Verse. 813 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوْا عَلٰۗي اَنْفُسِہِمْ وَضَلَّ عَنْہُمْ مَّا كَانُوْا يَفْتَرُوْنَ۝۲۴
Onthur kayfa kathaboo AAala anfusihim wadalla AAanhum ma kanoo yaftaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قال تعال: «أنظر» يا محمد «كيف كذبوا على أنفسهم» بنفي الشرك عنهم «وضلَّ» غاب «عنهم ما كانوا يفترونـ» ـه على الله من الشركاء.

24

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} كذب المشركين قولُهم: إن عبادة الأصنام تُقرِّبنا إلى الله زُلْفَى، بل ظَنُّوا ذلك وظَنُّهُمْ الخطأ لا يُعذِرهم ولا يزيل ٱسم الكذب عنهم، وكذب المنافقين بٱعتذارهم بالباطل، وجحدهم نفاقهم. {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي فٱنظر كيف ضلّ عنهم افتراؤهم أي تَلاَشى وبطل ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم. وقيل: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي فارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله فلم يغن عنهم شيئاً؛ عن الحسن. وقيل: المعنى عَزَب عنهم ٱفتراؤهم لَدَهشهم، وذهول عقولهم. والنظر في قوله: «ٱنظر» يراد به نظر الاعتبار؛ ثم قيل؛ «كَذَبُوا» بمعنى يكذِبون، فعبّر عن المستقبل بالماضي؛ وجاز أن يكذِبوا في الآخرة لأنه موضع دَهَش وحَيْرة وذهول عقل. وقيل: لا يجوز أن يقع منهم كذب في الآخرة؛ لأنها دار جزاء على ما كان في الدنيا ـ وعلى ذلك أكثر أهل النظر ـ وإنما ذلك في الدنيا؛ فمعنى {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} على هذا: ما كنا مشركين عند أنفسنا؛ وعلى جواز أن يكذِبوا في الآخرة يعارضه قوله: { أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً } تفسير : [النساء: 42]؛ ولا معارضة ولا تناقض؛ لا يَكتمون الله حديثاً في بعض المواطن إذا شهدت عليه ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بعملهم، ويكذبون على أنفسهم في بعض المواطن قبل شهادة الجوارح على ما تقدّم. والله أعلم. وقال سعيد بن جُبَير في قوله تعالى: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} قال: ٱعتذروا وحَلَفوا؛ وكذلك قال ابن أبي نَجِيح وقَتَادة: وروي عن مجاهد أنه قال: لما رأُوا أن الذنوب تغفر إلا الشرك بالله والناسَ يخرجون من النار قالوا: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وقيل: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} أي علمنا أن الأحجار لا تضر ولا تنفع، وهذا وإن كان صحيحاً من القول فقد صَدَقوا ولم يكتموا، ولكن لا يُعذَرون بهذا؛ فإن المعاند كافر غير معذور. ثم قيل في قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} خمس قراءات: قرأ حمزة والكِسائيّ «يكن» بالياء «فِتْنَتَهُمْ» بالنصب خبر «يكن» «إِلاَّ أَن قَالُواْ» ٱسمها أي إلا قولُهم؛ فهذه قراءة بيّنة. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو «تكن» بالتاء «فِتْنَتَهُمْ» بالنصب «إِلاَّ أَن قَالُواْ» أي إلا مقالتُهم. وقرأ أُبيّ وابن مسعود «وما كان ـ بدل قوله «ثُمَّ لَمْ تَكُنْ» ـ «فِتْنَتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ». وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية حفص، والأعمش من رواية المفضّل، والحسن وقَتَادة وغيرهم {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ} بالتاء «فِتْنَتُهُمْ» بالرفع ٱسم «تكن» والخبر «إِلاَّ أَن قَالُواْ» فهذه أربع قراءات. الخامسة ـ «ثُمَّ لَمْ تَكُنْ» بالياء «فِتْنَتُهُمْ»؛ رفع ويذكّر الفتنة لأنها بمعنى الفتون، ومثله { أية : فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ } تفسير : [البقرة: 275]. «واللَّهِ» الواو واو القسم «رَبِّنَا» نعت لله عز وجل، أو بدل. ومن نصب فعلى النداء أي يا ربَّنا وهي قراءة حسنة؛ لأن فيها معنى الاستكانة والتضرع، إلا أنه فَصَل بين القسم وجوابه بالمنادى.

