٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بيّن أنهم طعنوا في كون القرآن معجزاً بأن قالوا: إنه من جنس أساطير الأولين وأقاصيص الأقدمين؛ بين في هذه الآية أنهم ينهون عنه وينأون عنه، وقد سبق ذكر القرآن وذكر محمد عليه السلام، فالضمير في قوله {عَنْهُ } محتمل أن يكون عائداً إلى القرآن وأن يكون عائداً إلى محمد عليه الصلاة والسلام، فلهذا السبب اختلف المفسرون فقال بعضهم: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } أي عن القرآن وتدبره والاستماع له. وقال آخرون: بل المراد ينهون عن الرسول. واعلم أن النهي عن الرسول عليه السلام محال بل لا بدّ وأن يكون المراد النهي عن فعل يتعلق به عليه الصلاة والسلام، وهو غير مذكور فلا جرم حصل فيه قولان: منهم من قال المراد أنهم ينهون عن التصديق بنبوّته والإقرار برسالته. وقال عطاء ومقاتل: نزلت في أبي طالب كان ينهى قريشاً عن إيذاء النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يتباعد عنه ولا يتبعه على دينه. والقول الأول: أشبه لوجهين: الأول: أن جميع الآيات المتقدمة على هذه الآية تقتضي ذم طريقتهم، فكذلك قوله {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } ينبغي أن يكون محمولاً على أمر مذموم، فلو حملناه على أن أبا طالب كان ينى عن إيذائه، لما حصل هذا النظم. والثاني: أنه تعالى قال بعد ذلك {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ } يعني به ما تقدم ذكره. ولا يليق ذلك بأن يكون المراد من قوله {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } النهي عن أذيته، لأن ذلك حسن لا يوجب الهلاك. فإن قيل: إن قوله {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ } يرجع إلى قوله {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } لا إلى قوله {يَنْهَوْنَ عَنْهُ } لأن المراد بذلك أنهم يبعدون عنه بمفارقة دينه، وترك الموافقة له وذلك ذم فلا يصح ما رجحتم به هذا القول. قلنا: إن ظاهر قوله {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ } يرجع إلى كل ما تقدم ذكره لأنه بمنزلة أن يقال: إن فلاناً يبعد عن الشيء الفلاني وينفر عنه ولا يضر بذلك إلا نفسه، فلا يكون هذا الضرر متعلقاً بأحد الأمرين دون الآخر. المسألة الثانية: اعلم أن أولئك الكفار كانوا يعاملون رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوعين من القبيح. الأول: إنهم كانوا ينهون الناس عن قبول دينه والاقرار بنبوته. والثاني: كانوا ينأون عنه، والنأي البعد يقال: نأى ينأى إذا بعد. ثم قال: {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } قال ابن عباس، أي وما يهلكون إلا أنفسهم بسبب تماديهم في الكفر وغلوهم فيه وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم ويذهبونها إلى النار بما يرتكبون من الكفر والمعصية، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} النَّهي الزجر، والنأيُ البعد، وهو عام في جميع الكفار أي ينهون عن ٱتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وينأون عنه؛ عن ابن عباس والحسن. وقيل: هو خاص بأبي طالب ينهى الكفار عن إذاية محمد صلى الله عليه وسلم، ويتباعد عن الإيمان به؛ عن ابن عباس أيضاً. وروى أهلُ السِّير قال: حديث : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد خرج إلى الكعبة يوماً وأراد أن يصلي، فلما دخل في الصلاة قال أبو جهل ـ لعنه الله ـ: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته. فقام ابن الزِّبَعْرَى فأخذ فَرَثا ودماً فَلَطَّخَ به وجه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فٱنفتل النبيّ صلى الله عليه وسلم من صلاته، ثم أتى أبا طالب عَمَّه فقال: «يا عمّ ألا ترى إلى ما فُعِل بي» فقال أبو طالب: من فعل هذا بك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عبد الله بن الزِّبَعْرَى؛ فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه ومشى معه حتى أتى القوم؛ فلما رأُوا أبا طالب قد أقبل جعل القوم ينهضون؛ فقال أبو طالب: والله لئن قام رجل لجَلَّلْتُهُ بسيفي فقعدوا حتى دنا إليهم، فقال؛ يا بنيّ من الفاعل بك هذا؟ فقال: «عبد الله بن الزِّبَعْرَي» فأخذ أبو طالب فَرْثاً ودماً فلطَّخَ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول؛ فنزلت هذه الآية {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عمّ نزلت فيك آية» قال: وما هي؟ قال: «تمنع قريشاً أن تؤذيني وتأبى أن تؤمن بي» » تفسير : فقال أبو طالب: شعر : واللَّهِ لن يَصلُوا إليك بجمعهم حتّى أُوسَّدَ في التُّراب دَفِينَا فٱصدَعْ بأمرك ما عليكَ غضاضةٌ وابْشرْ بذاك وَقَرَّ منك عُيونَا ودَعوتَني وزعمت أنك ناصحِي فلقد صَدَقتَ وكنتَ قبلُ أَمينَا وَعَرضتَ دِيناً قد عرفتُ بأنّهُ مِن خَير أَديانِ البرِيَّةِ دِينَا لولا الملامةُ أو حِذارُ مَسَبَّةٍ لوجَدْتَنِي سَمْحاً بذاكَ يَقِيناً حديث : فقالوا: يا رسول الله هل تنفع أبا طالب نصرته؟ قال: «نعم دفع عنه بذاك الغُلّ ولم يُقْرَن مع الشياطين ولم يَدخل في جُبّ الحيّات والعقارب إنما عذابه في نعلين من نار في رجليه يغلي منهما دماغه في رأسه وذلك أهون أهل النار عذاباً». وأنزل الله على رسوله «»فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} [الأحقاف: 35]تفسير : . وفي صحيح مسلم عن أبي هُريرة قال. حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: «قل لا إلۤه إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة» قال: لولا تُعيِّرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزَع لأقررتُ بها عينك؛ فأنزل الله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [القصص: 56] تفسير : كذا الرواية المشهورة «الجَزَع» بالجيم والزاي ومعناه الخوف. وقال أبو عُبيد: «الخرَع» بالخاء المنقوطة والراء المهملة. قال يعني الضّعف والخَوَر، وفي صحيح مسلم أيضاً عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أهون أهل النار عذاباً أبو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه » تفسير : . وأما عبد الله بن الزِّبَعْري فإنه أسلم عام الفتح وحَسُن إسلامه، واعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل عذره؛ وكان شاعراً مجيداً؛ فقال يمدح النبيّ صلى الله عليه وسلم، وله في مدحه أشعار كثيرة ينسخ بها ما قد مضى في كفره؛ منها قوله: شعر : مَنع الرُّقادَ بَلابلٌ وهُمومُ واللَّيلُ مُعْتَلِجُ الرِّواق بَهِيمُ مِمّا أَتاتي أَنّ أحمد لاَمَنِي فيه فبِتّ كأنّني مَحُمُومُ يا خيرَ من حَمَلْت على أَوْصَالِهَا عَيْرَانةٌ سُرُحُ اليدينِ غَشُومُ إنِّي لمعتذرٌ إليكَ من الَّذي أسْدَيْت إذْ أَنَا في الضَّلال أَهِيمُ أيامَ تأمُرني بأَغْوَى خُطَّةٍ سَهْمٌ وتأمُرني بها مَخْزُومُ وَأَمَدُّ أسبابَ الرَّدَى ويَقودُني أَمرُ الغُواةِ وأَمْرُهم مَشْئُومُ فاليومَ آمنَ بالنبيّ مُحمَّدٍ قَلْبِي ومُخْطِىءُ هذه مَحْرُومُ مَضَتِ العداوةُ فانقضتْ أسبابُها وأَتتْ أَواصِر بيننا وحُلُومُ فاغفرْ فِدًى لكَ والِدَايَ كِلاهُمَا زَلَلِي فإنّكَ راحمٌ مَرْحومُ وعليكَ من سِمَة المليكِ عَلاَمَةٌ نُورٌ أغرُّ وخاتم مَخْتومُ أَعطاكَ بعدَ مَحبَّةٍ بُرْهانَهُ شَرَفاً وبُرْهَانُ الإلهِ عَظيمُ ولقد شَهِدتُ بأنّ دينكَ صادقٌ حَقّاً وأنَّكَ في العباد جَسِيمُ واللَّهُ يشهدُ أنّ أحمدَ مُصْطفًى مُستقبَلٌ في الصّالحين كَرِيمُ قَرْمٌ علاَ بنيانُه من هاشمٍ فَرْعٌ تَمكَّنَ في الذُّرَى وأَرُومُ تفسير : وقيل: المعنى «يَنْهَوْنَ عَنْهُ» أي هؤلاء الذين يستمعون ينهون عن القرآن «وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ». عن قَتَادة؛ فالهاء على القولين الأوّلين في «عنه» للنبي صلى الله عليه وسلم، وعلى قول قَتَادة للقرآن. {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} «إن» نافية أي وما يهلكون إلاَّ أنفسهم بإصرارهم على الكفر، وحملهم أوزار الذين يَصدُّونهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُمْ يَنْهَوْنَ } الناس {عَنْهُ } عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم {وَيَنئَوْنَ } يتباعدون {عَنْهُ } فلا يؤمنون به، وقيل: نزلت في (أبي طالب) وكان ينهى عن أذاه ولا يؤمن به {وَإِنْ} ما {يُهْلِكُونَ } بالنأي عنه {إِلاَّ أَنفُسَهُمْ } لأن ضرره عليهم {وَمَا يَشْعُرُونَ } بذلك.
