٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بما يوجب اليأس عن إيمان بعضهم فقال {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعقبة وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأُمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر وأبو جهل واستمعوا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا للنضر ما يقول محمد فقال: لا أدري ما يقول لكني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولين كالذي كنت أحدثكم به عن أخبار القرون الأولى وقال أبو سفيان إني لا أرى بعض ما يقول حقاً فقال أبو جهل كلا فأنزل الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ } والأكنة جمع كنان وهو ما وقى شيئاً وستره، مثل عنان وأعنة، والفعل منه كننت وأكننت. وأما قوله {أَن يَفْقَهُوهُ } فقال الزجاج: موضع {أن} نصب على أنه مفعول له والمعنى وجعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت (اللام) نصبت الكراهة، ولما حذفت الكراهة انتقل نصبها إلى (أن) وقوله {وفي آذانهم وَقْراً} قال ابن السكيت: الوقر الثقل في الأذن. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يصرف عن الإيمان، ويمنع منه ويحول بين الرجل وبينه، وذلك لأن هذه الآية تدل على أنه جعل القلب في الكنان الذي يمنعه عن الإيمان، وذلك هو المطلوب. قالت المعتزلة: لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى إنما أنزل القرآن ليكون حجة للرسول على الكفار لا ليكون حجة للكفار على الرسول، ولو كان المراد من هذه الآية أنه تعالى منع الكفار عن الإيمان لكان لهم أن يقولوا للرسول لما حكم الله تعالى بأنه منعنا من الإيمان فلم يذمنا على ترك الإيمان، ولم يدعونا إلى فعل الإيمان؟ الثاني: أنه تعالى لو منعهم من الإيمان ثم دعاهم إليه لكان ذلك تكليفاً للعاجز وهو منفي بصريح العقل وبقوله تعالى: {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة: 286] الثالث: أنه تعالى حكى صريح هذا الكلام عن الكفار في معرض الذم فقال تعالى: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ } تفسير : [فصلت: 5] وقال في آية أخرى {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } تفسير : [البقرة: 88] وإذا كان قد حكى الله تعالى هذا المذهب عنهم في معرض الذم لهم امتنع أن يذكره هٰهنا في معرض التقريع والتوبيخ، وإلا لزم التناقض. والرابع: أنه لا نزاع أن القوم كانوا يفهمون ويسمعون ويعقلون. والخامس أن هذه الآية وردت في معرض الذم لهم على ترك الإيمان ولو كان هذا الصد والمنع من قبل الله تعالى لما كانوا مذمومين بل كانوا معذورين. والسادس: أن قوله {حَتَّىٰإذا جاءُوك يُجَـٰدِلُونَكَ } يدل على أنهم كانوا يفقهون ويميزون الحق من الباطل، وعند هذا قالوا لا بد من التأويل وهو من وجوه: الأول: قال الجبائي إن القوم كانوا يستمعون لقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم ليتوسلوا بسماع قراءته إلى معرفة مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه فعند ذلك كان الله سبحانه وتعالى يلقي على قلوبهم النوم، وهو المراد من الأكنة، ويثقل أسماعهم عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النوم، وهو المراد من قوله {وفي آذانهم وَقْراً } والثاني: أن الإنسان الذي علم الله منه أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر فإنه تعالى يسم قلبه بعلامة مخصوصة يستدل الملائكة برؤيتها على أنه لا يؤمن، فصارت تلك العلامة دلالة على أنهم لا يؤمنون. وإذا ثبت هذا فنقول: لا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان والغطاء المانع، مع أن تلك العلامة في نفسها ليست مانعة عن الإيمان. والتأويل الثالث: أنهم لما أصروا على الكفر وعاندوا وصمموا عليه، فصار عدولهم عن الإيمان والحالة هذه كالكنان المانع عن الإيمان، فذكر الله تعالى الكنان كناية عن هذا المعنى. والتأويل الرابع: أنه تعالى لما منعهم الالطاف التي إنما تصلح أن تفعل بمن قد اهتدى فأخلاهم منها، وفوض أمرهم إلى أنفسهم لسوء صنيعهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه فيقول {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً }. والتأويل الخامس: أن يكون هذا الكلام ورد حكاية لما كانوا يذكرونه من قولهم {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ } تفسير : [فصلت: 5]. والجواب عن الوجوه التي تمسكوا بها في بيان أنه لا يمكن حمل الكنان والوقر على أن الله تعالى منعهم عن الإيمان، وهو أن نقول: بل البرهان العقلي الساطع قائم على صحة هذا المعنى، وذلك لأن العبد الذي أتى بالكفر إن لم يقدر على الإتيان بالإيمان، فقد صح قولنا إنه تعالى هو الذي حمله على الكفر وصده عن الإيمان. وأما إن قلنا: إن القادر على الكفر كان قادراً على الإيمان فنقول: يمتنع صيرورة تلك القدرة مصدراً للكفر دون الإيمان، إلا عند انضمام تلك الداعية، وقد عرفت في هذا الكتاب أن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل، فيكون الكفر على هذا التقدير من الله تعالى، وتكون تلك الداعية الجارة إلى الكفر كناناً للقلب عن الإيمان، ووقراً للسمع عن استماع دلائل الإيمان، فثبت بما ذكرنا أن البرهان العقلي مطابق لما دل عليه ظاهر هذه الآية. وإذا ثبت بالدليل العقلي صحة ما دل عليه ظاهر هذه الآية، وجب حمل هذه الآية عليه عملاً بالبرهان وبظاهر القرآن، والله أعلم. المسألة الثالثة: أنه تعالى قال: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } فذكره بصيغة الإفراد ثم قال: {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } فذكره بصيغة الجمع. وإنما حسن ذلك لأن صيغة (من) واحد في اللفظ جمع في المعنى. وأما قوله تعالى: {وإن يرواْ كل ءاية لاّ يُؤمنواْ بها} قال بان عباس: وإن يروا كل دليل وحجة لا يؤمنوا بها لأجل أن الله تعالى جعل على قلوبهم أكنة، وهذه الآية تدل على فساد التأويل الأول الذي نقلناه عن الجبائي، ولأنه لو كان المراد من قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } إلقاء النوم على قلوب الكفار لئلا يمكنهم التوسل بسماع صوته على وجدان مكانه لما كان قوله {وإن يرواْ كل ءاية لاّ يُؤمنواْ بها} لائقاً بهذا الكلام، وأيضاً لو كان المراد ما ذكره الجبائي لكان يجب أن يقال: وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يسمعوه، لأن المقصود الذي ذكره الجبائي إنما يحصل بالمنع من سماع صوت الرسول عليه السلام أما المنع من نفس كلامه ومن فهم مقصوده، فلا تعلق له بما ذكره الجبائي فظهر سقوط قوله. والله أعلم. أما قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جاءُوك يُجَـٰدِلُونَكَ } فاعلم أن هذا الكلام جملة أخرى مرتبة على ما قبلها و{حَتَّىٰ } في هذا الموضع هي التي يقع بعدها الجمل، والجملة هي قوله {إِذَا جاءُوك يُجَـٰدِلُونَكَ } يقول الذين كفروا، ويجادلونك في موضع الحال وقوله {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير لقوله {يُجَـٰدِلُونَكَ } والمعنى أنه بلغ بتكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك، وفسّر مجادلتهم بأنهم يقولون {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلاْوَّلِينَ } قال الواحدي: وأصل الأساطير من السطر، وهو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً ومنه سطر الكتاب وسطر من شجر مغروس. قال ابن السكيت: يقال سطر وسطر، فمن قال سطر فجمعه في القليل أسطر والكثير سطور، ومن قال سطر فجمعه أسطار، والأساطير جمع الجمع، وقال الجبائي: واحد الأساطير أسطور وأسطورة وأسطير وأسطيرة، وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة مثل أحاديث وأحدوثة. وقال أبو زيد: الأساطير من الجمع الذي لا واحد له مثل عباديد ثم قال الجمهور: أساطير الأولين ما سطره الأولون. قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها. فأما قول من فسر الأساطير بالترهات، فهو معنى وليس مفسراً. ولما كانت أساطير الأولين مثل حديث رستم واسفنديار كلاماً لا فائدة فيه لا جرم فسرت أساطير الأولين بالترهات. المسألة الرابعة: اعلم أنه كان مقصود القوم من ذكر قولهم {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلاْوَّلِينَ } القدح في كون القرآن معجزاً فكأنهم قالوا: إن هذا الكلام من جنس سائر الحكايات المكتوبة، والقصص المذكورة للأولين، وإذا كان هذا من جنس تلك الكتب المشتملة على حكايات الأولين وأقاصيص الأقدمين لم يكن معجزاً خارقاً للعادة. وأجاب القاضي عنه بأن قال: هذا السؤال مدفوع لأنه يلزم أن يقال لو كان في مقدوركم معارضته لوجب أن تأتوا بتلك المعارضة وحيث لم يقدروا عليها ظهر أنها معجزة. ولقائل أن يقول: كان للقوم أن يقولوا نحن وإن كنا أرباب هذا اللسان العربي إلا أنا لا نعرف كيفية تصنيف الكتب وتأليفها ولسنا أهلاً لذلك. ولا يلزم من عجزنا عن التصنيف كون القرآن معجزاً لأنا بينا أنه من جنس سائر الكتب المشتملة على أخبار الأولين وأقاصيص الأقدمين. واعلم أن الجواب عن هذا السؤال سيأتي في الآية المذكورة بعد ذلك.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ}. أفرد على اللفظ يعني المشركين كفار مكة. {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أي فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم. وليس المعنى أنهم لا يسمعون ولا يفقهون، ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، ولا ينقادون إلى الحق كانوا بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم. والأَكِنَّة الأَغْطِية جمع كِنَان مثل الأَسِنَّة والسِّنان، والأَعِنَّة والعِنانِ. كَنَنْت الشيء في كِنه إذا صنتَه فيه. وأكننت الشيء أخفيته. والكنانة معروفة. والكَنّة بفتح الكاف والنون ٱمرأة أبيك؛ ويقال: ٱمرأة الابن أو الأخ؛ لأنها في كِنِّه. {أَن يَفْقَهُوهُ} أي يفهموه وهو في موضع نصب؛ المعنى كراهية أن يفهموه، أو لئلا يفهموه. {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} عطف عليه أي ثِقلاً؛ يقال منه: وَقِرت أُذنُه (بفتح الواو) تَوْقَر وَقْراً أي صَمَّت، وقياس مصدره التحريك إلا أنه جاء بالتسكين. وقد وَقَر الله أذنَه يَقِرها وَقْراً؛ يقال: اللهم قِرْ أذنَه. وحكى أبو زيد عن العرب: أذنٌ موقورة على ما لم يُسمّ فاعله؛ فعلى هذا وُقِرَت (بضم الواو). وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «وِقْراً» بكسر الواو؛ أي جعل في آذانهم ما سدّها عن ٱستماع القول على التشبيه بوِقْر البعير، وهو مقدار ما يطيق أن يحمل، والوِقْر الحِمل؛ يقال منه: نخلة مُوقِر ومُوقِرة إذا كانت ذات ثمر كثير. ورجل ذُو قِرة إذا كان وَقوراً بفتح الواو؛ ويقال منه: وَقُر الرجل (بضم القاف) وقاراً، ووَقَر (بفتح القاف) أيضاً. قوله تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} أخبر الله تعالى بعنادهم لأنهم لما رأُوا القمر منشقاً قالوا: سحر؛ فأخبر الله عز وجل بردّهم الآيات بغير حجة. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ} مجادلتهم قولهم: تأكلون ما قَتلتم، ولا تأكلون ما قَتل الله؛ عن ٱبن عباس. {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} يعني قريشاً؛ قال ٱبن عباس: قالوا للنَّضْر بن الحرث: ما يقول محمد؟ قال: أرى تحريك شفتيه وما يقول إلا أساطير الأوّلين، مثل ما أحدِّثكم عن القرون الماضية؛ وكان النّضر صاحب قصص وأسفار، فسمع أقاصيص في ديار العجم مثل قصة رُسْتُم واسفنديار فكان يحدّثهم. وواحد الأساطير أَسْطَار كأَبيات وأباييت؛ عن الزجاج. قال الأخفش: واحدها أُسْطُورة كأُحدوثة وأحاديث. أبو عُبيدة: واحدها إسْطَارة. النحاس: واحدها أُسْطُور مثل عُثْكُول. ويقال: هو جمع أَسْطَار، وأَسْطار جمع سَطْر؛ يقال: سَطْر وسَطَرٌ. والسَّطر الشيء الممتد المؤلف كسطر الكتاب. القُشيري: واحدها أسْطِير. وقيل: هو جمع لا واحد له كمذاكِير وعَباديد وأبابيل أي ما سطره الأوّلون في الكتب. قال الجوهريّ وغيره: الأساطير الأباطيل والتُّرهات. قلت: أنشدني بعض أشياخي: شعر : تَطاولَ ليلِي وٱعترتني وَسَاوِسي لآتٍ أَتَى بالتُّرُّهات الأَباطيل
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } إذا قرأت {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أغطية لـ {أن} لا {يَفْقَهُوهُ } يفهموا القرآن { وفِى ءَاذَانِهِم وَقْراً } صمماً فلا يسمعونه سماع قبول {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لا يُؤمِنُواْ حَتَّى إذَا جَاءوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ } ما {هَٰذَا } القرآن {إِلاَّ أَسَٰطِيرُ } أكاذيب {ٱلأَوَّلِينَ } كالأضاحيك والأعاجيب جمع (أسطورة) بالضم.
ابن عطية
تفسير : الضمير في قوله {ومنهم} عائد على الكفار الذين تضمنهم قبل قوله {أية : يوم نحشرهم جميعاً} تفسير : [الأنعام:22] وأفرد {يستمع} وهو فعل جماعة حملاً على لفظ {من} و {أكنة} جمع كنان وهو الغطاء الجامع، ومنه كنانة السهام والكنّ، ومنه قوله تعالى: {أية : بيض مكنون} تفسير : [الصافات:49] ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : إذا ما انتَضَوْها في الوغى مِنْ أَكِنَّةٍ حَسِبْتَ بُروقَ الغَيْثِ هَاجَتْ غُيُومُها تفسير : وفعال وأفعلة مهيع في كلامهم و {أن يفقهوه} نصب على المفعول من أجله أي كراهية أن يفهموه، وقيل المعنى أن لا يفقهوه، ويلزم هذا القول إضمار حرف النفي، و {يفقهوه} معناه يفقهوه، ويقال فقِه الرجل بكسر القاف إذا فهم الشيء وفقُه بضمها: إذا صار فقيهاً له ملكة، وفقه إذا غلب في الفقه غيره، والوقر: الثقل في السمع، يقال وقرت أذنه ووقِرت بكسر القاف وفتحها، ومنه قول الشاعر: [الرمل] شعر : وكلام سيّء وَقَرَتْ أُذُنِي وما بي مِنْ صَمَمْ تفسير : وقد سمع أذن موقورة فالفعل على هذا وقرت، وقرأ طلحة بن مصرف: "وِقراً" بكسر الواو كأنه ذهب إلى أن آذانهم وقرت بالصمم كما توقر الدابة من الحمل وهي قراءة شاذة، وهذا عبارة عما جعل الله في نفوس هؤلاء القوم من الغلط والبعد عن قبول الخير لا أنهم لم يكونوا سامعين لأقواله، وقوله تعالى: {وإن يروا كل آية} الآية، الرؤية هنا الرؤية العين يريد كانشقاق القمر وشبهه. قال القاضي أبو محمد: ومقصد هذه الآية أنهم في أعجز درجة وحاولوا رد الحق بالدعوى المجردة والواو في قوله {وجعلنا} واو الحال والباب أن يصرح معها بقد، وقد تجيء أحياناً مقدرة، وإيضاح ذلك أنه تعالى قال ومن هؤلاء الكفرة من يستمعك وهو من الغباوة في حد قلبه في كنان وأذنه صماء وهو يرى الآيات فلا يؤمن بها لكنه مع بلوغه الغاية من هذه القصور إذا جاء للمجادلة قابل بدعوى مجردة، والمجادلة المقابلة في الاحتجاج مأخوذ من الجدل، و {هذا} في قولهم إشارة إلى القرآن، والأساطير جمع أسطار كأقوال وأقاويل ونحوه، وأسطار جمع سطر وسطر، وقيل الأساطير جمع أسطارة وهي النزهات، وقيل جمع أسطورة كأعجوبة وأضحوكة، وقيل هم اسم جمع لا واحد من لفظه كعبابيد وشماميط والمعنى أخبار الأولين وقصصهم وأحاديثهم التي تسطر وتحكى ولا تحقق كالتواريخ وإنما شبهها الكفار بأحاديث النضر بن الحارث وأبي عبد الله بن أبي أمية عن رستم والسندباد، ومجادلة الكفار كانت مرادّتهم نور الله بأفواههم المبطلة، وقد ذكر الطبري عن ابن عباس أنه مثل من ذلك قولهم: إنكم أيها المتبعون محمداً تأكلون ما قتلتم بذبحكم ولا تأكلون ما قتل الله، ونحو هذا من التخليط الذي لا تتركب منه حجة. قال القاضي أبو محمد: وهذا جدال في حكم، والذي في الآية إنما هو جدال في مدافعة القرآن، فلا تتفسر الآية عندي بأمر الذبح.