البيضاوي

تفسير : {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أي بنفي الشرك عنها، وحمله على كذبهم في الدنيا تعسف يخل بالنظم ونظير ذلك قوله: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ }تفسير : [المجادله: 18] وقرأ حمزة والكسائي ربنا بالنصب على النداء أو المدح. {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الشركاء. {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} حين تتلو القرآن، والمراد أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم، اجتمعوا فسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن فقالوا للنضر ما يقول، فقال؛ والذي جعلها بيته ما أدري ما يقول إلا أنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية، فقال أبو سفيان إني لأرى حقاً فقال أبو جهل كلا. {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أغطية جمع كنان وهو ما يستر الشيء. {أَن يَفْقَهُوهُ} كراهة أن يفقهوه. {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} يمنع من استماعه، وقد مر تحقيق ذلك في أول «البقرة». {وَإِنْ يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا} لفرط عنادهم واستحكام التقليد فيهم. {حَتَّىٰ إِذَا جَاؤُكَ يُجَـٰدِلُونَكَ} أي بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم جاؤو يجادلونك، وحتى هي التي تقع بعدها الجمل لا عمل لها، والجملة إذا وجوابه وهو {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} فإن جعل أصدق الحديث خرافات الأولين غاية التكذيب، ويجادلونك حال لمجيئهم، ويجوز أن تكون الجارة وإذا جاؤوك في موضع الجر ويجادلونك حال ويقول تفسير له، والأساطير الأباطيل جمع أسطورة أو اسطارة أو أسطار جمع سطر، وأصله السطر بمعنى الخط. {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} أي ينهون الناس عن القرآن، أو الرسول صلى الله عليه وسلم والإِيمان به. {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} بأنفسهم أو ينهون عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وينأون عنه فلا يؤمنون به كأبي طالب. {وَإِن يُهْلِكُونَ} وما يهلكون بذلك. {إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} أن ضرره لا يتعداهم إلى غيرهم. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} جوابه محذوف أي: لو تراهم حين يوقعون على النار حتى يعاينوها، أو يطلعون عليها، أو يدخلونها فيعرفون مقدار عذابها لرأيت أمراً شنيعاً. وقرىء {وُقِفُواْ} على البناء للفاعل من وقف عليها وقوفاً. {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ} تمنياً للرجوع إلى الدنيا. {وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} استئناف كلام منهم على وجه الإِثبات كقولهم: دعني ولا أعود، أي وأنا لا أعود تركتني، أو لم تتركني أو عطف على نرد أو حال من الضمير فيه فيكون في حكم التمني، وقوله: {أية : وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ }تفسير : [الأنعام: 28] راجع إلى ما تضمنه التمني من الوعد، ونصبهما حمزة ويعقوب وحفص على الجواب بإضمار أن بعد الواو إجراء لها مجرى الفاء. وقرأ ابن عامر برفع الأول على العطف ونصب الثاني على الجواب. {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} الإِضراب عن إرادة الإِيمان المفهومة من التمني، والمعنى أنه ظهر لهم ما كانوا يخفون من نفاقهم، أو قبائح أعمالهم فتمنوا ذلك ضجراً لا عزماً على أنهم لو ردوا لآمنوا. {وَلَوْ رُدُّواْ} أي إلى الدنيا بعد الوقوف والظهور. {لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} من الكفر والمعاصي. {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} فيما وعدوا به من أنفسهم. {وَقَالُواْ} عطف على لعادوا، أو على إنهم لكاذبون أو على نهوا، أو استئناف بذكر ما قالوه في الدنيا. {إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } الضمير للحياة {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ} مجاز عن الحبس للسؤال والتوبيخ، وقيل معناه وقفوا على قضاء ربهم أو جزائه، أو عرفوه حق التعريف. {قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقّ} كأنه جواب قائل قال: ماذا قال ربهم حينئذ؟ والهمزة للتقريع على التكذيب، والإِشارة إلى البعث وما يتبعه من الثواب والعقاب. {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبّنَا} إقرار مؤكد باليمين لانجلاء الأمر غاية الجلاء. {قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} بسبب كفركم أو ببدله.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى {أَنظُرْ } يا محمد {كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } بنفي الشرك عنهم {وَضَلَّ } غاب {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } ـه على الله من الشركاء.