ابن عطية
تفسير : الضمير في قوله: {وهم} عائد على المذكورين قبل، والضمير في {عنه} قال قتادة ومجاهد يعود على القرآن المتقدم ذكره في قوله أن يفهموه وقال ابن عباس وابن الحنفية والضحاك هو عائد على محمد عليه السلام والمعنى أنهم ينهون غيرهم ويبعدون هم بأنفسهم و "النأي" البعد، {وإن يهلكون} معناه ما يهلكون إلا أنفسهم بالكفر الذي يدخلهم جهنم، وقال ابن عباس أيضاً والقاسم وحبيب بن أبي ثابت وعطاء بن دينار المراد بقوله {وهم ينهون عنه} أبو طالب ومن كان معه على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الدوام في الكفر، والمعنى وهم ينهون عنه من يريد إذايته {وينأون عنه} بإيمانهم واتباعهم فهم يفعلون الشيء وخلافه، ويقلق على هذا القول رد قوله {وهم} على جماعة الكفار المتقدم ذكرها، لأن جميعهم لم يكن ينهى عن إذاية النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: ويتخرج ذلك ويحسن على أن تقدر القصد ذكر ما ينعى على فريق فريق من الجماعة التي هي كلها مجمعة على الكفر، فخرجت العبارة عن فريق من الجماعة بلفظ يعم الجماعة، لأن التوبيخ على هذه الصورة أغلظ عليهم، كما تقول إذا شنعت على جماعة فيها زناة وسرقة وشربة خمر هؤلاء يزنون ويسرقون ويشربون الخمر وحقيقة كلامك أن بعضهم يفعل هذا وبعضهم يفعل هذا، فكأنه قال: من هؤلاء الكفرة من يستمع وهم ينهون عن إذايته ولا يؤمنون به، أي: منهم من يفعل ذلك {وما يشعرون} معناه: ما يعلمون علم حسّ، وهو مأخوذ من الشعار الذي يلي بدن الإنسان، والشعار مأخوذ من الشعر، ونفي الشعور مذمة بالغة إذ البهائم تشعر وتحس، فإذا قلت لا يشعر فقد نفيت عنه العلم النفي العام الذي يقتضي أنه لا يعلم ولا المحسوسات. قال القاضي أبو محمد: وقرأ الحسن "وينون عنه" ألقيت حركة الهمزة على النون على التسهيل القياسي، وقوله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} الآية المخاطبة فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم، وجواب {لو} محذوف، تقديره في آخر هذه الآية لرأيت هولاً أو مشقات أو نحو هذا، وحذف جوابها في مثل هذا أبلغ لأن المخاطب يترك مع غاية تخيله، ووقعت {إذ} في موضع إذا التي هي لما يستقبل وجاز ذلك لأن الأمر المتيقن وقوعه يعبر عنه كما يعبر عن الماضي الوقوع، و {وقفوا} معناه: حبسوا، ولفظ هذا الفعل متعدياً وغير متعد سواء، تقول: وقفت أنا ووقفت غيري، وقال الزهراوي: وقد فرق بينهما بالمصدر ففي المتعدي وقفته وقفاً وفي غير المتعدي وقفت وقوفاًَ، قال أبو عمرو بن العلاء: لم أسمع في شيء من كلام العرب أوقفت فلاناً إلا أني لو لقيت رجلاً واقفاً فقلت له ما أوقفك هاهنا لكان عندي حسناً، ويحتمل قوله: {وقفوا على النار} أن يكون دخلوها، فكان وقوفهم عليها أي فيها، قاله الطبري، ويحتمل أن يكون أشرفوا عليها وعاينوها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: "ولا نكذبُ" و "نكونُ" بالرفع في كلها، وذلك على نية الاستئناف والقطع في قوله "ولا نكذب ونكون" أي يا ليتنا نرد ونحن على كل حال لا نكذب ونكون، فأخبروا أنفسهم بهذا ولهذا الإخبار صح تكذيبهم بعد هذا، ورجح هذا سيبويه ومثله بقولك دعنى ولا أعود أي وأنا لا أعود على كل حال، ويخرج ذلك على قول آخر وهو أن يكون "ولا نكذب ونكون" داخلاً في التمني على حد ما دخلت في نرد، كأنهم قالوا: يا ليتنا نرد وليتنا نكذب وليتنا نكون، ويعترض هذا التأويل بأن من تمنى شيئاً يقال إنه كاذب وإنما يكذب من أخبر. قال القاضي أبو محمد: وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يكون قوله {أية : وإنهم لكاذبون} تفسير : [الأنعام:28] حكاية عن حالهم في الدنيا كلاماً مقطوعاً مما قبله وبوجه آخر وهو أن المتمني إذا كانت سجيته وطريقته مخالفة لما تمنى بعيدة منه يصح أن يقال له كذبت على تجوز، وذلك أن من تمنى شيئاً فتمنيه يتضمن إخباراً أن تلك الأمنية تصلح له ويصلح لها فيقع التكذيب في ذلك الإخبار الذي يتضمنه التمني، ومثال ذلك أن يقول رجل شرير ليتني أحج وأجاهد وأقوم الليل فجائز أن يقال لهذا على تجوز كذبت أي أنت لا تصلح لهذا ولا يصلح لك، وروي عن أبي عمرو: أنه أدغم باء نكذب في الباء التي بعدها، وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم في رواية حفص "ولا نكذبَ ونكونَ" بنصب الفعلين، وذلك كما تنصب الفاء في جواب التمني، فالواو في ذلك والفاء بمنزلة، وهذا تقدير ذكر مصدر الفعل الأول كأنهم قالوا يا ليتنا كان لنا رد وعدم تكذيب وكون من المؤمنين، وقرأ ابن عامر في رواية هشام بن عمار عن أصحابه عن ابن عامر "ولا نكذبُ" بالرفع "ونكونَ" بالنصب، ويتوجه ذلك على ما تقدم في مصحف عبد الله بن مسعود "يا ليتنا نرد فلا نكذب بآيات ربنا ونكون" بالفاء، وفي قراءة أبي بن كعب "يا ليتنا نرد فلا نكذب بآياتنا أبداً ونكون"، وحكي أبو عمرو أن في قراءة أبي "بآيات ربنا ونحن نكون"، وقوله {نرد} في هذه الأقوال كلها معناه: إلى الدنيا، وحكى الطبري تأويلاً آخر وهو يا ليتنا نرد إلى الآخرة أي نبعث ونوقف على النار التي وقفنا عليها مكذبين ليت ذلك ونحن في حالة لا نكذب ونكون، فالمعنى يا ليتنا نوقف هذا الوقوف غير مكذبين بآيات ربنا كائنين من المؤمنين. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يضعف من غير وجه ويبطله قوله تعالى: {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} تفسير : [الأنعام:28] ولا يصح أيضاً التكذيب في هذا التمني لأنه تمني ما قد مضى. وإنما يصح التكذيب الذي ذكرناه قل هذا على تجوز في تمني المستقبلات.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَنْهَوْنَ} عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ويتباعدون فراراً منه، أو ينهون عن العمل بالقرآن ويتباعدون عن سماعه لئلا يسبق إلى قلوبهم العلم بصحته، أو ينهون عن أذى الرسول صلى الله عليه وسلم ويتباعدون عن اتباعه، قال ابن عباس ـ رضي الله ـ تعالى ـ عنهما ـ نزلت في أبي طالب نهى عن أذى الرسول صلى الله عليه وسلم ويتباعد عن الإيمان به مع علمه بصحته، قال: شعر : ودعوتني وزعمت أنك ناصحي فلقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا قد علمت بأنه من خير أديان البرية دينا لولا الذمامة أو أحاذر سُبَّةً لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} في الضميرين- أعني "هم" وهاء "عنه" - أوجه: أحدها: أن المرفوع يعود لعى الكُفَّارِ، والمجرور يعود على القرآن الكريم، وهو أيضاً الذي عَادَ عليه الضَّميرُ المَنْصُوب من "يَفْقَهُوه"، والمُشَارُ إليه بقولهم: "إنْ هَذَا". والثاني: أنَّ "هم" يعود على من تَقدَّمَ ذكرهم من الكُفَّار، وفي "عنه" يعود على الرسول، وعلى هذا ففيه الْتِفَاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبَةِ، فإن قوله: {جَاءُوَكَ يُجَادلونك} خطابٌ للرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلام، فخرج من هذا الخطاب إلى الغَيْبَةِ. وقيل: يعود المرفوع على أبي طالب وأتْبَاعِهِ. وفي قوله: "يَنْهَوْنَ" و"يَنْأوْنَ" تَجْنِيسُ التصريف، وهو عِبَارةٌ عن انفراد كل كلمة عن الأخرى بحرف فـ "ينهون" انفردت بالهاء، و"يَنْأوْن" بالهمزة، ومثله قوله تعالى: {أية : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ} تفسير : [الكهف:104] {أية : بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} تفسير : [غافر:75]. وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيْهَا الخَيْرُ"تفسير : ، وبعضهم يسميه "تجنيس التَّحْرِيف" وهو الفرق بين كلمتين بحرف وأنشدوا في ذلك قول القائل: [الكامل] شعر : 2128- إنْ لَمْ أشُنَّ عَلَى ابْنِ حَرْبٍ غَارَةً لَمْ تَخْلُ يَوْماً مِنْ نِهابِ نُفُوسِ تفسير : وذكر غيره أن "تجنيس التحريف" هو أن يكون الشَّكْلُ، فرقاً بين كلمتين، وجعل منه "اللُّهَى تفتح اللَّهى" وقد تقدَّم تحقيقه. وقرأ الحسن "ويَنَوْن" بإلقاء حركة الهمزة على النون وحذفها، وهو تخفيف قياسي. و"النَّأيُ": البُعْدُ، قال: [الطويل] شعر : 2129- إذَا غَيَّرَ النَّأيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَزَلْ رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ تفسير : وقال الآخر في ذلك، فأجَادَ، [الطويل] شعر : 2130- ألاَ حَبَّذا هِنْدٌ وأرْضٌ بِهَا هِنْدُ وهِنْدٌ أتَى مِنْ دُونِهَا النَّايُ والبُعْدُ تفسير : عطف الشيء على نفسه للمُغَايَرَةَ اللَّفْظيَّة يقال: نَأى زيد يَنْأى نَأياً، ويتعدَّى بالهمزة، فيقال: أنْأيْتُهُ، ولا يُعَدَّى بالتضعيف، وكذا كل ما كان عينه همزةً. ونقل الواحدي أنه يقال: نَأيْنُهُ بمعنى نَأيْتُ عنهُ. وأنشد المُبَرِّدُ:[الطويل] شعر : 2131- أعَاذِلُ إنْ يُصْبِحْ صَدَاي بِقَفْرَةٍ بَعيداً نآنِي صَاحِبِي وَقَريبِى تفسير : أي: نَأى عَنَّي. وحكى اللَّيْثُ: "نَأيْتُ الشيء"، أي: أبْعَدْتُهُ، وأنشد: [الطويل] شعر : 2132- إذَا مَا الْتَقَيْنَا سَالَ مِنْ عَبَرَاتِنَا شَآبيبُ يُنْأى سَيْلُهَا بالأصَابِع تفسير : فَبَنَاهُ للمفعول، أي: يُنَحِّى ويُبْعَدُ. والحاصلُ أنَّ هذه المادة تَدُلُّ على البُعْدِ، ومنه أتَنَأى أي: أفْعَلُ النَّأيَ. والمَنْأى: الموضع البعيدُ. قال النابغة: [الطويل] شعر : 2133- فَإنَّكَ كالمَوْتِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي وَإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأى عَنْكَ وَاسِعُ تفسير : و"تَنَاءَى" أي: تباعد، ومنه النُّؤيُ للحُفَيْرَةِ التي حول الخِبَاءِ لتبعد عنه الماء. وقُرِئ: {ونَاءَ بِجَانِبِهِ} [فصلت:51] وهو مَقْلُوبٌ من "نأى"، ويَدُلُّ على ذلك أنَّ الأصل هو المَصْدَرُ وهو "النَّأيُ" بتقديم الهمزة على حرف العِلَّة. فصل في المراد بالآية وسبب نزولها معنى الآية الكريمة أنهم يَنْهَوْنَ النَّاسَ عن اتِّبَاع مُحَمَّدِ صلى الله عليه وسلم ويَنْأوْنَ عنه، أي: يبتاعدون عنه بأنفسهم نزلت هذه الآية في كُفَّار "مكة" المشرفة، قال محمد بن الحَنَفِيَّةِ والسُّدي والضَّحاك، وقال قتادةُ: يَنْهَوْنَ عن القرآن، وعن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ويتباعدون عنه. واعلم أنَّ النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم مُحَالٌ فلا بد أن يكون النهي عن فعل يتعلَّقُ به، فذكروا فيه قولين: الأول: ينهون عن تَدَبُّرِ القُرْآنِ واستماعه، وعن التَّصديقِ بنبوة مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم والإقرار برسالته. الثاني: قال ابن عبَّاسِ - رضي الله عنه - ومقاتل: نزلت في أبي طالب كان ينهى النَّاس عن أذَى النبي صلى الله عليه وسلم ويمعنهم ويَنْأى عن الإيمان به أي: يَبْعَدُ، حتى روي أنه اجتمع إليه رؤوس المشركين، وقالوا: تَخَيَّرْ من أصْبَحِنَا وَجْهاً وادْفَعْ إلينا محمداً، فقال أبو طالب: ما أنْصَفْتُمُونِي أدْفَعُ إليكم ولدي لِتَقْتُلُوهُ وأرَبِّي وَلَدَكُمْ. وروي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دَعَاهُ إلى الإيمان فقال: لولا أن تُعِيِّرُني قُرَيْشٌ لأقررت بها عَينكَ، ولكن أذُبُّ عنك ما حييتُ، وقال فيه أبياتاً: [الكامل] شعر : 2134- واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بجَمْعِهِمْ حَتَّى أوَسَّدَ فِي التُّرابِ دَفِينَا فَاصْدَعْ بأمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ وابْشِرْ وَقَرَّ بِذاكَ مِنْكَ عُيُونَا وَدَعَوْتَنِي وَعَرفْتُ أنَّكَ نَاصِحِي وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أمِينَا وَعرَضْتَ دِنيا قَدْ عَلِمْتُ بأنَّهُ مِنْ خَيْرِ أدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينَا لَوْلاَ الملامَةُ أو حذارُ مَسَبَّةٍ لَوَجَدْتَنِي سَمْحاً بِذَاكَ مُبِينَا تفسير : واعلم أنَّ القول الأوَّلَ أشبه لوجهين: أحدهما: أنَّ جميع الآيات المتقدمة في ذَمِّ طريقتهم، فلذلك كان ينبغي أن يكون قولهم: "وهم ينهون عنه" مَحْمُولاً على أمْرٍ مذموم، وإذا حملناه على أنَّ أبا طالبٍ كان ينهى عن إيذائه لما حصل هذا النَّظْمُ. وثانيهما: قوله تبارك وتعالى بعد ذلك: {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم} يعني به ما تقدم ذكره، ولا يَليقُ ذلك النهي عن أذِيَّتِهِ, لأن ذلك حسن لا يوجب الهلاك. فإن قيل: إنَّ قوله: {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم} يرجع إلى قوله: "يَنْأوْنَ عَنْهُ" لا قوله: "ينهون عنه"؛ لأن المراد بذلك أنهم يبعدون عنه بمُفَارَقَةِ دينه وترك موافقته وذلك ذَمٌّ. فالجوابُ أن ظاهر قوله: {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} يرجعُ إلى كل ما تقدَّمَ ذِكْرُهُ، كما يقال: "فلان يبعد عن الشيء الفلاني وينفر عنه، ولا يَضُرُّ بذلك إلاَّ نفسه"، فلا يكون هذا الضرر متعلّقاً بأحد الأمرين دون الآخر. قوله: "وإن يهلكون" "إنْ" نافية كالتي في قوله: {أية : إِنْ هَـٰذَآ} تفسير : [الأنعام:25] و"أنفسهم" مفعولٌ، وهو استثناءُ مُفَرَّغٌ، ومفعول "يَشْعرون" محذوف: إمَّا اقتصاراً، وإمَّا اختصاراً، أي: وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم بتماديهم في الكُفْرِ وغُلُوِّهِمْ فيه، قاله ابن عباس.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتباعد عما جاء به. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن القاسم بن مخيمرة في قوله {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذى ولا يصدق به. وأخرج ابن جرير عن عطاء بن دينار في قوله {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى عما جاء به من الهدى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {وهم ينهون عنه} قال: ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به {وينأون عنه} يتباعدون عنه. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {وهم ينهون عنه وينأون عنه} يقول: لا يلقونه ولا يدعون أحداً يأتيه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن الحنفية في قوله {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: كفار مكة كانوا يدفعون الناس عنه ولا يجيبون النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وهم ينهون عنه} قال: قريش عن الذكر {وينأون عنه} يقول: يتباعدون. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وهم ينهون عنه} قال: ينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم {وينأون عنه} يتباعدون عنه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال في قوله {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه في السر. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله {وهم ينهون عنه} قال: عن قتله {وينأون عنه} قال: لا يتبعونه.