ابن عبد السلام
تفسير : [{وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ}] يستمعون قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته ليلاً، ليعرفوا مكانه فيؤذوه، فصُرفوا عنه بالنوم وإلقاء الوقر، والأكنة: الأغطية، واحدها كنان، كننت الشيء غطيته، وأكننته في نفسي أخفيته، والوقر: الثقل. {كُلَّ ءَايَةٍ} كل علامة معجزة لا يؤمنوا بها لحسدهم وبغضهم. {يُجَادِلُونَكَ} بقولهم أساطير الأولين التي سطروها في كتبهم، أو قالوا: كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم، قاله ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك} الآية. قال الكلبي: اجتمع أبو سفيان صخر بن حرب وأبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحارث بن عامر يستمعون القرآن فقالوا للنضر يا أبا قتيبة ما يقول محمد؟ قال: ما أدري ما يقول إلا أني أراه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية. وكان النضر كثير الحديث عن القرون الماضية وأخبارها فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول حقاً. فقال أبو جهل: كلا لا تقر بشيء من هذا وفي رواية للموت أهون علينا من هذا فأنزل الله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك} يعني إلى كلامك وقراءتك يا محمد {وجعلنا على قلوبهم أكنة} يعني أغطية جمع كنان {أن يفقهوه} يعني لئلا يفقهوه أو كراهية أن يفقهوه {وفي آذانهم وقراً} يعني وجعلنا في آذانهم صمماً وثقلاً وفي هذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب فيشرح بعضها للهدى والإيمان فتقبله ويجعل بعضها في أكنة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن به: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} يعني: كل معجزة من المعجزات الدالة على صدقك لا يؤمنوا بها يعني لا يصدقوا بها ولا يقروا أنها دالة على صدقك {حتى إذا جاؤوك يجادلونك} يعني أنهم إذا رأوا الآيات واستمعوا القرآن إنما جاؤوا ليجادلوك ويخاصموك لا ليؤمنوا بها {يقول الذين كفروا إن هذا} أي ما هذا القرآن {إلا أساطير الأولين} يعني أحاديث الأولين من الأمم الماضية وأخبارهم وأقاصيصهم. وما سطروا: يعني وما كتبوا والأساطير جمع أسطورة وأسطارة. وقيل: واحدها سطر وأسطار جمع وأساطير جمع الجمع فعلى هذا لو قال قائل: لمَ عابوا القرآن وجعلوه أساطير الأولين وقد سطر الأولون في كتبهم الحكم والعلوم النافعة وما لا يعاب قائله؟ أجيب عنه: بأنهم إنما نسبوا القرآن إلى أساطير الأولين بمعنى أنه ليس بوحي من الله تعالى وإنما هو أخبار مجردة كما تروى أخبار الأولين. وقيل في معنى أساطير الأولين: إنها الترهات وهي عند العرب طرق غامضة ومسالك وعرة مشكلة. يقول قائلهم: أخذنا في الترهات، بمعنى عدلنا عن الطريق الواضح إلى الطريق المشكل الذي لا يعرض فجعلت الترهات مثلاً لما لا يعرف ولا يتضح من الأمور المشكلة الغامضة التي لا أصل لها. قوله عز وجل: {وهم ينهون عنه} يعني ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم {وينأون عنه} يعني ويتباعدون عنه بأنفسهم نزلت في كفار مكة كانوا يمنعون الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن الاجتماع به وينهون عن استماع القرآن وكانوا هم كذلك. وقال ابن عباس: نزلت في أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى المشركين عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويمنعه منهم وينأى هو بنفسه عن الإيمان به بمعنى يبعد حتى روي أنه اجتمع إليه رؤوس المشركين وقالوا له خذ شاباً من أصبحنا وجهاً وادفع إلينا محمد. فقال: ما أنصفتموني أدفع إليكم ابني محمداً لتقتلوه، وأربي لكم ابنكم وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا طالب إلى الإيمان فقال لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك ولكن أذب عنك ما حييت وقال في ذلك أبياتاً: شعر : والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر بذاك وقر منه عيونا ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت ديناً قد علمت بأنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا تفسير : وقوله تعالى: {وإن يهلكون إلا أنفسهم} يعني لا يرجع وبال كفرهم وفعلهم إلا عليهم {وما يشعرون} يعني بذلك.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ولا نكذب ونكون} بالنصب فيهما: حمزة وحفص ويعقوب وافق ابن عامر في {ونكون} الباقون: بالرفع {ولدار الآخرة} بالإضافة: ابن عامر بتأويل الساعة الآخرة، الباقون: بتعريف الدار ورفع الآخرة على الوصفية. {تعقلون} بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص وكذلك في الأعراف {يكذبونك} بالتخفيف من أكذبه إذا وجده كاذباً: علي ونافع والأعشى في اختياره. الباقون: بالتشديد من كذبه إذا نسبه إلى الكذب. {أن ينزل} بالتخفيف: ابن كثير. الوقوف: {وقرأ} ط {بها} ط {الأولين} ه {وينأون عنه} ج لابتداء النفي مع واو العطف {وما يشعرون} ه {من المؤمنين} ه {من قبل} ط {لكاذبون} ه {بمبعوثين} ه {ربهم} ط {بالحق} ط {وربنا} ط {تكفرون} ه {بلقاء الله} ط لأن "حتى" للابتداء فيها لا لأن الواو للحال {على ظهورهم} ط {يزرون} ه {ولهو} ط {يتقون} ه {تعقلون} ه {يجحدون} ه {نصرنا} ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقصود لكلمات الله كذلك. {المرسلين} ه {بآية} ط {من الجاهلين} ه {يسمعون} ه {يرجعون} ه {من ربه} ط {لا يعلمون} ه. التفسير: لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بعض أسباب ذلك فقال {ومنهم من يستمع إليك} قال ابن عباس: حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف واستمعوا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا للنضر: ما تقول في محمد؟ فقال: ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحريك. شفتيه يتكلم بشيء وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية. وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، وكان يحدث قريشاً فيستملحون حديثه فنزلت الآية. والأكنة جمع كنان وهو كل ما وقى شيئاً وستره من الأغطية والقفل، ومنه أكننت وكننت. وأن يفقهوه مفعول لأجله أي كراهة فقههم. والوقر الثقل في الآذان. والتركيب يدور على الثقل ومنه الوِقر بالكسر الحمل، والوقار الحلم. وفي الآية دلالة على أن الله تعالى هو الذي يصرف عن الإيمان ويحول بين المرء وبين قلبه. وقالت المعتزلة: لا يمكن أجراؤها على ظاهرها وإلا كأن فيها حجة الكفار، ولأنه يكون تكليفاً للعاجز. ولم يتوجه ذمهم في قولهم {أية : وقالوا قلوبنا غلف} تفسير : [البقرة: 88] فلا بد من التأويل وذلك من وجوه الأول: قال الجبائي: إن القوم كانوا يسمعون لقراءة الرسول ليتوسلوا بسماع قراءته إلى مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه، فكان الله تعالى يلقي على قلوبهم النوم والغفلة، وعلى آذانهم الثقل. وزيف بأن المراد لوكان ذلك لقيل " أن يسمعوه" بدل "أن يفقوه". وبأن قوله {وأن يروا كل آية} أي كل دليل وحجة {لا يؤمنوا بها} لا يناسبه. الثاني: أن المكلف الذي علم الله تعالى أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر يسم قلبه بعلامة مخصوصة لتستدل الملائكة برؤيتها فلا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان مع انها في نفسها ليست بمانعة عن الإيمان. الثالث: يقال: إنه جبل على كذا إذا كان مصّراً عليه وذلك على جهة التمثيل. الرابع: لما منعهم الألطاف التي تصلح أن تفعل بالمهتدين وفوّض أمورهم إلى أنفسهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه. الخامس: أن هذا حكاية قولهم {أية : وفي ءَاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} تفسير : [فصلت: 5] وعورضت هذه الأدلة بالعلم والداعي، وذلك أن الله تعالى علم من الكافر أنه لا يؤمن وخلاف علمه محال، وأنه سبحانه هو الذي خلق فيهم داعية الكفر ومع وجود تلك الداعية يستحيل الإيمان فهو المعنى بالكنان. وتحقيق المسألة تقدم في أول سورة البقرة في قوله {أية : ختم الله على قلوبهم} تفسير : [البقرة: 7] والإفراد في {يستمع} والجمع في {قلوبهم} اعتبار اللفظ من تارة ولمعناه أخرى {حتى إذا جاؤك} هي حتى المبتدأة التي يقع بعدها الجمل كقوله: حتى ماء دجلة أشكل. والجملة ههنا مجموع الشرط والجزاء أعني قوله {إذا جاؤك} يقول: {ويجادلونك} في موضع الحال. ويجوز أن تكون حتى جارّة أي حتى وقت مجيئهم {ويجادلونك} حال بحاله {ويقول} تفسير له. والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى حالة المجادلة. ثم فسر الجدل بأنهم يقولون {إن هذا إلا أساطير الأولين} وأصل السطر هو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً في صف ومنه سطر الكتاب وسطر من نخيل وجمعه أسطار وجمع الجمع أساطير. وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة كأحاديث وأحدوثة. وقال أبو زيد: لا واحد له كعباديد. قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها. ومن فسر الأساطير بالخرافات والترهات نظر. إلى أن الإغلب هو أن لا يكون فيها فائدة معتبرة كحديث رستم وغيره فذلك معنى وليس بتفسير. ثم إن غرض القوم من هذا القول هو القدح في كون القرآن معجزاً كما الكتب المشتملة على الأخبار والقصص ليست بمعجزة، والجواب أن هذا مقرون بالتحدي وقد عجزوا عن آخرهم دون تلك فظهر الفرق. ثم أكد طعنهم في القرآن بقوله {وهم ينهون عنه} قال محمد بن الحنفية وابن عباس في رواية والسدي والضحاك: عن القرآن وتدبره والاستماع له {وينأون عنه} والنأي البعد. نأيته ونأيت عنه وناء الرجل إذا بعد لغة في "نأى" وحملوه على القلب لأن المصدر لم يجيء إلا على النأي. وقيل: الضمير للرسول والمراد النهي عن اتباعه والتصديق بنبوّته، جمعوا بين قبيحين: النأي والنهي فضلوا وأضلوا. وعن عطاء ومقاتل عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتباعد عما جاء به. روي أن قريشاً اجتمعوا إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو طالب: شعر : والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر وقر بذلك منك عيونا وعرضت ديناً لا محالة أنه من خير أديان البرية دينا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حذاري سبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً تفسير : وضعفت هذه الرواية بقوله {إن يهلكون إلا أنفسهم} يعني بما تقدم ذكره، ولكن النهي عن أذيته حسن لا يوجب الهلاك. ويمكن أن يجاب بأن الذم توجه على الهيئة الاجتماعية الحاصلة من النهي مع النأي كقوله {أية : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} تفسير : [البقرة: 44] ولو سلم فلم لا يجوز أن يرجع الذم إلى القسم الأخير فقط. ثم بيَّن أنه كيف يعود الضرر إليهم فقال {ولو ترى إذ وقفوا على النار} وجواب "لو" محذوف أي لرأيت سوء منقلبهم ونحو ذلك. وجاز حذفه للعلم به ولما في الحذف من تفخيم الشأن وهو ذهاب الوهم كل مذهب كما لو قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب. ذهب فكره إلى أنواع المكاره من الضرب والقتل وغيرهما بخلاف ما لو قلت: لأضربنك. ولمثل هذا من إرادة المبالغة قال {وقفوا} بلفظ الماضي مع "إذا" الدال على المضي كأن هذا الأمر وقع وتحقق فكان من حقه أن يخبر عنه بلفظ الماضي أي وقفوا على أن يدخلوا النار وهم يعاينونها، أو وقفوا عليها وهي تحتهم، أو هو من قولهم: وقفت على المسألة الفلانية وقوفاً أي عرفوا حقيقتها تعريفاً أو المراد أنهم في جوف النار غائصين فيها فتكون "على" بمعنى "في" وجاز لأن النار دركات بعضها فوق بعض فلا يخلو من معنى الاستعلاء {يا ليتنا نردّ} هو داخل في حكم التمني. أما قوله {ولا نكذب ونكون} فمن قرأ بالنصب فيهما فبإضمار "أن" على جواب التمني والمعنى إن رددنا إلى دار التكليف لم نكذب ونكن من المؤمنين. ومن قرأ بالرفع فيهما فوجهان: أحدهما أن التمني يتم عند قوله {نرد} ثم ابتدؤا {ولا نكذب ونكون} أي ونحن لا نكذب ونكون كأنهم ضمنوا أن لا يكذبوا ويكونوا من المؤمنين سواء حصل الرد أو لم يحصل. وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود بمعنى دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني. وثانيهما أن يكونا معطوفين على {نرد} أو حالين على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيدخل المجموع تحت حكم التمني. وأورد على هذا الوجه أن المتمني لا يكون كاذباً وقد قال تعالى {وإنهم لكاذبون} وأجيب بأن هذا التمني قد تضمن معنى الوعد فجاز أن يتعلق به التكذيب كقول القائل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك فهذا متمن في حكم الواعد فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه كذب لأنه كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك. وأما قراءة ابن عامر فمعناه إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين ثم رد الله تعالى عليهم بأنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا وترك التكذيب وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأجل خوفهم من العذاب الذي شاهدوه وعاينوه فقال {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} وما الذي كانوا يخفونه في الدنيا. قال أكثر المفسرين: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام: 23] فينطق الله تعالى جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك معنى {بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} وقال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك أن كفرهم ما كان ظاهراً لهم وإنما ظهر لهم يوم القيامة. وقال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء منهم من أمر البعث والنشور بدليل قوله بعد ذلك {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} وهذا قول الحسن. وقيل: إنها في المنافقين كانوا يسرون الكفر فيظهر نفاقهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. وقيل: هو في أهل الكتاب يظهر لهم ما كانوا يكتمونه من صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار اللهم كفر عنا سيآتنا في ذلك اليوم. ثم قال {ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه} قيل كيف يتصوّر هذا وإنهم قد عرفوا الله تعالى حينئذ بالضرورة وشاهدوا الأحوال والأهوال؟ وأجاب القاضي بأن المراد ولو ردّوا إلى حالة التكليف. وعلى هذا التقدير لا تبقى المعرفة ضرورية فلا يمتنع صدور الكفر عنهم. وضعف بأن المقصود من إيراد هذا الكلام المبالغة في غيهم وتماديهم وإصرارهم على الكفر. وإذا فرض عودهم إلى حالة التكليف زال التعجب كما هو الأن فإذن لا تنحل العقدة إلا بأن يقال: المراد توكيد جريان القضاء السابق فيهم بحيث لو شاهدوا العذاب والعقاب ثم سألوا الرجعة فردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ولم ينجع ذلك فيهم {وإنهم لكاذبون} فيما وعدوا في ضمن التمني أو في كل شيء ولهذا قالوا {إن هي إلا حياتنا الدنيا} "إن" نافية والضمير عائد إلى حقيقة الحياة "المعلومة في الأذهان ولهذا أضيف الى جمع المتكلم أي ما لنا حياة إلا هذه الحياة" التي هي أقرب إلينا {وما نحن بمبعوثين} بعدها. وقيل: إن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا البعث ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا. ثم لما قرر إنكارهم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} تمسك بعض المشبهة بهذا على أنه تعالى يحضر تارة ويغيب أخرى، ورد بأن استعلاء شيء على ذات الله تعالى محال بالاتفاق فوجب تأويل الأية بأنه مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه للعتاب، أو لمضاف محذوف أي على جزاء ربهم أو وعده أو إخباره بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين، أوهو من قولك: وقفته على كذا أي أطلعته عليه. ثم كان لسائل أن يقول: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟ فأجيب {قال أليس هذا} الذي عاينتموه من حديث البعث والجزاء {بالحق} الذي حدثتموه؟ {قالوا بلى وربنا} وفيه دليل على أن حالهم في الإنكار سيؤل إلى الإقرار، ثم كأنه سئل ماذا قيل لهم بعد الإقرار؟ فأجيب {قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} أي بسبب كفركم وذلك ليعلم أن الإقرار في غير دار التكليف لا ينفع، وذلك أن جوهر النفس اللطيفة القدسية بعث إلى هذا العالم الجسماني الكثيف وأعطى الآلات الجسمانية لتحصيل المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت. فإذا استعملها الإنسان بناء على اعتقاد عدم المعاد في تحصيل اللذات الفانية والسعادات المنقطعة إلى أن ينقضي أجله فقد ضاع رأس المال ولا ربح وذلك قوله {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} أي ببلوغ الآخرة وثوابها وعقابها. عبر عن ذلك بلقاء الله لأنه لا حكم لأحد هناك إلا لله بخلاف الدنيا فإنه قد يظن أن للإنسان تصرفاً واختياراً وملكاً وملكاً. وحمل اللقاء على الرؤية أيضاً غير بعيد عند أهل السنة. و"حتى" غاية لـ {كذبوا} لا لـ {خسر} لأن خسرانهم لا غاية له أي لم يزل بهم التكذيب إلى تحسرهم وقت مجيء الساعة بل وقت موتهم، فإن أمارات السعادة والشقاوة تلوح على صفحات أحوال المكلف من وقتئذ وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من مات فقد قامت قيامته" تفسير : وسمى يوم القيامة الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هو إلا ساعة الحساب، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها إلا الله تعالى ولهذا قال {بغتة} أي فجأة. وانتصابها على الحال أي باغتة من بغته إذا فاجأه، أو على المصدر العام أي بغتتهم الساعة بغتة أو الخاص لأن البغت نوع من المجيء {قالوا} عامل "إذ" {يا حسرتنا} مثل {أية : يا ويلتي} تفسير : [الفرقان: 28] وقد مر مثله في سورة المائدة أي احضري فهذا وقتك {على ما فرّطنا} أصله يدل على الترك والهمزة في الإفراط لإزالة ذلك. وقولهم فرطت القوم أي سبقتهم إلى الماء، معناه تركتهم من ورائي حتى حصل لي التقدم. أما الضمير في {فيها} فقال ابن عباس: أي في الدنيا وإن لم يجر لها ذكر في الآية بدلالة العقل لأن موضع التقصير هو الدنيا. وقال الحسن: أي في وقت الساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها وإعداد الزاد وتحصيل الأهبة لها. وقال محمد بن جرير الطبري: يعود إلى الصفقة والمبايعة بدلالة ذكر الخسران. وقيل: إلى ما فيما فرطنا أي يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي تركناها وقصرنا فيها. ثم بين تضاعف خسرانهم بأنهم لم يحصلوا لأنفسهم مواجب الثواب ولكن حصلوا مواجب العقاب فقال {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} هي الآثام والخطايا. وأصل الوزر الثقل ومنه الوزير لأنه يحمل ثقل صاحبه. والوزر الملجأ لأنه يدفع عنه ما أصابه فكأنه حمله. أما كيفية حملهم الأوزار فقال في الكشاف: إنه مجاز عن حصولها لهم كقوله {أية : فبما كسبت أيديكم} تفسير : [الشورى: 30] لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور كما ألف الكسب بالأيدي. وقال الزجاج: الثقل قد يذكر في الحال والصفة. ثقل عليّ خطاب فلان أي كرهته، فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم. وقيل: هو كقولك: شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي. وقال جمع من المفسرين: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحاً فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله {أية : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} تفسير : [مريم: 85] قالوا ركباناً وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم قاله قتادة والسدي. {ألا ساء ما يزرون} بئس شيئاً يزرون وزرهم. ثم رغب في الحياة الباقية وزهد في الحياة العاجلة فقال {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق لأن حياة المؤمن تحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعباً ولهواً. وقال آخرون: هو عام في حياة المؤمن والكافر وذلك أن مدة اللهو واللعب وكل شيء يلهيك ويشغلك مما لا أصل له قليلة سريعة الانقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك. وأيضاً اللعب واللهو لا بد أن يتناهيا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك، ولهذا رفضها العلماء المحققون والحكماء المتألهون. {وللدار الآخرة} قال ابن عباس: هي الجنة وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي. وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير. وقال الآخرون: نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا من حيث إنها دائمة باقية مصونة عن شوائب الآفات والمخافات، آمنة من نقص الانقضاء والانقراض {للذين يتقون} فيه أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن اتقى الكفر والمعاصي، وأما الكافر والفاسق فالدنيا بالنسبة إليهما خير كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"تفسير : . {أفلا تعقلون} قال الواحدي: من قرأ بتاء الخطاب فالمعنى قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون، ومن قرأ بالياء فمعناه أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟ وذلك أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوات التي يشارك فيها سائر الحيوانات، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل، فالجمل أكثر أكلاً، والديك والعصفور أكثر وقاعاً، والذئب والنمر والحيات أقوى غضباً وقهراً، وكل من وقف عمره على هذه المطالب لم يكن له عند العقلاء وزن ولا عند الحكماء والعلماء قدر، وكل من صرف عمره في تحصيل الكمالات الدائمات والسعادات الباقيات كان له في العيون مهابة وفي القلوب قبول، وذلك دليل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية وعلو مرتبة الكمالات الروحانية. وهب أن النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة أليس المعلوم أفضل من المظنون وأن خيرات الآخرة معلومة قطعاً والوصول إلى خيرات الدنيا في الغد غير معلوم ولا مظنون؟ فكم من سلطان قاهر بكرة صار تحت التراب عشية، وكم من متمول متغلب أصبح أميراً كبيراً ثم أمسى فقيراً حقيراً. وهب أنه وجد بعد هذا اليوم يوماً آخر فلن يمكنه الانتفاع بكل ما جمع من الأسباب، ولو انتفع فقلما يخلص من شوائب المكاره والآفات كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق. قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: سرور يوم بتمامه"تفسير : وهب أن الدست له قد تم، أليس مآل كل ذلك إلى الزوال والانقراض؟ وكفى بذلك نقصاً وكدراً كما قال: شعر : كمال الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا تفسير : ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال {قد نعلم} والمراد كثرة العلم والمبالغة كما مر في قوله {أية : قد نرى تقلب وجهك} تفسير : [البقرة: 144] والهاء في {أنه} ضمير الشأن وكسرت بعد العلم لمكان لام الابتداء في {ليحزنك} وما ذلك المحزن؟ قال الحسن: هو قولهم ساحر شاعر كاهن مجنون: وقيل: تصريحهم بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه. وقيل: نسبتهم إياه إلى الكذب {فإنهم لا يكذبونك} قال أبو علي وثعلب: أكذبه وكذبه بمعنى. وقيل: أكذبت الرجل ألفيته كاذباً، وكذبته إذا قلت له كذبت. وقال الكسائي: أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب. وقال الزجاج: معنى كذبته قلت له كذبت، ومعنى أكذبته أن الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى به على سبيل الافتعال والقصد. فمن قرأ بالتخفيف نظر إلى أن القوم كانوا يعتقدون أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال والترويج بل تخيل صحة ذلك وأنه نبي إلا أن تخيله باطل. ثم إن ظاهر الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً صلى الله عليه وسلم ولكنهم يجحدون بآيات الله، وفي الجمع بين الأمرين وجوه: الأول أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن ونبوته ويؤكده رواية السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل بن هشام التقيا فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري. فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فنزلت. وقال أبو ميسرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا يا محمد إنا والله ما نكذبك إنك عندنا لصادق ولكن نكذب ما جئت به فنزلت. وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل كان يكذب النبي صلى الله عليه وسلم في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقاً فإذن هذه الآية نظير قوله تعالى في قصة موسى {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً} تفسير : [النمل: 14] فانظر. الثاني في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك كذاب لأنهم جربوك الدهر الطويل وما وجدوا منك كذباً وسموك الصادق الأمين فلا يقولون بعد إنك كاذب، ولكن حجدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمداً عرض له نوع خبل ونقصان فلأجل ذلك تخيل أنه رسول لا أنه كذب في نفسه، أو لأنهم زعموا أنه أمين في كل الأمور إلا في هذا الواحد. الثالث أنه لما ظهرت المعجزات على يده ثم إن القوم أصروا على التكذيب فقال له إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني ومثله قوله سبحانه {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} تفسير : [الفتح: 10] فكأنه قيل له: إله عن حزنك لنفسك وليشغلك عن ذلك ما هو أهم وهو استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه. الرابع: قيل في التفسير الكبير: أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقاً ويكذبون جميع الأنبياء والرسل. وقوله {ولكنّ الظالمين} من إقامة المظهر مقام المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم في جحودهم، لأن من وضع التكذيب مقام التصديق فقد ظلم. ثم صبر رسوله على أذية القوم فقال {ولقد كذبت رسل} وأيّ رسل {من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا} فأنت أولى بهذه السيرة لأنك مبعوث إلى كافة الخلائق فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا. {ولا مبدّل لكلمات الله} أي لمواعيده في نحو قوله {أية : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} تفسير : [المجادلة: 21] وقوله {أية : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون} تفسير : [الصافات: 171] {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} قال الأخفش "من" زائدة والأصح أنها للتبعيض لقلة مجيء زيادة "من" في الإثبات، ولأن الواصل إليه بعض قصص الأنبياء لقوله {أية : منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} تفسير : [غافر: 78] فالتقدير: ولقد جاءك بعض أنبائهم. وكان يكبر على النبي صلى الله عليه وسلم كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزلت {وإن كان كبر} أي شق {عليك إعراضهم} عن الإيمان وصحة القرآن {وإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية} فافعل. يعني أنك لا تستطيع ذلك والجواب محذوف وحسن للعلم به. والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ومنه اشتقاق المنافق. والسلم واحد السلاليم التي يرتقي عليها وأصله من السلامة كأنه يسلمك إلى مصعدك. والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها وبكل ما اقترحوه رجاء إيمانهم، ويجوز أن يكون ابتغاء النفق أو السلم هو الآية كأنه قيل: لو استطعت ذلك لفعلت كل ذلك ليكون لك آية يؤمنون عندها، ثم قال {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} قال أهل السنة: فهو دليل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر. وقالت المعتزلة: المراد مشيئة الإلجاء المنافي للتكليف. والإلجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه فيضطرون إلى الإيمان. مثاله: أن يحصل شخص بحضرة السلطان وهناك خدمه وحشمه فيعلم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال فيصير هذا العلم مانعاً له من القتل. وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً. أما قوله {فلا تكونن من الجاهلين} أي من الذين يرومون خلاف مأمور الله. فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على إيمان من لم يشأ الله إيمانه. ثم بيَّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان فقال {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله} مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة. والمراد أنه تعالى هو الذي يقدر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر على ذلك، يعني أن الذين تحرص على حصول إيمانهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون كقوله {أية : إنك لا تسمع الموتى} تفسير : [النمل: 80] أو المعنى أن هؤلاء الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم. أما وجه تشبيه الكفرة بالموتى فلأن حياة الروح بالعلم ومعرفة الصانع كما أن حياة الجسد بالروح. ثم ذكر شبهة أخرى للطاعنين في نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وهو أنه ما جاء بآية قاهرة ومعجزة باهرة فكأنهم طعنوا في كون هذا القرآن معجزاً على سبيل العناد أو قياساً على سائر الكتب السماوية، أو طلبوا معجزات تقرب من حد الإلجاء كشق الجبل وفلق البحر، فإن معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم من تسبيح الحصا وانشقاق القمر وغير ذلك ليست بأقل منها. أو اقترحوا مزيد الآيات بطريقة التعنت واللجاج كقولهم {أية : إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} تفسير : [الأنفال: 32] فأجابهم الله تعالى بقوله {قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن فاعليته ليست إلا بحسب محض المشيئة عند أهل السنة، أو على وفق المصلحة عند المعتزلة، لا على موجب اقتراحات الناس ومطالباتهم. أو أنه لما ظهرت المعجزة الباهرة والدلالة الكافية من القرآن وغيره لم يبق لهم عذر ولا علة، فلو أجابهم إلى مقترحهم فلعلهم يقترحون اقتراحاً ثانياً وثالثاً وهلم جر أو ذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة وهذا خلاف المقصود، أو لا يعلمون أنه لو أعطاهم سؤلهم ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الاستئصال، أو لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل العناد لا لأجل الفائدة - وقد علم الله ذلك - لم يعطهم مطلوبهم ولو كان غرضهم طلب الحق ونيله لأعطاهم مطلوبهم على أكمل الوجوه. التأويل: {ومنهم من يستمع إليك} إنكاراً واختباراً {وجعلنا على قلوبهم} من شؤم إنكارهم حجباً من غير الإنكار {وفي آذانهم وقراً} من فساد الاستعداد الفطري. {وإن يروا كل آية} بعين الظاهر {لا يؤمنوا بها} من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها {وهم ينهون} الطلاب عن الحق. {وإن يهلكون} بتنفير الخلق عن الحق {إلا أنفسهم} لأن التباعد من أهل الحق هو البعد عن الحق وهذا هو الهلاك الحقيقي. {ولو ترى إذ وقفوا على النار} أي أرواح الأشقياء بعد الخلاص عن حبس الطبيعة عرفوا ألم عذاب القطيعة {فقالوا يا ليتنا نرد} إلى عالم الصورة وإلى الاستعداد الفطري {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} أين يظهر عليهم آثار الشقاوة التي كتبت لهم وكانوا يتكلفون سترها في عالم الصورة بلباس البشرية {ولو ردوا} إلى عالم الصورة {لعادوا لما نهوا عنه} من اتباع الهوى فيفسدون استعدادهم مرة أخرى {وإنهم لكاذبون} فيما يدعون لأنهم خلقوا لأجل التكذيب لا لأجل التصديق، ولهذا نسوا ما شاهدوا يوم الميثاق من الألطاف والإعطاف، وقولهم "بلى" في جواب خطاب {أية : ألست بربكم} تفسير : [الأعراف: 172] {إذ وقفوا على ربهم} عرفوا ربوبية ربهم ولو عرفوها في الدنيا لم يذوقوا عذاب البعد في العقبى {حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة} هي الساعة التي يجتذب العبد فيها عن أوصاف البشرية بجذبات المحبة فجأة وهي قيامة أخرى لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض {أية : وأشرقت الأرض بنور ربها} تفسير : [الزمر: 69] فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق فيتأسف عليها ويقول: أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات، فاتك السرب وما ازددت غير الحسرات {وهم يحملون} أثقال التعلقات الزائدة على ظهور وجودهم، فإن الوجود على السالك ثقيل مانع عن السلوك فكيف ما زيد عليه؟ {إلا لعب ولهو} كلعب الصبيان ولهو أهل العصيان {وللدار الآخرة} هي السير من البشرية إلى الروحانية والإقبال على الله والإعراض عما سواه {خير للذين يتقون} غير الله {أفلا تعقلون} أن الإنسان خلق لهذا الشأن لا لغيره كقوله {أية : واصطنعتك لنفسي} تفسير : [طه: 41] {قد نعلم إنه ليحزنك} من ضيق نطاق البشرية أثر في حبيب الله مقالة الجهلة ولا مبدل لكلمات الله لمقدّراته التي قدّرها ودبرها من الأزل إلى الأبد بكلمة "كن" {ولو شاء الله لجمعهم} في عالم الأرواح عند رشاش النور على الهدى {فلا تكونن من الجاهلين} الذين لا يعلمون الحكمة في جعل البعض في مظاهر اللطف والبعض بمظاهر القهر. والنهي في حقه صلى الله عليه وسلم هو نهي الامتناع عن الكينونة أي خلق في الأزل ممتنعاً عن الجهل بواسطة كلمة لا تكن كما أنه خلق مستعداً للكمال بكلمة "كن" {قل إن الله قادر على أن ينزل آية} في كل لحظة ولمحة {ولكن أكثرهم لا يعلمون} دلالة الكائنات على المكوّن والممكنات على الواجب والمصنوعات على الصانع {أية : وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} تفسير : [يوسف: 105]. شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْك} راعى لفظ "مَنْ" فأفرد، ولو رَاعَى المعنى لجمع، كقوله في موضع آخر: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ} تفسير : [يونس:42]. وقوله: {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} إلى آخره، حمل على معناها قوله: "وَجَعلْنَا" "جعل" هنا يحتمل أن يكون للتَّصْييرِ، فيتعدّى لاثنين، أوَّلُهُمَا: "أكنَّه" والثاني: الجار قبله، فيتعلّق بمحذوف، أي: صيَّرنا الأكِنَّة مستقرّة على قلوبهم، ويحتمل أن يكون بمعنى "خلق"، فيتعدى لواحد، ويكون الجار قبله حالاً فيتعلق بمحذوف؛ لأنه لو تأخر لوقع صفة لـ "أكِنَّة". ويحتمل أن يكون بمعنى "ألقى" فتتعلّق "على" بها, كقولك: "ألقيتُ على زيد كذا" {أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} تفسير : [طه:39]. وهذه الجملة تحتمل وجهين: أظهرهما: أنها مُسْتأنَفَةٌ سيقت للإخبار بما تضَّمنَتْهُ من الخَتْمِ على قلوبهم وسمعهم. ويُحتمل أن تكون في مَحَلِّ نصب على الحال, والتقدير ومنهم من يستمع في حال كونه مَجْعُولاً على قلبه كنانٌ، وفي أذنه وقرٌ، فعلى الأول يكون قد عطف جملة فعلية على اسمية، وعلى الثاني: تكون الواو للحال، و"قد" مضمرة بعدها عند مَنْ يُقَدِّرَها قبل الماضي الواقع حالاً. والأكِنَّةُ: جمع "كِنَان"، وهو الوعَاءُ الجامع. قال الشاعر: شعر : 2127- إذَا ما انْتَضَوْهَا فِي الوَغَى مِن أكِنَّةٍ حَسِبْتَ بُرُوقَ الغَيْثِ تَأتِي غُيُومُهَا تفسير : وقال بعضهم: "الكِنُّ" - بالكَسْرِ - ما يُحْفَظُ فيه الشَّيء، وبالفتح المصدر. يقال: كَننْتهُ كِنّاً، أي: جعلته في كِنِّ، وجُمِعَ على "أكنان" قال تبارك وتعالى: {أية : مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً} تفسير : [النحل:81]. والكِنَانُ: الغِطَاءُ السَّاتِرُ، والفعل من هذه المادة يُسْتعمل ثلاثياً ورُبَاعيَّاً، يقال: كَنَنْتُ الشَّيء، وأكنَنْتُه كنَّا وإكناناً، إلاَّ أن الراغب فَرَّق بين "فَعَلَ" و "أفْعل"، فقال: "وخُصَّ كننت بما يستُر من بيت، أو ثوب، أو غير ذلك من الأجسام"، قال تعالى: {أية : كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُون} تفسير : [الصافات:49] وأكننت بما يستر في النفس، قال تعالى: {أية : أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} تفسير : [البقرة:235]. ويشهد لما قال قوله: {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} تفسير : [الواقعة:77-78] وقوله تعالى: {أية : مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ}تفسير : [القصص:69]. و"كِنَان" يُجمع على "أكِنَّة" في القِلٌّةِ والكَثْرَةِ لتضعيفه، وذلك أن فَعالاً وفِعالاً بفتح الفاء وكسرها يُجْمَعُ في القِلَّةِ على "أفْعِلة" كـ "أحمرة" و"أقْذِلَة"، وفي الكَثْرَةِ على فُعُل كـ "حُمُر"، و"قُذُل"، إلاَّ أن يكون مُضاعفاً كـ "بَتَات" و "كِنَان"، أو معتل اللام كـ "خباء" و "قباء"، فيلتزم جمعه على "أفْعِلَة"، ولا يجوز على "فُعل" إلاَّ في قليلٍ من الكلام كقولهم: "عُنُن"، و "حُجُج" في جمع "عِنان" و "حجاج". قال القرطبي: والأكِنَّةُ: الأغْطِية مثل: الأسنَّة والسِّنَان، والأعنَّة والعِنَان، كَنَنْتُ الشيء في كِنَّةٍ إذا صُنْتهُ فيه، وأكْنَنْت الشَّيء أخْفَيْتُهُ، والكِنَانَةُ معروفة، والكَنَّة - بفتح الكاف والنون - امرأة أبيك، ويقال: امرأة الابن أو الأخ لأنها في كنة. قوله: "أنْ يَفْقَهُوهُ" في مَحَلِّ نَصْبٍ على المفعول من أجْلِهِ، وفيه تأويلان سَبَقَا. أحدهما: كَرَاهَةَ أن يفقهوه، وهو رأيُ البصريين. والثاني: حَذْفُ "لا"، أي: أن لا يَفْقَهُوهُ، وهو رأيُ الكوفيين. قوله: "وَقْراً" عطفٌ على "أكِنَّة" فَيَنْتَصِبُ انْتِصَابَهُ، أي: وجعلنا في آذانهم وقراً و "في آذانهم" كقوله: "عَلَى قُلُوبِهِمْ". وقد تقدَّمَ أنَّ "جَعَل" يحتمل معاني ثلاثة، فيكون هذا الجار مبنيَّاً عليها من كونه مفعولاً ثانياً قُدِّمَ، أو متعلّقاً بها نفسها أو حالاً. والجمهور على فتح الواو من "وَقراً". وقرأ طَلحةُ بن مُصَرفٍ بكسرها، والفرق بين "الوَقْر" و"الوِقْر" أنَّ المفتوح هو الثِّقَلُ في الأذُنِ، يُقال منه: وَقَرتْ أذنه يفتح القاف وكسرها، والمُضارع تَقِرُ وتَوْقَر، بحسب الفعلين كـ "تعد" و"تَوْجَل". وحكى أبو زيد: أذُنٌ مَوْقُورة، وهو جَارٍ على القياس، ويكون فيه دليلٌ على أنَّ "وَقَرَ" الثلاثي يكون متعدِّياً، وسُمِع "أذنٌ مَوْقُورةٌ" والفعل على هذا "أوْقَرْتُ" رباعياً كـ "أكرم". و"الوِقْر" - بالكسر - الحِمْلُ للحمار والبَغْلِ ونحوهما، كالوَسْق للبعير. قال تعالى: {أية : فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً}تفسير : [الذاريات:2] فعلى هذا قراءة الجمهور واضحةٌ، أي: وجعلنا في آذانهم، ثِقَلاً، أي: صَمَماً. وأمَّا قراءة طَلْحَةَ، فكأنه جعل آذانهم وقَرَتْ من الصمم كما تُوقَرُ الدَّابَّةُ بالحِمْلِ، والحاصلُ أنَّ المادة تَدُلُّ على الثَّقَلِ والرَّرانة، ومنه الوَقَارُ للتُّؤدَةِ، والسَّكينة، وقوله تعالى: {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} فيه الفَصْلُ بين حَرْفِ العَطْفِ وما عطفه بالجار مع كون العاطف [على حرف واحد] وهي مسـألة خلاف تقدَّم تَحْقِيقُهَا في قوله: {أية : أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} تفسير : [النساء:58]. والظاهِرُ: أن هذه الآية ونظائرها مثل قوله تعالى: {أية : رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً} تفسير : [البقرة:201] ليس مما فُصِلَ فيه بين العاطف ومعطوفه كما تقدَّم. فصل في بيان سبب نزول الآية قال الكَلْبِيُّ عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: اجتمع أبو سفيان بن حَرْبٍ، وأبو جهل بن هِشَامٍ، والوليدُ بن المُغيرَةِ، والنضر بن الحارث، وعُتْبَةُ وشَيْبةَ ابنا رَبِيعة، وأميَّة وأبَيُّ ابنا خلف والحرث بن عامرٍ يستمعون القرآن العظيم، فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة: ما يقول محمد؟ قال ما أدري ما يقول إلاَّ أنه يُحَرِّكُ لِسَانُه وشَفَتَيْهِ وَيَتَكَلَّمُ بأسَاطِير الأوَّلين مثل ما كنت أحَدِّثَكُم عن القرون الماضية، وكان النَّضر كَثِيرَ الحديث عن القُرونِ وأخبارها، فقال أبو سفيان: أني لأرى بَعْضَ ما يقول حقاً. فقال أبو جَهْلِ: كَلاّ، لا تقرّ بشيء من هذا، وفي رواية: للموتُ أهونُ علينا من هذا، فأنزل الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} أي: إلى كلامك، {وجَعَلْنَا علَى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً} أغْطِيَةً جمع "كِنَان"، كالأعِنَّة جمع "عِنَان" {أنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانْهِمْ وَقْراً} أي: صَمَماً وثقلاً. فصل في بيان الدلالة من الآية احتج أهْلُ السُّنةِ بهذه الآية الكريمة على أنه - تعالى - يَصْرِفُ عن الإيمان، ويَمْنَعُ منه؛ لأنه - تعالى - جعل القَلْبَ في الكِنَانِ الذي يمنعه عن الإيمان. قالت المعتزلة: لا يمكن إجْراءُ هذه الآية على ظَاهرِهَا لوجوهٍ. أحدها: أنه - تبارك وتعالى - وإنَّما أنزل القرآن العظيم حُجَّةً للرُّسُلِ على الكُفَّارِ، لا ليكون حُجَّةً للكُفِّارِ على الرسول صلى الله عليه وسلم ولو كان المرادُ من هذه الآية الكريمة أنه - تعالى - منع الكُفَّارَ عن الإيمان، لكان لهم أن يقولوا للرسول عليه الصَّلاة والسَّلامُ لما حكم بأنه منعنا من الإيمان فلم يَذِمَّنَا على ترك الإيمان ولم يدعونا إلى فعل الإيمان. وثانيها: أنه تبارك وتعالى لو مَنَعَهُمْ من الإيمان، ثم دَعَاهُمْ إليه لكان ذلك تكليفاً لِلْعَاجِزِ، وهو مَنْفِيِّ بصريح العَقْلِ، وبقوله تبارك وتعالى: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة:286]. وثالثها: أنه - تعالى - حكى ذلك الكلام عن الكُفَّارِ في معرض الذَّمِّ، فقال تعالى: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} تفسير : [فصلت:5] وقال في آية أخرى: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} تفسير : [البقرة:88]. وإذا كان قد حَكَى عنهم هذا المَذهَبَ في معرض الذَّم لهم امتنع أن يكون ذكره هنا في معرض التقريع والتوبيخ، وإلاَّ لَزِمَ التَّنَاقُضُ. ورابعها: أنه لا نِزَاعَ في أنَّ القَوْمَ كانوا يَفْقَهُوَن، ويَسْمَعُونَ، ويعقلون. وخامسها: أنَّ هذه الآية وَرَدَتْ في معرض الذَّمِّ على ترك الإيمان، وإذا كان هذا الصَّدُّ، والمَنْعُ من قِبَلِ الله - تعالى - لما كانوا مَذْمُومِينَ، بل كانوا معْذُورينَ. وسادسها: أن قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ} يَدُلُّ على أنهم كانوا يفقهون، ويُمَيِّزُونَ الحَقَّ من الباطل، وعند هذا فلا بُدَّ من التأويل وهو من وُجُوه: الأول: قال الجُبَّائِيُّ: إنَّ القوْمَ كانوا يَسْتَمِعُونَ قِراءةَ الرسول عليه الصلاة والسلام، لِيَتَوَصَّلُوا بسمامع قراءته إلى مَعْرِفةِ مكانه باليل، فيقصدوا قَتْلَهُ وإيذَاءهُ، فكان اللَّهُ - تبارك وتعالى - يلقي في قلوبهم النوم وهو المراد من الأكنَّةِ ويثقل أسْماعَهُمْ عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النَّوْمِ، وهو المراد من قوله:{وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً}. الثاني: أن الإنسان الذي عَلِمَ الله - تعالى - منه أنه لا يؤمن، وأنه يموت على الكُفْرِ، فإنه - تبارك وتعالى - يَسِمُ قَلبهُ بعلامة مَخْصُوصَةٍ يستدلُ الملائكة برؤيتها على أنهم لا يُؤمِنُونَ، فلا يَبْعُدُ تلك العلامةِ بالكِنَانِ والغِطَاءِ المانع، وتلك العلامَةُ في نفسها ليست مَانِعَةً عن الإيمان. الثالث: أنَّهم لمَّا أصَرُّوا على الكُفْرِ، وصَمَّمُوا عليه صار عدولهم عن الإيمان، والحالة هذه كالكِنَانِ المانِعِ عن الإيمان، فذكر الله تبارك وتعالى الكِنانَ كِنايَةً عن هذا المعنى. الرابع: إنه تعالى لما منعهم الألطاف التي يفعل بمَنْ اهتدى، فأخْلاهُمْ منها، وفوَّضَ أمورهم إلى أنفسهم لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه بقوله: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً}. الخامس: أن يكون الكلامُ وَرَدَ حِكَاية لما كانوا يذكرونه من قولهم: "قلوبنا غُلْفٌ"، وقالوا: {أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} تفسير : [فصلت:5]. فالجواب: أن العَبْدَ الذي أتى بالكُفْرِ إن لم يقدِرْ على الإتيان بالإيمان فقد صَحَّ قولنا: بأنه - تبارك وتعالى - هو الذي حمله على الكُفْرِ [وصَدَّهُ عن الإيمان، وإن كان القادر على الكُفْر قَادراً على الإيمان فيمتنع صيرورة تلك القدرة مَصْدراً للكُفْرِ] دون الإيمان إلاَّ عند انْضْمَام تلك الدَّاعية، وقد تقدَّم أنَّ مجموع القُدْرَةِ مع الدَّاعي يوجب الفِعْل، فيكون الكُفْرُ علَى هذا التقدير من اللَّهِ تعالى، وتكون الدَّاعية الجارة إلى الكُفر كِنَاناً للقلب عن الإيمان، ووقراً للسَّمْعِ عن اسْتِمَاع دَلائِلَ الإيمان، فإذا ثبت في الدَّليلِ العَقْليِّ صِحَّةُ ما دَلَّ عليه ظَاهِرُ الآية الكريمة وجب حَمْلُهَا عليه عَمَلاً بالبرهان، وظاهر القرآن. قوله: {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَة} أي من المُعْجِزَاتِ والدَّلالاتِ {لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} وهذا يَدُلُّ على فَسَادِ تأويل الجُبَّائي؛ لأنه لو كان المراد بالأكِنَّةِ إلْقاء النوم على قلوب الكُفَّار لئلا يمكنهم التَّوصُّل بسماع صوْتِهِ إلى وجدان مكانه، لما كان قوله: {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَة لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} لائقاً بذلك الكلام، ولوجب أن يُقالَ: وجعلنا على قلوبهم أكنَّةً أنْ يسمعوه؛ لأن المقصود الذي ذكره الجُبَّائي إنما يَحْصُلُ بالمَنْعِ من سماع الصَّوتِ، أمَّا المَنْعُ من الفِقْهِ لكلامه فلا تعلُقَ له بما ذكره الجبائي. قوله: {حَتَّى إذَا جَاءُوكَ} قد تقدَّم الكلامُ في "حتَّى" الداخلة على "إذا" في أول "النساء". وقال: أبو البقاء - رحمه الله تعالى -: هنا "إذا" في موضع نَصْبٍ بجوابها، وهو "يقول" وليس لـ "حتَّى" هنا عَمَلٌ وإنَّما أفادت معنى الغايةِ, كما لا تعمل في الجُمَلِ. وقال الحوفي: "حَتَّى" غايةٌ و "يجادلونك" حال، "ويقول" جواب "إذا"، وهو العامل في "إذا". وقال الزمخشري: [هي] "حتى" التي تقع بعدها الجُمَلُ، والجملة قوله: {إذا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ}، و "يُجَادِلُونَكَ" في موضع الحَالِ، ويجوزُ أن تكون الجارةَ، فيكون "إذا جاءوك" في مَحَلِّ الجر، بمعنى "حتَّى" وقت مجيئهم، و"يجادلونك" حالٌ،. وقوله: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا} تفسيرٌ له، والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويُنَاكِرُونَكَ. وفسَّرَ مُجَادَلَتَهُمْ بأنهم يقولون: {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِين} قال أبو حيَّان: "وقد وُفَّقَ الحوفي، وأبو البقاء، وغيرهما للصواب في ذلك" ثمَّ ذكر عِبَارَةَ أبي البقاء والحوفي، وقال أيضاً: و"حتى" إذا وقع بعدهما "إذا"، يُحْتمل أن تكون بمعنى "الفاء"، ويحتمل أن تكون بمعنى "إلى أن"، فيكون التقديرُ: فإذا جَاءُوك يُجَادِلُونَكَ يقول، أو يكون التقدير: وجعلنا على قلوبهم أكنَّة، وكذا إلى أن قالوا: إن هذا إلاَّ أساطير الأوَّلين، وقد تقدَّم أن "يُجَادِلُونك" حالٌ من فاعل "جَاءُوكَ"، و"يقول": إمَّا جواب: "إذا" وإمَّا مفسِّرةٌ للمجيء، كما تقدَّم تقريره. و"أساطير" فيه أقوال: أحدها: أنه جمع لواحد مُقَدَّرٍ، واخْتُلِفَ في ذلك المُقَدَّرٍ، فقيل: أسْطُورة، وقيل: أسْطَارة، وقيل أسْطُور، وقيل: أسْطَار، وقيل إسْطِيرة وقال بعضهم: بل لُفِظَ بهذه المفردات. والثاني: أنه جَمْعُ جَمْعٍ فـ "أساطير" جمع "أسْطار"، و"أسطار" جمع "سَطَر" بفتح الطاء، وأمَّا "سَطْر" بسكونها فَجَمْعُهُ في القِلَّةِ على "أسْطُر"، وفي الكثرة على "سطور" كـ "فَلْس" و"أفْلُس" و"فُلُوس". والثالث: أنه جَمْعُ جَمْع الجَمْعِ فـ "أساطير" جمع "أسْطَار"، و"أسطار" جمع "أسْطُر"، و"أسْطُر" جمع "سَطَر" وهذا مرويُّ عن الزَّجَّاج، وليس بشيء فإنَّ "أسْطَار" ليس جمع "أسْطُر"، بل هما مِثَالاً جَمْع قلَّة. الرابع: أنه اسم جمع. قال: ابن عطية: "هو اسمُ جمع لا واحد له من لفظه" وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ النحويين قد نَصُّوا على أنه كان على صيغةٍ تَخُصُّ الجُمُوع لم يُسمُّوه اسم جمع، بل يقولون: هو جمع كـ "عَبَاديد" و"شَمَاطِيط"، فظاهر كلام الرَّاغب - رحمه الله تعالى -: أن "أساطير" جمع "سَطَر"بفتح الطاء، فإنه قال: وجمع "سَطَر" - يعين بالفتح - "أسطار" و"أساطير". وقال المُبَرِّد - رحمه الله تعالى -: هي جمع "أسْطُورة" نحو: "أرْجُوحَة" و "أراجيح" و "أحْدُوثَة" و "أحاديث". ومعنى "الأساطير": الأحاديث الباطلة والتُّرَّهَات ممَّا لا حَقيقَةَ له. وقال الواحدي - رحمه الله تعالى -: أصلُ "الأسَاطير" من "السَّطْر" وهو أن يجعل شيئاً ممتداً مُؤلَّفاً، ومنه سَطْرُ الكتاب، وسطر من شجر مفروش. قال ابن السكيت: يقال سَطْرٌ وسِطْرٌ، فمن قال: "سَطْر" فجمعه في القليل "أسْطُر"، والتكثير "سُطُور"، ومن قال: "سِطْر" فجمعه "أسْطَار"، و"الأساطير" جمع الجمع. وقال الجبائي - رحمه الله تعالى -: واحدُ الأساطير "أسْطُور" و "أسطورة" و"إسطيرة". قال جمهور المفسرين: أساطير الأولين ما سَطَّرَهُ الأوَّلون. وقال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها، أي: يَكْتُبُونَهَا.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ومنهم من يستمع إليك} قال: قريش. وفي قوله {وجعلنا على قلوبهم أكنَّة} قال كالجعبة للنبل. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وجعلنا على قلوبهم أكنَّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً} قال: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئاً، كمثل البهيمة التي تسمع النداء ولا تدري ما يقال لها . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {وجعلنا على قلوبهم أكنَّة} قال: الغطاء أكن قلوبهم {أن يفقهوه} فلا يفقهون الحق {وفي آذانهم وقراً} قال: صمم. وفي قوله {أساطير الأولين} قال: أساجيع الأولين . وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس في قوله {أساطير الأولين} قال: أحاديث الأولين. وأخرج عبد بن حميد وأبن أبي حاتم وابن المنذر عن قتادة في قوله {أساطير الأولين} قال: كذب الأولين وباطلهم. والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} كلامٌ مبتدأ مَسوقٌ لحكاية ما صدر في الدنيا عن بعض المشركين من أحكام الكفر، ثم بـيانِ ما سيصدُر عنهم يوم الحشر تقريراً لما قبله وتحقيقاً لمضمونه، والضميرُ للذين أشركوا، ومحلُ الظرف الرفع على أنه مبتدأ باعتبار مضمونه أو بتقدير الموصوف، كما في قوله تعالى: {أية : وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } تفسير : [الجن، الآية 11] أي وجمعٌ منا الخ و(من) موصولة أو موصوفة محلُها الرفع على الخبرية، والمعنى وبعضهم أو وبعضٌ منهم الذي يستمع إليك أو فريق يستمع إليك على أن مناطَ الإفادة اتصافُهم بما في حيز الصلة أو الصفة لا كونُهم ذواتِ أولئك المذكورين وقد مر في تفسير قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ } تفسير : [البقرة، الآية 8] الخ. رُوي أنه اجتمع أبو سفيانَ والوليدُ والنضْرُ وعُتبةُ وشيبةُ وأبو جهلٍ وأضرابُهم يستمعون تلاوةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا للنضر وكان صاحبَ أخبارٍ: ياأبا قتيلة ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بـيتَه ما أدري ما يقول إلا أنه يحرِّك لسانه ويقول أساطيرَ الأولين مثلَ ما حدثتُكم من القرون الماضية، فقال أبو سفيان: إني لأراه حقاً، فقال أبو جهل: كلا فنزلت. {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} من الجَعْل بمعنى الإنشاء و(على) متعلقةٌ به وضمير قلوبهم راجعٌ إلى (مَنْ) وجمعيتُه بالنظر إلى معناها كما أن إفراد ضميرِ يستمعُ بالنظر إلى لفظها وقد رُوعيَ جانب المعنى في قوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}تفسير : [يونس، الآية 42] الآية، والأكنة جمع كِنان وهو ما يُستر به الشيءُ، وتنوينُها للتفخيم، والجملة إما مستأنفةٌ للإخبار بما تضمنه من الخَتْم أو حال من فاعل يستمع بإضمار قد عند من يقدِّرها قبل الماضي الواقعِ حالاً أي يستمعون إليك وقد ألقينا على قلوبهم أغطية كثيرة لا يقادر قدرُها خارجةً عما يتعارفه الناس {أَن يَفْقَهُوهُ} أي كراهةَ أن يفقهوا ما يستمعونه من القرآن المدلولِ عليه بذكر الاستماع، ويجوزُ أن يكونَ مفعولاً لما يُنبىء عنه الكلامُ أي منعناهم أن يفقهوه {وَفِي آذَانِهِم وَقْراً} صَمماً وثِقَلاً مانعاً من سماعه، والكلام فيه كما في قوله تعالى: {أية : عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} تفسير : [الإسراء، الآية 46] وهذا تمثيلٌ مُعرِبٌ عن كمال جهلهم بشؤون النبـي عليه الصلاة والسلام وفرطِ نُبُوَّة قلوبهم عن فهم القرآن الكريم ومجِّ أسماعِهم له، وقد مر تحقيقه في أول سورة البقرة وقيل: هو حكاية لما قالوا: {أية : قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ } تفسير : [فصلت، الآية 5] الآية، وأنت خبـير بأن مرادهم بذلك الإخبارُ بما اعتقدوه في حق القرآن والنبـي عليه الصلاة والسلام جهلاً وكفراً من اتصافهما بأوصافٍ مانعة من التصديق والإيمان، ككون القرآن سِحراً وشعراً وأساطيرَ الأولين، وقسْ على ما تخيلوه في حق النبـي صلى الله عليه وسلم، لا الإخبارُ بأن هناك أمراً وراء ذلك قد حال بـينهم وبـين إدراكه حائلٌ من قِبَلِهم حتى يُمكِنَ حملُ النظم الكريم على ذلك {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ} من الآيات القرآنية أي يشاهدوها بسماعها {لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} على عموم النفي لا على نفي العموم أي كفروا بكل واحدة منها لعدم اجتلائهم إياها كما هي لما مر من حالهم {حَتَّىٰ إِذَا جَاءوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ} هي حتى التي تقع بعدها الجمل، والجملة هي قوله تعالى: {إِذَا جَاءوكَ} {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وما بـينهما حال من فاعل جاءوا وإنما وضع الموصولُ موضعَ الضمير ذماً لهم بما في حيِّز الصلة وإشعاراً بعِلة الحكم، أي بلَغوا من التكذيب والمكابرة إلى أنهم إذا جاءوك مجادلين لك لا يكتفون بمجرد عدم الإيمان بما سمعوا من الآيات الكريمة بل يقولون: {إِنَّ هَذَا} أي ما هذا {إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} فإنّ عَدَّ أحسنِ الحديث وأصدقِه ـ الذي لا يأتيه الباطلُ من بـين يديه ولا من خلفه من قبـيل الأباطيلِ والخرافاتِ ـ رتبةٌ من الكفر لا غاية وراءها، ويجوز أن تكون (حتى) جارّةً و(إذا) ظرفيةً بمعنى وقتِ مجيئهم، ويجادلونك حال كما سبق وقوله تعالى: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الخ، تفسيرٌ للمجادلة والأساطيرُ جمع أُسطورة أو أسطارة أو جمع أسطار وهو جمع سَطَر بالتحريك وأصل الكل السَّطْر بمعنى الخط.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} [الآية: 25]. قال ابن عطاء: لأنه لم يجعل لهم سمع الفهم، وإنما جعل لهم سمع الخطاب. قال الواسطى رحمة الله عليه: ومنهم من يستمع إليك بنفسه وهو فى ظلمات نفسه يتردد، ومنهم من يستمع منك بنا فهو فى أنوار المعارف يتقلب.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً}. بيَّنَ أن السمعَ - في الحقيقة - سمعُ القبول، وذلك عن عين اليقين يصدر، فأما سَمْعُ الظاهر فلا عِبْرَةَ به. ويقال مَنْ ابتلاه الحقُّ بقلبٍ مطبق، ووضع فوق بصيرته غطاءَ التلبيس لم يزدْه ذلك إلا نفرة على نفرة. قوله جلّ ذكره: {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}. يعني مَنْ أَقصَته القسمة الأزلية لم تنعشه الحيلة الأبدية.
