٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
الرازي
تفسير : أعلم أن ههنا مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } بالتاء المنقطة من فوق وفتنتهم بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي {ثُمَّ لَمْ يَكُنِ } بالياء وفتنتهم بالنصب، وأما القراءة بالتاء المنقطة من فوق ونصب الفتنة، فههنا قوله أن قالوا: في محل الرفع لسكونه اسم تكن، وإنما أنث لتأنيث الخبر كقوله من كانت أمك أو لأن ما قالوا: فتنة في المعنى، ويجوز تأويل إلا أن قالوا لا مقالتهم وأما القراءة بالياء المنقطة من تحت، ونصب فتنتهم، فههنا قوله أن قالوا: في محل الرفع لكونه اسم يكن، وفتنتهم هو الخبر. قال الواحدي: الاختيار قراءة من جعل أن قالوا الاسم دون الخبر لأن أن إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر، فكما أن المظهر والمضمر، إذا اجتمعا كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً، فكذا ههنا تقول كنت القائم، فجعلت المضمر اسماً والمظهر خبراً فكذا ههنا، ونقول قراءة حمزة والكسائي: والله ربنا بنصب قوله ربنا لوجيهن: أحدهما: بإضمار أعني وأذكر، والثاني: على النداء، أي والله يا ربنا، والباقون بكسر الباء على أنه صفة لله تعالى. المسألة الثانية: قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك، وذلك أن الله تعالى بيّـن كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين على حبه، فاعلم في هذه الآية أنه لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه، إلا أن تبرؤا منه وتباعدوا عنه، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين: ومثاله أن ترى إنساناً يحب عارياً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه، فيقال له ما كانت محبتك لفلان، إلا أن انتفيت منه فالمراد بالفتنة ههنا افتتانهم بالأوثان، ويتأكد هذا الوجه بما روى عطاء عن ابن عباس: أنه قال {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } معناه شركهم في الدنيا، وهذا القول راجع إلى حذف المضاف لأن المعنى ثم لم تكن عاقبة فتنتهم إلا البراءة، ومثله قولك ما كانت محبتك لفلان، إلا أن فررت منه وتركته. المسألة الثالثة: ظاهر الآية يقتضي: أنهم حلفوا في القيامة على أنهم ما كانوا مشركين، وهذا يقتضي إقدامهم على الكذب يوم القيامة، وللناس فيه قولان: الأول: وهو قول أبي علي الجبائي، والقاضي: أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب واحتجا عليه بوجوه: الأول: أن أهل القيامة يرعفون الله تعالى بالاضطرار، إذ لو يعرفون بالاستدلال لصار موقف القيامة دار التكليف، وذلك باطل، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار، وجب أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح بمعنى أنهم يعلمون أنهم لو راموا فعل القبيح لمنعهم الله منه لأن مع زوال التكليف لو لم يحصل هذا المعنى لكان ذلك إطلاقهم في فعل القبيح، وأنه لا يجوز، فثبت أن أهل القيامة يعلمون الله بالاضطرار، وثبت أنه متى كان كذلك كانوا ملجئين إلى ترك القبيح، وذلك يقتضي أنه لا يقدم أحد من أهل القيامة على فعل القبيح. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه لا يجوز منهم فعل القبيح، إذا كانوا عقلاء إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال: إنه وقع منهم هذا الكذب لأنهم لما عاينوا أهوال القيامة اضطربت عقولهم، فقالوا: هذا القول الكذب عند اختلال عقولهم، أو يقال: إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا. والجواب عن الأول: أنه تعالى لا يجوز أن يحشرهم: ويورد عليهم التوبيخ بقوله {أية : أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ }تفسير : [الأنعام: 22] ثم يحكي عنهم ما يجري مجرى الاعتذار مع أنهم غير عقلاء، لأن هذا لا يليق بحكمة الله تعالى، وأيضاً فالمكلفون لا بدّ وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة، ليعلموا أنهم بما يعاملهم الله به غير مظلومين. والجواب عن الثاني: أن النسيان: لما كانوا عليه في دار الدنيا مع كمال العقل بعيد لأن العاقل لا يجوز أن ينسى مثل هذه الأحوال، وإن بعد العهد، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور ولولا أن الأمر كذلك لجوزنا أن يكون العاقل قد مارس الولايات العظيمة دهراً طويلاً، ومع ذلك فقد نسيه، ومعلوم أن تجويزه يوجب السفسطة. الحجة الثانية: أن القوم الذين أقدموا على ذلك الكذب إما أن يقال: إنهم ما كانوا عقلاء أو كانوا عقلاء، فإن قلنا إنهم ما كانوا عقلاء فهذا باطل لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي كلام المجانين في معرض تمهيد العذر، وإن قلنا إنهم كانوا عقلاء فهم يعلمون أن لله تعالى عالم بأحوالهم، مطلع على أفعالهم ويعلمون أن تجويز الكذب على الله محال، وأنهم لا يستفيدون بذلك الكذب إلا زيادة المقت والغضب وإذا كان الأمر كذلك امتنع إقدامهم في مثل هذه الحالة على الكذب. الحجة الثالثة: أنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على هذين النوعين من القبح والذنب وذلك يوجب العقاب، فتصير الدار الآخرة دار التكليف، وقد أجمعوا على أنه ليس الأمر كذلك، وأما إن قيل إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب، وعلى ذلك الحلف الكاذب عقاباً وذماً، فهذا يقتضي حصول الاذن من الله تعالى في ارتكاب القبائح والذنوب، وأنه باطل، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على القبيح والكذب. وإذا ثبت هذا: فعند ذلك قالوا يحمل قوله {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } أي ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا، وذلك لأن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم كانوا موحدين متباعدين من الشرك. فإن قيل: فعلى هذا التقدير: يكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم أخبروا بأنهم كانوا غير مشركين عد أنفسهم، فلماذا قال الله تعالى {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } ولنا أنه ليس تحت قوله {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } أنهم كذبوا فيما تقدم ذكره من قوله {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } حتى يلزمنا هذا السؤال بل يجوز أن يكون المراد انظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا في أمور كانوا يخبرون عنها كقولهم: إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك والكذب يصح عليهم في دار الدنيا، وإنما ينفى ذلك عنهم في الآخرة، والحاصل أن المقصود من قوله تعالى: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } اختلاف الحالين، وأنهم في دار الدنيا كانوا يكذبون ولا يحترزون عنه وأنهم في الآخرة يحترزون عن الكذب ولكن حيث لا ينفعهم الصدق فلتعلق أحد الأمرين بالآخر أظهر الله تعالى للرسول ذلك وبين أن القوم لأجل شركهم كيف يكون حالهم في الآخرة عند الاعتذار مع أنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون على أنفسهم ويزعمون أنهم على صواب. هذا جملة كلام القاضي في تقرير القول الذي اختاره أبو علي الجبائي. والقول الثاني: وهو قول جمهور المفسرين أن الكفار يكذبون في هذا القول قالوا: والدليل على أن الكفار قد يكذبون في القيامة وجوه: الأول: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون {أية : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ } تفسير : [المؤمنون: 107] مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 28] والثاني: قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } تفسير : [المجادلة: 18] بعد قوله {أية : وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ } تفسير : [المجادلة: 14] فشبّه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا. والثالث: قوله تعالى حكاية عنهم {أية : قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } تفسير : [الكهف: 19] وكل ذلك يدل على إقدامهم في بعض الأوقات على الكذب. والرابع: قوله حكاية عنهم {أية : وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ مَـٰلِكَ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } تفسير : [الزخرف: 77] وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص. والخامس: أنه تعالى في هذه الآية حكى عنهم أَنَّهُمْ قَالُواْ {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وحمل هذا على أن المراد ما كنا مشركين في ظنوننا وعقائدنا مخالفة للظاهر. ثم حمل قوله بعد ذلك {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } على أنهم كذبوا في الدنيا يوجب فك نظم الآية، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة وصرف آخرها إلى أحوال الدنيا وهو في غاية البعد. أما قوله إما أن يكونوا قد كذبوا حال كمال العقل أو حال نقصان العقل فنقول: لا يبعد أن يقال إنهم حال ما عاينوا أهوال القيامة، وشاهدوا موجبات الخوف الشديد اختلت عقولهم فذكروا هذا الكلام في ذلك الوقت وقوله: كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عنهم ما ذكروه في حال اضطراب العقول، فهذا يوجب الخوف الشديد عند سماع هذا الكلام حال كونهم في الدنيا ولا مقصود من تنزيل هذه الآيات إلا ذلك. وأما قوله ثانياً المكلفون لا بدّ أن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقول: اختلال عقولهم ساعة واحدة حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمال عقولهم في سائر الأوقات. فهذا تمام الكلام في هذه المسألة والله أعلم. أما قوله تعالى: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } فالمراد إنكارهم كونهم مشركين، وقوله {وَضَلَّ عَنْهُم } عطف على قوله {كَذَّبُواْ } تقديره: وكيف ضل عنهم ما كانوا يفترون بعبادته من الأصنام فلم تغن عنهم شيئاً وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} الفتنة الاختبار أي لم يكن جوابهم حين ٱختبروا بهذا السؤال، ورأوا الحقائق، وٱرتفعت الدواعي {إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تبرءوا من الشِّرك وانتفَوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين. قال ابن عباس: يغفر الله تعالىٰ لأهل الإخلاص ذنوبهم، ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، فإذا رأى المشركون ذلك؛ قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشِّرك فتعالَوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين؛ فقال الله تعالىٰ: أما إذْ كتموا الشِّرك فاختموا على أفواهِهم، فيختم على أَفواهِهِم، فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا يُكتَم حديثاً؛ فذلك قوله: { أية : يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً } تفسير : [النساء: 42]. وقال أبو إسحاق الزجاج: تأويل هذه الآية لطيف جداً، أخبر الله عزّ وجلّ بقصص المشركين وٱفتتانهم بشركهم، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق إلاَّ أن ٱنتفوا من الشِّرك، ونظير هذا في اللغة أن ترى إنساناً يُحبُّ غاوياً فإذا وقع في هَلَكة تبرأ منه، فيقال: ما كانت محبتك إياه إلاَّ أن تبرأت منه. وقال الحسن: هذا خاص بالمنافقين جروا على عادتهم في الدنيا، ومعنى «فِتْنَتُهُمْ» عاقبة فتنتهم أي كفرهم. وقال قَتَادة: معناه معذرتهم. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هُريرة قال: « حديث : فيلقى العبدَ فيقول أي فُلْ ألم أُكرمْك وأُسودْك وأُزوّجْك وأُسخر لك الخيلَ والإبل وأَذرْكَ تَرْأَس وَتَرْبَع فيقول بلى أي رب فيقول أفظننت أنك مُلاقِيّ فيقول لا فيقول إني أنساك كما نَسِيتني ثم يلقىٰ الثاني فيقول له ويقول هو مثل ذلك بعينه ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصَلَّيتُ وصُمتُ وتَصدقتُ ويُثني بخير ما ٱستطاع قال فيقال هٰهنا إذاً ثم يقال له الآن نَبعثُ شاهداً عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليّ فيُختَم على فِيِه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه ٱنطقي فتنطق فخذُه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليُعذِر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي سخط الله عليه ».
