاربين في نفس الأمر لا يسلم كل واحد منهما أن يفضل عليه صاحبه فإن كل أحد لا يقدر على أن يقدر كل شيء حق قدره وكل إنسان لا يقوى على أن يعرف كل أمر على ما هو عليه فإن الأفهام في مقابلة الأوهام متفاوتة والعقول في مدافعة الشكوك متباينة، فإذا حكم بعض الناس مثلاً بالمساواة بين المتساويين في نفس الأمر فقد يحكم البعض الآخر برجحان ذلك على حسب منتهى أفهامهم ومبلغ عقولهم ومدرك إدراكهم فكل ما يوجد من يساويه في نفس الأمر يوجد من يفضل عليه بحسب اعتقاد الناس بل كلما يوجد من يقاربه فيه يوجد من يفوقه في ظنون العامة وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كلما لا يوجد من يفضل عليه لا يوجد من يساويه بل من يقاربه أيضاً وهو المطلوب، وبالجملة إن إثبات المساوي يستلزم إثبات الراجح الفاضل فنفي الفاضل يستلزم نفي المساوي لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم كما أن إثبات الملزوم يستلزم إثبات اللازم وفيه تأمل. وادعى بعض المحققين أن دلالة التركيب على نفي المساواة وضعية لأن غير الأفضل إما مساو أو أنقص/ فاستعمل في أحد فرديه. قال ابن الصائغ في مسألة الكحل: إن ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد وإن كان نصاً في نفي الزيادة وهي تصدق بالزيادة والنقصان إلا أن المراد الأخير وهو من قصر الشيء على بعض أفراده كالدابة انتهى. وأنت تعلم أن هذا مشعر باعتبار العرف أيضاً. {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} كأن كذب بالقرآن الذي من جملته الآية الناطقة بأن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم أو بسائر المعجزات التي أيد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن سماها سحراً، وعد من ذلك تحريف الكتاب وتغيير نعوته صلى الله عليه وسلم الذي ذكرها الله تعالى فيه، وإنما ذكر {أَوْ } وهم جمعوا بين الأمرين إيذاناً بأن كلا منهما وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس، وقيل: نبه بكلمة {أَوْ } على أنهم جمعوا بين أمرين متناقضين يعني أنهم أثبتوا المنفي ونفوا الثابت، والمراد بالمتناقضين أمران من شأنهما أن لا يجمع بينهما عرفاً أو يقال: إن من نفي الثابت بالبرهان يكون بنفي ما لم يثبت به أولى، كذلك في الطرف الآخر فالجمع بينهما جميع بين المتناقضين من هذا الوجه. وادعى بعضهم أن وجه التناقض المشعر به هذا العطف أن الافتراء على الله تعالى دعوى وجوب القبول بلا حجة ما ينسب إليه تعالى وتكذيب الآيات دعوى أنه يجب أن لا يقبل ما ينسب إليه تعالى ولو أقيم عليه بينة ويجب أن ينكر التنبيه ويرتكب المكابرة بناء على أن الرسول يجب أن يكون ملكاً. ولا يخفى أن في دعوى التناقض خفاء، وهذه التوجيهات لا ترفعه. {أَنَّهُ } أي الشأن، والمراد أن الشأن الخطير هذا وهو {لاَ يُفْلِحُ } أي لا يفوز بمطلوب ولا ينجو من مكروه {ٱلظَّـٰلِمُونَ } من حيث إنهم ظالمون فكيف يفلح الأظلم من حيث إنه أظلم.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : الذين خسروا أنفسهم}تفسير : [الأنعام: 20]. فالمراد بهم المشركون مثل قوله: {أية : ومن أظلم ممّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه}تفسير : . وقد تقدَّم نظيره في سورة البقرة (114). والمراد بافترائهم عقيدة الشرك في الجاهلية بما فيها من تكاذيب، وبتكذيبهم الآيات تكذيبهم القرآن بعد البعثة. وقد جعل الآتي بواحدة من هاتين الخصلتين أظلم الناس فكيف بمن جمعوا بينهما. وجملة: {إنّه لا يفلح الظالمون} تذييل، فلذلك فصلت، أي إذا تحقّق أنّهم لا أظلم منهم فهم غير مفلحين، لأنّه لا يفلح الظالمون فكيف بمن بلغ ظلمه النهاية، فاستغنى بذكر العلّة عن ذكر المعلول. وموقع (إنّ) في هذا المقام يفيد معنى التعليل للجملة المحذوفة، كما تقرّر في كلام عبد القاهر. وموقع ضمير الشأن معها أفاد الاهتمام بهذا الخبر اهتمام تحقيق لتقع الجملة الواقعة تفسيراً له في نفس