البقلي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} كانت قلوبهم محجوبة بعوارض البشرية وظلمات النفس الامارة عن رؤية انوار الغيب وفهم خطاب الحق كانت قلوبهم فى اغطية الغيرة لانهم ليوا مطبوعين باستعداد قبول خطاب الله ورؤية عرائس الملكوت وفى اذان اسرارهم وقر الضلالة ولم يسمعوا بها لما لم يسمع بسمع الخاص وعلى عيون ظاهر وباطنهم غشاوة العجب ولاجهل حتى لم يروا براهين الحق فى وجوه الصديقين قال ابن عطا لانه لم يجعل لهم سمع الفهم وانما تجعل لهم سمع الخطاب وقال الواسطى منهم من يستمع اليك بنفسه فهو فى ظلمات نفسه يردد منهم من يستمع منك بنا فهو فى انوار العارف يتقلب.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومنهم من يستمع اليك} اذا قرأت القرآن ـ روى ـ انه اجتمع ابو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وابو جهل واضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا للنضر وكان صاحب اخبار يا ابا قتيلة ما يقول محمد فقال والذى جعلها بيته ما ادرى ما يقول الا انه يحرك لسانه ويقول اساطير الاولين مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية فقال ابو سفيان انى ارى بعض ما يقول حقا فقال ابو جهل كلا فنزلت فالضمير للمشركين {وجعلنا} اى انشأنا {على قلوبهم} الضمير راجع الى من باعتبار المعنى {أكنة} اى اغطية كثيرة لا يقادر قدرها خارجة مما يتعارفه الناس. جمع كنان بالكسر وهو ما يستر به الشئ {أن يفقهوه} مفعول له بحذف المضاف اى كراهة ان يفقهوا ما يستمعون من القرآن المدلول عليه بذكر الاستماع {و} جعلنا {فى آذانهم وقرا} اى صمما وثقلا كراهة ان يستمعوه حق الاستماع وهذا تمثيل معرب عن كمال جهلهم بشؤون النبى عليه السلام وفرط نبوّ قلوبهم عن فهم القرآن الكريم ومج اسماعهم له وهذا دليل على ان الله تعالى يقلب القلوب فيشرح بعضها للهدى ويجعل بعضها فى اكنة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن كما هو مذهب اهل السنة. وفى الآية اشارة الى ان مكافاة من يستمع الى كلام الله تعالى او الى حديث النبى عليه السلام او الى كلمات ارباب الحقائق بالانكار ليأخذوا عليها ويطعنوا فيها ان يجعل الله تعالى حجابا على قلوبهم وسمعهم حتى لا يصل اليهم انوارها ولا يجدون حلاوتها ولا يفهمون حقائقها: قال المولى الجامى شعر : عدجب نبودكه ازقر آن نصيبت نيست جز حرفى كه ازخورشيد جز كرمى نبيند جشم نابينا تفسير : {وان يروا كل آية} من الآيات القرآنية اى يشاهدوها بسماعها {لا يؤمنوا بها} اى كفروا بكل واحدة منها وسموها سحرا وافتراء واساطير لفرط عنادهم واستحكام التقليد فيهم {حتى} ابتدائية ومع هذا لا مانع من ان تفيد معنى الغاية اى بلغ بهم ذلك المنع من فهم القرآن الى انهم {اذا جاؤك يجادلونك} اى حال كونهم مجادلين لك {يقول الذين كفروا} اى لا يكتفون بمجرد عدم الايمان بما سمعوا من الآيات الكريمة بل يقولون {ان هذا} اى ما هذا القرآن {الا اساطير الأولين} اى اباطيلهم واكاذيبهم جمع اسطورة بالضم كالاضاحيك والاعاجيب جمع اضحوكة واعجوبة: وفى المثنوى شعر : جون كتاب الله بيامد هم بران اين جنين طعنه زدند آن كافران كه اساطيراست وافسانه نثرند نيست تعميقى وتحقيقى بلند توزقر آن اى بسر ظاهر مبين ديو آدمرا نبيند غير طين
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {مَنْ}: لفظها مفرد ومعناها جمع، فيجوز في الضمير مراعاة اللفظ فيُفرد، كقوله هنا: {ومنهم من يستمع إليك}، ويجوز مراعاة المعنى فيجمع، كقوله في يونس: {أية : وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ }تفسير : [يُونس:42]، والأكِنَّة: الأغطِية، جمع كنان، و {أن يفقهوه}: مفعول له؛ أي: كراهية أن يفقهوه، و {حتى}: غاية، أي: انتهى التكذيب حتى وصلوا إليك يجادلونك، والجملة بعدها: إمَّا في محل جر بها ويجادلونك جواب لها، و {يقول}: تبيين لها، وإما لا محل لها؛ فتكون ابتدائية. والأساطير: جمع أسطورة، أو أسطار؛ جمع سَطر، فيكون جمع الجمع. يقول الحقّ جلّ جلاله: ومن الكفار {من يستمع إليك} حين تقرأ القرآن، والمراد: أبو سفيان والوليد والنضر وعُتبة وشَيبَة وأبو جهل وأضرابهم، اجتمعوا فسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ، فقالوا للنضر: ما تقول؟ فقال: والذي جعلها بيننا وبينه ما أدري ما يقول، إلا أنه يحرك لسانه، ويقول أساطير الأولين، مثل ما جئتُكم به. قال السُّهَيلي: حيث ما ورد في القرآن: "أساطير الأولين" فإنَّ قائلها هو النضر بن الحارث، وكان قد دخل بلاد فارس وتعلَّم أخبار ملوكِهم، فكان يقول: حديثي أحسنُ من حديث محمد، فنزلت فيه وفي أصحابه. {وجعلنا على قلوبهم أكنَّةً} أي: أغطية؛ كراهة {أن يفقهوه}؛ لما سبق لهم من الشقاء، {و} جعلنا {في آذانهم وقرًا} أي: ثقلاً وصمَمًا فلا يسمعون معانيه، ولا يتدبرونها. {وإن يَرَوا كلَّ آية} ومعجزة {لا يؤمنوا بها}؛ لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم، وسبقِ الشقاء لهم، فلا يزال التكذيب والشك يعظُم فيهم {حتى إذا جاؤوك يجادلونك} أي: حتى ينتهي بهم التكذيب إلى أن يجيؤوك يجادلونك؛ {يقول الذين كفروا إن} أي: ما {هذا إلا أساطير} أي: أكاذيب {الأولين} ، فإنَّ جَعلَ أصدق الحديث خرافاتِ الأولين غايةٌ التكذيب. {وهم} أيضًا {يَنهون عنه} أي: ينهون الناس عن القرآن، أو عن الرسول والإيمان به، {وينأون عنه} أي: يبعدون عنه، فقد ضلوا وأضلوا، أو يَنهون عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وينأون عنه؛ فلا يؤمنون، كأبي طالب ومن كان معه، يحمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مكة. وفي {ينهون} ضربٌ من ضروب التجنيس من علم البلاغة. قال تعالى: {وإن} أي: ما {يُهلكون} بذلك {إلا أنفسهم وما يشعرون} أن ضررهم لا يتعداهم إلى غيرهم. الإشارة: اعلم أن القلب تحجبه عن تدبر كلام الله والتمتع بحلاوته أربعةُ حُجُب: الأول: حجاب الكفر والشرك ويندفع بالإيمان والإسلام. والثاني: حجاب المعاصي والذنوب، وينخرق بالتوبة والانقلاع. والثالث: حجاب الانهماك في الحظوظ والشهوات واتباع الهوى، وينخرق بالزهد والورع والتعفف ونوع من الرياضة. والرابع: حجاب الغفلة والخوض فيما لا يعني، والاشتغال بالبطالة، وينخرق باليقظة والتوجه إلى الحق، والانقطاع إلى الله بكليته، فإذا انخرقت هذه الحجب عن القلب، تمتع بحلاوة القرآن ومناجاة الحق على نعت القرب والمراقبة. وبقي حجابان آخران، إذا خرقهما العبد أفضى إلى مشاهدة المتكلم دون واسطة، أولهما: حجاب حلاوة الطاعة والمعاملة الظاهرة، والوقوف مع المقامات أو الكرامات، فإنها عند العارفين سموم قاتلة. وثانيهما: حجاب الوهم والوقوف مع ظاهر الحس، دون الوصول إلى باطنه، فيقف مع الأواني دون شهود المعاني، وقد قال الششتري: شعر : لاَ تَنظرُ إلَى الاوانِي وَخُضْ بَحْر الْمعَانِي لعلَّك تَرَانِي تفسير : وقال الغزالي: الموانع التي تحجب القلب عن الفهم أربعة: الأول: جعل الفهم مقصورًا على تحقيق الحروف؛ بإخراجها من مخارجها، فهذا يتولى حفظه شيطان وكُلِّ بالقراء، يصرفهم عن معاني كلام الله تعالى. والثاني: أن يكون مقلدًا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه، من غير وصول إليه ببصيرة. الثالث: أن يكون مصرًا على ذنب، أو متصفًا بكبر، أو مبتلى بهوى في الدنيا مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب، وهو كالخبءِ على المرآة، فيمنع جلية الحق فيه، وهو أعظم حجب القلب، وبه حُجب الأكثرون، الرابع: أن يكون قد قرأ تفسيرًا ظاهرًا، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلاَّ ما يتأوّل عن ابن عباس، ومجاهد وغيرهما، وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي منهي عنه، فهذا أيضًا من الحجب العظيمة، فإن القرآن بحرٌ لا ساحل له، وهو مبذول لمن يغرف منه إلى يوم القيامة، كل على قدر سعته وصفاء قلبه. هـ. بالمعنى. ثم هددهم بما أعدّ لهم يوم القيامة، فقال: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ}.
الطوسي
تفسير : قال مجاهد قوله {ومنهم من يستمع إليك} يعني قريشا. وقال البلخي: أي من أهل الكتاب والمشركين من يجالسك ويريد الاستماع منك والاصغاء اليك {وجعلنا على قلوبهم أكنة} لانهم لا يفقهوه، لألفهم الكفر وشدة عداوتهم {حتى إذا جاءوك يجادلونك} أي حتى اذا صار الامر الى الجدال أظهروا الكذب وعاندوا، فقالوا {إن هذا إلا أساطير الأولين} أي ليس هذا إلا أساطير الاولين. وقال قوم: نزلت في النظر بن الحارث بن كلدة. وقال الضحاك: معنى أساطير الاولين أحاديث الاولين وكل شىء في القرآن أساطير، فهو أحاديث. و (الاكنة) جمع كنان - بكسر الكاف - وهو كالغطاء والاغطية {وفي آذانهم وقراً} أي ثقلا، والوقر بكسر الواو الحمل، يقال وقرت الاذن لوقر قال الشاعر: شعر : وكلام سيىء قد وقرت أذني منه وما بي من صمم تفسير : ونخلة موقرة وموقر، ونخيل مواقير. قال يونس سألت رؤبة، فقال وقرت أذنه - بضم الواو وكسر القاف - يوقر - بفتح الياء والقاف - اذا كان فيها الوقر. وقال أبو زيد: سمعت العرب تقول: أذن موقرة - بضم الميم وفتح القاف - ومن الحمل يقال: أوقرت الدابة فهي موقرة. ومن السمع وقرت سمعه - بتشديد القاف - فهو موقر، قال الشاعر: شعر : ولي هامة قد وقر الضرب سمعها تفسير : واساطير واحدها أسطورة، وإِسطارة، مأخوذ من سطر الكتاب، قال الراجز: شعر : اني وأسطار سطرن سطرا لقائل يا نصر نصرا نصرا تفسير : وأسطار جمع سطر. ومن قال في واحده: سطر، قال في الجمع أسطر، وجمع الجمع أساطير، ومعناها الترهات البسابس يعني ليس له نظام. وقال الاخفش: أساطير جمع لا واحد له، نحو (مذاكير وأبابيل) وقال بعضهم: واحد الابابيل إِبيل - بتشديد الباء وكسر الالف -. ومعنى قوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} قد مضى نظائره. في قوله: {أية : وجعلنا قلوبهم قاسية}تفسير : أي منعناهم الالطاف التي تبسط المؤمنين وتبعثهم على الازدياد من الطاعة، لان الله تعالى لما أزاح علتهم علله بالدعاء والبيان والانذار والترغيب والترهيب فأبوا الا كفراً وعنادا وتمردا على الله وإِعراضا عنه وعما دعاهم اليه، فمنعهم الطافه عقوبة لهم حيث علم أنهم لا ينتفعون بذلك ولا ينتهون الى الحق، وألفوا الكفر وأحبوه حتى صاروا كالصم عن الحق وصارت قلوبهم كأنها في أكنة فجاز أن يقال في اللغة جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا، كما يقول القائل لغيره أفسدت سيفك اذا ترك استعماله حتى يصدي، وجعلت أظافيرك سلاحاً اذا لم يقلمها. ويقال للرجل اذا آيس من عبده أو ولده بعد الاجتهاد في تأديبه فخلاه واقصاه قد جعلته بحيث لا يفلح أبدا وتركته أعمى أصما، وجعلته ثوراً وحماراً، وان كان لم يفعل به شيئاً من ذلك ولم يرده بل هو مهموم به محب لخلافه، ولا يجوز أن يكون المراد بذلك أنه كلفهم ما لا يطيقونه، وذلك لا يليق بحكمته تعالى، ولكانوا غير ملومين في ترك الايمان حيث لم يمكنوا منه، وكانوا ممنوعين منه، وكانت الحجة لهم على الله تعالى دون أن تكون الحجة له، وذلك باطل، بل لله الحجة البالغة. قوله {وإن يروا كل آية لا يؤمنون بها} أي كل علامة ومعجزة تدلهم على نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يؤمنون بها لعنادهم. قال الزجاج {أن يفقهوه} في موضع نصب لانه مفعول له، والمعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت اللام نصب الكراهة، ولما حذفت الكراهة أنتقل نصبها الى (أن). قال أبو علي: كانوا اذا سمعوا القرآن من النبي آذوه ورجموه وشغلوه عن صلاته، فحال الله بينهم وبين استماع ذلك في تلك الحال التي كانوا عازمين فيها على ما ذكرناه بأن ألقى عليهم النوم اذا قعدوا يرصدونه فكانوا ينامون فلا يسمعون قراءته ولا يفقهون أنه قرآن، ولا يعرفون مكانه ليسلم النبي (صلى الله عليه وسلم) من شرهم وأذاهم فجعل منعه إِياهم عن استماع القرآن، وعن التعرف لمكان النبي (صلى الله عليه وسلم) لئلا يرجموه ولا يؤذوه {أكنة أن يفقهوه} أنه قرآن وأن محمدا هو الذي يقرأه. وبين أن كل آية يرددها عليهم النبي (صلى الله عليه وسلم) من قبل الله لا يؤمنون بها، فلهذا منعهم الله من إِستماع القرآن، لانهم لم يكونوا يسمعونه ليستدلوا به على توحيد الله وصحة نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) وانما كانوا يريدون بذلك تعرف مكانه ليؤذوه ويرجموه، فلهذا منعهم الله من استماع القرآن وفهمه ولو كانوا ممن يؤمن ويقبل ما يردَّد عليه من الآيات من قبل الله ويستدلوا بها على نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) ما كان الله يمنعهم من سماع ذلك وفهمه. وقوله {حتى إذا جاءوك يجادلونك} يعني أنهم اذا دخلوا اليه بالنهار انما يجيئون مجيىء مخاصمين مجادلين رادين مكذبين، ولم يكونوا يجيئون مجيىء من يريد الرشاد والنظر في الدلالة الدالة على توحيد الله ونبوة نبيه (صلى الله عليه وسلم) وكانوا يريدون ذلك بأن يقولوا هذا أساطير الاولين، يعنون إِنه من كلام الاولين وحوادثهم. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى في بني اسرائيل: {أية : وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً. وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً}تفسير : فمعنى الآيتين واحد وسبب نزولهما واحد، وانما أنزلت هذه الآيات لئلا يمتنع النبي من قراءة القرآن خوفا من أذى الكفار فيفوت المؤمنين سماعه فيغتمون لذلك وتفوتهم مصلحته بل حثه الله على قراءته وضمن له المنع من أذاهم. وقوله: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} كالتعليل لجعله قلوبهم في أكنة، والوقر في آذانهم، فقال: إِنما فعلت هذا لعلمي بأنهم لا يؤمنون وأنه ليس في سماعهم ذلك الا تطرُّق الاذى به عليك منهم، وقولهم {إن هذا إلا أساطير الأولين}. وتحتمل الآية وجهاً آخر وهو: أنه يعاقب الكفار الذين لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم من نحو الضيق الذي ذكر أنه يخلقه فيها، ويجعل هذه العقوبات دلالة لمن شاهد قلوبهم واستماعهم من الملائكة، وشاهد منها هذه العقوبات، على أنهم لا يؤمنون من غير أن يكون ذلك حائلا بينهم وبين الايمان. ثم أخبر أنها بمنزلة الاكنة على قلوبهم عن فقه القرآن وبمنزلة الوقر في الآذان على وجه التمثيل له بذلك تجوزاً واستعارة. ووجه الشبه بينهما أن من كانت في نفسه هذه العقوبات معلوم أنه لا يؤمن كما أن من على قلبه أكنة لا يؤمن، وكما سمي الكفر عماً، سماه باسم العمى على وجه التشبيه. ويحتمل أيضا أن يكون الكفر الذي في قلوبهم من جحد توحيد الله وجحد نبوة نبيه، سماه كنا تشبيهاً ومجازاً، وإِعراضهم عن تفهم القرآن والاصغاء اليه على وجه الاستعارة وقراً توسعا، لان مع الكفر والاعراض لا يحصل الايمان والفهم كما أن مع الكنَّ - والوقر لا يحصلان، ونسب هذا الجعل الى نفسه، لانه الذي شبه أحدهما بالآخر وذلك سائغ في اللغة كما يقول القائل لغيره - اذا أثنى على إِنسان وذكر فضائله ومناقبه - جعلته فاضلا خيراً عدلا، وان كان لم يفعل به ذلك. وبالعكس من ذلك اذا ذكر مقابحه ومخازيه وفسقه يحسن أن يقال له: جعلته فاسقاً شريراً، وان لم يفعل في الحالين شيئاً من ذلك وكل ذلك مجاز. ومنه قولهم: جعل القاضى فلانا عدلا وجعله ثقة وجعله ساقطا فاسقا، كل ذلك يراد به الحكم عليه بذلك والابانة عن حاله كما قال الشاعر: شعر : جعلتني باخلا كلاب ورب معنى اني لأسمح كفا منك في اللزب تفسير : أي سمتني باخلا. وقوله {ومنهم من يستمع إليك..} فكنى عنها بلفظ الواحد حملا له على اللفظ، فلما قال {وجعلنا على قلوبهم أكنة} رده الى المعنى فعامله معاملة الجمع، لان لفظة (من) تقع على الواحد وعلى الجمع حقيقة.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} حين تتلوا عليهم آيات الكتاب او مناقب وصيّك {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} جمع الكنان وهو ما يستر الشّيء كراهة {أَن يَفْقَهُوهُ} او لئّلا يفقهوه {وَفِيۤ آذَانِهِمْ} اى اذان قلوبهم {وَقْراً} كراهة ان يسمعوه فان تتل عليهم كلّ آيةٍ فى رسالتك او خلافة وصيّك لا يسمعوا {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ} من آياتنا العظمى ومعجزاتك {لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} بسبب ازدياد قسوتهم وعنادهم فكيف يؤمنون بك او بوصيّك وازدادت قسوتهم {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ} فى نبوتّك او خلافة وصيّك {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بك او بوصيّك {إِنْ هَـٰذَآ} القول الّذى تسمّيه قول الله او ان هذا الّذى تقوله فى ابن عمّك {إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} جمع اسطار جمع سطر او جمع اسطورة كناية عن اسمارهم وخرافاتهم.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ومنهم من يستمع اليك} حين تتلوا القرآن {وجعلنا على قلوبهم أكِنَّة أن يفقهوه} الآية، قيل: اجتمع جماعة من قريش أبو سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحرث، وأبو جهل، وعتبة وشيبة ابنا ربيعه وغيرهم، وكانوا يسمعون تلاوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا للنضر: ما تقول؟ قال: لا أدري والذي أراه يحرك شفتيه يتكلم بأساطير الأولين كالذي كنت أحدثكم به من أخبار القرون الأولين، وكان النضر يكثر الأحاديث على الأمم الماضية، فقال أبو سفيان: إني لا أدري إن بعض ما يقوله حق، فقال أبو جهل: كلا، فنزلت الآية، والأكِنَّة على القلوب والوقر في الآذان، مثلٌ في نبو قلوبهم ومسامعهم {حتى إذا جاؤوك يجادلونك} ويناكرونك، وفسر مجادلتهم أنهم يقولون {ان هذا إلا أساطير الأولين} {وهم ينهون عنه وينأون عنه} نزلت في أبي طالب حيث كان يمنع الناس عن إيذاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يتبعه عن ابن عباس، وقيل: في كفار مكة يعني وهم ينهون عنه الناس، يعني عن القرآن وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتباعه ويثبطونهم عن الإِيمان به {وينأون عنه} بأنفسهم فيضلون ويُضلون {وان يهلكون إلاَّ أنفسهم} بذلك وإن كانوا يظنون أنهم يضرون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: هو أبو طالب، قال جار الله: ورواه أيضاً في الحاكم لأنه كان ينهي قريشاً عن التعرض لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وينأى عنه فلا يؤمن به، وروي أنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وأرادوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سوءاً فقال شعراً: شعر : والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فأصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر بذاك وقر منك عيوناً ودعوتني وزعمت أنك ناصحٌ ولقد صدقت وكنت ثم أميناً لولا الملامة أو حُذَارى سُبَّةً لوجدتني سمحاً بذاك مبينا وعرضت ديناً لا محالة أنه من خير أديان البرية ديناً تفسير : {ولو ترى} يا محمد جوابه محذوف تقديره ولو ترى أرأيت أمراً شنيعاً {إذ وقفوا على النار} حين عاينوها واطلعوا عليها وادخلوها {فقالوا يا ليتنا نرد} تمنّيهم الرد إلى الدنيا، ثم ابتدأوا {ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} واعدين الايمان كأنهم قالوا ونحن لا نكذب ونؤمن على وجه الاثبات، قوله تعالى: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم، وشهادة جوارحهم عليهم، فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجرة إلاَّ أنهم عازمون على أنهم لو رُدّوا لآمنوا، وقيل: هم المنافقون وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه، قيل: هم أهل الكتاب وأنهم يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قوله تعالى: {ولو رُدّوا} إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار {لعادوا لما نهوا عنه} من الكفر والعصيان {وانهم لكاذبون} فيما وعدوا به من أنفسهم، وكفى به دليلاً على كذبهم.
