٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} منصوب بمضمر تهويلاً للأمر. {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ} أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله، وقرأ يعقوب «يحشرهم» ويقول بالياء. {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولان والمراد من الاستفهام التوبيخ، ولعله يحال بينهم وبين آلهتهم حينئذ ليفقدوها في الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها، ويحتمل أن يشاهدوهم ولكن لما لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المشركين: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً}: يوم القيامة، فيسألهم عن الأصنام والأنداد، التي كانوا يعبدونها من دونه، قائلاً لهم: {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} كقوله تعالى في سورة القصص: {أية : وَيَوْمَ يُنَـٰدِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } تفسير : [القصص: 62] وقوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} أي حجتهم إلا أن قالوا: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} قال الضحاك: عن ابن عباس: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} أي حجتهم، وقال عطاء الخراساني عنه: أي معذرتهم، وكذا قال قتادة. وقال ابن جريج، عن ابن عباس: أي: قيلهم، وكذا قال الضحاك. وقال عطاء الخراساني، {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} بليتهم حين ابتلوا {إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وقال ابن جرير: والصواب: ثم لم يكن قيلهم، عند فتنتنا إياهم، اعتذاراً عما سلف منهم من الشرك بالله، {إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن مطرف، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتاه رجل فقال: يا ابن عباس، سمعت الله يقول: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} قال: أما قوله: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، فقالوا: تعالوا فلنجحد فيجحدون، فيختم الله على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثاً، فهل في قلبك الآن شيء؟ إنه ليس من القرآن إلا ونزل فيه شيء، ولكن لا تعلمون وجهه. وقال الضحاك عن ابن عباس: هذه في المنافقين، وفيه نظر، فإن هذه الآية مكية، والمنافقون إنما كانوا بالمدينة، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ} تفسير : [المجادلة: 18]، الآية، وهكذا قال في حق هؤلاء: { ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} كقوله: {أية : ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} تفسير : [غافر:73-74] الآية. وقوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} أي: يجيئون ليستمعوا قراءتك، ولا تجزي عنهم شيئاً؛ لأن الله جعل {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أي: أغطية؛ لئلا يفقهوا القرآن {وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} أي: صمماً عن السماع النافع لهم، كما قال تعالى: {أية : وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً} تفسير : [البقرة: 171] الآية، وقوله: {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} أي: مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات والبراهين، لا يؤمنوا بها، فلا فهم عندهم ولا إنصاف، كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 23] الآية. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ} أي: يحاجونك ويناظرونك، في الحق بالباطل، {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي: ما هذا الذي جئت به، إلا مأخوذاً من كتب الأوائل، ومنقول عنهم، وقوله: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} في معنى ينهون عنه قولان: [أحدهما]: أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق وتصديق الرسول والانقياد للقرآن، {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي: ويبعدون هم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين، لا ينتفعون ولا يدعون أحداً ينتفع، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ}: يردون الناس عن محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به. وقال محمد ابن الحنفية: كان كفار قريش لا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وينهون عنه، وكذا قال قتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد، وهذا القول أظهر، والله أعلم، وهو اختيار ابن جرير. [والقول الثاني]: رواه سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس يقول في قوله: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذى، وكذا قال القاسم بن مخيمرة، وحبيب بن أبي ثابت، وعطاء بن دينار، وغيره: أنها نزلت في أبي طالب. وقال سعيد بن أبي هلال: نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس معه في العلانية، وأشد الناس عليه في السر، رواه ابن أبي حاتم، وقال محمد بن كعب القرظي: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} أي: ينهون الناس عن قتله، وقوله: {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي: يتباعدون منه {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} أي: وما يهلكون بهذا الصنيع، ولا يعود وباله إلا عليهم، وهم لا يشعرون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {يَوْمٍ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } توبيخاً {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أنهم شركاء الله؟
الشوكاني
. تفسير : قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } قرأ الجمهور بالنون في الفعلين، وقرىء بالياء فيهما، وناصب الظرف محذوف مقدر متأخراً، أي يوم نحشرهم كان كيت وكيت، والاستفهام في {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ } للتقريع والتوبيخ للمشركين. وأضاف الشركاء إليهم، لأنها لم تكن شركاء لله في الحقيقة، بل لما سموها شركاء أضيفت إليهم، وهي ما كانوا يعبدونه من دون الله، أو يعبدونه مع الله. قوله: {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي تزعمونها شركاء، فحذف المفعولان معاً، ووجه التوبيخ بهذا الاستفهام أن معبوداتهم غابت عنهم في تلك الحال، أو كانت حاضرة ولكن لا ينتفعون بها بوجه من الوجوه، فكان وجودها كعدمها. قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } قال الزجاج: تأويل هذه الآية: أن الله عزّ وجلّ أخبر بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حتى رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك، ونظير هذا في اللغة أن ترى إنساناً يحب غاوياً، فإذا وقع في هلكة تبرأ منه فتقول: ما كانت محبتك إياه إلا أن تبرأت منه انتهى. فالمراد بالفتنة على هذا كفرهم: أي لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتخروا به، وقاتلوا عليه، إلا ما وقع منهم من الجحود والحلف على نفيه بقولهم: {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وقيل المراد بالفتنة هنا جوابهم، أي لم يكن جوابهم إلا الجحود والتبريء، فكان هذا الجواب فتنة لكونه كذباً، وجملة: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } معطوفة على عامل الظرف المقدّر كما مرّ والاستثناء مفرّغ، وقرىء "فتنتهم" بالرفع وبالنصب. ويكن وتكن والوجه ظاهر، وقرىء "وَمَا كَانَ فِتْنَتُهُمْ" وقرىء "رَبَّنَا" بالنصب على النداء {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } بإنكار ما وقع منهم في الدنيا من الشرك، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي زال وذهب افتراؤهم وتلاشى، وبطل ما كانوا يظنونه من أن الشركاء يقرّبونهم إلى الله. هذا على أنّ "ما" مصدرية. وقيل هي موصولة عبارة عن الآلهة أي فارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله فلم يغن عنهم شيئاً، وهذا تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حالهم المختلفة ودعواهم المتناقضة. وقيل لا يجوز أن يقع منهم كذب في الآخرة؛ لأنها دار لا يجري فيها غير الصدق، فمعنى {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } نفي شركهم عند أنفسهم، وفي اعتقادهم، ويؤيد هذا قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً } تفسير : [النساء: 42]. قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } هذا كلام مبتدأ لبيان ما كان يصنعه بعض المشركين في الدنيا، والضمير عائد إلى الذين أشركوا، أي وبعض الذين أشركوا يستمع إليك حين تتلو القرآن {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أي فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم، والأكنة: الأغطية جمع كنان مثل الأسنة والسنان، كننت الشيء في كنه: إذا جعلته فيه، وأكننته أخفيته، وجملة: {جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } مستأنفة للإخبار بمضمونها، أو في محل نصب على الحال، أي وقد جعلنا على قلوبهم أغطية كراهة أن يفقهوا القرآن، أو لئلا يفقهوه، والوقر: الصمم، يقال وقرت أذنه تقر وقراً: أي صمت. وقرأ طلحة ابن مصرف "وِقْراً" بكسر الواو، أي جعل في آذانهم ما سدّها عن استماع القول على التشبيه بوقر البعير، وهو مقدار ما يطيق أن يحمله، وذكر الأكنة والوقر تمثيل لفرط بعدهم عن فهم الحق وسماعه، كأن قلوبهم لا تعقل، وأسماعهم لا تدرك، {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} أي لا يؤمنوا بشيء من الآيات التي يرونها من المعجزات، ونحوها لعنادهم وتمرّدهم. قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأوَّلِينَ} "حتى" هنا هي الابتدائية التي تقع بعدها الجمل، وجملة {يجادلونك} في محل نصب على الحال. والمعنى: أنهم بلغوا من الكفر والعناد أنهم إذا جاءوك مجادلين لم يكتفوا بمجرد عدم الإيمان، بل يقولون إن هذا إلا أساطير الأوّلين. وقيل: "حتى" هي الجارة وما بعدها في محل جر، والمعنى: حتى وقت مجيئهم مجادلين يقولون إن هذا إلا أساطير الأوّلين، وهذا غاية التكذيب ونهاية العناد. والأساطير قال الزجاج: واحدها أسطار. وقال الأخفش: أسطورة. وقال أبو عبيدة أسطارة. وقال النحاس: أسطور. وقال القشيري: أسطير. وقيل: هو جمع لا واحد له كعباديد وأبابيل، والمعنى: ما سطره الأوّلون في الكتب من القصص والأحاديث. قال الجوهري: الأساطير الأباطيل والترهات. قوله: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنأون عَنْهُ} أي ينهى المشركون الناس عن الإيمان بالقرآن، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم ويبعدون هم في أنفسهم عنه. وقيل: إنها نزلت في أبي طالب، فإنه كان ينهى الكفار عن أذية النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويبعد هو عن إجابته {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } أي ما يهلكون بما يقع منهم من النهي والنأي، إلا أنفسهم بتعريضها لعذاب الله وسخطه، والحال: أنهم ما يشعرون بهذا البلاء الذي جلبوه على أنفسهم. قوله: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من تتأتى منه الرؤية. وعبر عن المستقبل يوم القيامة بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه، كما ذكره علماء المعاني، و {وُقِفُواْ} معناه حبسوا، يقال وقفته وقفا ووقف وقوفاً، وقيل: معنى {وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } أدخلوها، فتكون "على" بمعنى "في". وقيل هي بمعنى الباء: أي وقفوا بالنار أي بقربها معاينين لها، ومفعول ترى محذوف، وجواب "لو" محذوف، ليذهب السامع كل مذهب، والتقدير: لو تراهم إذا وقفوا على النار لرأيت منظراً هائلاً وحالاً فظيعاً {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ } أي إلى الدنيا {وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا } أي التي جاءنا بها رسوله صلى الله عليه وسلم، {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بها العاملين بما فيها، والأفعال الثلاثة داخلة تحت التمني أي تمنوا الرد، وأن لا يكذبوا، وأن يكونوا من المؤمنين، برفع الأفعال الثلاثة كما هي قراءة الكسائي وأهل المدينة، وشعبة، وابن كثير، وأبي