البيضاوي
تفسير : {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} أي كفرهم، والمراد عاقبته وقيل معذرتهم التي يتوهمون أن يتخلصوا بها، من فتنت الذهب إذا خلصته. وقيل جوابهم وإنما سماه فتنة لأنه كذب، أو لأنهم قصدوا به الخلاص. وقرأ ابن كثير. وابن عامر وحفص عن عاصم {لَمْ تَكُنْ} بالتاء و {فِتْنَتُهُمْ} بالرفع على أنها الاسم، ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عنه بالتاء والنصب على أن الاسم {أَن قَالُواْ}، والتأنيث للخبر كقولهم من كانت أمك والباقون بالياء والنصب. {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} يكذبون ويحلفون عليه مع علمهم بأنه لا ينفعهم من فرط الحيرة والدهشة، كما يقولون: {أية : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا }تفسير : [المؤمنون: 107] وقد أيقنوا بالخلود. وقيل معناه ما كنا مشركين عند أنفسنا وهو لا يوافق قوله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ } بالتاء والياء {فِتْنَتُهُمْ } بالنصب والرفع أي معذرتهم {إِلاَّ أَن قَالُواْ } أي قولهم {وَٱللَّهِ رَبِّنَا } بالجرّ نعت، والنصب نداء {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {فِتْنَتُهُمْ} معذرتهم سماها بذلك لحدوثها عن الفتنة، أو عاقبة فتنتهم وهي الشرك، أو بليتهم التي ألزمتهم الحجة وزادتهم لائمة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. الفِتْنَةُ في كلام العرب لفظة مشتركة، تقال بمعنى حُبِّ الشيء، والإعجاب به، وتقال بمعنى الاخْتِبَارِ. ومن قال: إن أَصْلَ الفتنة الاخْتِبَارُ من: فَتَنْتُ الذَّهَبَ في النَّارِ، ثم يُسْتَعَارُ بعد ذلك في غَيْرِ ذلك، فقد أَخْطَأَ؛ لأن الاسْمَ لا يُحْكَمُ عليه بمعنى الاسْتِعَارَةِ حتى يقطع عليه باسْتِحَالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِع الذي استعير له، كقول ذي الرّمّةِ: [الطويل] شعر : وَلَفَّ الثُّرَيَّا فِي مُلاَءَتِهِ الفَجْرُ تفسير : ونحوه، والفتنة لا يَسْتَحِيلُ أن تكون حَقِيقَةً في كل مَوْضِعٍ قيلت عليه، وباقي الآية مضى تَفْسِيرُهُ عند قوله سُبْحَانَهُ: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء:42] فانظره هناك. قال * ع *: وعبر قَتَادَةُ عن الفِتْنَةِ هنا بأن قال: معذرتهم. وقال الضَّحَّاك: كلامهم. وقيل غير هذا مما هو في ضِمْنِ ما ذكرناه. وقوله سبحانه: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} هذا خِطَابٌ للنبي صلى الله عليه وسلم والنظر نَظَرُ القَلْبِ، وقال: {كَذَّبُواْ} في أَمْرِ لم يَقَعْ؛ إذ هي حِكَايَةٌ عن يوم القيامة، فلا إشْكَالَ في اسْتِعْمَالِ المَاضِي فيها موضع المستقبل، ويفيدنا استعمال الماضي تَحْقِيقاً في الفعل، وإثْبَاتاً له، وهذا مَهْيَعٌ في اللُّغَةَ. {وَضَلَّ عَنْهُم} معناه: ذَهَبَ افْتِرَاؤُهُمْ في الدنيا، وكَذِبُهُمْ على اللَّه. وقوله سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} الآية. «أكِنَّة» جمع: كنان، وهو الغِطَاءُ {أَن يَفْقَهُوهُ} أي: يفهموه، والوَقْرُ الثقل. وقوله سبحانه: {وإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا}. الرؤية هنا رُؤْيَةُ العَيْنِ، يريد كانشقاق القَمَرِ وشبهه. وقولهم: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} إشارة إلى القرآن، والأَسَاطِيرُ جمع أَسْطَار، كأقوال وأقاويل، وأسطار جمع سَطْر أوْ سَطَر. وقيل: أَسَاطِير جمع إسْطَارَة، وهي التُّرَّهَاتُ. وقيل: جمع أُسْطُورة كَأُعْجُوبة، وأُضْحُوكة. وقيل: هم اسم جَمْعٍ، لا واحد له من لَفْظِهِ كعَبَادِيدَ وشَمَاطِيطَ، والمعنى: إخبار الأولين وقصصهم وأحاديثهم التي تُسَطَّرُ، وتُحْكَىٰ، ولا تُحَقَّقُ كالتواريخ، وإنما شَبَّهَهَا الكفار بأحاديث النَّضْرِ بن الحَارِثِ، وعبد اللَّه بن أبي أُمَيَّة، عن رستم ونحوه، ومُجَادَلَة الكفار كانت مُرَادّتهم نُورَ اللَّهِ بأقوالهم المُبْطَلَةِ. {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} قال قتادة وغيره: المعنى: يَنْهَوْنَ عن القرآن. وقال ابن عباس وغيره: يَنْهَوْنَ عن النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: ينهون غَيْرَهُمْ، ويبعدون هم بأنفسهم، والنَّأْيُ البُعْدُ. قال * ص *: {وَإِن يُهْلِكُونَ}: إن نافية بمعنى «ما»، و {أَنفُسِهِمْ} مفعول بـ {يُهْلِكُونَ} انتهى. {وَمَا يَشْعُرُونَ} معناه: ما يَعْلَمُونَ عِلْمَ حسٍّ، ونَفْيُ الشعور مذمَّةٌ بالغة؛ إذ البهائم تشعر وتحسّ، فإذا قلت: فلان لا يَشْعُرُ، فقد نَفَيْتَ عنه العِلْمَ النفي العام الذي يقتضي أنه لا يَعْلَمُ ولا المَحْسُوسات.
