Verse. 816 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَلَوْ تَرٰۗي اِذْ وُقِفُوْا عَلَي النَّارِ فَقَالُوْا يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِاٰيٰتِ رَبِّنَا وَنَكُوْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ۝۲۷
Walaw tara ith wuqifoo AAala alnnari faqaloo ya laytana nuraddu wala nukaththiba biayati rabbina wanakoona mina almumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو ترى» يا محمد «إذ وُقفوا» عرضوا «على النار فقالوا يا» للتنبيه «ليتنا نردُّ» إلى الدنيا «ولا نكذِّبُ بآيات ربنا ونكونُ من المؤمنين» برفع الفعلين إستئنافا ونصبهما في جواب التمني ورفع الأول ونصب الثاني وجواب لو رأيت أمرا عظيما.

27

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر صفة من ينهى عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وينأى عن طاعته بأنهم يهلكون أنفسهم شرح كيفية ذلك الهلاك بهذه الآية وفيها مسائل: المسألة الأولى: قوله {وَلَوْ تَرَى } يقتضي الله جواباً وقد حذف تفخيماً للأمر وتظيماً للشأن، وجاز حذفه لعلم المخاطب به وأشباهه كثيرة في القرآن والشعر. ولو قدرت الجواب، كان التقدير: لرأيت سوء منقلبهم أو لرأيت سوء حالهم وحذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره، ألا ترى: أنك لو قلت لغلامك، والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب، ذهب بفكره إلى أنواع المكروه، من الضرب، والقتل، والكسر، وعظم الخوف ولم يدر أي الأقسام تبغي. ولو قلت: والله لئن قمت إليك لأضربنك فأتيت بالجواب، لعلم أنك لم تبلغ شيئاً غير الضرب ولا يخطر بباله نوع من المكروه سواه، فثبت أن حذف الجواب أقوى تأثيراً في حصول الخوف. ومنهم من قال جواب {لَوْ } مذكور من بعض الوجوه والتقدير ولو ترى إذ وقفوا على النار ينوحون ويقولون يا ليتنا نرد ولا نكذب. المسألة الثانية: قوله {وُقِفُواْ } يقال وقفته وقفاً، ووقفته وقوفاً كما يقال رجعته رجوعاً. قال الزجاج: ومعنى {وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } يحتمل ثلاثة أوجه: الأول: يجوز أن يكون قد وقفوا عندها وهم يعاينونها فهم موقوفون على أن يدخلوا النار. والثاني: يجوز أن يكونوا وقفوا عليها وهي تحتهم، بمعنى أنهم وقفوا فوق النار على الصراط، وهو جسر فوق جهنم. والثالث: معناه عرفوا حقيقتها تعريفاً من قولك وقفت فلاناً على كلام فلان؛ أي علمته معناه وعرفته، وفيه وجه رابع: وهم أنهم يكونون في جوف النار، وتكون النار محيطة بهم، ويكونون غائصين فيها وعلى هذا التقدير فقد أقيم (على) مقام (في) وإنما صح على هذا التقدير، أن يقال: وقفوا على النار، لأن النار دركات وطبقات، وبعضها فوق بعض فيصح هناك معنى الاستعلاء. فإن قيل: فلماذا قال {وَلَوْ تَرَى }؟ وذلك يؤذن بالاستقبال ثم قال بعده إذ وقفوا وكلمة {إِذْ } للماضي ثم قال بعده، فقالوا وهو يدل على الماضي. قلنا: أن كلمة (إذ تقام مقام (إذا) إذا أراد المتكلم المبالغة في التكرير والتوكيد، وإزالة الشبهة لأن الماضي قد وقع واستقر، فالتعبير عن المستقبل باللفظ الموضوع للماضي، يفيد المبالغة من هذا الاعتبار. المسألة الثالثة: قال الزجاج: الامالة في النار حسنة جيدة، لأن ما بعد الألف مكسور وهو حرف الراء، كأنه تكرر في اللسان فصارت الكسرة فيه كالكسرتين. أما قوله تعالى: {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى:{يا ليتنا نُرَدُّ } يدل على أنهم قد تمنوا أن يردوا إلى الدنيا. فأما قوله {وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ففيه قولان: أحدهما: أنه داخل في التمني والتقدير أنهم تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكونوا مكذبين وأن يكونوا مؤمنين. فإن قالوا هذا باطل لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم كاذبين بقوله في آخر الآية {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } والمتمني لا يوصف بكونه كاذباً. قلنا: لا نسلم أن المتمني لا يوصف بكونه كاذباً لأن من أظهر التمني، فقد أخبر ضمناً كونه مريداً لذلك الشيء فلم يبعد تكذيبه فيه، ومثاله أن يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك، فهذا تمن في حكم الوعد، فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه لقيل إنه كذب في وعده. القول الثاني: أن التمني تمّ عند قوله {ياليتنا نُرَدُّ } وأما قوله {وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فهذا الكلام مبتدأ وقوله تعالى في آخر الآية {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } عائد إليه وتقدير الكلام يا ليتنا نرد، ثم قالوا ولو رددنا لم نكذب بالدين وكنا من المؤمنين، ثم إنه تعالى كذبهم وبيّن أنهم لو ردوا لكذبوا ولأعرضوا عن الإيمان. المسألة الثانية: قرأ ابن عامر نرد ونكذب بالرفع فيهما ونكون بالنصب،وقرأ حمزة وحفص عن عاصم نرد بالرفع،ونكذب ونكون بالنصب فيهما، في الثلاثة، فحصل من هذا أنهم اتفقوا على الرفع في قوله {نُرَدُّ } وذلك لأنه داخلة في التمني لا محالة، فأما الذين رفعوا قوله {وَلاَ نُكَذّبَ وَنَكُونَ } ففيه وجهان: الأول: أن يكون معطوفاً على قوله {نُرَدُّ } فتكون الثلاثة داخل في التمني، فعلى هذا قد تمنوا الرد وأن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين. والوجه الثاني: أن يقطع ولا نكذب وما بعده عن الأول، فيكون التقدير: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، فهم ضمنوا أنهم لا يكذبون بتقدير حصول الرد. والمعنى يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد أي قد عاينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبداً. قال سيبويه: وهو مثل قولك دعني ولا أعود، فههنا المطلوب بالسؤال تركه. فأما أنه لا يعود فغير داخل في الطلب، فكذا هنا قوله {يا ليتنا نُرَدُّ } الداخل في هذا التمني الرد، فأما ترك التكذيب وفعل الإيمان فغير داخل في التمني، بل هو حاصل سواء حصل الرد أو لم يحصل، وهذان الوجهان ذكرهما الزجاج والنحويون قالوا: الوجه الثاني أقوى، وهو أن يكون الرد داخلاً في التمني، ويكون ما بعده إخباراً محضاً. واحتجوا عليه بأن الله كذبهم في الآية الثانية فقال: {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } والمتمني لا يجوز تكذيبه، وهذا اختيار أبي عمرو. وقد احتج على صحة قوله بهذه الحجة، إلا أنا قد أجبنا عن هذه الحجة، وذكرنا أنها ليست قوية، وأما من قرأ {وَلاَ نُكَذِّبَ وَنَكُونَ } بالنصب ففيه وجوه: الأول: بإضمار (أن) على جواب التمني، والتقدير: يا ليتنا نرد وأن لا نكذب. والثاني: أن تكون الواو مبدلة من الفاء، والتقدير: يا ليتنا نرد فلا نكذب، فتكون الواو ههنا بمنزلة الفاء في قوله {أية : لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }تفسير : [الزمر: 58] ويتأكد هذا الوجه بما روي أن ابن مسعود كان يقرأ {فَلا نُكَذّبَ } بالفاء على النصب، والثالث: أن يكون معناه الحال، والتقدير: يا ليتنا نرد غير مكذبين، كما تقول العرب ـ لا تأكل السمك وتشرب اللبن ـ أي لا تأكل السمك شارباً للبن. واعلم أن على هذه القراءة تكون الأمور الثلاثة داخلة في التمني. وأما أن المتمن كيف يجوز تكذيبه فقد سبق تقريره. وأما قراءة ابن عامر وهي أنه كان يرفع {وَلاَ نُكَذّبَ } وينصب {وَنَكُونَ } فالتقدير: أنه يجعل قوله {وَلاَ نُكَذّبَ } داخلاً في التمني، بمعنى أنا إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ } لا شبهة في أن المراد تمني ردهم إلى حالة التكليف لأن لفظ الرد إذا استعمل في المستقبل من حال إلى حال، فالمفهوم منه الرد إلى الحالة الأولى. والظاهر أن من صدر منه تقصير ثم عاين الشدائد والأحوال بسبب ذلك التقصير أنه يتمنى الرد إلى الحالة الأولى، ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصيرات. ومعلوم أن الكفار قصروا في دار الدنيا فهم يتمنون العود إلى الدنيا لتدارك تلك التقصيرات، وذلك التدارك لا يحصل بالعود إلى الدينا فقط، ولا بترك التكذيب، و لا بعمل الإيمان بل إنما يحصل التدارك بمجموع هذه الأمور الثلاثة فوجب إدخال هذه الثلاثة تحت التمني. فإن قيل: كيف يحسن منهم تمني الرد مع أنهم يعلمون أن الرد يحصل لا ألبتة. والجواب من وجوه: الأول: لعلّهم لم يعلموا أن الرد لا يحصل. والثاني: أنهم وإن علموا أن ذلك لا يحصل؛ إلا أن هذا العلم لا يمنع من حصول إرادة الرد كقوله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ } تفسير : [المائدة: 37] وكقوله {أية : أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [الأعراف: 50] فلما صح أن يريدوا هذه الأشياء مع العلم بأنها لا تحصل، فبأن يتمنوه أقرب، لأن باب التمني أوسع، لأنه يصح أن يتمنى ما لا يصح أن يريد من الأمور الثلاثة الماضية. ثم قال تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: معنى {بَلْ } ههنا رد كلامهم، والتقدير: أنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا، وترك التكذيب، وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان، بل لأجل خوفهم من العقاب الذي شاهدوه وعاينوه. وهذا يدل على أن الرغبة في الإيمان والطاعة لا تنفع إلا إذا كانت تلك الرغبة رغبة فيه، لكونه إيماناً وطاعة، فأما الرغبة فيه لطلب الثواب، والخوف من العقاب فغير مفيد. المسألة الثانية: المراد من الآية: أنه طهر لهم في الآخرة ما أخفوه في الدنيا. وقد اختلفوا في ذلك الذي أخفوه على وجوه: الأول: قال أبو روق: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر، فذلك حين بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل. قال الواحدي: وعلى هذا القول أهل التفسير. الثاني: قال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك لأن كفرهم ما كان بادياً ظاهراً لهم، لأن مضار كفرهم كانت خفية، فلما ظهرت يوم القيامة لا جرم قال الله تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ } الثالث: قال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء عنهم من أمر البعث والنشور. قال والدليل على صحة هذا القول أنه تعالى ذكر عقيبه {أية : وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثين} تفسير : [الأنعام: 29] وهذا قول الحسن. الرابع: قال بعضهم: هذه الآية في المنافقين، وقد كانوا يسرون الكفر ويظهرون الإسلام، وبدا لهم يوم القيامة، وظهر بأن عرف غيرهم أنهم كانوا من قبل منافقين. الخامس: قيل بدا لهم ما كان علماؤهم يخفون من جحد نبوّة الرسول ونعته وصفته في الكتب