عمرو. وقرأ حفص، وحمزة، بنصب نكذب ونكون بإضمار أن بعد الواو على جواب التمني، واختار سيبويه القطع في {وَلاَ نُكَذّبَ } فيكون غير داخل في التمني، والتقدير: ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك التكذيب، أي لا نكذب رددنا أو لم نردّ، قال: وهو مثل دعني ولا أعود، أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني. واستدل أبو عمرو بن العلاء على خروجه من التمني بقوله: {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} لأن الكذب لا يكون في التمني. وقرأ ابن عامر {وَنَكُونَ } بالنصب، وأدخل الفعلين الأوّلين في التمني، وقرأ أبيّ "وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا أَبَدًا" وقرأ هو وابن مسعود "يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ فلاَ نُكَذّبَ" بالفاء والنصب، والفاء ينصب بها في جواب التمني كما ينصب بالواو كما قال الزجاج، وقال أكثر البصريين: لا يجوز الجواب إلا بالفاء. قوله: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} هذا إضراب عما يدل عليه التمني من الوعد بالإيمان والتصديق، أي لم يكن ذلك التمني منهم عن صدق نية وخلوص اعتقاد، بل هو لسبب آخر، وهو أنه بدا لهم ما كانوا يخفون، أي يجحدون من الشرك، وعرفوا أنهم هالكون بشركهم، فعدلوا إلى التمني والمواعيد الكاذبة. وقيل: بدا لهم ما كانوا يخفون من النفاق والكفر بشهادة جوارحهم عليهم. وقيل: بدا لهم ما كانوا يكتمون من أعمالهم القبيحة كما قال تعالى: {أية : وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } تفسير : [الزمر: 47] وقال المبرد: بدا لهم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه، وهو مثل القول الأوّل. وقيل: المعنى أنه ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث والقيامة {وَلَوْ رُدُّواْ } إلى الدنيا حسبما تمنوا {لَعَـٰدُواْ } لفعل ما نهوا عنه من القبائح التي رأسها الشرك، كما عاين إبليس ما عاين من آيات الله ثم عاند {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } أي متصفون بهذه الصفة لا ينفكون عنها بحال من الأحوال ولو شاهدوا ما شاهدوا. وقيل المعنى: وإنهم لكاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم من الصدق والإيمان. وقرأ يحيـى بن وثاب "وَلَوْ رِدُّوا" بكسر الراء؛ لأن الأصل رددوا فنقلت كسرة الدال إلى الراء، وجملة {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } معترضة بين المعطوف وهو {وقالوا}، وبين المعطوف عليه وهو {لعادوا} أي لعادوا إلى ما نهوا عنه {وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } أي ما هي إلا حياتنا الدنيا {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } بعد الموت، وهذا من شدّة تمرّدهم وعنادهم، حيث يقولون هذه المقالة على تقدير أنهم رجعوا إلى الدنيا بعد مشاهدتهم للبعث. قوله: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ } قد تقدّم تفسيره في قوله: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ}أي حبسوا على ما يكون من أمر ربهم فيهم. وقيل: "على" بمعنى "عند"، وجواب "لو" محذوف، أي لشاهدت أمراً عظيماً، والاستفهام في {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقّ } للتقريع والتوبيخ، أي أليس هذا البعث الذي ينكرونه كائناً موجوداً، وهذا الجزاء الذي يجحدونه حاضراً. {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبّنَا } اعترفوا بما أنكروا، وأكدوا اعترافهم بالقسم {قَالَ فَذوقوا ٱلْعَذَاب} الذي تشاهدونه وهو عذاب النار {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} أي بسبب كفركم به أو بكل شيء مما أمرتم بالإيمان به في دار الدنيا. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } قال: معذرتهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } قال: حجتهم {إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } يعني المنافقين والمشركين قالوا وهم في النار: هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا، فقال الله: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ } في القيامة {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } يكذبون في الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عنه في قوله: {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } ثم قال: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 42] قال بجوارحهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } قال: باعتذارهم الباطل {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } قال: ما كانوا يشركون. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } قال: قريش، وفي قوله: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } قال: كالجعبة للنبل. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْراً } قال: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئاً، كمثل البهيمة التي لا تسمع النداء ولا تدري ما يقال لها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال: الغطاء أكن قلوبهم أن يفقهوه، والوقر الصمم، و {أَسَـٰطِيرُ ٱلأوَّلِينَ} أساجيع الأوّلين. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: أساطير الأوّلين: أحاديث الأوّلين. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: أساطير الأوّلين: كذب الأوّلين وباطلهم. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس في قوله: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } قال: نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يردّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتباعد عما جاء به. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن القاسم بن مخيمرة نحوه. وأخرج ابن جرير عن عطاء نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال: ينهون عنه الناس أن يؤمنوا به، وينأون عنه: يتباعدون. وأخرج ابن جرير، من طريق العوفيّ عنه قال: لا يلقونه ولا يدعون أحداً يأتيه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن الحنفية، في الآية قال: كفار مكة كانوا يدفعون الناس عنه ولا يجيبونه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة قال: ينهون عن القرآن، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وينأون عنه يتباعدون عنه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن أبي هلال، في الآية قال: نزلت في عمومة النبيّ صلى الله عليه وسلم وكانوا عشرة، فكانوا أشدّ الناس معه في العلانية، وأشدّ الناس عليه في السرّ. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ } قال: من أعمالهم {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } يقول: ولو وصل الله لهم دنيا كدنياهم التي كانوا فيها لعادوا إلى أعمالهم، أعمال السوء التي كانوا نهوا عنها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: أخبر الله سبحانه أنهم لو ردّوا لم يقدروا على الهدى، فقال: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } أي ولو ردّوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حيل بينهم وبينه أوّل مرّة، وهم في الدنيا.
الماوردي
تفسير : {ثُمَّ لَمْ تَكُن فَتْنَتُهُمْ...} الآية. في الفتنة هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني معذرتهم، فسماها فتنة لحدوثها عن الفتنة، قاله قتادة. والثاني: عاقبة فتنتهم وهو شركهم. والثالث: يعني بَلِيَّتُهم التي ألزمتهم الحجة وزادتهم لائمة، قاله أبو عبيد القاسم بن سلام. {إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تبدأوا بذلك من شركهم، فإن قيل: كيف كذبوا في الآخرة بجحود الشرك ولا يصح منهم الكذب في الآخرة لأمرين: أحدهما: أنه لا ينفعهم. والثاني: أنهم مصروفون عن القبائح ملجؤون إلى تركها لإِزالة التكليف عنهم، ولو لم يلجؤوا إلى ترك القبيح ويصرفوا عنه مع كما عقولهم وجب تكليفهم ليقلعوا به عن القبيح، وفي عدم تكليفهم دليل على إلجائهم إلى تركه. قيل: عن ذلك جوابان. أحدهما: أن قولهم {وَاللَّهِ رَبِّنآ مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} أي في الدنيا عند أنفسنا لاعتقادنا فيها أننا على صواب، وإن ظهر لنا خطؤه الآن، فلم يكن ذلك منهم كذباً، قاله قطرب. والثاني: أن الآخرة مواطن، فموطن لا يعلمون ذلك فيه ولا يضطرون إليه، وموطن يعلمون ذلك فيه ويضطرون إليه، فقالوا ذلك في الموطن الأول، قاله بعض متأخري المتكلمين. وهذا ليس بصحيح لأنه يقتضي أن يكونوا في الموطن الأول مكلفين لعدم الإِلجاء والاضطرار، وفي الموطن الثاني غير مكلفين. وقد يعتل الجواب الأول بقوله تعالى بعد هذه الآية: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} فأخبر عنهم بالكذب، وهم على الجواب الأول غير كاذبين. وقد أُجِيب عن هذا الاعتراض بجواب ثالث، وهو أنهم أنكروا بألسنتهم، فلما نطقت جوارحهم أقروا، وفي هذا الجواب دخل لأنه قد كذبوا نُطْقَ الجوارح. {وَضَلَّ عَنهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} فيه وجهان: أحدهما: بسوء كذبهم وجحودهم. والثاني: فضلت عنهم أوثانهم التي افتروا على الله بعبادتها، والافتراء: تحسين الكذب. قوله عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} قيل إنهم كانوا يستمعون في الليل قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته. وفيه وجهان: أحدهما: يستمعون قراءته ليردوا عليه. والثاني: ليعلموا مكانه فيؤذوه، فصرفهم الله عن سماعه، بإلقاء النوم عليهم، بأن جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه. والأكنة الأغطية واحدها كِنان، يقال: كَنَتْتُ الشيء إذا غطيته، وأكننته في نفسي إذا أخفيته، وفي قراءة علي، وابن مسعود: على أعينهم غطاء. {وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} والوقر: الثقل، ومنه الوَقَار إذا ثقل في المجلس. {وَإِن يَرَوْاْ كَلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بها} يعني بالآية علامة الإعجاز لما قد استحكم في أنفسهم من حسده وبغضه، وذلك صرفهم عن سماع القرآن، لأنهم قصدوا بسماعه الأذى والافتراء. {حَتَّىَ إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} فيما كانوا يجادلون به النبي صلى الله عليه وسلم قولان: أحدهما: أنهم كانوا يجادلونه بما ذكره الله تعالى من قوله عنهم: {إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}، قال الحسن. والثاني: هو قولهم: تأكلون ما قتلتم ولا تاكلون ما قتل ربكم، قاله ابن عباس. ومعنى {أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها في كتبهم، وقيل: إن جادلهم بهذا النضر بن الحارث. قوله عز وجل: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأوْنَ عَنْهُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يَنْهَون عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ويتباعدون عنه فراراً منه، قاله محمد ابن الحنفية، والحسن، والسدي. والثاني: يَنْهَون عن القرآن أن يُعْمَل بما فيه، ويتباعدون من سماعه كيلا يسبق إلى قلوبهم العلم بصحته، قاله مجاهد، وقتادة. والثالث: ينهون عن أذى محمد صلى الله عليه وسلم، ويتباعدون عن اتباعه، قال ابن عباس: نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين عن أذى محمد صلى الله عليه وسلم، ويتباعد عما جاء به، فلا يؤمن به مع وضوح صدقه في نفسه. واستشهد مقاتل بما دل على ذلك عن شعر أبي طالب بقوله: شعر : ودعوتني وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحِي فلقَدْ صَدَقْت وكُنْتَ ثَمَّ أميناً وعرضتَ ديناً قد علِمْتُ بأنه من خيْرِ أَدْيانِ البَرِيةِ دِيناً لولا الذَّمَامَةُ أو أُحَاذِرُ سُبَّةً لَوَجَدْتَني سَمْحاً بذالك مُبِيناً فاذهب لأمرك ما عليك غَضَاضَةٌ وابشِرْ بذاك وقَرَّ مِنَكَ عيوناً والله لن يَصِلُوا إيك بِجَمْعِهم حتى أُوسَّدَ في التُّرابِ دَفِيناً تفسير : فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو طالب: أما أن أدخل في دينك فلا، قال ابن عباس: لسابق القضاء في اللوح المحفوظ، وبه قال عطاء، والقاسم.