ابو السعود
تفسير : {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} الضمير المرفوع للمذكورين، والمجرورُ للقرآن أي لا يقتنعون بما ذكر من تكذيبه وعدِّه من قبـيل الأساطير، بل ينهَوْن الناسَ عن استماعه لئلا يقِفوا على حقّيته فيؤمنوا به {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي يتباعدون عنه بأنفسهم إظهاراً لغاية نفورهم عنه وتأكيداً لنهيهم عنه، فإن اجتنابَ الناهي عن المنهيِّ عنه من متمّمات النهْي، ولعل ذلك هو السرُّ في تأخير النأْي عن النهْي وقيل: الضميرُ المجرور للنبـي عليه الصلاة والسلام وقيل: المرفوعُ لأبـي طالب، ولعل جمعيته باعتبار استتباعه لأتباعه، فإنه كان ينهىٰ قريشاً عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وينآى عنه فلا يؤمن به، وروي أنهم اجتمعوا إليه وأرادوا برسول الله صلى الله عليه وسلم سوءاً فقال: [الكامل] شعر : والله لن يَصِلوا إليك بجمعِهم حتى أُوسَّدَ في التراب دفينا فاصدَعْ بأمرك ما عليك غضاضةٌ وابشُرْ بذاك وقَرَّ منه عيونا ودعوتني وزعمتَ أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثَمَّ أمينا وعرضتَ ديناً لا محالةَ إنه من خيرِ أديان البرية دينا لولا الملامةُ أو حِذاري سُبّة لوجدتني سَمْحاً بذاك مبـينا تفسير : فنزلت {وَإِن يُهْلِكُونَ} أي ما يهلكون بما فعلوا من النهي والنأي {إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} بتعريضها لأشد العذاب وأفظعِه عاجلاً وآجلاً وهو عذابُ الضلال والإضلال وقوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} حال من ضمير (يُهلكون) أي يقصُرون الإهلاكَ على أنفسهم والحال أنهم ما يشعرون أي لا بإهلاكهم أنفسَهم ولا باقتصار ذلك عليها من غير أن يُضِروا بذلك شيئاً من القرآن والرسولِ عليه الصلاة والسلام والمؤمنين. وإنما عبّر عنه بالإهلاك ـ مع أن النفيَ عن غيرهم مطلقُ الضرر إذ غايةُ ما يؤدي إليه ما فعلوا من القدح في القرآن الكريم الممانعةُ في تمشّي أحكامِه وظهورِ أمر الدين ـ للإيذان بأن ما يَحيق بهم هو الهلاكُ لا الضررُ المطلقُ، على أن مقصِدهم لم يكن مطلقَ الممانعة فبما ذُكر بل كانوا يبغون الغوائلَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. ويجوز أن يكون الإهلاكُ معتبراً بالنسبة إلى الذين يُضِلونهم بالنهي، فقصْرُه على أنفسهم حينئذ مع شموله للفريقين مبنيٌّ على تنزيلِ عذاب الضلالِ عند عذاب الإضلال منزلةَ العدم. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} شروعٌ في حكاية ما سيصدر عنهم يوم القيامة من القول المناقضِ لما صدر عنهم في الدنيا من القبائحِ المَحْكيّة مع كونه كِذْباً في نفسه، والخطابُ إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ من أهل المشاهَدة والعِيانِ قصداً إلى بـيان كمالِ سوءِ حالهم وبلوغِها من الشناعة والفظاعةِ إلى حيث لا يختصُّ استغرابُها براءٍ دون راءٍ ممن اعتاد مشاهدةَ الأمورِ العجيبة، بل كلُّ من يتأتّىٰ منه الرؤيةُ يتعجبُ من هولها وفظاعتِها، وجوابُ (لو) محذوف ثقةً بظهوره وإيذاناً بقصور العبارة عن تفصيله، وكذا مفعولُ (ترى) لدِلالة ما في حيِّز الظرْفِ عليه أي لو تراهم حين يوقَفون على النار حتى يعاينوها لرأيتَ ما لا يسعه التعبـيرُ، وصيغةُ الماضي للدَلالة على التحقق أو حين يطّلعون عليها اطّلاعاً وهي تحتَهم أو يدخُلونها فيعرِفون مقدارَ عذابها، من قولهم: وقفتُه على كذا إذا فهَّمتُه وعرَّفته. وقرىء (وقَفوا) على البناء للفاعل من وقَف عليه وقوفاً. {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ} أي إلى الدنيا تمنياً للرجوع والخلاص، وهيهاتَ، ولاتَ حينَ مناص {وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا} أي بآياته الناطقةِ بأحوال النار وأهوالها، الآمرةِ باتقائها إذ هي التي تخطُر حينئذ ببالهم، ويتحسرون على ما فرّطوا في حقها أو بجميع آياتِه المنتظمةِ لتلك الآياتِ انتظاماً أولياً {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بها العاملين بمقتضاها حتى لا نرى هذا الموقفَ الهائلَ أو نكونَ من فريق المؤمنين الناجين من العذاب الفائزين بحُسن المآب، ونصبُ الفعلين على جواب التمني بإضمار أنْ بعد الواو وإجرائها مُجرىٰ الفاء ويؤيده قراءةُ ابن مسعود وابنِ إسحاقَ (فلا نكذبَ) والمعنى إنْ رُدِدْنا لم نكذبْ ونكنْ من المؤمنين. وقيل: ينسَبِكُ من أن المصدرية ومن الفعل بعدها مصدرٌ ويقدّر قبله مصدرٌ متوهِّم فيُعطَف هذا عليه كأنه قيل: ليت لنا رداً وانتفاءَ تكذيبٍ وكوناً من المؤمنين، وقرىء برفعهما على أنه كلامٌ مستأنف كقوله: دعني ولا أعودُ أي وأنا لا أعود تركتَني أو لم تترُكْني، أو عطفٌ على (نرد) أو حال من ضميره فيكون داخلاً في حكم التمني كالوجه الأخير للنصب، وتعلقُ التكذيب الآتي به لما تضمّنه من العِدَة بالإيمان وعدمِ التكذيب كما قال: ليتني رُزقتُ مالاً فأكافئَك على صنيعك فإنه متمنَ في معنى الواعد فلو رزق مالاً ولم يكافىءْ صاحبه يكون مكذِّباً لا محالة، وقرىء برفع الأول ونصب الثاني وقد مر وجههما.
القشيري
تفسير : في هذه الآية إشارة صعبة (لمن) يدعو إلى الحق جهراً ثم لا يأتي بذلك سراً. ويقال خالَفَتْ أحوالُهم قضايا أقوالهم، وجرى إجرامُهم مجرى مَنْ ألقوا حِبالَهم على غاربهم، وكذلك من أبعده عن القسمة لم يقربه فعلُه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهم} اى الكفار {ينهون} الناس {عنه} اى عن القرآن والايمان به {وينأون عنه} اى يتباعدون عنه بانفسهم اظهارا لغاية نفورهم منه وتأكيدا لنهيهم عنه فان اجتناب الناهى عن المنهى عنه من متممات النهى ولعل ذلك هو السر فى تأخير النأى عن النهى. والنأى البعد {وان يهلكون} اى ما يهلكون بالنهى والنأى {الا انفسهم} لان ضرره عليهم {وما يشعرون} اى والحال انهم ما يعملون اى لا باهلاك انفسهم ولا باقتضاء ذلك عليها من غير ان يضربوا بذلك شيئاً من القرآن والرسول والمؤمنين.
الطوسي
تفسير : وقوله {وهم} كناية عن الكفار الذين تقدم ذكرهم عند أكثر المفسرين: الجبائي والبلخي وغيرهم. وقال قوم: نزلت في أبي لهب، لانه كان يتبعه في المواسم فينهى الناس عن أذاه وينأى عن اتباعه. والاول أشبه بسياق الآية. وقيل: نزلت في أبي طالب، وهذا باطل عندنا، لانه دل الدليل على إِيمانه بما ثبت عنه من شعره المعروف وأقاويله المشهورة الدالة على أعترافه بالنبي (صلى الله عليه وسلم). وقال مجاهد: نزلت في قريش. بين الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم كانوا ينهون عن اتباع القرآن، وقبوله والتصديق بنبوة نبيه، ويبعدون عنه، لان معنى (ينأون) يبعدون الى حيث لا يسمعونه خوفاً من أن يسبق الى قلوبهم الايمان به والعلم بصحته. وقوله {وإن يهلكون إلا أنفسهم} معناه ليس يهلكون إِلا أنفسهم {وما يشعرون} انهم ما يهلكون بنهيهم عن قبوله، وبعدهم عنه {إلا أنفسهم} لانهم لا يعلمون اهلاكهم اياها بذلك وإِهلاكهم اياهاهو ما يستحقون به الصيرورة الى العذاب الابدي في النار. وهل هناك هلاك أعظم من ذلك؟!. والنأي: البعد "ينأون" أي يتباعدون عنه، تقول نأيت عن الشىء أنأى نأيا، اذا بعدت عنه. والنؤي حاجز يجعل حول البيت من الخوف لان لا يدخله الماء من خارج يحفر حفرة حول البيت فيجعل ترابها على شفير الحفيرة، فيمنع التراب الماء أن يدخل من خارج، وهو مأخوذ من النأي، أي تباعد الماء عن البيت. وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال معرفة الله ضرورة، وأن من لا يعرف الله ولا يعرف نبيه لا حجة عليه، لان الله بين أن هؤلاء الكفار قد أهلكوا أنفسهم بنهيهم عن قبول القرآن وتباعدهم عنه وانهم لا يشعرون ولا يعلمون باهلاكهم أنفسهم بذلك، فلو كان من لا يعرف الله ولا نبيه ولا دينه لا حجة عليه، لكانوا هؤلاء معذورين ولم يكونوا هالكين وذلك خلاف ما نطق به القرآن.