والبشارة به، وما كانوا يحرفونه من التوراة مما يدل على ذلك. واعلم أن اللفظ محتمل لوجوه كثيرة. والمقصود منها بأسرها أنه ظهرت فضيحتهم في الآخرة وانهتكت أستارهم. وهو معنى قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَائِرُ } تفسير : [الطارق: 9]. ثم قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } والمعنى أنه تعالى لو ردهم لم يحصل منهم ترك التكذيب وفعل الإيمان، بل كانوا يستمرون على طريقتهم الأولى في الكفر التكذيب. فإن قيل: إن أهل القيامة قد عرفوا الله بالضرورة، وشاهدوا أنواع العقاب والعذاب فلو ردهم الله تعالى إلى الدنيا فمع هذه الأحوال كيف يمكن أن يقال: إنهم يعودون إلى الكفر بالله وإلى معصية الله. قلنا: قال القاضي: تقرير الآية {وَلَوْ رُدُّواْ } إلى حالة التكليف، وإنما يحصل الرد إلى هذه الحالة لو لم يحصل في القيامة معرفة الله بالضرورة، ولم يحصل هناك مشاهدة الأهوال وعذاب جهنم، فهذا الشرط يكون مضمراً لا محالة في الآية إلا أنا نقول هذا الجواب ضعيف، لأن المقصود من الآية بيان غلوهم في الاصرار على الكفر وعدم الرغبة في الإيمان، ولو قدرنا عدم معرفة الله تعالى في القيامة، وعدم مشاهدة أهوال القيامة لم يكن في إصرار القوم على كفرهم الأول مزيد تعجب، لأن إصرارهم على الكفر يجري مجرى إصرار سائر الكفار على الكفر في الدنيا، فعلمنا أن الشرط الذي ذكره القاضي لا يمكن اعتباره ألبتة. إذا عرفت هذا فنقول: قال الواحدي: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فساد قول المعتزلة، وذلك لأن الله تعالى أخبر عن قوم جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك.ثم إنه تعالى بين أنهم لو شاهدوا النار والعذاب،ثم سألوا الرجعة ورُدُّوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك، وذلك القضاء السابق فيهم، وإلا فالعاقل لا يرتاب فيما شاهد، ثم قال تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } وفيه سؤال وهو أن يقال: إنه لم يتقدم ذكر خبر حتى يصرف هذا التكذيب إليه. والجواب: أنا بينا أن منهم من قال الداخل في التمني هو مجرد قوله {يا ليتنا نُرَدُّ } أما الباقي فهو إخبار، ومنهم من قال بل الكل داخل في التمني، لأن إدخال التكذيب في التمني أيضاً جائز، لأن التمني يدل على الاخبار على سبيل الضمن والصيرورة، كقول القائل ليت زيداً جاءنا فكنا نأكل ونشرب ونتحدث فكذا ههنا. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} إي إذ وُقفوا غداً، و «إذْ» قد تستعمل في موضع «إذا» و «إذا» في موضع «إذْ» وما سيكون فكأنه كان؛ لأن خبر الله تعالىٰ حقّ وصدق، فلهذا عَبَّر بالماضي. ومعنى «إذْ وُقِفُوا» حبِسوا يُقال: وَقَفته وَقْفاً فوَقَف وُقوفاً. وقرأ ابن السَّمَيْقع «إذْ وَقَفُوا» بفتح الواو والقاف من الوقوف. {عَلَى ٱلنَّارِ} أي هم فوقها على الصراط وهي تحتهم. وقيل: «على» بمعنى الباء؛ أي وَقَفوا بقربها وهم يُعاينونها. وقال الضّحاك: جُمعوا؛ يعني على أبوابها. ويُقال: وُقفوا على مَتْن جهنم والنار تحتهم. وفي الخبر: أن الناس كلهم يُوقفون على مَتْن جهنم كأنها مَتْن إهَالَة، ثم يُنادِي منادٍ خُذي أصحابك ودَعِي أصحابي. وقيل: «وقفوا» دخلوها ـ أعاذنا الله منها ـ فعلى بمعنى «في» أي وقفوا في النار. وجواب «لو» محذوف ليذهب الوهم إلى كل شيء فيكون أبلغ في التخويف؛ والمعنى: لو تراهم في تلك الحال لرأيت أسوأ حال، أو لرأيت منظَراً هائلاً، أو لرأيت أمراً عجباً وما كان مثل هذا التقدير. قوله تعالىٰ: {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بالرفع في الأفعال الثلاثة عطفاً قراءة أهل المدينة والكسائيّ؛ وأبو عمرو أبو بكر عن عاصم بالضم. ابن عامر على رفع «نكذّبُ» ونصب «ونكونَ» وكله داخل في معنى التمني؛ أي تَمَنُّوا الردّ وَأَلاّ يُكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين. واختار سيبويه القطع في «وَلا نكذّبُ» فيكون غير داخل في التمني؛ المعنى: ونحن لا نُكذّبُ على معنى الثبات على ترك التكذيب؛ أي لا نكذبُ رُدِدنا أو لم نُردّ؛ قال سيبويه: وهو مثل قوله دعني ولا أعود أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني. وٱستدل أبو عمرو على خروجه من التمني بقوله: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} لأن الكذب لا يكون في التمني إنما يكون في الخبر. وقال من جعله داخلاً في التمني: المعنى وإنهم لكاذبون في الدنيا في إنكارهم البعث وتكذيبهم الرسل. وقرأ حمزة وحفص بنصب {نُكَذِّبَ} و {وَنَكُونَ} جواباً للتمني؛ لأنه غير واجب، وهما داخلان في التمني على معنى أنهم تمَنَّوا الرد وترك التكذيب والكون مع المؤمنين. قال أبو إسحاق: معنى {وَلاَ نُكَذِّبَ} أي إن رُدِدنا لم نكذب. والنصب في «نكذب» و «نكون» بإضمار «أَنْ» كما ينصب في جواب الاستفهام والأمر والنهي والعَرْض؛ لأن جميعه غير واجب ولا واقع بعد، فينصب الجواب مع الواو كأنه عطف على مصدر الأوّل؛ كأنهم قالوا: يا ليتنا يكون لنا رَدٌّ، وانتفاءٌ من الكذِب، وكَونٌ من المؤمنين؛ فحملا على مصدر {نُرَدُّ} لانقلاب المعنى إلى الرفع، ولم يكن بدّ من إضمار «أَنْ» فيه يتم النصب في الفعلين. وقرأ ابن عامر «وَنَكُونَ» بالنصب على جواب التمني كقولك: ليتك تصير إلينا ونكرمك، أي ليت مصيرك يقع وإكرامنا يقع، وأدخل الفعلين الأوّلين في التمني، أو أراد: ونحن لا نكرمك على القطع على ما تقدّم؛ يحتمل. وقرأ أبيّ «وَلاَ نكذب بِآيَاتِ ربنا أبداً». وعنه وابن مسعود {يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ} بالفاء والنصب، والفاء ينصب بها في الجواب كما ينصب بالواو؛ عن الزجاج. وأكثر البصريين لا يجيزون الجواب إلاَّ بالفاء.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى حال الكفار، إذا وقفوا يوم القيامة على النار، وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك، قالوا: {يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِـآيَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا؛ ليعملوا عملاً صالحاً، ولا يكذبوا بآيات ربهم، ويكونوا من المؤمنين، قال الله تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} أي: بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة، كما قال قبله بيسير: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم، من صدق ما جاءتهم به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه، كقوله مخبراً عن موسى، أنه قال لفرعون: {أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ} تفسير : [الإسراء: 102] الآية، وقوله تعالى مخبراً عن فرعون وقومه: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النمل: 14] ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين، الذين كانوا يظهرون الإيمان للناس، ويبطنون الكفر، ويكون هذا إخباراً عما يكون يوم القيامة، من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية، وهي العنكبوت، فقال: {أية : وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ}تفسير : [العنكبوت: 11] وعلى هذا فيكون إخباراً عن قول المنافقين في الدار الآخرة، حين يعاينون العذاب، فظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من الكفر والنفاق والشقاق، والله أعلم، وأما معنى الإضراب، في قوله: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} فإنهم ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة في الإيمان، بل خوفاً من العذاب الذي عاينوه، جزاء على ما كانوا عليه من الكفر، فسألوا الرجعة إلى الدنيا؛ ليتخلصوا مما شاهدوا من النار، ولهذا قال: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} أي في طلبهم الرجعة رغبة ومحبة في الإيمان، ثم قال مخبراً عنهم أنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا، لعادوا لما نهوا عنه، من الكفر والمخالفة {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} أي: في قولهم: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا، ونكون من المؤمنين، {وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} أي: لعادوا لما نهوا عنه، ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا أي: ما هي إلا هذه الحياة الدنيا، ثم لا معاد بعدها، ولهذا قال: وما نحن بمبعوثين. ثم قال: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} أي: أوقفوا بين يديه، قال: {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} أي: أليس هذا المعاد بحق، وليس بباطل كما كنتم تظنون، {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أي: بما كنتم تكذبون به، فذوقوا اليوم مسه {أية : أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الطور: 15].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ تَرَى } يا محمد{إِذْ وُقِفُواْ } عرضوا {عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يالَيْتَنَا } للتنبيه {ليتنا نُرَدُّ } إلى الدنيا {وَلاَ نُكَذِّبَ بِئَايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } برفع الفعلين استئنافاً، ونصبهما في جواب التمني، ورفع الأوّل ونصب الثاني، وجواب «لو» لرأيت أمراً عظيماً.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: عاينوها، ومن عاين الشيء فقد وقف عليه. والثاني: أنها كانت من تحتهم وهم فوقها، فصاروا وقوفاً عليها. والثالث: أنهم عرفوها بالدخول فيها، ومن عرف الشيء فقد وقف عليه. وذكر الكلبي وجهاً رابعاً: أن معناه ولو ترى إذ حُبِسُوا على النار. {فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِأَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} تمنوا الرد إلى الدنيا التي هي دار التكليف ليؤمنوا ويصدقوا، والتمني لا يدخله صدق ولا كذب، لأنه ليس بخبر. ثم قال تعالى: {بلْ بَدَالَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: بدا لهم وبال ما كانوا يخفون. والثاني: بدا لهم ما كان يخفيه بعضهم عن بعض، قاله الحسن. والثالث: بدا للأتباع مما كان يخفيه الرؤساء. {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} يعني ولو ردوا إلى ما تمنوا من الدنيا لعادوا إلى ما نهوا عنه من الكفر. {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فيه قولان: أحدهما: أنه خبر مستأنف أخبر الله به عن كذبهم لا أنه عائد إلى ما تقدم من تمنّيهم، لعدم الصدق والكذب في التمنِّي. والثاني: {إِنَّهُمْ لَكَاذِبونَ} يعني في الإِخبار عن أنفسهم بالإِيمان إِن رُدُّوا.