ابن عطية
تفسير : قالت فرقة: {أية : لا يفلح الظالمون} تفسير : [الأنعام:21] كلام تام معناه لا يفلحون جملة، ثم استأنف فقال: واذكر يوم نحشرهم، وقال الطبري المعنى لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا {ويوم نحشرهم} عطفاً على الظرف المقدر والكلام متصل، وقرأت طائفة "نحشرهم" و "نقول" بالنون، وقرأ حميد ويعقوب فيهما بالياء، وقرأ عاصم هنا وفي يونس قبل الثلاثين "نحشرهم ونقول" بالنون، وقرأ في باقي القرآن بالياء، وقرأ أبو هريرة "نحشِرهم" بكسر الشين فيجيء الفعل على هذا حشر يحشر ويحشر، وأضاف الشركاء إليهم لأنه لا شركة لهم في الحقيقة بين الأصنام وبين شيء وإنما وقع عليها اسم الشريك بمجرد تسمية الكفرة فأضيفت إليهم لهذه النسبة و {تزعمون} معناه تدعون أنهم لله، والزعم القول الأميل إلى الباطل والكذب في أكثر كلامهم، وقد يقال زعم بمعنى ذكر دون ميل إلى الكذب، وعلى هذا الحد يقول سيبويه زعم الخليل ولكن ذلك إنما يستعمل في الشيء الغريب الذي تبقى عهدته على قائله، وقوله تعالى: {ثم لم تكن فتنتنهم إلا أن قالوا} الآية قرأ ابن كثير في رواية شبل عنه وعاصم في رواية حفص وابن عامر "تكن فتنتُهم" برفع الفتنة و {إلا أن قالوا} في موضع نصب على الخبر التقدير إلا قولهم، وهذا مستقيم لأنه أنث العلامة في الفعل حين أسنده إلى مؤنث وهي الفتنة، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وابن كثير أيضاً "تكن فتنتهم" بنصب الفتنة، واسم كان {أن قالوا} ، وفي هذه القراءة تأنيث {أن قالوا} ، وساغ ذلك من حيث كان الفتنة في المعنى، قال أبو علي وهذا كقوله تعالى: {أية : فله عشر أمثالها} تفسير : [الأنعام:160] فأنث الأمثال لما كانت الحسنات بالمعنى وقرأ حمزة والكسائي "يكن" بالياء "فتنتَهم" بالنصب واسم كان {إلا أن قالوا} وهذا مستقيم لأنه ذكر علامة الفعل حين أسنده إلى مذكر، قال الزهراوي وقرأت فرقة "يكن فتنُهم" برفع الفتنة، وفي هذه القراءة إسناد فعل مذكرالعلامة إلى مؤنث، وجاء ذلك بالمعنى لأن الفتنة بمعنى الاختبار أو المودة في الشيء والإعجاب وقرأ أبي بن وكيع وابن مسعود والأعمش "وما كان فتنتهم"، وقرأ طلحة بن مصرف، "ثم كان فتنتهم" والفتنة في كلام العرب لفظة مشتركة تقال بمعنى حب الشيء والإعجاب به كما تقول فتنت بكذا، وتحتمل الآية هنا هذا المعنى أي لم يكن حبهم للأصنام وإعجابهم بها واتباعهم لها لما سئلوا عنها ووقفوا على عجزها إلا التبري منها والإنكار لها، وهذا توبيخ لهم كما تقول لرجل كان يدعي مودة آخر ثم انحرف عنه وعاداه يا فلان لم تكن مودتك لفلان إلا أن شتمته وعاديته، ويقال الفتنة في كلام العرب بمعنى الاختبار، كما قال عز وجل لموسى عليه السلام: {أية : وفتناك فتوناً} تفسير : [طه:40]، وكقوله تعالى: {أية : ولقد فتنا سليمان وألقينا} تفسير : [ص:34] وتحتمل الآية هاهنا هذا المعنى لأن سؤالهم عن الشركاء وتوقيفهم اختبار، فالمعنى ثم لم يكن اختبارنا لهم إذ لم يفد ولا أثمر، إلا إنكارهم الإشراك، وتجيء الفتنة في اللغة على معان غير هذين لا مدخل لها في الآية ومن قال إن أصل الفتنة الاختبار من فتنت الذهب في النار ثم يستعار بعد ذلك في غيره فقد أخطأ لأن الاسم لا يحكم عليه بمعنى الاستعارة حتى يقطع باستحالة حقيقته في الموضع الذي استعير له كقول ذي الرمة: [الطويل] شعر : ولَفَّ الُّثرَيَّا في مُلاءتِهِ الفَجْرُ تفسير : ونحوه، والفتنة لا يستحيل أن تكون حقيقة في كل موضع قيلت عليه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر والله "ربِّنا" خفض على النعت لاسم الله، وقرأ حمزة والكسائي "ربَّنا" نصب على النداء، ويجوز فيه تقدير المدح، وقرأ عكرمة وسلام بن مسكين "واللهُ ربُّنا" برفع الاسمين وهذا على تقدير تقديم وتأخير كأنهم قالوا ما كنا مشركين والله ربنا، و {ما كنا مشركين} معناه جحود إشراكهم في الدنيا، فروي أنهم إذا رأوا إخراج من في النار من أهل الإيمان ضجوا فيوقفون ويقال لهم أين شركاؤكم فينكرون طماعية منهم أن يفعل بهم ما فعل بأهل الإيمان. وأتى رجل ابن عباس فقال: سمعت الله يقول: {والله ربنا ما كنا مشركين} وفي أخرى {أية : ولا يكتمون الله حديثاً} تفسير : [النساء:42] فقال ابن عباس لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن قالوا تعالوا فلنجحد، وقالوا ما كنا مشركين فختم الله على أفواههم وتكلمت جوارحهم فلا يكتمون الله حديثاً. قال القاضي أبو محمد: وعبد بعض المفسرين عن الفتنة هنا بأن قالوا معذرتهم، قاله قتادة، وقال آخرون كلامهم قاله الضحاك، وقيل غير هذا مما هو كله في ضمن ما ذكرناه، وقوله تعالى {انظر كيف كذبوا} الآية، الخطاب لمحمد عليه السلام والنظر نظر القلب، وقال كذبوا في أمر لم يقع إذ هي حكاية يوم القيامة فلا إشكال في استعمال الماضي فيها موضع المستقبل, ويفيدنا استعمال الماضي تحقيقاً ما في الفعل وإثباتاً له، وهذا مهيع في اللغة، ومنه قول الربيع بن ضبع الفزاري: [المنسرح] شعر : أَصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاَحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعيِرِ إن نَفَرَا تفسير : يريد أن ينفر {وضل عنهم} معناه ذهب افتراؤهم في الدنيا وكذبهم بادعائهم لله تبارك وتعالى الشركاء.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} فيه خمسة أوجه: أحدهما: أنه منصوبٌ بفعل مُضْمَرٍ بعده، وهو على ظرفيَّتِهِ، أي: يوم نحشرهم كان كيت وكيت، وحُذِف ليكون أبْلَغَ في التَّخْويفِ. والثاني: أنه معطوفٌ على ظرفٍ محذُوفٍ، ذلك الظرف معمول لقوله: {أية : لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ}تفسير : [الأنعام:21] والتقدير: أنه لا يفلح الظَّالمونَ اليوم في الدنيا، ويوم نحشرهم، قاله محمد ابن جَريرٍ. الثالث: أنه منصوبٌ بقوله: {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ}،تفسير : [الأنعام:24] وفيه بُعْدٌ لِبُعْدِهِ من عامله بكثرة الفواصِلِ. الرابع: أنه مفعولٌ به بـ "اذكر" مقدَّراً. الخامس: أنه مفعولٌ به أيضاً، ونَاصِبُهُ: احذروا أو اتَّقُوا يوم نحشرهم، كقوله: {أية : وَٱخْشَوْاْ يَوْماً} تفسير : [لقمان:33] وهو كالذي قبله فلا يُعَدُّ خامساً. وقرأ الجمهور "نَحْشرهم" بنون العظمة، وكذا "ثم نقول"، وقرأ حميد، ويعقوب بياء الغَيْبَةِ فيهما، وهو أنه تبارك وتعالى. والجمهورعلى ضم الشين من "نَحْشُرهم"، وأبو هريرة بكسرها، وهما لغتان في المُضَارع. والضمير المنصوب في "نحشرهم" يعود على المفترين الكَذِبَ. وقيل: على النَّاس كلهم، فيندرج هؤلاء فيهم، والتَّوْبيخُ مختصُّ بهم. وقيل: يعود على المشركين وأصنَامِهِمْ، ويدلُّ عليه قوله: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ} تفسير : [الصافات:22]. و"جَمِيعاً" حالٌ من مفعول "نحشُرهم"، ويجوز أن يكون توكيداً عند من أثْبَتَهُ من النحويين كـ "أجمعين". وعطف هنا بـ "ثُمَّ" للتراخي الحاصل بين الحَشْر والقَوْلِ. ومفعولا "تزعمون" محذوفان للعلم بهما، أي: تزعمونهم شركاء، أو تزعمون أنهما شُفَعَاؤكم. وقوله: "ثُمَّ نَقُولُ للَّذينَ" إن جعلنا الضمير في "نَحْشُرهم" عائداً على المفترين الكذبَ، كان ذلك من باب إقامةِ الظَّاهرِ مقامَ المُضْمَرِ، إذ الأصل: ثم نقول لهم، وإنما أظْهِرَ تنبيهاً على قُبْحِ الشرك. وقوله: {أيْنَ شُرَكاؤكُمْ}؟ سؤالُ تَقْريعٍ وتوبيخٍ وتَبْكيتٍ. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: "كُلُّ زَعْمِ في كتاب الله فالمُرادُ به الكذبُ".