اطفيش
تفسير : {ومِنْهم مَنْ يسْتَمع إليكَ} حين تتلوا القرآن، روى أنه اجتمع أبو سفيان، والوليد، والنضر بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأمية وأبى ابنا خلف، والحارث بن عامر، وأبو جهل وأضرابهم، يستمعون تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا للنضر: يا أبا قتيبة ما يقول محمد؟ فقال: والذى جعلها بيته، أى جعل الكعبة بيته لا أدرى ما يقول، إلا أنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية، فقال أبو سفيان: إنى لأراه حقاً، فقال أبو جهل: كلا، فنزلت الآية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الماضية، وفى رواية قال أبو سفيان: إنى لأرى بعض ما يقول حقا، فقال أبو جهل: كلا لا نقر بشئ من هذا، وفى رواية: الموت أهون علينا من هذا. {وجَعَلنا عَلى قُلُوبهم أكنةً} أغطية جمع كنان بمعنى غطاء {أنْ يفْقَهوهُ} أى عن أو عن أن يفقهوه متعلق بأكنة، لأن فيه معنى المنع فى إذ تعديته بعن، أو من أو يقدر، مفعول لأجله، أى كراهة أن يفقهوه، أو لام الجر ولا النافية، وفيه تكلف، أى لئلا يفقهوه، والهاء للقرآن المدلول عليه بيستمع إليه. {وفى آذانِهِم وقْراً} ثقلا يمنع السمع، وليس جعل الأكنة والوقر جبراً على الشرك، ولو كان ذلك لعذرهم ولم يمنعهم، بل المعنى أنه خذلهم ولم يوفقهم، إذ خلق الضلال فاختاروه فجبرهم اختياره إلى الأكنة والوقر، بأن حصل به فى قلوبهم وصف يحبب إليهم الكفر والعصيان، كما قال: بل طبع الله عليها بكفرهم، وذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا، وقالت المعتزلة فى تسفير ذلك: إن القوم لما تمكن الكفر والمعصية منهم، شبه بشئ خلق فيهم بلا اختيار منهم، فكان لفظ ختم وطبع وجعل الأكنة والوقر، ومنعوا أن يقال: كما قلنا معشر الإباضية والأشعرية وهو ما فسرناها به أولا، وليس فى ذكر الوقر مع الأكنة تكرير، لأن الموفق سمع بأذنه سماعاً موصولا للقلب، سبباً للرسوخ فى القلب، ثم يحققه القلب بأن لا يتعدى العمل بما سمع، ويجوز أن يكون توكيداً على اعتبار أن سماع القبور هو الفقه، والأول أولى، لأن من سمع لهواً أو سمع إنكاراً أو رداً واستهزاء غير سمع من يستمع، ويقول فى قلبه أسمع لعل الحق فيه، فهذا سمع قبول يليه التفقه، وقرأ طلحة بكسر الواو. {وإِنْ يَروْا كُلَّ آيةٍ} علامة على وحدانية الله ورسالة نبيه صلى الله عليه وسلم {لا يؤمنُوا بها} أنها آية إلهية، بل يقولون سحراً وافتراء أو أسطورة، أو لا يؤمنوا بالله ورسول الله صلى الله عليه وسلم بسببها. {حتَّى إذا جاءوك يُجادِلونَك} حتى هذه ابتداه الله فى معنى فاء السببية، أى فهم إذا جاءوك يجادلونك، ويجادلونك جواب إذا وقوله: {يقُولُ الَّذينَ كفَرُوا إنْ هذَا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ} بدل من يجادلونك، أو جواب سؤال مفسر كأنه قيل: ماذا يقولون فى جدالهم؟ فأجيب بأنهم يقولون: إن هذا إلا أساطير الأولين، أو يجادلونك حال من واو جاءوك مقدرة، ويقول الذين إلخ جواب إذا، ومقتضى الظاهر يقولون: إن هذا إلخ فوضع الظاهر موضع المضمر، يسميهم باسم الكفر، وقيل فى حتى الداخلة على إذا: إنها جارة فيجر إذا عن الظرفية والشرطية، فيقول أمستأنف جواب السؤال، أو مبدل من يجادلونك، ويجادلونك حال، ووجد كون يجادلونك جواب إذا أن يكون المعنى فهم إذا جاءوك لرسوخ الكفر والتقليد، فهم كانت همتهم جدالك لا الإيمان ولا التبصر والنظر، والأساطير جمع أسطورة بضم الهمزة أى أمر غريب مسطور عن الأوائل كأحدوثة الحديث الغريب العظيم، وأعجوبة وأضحوكة ونحو ذلك، ومعنى مسطور مكتوب ينفون أن يكون القرآن من الله، وأثبتوا أنه كلام مكتوب عن الأوائل، ويجوز أن يكون جمع إسطارة بمعنى أسطورة أو جمع إسطار جمع سطر، وقيل: اسم يدل على الجماعة لا واحد له من لفظه. وقيل: الأساطير الأباطيل المسطورة، وقيل: جمع إسطارة بمعنى الكلام الذى خفى وجهه، ولا تعلم صحته مأخوذ من قولهم إسطارة بمعنى الطريقة الغامضة الوعرة، يقولون أخذنا فى الترهات، أى فى طريق غامضة صعبة، وليس قولهم: أساطير الأولين نفياً لحكمة القرآن، بل نفى لا يكون من الله.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} حين تقرأ، استمع إِليه أُمية ابن خلف وأَخوه أَبى، والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة لعنهم الله، ومنهم أَبو سفيان بن حرب، إِلا أَنه أَسلم حين الفتح. اجتمعوا وقالوا للنضر، وكان أَعقلهم وأَقربهم للإِسلام، ومات كافرا: يا أَبا قتيلة، ما يقول محمد؟ فقال: ما أَدرى ما يقول، غير أَنى أَراه يحرك لسانه ويذكر أَساطير الأَولين، مثل ما كنت أَذكر لكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الإِخبار عنها، فقال أَبو سفيان: أَرى بعض ما يقول حقا، فقال أَبو جهل: كلا، لا نقر بشيءٍ من هذا، للموت أَحب إِلينا من هذا، روعى لفظ من فأَفرد الضمير لأَن المستمعين المرادين هنا قليل، كما أَفرد فى "أية : ومنهم من ينظر إِليك" تفسير : [يونس: 43] لقلة الناظرين إِلى المعجزات، وروعى معناها فجمع فى قوله "أية : ومنهم من يستمعون"تفسير : [يونس: 42] لأَن المراد الكفار كلهم {وَجَعَلْنَا} صيرنا أَو أَلقينا {عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} جمع كنان وهو ما يغطى الشئَ {أَنْ يَفْقَهُوهُ} متعلق بأَكنة لأَن المعنى، وجعلنا على قلوبهم مانعا عن أَن يفقهوه، أَى يفهموه، والهاء للقرآن المعلوم من قوله ليستمع {وَفِى آذانِهِمْ وَقْراً} معنى مانعا عن سماع القبول والتدبر تشبيها بثقل السمع حتى كأَنهم لم يسمعوا، والأَكنة والوقر عبارة عن الخذلان وهو ترك التوفيق، أَو عن أَن يحدث فى نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصى واستقباح الإِيمان والطاعات لإِهمالهم عقولهم عن النظر، وذلك عقوبة لهم على اختيارهم الكفر وإهمال النظر، لكن هذا الاختيار مخلوق لله عز وجل، وليس ذلك الإِحداث وخلق الاختيار إِجباراً ولو كانا يتخيل أَنهما إِجبار لعجز عقولنا عن فهم ذلك، أَو نقول "أية : لا يسأَل عما يفعل" تفسير : [الأنبياء: 23] ولا حجة للكفار إِذ يقرون بالاختيار ضرورة ولو أَنكروه تارة، وأَسند الجعل والطبع والختم إِلى الله باعتبار خلقه الاختيار وترك التوفيق، والعقاب على الاختيار، والمعتزلة منعوا إِسناد ذلك إِلى الله، وقالوا: تمكن التقليد وإِهمال النظر فى قلوبهم حتى صارا كالطبيعة المسند خلقها إِلى الله عز وجل، والحق إِسناد ذلك إِلى الله عزوجل بمعنى خلقه، ولا مانع، ويسأَلون عن ذلك التمكن، فإِن قالوا بالطبع المجرد فذلك شرك، وهم يقولون بخلقهم أَفعالهم، وضلوا بذلك مع أَن التمكن ليس فعلا لهم {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ} علامة مما يتلى وغير مايتلى من المعجزات على وحدانية الله تعالى ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، وقال ابن عباس: المراد آيات القرآن، وقيل: التكوينية كانشقاق القمر ونبع الماء من بين الأَصابع وتكثير الماء والطعام القليلين، وخصصها بعض بغير الملجئة لئلا يناقض قوله تعالى، "أية : إِن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أَعناقهم" تفسير : [الشعراء: 4] قلت: الإِيمان عند الآية الملجئة غير الإِيمان الاختيارى {لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا} يكذبون بها ويقولون سحر وافتراء وأَساطير، أَو لا يؤمنون بسببها بالوحدانية والنبوة والرسالة، {حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ} حتى للابتداء، ولا تخلو عن معنى الغاية لأَنها تفريع، أَلا ترى أَن المتفرع ينتهى إِلى المفرع عليه، وبالعكس، فإِن عنادهم انتهى بهم إلى قولهم إِن هذا إِلا أَساطير الأَولين، ولو قلنا جارة خرجت إِذا عن الشرط والصدر ولم يكن لها جواب وهو وجه ضعيف {يُجَادِلُونَكَ} حال من الواو مقدرة، أَى ينازعونك نزاعاً شديداً، أَو الجدال لا يخلو عن شدة أَو نزاعاً شديداً، حتى كأَنهم يريدون أَن يلقوك على الجدالة وهى الأَرْض، وجواب إِذا هو قوله {يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلخ، فيما قيل؛ واعتراض بأَن قول الذين كفروا هو نفس الجدال فلا فائدة إِلا أَن تؤول المجادلة بإِرادتها أَو بقصدها، والأَصل خلاف التأويل {إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} كلمات كتبها الأَولون أَسطاراً تتلى عليك، أَو جواب إذا يجادلونك، ويقول الذين كفروا مستأَنف فى جواب سؤال مقدر، أَو بدل من يجادلونك، والمفرد أَسطورة - أَفعولة فيما يستعجب منه، كأَحدوثة وأَضروبة، وهو أَولى، ويليه أَنه جمع أَسطار،، وأَسطار جمع سطر، بفتح الطاء وإِسكانها، وقيل جمع أَسطورة أَو إِسطارة أَو إِسطير أَو أَسطور مفردات غير واردة، وقيل وردت فى كلام العرب ولا يصح ما قيل أَساطير جمع أَسطار جمع أَسطر، وأَسطر جمع سطر، لأن أَفعالا جمع للثلاثى لا للرباعى، ولا ما قيل أَنه اسم جمع لأَن نصوص النحاة أَن ما على صيغة منتهى الجمع يقال له جمع ولو لم يكن له مفرد من لفظة كعباديد وشماطيط.
الالوسي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} كلام مسوق لحكاية ما صدر في الدنيا عن بعض المشركين من أحكام الكفر ثم بيان ما سيصدر عنهم يوم الحشر تقريراً لما قبله وتحقيقاً لمضمونه. وضمير {مِنْهُمْ} للذين أشركوا. والاستماع بمعنى الإصغاء وهو لازم يعدى باللام وإلى كما صرح به أهل اللغة، وقيل: إنه مضمن معنى الإصغاء ومفعوله مقدر وهو القرآن. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في رواية أبي صالح: إن أبا سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبيا بن خلف استمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم / وهو يقرأ القرآن فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيته ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحرك شفتيه يتكلم بشيء فما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية. وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى وكان يحدث قريشاً فيستملحون حديثه فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأفرد ضمير {مِنْ } في {يَسْتَمِعِ } وجمعه في قوله سبحانه {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } نظراً إلى لفظه ومعناه وعن الكرخي إنما قيل: هنا {يَسْتَمِعِ} وفي يونس [42] { أية : يَسْتَمِعُونَ } تفسير : لأن ما هنا في قوم قليلين فنزلوا منزلة الواحد وما هناك في جميع الكفار فناسب الجمع، وإنما لم يجمع ثم في قوله سبحانه: { أية : وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ } تفسير : [يونس: 43] لأن المراد النظر المستتبع لمعاينة أدلة الصدق وأعلام النبوة والناظرون كذلك أقل من المستمعين للقرآن. والجعل بمعنى الإنشاء. والأكنة جمع كنان كغطاء وأغطية لفظاً ومعنى لأن فعالاً بفتح الفاء وكسرها يجمع في القلة على أفعلة كأحمرة وأقذلة، وفي الكثرة على فعل كحمر إلا أن يكون مضاعفاً أو معتل اللام فيلزم جمعه على أفعلة كأكنة وأخبية إلا نادراً. وفعل الكن ثلاثي ومزيد يقال: كنه وأكنه كما قاله الطبرسي وغيره وفرق بينهما الراغب فقال: أكننت يستعمل لما يستر في النفس والثلاثي لغيره والتنوين للتفخيم. والواو للعطف والجملة معطوفة على الجملة قبلها عطف الفعلية على الاسمية، وقيل: الواو للحال أي وقد جعلنا. و {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } متعلق بالفعل قبله. وزعم أبو حيان أنه «إن كان بمعنى ألقى فالظرف متعلق به وإن كان بمعنى صير فمتعلق بمحذوف إذ هو في موضع المفعول الثاني». والمعنى على ما ذكرنا وأنشأنا على قلوبهم أغطية كثيرة لا يقادر قدرها. {أَن يَفْقَهُوهُ} أي كراهة أن يفهموا ما يستمعونه من القرآن المدلول عليه بذكر الاستماع فالكلام على تقدير مضاف ومنهم من قدر لا دونه أي أن لا يفقهوه وكذلك يفعلون في أمثاله، وجوز أن يكون مفعولاً به لما دل عليه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أي منعناهم أن يفقهوه أو لما دل عليه {أَكِنَّةً } وحده من ذلك {وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْرًا} أي صمماً وثقلاً في السمع يمنع من استماعه على ما هو حقه. والكلام عند غير واحد تمثيل معرب عن كمال جهلهم بشؤون النبـي صلى الله عليه وسلم وفرط نبوة قلوبهم عن فهم القرآن الكريم ومج أسماعهم أصمها الله تعالى، وجوز أن يكون هناك استعارة تصريحية أو مكنية أو مشاكلة. وقد مر لك في البقرة ما ينفعك هنا فتذكره. وقرأ طلحة {وقراً} بالكسر وهو على ما نص عليه الزجاج حمل البغل ونحوه، ونصبه على القراءتين بالعطف على {أَكِنَّةً } كما قال أبو البقاء. {وَإِن يَرَوْاْ } أي يشاهدوا ويبصروا {كُلَّ آيَةٍ} أي معجزة دالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم على ما نقل عن الزجاج وهو الذي يقتضيه كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كانشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة وتكثير القليل من الطعام وما أشبه ذلك {لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} لفرط عنادهم واستحكام التقليد فيهم. والكلام من باب عموم النفي ككل ذلك لم يكن لا من باب نفي العموم. والمراد ذمهم بعدم الانتفاع بحاسة البصر بعد أن ذكر سبحانه عدم انتفاعهم بعقولهم وأسماعهم، ونقل عن بعضهم أنه لا بد من تخصيص الآية في الآية بغير الملجئة دفعاً للمخالفة بين هذا وقوله تعالى: { أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } تفسير : [الشعراء: 4]. واكتفى بعضهم بحمل الإيمان على الإيمان بالاختيار وفرق بينه وبين خضوع الأعناق فليفهم. وخص شيخ الإسلام الآية «بما كان من الآيات القرآنية أي وإن يروا / شيئاً من ذلك بأن يشاهدوه بسماعه لا يؤمنوا به»، ولعل ما قدمناه أحلى لدى الذوق السليم. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ} أي يخاصمونك وينازعونك. و {حَتَّىٰ} هي التي تقع بعدها الجمل ويقال لها: حتى الابتدائية ولا محل للجملة الواقعة بعدها خلافاً للزجاج وابن درستويه زعماً أنها في محل جر بحتى. ويرده أن حروف الجر لا تعلق عن العمل وإنما تدخل على المفرد أو ما في تأويله. والجملة هنا قوله تعالى: {إِذَا جَاءوكَ} مع جواب الشرط أعني قوله سبحانه وتعالى: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وما بينهما حال من فاعل جاؤوا. وإنما وضع الموصول موضع الضمير ذماً لهم بما في حيز الصلة وإشعاراً بعلة الحكم. و {إِذَا } منصوبة المحل على الظرفية بالشرط أو الجواب على الخلاف الشهير في ذلك، واعترض بأن جعل {يُجَـٰدِلُونَكَ } في موضع الحال و {يَقُولُ ٱلَّذِينَ } جواباً مفض إلى جعل الكلام لغواً لأن المجادلة نفس هذا القول إلا أن تؤول المجادلة بقصدها. ولا يخفى ما فيه، فإن المجادلة مطلق المنازعة. وسميت بذلك لما فيها من الشدة أو لأن كل واحد من المتجادلين يريد أن يلقى صاحبه على الجدالة أي الأرض. والقول المذكور فرد منها فالكلام مفيد أبلغ فائدة كقولك إذا أهانك زيد شتمك، وذكر بعض النحويين أن حتى إذا وقع بعدها إذا يحتمل أن تكون بمعنى الفاء وأن تكون بمعنى إلى والغاية معتبرة في الوجهين أي بلغوا من التكذيب والمكابرة إلى أنهم إذا جاؤوك مجادلين لك لا يكتفون بمجرد عدم الإيمان [بما سمعوا من الآيات الكريمة] بل يقولون: {إِنْ هَذَا} أي ما هذا {إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي أحاديثهم المسطورة التي لا يعول عليها، وقال قتادة: كذبهم وباطلهم. وحاصل ما ذكر أن تكذيبهم بلغ النهاية بما ذكر لأنه الفرد الكامل منه. ونظير ذلك ـ مات الناس حتى الأنبياء ـ وجوز أن تكون {حَتَّىٰ } هي الجارة و {إِذَا جاءوك } في موضع الجر وهو قول الأخفش وتبعه ابن مالك في «التسهيل» ورده أبو حيان في «شرحه». وعليه فإذا خارجة عن الظرفية كما صرحوا به وعن الشرطية أيضاً فلا جواب لها فيقول حينئذ: تفسير ليجادلونك وهو في موضع الحال أيضاً. والأساطير عند الأخفش جمع لا مفرد له كأبابيل ومذاكير، وقال بعضهم: له مفرد. وفي «القاموس» «إنه جمع إسطار وإسطير بكسرهما وأُسطور وبالهاء في الكل»، وقيل: جمع أسطار بفتح الهمزة جمع سطر بفتحتين كسبب وأسباب فهو جمع جمع. وأصل السطر بمعنى الخط.