القشيري

تفسير : هذه كلمة تعجب؛ يعني إنَّ قصتهم منها ما هو محلُّ التعجب لأمثالكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {انظر} يا محمد {كيف كذبوا على انفسهم} بانكار صدور الاشراك عنهم فى الدنيا وتعجب من كذبهم فانه امر عجيب {وضل عنهم ما كانوا يفترون} عطف على كذبوا داخل فى حيز انظر اى كيف زال وذهب وبطل افتراؤهم فانهم كانوا يفترون فى حق الاصنام انها شفعاؤهم عند الله تعالى فبطل ذلك بالكلية يوم القيامة. وفى الآيات امور. الاول اطلاق لفظ الشئ على الله تعالى لكن بمعنى شائ لا بمعنى مشيئ وجوده فهو الشائى المريد. والثانى انه يلزمه التبرى من الشرك عقيب التوحيد. قال المولى الشهير باخى جلبى فى حواشى صدر الشريعة اسلام اليهود والنصارى مشروط بالتبرى من اليهودية والنصرانية بعد الاتيان بكلمتى الشهادة وبدون التبرى لا يكونان مسلمين ولو اتيا بالشهادتين مرارا لانهما فسرا قولهما بانه رسول الله اليكم لكن هذا فى الذين اليوم بين ظهرانى اهل الاسلام أما إذا كان فى دار الحرب وحمل عليه رجل من المسلمين فأتى بالشهادتين او قال دخلت دين الاسلام او فى دين محمد عليه السلام فهذا دليل توبته انتهى. قال فى الدر المختصر فى صفة الايمان ان يقول ما امرنى الله تعالى به قبلته وما نهانى عنه انتهيت عنه فاذا اعتقد ذلك بقلبه واقر بلسانه كان ايمانا صحيحا وكان مؤمنا بالكل انتهى. وايمان المقلد صحيح عند الامام الاعظم الا انه يأثم بترك النظر والاستدلال. وفى فصل الخطاب من نشأ فى بلاد المسلمين وسبح الله تعالى عند رؤية صنائعه فهو خارج عن حد التقليد. والثالث ان قوله تعالى {أية : كما يعرفون أبناءهم} تفسير : [الأَنعام: 20]. يشير الى ان الآباء قد تحقق عندهم انهم مصادر الابناء ومبدأ وجود الابناء منهم فكذلك اهل المعرفة تحقق عندهم ان الله تعالى مصدرهم ومبدأ وجودهم منه: قال الحافظ شعر : در مكتب حقائق وبيش اديب عشق هان اى بسر بكوش كه روزى بدر شوى خواب وخورت زمرتبه خويش دور كرد آنكه رسى بخويش كه بى خواب وخورشوى تفسير : فالوصول الى المبدأ القديم بعد العبور من جسر الوصف الحادث. والرابع ان النافع هو الايمان والتوحيد والصدق والاخلاص دون الشرك والكذب ـ يروى ـ أن المشركين اذا رأوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى وتجاوزه عن اهل التوحيد قال بعضهم لبعض تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع اهل التوحيد فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين فيختم على افواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر فلا يفلحون. وكذا اهل الرياء من اهل التوحيد يزعمون انهم على اليقين وكمال الاخلاص وافعالهم الصادرة عن جوارحهم تدل على خلاف ذلك فانما خلق الله جهنم لتطهير اهل الشرك مطلقا لكن اهل الكفر مخلدون فافهم المقام. واعلم ان الله تعالى واحد وكل شئ يشهد على وحدته وعلى هذه الوحدة يعرفه ويشاهده اهل المعرفة والمشاهدة فان كثرة الآثار لا تنافى الوحدة كالنواة مع الشجرة: قال الحافظ شعر : تادم وحدت زدى حافظ شوريده حال خامه توحيد كش برورق اين وآن