السامع موقع الرسوخ. والافتراء الكذب المتعمّد. وقوله: {كذباً} مصدر مؤكَّد له، وهو أعمّ من الافتراء. والتأكيد يحصل بالأعم، كما قدّمناه في قوله تعالى: {أية : ولكنّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب}تفسير : في سورة المائدة (103)، وقد نفى فلاحهم فعمّ كلّ فلاح في الدنيا والآخرة، فإنّ الفلاح المعتدّ به في نظر الدين في الدنيا هو الإيمان والعمل، وهو سبب فلاح الآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِهِ} {ٱلظَّالِمُونَ} (21) - لاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً، كَمَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ وَلَداً أَوْ شَرِيكاً ... أَوْ زَادَ فِي دِينِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، أَوْ كَذَّبِ بِآيَاتِهِ المُنَزَّلَةِ كَالقُرْآنِ، أَوْ آيَاتِهِ الكَوْنِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، أَوْ التِي يُؤَيِّدُ بِهَا رُسُلَهُ الكِرَامَ ... وَمَن افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً، أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ يَكُونُ أَظْلَمَ الظَّالِمِينَ، وَلاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ يَوْمَ الحِسَابِ بِالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللهِ فِي النَّارِ، وَلا يَفُوزُونَ بِنَعِيمِ اللهِ فِي الجَنَّةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنهم افتروا على الله الكذب عندما فعلوا ذلك: نسوا حظاً مما ذكروا به، وكتموا بعضاً من الكتب المنزلة إليهم، وحرفوا الآيات المنزلة إليهم، وجاءوا بأقوال من عندهم ونسبوها إلى الله. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عنهم: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} تفسير : [البقرة: 79]. إن الحق يتوعدهم بالعذاب لأنهم باعوا الدين لقاء ثمن قليل في الدنيا، وادعوا على الله الكذب فنسبوا إليه ما لم ينزله، ولذلك فالويل كل الويل لهم؛ لإنهم انحطوا إلى أخس دركات الظلم وكذبوا الكذب المتعمد في كلية ملزمة وهي الإيمان بالله وبالكتب المنزلة والرسل. والافتراء هو الكذب المتعمد بغرض نسبة شيء إلى الله لم يقله، وهم قد فعلوا ذلك، ولهذا لا يفلح الظالمون سواء ظلموا الناس بأخذ أموالهم أو الإساءة إليهم، أو ظلموا أنفسهم بالشرك بالله وهو أعظم الظلم {إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ ...}
الأندلسي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ} الآية تقدم الكلام عليها، والإِفتراء: الاختلاق، والمعنى لا أحد أظلم ممن كذب على الله أو كذب بآيات الله، جمعوا بين أمرين متناقضين فكذبوا على الله بما لا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة والبرهان الصحيح حيث قالوا: {أية : لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} تفسير : [الأنعام: 148]، وقالوا: {أية : وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} تفسير : [الأعراف: 28]، وقالوا: الملائكة بنات الله؛ وهؤلاء شفعاؤنا عند الله. ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب، وكذبوا القرآن والمعجزات وسموها سحراً، ولم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى: {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ} أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا والآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان. ونفي الفلاح عن الظالم فدخل فيه الأظلم. والظالم غير الأظلم، وإذا كان هذا لا يفلح فكيف يفلح الأظلم. {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} الناصب ليوم فيه أقوال ذكرت في البحر، أحدها أنه مفعول لأذكر محذوفة على أنه مفعول به وهو خطاب للسامع، والثاني لمحذوف متأخر تقديره ويوم نحشرهم كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإِبهام الذي هو أدخل في التخويف. والضمير المنصوب في نحشرهم عام في العالم كلهم وعطف بثم للتراخي الحاصل بين مقامات يوم القيامة في المواقف فإِن فيه مواقف بين كل موقف وموقف تراخ على حسب طول ذلك اليوم. و{لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} عام في المشركين. و{أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ} سؤال توبيخ وتقريع. وظاهر مدلول أين شركاؤكم غيبة الشركاء عنهم أي تلك الأصنام قد اضمحلت فلا وجود لها وأضيف الشركاء إليهم لأنه لا شركة في الحقيقة بين الأصنام وبين شىء وإنما أوقع عليها اسم الشريك بمجرد تسمية الكفرة لها شركاء فأضيفت إليهم بهذه النسبة والزعم والقول الأميل إلى الباطل والكذب في أكثر الكلام. وقد يطلق على مجرد القول ومن ذلك قول سيبويه في كتابه: وزعم الخليل، أي قال: والذين موصول صلته كنتم تزعمون والعائد عليه محذوف تقديره كنتم تزعمونهم شركاء. {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} تقدم مدلول الفتنة وشرحت هنا بحب الشىء والإِعجاب به كما تقول: فتنت بزيد، فعلى هذا يكون المعنى ثم لم يكن حبّهم للأصنام وإعجابهم بها واتباعهم لها لما سئلوا عنها ووقفوا على عجزها إلا التبرؤ منها والإِنكار لها وفي هذا توبيخ لهم وثم لم تكن فتنتهم فيه قراءات الجاري منها على الأشهر، ثم لم يكن بالياء فتنتهم بالنصب. {إِلاَّ أَن قَالُواْ} إن مع ما بعدها أجريت في التعريف مجرى الضمير وإذا اجتمع الأعرف وما دونه في التعريف فذكروا أن الأشهر جعل الأعرف هو الاسم وما دونه الخبر، ولذلك أجمعت السبعة على ذلك في قوله: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ} تفسير : [النمل: 56] و {أية : مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} تفسير : [الجاثية: 25]. ومن قرأ بالياء ورفع الفتنة فذكر الفعل لكون تأنيث الفتنة مجازياً. والفتنة إسم يكن والخبر إلا أن قالوا جعل غير الأعرف الاسم والأعرف الخبر ومن قرأ ثم لم تكن فتنتهم بالتاء ورفع الفتنة فأنت لتأنيث الفتنة، والإِعراب كإِعراب ما قبله، ومن قرأ ثم لم تكن بالتاء فتنتهم بالنصب فالأحسن أن يقدر إلا أن قالوا مؤنثاً أي ثم لم تكن فتنتهم إلا مقالتهم. وقرىء: ربنا بالجر صفة لله تعالى وبالنصب على النداء أي يا ربنا. {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والنظر قلبي، وكيف منصوب بكذبوا، والجملة في موضع نصب بانظر لأن أنظر معلقة، وكذبوا ماض وهو في أمر لم يقع لكنه حكاية عن يوم القيامة ولا إشكال في استعمال الماضي فيها موضع المستقبل تحقيقاً لوقوعه ولا بد. {وَضَلَّ} يحتمل أن يكون عطفاً على كذبوا فيدخل في حيز أنظر ويحتمل أن يكون إخباراً مستأنفاً فلا يدخل في حيزه ولا يتسلط النظر عليه. {مَّا كَانُواْ} قال ابن عطية: ما مصدرية ومعناه ذهب افتراؤهم في الدنيا وكذبهم بادعائهم لله الشركاء. وقال الزمخشري: ما موصولة بمعنى الذي، قال: وغاب عنهم ما كانوا يفترون الهيته وشفاعته. {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} الآية، عن ابن عباس أن أبا سفيان وجماعة من كفار قريش استمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة ما يقول؟ فقال: ما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما أحدثكم عن القرون الماضية وكان صاحب أشعار سمع أقاصيص في ديار العجم مثل قصة رستم واسفنديار. قال أبو عبيدة: أساطير جمع أسطارة وهي النزهات وقيل غير ذلك. قال ابن عطية: وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه كعباديد وشماطيط. "انتهى". وهذا لا تسميه النحاة إسم جمع لأنه على وزن الجموع بل يسمونه جمعاً وإن لم يلفظ له بواحد. والضمير في ومنهم عائد على الذين أشركوا ووحد الضمير في يستمع حملاً على لفظ من، وجمعه في على قلوبهم حملاً على معناها ويستمع متعد إلى مفعول به إذا كان من جنس الأصوات كقوله: {أية : يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [الأحقاف: 29] عدي هنا بإِلى لتضمنه معنى يَصْغَوْنَ بأسماعهم إليك. والجملة من قوله: وجعلنا معطوفة على الجملة قبلها عطف فعلية على إسمية فيكون إخباراً من الله تعالى أنه جعل كذا. وقيل: الواو واو الحال أي وقد جعلنا من ينصت إلى سماعك وهم من الغباوة في جدّ من قلبه في كنان وأذن صمّاء. وجعل هنا يحتمل أن تكون بمعنى ألقى فتتعلق على بها وبمعنى صير فتتعلق بمحذوف إذ هي في موضع المفعول الثاني، ويجوز أن تكون بمعنى خلق فتكون في موضع الحال لأنها في موضع نعت لو تأخرت، فلما تقدمت صارت حالاً. والإِكنة جمع كنانا كعنان وأعنة، والكتاب: الغطاء الجامع. قال الشاعر: شعر : إذ ما انتضوها في الوغى من أكنة حسبت بروق الغيث هاجت غيومها تفسير : و{أَن يَفْقَهُوهُ} في موضع المفعول من أجله تقديره عندهم كراهة أن يفقهوه. وقيل: المعنى لئلا يفقهوه. وتقدم نظير هذين التقديرين في قوله تعالى: {أية : أَن تَضِلُّواْ}تفسير : [النساء: 44] والضمير المنصوب في يفقهوه عائد على القرآن الدال عليه من حيث المعنى. قوله: ومنهم من يستمع إليك، والوقر: الثقل في الأذن، ويقال: بفتح الواو وبكسرها. وفعله وقر بفتح القاف وكسرها وهو عبارة عما جعل الله تعالى في نقوس هؤلاء القوم من الغلظ والبعد عن قبول الخير كأنهم لم يكونوا سامعين لأقواله. {وَإِن يَرَوْاْ} الآية، لما ذكر عدم انتفاعهم بعقولهم انتقل من حاسّة الأكنة والوقر إلى الحاسة التي هي أبلغ من حاسة السماع وهي الرؤية، فنفى ما يترتب على إداركها وهو الإِيمان. وقال ابن عباس: كل آية، كل دليل وحجة. {لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} لأجل ما جعل على قلوبهم أكنة. "انتهى". ومقصود هذه الجملة الشرطية الاخبار عن المبالغة التامة والعناء المفرط في عدم إيمانهم حتى إن الشىء المرئي الدال على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة لا يرتبون عليه مقتضاه بل يرتبون عليه ضد مقتضاه وحتى أصلها أن تكون حرف غاية، وقد تأتي بمعنى الفاء فإِذا كانت بمعنى الغاية كانت حرف ابتداء تعلقت بقوله: ومنهم من يستمع إليك، أي يمتد استماعهم وتكررهم إلى أن يقولوا في القرآن إن هذا إلا أساطير الأولين، فيكون المبتدأ محذوفاً بعدها تقديره حتى هم والجملة الشرطية خبر المبتدأ وإذا كانت بمعنى الفاء كان التقدير فإِذا جاؤك، ويجادلونك جملة حالية أي مجادليك، وبلغ تكذيبهم بالآيات إلى المجادلة، ويقول جواب إذا. وأساطير: جمع أسطارة وأسطورة أو أسطور، والذين كفروا قام مقام الضمير إذ لو جرى على الغيبة لكان اللفظ لقالوا. {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} النائي: البعد. يقال: نأى ينأى ناياً. والضمير في وهم عائد على الكفار، وتقدم ذكر الرسول في قوله: يجادلونك، وتقدم ذكر القرآن في قوله: إن هذا، أي القرآن، فاحتمل أن يكون الضمير في عنه في الموضعين عائداً على الرسول فيكون من الإِلتفات إذ هو خروج من خطاب إلى غيبة، ومعناه ينهون الناس عن الرسول وعن أتباعه، وينأون عنه أي يبعدون عن الرسول وما جاء به. ويحتمل أن يكون الضمير في عنه عائداً على القرآن المشار إليه بقولهم: إن هذا فلا يكون من باب الإِلتفات. وفي قوله: ينهون وينأون تجنيس التصريف وقيل: تجنيس التحريف وهو أن تنفرد كل كلمة عن الأخرى بحرف فينهون انفردت بالهاء، وينأون انفردت بالهمزة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لا أعظم ظلما وعنادا، ممن كان فيه أحد الوصفين، فكيف لو اجتمعا، افتراء الكذب على الله، أو التكذيب بآياته، التي جاءت بها المرسلون، فإن هذا أظلم الناس، والظالم لا يفلح أبدا. ويدخل في هذا، كل من كذب على الله، بادعاء الشريك له والعوين، أو [زعم] أنه ينبغي أن يعبد غيره أو اتخذ له صاحبة أو ولدا، وكل من رد الحق الذي جاءت به الرسل أو مَنْ قام مقامهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):