ابن عاشور
تفسير : عطف جملة ابتدائية على الجمل الابتدائية التي قبلها من قوله: {أية : الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون}تفسير : [الأنعام: 20]. والضمير المجرور بــ {من} التبعيضية عائد إلى المشركين الذين الحديث معهم وعنهم ابتداء من قوله: {أية : ثم الذين كفروا بربِّهم يعدلون}تفسير : [الأنعام: 1]، أي ومن المشركين من يستمع إليك. وقد انتقل الكلام إلى أحواللِ خاصّة عقلائهم الذين يربأون بأنفسهم عن أن يقابلوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل ما يقابله به سفهاؤهم من الإعراض التامّ، وقولِهم: {أية : قلوبنا في أكنّة ممّا تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب}تفسير : [فصلت: 5]. ولكن هؤلاء العقلاء يتظاهرون بالحلم والأناة والإنصاف ويخيّلون للدهماء أنّهم قادرون على مجادلة الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ وإبطال حججه ثم ينهون الناس عن الإيمان. روى الواحدي عن ابن عبّاس أنّه سمّى من هؤلاء أبا سفيان بن حرب، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا جهل، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأمية وأبيّا ابني خلف، اجتمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون القرآن فلمّا سمعوه قالوا للنضر: ما يقول محمد فقال: والذي جعلها بيته (يعني الكعبة) ما أدري ما يقول إلاّ أنِّي أرى تحرّك شفتيه فما يقول إلاّ أساطير الأولين مثل ما كنت أحدّثكم عن القرون الماضية. يعني أنّه قال ذلك مكابرة منه للحقّ وحسداً للرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ. وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى. وكان يحدّث قريشاً عن أقاصيص العجم، مثل قصة (رستم) و(إسفنديار) فيستملحون حديثه، وكان صاحب أسفار إلى بلاد الفرس، وكان النضر شديد البغضاء للرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي أهدر الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ دمه فقتل يوم فتح مكّة. وروي أنّ أبا سفيان قال لهم: إنِّي لأراه حقّاً. فقال له أبو جهل: كلاّ. فوصف الله حالهم بهذه الآية. وقد نفع الله أبا سفيان بن حرب بكلمته هذه، فأسلم هو دونهم ليلة فتح مكّة وثبتت له فضيلة الصحبة وصهر النبي صلى الله عليه وسلم ولزوجه هند بنت عتبة بن ربيعة. و{الأكنّة} جمع كنان ـــ بكسر الكاف ـــ و(أفعلة) يتعيّن في (فِعال) المكسور الفاء إذا كان عينه ولامه مثلين. والكنان: الغطاء، لأنّه يكنّ الشيء، أي يستره. وهي هنا تخييل لأنّه شبَّهت قلوبهم في عدم خلوص الحقّ إليها بأشياء محجوبة عن شيء. وأثبتت لها الأكنّة تخييلاً، وليس في قلب أحدهم شيء يشبه الكنان. وأسند جعل تلك الحالة في قلوبهم إلى الله تعالى لأنّه خلقهم على هذه الخصلة الذميمة والتعقّل المنحرف، فهم لهم عقول وإدراك لأنّهم كسائر البشر، ولكن أهواءهم تخيّر لهم المنع من اتِّباع الحقّ، فلذلك كانوا مخاطبين بالإيمان مع أنّ الله يعلم أنّهم لا يؤمنون إذ كانوا على تلك الصفة، على أنّ خطاب التكليف عامّ لا تعيين فيه لأناس ولا استثناء فيه لأناس. فالجعل بمعنى الخلق وليس للتحويل من حال إلى حال. وقد مات المسمّون كلّهم على الشرك عدا أبا سفيان فإنّه شهد حينئذٍ بأنّ ما سمعه حقّ، فدلّت شهادته على سلامة قلبه من الكنان. والضمير المنصوب في {أن يفقهوه} عائد إلى القرآن المفهوم من قوله {يستمع إليك}. وحذف حرف الجرّ. والتقدير: من أن يفقهوه، ويتعلّق بــ {أكنّة} لما فيه من معنى المنع، أي أكنّة تمنع من أن يفهموا القرآن. والوَقر ـــ بفتح الواو ـــ الصمم الشديد وفعله كوعد ووجد يستعمل قاصراً، يقال: وقرت أذنه، ومتعدّياً يقال: وقر الله أذنه فوقرت. والوقر مصدر غير قياسي لــ (وقرت) أذنه، لأنّ قياس مصدره تحريك القاف، وهو قياسي لــ (وقر) المتعدّي، وهو مستعار لعدم فهم المسموعات. جعل عدم الفهم بمنزلة الصمم ولم يذكر للوقر متعلّق يدلّ على الممنوع بوقر آذانهم لظهور أنّه من أن يسمعوه، لأنّ الوقر مؤذن بذلك، ولأنّ المراد السمع المجازي وهو العلم بما تضمّنه المسموع. وقوله: {على قلوبهم}، وقوله: {في آذانهم} يتعلّقان بِــ{جعلنا}. وقدّم كلّ منهما على مفْعول {جعلنا} للتنبيه على تعلّقه به من أول الأمر. فإن قلت: هل تكون هاته الآية حجّة للذين قالوا من علمائنا: إنّ إعجاز القرآن بالصَّرْفة، أي أعجز الله المشركين عن معارضته بأن صرفهم عن محاولة المعارضة لتقوم الحجّة عليهم، فتكون الصرفة من جملة الأكنّة التي جعل الله على قلوبهم. قلت: لم يحتجّ بهذه الآية أصحاب تلك المقالة لأنّك قد علمت أنّ الأكنّة تخييل وأنّ الوقر استعارة وأنّ قول النضر (ما أدري ما أقول)، بُهتان ومكابرة، ولذلك قال الله تعالى: {وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها}. وكلمة {كلّ} هنا مستعملة في الكثرة مجازاً لتعذّر الحقيقة سواء كان التعذّر عقلاً كما في هذه الآية، وقوله تعالى: {أية : فلا تميلوا كلّ الميل}تفسير : [النساء: 129]، وذلك أنّ الآيات تنحصر أفرادها لأنّها أفراد مقدّرة تظهر عند تكوينها إذ هي من جنس عامّ؛ أم كان التعذّر عادة كقول النابغة: شعر : بها كلّ ذيّال وخنساء ترعوي إلى كلّ رَجّاف من الرّمل فارد تفسير : فإنّ العادة تحيل اجتماع جميع بقر الوحش في هذا الموضع. فيتعذّر أن يرى القوم كلّ أفراد ما يصحّ أن يكون آية، فلذلك كان المراد بــ {كلّ} معنى الكثرة الكثيرة، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكلّ آية}تفسير : في سورة [البقرة: 145]. و{حتى} حرف موضوع لإفادة الغاية، أي أنّ ما بعدها غاية لما قبلها. وأصل {حتى} أن يكون حرف جرّ مثل (إلى) فيقع بعده اسم مفرد مدلوله غاية لما قبل (حتّى). وقد يعدل عن ذلك ويقع بعد (حتّى) جملة فتكون (حتّى) ابتدائية، أي تؤذن بابتداء كلام مضمونه غاية لكلام قبل (حتى). ولذلك قال ابن الحاجب في «الكافية»: إنّها تفيد السببية، فليس المعنى أنّ استماعهم يمتدّ إلى وقت تجيئهم ولا أنّ جعل الأكنّة على قلوبهم والوقر في آذانهم يمتدّ إلى وقت مجيئهم، بل المعنى أن يتسبّب على استماعهم بدون فهم. وجعل الوقر على آذانهم والأكنّة على قلوبهم أنّهم إذا جاءوك جادلوك. وسمّيت {حتى} ابتدائية لأنّ ما بعدها في حكم كلام مستأنف استئنافاً ابتدائياً. ويأتي قريب من هذا عند قوله: {أية : قد خسر الذين كذّبوا بلقاء الله حتّى إذا جاءتهم الساعة بغتة}تفسير : في هذه السورة (31)، وزيادة تحقيق لمعنى (حتّى) الابتدائية عند قوله تعالى: {أية : فمن أظلم من افترى على الله كذباً} تفسير : [الأعراف: 37] إلى قوله {أية : حتى إذا جاءتهم رسلنا}تفسير : الخ في سورة [الأعراف: 37]. {وإذا} شرطية ظرفية. و{جاءوك} شرطها، وهو العامل فيها. وجملة {يجادلونك} حال مقدّرة من ضمير {جاءوك} أي جاءوك مجادلين، أي مقدّرين المجادلة معك يظهرون لقومهم أنّهم أكفّاء لهذه المجادلة. وجملة {يقول} جواب {إذا}، وعدل عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: {يقول الذين كفروا} لزيادة التسجيل عليهم بالكفر، وأنّهم ما جاءوا طالبين الحقّ كما يدّعون ولكنّهم قد دخلوا بالكفر وخرجوا به فيقولون {إن هذا إلاّ أساطير الأولين}، فهم قد عدلوا عن الجدل إلى المباهتة والمكابرة. والأساطير جمع أسطورة ـــ بضم الهمزة وسكون السين ـــ وهي القصّة والخبر عن الماضين. والأظهر أنّ الأسطورة لفظ معرّب عن الرومية: أصله إسطوريَا ـــ بكسر الهمزة ـــ وهو القصّة. ويدلّ لذلك اختلاف العرب فيه، فقالوا: أسطورة وأسطيرة وأسطور وأسطير، كلّها ـــ بضم الهمزة ـــ وإسطارة وإسطار ـــ بكسر الهمزة ـــ. والاختلاف في حركات الكلمة الواحدة من جملة أمارات التعريب. ومن أقوالهم: «أعجميّ فالعب به ما شئْت». وأحسن الألفاظ لها أسطُورة لأنّها تصادف صيغة تفيد معنى المفعول، أي القصّة المسطورة. وتفيد الشهرة في مدلول مادّتها مثل الأعجوبة والأحدوثة والأكرومة. وقيل: الأساطير اسم جمع لا واحد له مثل أبابيل وعباديد وشَمَاطيط. وكان العرب يطلقونه على ما يتسامر الناس به من القصص والأخبار على اختلاف أحوالها من صدق وكذب. وقد كانوا لا يميِّزون بين التواريخ والقصص والخرافات فجميع ذلك مرمي بالكذب والمبالغة. فقولهم: {إن هذا إلاّ أساطير الأولين}. يحتمل أنّهم أرادوا نسبة أخبار القرآن إلى الكذب على ما تعارفوه من اعتقادهم في الأساطير. ويشتمل أنّهم أرادوا أنّ القرآن لا يخرج عن كونه مجموع قصص وأساطير، يعنون أنّه لا يستحقّ أن يكون من عند الله لأنّهم لقصور أفهامهم أو لتجاهلهم يعرضون عن الاعتبار المقصود من تلك القصص ويأخذونها بمنزلة الخرافات التي يتسامر الناس بها لتقصير الوقت. وسيأتي في سورة الأنفال أنّ من قال ذلك النضرلآالحارث، وأنّه كان يمثّل القرآن بأخبار (رستم) و(اسفنديار).
الواحدي
تفسير : {ومنهم} ومن الكفَّار {من يستمع إليك} إذا قرأت القرآن {وجعلنا على قلوبهم أكنَّة} أغطيةً {أن يفقهوهُ} لئلا يفهموه، ولا يعلموا الحقَّ {وفي آذانهم وقراً} ثِقلاً وصمماً، فلا يعون منه شيئاً، ولا ينتفعون به {وإن يروا كلَّ آية} علامةٍ تدلُّ على صدقك {لا يؤمنوا بها} هذا حالهم في البعد عن الإِيمان {حتى إذا جاؤوك يجادلونك} [مخاصمين معك في الدِّين] {يقول الذين كفروا} مَنْ كفر منهم: {إن هذا} ما هذا {إلاَّ أساطير الأوَّلين} أحاديث الأمم المتقدمة التي كانوا يسطرونها في كتبهم. {وهم ينهون} النَّاس عن اتَّباع محمد {وينأون} ويتباعدون {عنه} فلا يؤمنون به {وإنْ} وما {يهلكون إلاَّ أنفسهم} بتماديهم في معصية الله تعالى {وما يشعرون} وما يعلمون ذلك. {ولو ترى} يا محمد {إذ وقفوا على النار} أَيْ: حُبسوا على الصِّراط فوق النَّار، {فقالوا يا ليتنا نرد} تمنَّوا أن يردُّوا إلى الدُّنيا فيؤمنوا، وهو قوله: {ولا نكذب} أَيْ: ونحن لا نكذِّب {بآيات ربنا} بعد المعاينة {ونكون من المؤمنين} ضمنوا أنْ لا يُكذِّبوا ويؤمنوا، فقال الله تعالى: {بل} ليس الأمر على ما تمنَّوا في الردِّ {بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} وهو أنَّهم أنكروا شركهم، فأنطق الله سبحانه جوارحهم حتى شهدت عليهم بالكفر، والمعنى: ظهرت فضيحتهم في الآخرة، وتهتكت أستارهم {ولو ردوا لعادوا لما نهوا} إلى ما نُهوا {عنه} من الشِّرك، للقضاء السَّابق فيهم بذلك، وأنَّهم خلقوا للشَّقاوة {وإنهم لكاذبون} في قولهم: {ولا نكذِّب بآيات ربنا}. {وقالوا} يعني: الكفار: {إن هي إلاَّ حياتنا الدنيا...} الآية. أنكروا البعث. {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} عرفوا ربَّهم ضرورة. وقيل: وقفوا على مسألة ربِّهم وتوبيخه إيَّاهم، ويؤكِّد هذا قوله: {أليس هذا بالحق} أَيْ: هذا البعث، فيقرُّون حين لا ينفعهم ذلك، ويقولون: {بلى وربنا} فيقول الله تعالى: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} بكفركم. {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} بالبعث والمصير إلى الله {حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة} فجأة {قالوا يا حسرتنا على ما فرَّطنا فيها} قصَّرنا وضيَّعنا عمل الآخرة في الدُّنيا {وهم يحملون أوزارهم} أثقالهم وآثامهم {على ظهورهم} وذلك أنَّ الكافر إذا خرج من قبره استقبله عمله أقبح شيءٍ صورةً، وأخبثه ريحاً، فيقول: أنا عملك السَّيِّىء طال ما ركبتني في الدُّنيا، فأنا أركبك اليوم. {ألا ساء ما يزرون} بئس الحمل ما حملوا. {وما الحياة الدنيا إلاَّ لعبٌ ولهو} لأنَّها تفنى وتنقضي كاللَّهو واللَّعب، تكون لذَّةً فانيةً عن قريبٍ {وللدار الآخرة} الجنَّة {خير للذين يتقون} الشِّرك {أفلا تعقلون} أنَّها كذلك، فلا تَفْتُروا في العمل لها، ثمَّ عزَّى نبيَّه صلى الله عليه وسلم على تكذيب قريش إيَّاه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 25- ومنهم من يستمع إليك حين تتلو القرآن، لا ليتفهموه، وليهتدوا به، وإنما ليتلمسوا سبلا للطعن فيه والسخرية منه. وقد حرمناهم بسبب ذلك من الانتفاع بعقولهم وأسماعهم، كأن عقولهم فى أغطية تحجب عنهم الإدراك الصحيح، وكأن فى آذانهم صمماً يحول دون سماع آيات القرآن، وإن يروا كل دليل لا يؤمنون به، حتى إذا جاءوك ليجادلوك بالباطل يقول الذين كفروا مدفوعين بكفرهم: ما هذا إلا أباطيل سطرها من قبلك الأولون. 26- وهم ينهون الناس عن الإيمان بالقرآن، ويبتعدون عنه بأنفسهم، فلا ينتفعون ولا يدعون غيرهم ينتفع! وما يضرون بذلك الصنيع إلا أنفسهم، وما يشعرون بقبح ما يفعلون. 27- ولو ترى - أيها النبى - هؤلاء الكفار وهم واقفون على النار يعانون أهوالها، لرأيت أمراً غريباً رهيباً، إذ يتمنون الرجوع إلى الدنيا، ويقولون: يا ليتنا نرد إليها لنصلح ما أفسدنا، ولا نكذب بآيات ربنا، ونكون من المؤمنين! 28- وليس قولهم هذا، إلا لأنه قد ظهر لهم ما لا يمكن إخفاؤه والمكابرة فيه، مما كان يخبرهم به الرسول! ولو ردّوا إلى الدنيا كما يتمنون، لعادوا إلى الكفر الذى نهاهم الله عنه، لغرورهم بزخرفها وإطاعة أهوائهم! وإنهم لكاذبون فى دعواهم الإيمان إذا ردوا إلى الدنيا! 29- ولو أعيدوا إلى الدنيا لعادوا إلى سيرتهم الأولى وقالوا: ليس لنا حياة إلا هذه الحياة الدنيا. وما نحن بعد ذلك بمبعوثين!