ابن عادل
تفسير : قرأ حمزة والكسائي: "يَكُنْ" بالياء من تحت، "فتنتهم" نَصْباً. وابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم: "تَكُنْ" بالتاء من فوق، "فِتْنَتُهُمْ" رفعاً. والباقون بالتاء من فوق أيضاً، "فِتنتَهم" نصباً. فأمَّا قراءة الأخويْنِ فهي أفْصَحُ هذه القراءات لإجرائِهَا على القواعد من غير تأويل، وَوَجْهُهَا أنَّ "فتنتهم" خبر مقدَّمٌ، وإن قالوا بتاويل اسم مؤخر. والتقدير: "ثم لم تكن فِتْنَتهُمْ إلاَّ قولُهم". وإنما كانت أفصح؛ لأنه إذا اجتمع اسْمَانِ: أحدهما أعرفُ، فالأحْسَنُ جعله اسماً مُحَدَّثاً عنه، والآخر خَبَراً حديثاً عنه. و"أن قالوا" يشبه المضمر، والمضمر أعرف المعارف، وهذه القراءة جُعِلَ الأعرفُ فيها اسْماً لـ "كان" وغير الأعرفِ خبرها، ولم يؤنّث الفعل لإسناده إلى مذكر. قال الواحدي: والاختيارُ قراءة من جعل "أن قالوا" الاسم ذوي الخبر؛ لأنه إذا وصلت بالفعل لم تُوصَفْ، فأشبهت بامتناع وَصْفِهَا المُضْمَرِ، فكما أنَّ المُضْمَرَ، والمظهر إذا اجتمعا كان جَعْلُ المضمر اسماً أوْلَى من جعله خبراً، تقول: كنت القائم. وأما قراءة ابن كثير ومن معه فـ "فتنتهم" اسْمُهَا، ولذلك أنِّثَ الفِعلُ لإسناده إلى مؤنّث، و"إلاَّ أنْ قالوا" خَبَرُهَا، وفيه أنك جعلت غير الأعرف اسماً، والأعرف خبراً، فليست في قُوَّةِ الأولَى. وأمَّا قراءةُ الباقين فـ "فتنتهم" خبر مقدمٌ، و "إلاَّ أن قالوا" اسم مؤخَّرٌ، وهذه القراءةُ وإن كان فيها جَعْلُ الأعْرَفِ اسْماً - كالقراءة الأولى، إلا أنَّ فيها لِحَاقُ علامَةِ تأنيث في الفعل مع تذكير الفاعل، ولكنه بتأويل. فقيل: لأنه قوله: "إلاَّ أنْ قالوا" في قوة مقالتهم. وقيل: لأنه هو الفِتْنَةُ في المعنى، وإذا أخبر عن الشَّيءِ بمؤنَّثٍ اكتسب تأنيثاً،فعومل مُعامَلَتهُ. وجعل أبو علي منه {أية : فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} تفسير : [الأنعام:160] لمَّا كانت الأمْثَالُ هي الحَسَنَاتُ في المعنى عُومِلَ مُعَامَلَة المُؤنَّثِ، فسقطت "التاء" من عَدَدِهِ، ومثلُ الآية قوله: [الطويل] شعر : 2124- ألَمْ يَكُ غَدْراً مَا فَعَلْتُمْ بسَمْعَلٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتَهُ الغَدْرُ تفسير : فـ "كانت" مُسْند إلى "الغَدْرِ" وهو مذكَّر، لكن لما أخبر عنه بمؤنث أنَّث فِعلَه. ومثله قول لَبيدٍ: [الكامل] شعر : 2125- فَمَضَى وَقَدَّمَهَا وَكَانَتْ عَادَةً مِنْهُ إذَا هِيَ عَرَّدَتْ إقْدَامُهَا تفسير : قال أبو عَلِيّ: فأنَّث الإقدام لما كان كالعادة في المعنى قال: وقد جاء في الكلام: "ما جاءَتْ حَاجَتُكَ" فأنّث ضمير "ما" حيث كانت كالحاجة في المَعْنَى، ولذلك نصب "حاجتك". وقال الزمخشري: "وإنما أنَّث "[أن] قالوا" لوُقُوعِ الخبر مؤنّثاً كقولهم: من كانت أمَّك". قال أبو حيَّان: وكلام الزَّمخشري ملفقٌ من كلام أبي عَلِيّ، وأمَّا "من كانت أمك" فإنه حَمَلَ اسمَ "كان" على معنى "مَنْ"، فإنَّ لها لَفْظاً مُفرداً مذكّراً، ولها معنى بحسب ما تريد من إفراد وتَثنيةٍ وجَمْعٍ وتذكيرٍ وتأنيثٍ، وليس الحَمْلُ على المعنى لِمْراعَاةِ الخَبَرِ، ألا ترى أنه يجيء حيث لا خبر، كقوله: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} تفسير : [يونس:42]. وقوله: [الطويل] شعر : 2116-.............. تكُنْ مَثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ تفسير : قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى -: ليت شِعْري، ولأي معنى خصَّ الزمخشري بهذا الاعتراضِ، فإنه وَارِدٌ على أبي عَلِيٍّ أيضاً؟ إذ لقائل أن يقول: التأنيثُ في "جَاءَتْ" للحمل على معنى "ما" وإنْ لها هي أيضاً لفظاً ومعنى مِثْل "مَنْ"، على أنه يقال: للتأنيث عِلَّتانِ، فذكر [إحداهما، ورجَّح] أبو عُبيدة قراءة الأخويْنِ بقراءة أبَيّ، وابن مسعود: "وما كان فتنتهم إلاَّ أن قالوا" فلم يُلْحِق الفعل علامة تأنيثٍ، ورجَّحها غيره بإجماعهم على نَصْبِ "حُجَّتهم" من قوله تبارك وتعالى: {أية : مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} تفسير : [الجاثية:25]. وقرئ شاذاً "ثم لم يكن فتنتهم إلا أنه قالوا" بتذكير "يكنْ"، ورفع "فتنتهم". ووجه شُذُوذِهَا سقوط علامةِ التأنيث، والفاعل مؤنّث لَفْظاً، وإن كان غير حَقيقيٍّ، وجَعْلُ غير الأعْرَفِ اسماً، والأعرف خبراً، فهي خبراً، فهي عَكْسُ القراءة الأولى، من الطَّرَفَيْنِ، و"أن قالوا" مما يجب تأخيره لِحَصْرِهِ سواء أجُعِلَ اسماً أم خبراً. فصل في معنى الفتنة في الآية معنى قوله: "فتنتهم"، أي: قولهم وجوابهم. وقال ابن عبَّاسٍ، وقتادة: معذرتهم، والفِتْنَةُ التِّجْرِبةٌ، فلمَّا كان سؤالهم تَجْرِبَةً لإظهار ما في قلوبهم قيل: فَتْنَة. فصل في بيان لطيفة في الآية قال الزَّجَّاج - رحمه الله - "لم تَكُنْ فتنتهم" معنى لَطِيفٌ، وذلك لأنَّ الله - تبارك وتعالى - بيَّن أنَّ المشركين مَفْتُونُونَ بِشِرْكِهِمْ متهالكين على حبّه، فأعلم في هذه الآية الكريمة أنه لم يَكُنْ افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه إلاَّ أن تَبَرَّأوا عنه وتباعَدُوا، فَحَلفُوا أنهم ما كانوا مشركين، ومثاله أن ترى إنساناً ما يُحِبُّ طريقةً مذمومة، فإذا وقع في فِتْنَةٍ بسببه تَبَرَّأ منه، فيقال له: "ما كانت محبتك لفلان إلاَّ أن فَرَرْتَ منه"، فالمُرَادُ بالفتنة هنا افْتِتَانُهُمْ بالأوْثَانِ، ويتأكد بما روى عَطَاءٌ عن ابن عباس أنه قال: "لم تكن فتنتهم" معناه: شركهم في الدنيا، وهذا القولُ راجعٌ إلى حذف المضاف؛ لأن المعنى ثُمَّ لم تكن عَاقِبَةُ أمرهم فتنتهم إلاَّ البَرَاءة. قوله: "واللَّهِ رَبِّنَا" قرأ الأخوان: "ربَّنا" نَصْباً، والباقون جراً. ونصبه: إمَّا على النِّداء، وإمَّا على المَدْحِ، قاله ابن عطيَّة - رحمه الله - وإمَّا على إضْمَار "أعني"، قاله أبو البقاء، والتقدير: يا ربنا. وعلى كُلِّ تقدير فالجملة مُعْتَرضَةٌ بين القسم وجوابه، وهو قوله {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وخفضه من ثلاثة أوجه: النعت، والبدل، وعطف البَيان. وقرأ عكرمة، وسلام بن مسكين: "واللَّهُ رَبُّنا" برفعهما على المبتدأ والخبر. قال ابن عطية: "وهذا على تَقدِيمٍ وتأخيرٍ، كأنهم قالوا: واللَّهِ ما كُنَّا مشركين واللَّهُ ربُّنَا" يعني: أن ثَمَّ قَسَماً مُضْمَراً. فصل في الكلام على الآية ظاهرُ الآية الكريمة يقتضي أنهم حَلَفُوا في القيامة أنهم ما كانوا مشركين، وهذا يقتضي إقْدَامَهُمْ على الكذب يوم القيامة، وللناس فيه قولان: الأول: وهو قول أبي على الجبائي والقاضي -: أنه أهل القيامة لا يجُوز إقدامهم على الكذب واحتج عليه بوجوه: الأول: أن أهل القيامة يعرفون الله بالاضطرار وأنهم لو عرفوه بالاستدلال لصار موقف القيامة دَاَرَ تكْليفٍ، وذلك باطلٌ، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار وجب أنْ يكونوا مُلْجئين إلى ألاَّ يفعلوا القبيح، وذلك يقتضي ألاَّ يقدم أحَدٌ من أهل القيامة على الكذبِ، فإن قيل: لم لا يجوز أن يُقالَ: إنهم أقدموا على فعل القَبيح؛ لأنهم لمَّا عَايَنُوا أهْوَال يوم القيامة اضطربت عُقُولُهُمْ، فقالوا هذا الكذب عند اخْتِلاَلِ عقولهم، أو يقال: إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا؟ فالجواب عن الأوَّل: أنه لا يجوز أن يحشرهم ويوبخهم بقوله: {أية : أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُون}؟