ابو السعود
تفسير : {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} منصوبٌ على الظرفية بمُضمر مؤخَّرٍ قد حُذف إيذاناً بضيق العبارة عن شرحه وبـيانه، وإيماءً إلى عدم استطاعة السامعين لسماعِه لكمال فظاعةِ ما يقع فيه من الطامة والداهية التامة، كأنه قيل: ويوم نحشرهم جميعاً {ثُمَّ نَقُولُ} لهم ما نقول كانَ من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به دائرةُ المقال، وتقديرُ صيغةِ الماضي للدَلالة على التحقّق ولحُسنِ موقَعِ عطفِ قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ} تفسير : [الأنعام، الآية 23] الخ عليه، وقيل: منصوب على المفعولية بمضمر مقدّم، أي واذكر لهم للتخويف والتحذير يوم نحشرهم الخ، وقيل: وليتقوا أو ليحذروا يوم نحشرهم الخ، والضمير للكل، وجميعاً حال منه وقرىء (يَحشرُهم جميعاً ثم يقول) بالياء فيهما {لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي نقول لهم خاصة للتوبـيخ والتقريع على رؤوس الأشهاد {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ} أي آلهتُكم التي جعلتموها شركاءَ لله سبحانه، وإضافتُها إليهم لما أن شِرْكتَها ليست إلا بتسميتهم وتقوُّلهم الكاذب كما ينبىء عنه قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي تزعُمونها شركاءَ، فحُذِف المفعولان معاً، وهذا السؤالُ المُنبِىءُ عن غَيْبة الشركاءِ مع عموم الحشر لها لقوله تعالى: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ }تفسير : [الصافات، الآية 22] وغيرِ ذلك من النصوص إنما يقع بعد ما جرى بـينها وبـينهم من التبرُّؤ من الجانبـين، وتقطَّع ما بـينهم من الأسباب والعلائقِ حسبما يحكيه من قوله تعالى: {أية : فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ }تفسير : [يونس، الآية 28] الخ، ونحوُ ذلك من الآيات الكريمة، إما بعدم حضورِها حينئذٍ في الحقيقة بإبعادها من ذلك الموقف، وإما بتنزيل عدمِ حضورها بعُنوان الشِرْكة والشفاعة منزلةَ عدم حضورها في الحقيقة، إذ ليس السؤالُ عنها من حيث ذواتُها، بل إنما هو من حيث إنها شركاءُ كما يُعرب عنه الوصفُ بالموصول، ولا ريب في أن عدم الوصفِ يوجب عدمَ الموصوف من حيث هو موصوف، فهي من حيث هي شركاءُ غائبةٌ لا محالة وإن كانت حاضرةً من حيث ذواتُها أصناماً كانت أو غيرها، وأما ما يقال من أنه يُحال بـينها وبـينهم في وقت التوبـيخ ليفقِدوهم في الساعة التي علّقوا بها الرجاءَ فيها فيرَوْا مكان خِزْيهم وحسرتِهم فربما يُشعِر بعدم شعورِهم بحقيقة الحال وعدمِ انقطاع حبالِ رجائهم عنها بعدُ. وقد عرفت أنهم شاهدوها قبل ذلك، وانصرمت عُروةُ أطماعهم عنها بالكلية، على أنها معلومة لهم من حين الموت والابتلاءِ بالعذاب في البرزخ، وإنما الذي يحصُل يوم الحشر الانكشافُ الجليُّ واليقين القويُّ، المترتبُ على المحاضَرة والمحاوَرة.
القشيري
تفسير : يجمعهم ليوم الحشر والنشر، لكنه يفرقهم في الحكم والأمر، فالبعث يجمعهم ولكن الحكم يفرقهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا} يوم منصوب على الظرفية بمضمر مؤخر قد حذف ايذانا بضيق العبارة عن شرحه وبيانه والحشر جمع الناس الى موضع معلوم والضمير للكل وجميعا حال منه والمعنى ويوم نحشر الناس كلهم ثم نقول للمشركين خاصة للتوبيخ والتقريع على رؤس الاشهاد ما نقول كان من الاحوال والاهوال ما لا يحيط به دائرة المقال والعطف بثم للتراخى الحاصل بين مقامات يوم القيامة فى المواقف فان فيه مواقف بين كل موقف وموقف تراخ على حسب طول ذلك اليوم {اين شركاؤكم} اى آلهتكم التى جعلتموها شركاء لله فالاضافة مجازية باعتبار اثباتهم الشركة لآلهتهم {الذين كنتم تزعمون} اى تزعمونها شركاء شفعاء والزعم القول الباطل والكذب فى اكثر الكلام.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا}، من قرأ بالرفع والتأنيث: ففتنة اسمها، و {إلاَّ أن قالوا}: خبرها، ومن قرأ بالنصب: فخبرٌ مقدم، والتأنيث لأجل الخبر، ومن قرأ بالتذكير والنصب، فخبر مقدم، و {إلاَّ أن قالوا}: أسمها. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر يا محمد {يوم نحشرهم} أي: المشركين، {جميعًا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم} أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله، {الذين كنتم} تزعمونهم شركاء، وتودونها وتنتصرون لها، فيُحالُ بينهم وبينها، ويتبرأون منها، كما قال تعالى: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} أي: لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به، إلا التبرؤ منه، بعد الانتصار له والتعصب عليه، أو: لم يكن جواب اختبارهم إلا التبرؤ من الشرك، فيكذبون ويحلفون عليه، مع علمهم بأنه لا ينفع من فَرط الحيرة والدهشة. فإن قلت: كيف يجحدون مع قوله: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا }تفسير : [النِّساء:42] فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف الطوائف والمواطن، فيكتم قومٌ ويُقر آخرون، ويكتمون في موطن ويُقرون في موطن آخر؛ لأن يوم القيامة طويل، وقال ابن عباس لَمَّا سئل عن هذا: ( إنهم جحدوا، طَمَعًا في النجاة، فختم الله على أفواههم وتكلمت جوارحهم، فلا يكتمون حديثًا). قال تعالى: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} بِنفِي الشرك عنها بعد تحققها به ونظيره قوله: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ }تفسير : [المجادلة:18] {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: غاب عنهم ما كانوا يعبدونه من الشركاء افتراء على الله. الإشارة: من أحب شيئًا فهو عبد له، ويوم القيامة يتبرأ منه، ويرى وبال فتنته والاشتغال به، فينبغي لمن أراد السلامة من الفتنة، أن يُفرد محبته لله، ويتبرأ من كل ما سواه، ويُفرد وجهته لله، ولا يشتغل ظاهرًا ولا باطنًا إلا بما يقربه من الله ويبعده عما سواه وفي الحديث: " حديث : تَعِسَ عَبدُ الدِّينَارِ والدِّرهَمِ والخَمِيصَةِ، تَعِسَ وانتَكَسَ، وإذَا شِيكَ فلا انتَقَشَ ". تفسير : ثم ذكر أحوالهم في الدنيا بإِعتبار الكفر والعناد، فقال: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ يعقوب {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول} بالياء فيهما. الباقون بالنون فيهما من قرأ بالياء رده الى الله تعالى في قوله {على الله كذبا} وتقديره: يوم يحشرهم الله فيقول. ومن قرأ بالنون ابتدأ، وتقدير الآية إِذكر يوم نحشرهم جميعا، يعني يوم القيامة، لانهم يحشرون فيه جميعا من قبورهم الى موضع الحساب، وأنه يقول - للذين اشركوا بالله، وعبدوا معه الهاً غيره - في هذا اليوم: أين الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي؟! وأين شركائي في زعمكم؟! وإِنما يقول هذا توبيخا لهم وتبكيتا على ما كانوا يدعون أنهم يعبدونه من الاصنام والاوثان، ويعتقدون أنها شركاء لله، وأنها تشفع لهم، يوم القيامة، فاذا لم يجدوا لما كانوا يدعونه صحة، ولم ينتفعوا بهذه الاوثان ولا بعبادتهم، فيعلمون أنهم كانوا كاذبين في أقوالهم.