الجنابذي

تفسير : من آلهتهم او من شركائهم فى الولاية، مضىّ الفعلين لتحقّق وقوعهما كأنّهما وقعا سواء كان الخطاب عامّاً او خاصّاً او بالنّظر الى المخاطب المخصوص اعنى محمّداً (ص) فانّه ينظر ويرى ما لم يجيء فى سلسلة الزّمان.

اطفيش

تفسير : {انْظُر كيفَ كَذَبوا عَلى أنفُسِهِم} ينفى الشرك عنها إذا نفوا عن أنفسهم يوم القيامة وقوعه فى الدنيا، وقد وقع منهم فى الدنيا فليس معنى قوله: {ما كنا مشركين} إنا ما كنا مشركين عند أنفسنا لقول الله تعالى: {كذبوا على أنفسهم} ومن قال هذا أجاب عن قوله: {كذبوا على أنفسهم} بأن المعنى كذبوا فى الدنيا بقولهم إنهم على صواب، وأنه ما هم عليه ليس بشرك ونحو ذلك، وأنه ليس المعنى كذبوا فى قولهم: {أية : والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : وكانوا فى الدنيا يعتقدون أن عبادة الأصنام تقرب إلى الله، وأنها ليست شركاً، وذلك جواب من يقول: إن الكفار لا يكذبون فى الآخرة، وهو قول الجبائى من المعتزلة، والباقلانى. وقال الجمهور: إنهم يكذبون لظاهر الآية، والمراد هو ظاهرها، فإن ظاهرها أنهم كذبوا يوم القيامة إذ قالوا فيه: لم نشرك فى الدنيا، فالآية دلت على أن الكذب مخالفة الواقع ولو طابق الاعتقاد، أو سمى قولهم: ما كنا مشركين كذباً، لأنهم أشركوا ولو طابق اعتقادهم أنهم لم يشركوا، قال الله جل وعلا: {أية : يوم يبعثهم الله جميعاً} تفسير : الآية، ويدل لقول الجمهور إنما بعد قوله: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} وما قبلها من قوله: {ويوم يحشرهم} فى أحوال الآخرة، فجملة هو على الدنيا تكلف، وإذا قالوا ذلك ختم على ألسنتهم ونطقت الجوارح. {وضلَّ عنْهُم} غاب وبعد عنهم {ما كانُوا يفْترُونَ} ما كانوا يفترونه من الأصنام، أى من شفاعتها أو ما كانوا يفترونه فى شأن الأصنام من الشفاعة، أو ما مصدرية، أى بطل عنهم افتراؤهم، والعطف على كذبوا، فالتعجيب بكيف مسلط عليه كأنه قيل: وانظر كيف ضل عنهم.