تفسير : [الأنعام:22] ثم يحكي اعتذارهم مع أنهم غير عُقلاء، هذا لا يليقُ بحكمة اللَّه تعالى. وأيضاً فلا بُدَّ وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة ليعلموا أنهم فيما يعاملهم اللَّهُ به غير مظلومين. والجوابُ على الثاني: أنَّ نِسْيَانَهُمْ لما كانوا عليه طُول عمرهم في دار الدنيا مع كمال العقل [بعيدٌ]، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور. الوجه الثاني: أنَّ هؤلاء الذين أقْدَمُوا على الكذب إمَّا أن يُقال: إنهم عُقَلاءُ أو غيرعقلاء، فالثاني باطلٌ، لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي كلام المجَانين في معرض تمهيد العُذْرِ وإن كانوا عقلاء يعلمون أنَّ اللَّهَ عالمٌ أحْوَالَهُمْ مُطَّلِعٌ على أفعالهم، ويعلمون أنَّ تجويز الكذب على اللَّهَ - تعالى - مُحَالٌ، وأنهم لا يستفيدون بذلك الكذب إلاَّ زيادة المَقْتِ والغَضَبِ، وإذا كان كذلك امتنع إقدامهم في مثل هذه الحالة على الكذب. الوجه الثالث: أنهم لو كذبوا في مَوْقِفِ القيامة، ثُمَّ حَلَفُوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقْدَمُوا على نوعين من القَبيحِ، فإن قلنا: إنهم يستحقُّون بذلك العقابَ، صارت الدار الآخرة دَارَ تكليف، وأجمعوا على أنَّ الأمْرَ ليس كذلك. وإن قلنا: إنَّهم لا يستحقُّون على ذلك الكذب، ولا على ذلك الحلف الكاذب عِقَاباً، فهذا يقتضي حُصُول الإذن من اللَّهِ - تعالى - في ارتكاب القَبَائِِحِ، وذلك باطلٌ فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدَامُ أهل القيامة على القبيح والكذبِ، وإذا ثبت هذا فَيُحْمَلُ قولهم: "واللَّهِ ربِّنَا ما كنا مشركين" في اعتقادنا وظُنُوننا؛ لأن القوم يعتقدون ذلك. فإن قيل: فعلى هذا التقدير يكونون صادقين في قولهم، فلماذا قال تبارك وتعالى {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ} فالجواب أنه ليس يجب من قوله: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ} انهم كذبوا فيها تقدَّم ذِكْرُهُ من قولهم: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين}، بل يجوز أن يكون المراد {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} في دار الدُّنْيَا في أمور يخبرون عنها بأنَّ ما هم عليه لَيْسَ بشرْكٍ، وأنهم على صواب ونحوه، فالمقصود من قوله تعالى: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} اخْتِلافُ الحالتين، وأنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون، وأنهم في الآخرة يتحرَّزُون عن الكذب، ولكن حيث لا ينفعهم الصِّدْقُ، فلتعلّق أحد الأمرين بالآخر، أظهر الله - تعالى - للرسول ذلك. القول الثاني: قول جمهور المفسرين-: أن الكفار يكذبون في القيامة واسْتَدلُّوا بوجوه: أحدهما: ما حكى اللَّهُ - تعالى - عنهم أنهم يقولون: {أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُون} تفسير : [المؤمنون:107] مع أنه - تعالى - أخبر عنهم بقوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام:28]. وثانيها: قوله تبارك وتعالى: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُون} تفسير : [المجادلة:18] بعد قوله تعالى: {أية : وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ} تفسير : [ المجادلة:14] فَشَبَّهَ كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدينا. وثالثها: ما حَكَاهُ - تعالى - عنهم: {أية : قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}تفسير : [الكهف:19]. والجوابُ عما قاله الجُبَّائي بان يُحْمَلَ قولهم ما كانوا مشركين في ظُنُونهم، هذا مُخَالفٌ للظَّاهرِ، ثّمَّ قوله بعد ذلك: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ} بأنه مَحْمُولٌ على كذبهم في الدنيا يوجبُ تفكيك نَظْمِ الآية، وصَرْفََ أول الآية إلى أحوال القيامة، وصَرْفَ آخرها إلى أحوال الدنيا، وهو في غاية البُعْدِ. وقولهم: كذبوا في حال كَمَالِ العَقْلِ، وحال نُقْصَانِهِ، فنقول: لا يبعد أنهم حَالَ ما عَايَنُوا أهوال القيامة، وشاهدوا مُوجِبَاتِ الخوف الشديد أخْتَلَّتْ عقولهم، فذكروا هذا الكلام. قولهم: كيف يَلِيقُ بحكمة اللَّهِ - تعالى - أن يحكي عنهم ما ذكروه في حال اضْطِرَابِ العقول؟ فالجوابُ: هذا يوجب الخوف الشديد وذلك في دار الدنيا وأمَّا قولهم: إنَّ المكلفين لا بُدَّ وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقول: اخْتلالُ عقولهم سَاعةً واحدة حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمالِ عقولهم في سِائرِ الأوقات. قوله: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ} "كيف" مَنْصُوبٌ على حدِّ نصبها في قوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 28] وقد تقدَّم. و"كيف" وما بعدها في محل نصب بـ "انظر"؛ لأنها معلقةٌ لها عن العملِ، و"كَذَبُوا" وإن كان معناه مُسْتَقْبلاً، لأنه في يوم القيامة، فهو لتَحَقُّقِهِ أبرزه في صورة الماضي. وقوله: "وضَلَّ" يجوز أن يكون نَسَقاً على "كذبوا"، فيكون داخلاً في حيِّزِ النَّظَرِ، ويجوز أن يكون اسْتِئنْافَ إخبارٍ، فلا يندرج في حيِّز المنظور إليه. قوله: ما كانُوا" يجوز في "ما" أن تكون مصدريةً، أي: وضَلَّ عنهم افتراؤهم، وهو قول ابن عطية ويجوز أن تكون موصولة اسمية أي: وضل عنهم الذي كانوا يفترونه، فعلى الأول يحتاج إلى ضمير عائدٍ على "ما" عند الجمهور، وعلى الثاني لا بُدَّ من ضمير عند الجميع. ومعنى الآية: انظر كيف كذبُوا على أنفسهم باعْتِذَارهم بالباطل وتَبرِّيهمْ عن الشرك. و"ضلَّ عنهم": زَالَ وذهب ما كانوا يفترون من الأصنام، وذلك أنهم كانوا يَرْجُونَ شَفَاعَتَهَا ونُصْرَتَهَا، فبطل ذلك كله.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ثم لم تكن فتنتهم} قال: معذرتهم . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {ثم لم تكن فتنتهم} قال: حجتهم {إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} يعني المنافقين والمشركين قالوا وهم في النار: هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا. فقال الله {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم} في القيامة {ما كانوا يفترون} يكذبون في الدنيا . وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {ثم لم تكن فتنتهم} بالنصب {إلا أن قالوا والله ربنا} بالخفض . وأخرج عبد بن حميد عن شعيب بن الحجاب. سمعت الشعبي يقرأ {والله ربنا} بالنصب. فقلت: إن أصحاب النحو يقرأونها {والله ربنا} بالخفض. فقال: هكذا أقرأنيها علقمة بن قيس. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن علقمة أنه قرأ {والله ربنا} والله يا ربنا . وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله {والله ربنا ما كنا مشركين} ثم قال {أية : ولا يكتمون الله حديثاً}تفسير : [النساء: 42] قال: بجوارحهم . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {والله ربنا ما كنا مشركين} قال: قول أهل الشرك حين رأوا الذنوب تغفر ولا يغفر الله لمشرك {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} قال: بتكذيب الله إياهم . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير. أنه كان يقرأ هذا الحرف {والله ربنا} بخفضها قال: حلفوا واعتذروا. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} قال: باعتذارهم بالباطل والكذب {وضل عنهم ما كانوا يفترون} قال: ما كانوا يشركون به.