الجنابذي
تفسير : {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} واذكر او ذكّرهم {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} بالله فى الآلهة او اشركوا بولاية علىّ (ع) ولاية غيره كذا ورد عنهم (ع) ههنا وفى اكثر موارد ذكر الشّرك والكفر، والسّرّ فى ذلك كما سبق مراراً انّ معرفة الله وصفاته والايمان به لمّا كان موقوفاً على فتح باب القلب وفتحه يتوقّف على الولاية والبيعة الولويّة الّتى هى الايمان وبها يدخل الايمان فى القلب وينفتح بابه، ولذا ورد بنا عرف الله، ومعرفة الله ان تعرف امام زمانك وغير ذلك بطريق الحصر كان الكفر والشّرك هو عدم فتح باب القلب او عدم معرفة الامام او الكفر والاشراك بالامام والكفر بالرّسالة يكون كفراً على كفر {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ} من اصنامكم وغيرها الّتى جعلتموها بالمواضعة شركاء لله ويقال هذا تهكّماً بهم {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} انّهم شركاء لله او شركاء لعلىّ (ع).
الهواري
تفسير : قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} يعني أوثانهم الذين يزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى، أي قربة. ذلك في أمر دنياهم ليصلحها لهم، ولا يقرّون بالبعث. قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ} قال مجاهد وغيره: معذرتهم، وقال الكلبي: معذرتهم وحجتهم {إِلاَّ أَن قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. قال مجاهد: قالوا ذلك حين خلدوا في النار. قال: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} قال الحسن: جحدوا أنهم لم يكونوا في الدنيا مشركين. وقال بعضهم: انظر كيف كذبوا على أنفسهم باعتذارهم بالكذب والباطل {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي يشركون. وقال الحسن: {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: الأوثان التي عبدوها ضلّت عنهم فلم تغن عنهم شيئاً. وقال مجاهد: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ}: بتكذيب الله إياهم. قوله: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمُ أَكِنَّةً} أي غُلُفاً {أَن يَفْقَهُوهُ} أي لئلا يفقهوه {وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} أي صمماً عن الهدى. {وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ} يعني ما سألوا النبي عليه السلام من الآيات. {لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ} ومجادلتهم أن {يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي كذب الأولين وباطلهم. يعنون القرآن. وقال الكلبي: كان النضر بن الحارث أخو بني عبد الدار كثير الأحاديث عن الأعاجم. فلما حدثهم نبي الله صلى الله عليه وسلم عن القرون الأولى قال النضر: {إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}. قوله: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} ذكروا أنها نزلت في أبي طالب؛ كان ينهى عن النبي من يؤذيه وينأى عما جاء به، أي يتباعد عنه. وقال الحسن: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} أي عن [اتِّباع] محمد وينأون عنه أي ويتباعدون عنه فراراً {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} بذلك {وَمَا يَشْعُرُونَ} أنهم يهلكون أنفسهم بذلك.
اطفيش
تفسير : {ويَوم نحشُرهُم جميعاً} واذكر يوم نحشر العابدين وما عبدوا من دون الله، أو هو ظرف لمحذوف تهويلا، أى ويوم نحشرهم جميعاً ثم إلخ، يكون كيت وكيت، وضمير النصب للمفترين المكذبين المذكورين، أو التقدير ونحشر هؤلاء المقربين المكذبين يوم نحشر سائر المكذبين المقربين على الاستخدام، أو يوم نحشر سائر الناس. {ثم نقُول للَّذِينَ أشْركوا أين شُركاؤكُم} أى الأصنام التى هى عندكم شريكة لله تعالى فى الألوهية، وقرأ يعقوب: يوم يحشرهم ثم يقول بالمثناة التحية فيهما {الَّذين كنتُم تزْعُمون} أى تزعمون أنهم شركاء فحذف أن بفتح الهمزة واسمها وخبرها النائب المصدر من خبرها مناب مفعولين، لاشتمال اللفظ قبل التأويل على الجملة، وإنما قدرت ذلك، لأن الأكثر فى مفعولى زعم أن يكونا كذلك، فهو أولى من تقديرهما منصوبين، هكذا تزعمونهم شرفاً، وإنما قال الذين، ولم يقل التى أو اللاتى أو نحو ذلك تنزيلا للأصنام عندهم منزلة العقلاء، وإنما قال: {أين شركاؤكم} لأنها لم تحضر حين الخطاب لتزيد حسرتهم بعدم حضورها حين كانوا أحوج ما كانوا إليها على زعمهم فى الدنيا أنها تشفع لهم، وعلقوا بها رجاءهم، ويجوز أن تكون حاضرة حين الخطاب، لكن نزلت منزلة ما غاب، إذ لم تنفعهم أو يقدر مضاف أى أين شفاعة شركائكم.
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} جميعا حال، ويضعف كونه توكيدا، ويوم منصوب بمحذوف تهويلا يقدر بعد قوله مشركين، أَى يكون كيت وكيت، أَو يباشرون من السوءِ مالا يكتنهه عقل، أَو يقدر ماضيا لتحقق الوقوع، أَو نحشرهم يوم نحشرهم جميعا، أَو نحشرهم يوم نحشر الناس جميعا، وهذا أَبغ تخويفا، أَو التقدير: لا يفلح الظالمون اليوم ويوم نحشرهم، وهو كلية، أَى لا يفلح الظالمون اليوم ولا يوم نحشرهم، ويبعد تعليقه باذكر لكثرة الفصل، أَو اذكر يوم نحشرهم لما يقع فيه من الهول والعذاب، أَو احذروا يوم نحشرهم، أَو اخشوا يوم نحشرهم، كقوله تعالى: {واخشوا يوما} [لقمان: 33]. والهاء للظالمين، أَو للناس كما مر، أَو للذين خسروا أَنفسهم، أَو لمشركى العرب، أَو للمشركين وأَصنامهم، كقوله تعالى: "أية : احشروا الذين ظلموا وأَزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله". تفسير : [الصافات: 22] وإِذا كانت للمشركين فقوله عز وجل {ثُمَّ نَقُولُ} ولا ينافى هذا قوله تعالى "أية : ولا يكلمهم الله"تفسير : [آل عمران: 77] لأَن المراد لا يكلمهم كلام تشريف أَو نفع، فقد كلم إِبليس وهو شر منهم {لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا} وضع للظاهر موضع المضمر تنبيهاً على قبح شركهم، وأَنه موجب التوبيخ والعذاب، وثم لتراخى المعنى وعطفه، أَو لتراخى الزمان، يبقون فى غم الموقف مدة طويلة، وبعدها يقال لهم توبيخاً {أَيْنَ شُرَكاؤُكُمْ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعَمُونَ} أَنهم آلهةن أَو أَنهم شركاء لله فى العبادة، ولم أَقدر تزعمونهم شركاء لأَن الغالب والوارد فى القرآن تسليط الزعم على أَن وما بعدها، وقل مثل قوله، زعمتنى شيخا ولست بشيخ، فذلك أَولى من تقدير تزعمونهم شركاءَ، وأَضاف الشركاءَ إِليهم لأَنهم لا نصيب لهم فى الشركة سوى تسميتهم حتى جعلت غائبة، والإِضافة من الإِضافة لملابسة ما، وسئلوا عن مكانها مع أَنها حاضرة كأَنه قيل أَين شركتها التى ادعيتم ثبوتها ورجوتم نفعها حال الشدة، فإِذا لم تحضر بالشفاعة لهم فكأَنها لم تحضر بذاتها، كما تقول لمن اعتمد على أَحد فى أَمر فلم ينفعه أَين فلان؟ مع أَن فلانا حاضر، ويجوز كونها غائبة بذاتها، حيث يقال لهم: أَين شركاؤكم؟ فتحضر بعد ذلك ولا تنفعهم، أَو غابت بعد ما أَحضرت وعجزت عن النفع، فقيل: أَين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ أَو يقدر مضاف، أَى أَين نفع شركائكم، والزعم يستعمل فى الحق كما يقول سيبويه فى شأْن ما هو مرضى عنده: زعم الخليل، وفى حديث ضمام بن ثعلبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: زعم رسولك، مع أَنه مصدق بما قال رسوله، والمراد فى الآية كنتم تجزمون أَنها شركاء، وذكر ابن عباس أَن كل زعم فى القرآن بمعنى الكذب وقد ذكره بعض فى شأْن الله سبحانه للعلم الجازم إِذ قال وبئس قائلا: شعر : تقول هلكنا إِذ هلكت وإِنما على الله أَرزاق العباد كما زعم تفسير : ولعله بناه للمفعول، لكن لا نعرف قبله بيتا أَو بعد، أَو هو بيت مفرد والقوافى يدل بعضها على بعض.