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أكنة: جمع كنان ما يكن فيه الشيء كالغطاء. وقرأ: ثقلاً وصمماً فهم لا يسمعون. يجادلونك: يخاصمونك. أساطير الأولين: جمع أسطورة: ما يكتب ويحكى من أخبار السابقين. وينأون عنه: أي ويبعدون عنه. بل بدا لهم: بل ظهر لهم. إن هي إلا حياتنا: ما هي إلا حياتنا. مبعوثين: بعد الموت أحياء كما كنا قبل أن نموت. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن أولئك العادلين بربهم المشركين به سواه فيخبر تعالى عن بعضهم فيقول {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} حال قراءتك القرآن ولكنه لا يعيه قلبه ولا يفقه ما فيه من أسرار وحكم تجعله يعرف الحق ويؤمن به، وذلك لما جعلنا حسب سنتنا في خلقنا من أكنة على قلوبهم أي أغطية، ومن وقر أي ثقل وصمم في آذانهم، فلذا هم يستمعون ولا يسمعون، ولا يفقهون وتلك الأغطية وذلك الصمم هما نتيجة ما يحملونه من بغض للنبي صلى الله عليه وسلم وكره لما جاء به من التوحيد، ولذا فهم لو يرون كل آية مما يطالبون من المعجزات كإحياء الموتى ونزول الملائكة عياناً لا يؤمنون بها لأنهم لا يريدون أن يؤمنوا ولذا قال تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ} أي في شأن التوحيد وآلهتهم {يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ} أي ما هذا {إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}، أمليت عليك أو طلبت كتابتها فأنت تقصها، وليس لك من نبوة ولا وحي ولا رسالة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [25] أما باقي الآيات فإن الثانية [26] تضمنت إخبار الله تعالى عنهم بأنهم ينهون الناس عن الإِيمان بالنبي وبما جاء به وعن متابعته والدخول في دينه، وينأون هم بأنفسهم أي يبعدون عنه فلا إيمان ولا متابعة. وهذه شر الصفات يصفهم الله تعالى بها وهي البعد عن الحق والخير، وأمر الناس بالبعد عنهما ونهيهم عن قربهما ولذا قال تعالى: {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} بهذا الموقف الشائن المعادي للرسول والتوحيد، وما يشعرون بذلك إذ لو شعروا لكفوا، والذي أفقدهم الشعور هو حب الباطل والشر الذي حملهم على عداوة الرسول وما جاء به من عبادة الله وتوحيده وها هم أولاً قد حشروا في جهنم، والله تعالى يقول للرسول: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} ولا بد لهم من دخولها والاصطلاء بحرها والاحتراق بلهبها، فقالوا وهم في وسطها {يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ} إلى الحياة الدنيا {وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، وما هم والله بصادقين وإنما هي تمنيات حمل عليها الإِشفاق من العذاب والخوف من نار جهنم، والفضيحة حين ظهر لهم ما كانوا يخفون في الدنيا من جرائم وفواحش وهم يغشونها الليل والنهار قال تعالى وهو العليم الخبير: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}، وصدق الله لو ردوا لعادوا وفي الآية الأخيرة [29] يسجل الله تعالى عليهم سبب بلائهم ومحنتهم، وإقدامهم في تلك الجرأة الغريبة على الشرك ومحاربة التوحيد، ومحاربة الموحدين بالضرب والقتل والتعذيب إنه كفرهم بالبعث والجزاء إذ قالوا ما أخبر تعالى به عنهم: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله تعالى في أن العبد إذا كره أحداً وأبغضه وتغالى في ذلك يصبح لا يسمع ما يقول له، ولا يفهم معنى ما يسمع منه. 2- شر دعاة الشر من يعرض عن الهدى ويأمر بالإِعراض عنه، وينهى من يقبل عليه. 3- سبب الشر في الأرض الكفر بالله، وإنكار البعث والجزاء الآخر.
القطان
تفسير : الأكنة: الأغطية مفردها كنان. الوقر: الثقل في السمع، الصمم. الأساطير: مفردها أسطورة، وهي الخرافة. نأى عنه: بعُد، واعرض. بعد أن بيّن تعالى احوال الكفار يوم القيامة، وما كان منهم من تلجلج واضطراب، ذكر هنا ما يوجب اليأس من ايمان بعضهم مهمات توالت الآيات والنذر. ومنهم من يستمع اليك حين تتلو القرآن، لا يلتفهموه وليهتدوا به، وانما ليتلمسوا سبيلا للطعن فيه والسخرية منه. لذا فقد حرمناهم من الانتفاع بعقولهم وأسماعهم، فباتوا وكأن عقولهم عليها أغطية تحجب عنهم الادراك الصحيح، وكأن في آذانهم صمماً يحول دون سماع الآيات على صحة نبوتك وحتى لو رأوا كل دليل فإنهم لن يؤمنوا. وسيظلون اذا جاؤوك ليجادلوك بالباطل، قالوا مدفوعين بكفرهم: ما هذا الا خرافات عن الأولين. {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ...}. وهم ينهون الناس عن الإيمان بالقرآن، ويبتعدون عنه بانفهسم، فلا ينتفعون ولا يَدعون غيرهم ينتفع به. {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}. الواقع انهم لا يضرون بذلك الا أنفسهم، وما يشعرون بقبح ما يفعلون. روى ابن عباس: قال حضر عند النبي صلى الله عليه وسلم أبو سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر ابن الحارث، والحارث بن عامر، وأبو جهل.. في جَمعٍ من كفار قريش، واستمعوا الى النبي وهو يقرأ القرآن فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة، ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعل الكعبة بيته ما أدري ما يقول، إلا أني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولي مثل ما كنتُ أحدّثكم بهِ عن القرون الماضية (وكان النضر كثير الحديث عن القرون الاولى). قال ابو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول حقاً. فقال ابو جهل: كلا. فأنزل الله الآية... وهناك روايات اخرى...
د. أسعد حومد
تفسير : {ۤ آذَانِهِمْ} {آيَةٍ} {يُجَادِلُونَكَ} {أَسَاطِيرُ} (25) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبُو سُفْيَانَ، وَالوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وَالنَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ، وَالحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو جَهْلٍ فِي جَمْعٍ كَثيرٍ، وَاسْتَمَعُوا إِلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقْرَأُ القُرْآنَ. فَقَالُوا لِلنَّضْرِ بْنِ الحَارِثِ: يَا أَبَا قُتَيْلَةَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ وَالذِي جَعَلَ الكَعْبَةَ بَيْتَهُ مَا أَدْرِي مَا يَقُولُ، إِلاَّ أَنِي أَرَاهُ يُحَرِّكُ شَفَتَيهِ يَتَكَلَّمُ بِأَسَاطِيرِ الأَوَّلِينَ، مِثْلَ مَا كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ بِهِ عَنْ القُرُونِ المَاضِيَةِ. وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِنَّي لأَرَى بَعْضَ مَا يَقُولُ حَقّاً. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: كَلاَّ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ.. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ أُولَئِكَ الكَافِرِينَ مِنْهُمْ فَرِيقٌ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَأَنْتَ تَتْلُو القُرْآنَ دَاعِياً إِلى تَوْحِيدِ اللهِ، وَمُبَشِّراً وَمُنْذِراً، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَغْطِيَةُ، تَحُولُ دُونَ فَهْمِهِ، وَجَعَلَ فِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَصَمَماً وَثِقَلاً يَحُولُ دُونَ سَمَاعِهِ إِذَا أَرَادُوا تَدَبُّرَهُ، وَالوُصُولَ إِلى مَا فِيهِ مِنَ الهِدَايَةِ وَالرُّشْدِ. وَهؤلاءِ لاَ يُؤْمِنُونَ وَإِنْ رَأَوْا كُلَّ آيَةً مِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِكَ، وَصِدْقِ دَعْوَتِكَ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَفْقَهُونَهَا وَلا يُدْرِكُونَ المُرَادَ مِنْهَا، وَإِذا جَاؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ فِي دَعْوَتِكَ قَالُوا: مَا هذا الذِي تَتْلُوهُ إِلاَّ قَصَصُ الأَوَّلِينَ وَخُرَافَاتُهُمْ، تُسَطَّرُ وَتُكْتَبُ كَغَيْرِهَا مِنَ الأَنْبَاءِ فَلا عِلْمَ فِيهَا وَلاَ فَائِدَةَ. أَكِنَّةً - أَغْطِيةً. وَقْراً - صَمَماً، وَثِقْلاً فِي السَّمَعِ. أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ - قَصَصُ الأَوَّلِينَ وَخُرَافَاتُهُمْ المُسَطَّرَةُ فِي كُتُبِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن من هؤلاء من يستمع إلى القرآن لا بهدف التفهم والهداية، ولكن بهدف تلمس أي سبيل للطعن في القرآن، فكأن قلوبهم مغلقة عن القدرة على الفهم وحسن الاستنباط وصولاً إلى الهداية، وهم يجادلون بهدف تأكيد كفرهم لا بنية صافية لاستبانة آفاق آيات الحق والوصول إلى الطريق القويم. ونعلم أن السورة كلها جاءت لتواجه قضية الأصنام والوثنية والشرك بالله، ونعلم أن المعجزة التي جاءت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هي القرآن، وهو معجزة كلامية، تختلف عن المعجزات المرئية التي شاهدها المعاصرون لموسى عليه السلام: كشق البحر أو رؤية العصا وهي تصير حية تلقف كل ما ألقاه السحرة، أو معجزة عيسى عليه السلام من إبراء الأكمه والأبرص، فهذه كلها معجزات مرئية ومحددة بوقت، أما معجزة رسول الله فهي معجزة مسموعة ودائمة. إن السمع هو أول أدوات الإدراك للنفس البشرية. إنه أول آلة إدراك تنبه الإنسان، إنه آلة الإدراك الوحيدة التي تُستصحب وقت النوم وتؤدي مهمتها؛ لأن تصميمها يضم إمكانات مواصلة مهمتها وقت النوم. ونعلم أن الحق حينما أراد أن يقيم أهل الكهف مدة ثلاثمائة وتسع سنين ضرب على آذانهم حتى يكون نومهم سباتاً عميقاً، فهم في كهف في جبل، والجبل في صحارى تهب عليها الرياح والزوابع والأعاصير، فلو أن آذانهم على طبيعتها لما استراحوا في النوم الذي أراده الله لهم، ولذلك ضرب الله على آذانهم وقال سبحانه: {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً} تفسير : [الكهف: 11]. ومعجزة رسول الله - إذن - جاءت سمعية وأيضاً يمكن قراءتها. وحين يتلقى الإنسان بلاغاً فهو يتلقاه بسمعه، ويستطيع من بعد ذلك أن يقرأ هذا البلاغ ويتفقه فيه، ولا أحد يعرف القراءة إلا إذا سمع أصوات الحروف أولاً ثم رآها من بعد ذلك، لقد تميزت معجزته صلى الله عليه وسلم بسيد الأدلة في وسائل الإدراك الإنساني، وهو السمع، والحق يقول: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ}. إن هناك فارقا بين "يسمع" و "يستمع"، فالذي يسمع هو الذي يسمع عرضاً، أما الذي "يستمع" فهو الذي يسمع عمداً. والسامع دون عمد ليس له خياراً ألاّ يسمع، إلا إذا سد أذنيه. أما الذي يستمع فهو الذي يقصد السمع. وهم كانوا يستمعون للقرآن لا بغرض اكتشاف آفاق الهداية ولكن بغرض الإصرار على الكفر وذلك بقصد تصيد المطاعن على القرآن. ويقول الحق سبحانه: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} و "الأكنة" جمع "كنان" وهي الغطاء أو الغلاف. ويتابع الحق: {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} أي جعلنا في آذانهم صمماً، كأنهم باختيارهم الكفر قد منعهم الله أن يفهموا القرآن، ونعلم أن جميع المعاصرين لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمعوا لرسول الله ومنهم من آمن ومنهم من ظل على الكفر. ونعرف أن لكل فعل مستقبلاً. ويمكن للمستقبل أن يؤمن وبذلك يكون الفعل قد أتى ثمرته، وقد يكون المُستقبل مصراً على موقفه السابق فلا يؤمن، وهنا يكون الفعل لم يؤت ثمرته، والفاعل واحد، لكن القابل مختلف. وكان بعض الكافرين يسمعون القرآن ثم يخرجون دون إيمان: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} تفسير : [محمد: 16]. إنهم ككفار يستمعون للقرآن، ثم ينصرفون ليقولوا في استهزاء للمؤمنين الذين علموا وآمنوا: أي كلام هذا الذي يقوله محمد؟ هؤلاء المستهزئون هم الذين ختم الله على قلوبهم بالكفر، وانصرفوا عن الهداية إلى الضلال. والمتكلم بكلام الله هو رسول الله مبلغاً عن الله، والسامع مختلف؛ فهناك سامع مؤمن يتأثر بما يسمع، وهناك سامع كافر لا تستطيع أذنه أن تنقل الوعي والإدراك بما سمع. لكن القرآن للذين آمنوا هدى وشفاء، أما الذين لا يؤمنون به فآذانهم تصم عن الفهم وأعماقهم بلا بصيرة فلذلك لا يفهمون عن الله، وتجد نفس المؤمن تستشرف لأن تعلم ماذا في القرآن. أما الذي يريد أن يكون جباراً في الأرض فهو لا يريد أن يلزم نفسه بالمنهج. وحتى نعرف الفارق بين هذين اللونين من البشر، نجد المؤمن ينظر إلى الكون ويتأمله فيدرك أن له صانعاً حكيماً، أما الكافر فبصيرته في عماء عن رؤية ذلك. وحين يستمع المؤمن إلى بلاغ من خالق الكون فهو يرهف السمع، أما الكافر فهو ينصرف عن ذلك. وكان صناديد قريش أمثال أبي جهل وأبي سفيان، والنضر بن الحارث، والوليد ابن المغيرة، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وحرب بن أمية، كل هؤلاء من صناديد قريس يجتمعون ويسأل الواحد منهم النضر قائلاً: يا نضر ما حكاية الكلام الذي يقوله محمد؟ وكان النضر راوية للقصص التي يجمعها من أنحاء البلاد، فهو قد سافر إلى بلاد فارس والروم وجاب الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها، فقال: والله ما أدري ما يقول محمد إلا أنه أساطير الأولين. ويتجادل النضر وأبو سفيان وأبو جهل مع رسول الله، وهذا الجدال دليل عدم فهم لما جاء من آيات القرآن. ولم يجعل الله الوقر على آذانهم قهراً عنهم، بل بسبب كفرهم أولاً، فطبع الله على قلوبهم بكفرهم، واستقر مرض الكفر في قلوبهم وفضلوه على الإيمان فزادهم الله مرضاً، وقال فيهم الحق سبحانه: {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [الأنعام: 25]. والأساطير هي جمع أسطورة، والأسطورة شيء يسطر ليتحدث به من العجائب والأحداث الوهمية. وكأن الحق سبحانه وتعالى يكشفهم أمام أنفسهم وهو يحاولون أن يجدوا ثغرة في القرآن فلا يجدون. وقال الله عنهم قولاً فصلاً: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. فهم يعلمون عظمة القرآن فكيف يقولون إنه أساطير الأولين؟ لقد كانوا من المعجبين بعظمة أسلوب القرآن الكريم فهم أمة بلاغة، ولكنهم يعلمون أن مطلوبات القرآن صعبة على أنفسهم. كما أنهم أرادوا أن يظلوا في السيادة والجبروت والقهر للغير، والقرآن إنما جاء ليساوي بين البشر جميعاً أمام الحق الواحد الأحد. لقد جاءت حوادث قسرية بإرادة الله لتكون سبباً للإيمان، مثلما حدث مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما علم أن أخته قد أسلمت فذهب إليها وضربها حتى أسال منها الدم. وإسالة الدم حركت فيه عاطفة الأخوة فأزالت صلف العناد، فأراد أن يقرأ الصحيفة التي بها بعض من آيات القرآن، وتلقى الأمر من أخته بأن يتطهر فتطهر وجلس يستمع، وبزوال صلفه وعناده وبتطهره صار ذهنه مستعداً لفهم ما جاء بالقرآن، وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلن إيمانه بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبرسالته الخاتمة. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} معناهُ غِطَاءٌ. تفسير : وقوله تعالى: {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} معناهُ صَمَمٌ. تفسير : وقوله تعالى: {أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} معناهُ الأَبَاطِيلُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ومن هؤلاء المشركين، قوم يحملهم بعضَ الأوقات، بعضُ الدواعي إلى الاستماع لما تقول، ولكنه استماع خال من قصد الحق واتباعه، ولهذا لا ينتفعون بذلك الاستماع، لعدم إرادتهم للخير { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أي: أغطية وأغشية، لئلا يفقهوا كلام الله، فصان كلامه عن أمثال هؤلاء. { وَفِي آذَانِهِمْ } جعلنا { وَقْرًا } أي: صمما، فلا يستمعون ما ينفعهم. { وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا } وهذا غاية الظلم والعناد، أن الآيات البينات الدالة على الحق، لا ينقادون لها، ولا يصدقون بها، بل يجادلون بالباطل الحقَّ ليدحضوه. ولهذا قال: { حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } أي: مأخوذ من صحف الأولين المسطورة، التي ليست عن الله، ولاعن رسله. وهذا من كفرهم، وإلا فكيف يكون هذا الكتاب الحاوي لأنباء السابقين واللاحقين، والحقائق التي جاءت بها الأنبياء والمرسلون، والحق،والقسط، والعدل التام من كل وجه، أساطيرَ الأولين؟.
همام الصنعاني
تفسير : 805- وقال في قوله تعالى: {قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} [الآية: 25]، يقول: يسمعونه بآذانهم، وَلاَ يوعونَ منه شَيْئاً، كمثل البهيمة التي تسمع القول، وَلاَ تدري مَا يُقَالُ لَهَا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):