ابن عبد السلام

تفسير : {وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ} عاينوها ومن عاين الشيء وقف عليه، أو وقفوا فوقها، أو عرفوها بدخولها ومن عرف شيئاً وقف عليه، أو حبسوا عليها.

النسفي

تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ } حذف جوابه أي ولو ترى لشاهدت أمراً عظيماً {إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } أروها حتى يعاينوها أو حبسوا على الصراط فوق النار {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ } إلى الدنيا تمنوا الرد الدنيا ليؤمنوا وتم تمنيهم ثم ابتدأوا بقوله {وَلاَ نُكَذِّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } واعدين الإيمان كأنهم قالوا: ونحن لا نكذب ونؤمن. {وَلاَ نُكَذِّبَ } {وَنَكُونَ } حمزة وعلي وحفص على جواب التمني بالواو وبإضمار «أن» ومعناه أن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين، وافقهما في {وَنَكُونَ } شامي {بَلْ} للإضراب عن الوفاء بما تمنوا {بَدَا لَهُمْ } ظهر لهم {مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ } من الناس {مِن قَبْلُ } في الدنيا من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم. وقيل: هو في المنافقين وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه، أو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَلَوْ رُدُّواْ } إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار {لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } من الكفر {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } فيما وعدوا من أنفسهم لا يوفون به {وَقَالُواْ } عطف على {لَعَـٰدُواْ } أي ولو ردوا لكفروا ولقالوا {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة، أو على قوله {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } أي وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء وهم الذين قالوا إن إلا حياتنا الدنيا وهي كناية عن الحياة، أو هو ضمير القصة {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ } مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاقبه، أو وقفوا على جزاء ربهم {قَالَ } جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟ فقيل: قال {أَلَيْسَ هَـٰذَا } أي البعث {بِٱلْحَقِّ } بالكائن الموجود وهذا تعيير لهم على التكذيب للبعث. وقولهم لما كانوا يسمعون من حديث البعث ما هو بحق {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا } أقروا و أكدوا الإقرار باليمين {قَالَ } الله تعالى {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } بكفركم. {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء ٱللَّهِ } ببلوغ الآخرة وما يتصل بها، أو هو مجرى على ظاهره لأن منكر البعث منكر للرؤية {حَتَّىٰ } غاية لـ {كَذَّبُواْ } لا لـ {خسر} لأن خسرانهم لا غاية له {إِذَا جَاءتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ } أي القيامة لأن مدة تأخرها مع تابد ما بعدها كساعة واحدة {بَغْتَةً } فجأة وانتصابها على الحال يعني باغتة، أو على المصدر كأنه قيل: بغتتهم الساعة بغتة وهي ورود الشيء على صاحبه من غير علمه بوقته {قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا} نداء تفجع معناه ياحسرة احضري فهذا أوانك { عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا } قصرنا {فِيهَا } في الحياة الدنيا أو في الساعة أي قصرنا في شأنها وفي الإيمان بها {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ } آثامهم {عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } خص الظهر لأن المعهود حمل الأثقال على الظهور كما عهد الكسب بالأيدي، وهو مجاز عن اللزوم على وجه لا يفارقهم. وقيل: إن الكافر إذا خرج من قبره استقبله أقبح شيء صورة وأخبثه ريحاً فيقول: أنا عملك السيء فطالما ركبتني في الدنيا وأنا أركبك اليوم {أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ } بئس شيئاً يحملونه، وأفاد «ألا» تعظيم ما يذكر بعده {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ } جواب لقولهم {إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } واللعب ترك ما ينفع بما لا ينفع، واللهو الميل عن الجد إلى الهزل. قيل: ما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو. وقيل: ما أعمال الحياة الدنيا إلا لعب ولهو لا تعقب منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة {وَلَلدَّارُ } مبتدأ {ٱلآخِرَةُ } صفتها: {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ } بالإضافة: شامي. أي ولدار الساعة الآخرة لأن الشيء لا يضاف إلى صفته. وخبر المبتدأ على القراءتين {خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } وفيه دليل على أن ما سوى أعمال المتقين لعب ولهو {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } بالتاء: مدني وحفص. ولما قال أبو جهل: ما نكذبك يا محمد وإنك عندنا لمصدق وإنما نكذب ما جئتنا به نزل {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ } الهاء ضمير الشأن {لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ } لا ينسبونك إلى الكذب. وبالتخفيف: نافع وعلى من أكذبه إذا وجده كاذباً {وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } من أقامة الظاهر مقام المضمر، وفيه دلالة على أنهم ظلموا في جحودهم والتاء يتعلق بـ {يَجْحَدُونَ } أو بـ {ٱلْظَّـٰلِمِينَ } كقوله {فَظَلَمُواْ بِهَا } [الاعراف: 103] والمعنى أن تكذيبك أمر راجع إلى الله لأنك رسوله المصدق بالمعجزات فهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله، لأن تكذيب الرسول تكذيب المرسل. {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل على أن قوله {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ } ليس بنفي لتكذيبه وإنما هو من قولك لغلامك إذا أهانه بعض الناس «إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني» {فَصَبَرُواْ } والصبر حبس النفس على المكروه {عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ } على تكذيبهم وإيذائهم {حَتَّىٰ أَتَـٰهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ } لمواعيده من قوله {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ }تفسير : [الصافات: 171، 172] {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا }تفسير : [غافر: 51] {وَلَقدْ جَآءكَ مِن نَّبَإِىْ ٱلْمُرْسَلِينَ } بعض أنبائهم وقصصهم وما كابدوا من مصابرة المشركين، وأجاز الأخفش أن تكون «من» زائدة والفاعل {نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ } وسيبويه لا يجيز زيادتها في الواجب كان يكبر على النبي صلى الله عليه وسلم كفر قومه وإعراضهم ويحب مجيء الآيات ليسلموا فنزل {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ } عظم وشق {إِعْرَاضُهُمْ } عن الإسلام {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً } منفذاً تنفيذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها {فِى ٱلأَرْضِ } صفة لـ {نَفَقاً } {أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ } منها {بِـئَايَةٍ } فافعل، وهو جواب {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ } و {إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ } وجوابها جواب {وَإِن كَانَ كَبُرَ } والمعنى إنك لا تستطيع ذلك، والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } لجعلهم بحيث يختارون الهدى، ولكن لما علم أنهم يختارون الكفر لم يشأ أن يجمعهم على ذلك كذا قاله الشيخ أبو منصور رحمه الله {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } من الذين يجهلون ذلك. ثم أخبر أن حرصه على هدايتهم لا ينفع لعدم سمعهم كالموتى بقوله:

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} يعني في النار فوضع على موضع في: كقوله:{أية : على ملك سليمان}تفسير : [البقرة: 102] أي في ملك سليمان وقيل معناه إذ عرضوا على النار وجواب لو محذوف. والمعنى: ولو ترى الكفار الذين ينهون عنك وينأون عنك يا محمد في تلك الحالة لرأيت أمراً عجيباً وموقفاً فظيعاً {فقالوا} يعني الكفار {يا ليتنا نردّ} يعني إلى الدنيا {ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} تمنوا أن يردوا إلى الدنيا مرة أخرى حتى يؤمنوا ولا يكذبوا بآيات ربهم فرد الله عليهم ذلك فقال تعالى: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} يعني ليس الأمر كما قالوا لو ردوا إلى الدنيا لأمنوا بل ظهر لهم ما كانوا يسرون في الدنيا من الكفر والمعاصي. وقيل: ظهر لهم ما كانوا يخفون من قولهم والله ربنا ما كنا مشركين أخفوا شركهم وكتموه فأظهره الله عليهم حين شهدت عليهم جوارحهم بما كتموا وستروا من شركهم وقيل ظهر لهم ما أخفوا من الكفر فعلى هذا تكون الآية في المنافقين {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} يعني في قولهم لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين: {وقالوا إن هذه إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} وهذا خبر عن حال منكري البعث وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر الكفار عن أحوال القيامة وأهوالها وما أعد الله في الآخرة من الثواب للمؤمنين المطيعين وما أعد الله من العقاب للكفار والعاصين قالوا، يعني الكفار، إن هي أي ما هي إلا حياتنا الدنيا، أي، ليس لنا غير هذه الدنيا التي نحن فيها وما نحن بمبعوثين يعني بعد الموت. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا خبر من الله عن هؤلاء الكفار الذين وقفوا على النار أنهم لو ردوا إلى الدنيا لقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين. قوله عز وجل: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} يعني على حكم ربهم وقضائه ومسألته وقال مقاتل عرضوا على ربهم {قال أليس هذا بالحق} أي يقول الله يوم القيامة أليس هذا البعث والنشر بعد الموت الذي كنتم تنكرونه في الدنيا وتكذبون به وتقولون لا بعث ولا نشور حقاً {قالوا بلى وربنا} يعني أنهم اعترفوا بما كانوا ينكرونه فأجابوا وقالوا بلى والله إنه لَحق. وقيل: تقول لهم خزنة النار بأمر الله أليس هذا بالحق يعني البعث حقاً فأجابوا بقولهم بلى وربنا قال ابن عباس: للقيامة مواقف ففي موقف ينكرون ويقولون والله ربنا ما كنا مشركين وفي موقف يعترفون بما كانوا ينكرونه في الدنيا {قال فذوقوا العذاب} أي يقول الله لهم ذلك أو الخزنة تقول لهم ذلك بأمر الله تعالى. وإنما خص لفظ الذوق، لأنهم في كل حال يجدون ألم العذاب وجدان الذائق في شدة الإحساس {بما كنتم تكفرون} يعني هذا العذاب بسبب كفركم وجحودكم البعث بعد الموت.

الثعالبي

تفسير : وقوله جَلَّتْ عظمته: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} الآية: المُخَاطَبَةُ فيه للنبي صلى الله عليه وسلم وجواب «لو» محذوف، تقديره في آخر الآية: لرأيت هَوْلاً عظيماً ونحوه. و {وُقِفُواْ} معناه: حسُّوا، ويحتمل قوله: {وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} بمعنى «دخلوها». قاله الطَّبَرِيُّ. ويحتمل أن يكون أَشْرَفُوا عليها، وعاينوها. وقولهم: {يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ} معناه إلى الدنيا. وقوله سبحانه: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} الآية: يَتَضَمَّنُ أنهم كانوا يُخْفُونَ أموراً في الدنيا، فظهرت لهم يوم القِيَامَةِ، أو ظهر وَبَالُ ذلك وعاقبته، فحذف المُضَاف، وأقيم المضَافُ إليه مقامه. وقيل: إن الكُفَّارَ كانوا إذَا وَعَظَهُمُ النبي صلى الله عليه وسلم خافوا، وأَخْفَوْا ذلك الخوف لَئلا يشعر بهم أتباعهم، فظهر لهم ذَلِكَ يوم القيامة. ويصح أن يكون مَقْصِدُ الآية الإخْبَارَ عن هَوْلِ ما لقوه، فعبِّر عن ذلك بأنهم ظَهَرَتْ لهم مَسْتُورَاتهم في الدنيا من مَعَاصٍ وغيرها، فكيف الظَّنُّ بما كانوا يعلنونه من كُفْرٍ ونحوه. وينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تَعْظِيمِ شَأْنِ يوم القيامة: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَائِرُ} تفسير : [الطارق:9]. وقوله سبحانه: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ} إخبار عن أَمْرٍ لا يكون كَيْفَ كان يُوجَدُ، وهذا النوع مما اسْتَأْثَرَ اللَّه ـــ تعالى ـــ بعِلْمِهِ، فإن أعلم بشيء منه علم، وإلا لم يُتَكَلَّمْ فيه. قال الفخر: قال الوَاحِدِيُّ: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فَسَادِ قول المُعْتَزِلةِ؛ لأن اللَّه ـــ تعالى ـــ حَكَىٰ عن هؤلاء أنهم لو رُدُّوا لَعَادُوا لما نُهُوا عنه، وما ذاك إلا لِلْقَضَاءِ السابق فيهم. انتهى.

ابن عادل

تفسير : لمَّا بيَّن أنهم يهلكون أنْفُسَهُمْ شَرَحَ كَيْفِيَّة ذلك الهلاك فقال: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ}، وجواب "لو" محذوف لفهم المعنى، والتقدير: "لرأيت شيئاً عظيماً وَهَوْلاً مُفْظِعاً". وحذف الجواب كثير في التَّنْزِيلِ، وفي النظم كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً} تفسير : [الرعد:31]. وقول الآخر [في ذلك:] [الطويل] شعر : 2135- وَجَدِّكَ لَوْ شَيءٌ أتَانَا رَسُولُهُ سِوَاكَ ولَكِنْ لَمْ نَجَدْ لَكَ مَدْفَعَا تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 2136- فَلَوْ أنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ولَكنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أنْفُسَا تفسير : وقول الآخر فأجاد: [الكامل] شعر : 2137- كَذَبَ العَوَاذِلُ لَوْ رَأيْنَ مُنَاخَا بِحَزيزِ رَامَةَ والمَطِيُّ سَوَامِي تفسير : وحذفُ الجواب أبْلَغُ [قالوا:] لأن السَّامِعَ تذهب نَفْسُهُ كل مذهب، ولو صرَّح له بالجواب وطَّنَ نفسه عليه فلم يحسن منه كثيراً، ولذلك قال كثير في ذلك: [الطويل] شعر : 2138-فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ إذَا وطِّنَتْ يَوْماً لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ تفسير : وقوله: "ترى" يجوز أن تكون بصريةً، ومفعولها محذوف، أي: ولو ترى حالهم، ويجوز أن تكون القَلْبِيَّةَ، [والمعنى:] ولو صرفت فكرك الصحيح لأنْ تَتَدَبَّرَ حَالَهُمْ لازْدَدْتَ يقيناً. وفي "لو" [هذه] وجهان: أظهرهما: أنها الامتناعية، فينصرف المُضَارعُ بعدها للمُضِيِّ، فـ "إذا" باقيةٌ على أصلها من دلالتها على الزَّمَنِ الماضي، وهذا وإن كان لم يقع بعدُ؛ لأنه سيأتي يوم القيامةِ، إلاَّ أنه أبرز في صورة الماضي لتحقُّقِ الوَعْدِ. والثاني: أنها بمعنى "إنْ" الشَّرطيَّة، و"إنْ" هنا تكون بمعنى "إذا"، والذي حمل [هذا] القائل على ذلك كَوْنُهُ لم يقع بعد وقد تقدَّمَ تأويله. وقرأ الجمهور - رضي الله عنهم -: "وُقِفُوا" مبنيَّا للمفعول من "وقف" ثلاثياً [و "على" يحتمل أن تكون على بابها وهو الظاهر أي: حبسوا عليها، أو عرضوا عليها، وقيل: يجوز] أن تكون بمعنى "في"، أي في النَّار، كقوله: "عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ"، أي: في ملك سليمان. وقرأ ابن السَّمَيْفَعِ، وزيد بن علي: "وَقَفُوا" مبيناً للفاعل. و"وَقَفَ" يتعدَّى ولا يتعدَّى, وفرَّقَتِ العَرَبُ بينهما بالمَصْدَرِ، فمصدر اللازم على "فُعُول"، ومصدر المُتعدِّي على "فَعْل" ولا يقال: أوْقَفْتُ. قال أبو عمرو بن العلاء: "لم أسْمَعْ شيئاً في كلام العرب: "أوقفت فُلاناً"، إلاَّ أنِّي لو رأيت رَجُلاً واقفاً فقلت له: "ما أوقفك هاهنا" لكان عندي حَسَناً" وإنما قال كذلك؛ لأنَّ تعدِّي الفِعْل بالهمزة مقيسٌ نحو: ضحك زيدٌ وأضحكته أنا، ولكن سَمِعَ غيره في "وقف" المتعدي أوقفته. قال الراغب: "ومنه - يعني من لفظِ وقفتُ القوم - اسْتُعِيرَ وقفت الدَّابَّة إذا سَبلْتَهَا" فجعل الوقف حقيقةٌ في مَنْع المشي، وفي التَسْبِيلِ مَجَازاً على سبيل الاسْتِعَارَةِ، وذلك أن الشَّيْءَ المُسْبَلَ كأنه ممنوعٌ من الحركة, والوقف لفظٌ مشترك بين ما تقدَّمَ وبين سوارٍ من عاجٍ، ومنه: حمار مُوقَّفٌ بأرْسَاغِهِ مِثْلُ الوقْفِ من البَيَاضِ. فصل في معنى الوقوف على النار وقال الزجاج - رحمه الله تعالى -: ومعنى وقفوا على النَّار يحتمل ثلاثة أوجه: الأول: يجوز أن يكون قد وقفوا عندها وهم يُعَاينُوها فهم موقوفون على أن يدخلوا النار. الثاني: يجوز أن يكون وقفوا عليها وهي تحتهم بمعنى أنهم وقفوا فوق النَّار على الصِّراطِ، وهو جِسْرٌ فوق جَهَنَّمَ "على النَّار". [الثالث:] معناه: أنهم عرفوا حقيقتها تعريفاً من قولك: "وقَّفْتُ فلاناً على كلام فلان" أي: عَلَّمتُهُ معناه وعرَّفته، وفيه الوجه المتقدِّم، وهو أن يكون "على" بمعنى "في"، والمعنى أنهم يكونون غَائِصينَ في النَّارِ، وإنَّما صحَّ على هذا التقدير أن يقول: وقفوا على النَّار، لأن النَّار دَرَكَاتٌ وطَبَقَاتٌ بعضها فوق بعض، فيصح هناك معنى الاسْتِعْلاَء. قوله: "يا لَيْتنا" قد تقدَّم الكلام في "يا" المُبَاشرة للحرف والفعل. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، والكسائي "ولا نُكَذِّبُ" و "نكون" برفعهما وبنَصْبهمَا حمزة، وحفصُ عن عاصم، وبرفع الأول ونصب الثاني ابن عامر، وأبو بكر. ونقل أبو حيَّان عن ابن عامرٍ أنَّهُ نصب الفعلين، ثم قال بعد كلام طويل: قال ابن عطية - رضي الله عنه -: وقرأ ابن عامر في رواية هشام بن عمَّارٍ عن أصحابه, عن ابن عامر: "ولا نكذِّبُ" بالرفع، و"نكون" بالنصب، فأمَّا قراءة الرفع فيهما، ففيها ثلاثةُ أوجه: أحدها: أن الرفع فيهما على العَطْفِ على الفِعْلِ قبلهما، وهو "نُرَدُّ"، ويكونون قد تَمَنَّوا ثلاثة أشياء: الرَّدّ إلى دار الدنيا، وعدم تكذيبهم بآيات ربهم، وكونهم من المؤمنين. والثاني: أن "الواو" واو الحال، والمضارع خبر مبتدأ مُضْمَرٍ، والجُمْلَةُ الاسمية في مَحَلِّ نصب على الحال من مرفوع "نُرَدُّ". والتقدير: يا ليتنا نُرَدُّ غيرَ مكذَّبين وكائنين [من المؤمنين فيكون تمني الرد مقيداً بهاتين الحالين، فيكون الفعلان] أيضاً داخلين في التمنّي. وقد اسْتَشْكَلَ الناسُ هذهين الوجهين، بأن التَّمَنِّي إنشاء, والإنْشَاءُ لا يدخله الصِّدْقُ ولا الكذب، وإنما يدخلان في الأخبار، وهذا قد دَخَلَهُ الكَذِبُ لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [الأنعام:28] وقد أجابوا عن ذلك بثلاثة أوجه: أحدها: ذكره الزمخشري - قال: هذا تَمَنٍّ تضمَّنَ معنى العِدَة، فجاز أن يدخله التَّكْذِيبُ كما يقول الرَّجُلُ: "ليت اللَّه يرزقني مالاً فأحْسِن إليك، وأكَافِئَكَ على صَنيعِكَ" فهذا مُتَمَنٍّ في معنى الواعد، فلو رُزِقَ مالاً ولم يُحْسِنْ إلى صاحبه، ولم يكافئه كذب، وصَحَّ أن يقال له كاذب، كأنه قال: إن رزقني اللَّهُ مالاً أحسنتُ إليك. والثاني: أن قوله تبارك وتعالى: {أية : وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون} تفسير : [الأنعام:28] ليس متعلّقاً بالمتمني، بل هو مَحْضُ إخبار من الله تبارك وتعالى، بأنهم دَيْدَنهم الكَذِبُ وهجيراهم ذلك، فلم يَدْخُلِ الكذبُ في التمنِّي، وهذان الجوابان واضحان، وثانيهما أوضح. والثالث: أنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّ التمنِّي لا يدخله الصِّدْقُ ولا الكذب، بل يدخلانه، وعُزِيَ ذلك إلى عيسى بن عُمَرَ، واحتج على ذلك بقول الشاعر [حيث قال]: [الطويل] شعر : 2139- مُنًى إنْ تَكُنْ حَقَّا تَكُنْ أحْسنَ المُنَى وإلاَّ فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَناً رَغْدَا تفسير : قال: "وإذا جاز أن تُوصَفَ المُنَى بكونها حَقّاً جاز أن تُوصَفَ بكونها باطلاً وكذباً". وهذا الجواب سَاقِطٌ جداً، فإن الذي وُصِفَ بالحَقِّ إنما هو المُنَى، و "المنى": جمع "مُنْيَة" و"المُنْيَةُ" تُوصَفُ بالصِّدْق والكذب مجازاً؛ لأنها كأنها تَعِدُ النَّفْسَ بوقوعها، فيقال لما وقع منها: صَادِق، ولِمَا لم يَقَعْ منها: كاذب، فالصِّدْق والكذب إنما دَخَلا في المُنْيَةِ لا في التمني. والثالث من الأوجه المتقدمة: أن قوله: "ولا نُكَذِّبُ" خبر لمبتدأ محذوف، والجملة اسْتئنَافِيَّةٌ لا تعلُّقَ لها بما قبلها، وإنما عطفت هاتان الجملتان الفعليتان على الجملة المُشْتملة على أدَاةِ التمني وما في حيِّزهَا، فليستْ داخلةً في التَّمَنِّي أصلاً، وإنما أخبرَ الله - تبارك وتعالى - عنهم أنهم أخْبَرُوا عن أنفسهم بأنهم لا يكذبون بآيات ربِّهم، وأنَّهُمْ يكونون من المُؤمنينَ، فتكون هذه الجملة وما عُطِفَ عليها في مَحَلِّ نصبٍ بالقول، كأنَّ التقدير: فقالوا: يَا لَيْتَناَ نُرَدُّ وقالُوا: نحن لا نُكَذِّب ونكُون من المؤمنين. واختار سيبويه هذا الوجه وشبَّهَهُ بقولهم: "دَعْنِي ولا أعُودُ"، أي: وأنا لا أعود تَرَكْتَنِي أو لم تتركني، أي: لا أعود على كُلِّ حالٍ، كذلك معنى الآية: أخْبروا أنهم لا يُكَذِّبُون بآيات ربهم، وأنهم يَكُونُون من المؤمنين على كل حالٍ، رُدُّوا أو لم يُرَدُّوا. وهذا الوجهُ وإن كان النَّاسُ قد ذكروه ورجَّحُوه، وأختاره سيبويه - رحمه الله - كما مَرَّ، فإن بعضهم اسْتَشْكَلَ عليه إشْكَالاً، وهو: أنَّ الكَذِبِ لا يَقَعُ في الآخرة، فكيف وُصِفُوا بأنهم كاذبون في الآخرة في قولهم "ولانُكَذِّب ونكون"؟ وقد أجيب عنه بوجهين: أحدهما: أن قوله {أية : وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون} تفسير : [الأنعام:28] اسْتيثَاقٌ لذَمِّهِمْ بالكذب، وأن ذلك شأنهم كما تقدَّمَ ذلك آنفاً. والثاني: أنهم صَمَّموا في تلك الحَالِ على أنهم لو رُدُّوا لما عادوا إلى الكُفْرِ لما شَاهَدُوا من الأهْوالِ والعقوبات، فأخبر اللَّهُ - تعالى - أنَّ قولهم في تلك الحَالِ: "ولا نكذِّبُ" وإن كان عن اعتقاد وتصميم يتغير على تقدير الرَّدِّ، ووقوع العَوْدِ، فيصير قولهم: "ولا نكذّب" كذباً، كما يقول اللِّصُّ عند ألم العقوبة: "لا أعود" ويعتقد ذلك ويصمم عليه، فإذا خُلِّصَ وعاد كان كاذباً. وقد أجاب مَكّي أيضاً بجوابين: أحدهما [قريب] مما تقدَّم، والثاني لغيره، فقال - أي لكاذبون في الدُّنْيَا في تكذيبهم الرُّسُلَ، فإنكارهم البَعْثَ للحال [التي] كانوا عليها في الدُّنْيَا، وقد أجاز أبو عمرو وغيره وُقُوعَ التكذيب في الآخرة، لأنهم ادَّعَوْا أنهم لو رُدُّوا لم يُكَذِّبوا بآيات الله، فعلم الله ما لا يكون لو كان كيف يكون، وأنهم لو رُدُّوا لم يؤمنوا ولكذَّبوا بآيات اللِّهِ، فأكذبهم اللَّهُ في دَعْوَاهُمْ. وأمَّا نَصْبُهُمَا فبإضمار "أنْ" بعد الواو التي بمعنى "مع"، كقولك: "ليت لي مالاً وأنْفِقَ منه" فالفعل منصوب بإضمار "أن"، و "أنْ" مصدرية ينسبِكُ منها ومن الفعل بعدها مَصْدرٌ، و"الواو" حرف عَطْفٍ، فيستدعي معطوفاً عليه، وليس قبلها في الآية إلاَّ فعل، فكيف يُعْطَفُ اسْمٌ على فعل؟ فلا جَرَمَ أنْ نقدِّر مصدراً متوهّماً يُعْطَفُ هذا المصدر المُنْسَبكُ من "أنْ" وما بعدها عليه، والتقديرُ: يا ليتنا لنا رَدُّ، وانتفاء تكذيب بآيات ربنا وكَوْنٌ من المؤمنين أي: ليتنا لنا ردٌّ مع هذين الشيئين، فيكون عدم التكذيب والكَوْنُ من المؤمنين مُتَمَنَّييْنِ أيضاً، فهذه ثلاثة أشياء أعني الرَّدَّ وعدم التكذيب، والكون من المؤمنين مُتَمَنَّاةٌ بقيد الاجتماع، لا أنَّ كُلَّ واحدٍ مُتَمَنًّي وَحْدَهُ؛ لما تقدَّم من أنَّ هذه "الواو" شرط إضمار "أنْ" بعدها: أن تصلح "مع" في مكانها، فالنصبُ يُعيِّنُ أحد مُحْتَمَلاتِهَا في قولك: "لا تأكل السَّمَكَ وتشرب اللبن" وشبهه، والإشكال المتقدِّم وهو إدخال التكذيب على التمني ورادٌ هنا، وقد تقدم جوابه إلاَّ أن بَعْضَهُ يُتَعذَّر هنا، وهو كون "لا نكذِّبُ، ونكونُ" مُسْتَأنَفَيْنِ سِيْقَا لمجرد الإخبار، فبقي: إمَّا لكون التمني دَخَلَهُ معنى الوَعْدِ، وإمَّا أن قوله تبارك وتعالى: {أية : وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون} تفسير : [الأنعام:28] ليس رَاجِعاً إلى تَمَنِّيهِمْ، وإمَّا لأنَّ التمِّني يدخله التكذيب، وقد تقدَّم فسادُهُ. وقال ابن الأنباري - رحمه الله -: "أكْذَبَهم في معنى التَّمَنِّي، لأن تَمَنِّيهم راجعٌ إلى معنى: "نحنُ لا نكذِّب إذا رُدِدْنا" فَغَلَّب عزَّ وجلَّ الكلام فَأكذَبَهُمْ، ولم يستعمل لفظ التَّمنِّي". وهذا الذي قاله ابن الأنباري - رحمه الله تعالى - تقدَّم معناه بأوضح من هذا. قال أبو حيَّان: وكثيراً ما يوجد في كتب النحو أن هذه "الواو" المنصوب بعدها هو على جواب التَّمَنِّي، كما قال الزمخشري: وقرئ: "ولا نكذِّبَ، ونكون" بالنصب بإضمار "أنْ" على جواب التمني، ومعناه إنْ رُدِدْنا لم نُكَذِّبْ، ونكن من المؤمنين. قال: وليس كما ذَكَرَ، فإن نَصْبَ الفعل بعد "الواو" ليس على جهة الجواب؛ لأن "الواو" لا تقعُ جواب الشَّرْط، فلا يَنْعَقِدُ ممَّا قبلها، ولا ممَّا بعدها شَرْطٌ وجواب، وإنما هي واو "مع" يُعْطَفُ ما بعدها على المَصْدَر المُتَوَهَّم قبلها، وهي واو العطف يتعيَّنُ مع النَّصْبِ أحدُ مَحَامِلِهَا الثلاثة: وهي المعيَّةُ ويميِّزها من "الفاء" تقديرُ "مع" موضعها، كما أنَّ فاء الجواب إذا كان بعدها فِعْلٌ منصوبٌ ميَّزَهَا تقديرٌ شرْط قبلها أو حَالٌ مكانها وشُبْهَةُ من قال: إنها جواب أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها "الفاء"، فتوهَّم أنها جواب. وقال سيبويه - رحمه الله تعالى -: والواو تنصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انْتَصَبَ ما بعد "الفاء"، والواو والفاء معناهما مختلفان، ألا ترى قوله: [الكامل] شعر : 2140- لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأتِيَ مِثْلَهُ ........................ تفسير : لو دخلت "الفاء" هنا لأفسدت المعنى، وإنما أراد: لا تجمع النَّهْيَ والإتيان وتقول: "لا تأكل السِّمَكَ وتشرب اللبن" لو أدخلت الفاء هنا لفسد المعنى. قال أبو حيَّان: ويوضِّح لك أنها ليست بجواب انْفِرَادُ "الفاء" دونها، فإنها إذا حذفت انْجَزَمَ الفعل بعدها بما قبلها لما تَضَمَّنَهُ من معنى الشَّرْطِ إلاَّ في النفي، فإن ذلك لا يجوز. قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى -: قد سبق الزمخشري إلى هذه العبارة أبو إسحاق الزَّجَّاج، قال أبو إسحاق: نصب على الجواب بالواو في التَّمَنِّي كما تقول: "ليتك تَصِيرُ إليْنَا ونُكْرِمَكَ". المعنى: ليت مصيرك يقع وإكرامنا، ويكون المعنى: "ليت رَدَّنا وقع وأن لا نكذِّب". وأمَّا كون "الواو" ليست بمعنى "الفاء" فَصَحِيحٌ، على ذلك جُمْهُورُ النحاة، إلاَّ أنِّي رأيتُ أبا بكر بن الأنْبَارِيّ خَرَّجَ النَّصْبَ على وجهين: أحدهما: أنَّ "الواو" بمعنى "الفاء". قال أبو بكر: في نَصْبِ "نكذِّبُ" وجهان: أحدهما: أن "الواو" مُبْدَلَة من "الفاء", والتقدير: يا يلتنا نُردُّ فلا نكذِّبَ ونكونَ، فتكون "الواو" هنا بمنزلة "الفاء" في قوله: {أية : لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الزمر:58]. يؤكد هذا قراءةُ ابن مسعود، وابن أبي إسحاق "يا ليتنا نُرَدُّ فلا نكذبَ" بالفاء [منصوباً]. والوجه الآخر: النَّصْبُ على الصرف، ومعناه الحال، أي: يا ليتنا نُردُّ غير مكذِّبين. أمَّا قراءة ابن عامر - برفع الأوَّل ونصب الثاني - فظاهرةٌ بما تقدَّم؛ لأن الأول يرتفع على حَدِّ ما تقدم من التأويلات، وكذلك نصب الثاني يتخرج على ما تقدم ويكون قد أدخل عدم التكذيب في التَّمَنِّي أو إسْتَأنَفَهُ، إلاَّ أنَّ المنصوبَ يحتمل أن يكون من تَمَام قوله: "نُرَدُّ" أي: تَمنَّوا الرَّدَّ مع كونهم من المؤمنين، وهذا ظَاهِرٌ إذا جعلنا: "ولا نكذب" مَعْطُوفاً على "نُرَدّ" أو حالاً منه. وأمَّا إذا جعلنا "ولا نكذِّب" مستأنفاً، فيجوز ذلك أيضاً، ولكن على سبيل الاعتراضِ، ويحتمل أن يكون من تمامِ "ولا نكذٍّب" أي: لا يكونُ منّا تكذيب مع كوننا من المؤمنين في التمني، أو أستأنفه ويكون قوله: "ولا نكذب" حينئذٍ على حَالِهِ، أعني من احتماله العَطْفَ على "نُرَدُّ" أو الحاليّة، أو الاستئناف، ولا يخفى حينئذٍ دخول كونهم مع المؤمنين في التَّمَنِّي وخروجه منه بما تقدَّم تقريره. وقُرئ شاذّاً عكس قراءة ابن عامرٍ، بِنَصْبِ "نكذبَ"، ورفع "نكون"، وتخريجها على ما تقدَّمَ إلاّ أنها يضعف فيها جَعْلُ "ونكونُ من المؤمنين" حالاً لكونه مُضَارعاً مثبتاً إلا بتأويل بَعِيدٍ، كقوله: [المتقارب] شعر : 2141-.................. نَجَوْتُ وَأرْهَنُهُمْ مَالِكَا تفسير : أي: وأنا أرْهَنُهُمْ، وقولهم: "قمت وأصكُّ عَيْنَهُ"، ويدلُّ على حذف هذا المبتدأ قراءةُ أبيِّ: "ونحن نكونُ من المؤمنين". فصل في تحرير معنى الرد معنى الآية الكريمة: أنهم تَمَنَّوا الرَّدَّ إلى حالة التكليف، لأن لَفْظَ "الرَّدَّ" إذا استعمل في المُسْتَقْبَلِ من حالٍ إلى حالٍ، فالمعهود منه الرَّدُّ إلى الحالة الأولى، فإن الظَّاهِرَ مَنْ صدر عنه تَقْصِيرٌ, ثمَّ عاين الشَّدائد والأهْوَال من ذلك التقصير أنه يتمنى الرَّدَّ إلى الحالة الأولى؛ ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصيرات ومعلوم أن الكُفَّار قَصَّرُوا في دار الدنيا, فهم يَتَمَنَّوْنَ العَوْدَ إلى الدنيا لتَدَارُك تلك التَّقْصِيرَاتِ، وذلك التدارك لا يحصل بالعَوْدِ إلى الدنيا فقط ولا بترك التكذيب فقط، ولا بعمل الإيمان، بل إنَّما يَحْصُلُ التدارُكُ بمجموع هذه الأمور الثلاثة، فوجب إدخال هذه الثلاثة تحت التمني. فإن قيل: كيف يحسنُ تمني الرد مع أنهم يعلمون أنَّ الر‍َّدَّ لا يحصل ألْبَتَّةَ؟ والجوابُ من وجهين: أحدهما: لعلهم [لم] يعلموا أن الردَّ لا يحصل [ألبتة]؟ والثاني: أنهم وإن علموا أن ذّلِكَ لا يَحْصُلُ إلاَّ أن هذا العلم لا يمنع من حصول إراة الرَّدِّ، كقوله تبارك وتعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا} تفسير : [المائدة:37] وقوله تعالى: {أية : أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [الأعراف:50] فلمّا صَحَّ أن يريدوا هذه الأشياء مع العِلْمِ بأنها لا تحصل، فبأن يتمنونه أقْرَبُ, لأن باب التمني أوْسَعُ.