الالوسي

تفسير : {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ } أي في قولهم { أية : مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23] وأجابوا بأنه ليس المراد أنهم كذبوا في الآخرة بل المراد: أنظر كيف كذبوا {عَلَى أَنفُسِهِمْ} في الدنيا. ورد بأن الآية لا تدل على هذا المعنى بوجه ولا تنطبق عليه لأنها في شأن خسرهم وأمرهم في الآخرة لا في الدنيا بل تنبو عنه أشد نبو لأن أول النظم الكريم وآخره في ذلك فتخلل بيان حالهم في الدنيا تفكيك له وتعسف جداً. ويؤيد ما ذهب إليه الجمهور أيضاً قوله تعالى: { أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } تفسير : [المجادلة: 18] بعد قوله سبحانه: { أية : وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } تفسير : [المجادلة: 14] حيث شبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا، ويشير إلى هذا التشبيه أيضاً الأمر بالنظر كما لا يخفى على من نظر. وذكر ابن المنير «أن في الآية دليلاً بينا على أن الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به كذب وإن لم يعلم المخبر مخالفة خبره لمخبره ألا تراه سبحانه جعل إخبارهم وتبرأهم كذباً مع أنه جل شأنه أخبر عنهم بقوله تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي سلبوا علمه حينئذ دهشاً وحيرة فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم»، وأنت تعلم أن تفسير هذه الجملة بما ذكر غير ظاهر. والمروي عن الحسن أن {ما } موصولة والمراد بها الأصنام التي كانوا يعبدونها ويقولون فيها: { أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [يونس: 18] أو نحو ذلك. وإيقاع الافتراء عليها مع أنه في الحقيقة واقع على أحوالها للمبالغة في أمرها كأنها نفس المفتري أي زالت وذهبت عنهم أوثانهم التي يفترون فيها ما يفترون فلم تغن عنهم من الله شيئاً، وقيل: إن {مَا} مصدرية أي ضل افتراؤهم كقوله سبحانه: { أية : ضَلَّ سَعْيُهُمْ } تفسير : [الكهف: 104] أي لم ينفعهم ذلك. والجملة قيل: مستأنفة، وقيل: واختاره شيخ الإسلام «إنها عطف على {كَذَّبُواْ } داخل معه في حكم التعجب إذ الاستفهام السابق المعلق لأنظر لذلك. وجعل المعنى على احتمال الموصول والمصدرية أنظر كيف كذبوا باليمين الفاجرة المغلظة على أنفسهم بإنكار صدور ما صدر عنهم وكيف ضل عنهم أي زال وذهب افتراؤهم أو ما كانوا يفترونه من الإشراك حتى نفوا صدوره عنهم بالكلية وتبرؤوا [منه] بالمرة».