ابو السعود
تفسير : {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} بتأنيث الفعلِ ورفع (فتنتُهم) على أنه اسمٌ له والخبرُ {إِلاَّ أَن قَالُواْ} وقرىء بنصب (فتنتَهم) على أنها الخبرُ والاسمُ إلا أن قالوا، والتأنيث للخبر كما في قولهم: من كانت أمَّك؟ وقرىء بالتذكير مع رفع الفتنة ونصبها، ورفعُها أنسبُ بحسب المعنى، والجملة عطفٌ على ما قُدّر عاملاً في يوم نحشرهم كما أشير إليه فيما سلف، والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعم الأشياء، وفتنتُهم إما كفرُهم مراداً به عاقبتُه أي لم تكن عاقبةُ كفرِهم الذي لزِموه مدةَ أعمارِهم وافتخروا به شيئاً من الأشياء إلا جحودَه والتبرؤَ منه بأن يقولوا: {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وإما جوابُهم، عبّر عنه بالفتنة لأنه كذِب، ووصفُه تعالى بربوبـيته لهم للمبالغة في التبرّؤ من الإشراك وقرىء (ربَّنا) على النداء، فهو لإظهار الضراعة والابتهال في استدعاء قبول المعذرة، وإنما يقولون ذلك مع علمهم بأنه بمعزِلٍ من النفع رأساً من فرط الحَيْرة والدهَش، وحملُه على معنى ما كنا مشركين عند أنفسنا وما علمنا في الدنيا أنا على خطأ في معتقَدِنا مما لا ينبغي أن يُتوهّم أصلاً، فإنه يُوهِم أن لهم عذراً ما، وأن لهم قدرةً على الاعتذار في الجملة، وذلك مُخِلٌّ بكمال هَوْل اليوم قطعاً، على أنه قد قضىٰ ببطلانه قوله تعالى: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} فإنه تعجيبٌ من كذبهم الصريح بإنكار صدورِ الإشراك عنهم في الدنيا، أي انظر كيف كذبوا على أنفسهم في قولهم ذلك، فإنه أمرٌ عجيب في الغاية، وأما حملُه على كِذْبهم في الدنيا فتمحُّلٌ يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه وقوله تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} عطف على كذَبوا داخلٌ معه في حكم التعجيب، و(ما) مصدريةٌ أو موصولةٌ قد حُذف عائدُها، والمعنى انظر كيف كذَبوا باليمين الفاجرةِ المغلَّظة على أنفسهم بإنكار صدور ما صدر عنهم، وكيف ضل عنهم أي زال وذهب افتراؤهم أو ما كانوا يفترونه من الإشراك حتى نفَوا صدوره عنهم بالكلية، وتبرأوا منه بالمرة. وقيل: (ما) عبارةٌ عن الشركاء، وإيقاعُ الافتراء عليها مع أنه في الحقيقة واقعٌ على أحوالها من الإلٰهية والشِرْكة والشفاعة ونحوِها للمبالغة في أمرها كأنها نفسُ المفترىٰ، وقيل: الجملة كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخلٍ في حيز التعجيب.
القشيري
تفسير : هذا الذي أخبر عنهم غايةُ التمرد؛ حيث جحدوا ما كَذبُوا فيه وأقسموا عليه، ولو كان لهم بالله عِلمٌ بأنه يعلم سِرَّهم ونجواهم، ولا يخفى عليه شيءٌ من أُولاَهم وعُقباهم، لكن الجهل الغالب عليهم استنطقهم بما فيه فضائحهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا} الفتنة مرفوع على انه اسم تكن والخبر الا ان قالوا والاستثناء مفرغ من اعم الاشياء وفتنتهم اما كفرهم مرادا به عاقبته اى لم تكن عاقبة كفرهم الذى التزموه مدة اعمارهم وافتخروا به شيأ من الاشياء الا جحدوه والتبرى منه بان يقولوا {والله ربنا ما كنا مشركين} واما جوابهم عبر عنه بالفتنة لانه كذب وانما يقولون مع علمهم بانه بمعزل من النفع رأسا من فرط الحيرة والدهش كما يقولون ربنا اخرجنا منها وقد ايقنوا بالخلود.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي والعليمي، ويقعوب {ثم لم يكن} بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحفص الا ابن شاهين {فتنتهم} بالرفع. الباقون بالنصب. وقرأ حمزة والكسائي وخلف {والله ربنا} بنصب الباء. الباقون بكسرها. من قرأ بالتاء ورفع الفتنة أثبت علامة التأنيث. وتكون (أن) في موضع نصب. وتقديره ثم لم تكن فتنتهم الا قولهم. وقد روى شبل عن ابن كثير {تكن} بالتاء {فتنتهم} نصباً مثل قراءة نافع وأبي عمرو عن عاصم. ووجهه انه أنَّث {أن قالوا} لما كان الفتنة في المعنى، كما قال {أية : فله عشر أمثالها} تفسير : فأنَّث لما كانت الامثال في المعنى الحسنات. ومثله كثير في الشعر، قال ابو علي والاول أجود من حيث كان الكلام محمولا على اللفظ. ويقوي قراءة من قرأ: {فتنتهم} بالنصب أن قوله {أن قالوا} أن يكون الاسم دون الخبر أولى لان (أن) اذا وصلت لم توصف، فأشبهت بامتناع وصفها المضمر، فكما أن المضمر اذا كان مع المظهر كان (أن يكون) الا سم أحسن، كذلك اذا كانت (أن) مع اسم غيرها كانت (أن يكون) الاسم أولى. ومن قرأ {والله ربنا} - بكسر الباء - فعلى جعل الاسم المضاف وصفاً للمفرد، لان قوله (والله) جربوا ولاقسم. ولو أسقطت لقال: (الله) بالنصب ومثله قولهم: رأيت زيداً صاحبنا وبكرا جارك، ويكون قوله {ما كنا مشركين} جواب القسم. ومن نصب الباء يحتمل أمرين: احدهما - أن ينصبه بفعل مقدر، وتقديره: اعني ربنا. والثاني - على النداء. ويكون قد فصل بالاسم المنادى بين القسم والمقسم عليه بالنداء، وذلك غير ممتنع، لان النداء كثير في الكلام. وقد حال الفصل بين الفعل ومفعوله في قوله: {أية : إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك}.تفسير : والمعنى آتيتهم أموالا ليضلوا ولا يؤمنوا وقد جاء الفصل بين الصلة والموصول، وهو اشدها قال الشاعر: شعر : ذاك الذي وأبيك يعرف مالك والحق يدفع ترهات الباطل تفسير : وقال ابو عبيدة: من قرأ بالتاء المعجمة من فوقها ونصب {فتنتهم} أضمر في (يكن) إِسما مؤنثاً ثم يجيىء بالتاء لذلك الاسم، وانما جعله مؤنثا لتأنيث (فتنة) قال لبيد: شعر : فمضى وقدمها وكانت عادة منه اذا هي عودت أقدامها تفسير : فأنث الاقدام لتأنيث (عادة). وقوله: {ثم لم تكن فتنتهم} أي لم تكن بليتهم التي ألزمتهم الحجة وزادتهم لائمة الا قولهم. ومعنى الآية: أنه تعالى لما ذكر قصص هؤلاء المشركين الذين كانوا مفتنين بشركهم، أعلم النبي (صلى الله عليه وسلم) أن افتتانهم بشركهم، وإِقامتهم عليه لم يكن الا أن تبرءوا منه، وقالوا انهم ما كانوا مشركين، كما يقول القائل اذا رأى إِنسان انساناً يحب غاوياً فاذا وقع في هلكة تبرأ منه فيقول له ما كانت محبتك لفلان الا أن انتفيت منه. فان قيل: كيف قالوا وحلفوا أنهم ما كانوا مشركين - وقد كانوا مشركين - وهل هذا إِلا كذب، والكذب قبيح ولا يجوز من أهل الآخرة أن يفعلوا قبيحا، لانهم ملجؤن الى ترك القبيح، لانهم او صح لم يكونوا ملجئين وكانوا مختارين، وجب أن يكونوا مزجورين عن فعل القبيح، وإِلا أدى الى اغرائهم بالقبيح وذلك لا يجوز، ولو زجروا بالوعيد عن القبائح لكانوا مكلفين ولوجب أن يتناولهم الوعد والوعيد، وذلك خلاف الاجماع، وقد وصفهم الله تعالى أيضا بأنهم كذبوا على انفسهم، فلا يمكن جحد أن يكونوا كاذبين، فكيف يمكن أن يرفع ذلك؟ وما الوجه فيه؟ والجواب عن ذلك من وجوه: احدها - ما قاله البلخي: إِن القوم كذبوا على الحقيقة، لانهم كانوا يعتقدون أنهم على الحق، ولا يرون أنهم مشركون، كالنصارى ومن أشبههم، فقالوا في الموقف ذلك. وقيل: ان يقع بهم العذاب فيعلموا بوقوعه أنهم كانوا على باطل فيقولوا {والله ربنا ما كنا مشركين} وهم صادقون عند أنفسهم وكذبهم الله في ذلك، لان الكذب هو الاخبار بالشىء لا على ما هو به، علم المخبر بذلك أو لم يعلم، فلما كان قولهم {والله ربنا ما كنا مشركين} كذباً في الحقيقة جاز أن يقال لهم {أنظر كيف كذبوا على أنفسهم}. قال البلخي: ويدل على ذلك قوله {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي ذهب عنهم وأغفلوه، لانهم لم يكونوا نظروا نظراً صحيحا ولم يجاروا في نظرهم الالف والعادة، فيعلموا في هذا الوقت أن قولهم شرك، ولو صاروا الى العذاب لعلموا أنهم كانوا مشركين، واستغنوا بذلك، لكن هذا القول يكون عند الحشر. وقيل: الجزاء بدلالة أول الآية. وقال مجاهد: قوله {أنظر كيف كذبوا على أنفسهم} تكذيب من الله إِياهم. وقال الجبائي: قولهم {والله ربنا ما كنا مشركين} اخبار منهم أنهم لم يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار الدنيا، لانهم كانوا يظنون انهم على الحق، فقال الله تعالى مكذبا لهم {انظر} يا محمد {كيف كذبوا على أنفسهم} في دار الدنيا، لا أنهم كذبوا في الآخرة، لانهم كانوا مشركين على الحقيقة، وان اعتقدوا أنهم على الحق. وقوله: {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي ضلت عنهم أوثانهم التي كانوا يعبدونها ويفترون الكذب بقولهم: إِنها شفعاؤنا عند الله غدا، فذهبت عنهم في الآخرة فلم يجدوها، ولم ينتفعوا بها. وقال قوم: انه يجوز أن يكذبوا يوم القيامة للذهول والدهش، لانهم يصيرون كالصبيان الذين لا تمييز لهم ولا تحصيل معهم - اختاره أحمد ابن علي بن الاخشاد. وأجاز النجار أن يكفروا في النار فضلا عن وقوعه قبل دخولهم فيها، وهذا بعيد. والوجهان الاولان أقرب. وقيل فيه وجه آخر، وهو أنهم أملوا أملا فخاب أملهم ولم يقع الامر على ما أرادوا، لان من عادة الناس أنهم اذا عوقبوا بعقوبة فتكلموا واستعانوا وصاحوا فان العذاب يسهل عليهم بعض السهولة، وظنوا أن عذاب الآخرة كذلك، فقالوا: {والله ربنا ما كنا مشركين} وقالوا {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا}تفسير : وقالوا {أية : ربنا غلبت علينا شقوقنا} تفسير : و {أية : قالوا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا}تفسير : فأملوا أن يخف عنهم العذاب بمثل هذا الكلام على عادة الدنيا، فلم يخف ولم يكن لهم فيه راحة، فقال الله {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} أي خابوا فيما أملوا من سهولة العذاب وذلك مشهور في كلام العرب، قال الشاعر: شعر : كذبتم وبيت الله لا تأخذونها مراغمة ما دام للسيف قائم تفسير : وقال آخر: شعر : كذبتم وبيت الله لا تنكحونها بني شاب قرناها تصرو تحلب تفسير : أي كذبكم أملكم. وقال ابو داود الازدي: شعر : قلت لما نصلا من فتنة كذب العير وان كان برح تفسير : والمعنى أمل أنه يتخلص بشىء فكذبه أمله، لانه ظن أنه اذا مرَّ بارحا وهو أن يأخذ في ناحية الشمال الى ناحية اليمين لم يتهيأ لي طعنه، فلما قلب رمحه وطعنه قال: كذب العير أي كذب أمله. و (الفتنة) في الآية معناها المعذرة - في قول قتادة - لانها اعتذار عن الفتنة، فسميت بأسم الفتنة. وقال قوم: هي المحنة. وقال قوم: تقديره عاقبة فتنتهم. وفتنتهم يجوز أن تكون بمعنى اغترارهم أي اغتروا بهذا الكذب وظنوا أنه سينجيهم، وكذبوا على أنفسهم لما رجعت مضرته اليهم صار عليهم وان قصدوا أن يكون لهم. وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال المعارف ضرورية، لان الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا {والله ربنا ما كنا مشركين} فلا يخلو أن يكونوا صادقين أو كاذبين، فان كانوا صادقين لانهم كانوا عارفين في دار الدنيا فقد كذبهم الله في ذلك بقوله {انظر كيف كذبوا} وان كانوا كاذبين لانهم كانوا عارفين، فقد وقع منهم القبيح في الآخرة، وذلك لا يجوز. ومعنى الآية على ما بيناه من أنهم أخبروا أنهم لم يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار الدنيا وان الله كذبهم وأنهم كانوا كاذبين على الحقيقة وان أعتقدوا خلافه في الدنيا. فأما معارفهم في الآخرة فضرورية عند البصريين، وعند البلخي ومن وافقه، حاصلة على وجه هم ملجؤن اليها، فعلى الوجهين معا لا يجوز أن يقع منهم القبيح لا محالة.
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} اى عذرهم للخلاص كما فى الخبر من: فتنت الذّهب اذا اخلصته {إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} يحلفون على كذبهم لله كما كانوا يحلفون فى الدّنيا للنّاس.
اطفيش
تفسير : {ثمَّ لم تَكُن فِتْنتُهم إلا أنْ قالُوا واللهِ ربِّنا ما كنَّا مُشْركينَ} الفتنة فتنة الدين، وهو صرفهم عن الدين الحق، كما فسر ابن عباس الفتنة بالشرك على حذف مضاف، أى عاقبة فتنتهم، أى لم تكن عاقبة كفرهم إلا قولهم: {والله ربنا ما كنا مشركين} حلفوا كاذبين مع علمهم أنهُ لا ينفعهم ذلك لشدة دهشتهم، كما قالوا: {ربنا أخرجنا} مع إيقانهم بالخلود، إذ أحبوا الأوثان وعبدوها، وصرفهم ذلك عن الإيمان كمن أحب إنساناً، فوقع فى محنة فلم ينفعه ذلك الإنسان، فقلت له: ما كان صحبتك لفلان إلا أن فر منك، أو الفتنة التخليص، يقال: فتنت الذهب أى أخلصته من غيره، أى ثم لم يكن تخليصهم أنفسهم من عذاب الله إلا قولهم: {والله ربنا ما كنا مشركين} وليس بمخلص لهم، فحينئذ يصح تفسير الفتنة بالمعذرة التى يتوفون. كما قال قتادة الفتنة المعذرة، وهو رواية عن ابن عباس، وكذلك قال مجاهد التخلص بها، أو الفتنة الجواب سماه فتنة لأنه كذب، والكذب فتنة فى الدين أو سماه فتنة لأنهم قصدوا به التخلص كفتنت الذهب أى خلصته، كما قال الضحاك الفتنة كلامهم، أى كلام الكاذب، وإنما قال لم تكن بتاء التأنيث، مع أن فتنتهم خبر للكون لا اسم له، والاسم هو قوله: {أن قالوا} لأنه يجوز تأنيث المبتدأ إذا كان خبره مؤنثا، وإن قالوا مبتدأ فى الأصل، وفتنتهم خبره فى الأصل، وذلك قراءة نافع وأبى عمرو وأبى بكر، وقراءة ابن كثير وابن عامر وحفص لم تكن بالتاء وفتنتهم بالرفع على أنه الاسم، وإن قالوا خبر، وقرأ الباقون بالباء التحتية ونصب فتنتهم على الخبرية، وإن قالوا: الاسم وفى قراءة نافع اعتبار كون المصدر ضمير الصريح المنسبك من الفعل أشد تعريفاً من الصريح المضاف، وكان لمنزلة العلم، فكان أولى بأن يكون مبتدأه وقرأ لأكون والله ربنا بالنصب على النداء، أى يا ربنا أو المدح، أى أعنى ربنا، ووجه الجر فى قراءة الجمهور البدلية، وهى أولى من عطف البيان، لأنهم يقولون ذلك الله، والله أعلم أنه المراد بقولهم: والله، وليسوا يقصدون بالكلام بعضهم بعضاً ومن النعت، لأن لفظ رب تغلبت عليه الاسمية.