البقاعي

تفسير : ولما جعل عدم إيمانهم في هذه بشيء من الآيات موصلاً لهم إلى غاية من الجهل عظيمة موئسة من ادعائهم في هذه الدار، وهي مجادلتهم له صلى الله عليه وسلم، وختم الآية بما رأيت من عظيم التهديد استشرفت النفس إلى معرفة حالهم عند ردهم إلى الله تعالى والكشف لهم عما هددوا به، فأعلم نبيهم صلى الله عليه وسلم أن حالهم إذ ذاك الإيمان، حيث يسر غاية السرور تصديقهم له، وتمنيهم متابعته لما يركبهم من الذل ويحيط بهم من الصغار، ولا يزيدهم ذلك إلاّ ضرراً وعمى وندماً وحسرة، فكأنه قيل: فلو رأيت حالهم عند كشف الغطاء - وهو المطلع - لرأيتهم يؤمنون: {ولو ترى إذ} أي حين {وقفوا} في الحشر، وبني للمجهول لأن المنكىّ الإيقاف، لا كونه من معين {على النار} أي عندها ليدخلوها مشرفين على كل ما فيها من أنواع النكال، وذلك أعظم في النكاية أو على الجسر وهو على الصراط وهي تحتهم، أو عرفوا حقيقتها ومقدار عذابها من قولك: أوقفته على كذا - إذا عرفته إياه {فقالوا} تمنياً للمحال {يا ليتنا نرد} أي إلى الدنيا. ولما كان التقدير بشهادة قراءة من نصب الفعلين - جواباً للتمني - أو أحدهما: فنطيع، عطف على الجملة قوله: {ولا} أي والحال أنا لا، أو ونحن لا {نكذب} إن رددنا {بآيات ربنا} أي المحسن إلينا {ونكون من المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان، والتقدير عند ابن عامر في نصب الثالث: ليتنا نرد، وليتنا لا نكذب فنسعد وأن نكون، وعلى قراءة حمزة والكسائي وحفص بنصب الفعلين: ليتنا نرد فنسعد، وأن لا نكذب وأن نكون، والمعنى: لو رأيت إيقافهم ووقوفهم في ذلك الذل والانكسار والخزي والعار وسؤالهم وجوابهم لرأيت أمراً هائلاً فظيعاً ومنظراً كريهاً شنيعاً، ولكنه حذف تفخيماً له لتذهب النفس فيه كل مذهب، وجاز حذفه للعلم به في الجملة. ولما أخبرنا - في قراءة الرفع - عن أنفسهم بما تمنوا لأجله الرد، وتضمنت قراءة النصب الوعد، فإنه كما لو قال قائل: ليت الله يرزقني مالاً فأكافئك على صنيعك، فإنه ينجر إلى: إن رزقني الله مالاً كافأتك، فصار لذلك مما يقبل التكذيب، أضرب عنه سبحانه تكذيباً لهم بقوله: {بل} أي ليس الأمر كما قالوا، لأن هذا التمني ليس عن حقيقة ثابتة في أنفسهم من محبة مضمونه وثمرته، بل {بدا} أي ظهر {لهم} من العذاب الذي لا طاقة لهم به {ما كانوا يخفون} أي من أحوال الآخرة ومرائهم على باطل! ولما كان إخفاؤهم ذلك في بعض الزمان قال: {من قبل} أي يدعون أنه خفي، بل لا حقيقة له، ويسترون ما تبديه الرسل من دلائله عناداً منهم مع أنه أوضح من شمس النهار بما يلبسون من الهيبة فلذلك تمنوا ما ذكروا {ولو ردوا} أي إلى الدنيا {لعادوا لما نهوا عنه} أي من الكفر والفضائح التي كانوا عليها وستر ما اتضح لعقولهم من الدلائل {وإنهم لكاذبون} أي فيما أخبروا به عن أنفسهم من مضمون تمنيهم أنهم يفعلونه لو ردوا، وأكد طبعهم على الكفر بقوله عطفاً على قوله {لعادوا}: {وقالوا} أي بعد الرد ما كانوا يقولونه قبل الموت في إنكار البعث {إن هي} أي ما هذه الحياة التي نحن ملابسوها {إلاّ حياتنا الدنيا} أي التي كنا عليها قبل ذلك {وما نحن} وأغرقوا في النفي فقالوا: {بمبعوثين} أي بعد أن نموت، وما رؤيتنا لما رأينا قبل هذا من البعث إلاّ سحر لا حقيقة له، ولم ينفعهم مشاهدة البعث بل ضرتهم، هذا محتمل وظاهر، ولكن الأنسب لسياق الآيات قبل وبعد أن يكون هذا حكاية لقولهم له صلى الله عليه وسلم في هذه الدار عطفاً على قوله {أية : وقالوا لولا أنزل عليه ملك} تفسير : [الأنعام: 8] على الوجه الأول، وقوله: {ولو ترى} متصل بذلك، أي قالوا هذا القول لما أخبرتهم بالبعث، فساءك ذلك من قولهم والحال أنك لو رأيت اعترافهم به إذا سألهم خالقهم لسرك ذلك من ذلهم وما يؤول إليه أمرهم، وعبر بالمضارع تصويراً لحالهم ذلك، وقولُه: {إذ وقفوا على ربهم} مجازاً عن الحبس في مقام من مقامات الجلال بما اقتضاه إضافة الرب إليهم، أي الذي طال إحسانه إليهم وحلمه عنهم، فأظهر لهم ما أظهر في ذلك المقام من تبكيتهم وتوبيخهم وتقريعهم، وأطلعهم بما يقتضيه أداة الاستعلاء - على ما له سبحانه من صفات العظمة من الكبرياء والانتقام من التربية إذ لم يشكروا إحسانه في تربيتهم، وسياق الآية يقتضي أن يكون الجواب: لرأيتهم قد منعتهم الهيبة وعدم الناصر وشدة الوجل من الكلام، فكأن سائلاً قال: المقام يرشد إلى ذلك حتى كأنه مشاهد فهل يكلمهم الله لما يشعر به التعبير بوصف الربوبية؛ قيل: نعم، لكن كلام إنكار وإخزاء وإذلال {قال أليس هذا} أي الذي أتاكم به رسولي من أمر البعث وغيره مما ترونه الآن من دلائل كبريائي {بالحق} أي الأمر الثابت الكامل في الحقية الذي لا خيال فيه ولا سحر {قالوا} أي حين إيقافهم عليه، فكان ما أراد: {بلى}، وزادوا على ما أمروا به في الدنيا القسم فقالوا: {وربنا} أي الذي أحسن إلينا بأنواع الإحسان، وكأن كلامهم هذا منزل على حالات تنكشف لهم فيها أمور بعد أخرى، كل أمر أهول مما قبله، ويوم القيامة - كما قال ابن عباس رضي الله عنهما - ذو ألوان: تارة لا يكلمهم الله، وتارة يكلمهم فيكذبون، وتارة يسألهم عن شيء فينكرون، فتشهد جوارحهم، وتارة يصدقون كهذا الموقف ويحلفون على الصدق. ولما أقروا قهراً بعد كشف الغطاء وفوات الإيمان بالغيب بما كانوا به يكذبون، تسبب عنه إهانتهم، فلذا قال مستأنفاً: {قال} أي الله مسبباً عن اعترافهم حيث لا ينفع، وتركهم في الدنيا حيث كان ينفع {فذوقوا العذاب} أي الذي كنتم به توعدون {بما كنتم تكفرون} أي بسبب دوامكم على ستر ما دلتكم عليه عقولكم من صدق رسولكم، ولا شك أن الكلام - وإن كان على هذه الصورة - فيه نوع إحسان، لأنه أهون من التعذيب مع الإعراض في مقام {أية : اخسؤوا فيها ولا تكلمون} تفسير : [المؤمنون: 108] ولذلك كان ذلك آخر المقامات.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو عبيد وابن جرير عن هرون قال: في حرف ابن مسعود {يا ليتنا نرد فلا نكذب} بالفاء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} قال: من أعمالهم {ولو ردوا لعادوا لما نُهوا عنه} يقول: ولو وصل الله لهم دنيا كدنياهم التي كانوا فيها لعادوا إلى أعمالهم أعمال السوء التي كانوا نهوا عنها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} يقول: بدت لهم أعمالهم في الآخرة التي افتروا في الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: فاخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى فقال {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} أي ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا. وأخرج ابن جرير وأبن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} قال: وقالوا حين يردون {إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين}.