د. أسعد حومد

تفسير : (24) - وَيَتَعَجَّبُ اللهُ تَعَالَى مِنْ كَذِبِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ بِإِنْكَارِهِمْ صُدُورَ الإِشْرَاكِ عَنْهُمْ فِي الدُّنيا، ثُمَّ يَقُولُ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا، بِاليَمِينِ الفَاجِرَةِ التِي أَقْسَمُوهَا لِنَفْيِ شِرْكِهِمْ، وَكَيْفَ ذَهَبَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ مِنَ الإِشْرَاكِ، حَتَّى نَفَوْا صُدُورَهُ عَنْهُمْ. ضَلَّ عَنْهُمْ - غَابَ عَنْهُمْ وَزَالَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويلفت الحق نظر رسوله صلى الله عليه وسلم بدقة إلى عملية سوف تحدث يوم القيامة، وساعة يخبر الله بأمر فلنصدق أنه صار واقعاً وكأننا نراه أمامنا حقيقة لا جدال فيها. وسبحانه يقرر أنهم كذبوا على أنفسهم. ونعرف أن كل الأفعال تتجرد من زمانيتها حين تنسب إلى الله سبحانه وتعالى، فليس عند الله فعل ماضٍ أو حاضر أو مستقبل. والمثال على ذلك قوله الحق: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [النحل: 1]. وليس لقائل أن يقول: كيف يقول الحق إن أمره قد أتى وذلك فعل ماضٍ، ثم ينهى العباد عن استعجاله، والإنسان لا يتعجلُ إلا شيئاً لم يحدث، ليس لقائل أن يقول ذلك؛ لأن المتكلم هو القوة الأعلى ولا شيء يعوق الحق أن يفعل ما يريد. أما نحن العباد فلا نجرؤ أن نقول على فعل سوف نفعله غداً إننا فعلناه، ذلك أن غداً قد لا يأتي أبداً، أو قد يأتي الغد ولا نستطيع أن نفعل شيئاً مما وعدنا به، أو قد تتغير بنا الأسباب. وعلى فرض أن كل الظروف قد صارت ميسرة فأي قوة للعبد منا أن يفعل شيئاً دون أن يشاء الله؟. ونحن - المؤمنون - نعرف ذلك وعلينا أن نقول كما عملنا الله: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الكهف: 23-24]. وهكذا يضمن الإنسان منا أنه قد خرج من دائرة الكذب. وحينما يقول الله لرسول: "انظر" ويكون ذلك على أمر لم يأت زمان النظر فيه؛ فرسول الله يصدق ربه وكأنه قد رأى هذا الأمر. إن الحق يصف هؤلاء الناس بأنهم: {كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أي أن كذبهم الذي سوف يحدث يوم القيامة هو أمر واقع بالفعل. وقد يكذب الإنسان لصالحه في الدنيا. لكن الكذب أمام الله يكون على حساب الإنسان لا له. ويتابع الحق: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} ومعنى هذا أنهم يبحثون في اليوم الآخر عن الشركاء ولكنّهم لا يقدرون على تحديد هؤلاء الشركاء لأنهم قالوا أمام الله: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وغياب الشركاء عنهم أمام الله هو ما يوضحه ويبينّه قول الله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} فـ "ضل" هنا معناها "غاب". ألم يقولوا من قبل: {أية : وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} تفسير : [السجدة: 10]. أنهم كمنكرين للبعث يتساءل باندهاش: أإذا غابوا في الأرض واختلطوا بعناصرها يمكن أن يبعثهم ربهم من جديد؟. فهم لا يصدقون أن الذي أنشأهم أول مرة بقادر على أن يعيدهم مرة أخرى. ونعرف أن كلمة "ضل" لها معانٍ متعددة. لكن معناها هنا "غاب"، وحين يسألهم الله: أين شركاؤكم؟، ينكرون كذباً أنهم أشركوا، لقد ضل عنهم - أي غاب عنهم - هؤلاء الشركاء. والإنسان يعبد الإله الذي ينفعه يوم الحشر، وعندما يغيب الآلهة عن يوم الحشر فهذا ما يبرز ضلال تلك الآلهة وغيابها وقت الحاجة إليها، ولا يبقى إلا وجه الله الذي يحاسب من أشركوا به. و "ضل" يقابلها "اهتدى"، و "ضل" أي لم يذهب إلى السبيل الموصلة للغاية، و"اهتدى" أي ذهب إلى السبيل الموصلة إلى الغاية. ومن لا يعرف السبيل الموصلة إلى الغاية، يكون قد ضل أيضا، ولكن هناك من يضل وهو يعلم السبيل الموصلة إلى الغاية وهذا هو الكفر. وعندما يتكلم الحق عن الذين كفروا يصفهم بأنهم ضلوا ضلالاً بعيداً؛ لأن الطريق إلى الهداية كان أمامهم ولم يسلكوه، وهذا هو ضلال القمة. وقد يكون الإنسان مؤمناً لكن مقومات الإيمان ضعيفة في نفسه فيعصي ربه. ويقول الحق عن مثل هذا الإنسان: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} تفسير : [الأحزاب: 36]. إنه ضلال دون ضلال وكفر دون كفر القمة. لكن ماذا عن الذي يضل لأنه لا يعرف طريق الهدى؟ إن ذلك هو ما يظهر لنا من قصة سيدنا موسى عليه السلام، فحين قال الحق لموسى وهارون عليهما السلام: {أية : فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [الشعراء: 16-17]. أصدر الحق الأمر إلى موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون ليرسل معهما بني إسرائيل، فماذا عن موقف فرعون؟. ماذا قال فرعون؟: {أية : قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الشعراء: 18-19]. هنا يريد فرعون أن يمتن على موسى عليه السلام، ويذكره بأنه رباه في قصره إلى أن كبر ومع ذلك لم يرع موسى وقتل رجلاً من قوم فرعون، وكان ذلك في نظر فرعون لوناً من الجحود بنعمته، وها هوذا يعتدي مرة أخرى على ألوهية فرعون بدعوته للإيمان بالإله الحق الذي لا يتخيله الفرعون، ويلتقط موسى الخطأ الجوهري في سلوكه في ذلك الوقت. إن الخطأ لم يكن الكفر بفرعون، ولكن الخطأ كان هو القتل فيقول: {أية : قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} تفسير : [الشعراء: 20]. وهكذا نعرف أن موسى لحظة قَتْلِه رجلا من عدوه لم يكن عنده طريق الهدى، بل كان ضلاله حاصلا من عدم معرفته أن هناك طريقاً آخر إلى الهدى. وهاهوذا الحق سبحانه وتعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} تفسير : [الضحى: 7]. أي لم يكن عندك يا رسول الله طريق واضح إلى الهدى قبل الرسالة، فليس معنى الضلال هنا الانحراف، ولكن معناه أنه قبل نزول الوحي لم يكن يعرف أي طريق يسلك. وقد يكون الضلال نسياناً، وما دام الإنسان قد نسي الحقيقة فهو ضال، والمثال قول الحق: {أية : أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [البقرة: 282]. هنا يقرر الحق أن شهادة المرأة تحتاج إلى ضمان وذلك بتأكيدها بشهادة امرأة أخرى؛ لأن المرأة بحكم تكوينها لا تستطيع أن تضع أنفها في كل تفاصيل ما تراه، بل هي تسمع سمعاً سطحياً، ولذلك لا تكتمل الصورة عندها، وعندما تجتمع مع شهادة المرأة شهادة امرأة أخرى، فكل منهما تذكر الأخرى بتفاصيل قد تكون في منطقة النسيان؛ لأن نفسية المرأة وطبيعة تكوينها مبنية على الصيانة والتحرز من أن توجد في مجتمع فيه شقاق. وعندما يصف الحق هؤلاء المشركين في يوم القيامة فهو يقول: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي غاب عنهم ما كانوا يكذبون ويدعون أنهم شركاء لله، والمشركون هم المؤاخذون والمحاسبون على اتخاذ الشركاء، فقد يكون بعضهم قد اتخذ شريكاً لله لا ذنب له في تلك المسألة، كاتخاذ بعضهم عيسى عليه السلام شريكاً لله. وعيسى عليه السلام منزه عن أن يشرك بالله أو يشرك نفسه في الألوهية. والحق قد قال: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [المائدة: 116]. بل إن الأصنام نفسها التي اتخذها المشركون أرباباً تقول: عبدونا ونحن أعبد الله من القائمين بالأسحار. إذن فالخطأ يكون ممن أشركوا بالله لا من الأحجار العابدة لله المسبحة له لأنها مسخرة وميسرة لما خلقت له. لقد تخيل أحد الشعراء حواراً دار بين غار ثور وغار حراء، يقول غار ثَوْر: شعر : كم حسدنا حراء حين ثوى الرو ح أميناً يغزوك بالأنوار تفسير : وعندما أذن الحق بالهجرة اختبأ النبي بغار ثَوْر، فقالت بقية الأحجار: شعر : فحراءٌ وثورُ صَارا سواءً بهما أشفع لدولة الأحجار عبدونا ونحن أَعْبَدُ لِلّهِ من القائمين بالأسحار تخذوا صمتنا علينا دليلا فغدونا لهم وقود النار قد تَجَنّوْا جهلاً كما قد تجنَّ وْهُ على ابْنِ مريم والحواري للمُغالِي جزاؤُه والمغالي فيه تُنْجيه رحمةً الغفارِ تفسير : إذن، فها هي ذي الحجارة تقول: إنها بريئة من الشرك بالله وهي أعبد لله من القائمين بالأسحار، وصمت الحجارة الظاهر اتخذه البعض دليلاً على أن الحجارة رضيت بأن يعبدوها، لكن الحجارة تصير هي أحجار جهنم المعدة لمن كفر بالله، وكان التجني من العباد على الأحجار مثل التجني على عيسى ابن مريم. والذين غالوا في عبادة الأحجار أو البشر لهم عقاب، أما الأحجار والبشر الذين لا ذنب لهم في ذلك فهم طامعون في مغفرة الله ورحمته. إذن فالضلال هنا يكون ضلال الذين اتخذوا شريكاً لله. ولكن الشريك المُتَّخَذ لا يقال له: ضل إلا على معنى أنه غاب عنهم في يوم كان أملهم أن يكون معهم ليحميهم من عذاب الله. ويقول الحق بعد ذلك: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ...}