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} ثم لتراخى الزمان أَو المعنى، أَى أَعظم أَحوالهم فى العجز عن النجاة وإِنكار الإِشراك، والمصدر من أَن والفعل بعدها بمنزلة العلم، وبذلك كان هو الاسم وفتْنة الخبر، كأَنه قيل: لم يكن فتنة إِلا قولهم، وأَنث القول بتاء تكن لتأْنيث الخبر، والمراد بالفتنة كفرهم باتخاذ غير الله وليا، أَى لم يكن عاقبة شركهم إِلا تبرؤهم منه، كقولك لمن رأَيته يحب إِنسانا مذموم العاقبة: ما كان حبا منك له إِلا أَن فررت منه، كما تجعل عاقبة الشئ عينه ادعاء، أَو يقدر سبب فتنتهم، ولما حذف المضاف أَنث الفعل، وذلك أَنهم تهالكوا على حب الشرك، أَو الفتنة للتخلص، كقولك فتنت الذهب إِذا أَزلت رداءَته بالنار، توهموا أَن قولهم: والله ربنا إِلخ، معذرة صارفة لهم، والفتنة ما يحب الإِنسان ويعجب به، وكانوا يفتخرون بشركهم، أَو الفتنة الجواب لأَنهم قصدوا به الخلاص، أَو أَنه كذب، فقد كذبوا فى الآخرة كعادتهم فى الدنيا، بل بنفى الشريك، وتأْكيد النفى بالقسم، فذلك كذبان، وحينئذ يختم على أَفواههم، وتشهد جوارحهم، ففى موطن من مواطن الأخرة لا يكتمون الله حديثا، وفي موطن يكتمون بالكذب وفي موطن يسأَلون أَجمعون، وفى موطن لا يسأَل عن ذنبه إِنس ولا جان، والآية ناطقة بأَن الكفار يكذبون فى الآخرة كالدنيا، وذلك قول الجمهور، وقال أَبو على الجبائى من المعتزلة، والباقلانى: لا، لظهور الأَمر وكون الكذب لا ينفعهم، وأَجابوا عن الاية بأَن المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا أَن عبادة الأَصنام نتقرب بها إلى الله لا عبادة بالذات، وبأَن معنى قوله: {أُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} أَنهم كذبوا فى الدنيا بأُمور يخبرون عنها بخلاف الواقع، كقولهم: تقربنا إِلى الله زلفى، وأَجاب الجمهور بأَنهم يكذبون فى الآخرة مع انكشاف الأَمر وعدم الانتفاع بالكذب للتحير والدهش من شدة الأَمر حتى نسوا أَو تعمدوا الكذب، وبأَن حمل كذبوا على أَنفسهم على كذب الدنيا تعسف، لأَن ما قبل هذا وما بعده فى شأْن الآخرة، وأَيضا قال الله عز وجل "أية : يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم" تفسير : - أَى فى الدنيا - [المجادلة: 22] {وَضَلَّ} ذهب {عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أَى كونهم مفترين، أَو ما كانوا يفترونه من الآلهة ولو حضرت لذهاب نفعها، وجعلت نفس المفترى مبالغة فإِن المفترى النفع، وهذا داخل فى النظر، عطف على كذبوا كأَنه قيل: انظر كيف ضل عنهم إِلخ. ويجوز عطفه على نقول، أَو نحشر لأَن معناه الاستقبال، وإِنما أَتى بصيغة الماضى للتحقق فلا يدخل فى النظر.
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} أصل معنى الفتنة على ما حققه الراغب من الفتن وهو إدخال الذهب النار لتعلم جودته من رداءته ثم استعمل في معان كالعذاب والاختبار والبلية والمصيبة والكفر والإثم والضلال / والمعذرة. واختلف في المراد هنا فقيل: الشرك، واختار هذا القول الزجاج ورواه عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكأن التعبير عن الشرك بالفتنة أنها ما تفتتن به ويعجبك وهم كانوا معجبين بكفرهم مفتخرين به. والكلام حينئذ إما على حذف مضاف كما يقتضيه ظاهر كلام البعض، وإما على جعل عاقبة الشيء عينه ادعاء وهو أحلى مذاقاً وأبعد مغزى والحصر إضافي بالنسبة إلى جنس الأقوال أو ادعائي. وقوله تعالى: {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} كناية عن التبري عن الشرك وانتفاء التدين به أي ثم لم يكن عاقبة شركهم شيئاً إلا تبرئهم منه، ونص الزجاج أن مثل ما في الآية أن ترى إنساناً يحب غاوياً فإذا وقع في مهلكة تبرأ منه فيقال له: ما كان محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وليس ذلك من قبيل عتابك السيف ولا من تقدير المضاف وإن صح ذلك فيه وهو معنى حسن لطيف لا يعرفه إلا من عرف كلام العرب، وقيل: المراد بها العذر واستعملت فيه لأنها على ما تقدم التخليص من الغش والعذر يخلص من الذنب فاستعيرت له. وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً وأبي عبد الله وقتادة ومحمد بن كعب رضي الله تعالى عنهم، وقيل: الجواب بما هو كذب. ووجه الإطلاق أنه سبب الفتنة فتجوز بها عنه إطلاقاً للمسبب على السبب، ويحتمل أن يكون هناك إستعارة لأن الجواب مخلص لهم أيضاً كالمعذرة. قيل: والحصر على هذين القولين حقيقي والجملة القسمية على ظاهرها. و {تَكُنْ} بالتاء الفوقانية، و {فِتْنَتُهُمْ} بالرفع قراءة ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وقرأ حمزة. والكسائي {يَكُنِ} بالياء التحتانية و {فِتْنَتُهُمْ} بالنصب، وكذا قرأ {رَبّنَا} بالنصب على النداء أو المدح. وقرىء في الشواذ {رَبّنَا} بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو توطئة لنفي إشراكهم وفائدته رفع توهم أن يكون نفي الإشراك بنفي الإلهية عنه تقدس وتعالى. وقرأ الباقون بالتاء من فوق ونصب {فِتْنَتُهُمْ} أيضاً، وخرجوا قراءة الأولين على أن {فِتْنَتُهُمْ} اسم {تَكُنْ} وتأنيث الفعل لإسناده إلى مؤنث و {أَن قَالُواْ} خبره. وقرأ حمزة والكسائي على أن {أَن قَالُواْ} هو الاسم ولم يؤنث الفعل لإسناده إلى مذكر و {فِتْنَتُهُمْ} هو الخبر. وقراءة الباقين على نحو هذا خلا أن التأنيث فيها بناء على مذهب الكوفيين فإنهم يجيزون في سعة الكلام تأنيث اسم كان إذا كان مصدراً مذكراً وكان الخبر مؤنثاً مقدماً كقوله: شعر : وقد خاب من كانت سريرته العذر تفسير : ويستشهدون على ذلك بهذه القراءة، وذهب البصريون إلى أن ذلك ضرورة، وقيل: إن التأنيث على معنى المقالة وهو من قبيل جاءته كتابي أي رسالتي ولا يخفى أن هذا قليل في كلامهم، وقال الزمخشري ونقل بعينه عن أبي علي: «إن ذلك من قبيل من كانت أمك»؟ ونوقش بما لا طائل فيه. وزعم بعضهم أن القراءتين الأخيرتين أفصح من القراءة الأولى لأن فيها جعل الأعرف خبرا وغير الأعرف اسماً لأن {أَن قَالُواْ} يشبه المضمر والمضمر أعرف المعارف وهو خلاف الشائع المعروف دونهما وفيه نظر إذ لا يلزم من مشابهة شيء لشيء في حكم مشابهته له في حميع الأحكام، والجملة على سائر القراءات عطف على الفعل المقدر العامل في { أية : ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } تفسير : [الأنعام: 22] الخ على ما مرت الإشارة إليه. وجعلها غير واحد عطفاً على الجملة قبلها. و {ثُمَّ } اما على ظاهرها بناء على القول الأول وإما للتراخي في الرتبة بناء على القولين الأخيرين لأن معذرتهم أو جوابهم هذا أعظم من التوبيخ السابق. وأنت تعلم أنه لا ضرورة للعدول عن الظاهر لجواز أن يكون هناك تراخ في الزمان بناء على أن الموقف عظيم فيمكن أن يقال: إنهم لما عاينوا هول ذلك اليوم وتجلى الملك الجبار جل جلاله عليهم بصفة الجلال كما ينبىء / عنه الجملة السابقة حاروا ودهشوا فلم يستطيعوا الجواب إلا بعد زمان. ومما ينبىء على دهشتهم وحيرتهم أنهم كذبوا وحلفوا في كلامهم هذا ولو لم يكونوا حيارى مدهوشين لما قالوا الذي قالوا لأن الحقائق تنكشف يوم القيامة فإذا اطلع أهلها عليها وعلى أنها لا تخفى عليه سبحانه وأنه لا منفعة لهم في مثل ذلك استحال صدوره عنهم. وللغفلة عن بناء الأمر عن الدهشة والحيرة منع الجبائي والقاضي ومن وافقهما جواز الكذب على أهل القيامة مستدلين بما ذكرنا. وأجابوا عن الآية بأن المعنى ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا وذلك لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم موحدون متباعدون عن الشرك. واعترضوا على أنفسهم بأنهم على هذا التقدير يكونون صادقين فيما أخبروا فلم قال سبحانه: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ...}.