الجنابذي
تفسير : {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} عن هذا او عنك بطريق الالتفات او عن علىّ (ع) بطريق التّورية {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} يعنى يمنعون النّاس عنه ويتباعدون عنه {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} بالتّباعد عنه {وَمَا يَشْعُرُونَ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} قرئ ببناء المفعول والفاعل من وقف اذا قام او اقام او اطّلع يعنى لو ترى اذ اقيموا او اطّلعوا على النّار لرأيت عجيباً فظيعاً بحذف الجواب {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا} لما رأوا من مقامك او مقام اوصيائك {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بمحمّد (ص) او بأمير المؤمنين (ع) وهذا الكلام والتّمنّى منهم يكون لدهشة الخوف لا لقائد الشّوق والاّ لخلصوا وما اجيبوا بكلاّ وانّها كلمة هو قائلها وامثال ذلك كما فى قوله تعالى {أية : كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا}تفسير : [الحج: 22] يعنى ان كانوا يريدون الخروج منها من شوق لم يعيدوا فيها وقوله تعالى {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ}.
اطفيش
تفسير : {وهُم ينْهَون عَنْه} أى ينهون الناس عن القرآن أن يؤمنوا به، ويستمعوا له، قاله قتادة، أو عن رسول الله صلى عليه وسلم أن يؤمنوا به، قاله ابن عباس والحسن. {ويَنأَوْن عَنْه} يتباعدون عنه، أى عن الإيمان به بأنفسهم، كأنهُ قيل: يأمرون الناس بالكفر ويكفرون، ويجوز أن يكون المعنى ينهون الناس عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم محافظة له وشفقة عليه، ويبعدون أن يؤمنوا به، والتفسير الأول أرجح، لأن أكثر المشركين من أهل مكة ينهون عن الإيمان به، ويبعدون عنه، ولأن المتبادر من نهى المشركين عن القرآن أو رسول الله صلى الله عليه وسلم، النهى عن الإيمان به، وما تبادر إليه النقش أحق كما قال فى الإيضاح. وأما أن يكون النهى عن إيذائه صلى الله عليه وسلم فما يعلم إلا من مواقف أبى طالب أنهُ ينهى الناس عن الإيمان به ولا يؤمن، ولكن ابن عباس فسر الآية بأنهم ينهون عن إيذائه ولا يؤمنون به، وما ذلك إلا أبو طالب ومن يتبعه، وروى أن رءوس المشركين اجتمعوا إلى أبى طالب عم النبى صلى الله عليه وسلم فى شدة منعه إياهم عنه، وقالوا: خذ شاباً من أصبحنا وجها، وادفع إلينا محمدا، فقال أبو طالب: ما أنصفتمونى، أدفع إليكم ولدى لتقتلوه وأربِّى لكم ولدكم، وروى أن بنى هاشم أجابوا أبا طالب فى منع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يؤذيه إلا أبا لهب لعنه الله، فقال فى مدحهم: شعر : إذا جتمعت يوماً قريش لمخفر فعبد مناف سرها وصميمها وإن حصلت أشراف عبد منافها ففى هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوماً فإن محمداً هو المصطفى من سرها وكريمها تفسير : ولما رأى أبو طالب كثرة من كفر ومن يصد عنه، تعوذ بالله وحرمة بيته وتودد قومه وقال: شعر : ولما رأيت القوم لا ودّ فيهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وقد حالفوا قوما علينا أضنة يعضون غيظاً خلفنا بالأنامل صرت لهم نفسى بسمراء سمحة وأبيض غضب من تراث المقاول وأخطرت عند البيت رهطى وإخو تى وأمسكت من أثوابه بالوصائل قياماً معاً مستقبلين رتاجه لدى حيث يقضى خلفه كل نائل أعوذ برب الناس من كل طاعن علينا بسوء أو ملح بباطل وثور ومن أرسى ثبيراً مكانه وبالله أن الله ليس بغافل وياليت حق البيت من بطن مكة وراق ليرقى فى حراء ونازل ومطئ إبراهيم فى الصخر رطبة على قدميه حافراً غير ناعل وتوقفهم فوق الجبال عشية يقيم ون بالأيدى صدور الرواحل وليلة جمع والمنازل من منى وما فوقها من حرمة ومنازل فهل بعد هذا من معاذ لعآند وهل من معيذ يتقى الله عاذل يطاع بنا أمر الغدا وداتنا تسد بنا أبواب ترك وكابل كذبتم وبيت الله ننزل مكة ونظعن أن أمركم فى بلابل وبيت الله نبرى محمداً ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم فى الحديد إليكم نهو ض الروايا تحت ذات الصلاصل وأبيض يستسقى الغمام لوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده فى نعمة وفواضل لعمرى لقد كلفت وجداً بأحمد وإخوته دأب المحب المواصل فمن مثله فى الناس أى مؤمل إذا قاسه الحكام عند التفاضل حليم رشيد عادل غير طائش يوالى إلها ليس عنه بغافل فوالله لولا أن أجئ بسبة تجرعلى أشياخنا فى المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة من الدهر جداً غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يعنى بقول الأباطل فأصبح فينا أحمد فى أرومة تقصر عنه سورة التطاول حديث بنفسى دونه وحميته وواقعت عنه بالذرى والكلاكل تفسير : ولما اجتمعت قريش على إبرام صحيفة يقطعون فيها بنى هاشم لأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، انحاذت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب فقال أبى طالب: شعر : ألا بلغا عنى على ذات بيننا لؤياً وخصا م لؤى بنى كعب ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً نبيّاً كموسى خط فى أول الكتب وأن عليه فى العباد محبة ولا خير ممن خصهُ الله بالحب وأن الذى لصقتم من كتابكم لكم كائنا نحساً كراعية السقب أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى ويصبح من لم يجن ذنباً كذى ذنب ولسنا ورب البيت نسلم محمداً لضراء من عض الزمان ولا كرب ولما تبين منا ومنكم سوالف وأيد آثرت بالقساسية الشهب أليس أبونا هاشم شد أزره وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب ولسنا نمل الحرب حتى تملنا ولا تشكى ما ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهى إذا طال أرواح الكماة من الرعب تفسير : ولما قام الخمسة المشهورون فى نقض الصحيفة فنقضوها، قال أبو طالب: شعر : ألا هل أنى تحرينا صنع ربنا على نائهم والله بالناس أرود فنخبرهم أن الصحيفة مزقت وأن كل ما لم يرضه الله مفسد فمن ينس من حضار مكة عزه فعزتنا فى بطن مكة أتلد نشأنا بها والناس فيها قلائل فلم ننفك نزداد خيراً ونحمد فنطعم حتى يترك الناس فضلهم إذا جعلت أيدى المغيضين ترعد وكنا قديماً لا نقر ظلامة وندرك ما شئنا ولا ننشدد جزى الله رهطاً بالحجون تتابعوا على ملأ يهدى بحزم ويرشد فعود لدى حطم الحجون كأنهم مقاولة بل هم أعز وأمجد قفوا ما قضوا فى ليلهم ثم أصبحوا على مهل وسائر الناس رقد هم رجعوا سهل بن بيضاء راضياً وسر أبو بكر بها ومحمد تفسير : والمراد بالبحرى الذين هاجروا إلى الحبشة، وقال طالب بن أبى طالب وطو على شركه: لكن بعد وقعة بدر يبكى أصحاب القليب قصيدة منها فى النبى صلى الله عليه وسلم: شعر : فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا فدى لكما لا تبعثوا بيننا حربا ولا تصبحوا من بعد ود وألفة أحاديث فيها كلكم يشتكى النكبا فما إن جنينا فى قريش عظيمة سوى أن حمينا خير من وطئ التربا أخا ثقة فى النائبات مرزء كريماً ثناه لا بخيلا ولا ذربا يطوف به العافون يغشون بابه يؤمنون بحراً لا نزوراً ولا صربا تفسير : واسم أبى طالب عبد مناف، وقيل: شيبة بن عبد المطلب، قال السيوطى: قال بن عساكر فى تاريخه قيل: إنه أسلم ولا يصح إسلامه، وله رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عساكر والخطيب بسندهما إلى الحسن، عن أبيه على بن أبى طالب قال: سمعت أبا طالب يقول: حدثنى محمد أن أمره بصلة الرحم، وأن يعبد الله وحده ولا يعبد معه غيره. وقال الزبير بن العوام: كان أبو طالب شفيقاً على النبى صلى الله عليه وسلم، يمنعه من مشركى قريش، جاءوه يوماً بعمار بن الوليد وكان جميلا فقالوا له: قد عرفت حال عمارة ونحن ندفعه لك مكان محمد، وادفعه إلينا، فقال: ما أنصفتمونى أعطيكم بن أخى تقتلونه وتعطونى ابنكم أغذوه لكم. قال ابن عساكر من طريق القاسم بن سلمان، حدثنى أبى قال: مشت قريش إلى أبى طالب فقالوا: أنت أفضل قريش اليوم حلماً وأكبر سناً، وأعظمهم شرفاً، وقد رأيت صنع ابن أخيك فرّق كلمتنا، وأفسد جماعتنا، وقطع أرحامنا، فادفعه إلينا تقتله، ونعطك ديته؟ قال: لا تطيب لذلك نفسى أن أرى مال ابن أخى بمكة وقد أكلت ديته، قالوا: ندفعه إلى بعض العرب، فيكون هو يقتله وندفع إليك ديته ونعطيك أى أبنائنا شئت، فيكون ولداً مكان ولدك؟ فقال لهم: ما أنصفتمونى تقتلون ولدى وأغذى أولادكم، أو لا تعلمون أن الناقة إذا فقدت ولدها لم تحن إلى غيره، ولكن إذا خضتم فى هذا فتعالوا يقتل كل قريشى ولده الشاب، فيقتل فى جملتهم، فقالوا: لعمر أبيك لا نقتل أبناءنا وإخواننا من أجل هذا الصابئ، ولكن سنقتله سراً وعلانية، فعند ذلك يقول أبو طالب: ولما رأيت القوم الأبيات... قال الواقدى: مات أبو طالب فى السنة العاشرة فى شوال من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن بضع وثمانين سنة، وقال ابن إسحاق والبيهقى فى دلائله بسند فيه مجهول، عن ابن عباس: لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا طالب فى مرضه قال له: أى عمى قل لا إله إلا الله أستحل لك بها الشفاعة، فقال: والله لولا أنهم يروننى قلتها جزعاً حين الموت لقلتها، وروى قومنا أن العباس رضى الله عنه أنه رأى أبا طالب يحرك شفتيه، فأصغى إليه العباس ليسمع قوله: فرفع العباس عنه فقال: والله قال الكلمة التى سألت، قال ابن عمر: ربما ذكرت قول أبى طالب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمع، وعنه صلى الله عليه وسلم: ما رأت قريش عنى كافة حتى مات أبو طالب، وقيل مات أبو طالب قبل الهجرة بثلاث سنين. وروى أنه لما حضرت الوفاة، أبا طالب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أى عمى قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، وفى رواية أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبى أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان لتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم، هو على ملة عبد المطلب، وفى رواية على ملَّة الأشياخ، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أما والله لأستغفرن لك ما لم أنْه عنك" تفسير : وفى رواية أبى هريرة قال أبو طالب: لولا أن تعيرنى قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع من الموت لأقررت بها عينيك، فأنزل الله تعالى: {أية : إنك لا تهدى من أحببت} تفسير : الآية. قال الثعالبى: قال السهيلى، وأبو الربيع الكلاعى، حكى عن هشام بن السائب الكلبى أو ابنه أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه، وقلب العرب، فيكم السيد المطاع، وفيكم المقدام الشجاع، والواسع الباع، لم تتركوا للعرب فى المآثر نصيباً إلا احرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، وإنى أوصيكم بتعظيم هذه البينة يعنى الكعبة، فإن فيها مرضاة للرب، وقواماً للمعاش، صلوا أرحامكم ولا تقطعوها، فإن فى صلة الرحم منسأة فى الأجل، وزيادة فى العدد. واتركوا البغى والعقوق، ففيهما هلكة القرون قبلكم، أجيبوا الداعى، وأعطوا السائل، فإن فيها شرف الحياة عليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، فإن فيها محبة فى الخاص، ومكرمة فى العام، وأوصيكم بمحمد خيراً فإنه الأمين فى قريش، والصديق فى العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاءكم بأمر قبله الجنان، وأنكره البيان، مخلفة الشنآن، وايم الله كأنى أنظر إلى صعاليك العرب وأهل البر فى الأطراف المستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره فخاض بهم غمرات الموت، فصارت صناديد قريش ورءوسها ذباباً ودورها خراباً وضعفاؤها أرباباً وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم عنه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأعطته قيادها دونكم، يا معشر قريش ابن أبيكم كونوا لهُ ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهداه إلا سعد، ولو كان لنفسى مدة، ولأجلى تأخير لكفيت عنه الهزاهز، ولدافعت عنه الدواهى، ثم هلك. حديث : وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم دعا أبا طالب إلى الإيمان فقال: لولا أن تعيرنى قريش لأقررت بها عيينك، ولكن أذب عنك ما حييت . تفسير : وقال: شعر : والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد فى التراب دفينا فاصدَع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر وقدر بذاك منك عيونا ودعوتنى وعرفت أنك ناصحى ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرفت دينا قد علمت بأنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتنى سمحا بذاك مبينا تفسير : {وإِنْ يهْلِكُونَ} ما يهلك الذين ينهون عنه وينأون عنه {إلا أنفسَهمْ} لأن عقاب كفرهم عائد إليهم {وما يشْعُرون} أن ضرر كفرهم لا يتعداهم.
اطفيش
تفسير : {وَهُمْ} أَى المشركون {يَنْهَوْنَ} الناس {عَنْهُ} عن القرآن، أَن يؤمنوا به {وَيَنْأَوْنَ} يبعدون أَنفسهم {عَنْهُ} عن القرآن أَو الرسول عن أَن يؤمنوا به، أَو هم ينهون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن يضره أَحد، وينأَون يبعدون عن تصديقه، وذلك كأَبى طالب يرد السوءَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يؤمن به، واجتمع إِليه رؤساء قريش، وقالوا له: خذ شاباً من أَصحابنا وجيهاً وادفع إِلينا محمداً، فقال: ما أَنصفتمونى أَدفع إِليكم ولدى لتقتلوه وأربى ولدكم، واجتهد النبى صلى الله عليه وسلم أَن يؤمن وينطق بالشهادتين فيجادل له عند الله فأَبى، واعترف أَنه صلى الله عليه وسلم على الحق ولكن يخاف أَن يسبه قريش، وقال فى مرض موته أَنه يموت على دين الأَشياخ، فمات عليه، وهو دين أَشياخ قريش، وقال: لولا أَن يعيرنى قريش لأَقررت عينك بما تحب من الإِيمان ولكن أَذب عنك ما حييت، وقال: شعر : والله لن يصلوا إِليـــك بجمعهـــم حتى أوسد فى التراب دفينا فاصدع بأَمرك ما عليك غضاضة وابشر بذاك وقر منه عيوناً ودعوتنى وزعمت أَنــــك ناصح ولقد صدقت وكنت ثم أَمينا وعرضت دينا قد علمت بأَنــــه من خير أَديان البرية دينا لولا الملامة أَو حذار مسبــــــة لوجدتنى سمحاً بذاك مبينا تفسير : والوجه الأَول أَولى وهو أَنهم ينهون عن تصديقه غيرهم، ويبعدون عن تصديقه، وأَما الثانى أَنهم ينهون عن ضره ويبعدون أَنفسهم عن تصديقه والإِيمان به فيضعف بأَن فاعل ذلك أَبو طالب ولا يحسن جمعه تعظيماً له لفعل ما لا يستقل به وحده كما قيل به، وقيل هو وتسعة إخوة له كلهم أَعمام النبى صلى الله عليه وسلم كانوا أَشد الناس له نفعاً فى العلانية ذبا على نسبهم، وبأَن ما قبل ذلك من الآيات فى ذم طريقتهم، فليكن هذا كله فى ذمها، لا فى ذمهم بالنأى عن تصديقه ومدحهم بالنهى عن ضره، لكن لا بأس بالذم بالمجموع مشتملا على شئ هو مدح، وبأَن ما بعد ذلك أيضاً فى ذمهم وهو قوله تعالى {وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} بالنهى عن تصديقه، وبالبعد عنه لأَن وبال ذلك راجع عليهم، ولا يخفى أَن هذا أَولى من أَن يقال: وإن يهلكون إِلا أَنفسهم بالبعد عن تصديقه، ولو لم يهلكوها بالنهى عن ضره، ولو كان وجهاً عبر بلا إِهلاك إِشهاراً بأن مرادهم إِهلاكه بالكلية لا منع الناس عنه فقط ولا مطلق الضر {وَمَا يَشْعُرُونَ} بإِهلاكهم أَنفسهم بذلك، وأَن ضرره يرجع عليهم لا ينالك ضرهم ولا ينال القرآن، وشرح إِهلاكهم أَنفسهم بقوله.