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} منصوب على الظرفية بمضمر يقدر مؤخراً وضمير {نَحْشُرُهُمْ} للكل أو للعابدين للآلهة الباطلة مع معبوداتهم و {جَمِيعاً } حال منه أي ويوم نحشر كل الخلق أو الكفار وآلهتهم جميعاً ثم نقول لهم ما نقول كان كيت وكيت. وترك هذا الفعل من الكلام ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في التخويف والتهويل. وقدر ماضياً ليدل على التحقيق ويحسن عطف { أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ } تفسير : [الأنعام: 23] الخ عليه، وجوز نصبه على المفعولية بمضمر مقدر أي واذكر لهم للتخويف والتحذير يوم نحشرهم واختاره أبو البقاء، وقيل: التقدير ليتقوا أو ليحذروا يوم نحشرهم الخ. {ثُمَّ نَقُولُ } للتوبيخ والتقريع على رؤوس الأشهاد {لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } بالله تعالى ما لم ينزل به سلطاناً: {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ} أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله عز اسمه فالإضافة لأدنى ملابسة و {أَيْنَ } للسؤال عن غير الحاضر، وظاهر قوله تعالى: { أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ } تفسير : [الصافات: 22] وغيره من الآيات يقتضي حضورهم معهم في المحشر فأما أن يقال: إن هذا السؤال حين يحال بينهم بعد ما شاهدوهم ليشاهدوا خيبتهم كما قيل: شعر : كما أبرقت قوماً عطاشاً غمامة فلما رأوها أقشعت وتجلت تفسير : وإما أن يقال: إنه حال مشاهدتهم لهم لكنهم لما لم ينفعوهم نزلوا منزلة الغيب كما تقول لمن جعل أحداً ظهيراً يعينه في الشدائد إذا لم يعنه وقد وقع في ورطة بحضرته أين زيد؟ فتجعله لعدم نفعه وإن كان حاضراً كالغائب أو الكلام على تقدير مضاف أي أين نفعهم وجدواهم؟، والتزم بعضهم القول بأنهم غيب لظاهر / السؤال، وقوله تعالى: {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ ٱلَّذِينَ } إلى قوله سبحانه { أية : وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } تفسير : [الأنعام: 94]. وأجيب أن يكون ذلك في موطن آخر جمعا بين الآيات أو المعنى وما نرى شفاعة شفعائكم. وقال شيخ الإسلام: «إن هذا السؤال المنبىء عن غيبة الشركاء مع عموم الحشر لها للآيات الدالة على ذلك إنما يقع بعد ما جرى بينها وبينهم من التبري من الجانبين وتقطع ما بينهم من الأسباب حسبما يحكيه قوله سبحانه: { أية : فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } تفسير : [يونس: 28] الخ ونحوه إما بعدم حضورها حينئذ في الحقيقة بإبعادها من ذلك الموقف، وإما بتنزيل عدم حضورها بعنوان الشركة والشفاعة منزلة عدم حضورها في الحقيقة إذ ليس السؤال عنها من حيث [ذواتها بل وإنما هو من حيث] هي شركاء كما يعرب عنه الوصف بالموصول، ولا ريب في أن عدم الوصف يوجب عدم الموصوف من حيث هو موصوف فهي من حيث هي شركاء غائبة لا محالة وإن كانت حاضرة من حيث ذواتها أصناماً كانت أو لا. وأما ما يقال من أنه يحال بينها وبينهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بها الرجاء [فيها] فيروا مكان خزيهم وحسرتهم فربما يشعر بعدم شعورهم بحقيقة الحال وعدم انقطاع حبال رجائهم عنها بعد. وقد عرفت أنهم شاهدوها قبل ذلك وانصرمت عروة أطماعهم عنها بالكلية على أنها معلومة لهم من حين الموت والابتلاء بالعذاب في البرزخ. وإنما الذي يحصل في الحشر الانكشاف الجلي واليقين القوي المترتب على المحاضرة والمحاورة» اهـ. وتعقبه مولانا الشهاب بأنه تخيل لا أصل له لأن التوبيخ مراد في الوجوه كلها، ولا يتصور حينئذ التوبيخ إلا بعد تحقق خلافه، مع أن كون هذا واقعاً بعد التبري في موقف آخر ليس في النظم ما يدل عليه ومثله لا يجزم به من غير نقل لاحتمال أن يكون هذا في موقف التبري والإشعار المذكور لا يتأتى مع أنه توبيخ. وأما العلاوة التي زيل بها كلامه فواردة عليه أيضاً مع أنها غير مسلمة لأن عذاب البرزخ لا يقتضي أن يشفع لهم بعد ذلك فكم من معذب في قبره يشفع له اهـ. وأنت تعلم أن عذابهم البرزخي إن كان بسبب اعتقادهم النفع فيهم ورجاء شفاعتهم وعلم أولئك المعذبون أن عذابهم لذلك فقوله: لأن عذاب البرزخ لا يقتضي الخ ليس في محله، وكذا قوله: فكم من معذب في قبره يشفع له إن أراد به فكم من معذب لمعصية من المعاصي في قبره يشفع له من يشفع فمسلم لكن لا يفيد. وإن أراد فكم من معذب في قبره بسبب عبادة شيء يشفع له ذلك الشيء فمنعه ظاهر كما لا يخفى فتدبر. وقرأ يعقوب {يحشرهم .. ثم يقول} بالياء فيهما والضمير فيهما لله تعالى. وقوله سبحانه للمشركين: {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} إما بالواسطة أو بغير واسطة. والتكليم المنفي في قوله تعالى: { أية : وَلاَ يُكَلّمُهُمُ } تفسير : [البقرة: 174، آل عمران: 77] الخ تكليم تشريف ونفع لا مطلقا فقد كلم إبليس عليه اللعنة بما كلم. والزعم يستعمل في الحق كما في قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : زعم جبريل عليه السلام » تفسير : وفي حديث ضمام بن ثعلبة رضي الله تعالى عنه «زعم رسولك» وقول سيبويه في أشياء يرتضيها: زعم الخليل، ويستعمل في الباطل والكذب كما في هذه الآية. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كل زعم في القرآن فهو بمعنى الكذب. وكثيراً ما يستعمل في الشيء الغريب الذي تبقى عهدته على قائله وهو هنا متعد لمفعولين وحذفا لانفهامهما من المقام أي تزعمونهم شركاء.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {أية : ومن أظلم ممّن افترى على الله كذباً}تفسير : [الأنعام: 21]، أو على جملة {أية : إنّه لا يفلح الظالمون}تفسير : [الأنعام: 21]، فإنّ مضمون هذه الجمل المعطوفة له مناسبة بمضمون جملة {ومن أظلم} ومضمون جملة {إنّه لا يفلح الظالمون}، لأنّ مضمون هذه من آثار الظلم وآثار عدم الفلاح، ولأنّ مضمون الآية جامع للتهديد على الشرك والتكذيب ولإثبات الحشر ولإبطال الشرك. وانتصب {يومَ} على الظرفية، وعامله محذوف، والأظهر أنّه يقدّر ممَّا تدلّ عليه المعطوفات وهي: نقول، أو قالوا، أو كذّبوا، أو ضلّ، وكلّها صالحة للدلالة على تقدير المحذوف، وليست تلك الأفعال متعلّقاً بها الظرف بل هي دلالة على المتعلّق المحذوف، لأنّ المقصود تهويل ما يحصل لهم يوم الحشر من الفتنة والاضطراب الناشئين عن قول الله تعالى لهم: {أين شركاؤكم}، وتصوير تلك الحالة المهولة. وقدّر في «الكشاف» الجواب ممَّا دلّ عليه مجموع الحكاية. وتقديره: كان ما كان، وأنَّ حذفه مقصود به الإبهام الذي هو داخل في التخويف. وقد سلك في هذا ما اعتاده أئمَّة البلاغة في تقدير المحذوفات من الأجوبة والمتعلّقات. والأحسن عندي أنّه إنَّما يصار إلى ذلك عند عدم الدليل في الكلام على تعيين المحذوف وإلاّ فقد يكون التخويف والتهويل بالتفصيل أشدّ منه بالإبهام إذا كان كلّ جزء من التفصيل حاصلاً به تخويف. وقدّر بعض المفسّرين: اذكر يوم نحشرهم. ولا نكتة فيه. وهنالك تقديرات أخرى لبعضهم لا ينبغي أن يعرّج عليها. والضمير المنصوب في {نحشرهم} يعود إلى {أية : من افترى على الله كذباً}تفسير : [الأنعام: 21] أو إلى {أية : الظالمون}تفسير : [الأنعام: 21] إذ المقصود بذلك المشركون، فيؤذن بمشركين ومشرَك بهم. وللتنبيه على أنّ الضمير عائد إلى المشركين وأصنامهم جيء بقوله: {جميعاً} ليدلَّ على قصد الشمول، فإنَّ شمول الضمير لجميع المشركين لا يتردّد فيه السامع حتى يحتاج إلى تأكيده باسم الإحاطة والشمول، فتعيّن أنّ ذكر {جميعاً} قصد منه التنبيه. على أنّ الضمير عائد إلى المشركين وأصنامهم، فيكون نظير قوله: {أية : ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم}تفسير : [يونس: 28] وقوله: {أية : ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله}تفسير : [الفرقان: 17] وانتصب {جميعاً} هنا على الحال من الضمير. والمقصود من حشر أصنامهم معهم أن تظهر مذلّة الأصنام وعدم جدواها كما يحشر الغالب أسرى قبيلة ومعهم من كانوا ينتصرون به، لأنّهم لو كانوا غائبين لظنّوا أنّهم لو حصروا لشفعوا، أو أنّهم شغلوا عنهم بما هم فيه من الجلالة والنعيم، فإنّ الأسرى كانوا قد يأملون حضور شفائعهم أو من يفاديهم. قال النابغة: شعر : يأملْن رحلة نصر وابن سيّار تفسير : وعطف {نقولُ} بِــ {ثم} لأنّ القول متأخّر عن زمن حشرهم بمهلة لأنّ حصّة انتظار المجرم ما سيحلّ به أشدّ عليه، ولأنّ في إهمال الاشتغال بهم تحقيراً لهم. وتفيد {ثم} مع ذلك الترتيب الرتبي. وصرّح بِــ {الذين أشركوا} لأنّهم بعض ما شمله الضمير، أي ثم نقول للذين أشركوا من بين ذلك الجمع. وأصل السؤال بــ {أين} أنَّه استفهام عن المكان الذي يحلّ فيه المسند إليه، نحو: أين بيتك، وأين تذهبون. وقد يسأل بها عن الشيء الذي لا مكان له، فيراد الاستفهام عن سبب عدمه، كقول أبي سعيد الخدري لمروان بن الحكم حين خرج يوم العيد فقصد المنبر قبل الصلاة (أين تقديم الصلاة). وقد يسأل بــ {أين} عن عمل أحد كان مرجوّاً منه، فإذا حضر وقته ولم يحصل منه يسأل عنه بِــ {أين}، كأنّ السائل يبحث عن مكانه تنزيلاً له منزلة الغائب المجهول مكانه؛ فالسؤال بــ{أين} هنا عن الشركاء المزعومين وهم حاضرون كما دلّت عليه آيات أخرى. قال تعالى: {أية : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله}تفسير : [الصافات: 22]. والاستفهام توبيخي عمّا كان المشركون يزعمونه من أنّها تشفع لهم عند الله، أو أنّها تنصرهم عند الحاجة، فلمّا رأوها لا غناء لها قيل لهم: أين شركاؤكم، أي أين عملهم فكأنّهم غُيّب عنهم. وأضيف الشركاء إلى ضمير المخاطبين إضافة اختصاص لأنّهم الذين زعموا لهم الشركة مع الله في الإلهية فلم يكونوا شركاء إلاّ في اعتقاد المشركين، فلذلك قيل {شركاؤكم}. وهذا كقول أحد أبطال العرب لعَمرو بن معد يكرب لمّا حدّث عمرو في جمع أنّه قتله، وكان هو حاضراً في ذلك الجمع، فقال له: «مَهْلاً أبا ثور قتيلك يسمع»، أي المزعوم أنّه قتيلك. ووصفوا بـ {الذين كنتم تزعمون} تكذيباً لهم؛ وحذف المفعول الثاني لـ {تزعمون} ليعمّ كلّ ما كانوا يزعمونه لهم من الإلهية والنصر والشفاعة؛ أمّا المفعول الأول فحذف على طريقة حذف عائد الصلة المنصوب. والزعم: ظنّ يميل إلى الكذب أو الخطأ أو لغرابته يتّهم صاحبه، فيقال: زعم، بمعنى أنّ عهدة الخبر عليه لا على الناقل، وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين يزعمون}تفسير : الآية في سورة [النساء: 60]. وتأتي زيادة بيان لمعنى الزعم عند قوله تعالى: {أية : زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا}تفسير : في سورة [التغابن: 7]. وقوله: {ثم لم تكن فتنتهم} عطف على جملة {ثم نقول} و(ثم) للترتيب الرتبي وهو الانتقال من خبر إلى خبر أعظم منه. والفتنة أصلها الاختبار، من قولهم: فتنَ الذهَب إذا اختبر خلوصه من الغلْث. وتطلق على اضطراب الرأي من حصول خوف لا يصبر على مثله، لأنّ مثل ذلك يدلّ على مقدار ثبات من يناله، فقد يكون ذلك في حالة العيش؛ وقد يكون في البغض والحبّ؛ وقد يكون في الاعتقاد والتفكير وارتباك الأمور. وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : إنّما نحن فتنة فلا تكفر}تفسير : في سورة [البقرة: 102]. {وفتنتهم} هنا استثني منها {أن قالوا والله ربّنا ما كنّا مشركين}، فذلك القول إمّا أن يكون من نوع ما استثني هو منه المحذوف في تفريغ الاستثناء، فيكون المستثنى منه من الأقوال الموصوفة بأنّها فتنة. فالتقدير: لم يكن لهم قول هو فتنة لهم إلاّ قولهم {والله ربّنا ما كنا مشركين}. وإمّا أن يكون القول المستثنى دالاً على فتنتهم، أي على أنّهم في فتنة حين قالوه. وأيّاً ما كان فقولهم: {والله ربّنا ما كنّا مشركين} متضمّن أنّهم مفتونون حينئذٍ. وعلى ذلك تحتمل الفتنة أن تكون بمعنى اضطراب الرأي والحيرة في الأمر، ويكون في الكلام إيجاز. والتقدير: فافتتنوا في ماذا يجيبون، فكان جوابهم أن قالوا: {والله ربّنا ما كنّا مشركين} فعدل عن المقدّر إلى هذا التركيب لأنّه قد علم أنّ جوابهم ذلك هو فتنتهم لأنّه أثرها ومظهرها. ويحتمل أن يراد بالفتنة جوابهم الكاذب لأنّه يفضي إلى فتنة صاحبه، أي تجريب حالة نفسه. ويحتمل أن تكون أطلقت على معناها الأصلي وهو الاختبار. والمراد به السؤال لأنّ السؤال اختبار عمّا عند المسؤول من العلم، أو من الصدق وضدّه، ويتعيّن حينئذٍ تقدير مضاف، أي لم يكن جواب فتنتهم، أي سؤالهم عن حال إشراكهم إلاّ أن قالوا: {والله ربّنا ما كنّا مشركين}. وقرأ الجمهور {لم تكن} ـــ بتاء تأنيث حرف المضارعة ـــ. وقرأه حمزة، والكسائي، ويعقوب ـــ بياء المضارعة للغائبة ـــ باعتبار أنّ {قالوا} هو اسم (كان). وقرأ الجمهور {فتنتهم} ـــ بالنصب ـــ على أنّه خبر (كان)، فتكون (كان) ناقصة واسمها {إلاّ أن قالوا} وإنّما أخّر عن الخبر لأنّه محصور. وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم ـــ بالرفع ـــ على أنّه اسم (كان) و{أنْ قالوا} خبر (كان)، فتجعل (كان) تامّة. والمعنى لم توجد فتنة لهم إلاّ قولهم: {والله ربّنا ما كنّا مشركين}، أي لم تقع فتنتهم إلاّ أن نفوْا أنّهم أشركوا. ووجه اتّصال الفعل بعلامة مضارعة للمؤنّث على قراءة نصب {فتنتهم} هو أنّ فاعله مؤنَّث تقديراً، لأنّ القول المنسبك من (أن) وصلتها من جملة الفتنة على أحد التأويلين. قال أبو علي الفارسي: وذلك نظير التأنيث في اسم العدد في قوله تعالى: {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}تفسير : [الأنعام: 160]، لأنّ الأمثال لمّا كانت في معنى الحسنات أنّث اسم عددها. وقرأ الجمهور {ربّنا} ـــ بالجرّ ـــ على الصفة لاسم الجلالة. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف ـــ بالنصب ـــ على النداء بحذف حرفه. وذكرُهم الربّ بالإضافة إلى ضميرهم مبالغة في التنصّل من الشرك، أي لا ربّ لنا غيره. وقد كذّبوا وحلفوا على الكذب جرياً على سننهم الذي كانوا عليه في الحياة، لأنّ المرء يحشر على ما عاش عليه، ولأنّ الحيرة والدهش الذي أصابهم خيّل إليهم أنّهم يموّهون على الله تعالى فيتخلّصون من العقاب. ولا مانع من صدور الكذب مع ظهور الحقيقة يومئذٍ، لأنّ الحقائق تظهر لهم وهم يحسبون أنّ غيرهم لا تظهر له، ولأنّ هذا إخبار منهم عن أمر غائب عن ذلك اليوم فإنّهم أخبروا عن أمورهم في الدنيا. وفي «صحيح البخاري»: أنّ رجلاً قال لابن عباس: إنِّي أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، فذكر منها قوله: {أية : ولا يكتمون الله حديثاً}تفسير : [النساء: 42] وقوله: {والله ربّنا ما كنّا مشركين}. فقد كتموا في هذه الآية. فقال ابن عباس: إنّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشركون تعالوا نقل: ما كنّا مشركين، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرفوا أنّ الله لا يُكتم حديثاً. وقوله: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} جعل حالهم المتحدّث عنه بمنزلة المشاهد، لصدوره عمّن لا خلاف في أخباره، فلذلك أمر سامعه أو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يدلّ على النظر إليه كأنّه مشاهد حاضر. والأظهر أنّ {كيف} لمجرّد الحال غير دالّ على الاستفهام. والنظر إلى الحالة هو النظر إلى أصحابها حين تكيّفهم بها. وقد تقدّمت له نظائر منها قوله تعالى: {أية : انظر كيف يفترون على الله الكذب} تفسير : في سورة [النساء: 50]. وجعل كثير من المفسّرين النظر هنا نظراً قلبياً فإنّه يجيء كما يجيء فعل الرؤية فيكون معلّقاً عن العمل بالاستفهام، أي تأمّل جواب قول القائل: كيف يفترون على الله الكذب تجده جواباً واضحاً بيّناً. ولأجل هذا التحقّق من خبر حشرهم عبّر عن كذبهم الذي يحصل يوم الحشر بصيغة الماضي في قوله: {كذبوا على أنفسهم}. وكذلك قوله {وضلّ عنهم ما كانوا يفترون}. وفعل (كذب) يعدّى بحرف (على) إلى من يخبّر عنه الكاذب كذباً مثل تعديته في هذه الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من كذب عليّ معتمداً فليتبوّأ مقعده من النار"تفسير : ، وأمّا تعديته إلى من يخبره الكاذب خبراً كذباً فبنفسه، يقال: كذبك، إذا أخبرك بكذب. وضلّ بمعنى غاب كقوله تعالى: {أية : أإذا ضلَلْنا في الأرض}تفسير : [السجدة: 10]، أي غيّبنا فيها بالدفن. و{ما} موصولة و{يفترون} صلتها، والعائد محذوف، أي يختلقونه وماصْدق ذلك هو شركاؤهم. والمراد: غيبة شفاعتهم ونصرهم لأنّ ذلك هو المأمول منهم فلمّا لم يظهر شيء من ذلك نُزّل حضورهم منزلة الغيبة، كما يقال: أُخِذتَ وغاب نصيرك، وهو حاضر.