د. أسعد حومد
تفسير : (23) - وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعْذِرَةٌ يَعْتَذِرُونَ بِهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى، عَنْ كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ وَسُوءِ عَمَلِهِمْ، إِلاَّ أَنْ أَقْسَمُوا بِاللهِ أَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُشْرِكِينَ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ المُشْرِكِينَ حِينَ يَرَوْنَ، يَوْمَ القِيَامَةِ، أَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلاَّ أَهْلُ الإيمَانِ، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍِ: (تَعَالُوْا نَجْحَدْ)، فَيَقُولُونَ: (وَاللهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فَيَخْتِمُ اللهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَتَشْهَدُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَلاَ يَكْتُمونَ اللهَ حَدِيثاً). (وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا مَفْتُونِينَ بِشِرْكِهِمْ، مُتَهَالِكِينَ فِي حُبِّهِ، وَالقِتَالِ دُونَهُ، وَحِينَ يَرَوْنَ العَذَابَ تَكُونُ عَاقِبَةُ هَذَا الشِّرْكِ الجُحُودَ بِهِ، وَالتَّبَرُّؤَ مِنْهُ). فِتْنَتُهُمْ - مَعْذِرَتُهُمْ أَوْ عَاقِبَةُ شِرْكِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونعرف أن الفتنة هي الاختبار. وللفتنة وسائل متعددة؛ فأنت تختبر الشيء لتعرف الرديء من الجيد، والحقيقي من المزيف. ونحن نختبر الذهب ونفتنه على النار وكذلك الفضة. وهكذا نرى أن الفتنة في ذاتها غير مذمومة، لكن المذموم والممدوح هو النتيجة التي نحصل عليها من الفتنة؛ فالامتحانات التي نضعها لأبنائنا هي فتنة، ومن ينجح في هذا الامتحان يفرح ومن يرسب يحزن. إذن فالنتيجة هي التي يفرح بها الإنسان أو التي يحزن من أجلها الإنسان، وبذلك تكون الفتنة أمراً مطلوباً فيمن له اختيار. وأحياناً تطلق الفتنة على الشيء الذي يستولي على الإنسان بباطل. إن الحق يحشر المشركين مع آلهتهم التي أشركوا بها ويسألهم عن هذه الآلهة فيقولون: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. وهم في ظاهر الأمر يدافعون عن أنفسهم، وفي باطن الأمر يعرفون الحقيقة الكاملة وهي أن المُلْك كله الله، ففي اليوم الآخر لا شركاء لله؛ ذلك أنه لا اختيار للإنسان في اليوم الآخر. ولكن عندما كان للإنسان اختيار في الدنيا فقد كان أمامه أن يؤمن أو يكفر. وإيمان الدنيا الناتج عن الاختيار هو الذي يقام عليه حساب اليوم الآخر، أما إيمان الاضطرار في اليوم الآخر فلا جزاء عليه إلا جهنم لمن كفر أو أشرك بالله في الدنيا. ولو أراد الله لنا جميعاً إيمان الاضطرار في الدنيا لأرغمنا على طاعته مثلما فعل مع الملائكة ومع سائر خلقه. لقد قهر الحق سبحانه كل أجناس الوجود ما عدا الإنسان، وكان القهر للأجناس لإثبات القدرة، ولكن التكريم للإنسان جاء بالاختيار ليذهب إلى الله بالمحبة. والمشركون بالله يفاجئهم الحق يوم القيامة بأنه لا إله إلا هو، ويحاولون الكذب لمحاولة الإفلات من العقوبة فيقولون: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. وهم قد كذبوا بالله في الحياة فعلاً ويريدون الكذب على الله في اليوم الآخر قولاً، ولكن الله عليهم بخفايا الصدور وما كان من السلوك في الحياة الدنيا، ويوضح لهم في الآخرة أعمالهم ويعاقبهم العقاب الأليم. وحين يسألهم الحق: {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ}؟ ففي هذا القول استفهام من الله، والاستفهام من العليم لا يقصد منه العلم، وإنما يقصد به الإقرار مِن المسئول. وفي حياتنا اليومية يمكننا أن نرى السؤال من التلميذ لأستاذه؛ ليعلم التلميذ ما يجهل. ونرى السؤال يرد مرة بعد أخرى من الاستاذ لتلميذه لا ليعلم ما لم يعلم، ولكن ليقرر التلميذ بما يعلمه وبما تعلمه من أستاذه. فإذا سأل الحق خلقه سؤالاً، أيسألهم سبحانه ليعلم؟ حاشا لله أن يكون الأمر كذلك. وإنما يسأل الحق عباده ليكون سؤال إقرار. والإقرار هنا فيه تبكيت أيضاً؛ لأنه سؤال لا جواب له، فمعاذ الله أن يوجد له شركاء. وعندما يقول الحق لهم: {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ}؟ فمعنى ذلك هو الاستبعاد أن يوجد له سبحانه شركاء. وبذلك يوبخهم ويبكتهم الحق على أنهم أشركوا بالله ما لا وجود له. لقد أشركوا بالله في الدنيا لمجرد التخلص من موجبات الإيمان. وها هم أولاء في المشهد العظيم يعرفون قدر كذبهم في الدنيا، فلا ملك لأحد إلا الله، ولا معبود سواه، فينطقون بما يشهدون: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. ولقائل أن يقول: ولكن هناك في موضع آخر من القرآن نجد أن الله يقول في حق مثل هؤلاء: {أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 34-36]. إنهم في يوم الهول الأكبر يعرفون أنهم كذبوا في الدنيا، وهم لا ينطقون بأي قول ينفعهم، ولا يأذن لهم الحق بأن يقدموا أعذاراً أو اعتذاراً. ونقول لمن يظن أن المكذبين لا ينطقون: إنهم بالفعل لا ينطقون قولاً يغيثهم من العذاب الذي ينتظرهم، وهم يقعون في الدهشة البالغة والحيرة، بل إن بعضاً من هؤلاء المكذبين بالله واليوم الآخر يكون قد صنع شيئاً استفادت به البشرية أو تطورت به حياة الناس، فيظن أن ذلك العمل سوف ينجيه، إن هؤلاء قد يأخذون بالفعل حظهم وثوابهم من الناس الذين عملوا من أجلهم ومن تكريم البشرية لهم، ولكنهم يتلقون العذاب في اليوم الآخر لأنهم أشركوا بالله. ولم يكن الحق في بالهم لحظة أن قدموا ما قدموا من اختراعات، ولذلك يقول الحق: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39]. وهكذا نعلم أن أعمال الكافرين أو المشركين يجازيهم الحق سبحانه عليها بعدله في الدنيا بالمال أو الشهرة، ولكنها أعمال لا تفيد في الآخرة. وأعمالهم كمثل البريق اللامع الذي يحدث نتيجة سقوط أشعة الشمس على أرض فسيحة من الصحراء، فيظنه العطشان ماء، وما أن يقترب منه حتى يجده غير نافع له، كذلك أعمال الكافرين أو المشركين يجدونها لا تساوي شيئاً يوم القيامة. والمشرك من هؤلاء يعرف حقيقة شركه يوم القيامة. ولا يجد إلا الواحد الأحد القهار أمامه، لذلك يقول كل واحد منهم: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. إن المشرك من هؤلاء ينكر شركه. وهذا الإنكار لون من الكذب. إن المشركين يكذبون، ويقول الحق سبحانه عنهم: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} تفسير : [المجادلة: 18]. وحين يبعثهم الحق يوم القيامة يقسمون له أنهم كانوا مؤمنين كما كانوا يقسمون في الدنيا، لكن الله يصفهم بالكذب، لقد كان بإمكانهم أن يدلسوا على البشر بالحلف الكاذب في الدنيا، ولكن ماذا عن الله الذي لا يمكن أن يدلس عليه أحد. وهكذا نرى أن فتنة هؤلاء هي فتنة كبرى: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]. ويقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} معناهُ معذرتُهمْ.
همام الصنعاني
تفسير : 789- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، وقال قتادة: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ}: [الآية: 23]، قال: مقالتهم. 790- قال معمر، وقد سمعت من يقول: مَعْذِرَتهُمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):