الالوسي
تفسير : {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} الضمير المرفوع (للمشركين) والمجرور للقرآن أي لا يقنعون بما ذكر من تكذيبه وعده حديث خرافة بل ينهون الناس عن استماعه لئلا يقفوا على حقيته فيؤمنوا به {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } أي يتباعدون عنه بأنفسهم إظهاراً لغاية نفورهم عنه وتأكيداً لنهيهم [عنه] فإن اجتناب الناهي عن المنهي عنه من متممات النهي «ولعل ذلك ـ كما قال شيخ الإسلام ـ هو السر في تأخير النأي عن النهي». وهذا هو التفسير الذي أخرجه ابن أبي شيبة وابن حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن مجاهد رحمة الله تعالى عليه، وقيل: الضمير المجرور للرسول صلى الله عليه وسلم على معنى ينهون الناس عن الإيمان به عليه الصلاة والسلام ويتباعدون عنه. وهو التفسير الذي أخرجه أبناء جرير والمنذر وأبي حاتم ومردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرجه أيضاً ابن جرير من طريق العوفي. وروي ذلك عن محمد بن الحنفية والسدي والضحاك، وقيل: الضمير المرفوع لأبي طالب وأتباعه أو أضرابه والمجرور / للنبـي صلى الله عليه وسلم على معنى ينهون عن أذيته عليه الصلاة والسلام ولا يؤمنون به. أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن هلال أنه قال: إن الآية نزلت في عمومة النبـي صلى الله عليه وسلم وكانوا عشرة وكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه عليه الصلاة والسلام في السر. وقيل: ضمير الجمع لأبي طالب وحده وجمع استعظاماً لفعله حتى كأنه مما لا يستقل به واحد، وقيل: إنه نزل منزلة أفعال متعددة فيكون كقوله: قفا عند المازني، ولا يخفى بعده. وروى هذا القول جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً. وروي عن مقاتل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام فاجتمعت قريش إليه يريدون سوءاً بالنبـي صلى الله عليه وسلم فقال منشداً: شعر : والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسَّد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصح ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا لا محالة أنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا تفسير : فنزلت هذه الآية. وفيها على هذا القول والذي قبله التفات. ورد الإمام القول الأخير «بأن جميع الآيات المتقدمة في ذم فعل المشركين فلا يناسبه ذكر النهي عن أذيته عليه الصلاة والسلام وهو غير مذموم». ونظر فيه بأن الذم بالمجموع من حيث هو مجموع. وبهذه الآية على هذه الرواية استدل بعض من ادعى أن أبا طالب لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق هذا المطلب في موضعه. والنأي لازم يتعدى بعن كما في الآية. ونقل عن الواحدي أنه سمع تعديته بنفسه عن المبرد وأنشد: شعر : أعاذل إن يصبح صدى بقفرة بعيدة نآني زائري وقريبـي تفسير : وخرجه البعض على الحذف والإيصال ولا يخفى ما في {يَنْهَوْنَ} و {ينأون} من التجنيس البديع. وقرىء «وينون عنه». {وَإِن يُهْلِكُونَ} أي وما يهلكون بذلك {إلا أنفسهم} بتعريضها لأشد العذاب وأفظعه وهو عذاب الضلال والإضلال. وقوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} حال من ضمير {يُهْلِكُونَ } أي يقصرون الإهلاك على أنفسهم والحال أنهم غير شاعرين [أي] لا بإهلاكهم أنفسهم ولا باقتصار ذلك عليها من غير أن يضروا بذلك شيئاً من القرآن أو النبـي صلى الله عليه وسلم، وإنما عبر عنه بالإهلاك مع أن المنفي عن غيرهم مطلق الضرر للإيذان بأن ما يحيق بهم هو الهلاك لا الضرر المطلق. على أن مقصدهم لم يكن مطلق الممانعة فيما (ذكروا) بل كانوا يبغون الغوائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو نظام عقد لآلىء الآيات القرآنية. وجوز أن يكون الإهلاك معتبراً بالنسبة إلى الذين يضلونهم بالنهي فقصْره على أنفسهم حينئذ مع شموله للفريقين مبني على تنزيل عذاب الضلال عند عذاب الإضلال منزلة العدم. «ونفي الشعور ـ على ما في «البحر» ـ أبلغ من نفي العلم» كأنه قيل: وما يدركون ذلك أصلاً.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {ومنهم من يستمع إليك}، والضميران المجروران عائدان إلى القرآن المشار إليه باسم الإشارة في قولهم: {أية : إن هذا إلاّ أساطير الأولين}تفسير : [الأنعام: 25]. ومعنى النهي عنه النهي عن استماعه. فهو من تعليق الحكم بالذات. والمراد حالة من أحوالها يعيّنها المقام. وكذلك الناي عنه معناه النأي عن استماعه، أي هم ينهون الناس عن استماعه ويتباعدون عن استماعه. قال النابغة: شعر : لقد نَهَيتُ بني ذبيانَ عن أُقُر وعن تربّعهم في كلّ أصفار تفسير : يعني نهيتهم عن الرعي في ذي أقر، وهو حمى الملك النعمان بن الحارث الغسّاني. وبين قوله: {ينهون - وينأون} الجناس القريب من التمام. والقصر في قوله: {وإنْ يهْلِكُون إلاّ أنْفسهم} قصر إضافي يفيد قلب اعتقادهم لأنّهم يظنّون بالنهي والنأي عن القرآن أنّهم يضرّون النبي صلى الله عليه وسلم لئلاّ يتّبعوه ولا يتّبعه الناس، وهم إنّما يُهلكون أنفسهم بدوامهم على الضلال وبتضليل الناس، فيحملون أوزارهم وأوزار الناس، وفي هذه الجملة تسلية للرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ وأنّ ما أرادوا به نكايته إنّما يضرّون به أنفسهم. وأصل الهلاك الموت. ويطلق على المضرّة الشديدة لأنّ الشائع بين الناس أنّ الموت أشدّ الضرّ. فالمراد بالهلاك هنا ما يلقونه في الدنيا من القتل والمذلّة عند نصر الإسلام وفي الآخرة من العذاب. والنأي: البعد. وهو قاصر لا يتعدّى إلى مفعول إلاّ بحرف جرّ، وما ورد متعدّياً بنفسه فذلك على طريق الحذف والإيصال في الضرورة. وعقّب قوله: {وإن يهلكون إلاّ أنفسهم} بقوله: {وما يشعرون} زيادة في تحقيق الخطأ في اعتقادهم، وإظهاراً لضعف عقولهم مع أنّهم كانوا يعدّون أنفسهم قادة للناس، ولذلك فالوجه أن تكون الواو في قوله: {وما يشعرون} للعطف لا للحال ليفيد ذلك كون ما بعدها مقصوداً به الإخبار المستقلّ لأنّ الناس يعُدّونهم أعظم عقلائهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَيَنْأَوْنَ} (26) - وَهؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ، المُعَانِدُونَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، الجَاحِدُونَ لِنُبُوَّتِهِ، يَتَبَاعَدُونَ عَنِ النَّبِيِّ، وَلاَ يَأْتُونَ إلَيِهِ (يَنْأَوْنَ عَنْهُ) كُرْهاً لَهُ، وَنُفُوراً مِنْهُ، وَاسْتِكْبَاراً عَلَى الحَقِّ. وَيَنْهَونَ النَّاسَ عَنْ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْهِ مَخَافَةَ أنْ يُسْلِمُوا وَيَهْتَدُوا إِلَى الإِيمَانِ (وَيَنْهَونُ عَنْهُ)، وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ لاَ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ بِهَذَا الضَّلاَلِ وَالإِضْلاَلِ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَمَا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ. يَنْأَوْنَ عَنْهُ - يُبْعَدُونَ عَنِ الرَّسُولِ بِأَنْفُسِهِمْ. وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ - يَنْهَوْنَ النَّاسَ عَنْ أَنْ يَأْتُوا إِلَى الرَّسُولِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والكافر من هؤلاء إنما ينأى عن مطلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يريد أن يهتدي، ويمعن في طغيانه فينهى غيره عن الإيمان، فكأنه ارتكب جريمتين: جريمة كفره، وجريمة نهي غيره عن الإيمان. لقد كانت قريش على ثقة من أن الذي يسمع القرآن يهتدي به، لذلك أوصى بعضهم بعضاً ألا يسمعوا القرآن، وإن سمعوه فعليهم أن يحرفوا فيه أو أن يصنعوا ضجيجاً يحول بين السامع للقرآن وتدبره. {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} تفسير : [فصلت: 26]. إنهم واثقون من أن القرآن يقهرهم بالحجة ويفحمهم بالبينات، وأنهم لو استمعوا إليه لوجدوا فيه حلاوة وطلاوة تستل من قلوبهم الجحود والنكران. وكأنهم بذلك يشهدون أن للقرآن أثراً في الفطرة الطبيعية للإنسان، وهم أصحاب الملكة في البلاغة العربية. ومع ذلك ظل الكافرون على عنادهم بالرغم من عشقهم للأسلوب والبيان والأداء. ولم يكتفوا بضلال أنفسهم، بل أرادوا إضلال غيرهم، فكأنهم يحملون بذلك أوزارهم وأوزار من يضلونهم، ولم يؤثر ذلك على مجرى الدعوة ولا على البلاغ الإيماني من محمد عليه الصلاة والسلام؛ ذلك أن الحق ينصره على الرغم من كل هذا؛ فهو سبحانه وتعالى القائل: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. وحين يقول الحق سبحانه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 26]. نعرف أن المقصود بذلك القول هم المعارضون لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد عارضوها لأنها ستسلبهم سلطتهم الزمنية من علو، وجبروت، واستخدام للضعفاء. وذلك ما جعلهم يقفون من الدعوة موقف النكران لها والكفران بها. وما داموا قد وقفوا من الدعوة هذا الموقف، فلم يكن من حظهم الإيمان، ولأنهم نأوا وبعدوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد خسروا، أما غيرهم فلم ينأى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل إنه أوى إلى الله فآواه الله. إنّ هؤلاء الجاحدين المنكرين لدعوة رسول الله وقفوا أمام دعوته وصدوا الناس عنها ونهوهم عن اتباعها؛ لأن هذه الدعوة ستسلبهم سلطتهم الزمنية من علو وجبروت واستخدام الضعفاء وتسخيرهم في خدمتهم وبسط سلطاتهم عليهم. هذا - أولاً - هو الذي دفعهم إلى منع غيرهم ونهيهم عن اتباع الإسلام، ثم هم - ثانياً - ينأون ويبتعدون عن اتباع الرسول، - إذن - فمن مصلحتهم - أولاً - أن ينهوا غيرهم قبل أن ينأوا هم؛ لأنه لو آمن الناس برسول الله وبقوا هم وحدهم على الكفر أيستفيدون من هذه العملية؟ لا يستفيدون - إذن - فحرصهم - أولاً - كان على ألا يؤمن أحد برسول الله لتبقى لهم سلطتهم. وجاء الأداء القرآني معبراً عن أدق تفاصيل هذه الحالة فقال: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} فالبداية كانت نهي الآخرين عن الإيمان برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك ابتعادهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار حظهم أن يظلوا على كفرهم فكان الخسران من نصبيهم، بينما آمن غيرهم من الناس. وهكذا نرى أن الأداء القرآني جاء معبراً دائماً عن الحالة النفسية أصدق تعبير، فقول الحق: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} قول منطقي يعبر عن موقف المعارضين لرسول الله أما قوله الحق: {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} فهذا تصوير لما فعلوه في أنفسهم بعد أن منعوا غيرهم من اتباع الدعوة المحمدية والرسالة الخاتمى. فهم بذلك ارتكبوا ذنبين: الأول: إضلال الغير، والثاني: ضلال نفوسهم. وبذلك ينطبق عليهم قول الحق سبحانه: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} تفسير : [النحل: 25]. ولا يقولن أحد: إن هذه الآية تناقض قول الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الإسراء: 15]. ذلك لأن الوزريْن: وزرهم، ووزر إضلالهم لغيرهم من فعلهم. ويتابع الحق: {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} ونرى أن الذي يقف أمام دعوة الحق والخير لينكرها ويبطلها ويعارضها ويحاربها إنما يقصد من ذلك خير نفسه وكسب الدنيا وأخذها لجانبه، ولكنهم أيضاً لن يصلوا إلى ذلك، لماذا؟ لأن الله غالب على أمره: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. والحق سبحانه وتعالى لا يهزم جندَه أبداً، ولا بد أن يهلك أعداء دعوته بسبب كفرهم وصدهم عن سبيل الله فهم في الحقيقة هم الذين يهلكون أنفسهم بأنفسهم. وسيظل أمر الدعوة الإيمانية الإسلامية في صعود. وسيرون أرض الكفر تنتقص من حولهم يوماً بعد يوم. ولذلك يقول الحق في آية أخرى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} تفسير : [الرعد: 41]. أي أن أرض الكفر تنقص وتنقص والله يحكم لا معقب لحكمه، ولذلك يشرح القرآن في آخر ترتيبه النزولي هذه القضية شرحاً وافياً. ويعلمنا أن نقطع كل علاقة لنا مع الكافرين، فيقول سبحانه: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} تفسير : [الكافرون: 2-5]. وهكذا نرى أن قطع العلاقات أمر مطلوب بين فريقين: فريق يرى أنه على حق، وفريق ثانٍ أنه على باطل، وقد يكون قطع العلاقات أمراً موقوتاً. وقد تضغط الظروف والأحداث إلى أن نعيد العلاقات الدنيوية ثانية، ولكن قطع العلاقات لا بد أن يكون مؤيداً في شأن العقيدة ولا مداهنة في هذا، ولذلك قالها الحق مرتين: {أية : لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} تفسير : [الكافرون: 1-5]. فالمؤمن يرى الحاضر والمستقبل، ويعلم استحالة أن يعبد ما يعبده الكافرون، واستحالة أن يعبد الكافرون ما يعبد. وقد يقول قائل: إن القرآن في ترتيبه النزولي لا بد ألا يتعارض مع واقعه، ولكننا نرى في قوله تعالى: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} وكررها مرتين، إنه بذلك يكون قد أغلق الباب أمام الكافرين فلا يؤمنون مع أن بعضهم قد دخل في دين الله. نقول: نعم إنه لا يتعارض؛ لأن الحق لم يغلق الباب أمام الكافرين الذين أراد الله أن يؤمنوا، بدليل أنه قال جل وعلا: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} تفسير : [النصر: 1-3]. إذن فالمسألة لن تجمد عند ذلك؛ فمعسكر الإيمان سيتوسع، وسيواجه معسكر الكافرين وسيدخل الناس في دين الله أفواجاً. ولكن هناك من قضى الله عليهم ألا يؤمنوا ليظلوا على كفرهم ويدخلوا النار، فقال سبحانه من بعد ذلك: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} تفسير : [المسد: 1-5]. إذن فأبو لهب ومن على شاكلته سيدخل النار ولن يدخل في دين الله أبداً. ويجيء قول الحق: {أية : وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً} تفسير : [النصر: 2]. هذا القول يفتح باب الأمل، ونرى دخول عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل إلى الإسلام. ومجيء سورة المسد من بعد سورة النصر في الترتيب المصحفي كما أراد الله، يعلمنا أن هناك أناساً لن يدخلوا الجنة لأنهم مثل أبي لهب وزوجه. وتأتي من بعدها سورة الإخلاص: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1-4]. إنه لا إله مع الله ينقض ما حكم به الله، ولن يعقب أحد على حكم الله. إذن فمن كفر وأشرك بالله يكون من الذين خسروا أنفسهم وأهلكوها وما يشعرون. ومن بعد ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} يقول: قريش ينهون عن الذكر {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} [الآية: 26] يتباعدون عنه. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ}. يقول: المؤمنون يسمعون الذكر، {وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} [الآية: 36]. يقول: والكفار يبعثهم الله مع الموتى: أَي مع الكفار. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الآية: 44] يعني رخاءَ الدنيا، ويسرها على القرون الأُولى. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} [الآية: 46] أَي يعرضون.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} معناه يَتَباعدُونَ عَنهُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهم: أي المشركون بالله، المكذبون لرسوله، يجمعون بين الضلال والإضلال، ينهون الناس عن اتباع الحق، ويحذرونهم منه، ويبعدون بأنفسهم عنه، ولن يضروا الله ولا عباده المؤمنين، بفعلهم هذا، شيئا. { وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } بذلك.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 264 : 3 : 4 - سفين عن حبيب بن أبي حبيب أخبرني من سمع بن عباس يقول في قول الله {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} قال، نزلت في أبي طالب. كان ينهى عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يوذا - قال، وينا، قال، يجفوا عما جآء به. {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}. يعني أبا طالب. [الآية 26].
همام الصنعاني
تفسير : 784- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قَتَادةَ، في قوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}: [الآية: 26]، قال: ينهون عن القرآن، وعن النبي ويتباعدون عنه. 785- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوْري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن من سَمِعَ ابن عبَّاس يقول في قول الله تبارك وتعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}، قال: نزلتْ في أبي طالب كان يَنْهى المشركينَ أن يُؤذوا محمداً صلى الله عليه وسلم ويَنْأَى عما جَاءَ به محمد صلى الله عليه وسلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):