د. أسعد حومد
تفسير : (22) - وَاذْكُرْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ مَا يَحْصَلُ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَوْمَ يَحْشُرُ اللهُ هؤُلاءِ الظَّالِمينَ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلّذِينَ أَشْرَكُوا مِنْهُم - وَهُمْ أَشَدُّهُمْ ظُلْماً -: أَيْنَ الشُّرَكَاءُ الذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ فِي الدُّنْيا أَنَّهُمْ أَوْلِيَاؤُكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، أَوْ تَزْعُمُونَ أَنَّ لَهُمْ شَرِكَةً فِي الألُوهِيَّةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه يذكرنا بيوم الحشر، يوم يسأل الله الذين أشركوا وكذبوا وافتروا الكذب على الله: أين الذين عبدتموهم وأشركتموهم معي؟ إن الله لن يترك الناس سدى، بل كل عمل يفعله الإنسان في الدنيا محصى عليه وسيسأل عنه يوم القيامة. سيسأل الله المشركين عن الذين عبدوهم من دون الله كذباً: أين هؤلاء الآلهة التي أشركها الكافرون في العبادة مع الله؟ ولماذا لا يتقدمون لإنقاذ عبيدهم من العذاب الذي يصليه الله لهم؟! ويقرع سبحانه المشركين، ويحشرهم مع ما عبدوهم من دون الله من الأصنام والأوثان وفي ذلك قمة الإهانة لهم ولتلك الآلهة. ويقول الحق بعد ذلك: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ ...}
الجيلاني
تفسير : {وَ} اذكر لهم يا أكمل الرسل {يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} وتجمعهم {جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} استهزاءً وتفيضحاً لهم على رءوس الملأ: {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 22] أنهم آهلة مستحقة للعبودية والإيمان، وتعتقدون أنهم يشفعون لكم وينقذونكم من العذاب؟ ادعوهم لينقذوكم. {ثُمَّ} بعدما سمعوا ما سمعوا {لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} وحيلتهم للخلاص {إِلاَّ أَن قَالُواْ} معتذرين مقسمين: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا} أنت يا مولانا {مَا كُنَّا} في أنفسنا {مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] لك غيرك عابدين لسواك. {ٱنظُرْ} أيها الرائي {كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} في مقعد الصدق ومحل اليقين {وَ} انظر كيف {ضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 24] من الشركاء الذين يعتقدونهم شفعاء عند الله يخلصونهم من عذاب الله. {وَ} كان {مِنْهُمْ} أي: من هؤلاء المشركين المعتذرين {مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} حين تتلو القرآن ولم يفهموه أنكروه واستهزءا به {وَ} كيف يفهمونه؛ إذ {جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أغطية وأغشية كراهة {أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} يمنع عن استماعه {وَ} من غاية إنكارهم وعنادهم {إِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ} دالةٍ على توحيد الحق وتمجيده {لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} عناداً ومكابرة {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ} من إفراط عتوهم {يُجَٰدِلُونَكَ} في آيات الله بما لا يليق بها حيث {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} ستراً للحق وترويجاً للباطل: {إِنْ هَـٰذَآ} ما هذا الكلام الذي أتى به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم {إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [الأنعام: 25] يسطرونها لتضليل ضعفاء العوام. {وَهُمْ} بهذا الطعن والقدح {يَنْهَوْنَ عَنْهُ} أي: يقصدون إضلال المؤمنين المسلمين عن متابعة الرسول والإيمان به {وَ} هم في أنفسهم {يَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي: يبعدون عنه عتواً وعناداً {وَإِن يُهْلِكُونَ} أي: ما يهلكون بهذا التضليل والخداع {إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 26] أن ضرر إضلالهم وخداعهم لا يتجاوز عنهم؛ لأنهم هم {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ}تفسير : [البقرة: 7] في الدنيا والآخرة. {وَلَوْ تَرَىٰ} أيها الرائي {إِذْ وُقِفُواْ} أي: حين أشرفوا {عَلَى ٱلنَّارِ} وتحققوا الوقوع والإيقاع فيها عنوة وعنفاً لرأيت أمراً فظيعاً فجيعاً {فَقَالُواْ} حينئذٍ من غاية تفزعهم وتفجعهم متمنين: {يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ} على أعقابنا التي كنا فيها {وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا} التي جئنا فيها فكذبناها {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 27] المصدقين بمن جاءنا بها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} [الأنعام: 22]، أهل المعرفة وأهل النكرة {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ}، من أهل الكفرة {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} [الأنعام: 22]، من أهل النكرة {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 22]، من الهوى والدنيا إذا اتخذتموها شركاء الله {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} [الأنعام: 23]؛ أي: كان لم يكن من نتائج ابتلائهم بعمى القلوب {إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، إلا أن حلفوا بالله كذباً وما علموا أن الله يعلم كذبهم {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} [الأنعام: 24]؛ يعني: يوم القيامة إذا فسدوا استعدادهم في الدنيا، وحصلوا العمى حتى كذبوا في الآخرة وما رأوا أن الله برأ كذبهم، ومن ضلالتهم الزائدة العمى. قوله تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 24]؛ يعني: في الدنيا يقولون أن هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فيقولون في الآخرة: ما كنا مشركين. ثم أخبر عن كمال إفساد استعدادهم بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} [الأنعام: 25]، الآيتان الإشارة فيهما أن مكافأة من يستمع إلى كلام الله تعالى وإلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإلى كلمات أرباب الحقائق بالإنكار، ويأخذ عليها ويطعن فيها أن يجعل الله تعالى حجاباً على قلوبهم وسمعهم حتى لا يوصل إليهم أنوارها، ولا يجدون حلاوتها ولا يفقهون حقائقها، كما قال الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} [الأنعام: 25] إنكاراً واختياراً {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} [الأنعام: 25]، من شؤم إنكارهم {أَكِنَّةً} [الأنعام: 25]؛ حجاباً من عين الإنكار {أَن يَفْقَهُوهُ} [الأنعام: 25]، أنه حق {وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} [الأنعام: 25]، من فساد الاستعداد الفطري. {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ} [الأنعام: 25] بعين الظاهر {لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} [الأنعام: 25]، من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ} [الأنعام: 25]، من عمى قلوبهم {يُجَٰدِلُونَكَ} [الأنعام: 25] بالباطن نفى الحق {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} [الأنعام: 25]، مسترداً قلوبهم يحجب الإنكار {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [الأنعام: 25] من مقامات المتقدمين {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} [الأنعام: 26]، يعني: أهل الإنكار ينهون الطلاب، وأهل الإرادة عن الطلب واستماع كلام القوم {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} [الأنعام: 26]؛ أي: يتباعدون عن الحق وطلبه؛ خوفاً عن خلل في دنياهم {وَإِن يُهْلِكُونَ} [الأنعام: 26]، بتنفير الخلق عن الحق وتباعدهم عنه {إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} [الأنعام: 26]؛ لأن التباعد عن أهل الحق وتنفير الخلق عنهم هو البعد عنه، وهذا هو الهلاك والضلال المبين {وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 26]، أنهم مهلكون؛ لأنهم {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}تفسير : [البقرة: 171]. ثم أخبر عن أحوال أهل الأهوال بقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} [الأنعام: 27]، إلى قوله: {أية : وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} تفسير : [الأنعام: 29]، الإشارة فيها أن من غاية فساد الاستعداد الفطري أن الأرواح الشقية بعد مفارقة عالم الصورة إذ وقفوا على النار وحقيقتها وذاقوا ألم عذاب القطيعة بعد الخلاص وحبس الطبيعة {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ} [الأنعام: 27]، إلى عالم الصورة إلى الاستعداد الفطري {وَ} [الأنعام: 27]، يا ليتنا لما رددنا كنا {لاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا} مرة أخرى {وَ} [الأنعام: 27]، يا ليتنا أنا {نَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، لا من الكافرين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن مآل أهل الشرك يوم القيامة، وأنهم يسألون ويوبخون فيقال لهم { أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } أي إن الله ليس له شريك، وإنما ذلك على وجه الزعم منهم والافتراء. { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } أي: لم يكن جوابهم حين يفتنون ويختبرون بذلك السؤالإلا إنكارهم لشركهم وحلفهم أنهم ما كانوا مشركين. { انْظُرْ } متعجبا منهم ومن أحوالهم { كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ } أي: كذبوا كذبا عاد بالخسار على أنفسهم وضرهم -والله- غاية الضرر { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } من الشركاء الذين زعموهم مع الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):