القشيري

تفسير : يعني حين ينجز للعبد ما وعده له من القربة يشغل من شاء بنوعٍ من العلة حتى لا يطلع أحد على محل الأسرار.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو ترى اذ وقفوا على النار} الخطاب اما لرسول الله صلى الله عليه وسلم او لكل احد من اهل المشاهدة والعيان. والوقف الحبس وجواب لو ومفعول ترى محذوف اى لو تراهم حين يوقفون على النار حتى يعاينوها لرأيت مالا يساعده التعبير {فقالوا يا} للتنبيه {ليتنا نرد} الى الدنيا {ولا نكذب بآيات ربنا} القرآنية {ونكون من المؤمنين} بها العاملين بمقتضاها حتى لا نرى هذا الموقف الهائل ونصب الفعلين على جواب التمنى باضمار ان بعد الواو واجرائها مجرى الفاء والمعنى ان رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {لو}: شرطية، وجوابها محذوف: أي: لرأيت أمرًا فظيعًا هائلاً، وإنما حذف في مثل هذا ليكون أبلغ ما يقدره السامع. و {لا نكذب} و {نكون}: قُرىء بالرفع، على الاستئناف والقطع عن التمني، ومثَّله سيبويه بقولك: ( دعني ولا أعود) أي: وأنا لا أعُود، ويحتمل أن يكون حالاً، أي: غير مُكذِّبين، أو عطفًا على: {نُرد}، وقُرىء: بالنصب؛ على إضمار "أن" ـ بعد واو المعية في جواب التمني. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولو ترى} يا محمد، أو: يا من تصح منه الرؤية، حالَ الكفار {إذ وقِفُوا على النار} حين يعاينونها أو يطّلعون عليها، أو يدخلونها، فيعرفون مقدار عذابها، لرأيت أمرًا شنيعًا وهولاً فظيعًا؛ {فقالوا} حينئذٍ: {يا ليتنا نُردُّ} إلى الدنيا، {ولا نُكذَّب بآيات ربنا ونكون من المؤمنون}، ندموا حين لم ينفع الندم، وقد زلَّت بهم القدم، قال تعالى: {بل بدَا لهم} أي: ظهر لهم يوم القيامة في صحائفهم {ما كانوا يُخفون من قبل} في دار الدنيا من عيوبهم وقبائح أعمالهم، أو: بدا لهم حِقيّة الإيمان وبطلان ضده، عيانًا، لمَّا وقفوا الى التوحيد وعرفوه ضرورة، وقد كانوا في الدنيا يُخفونه ويُظهرون الشرك، عياذًا بالله. قال تعالى: {ولو رُدُّوا} إلى الدنيا بعد الوقوف والظهور {لعادوا لما نُهوا عنه} من الكفر والمعاصي؛ لأنهم من قبضة الشقاء، والعياذ بالله، {وإنهم لكاذبون} فيما وعدوا من أنفسهم من الإيمان وعدم التكذيب. وفي هذا الإخبار بما لا يكون، ولو كان كيف يكون، وهو مما انفرَد الله بعلمه. الإشارة: يوم القيامة هو محل ظهور حقائق الأشياء على ما هي عليه، فإن كانت حقًا ظهرت حقيقتها وصحتها، وإن كانت باطلة، ظهر بطلانها عيانًا، لكن لا تنفع المعرفة حينئذٍ، لرفع حجاب الحكمة وظهور القدرة، فلم يبقَ غيبٌ، وإنما المزِيَّةُ في الإيمان بالغيب، والمعرِفةَ في النكران، والشهود خلف رداء الكبرياء، بشهود المعاني خلف الأواني، فإن ظهرت المعاني فلا إيمان، وإنما يبقَى العيان، لأهل العيان، والخيبة لأهل الخذلان. قال الورتجبي: القوم لم يعرفوا حقائق الكفر في الدنيا، ولو عرفوه لكانوا موحدين، فيظهر لهم يوم القيامة حقيقة الكفر، ولا ينفعهم ذلك؛ لفوتهم السير في النكرات، التي معرفتها توجب المعارف، وذلك المقام في أماكن صُدورهم، وهم كانوا يخفونه بمتابعة صورة الكفر وشهوة العصيان بغير اختيارهم؛ لقلة عرفانهم به، ولا يكون قلبٌ من العرش إلى الثرى إلا ويطرقه هواتف الغيب، بإلهام الله الذي يعرف به طُرُقَ رضى الحق، وصاحبه يعلم ذلك ويسمع ويُخفيه في قلبه، لأنه أدق من الشعرة، وحركته أخفى من دبيب النمل، ومع ذلك يعرفه من نفسه، ولكن من غلَبت شهواتُ نفسه عليه، لا يتبع خطاب الله بالسر، فأبدى الله لهم ما كانوا يخفونه، تعييرًا لهم وحجة عليهم، انتهى. قلت: قوله: ولا يكون قلب... الخ، حاصل كلامه: أن القلب من حيث هو لابد أن يطرقه الخصم إن حاد عن الحق، وهو المراد بهواتف الغيب، لكنه أخفى من دبيب النمل في حق الغافلين. فإن كان القلب حيًّا متيقظًا تتبع ذلك الخصم؛ حتى يزيله بظهور الحق، وإن كان ميتًا بغلبة الشهوات أخفاه حتى يموت، فيبدو له ما كان يخفيه من قبل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اعتقادهم الفاسد، وما أدّاهم إليه، فقال: {وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا}.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة ويعقوب وحفص {ولا نكذب.. ونكون} بالنصب فيهما، وافقهم ابن عامر في {ونكون} الباقون بالرفع فيهما، فمن قرأ بالرفع أحتملت قراءته أمرين: أحدهما - ان يكون معطوفا على نرد، فيكون قوله: {نرد ولا نكذب.. ونكون} داخلا في التمني ويكون قد تمني الرد وألا يكذب وأن يكون من المؤمنين، وهو اختيار البلخي والجبائي والزجاج. والثاني - أن يكون مقطوعا عن الاول، ويكون تقديره يا ليتنا نرد ولا نكذب كما يقول القائل: دعني ولا أعود، أي فأني ممن لا يعود، فانما يسألك الترك، وقد أوجب على نفسه ألا يعود ترك أو لم يترك. ولم يقصد أن يسأل أن يجمع له الترك وأن لا يعود. وهذا الوجه الذي اختاره أبو عمرو في قراءة جميع ذلك بالرفع، فالاول الذي هو الرد داخل في التمني وما بعده على نحو دعني، ولا أعود، فيكونون قد أخبروا على النَّيات أن لا يكذبوا ويكونوا من المؤمنين. واستدل أبو عمرو على خروجه من المتمني بقوله {وإِنهم لكاذبون} فقال ذلك يدل على أنهم أخبروا بذلك عن أنفسهم، ولم يتمنوا، لان التمنى لا يقع فيه الكذب وانما يقع في الخبر دون التمني. ومن نصب {نكذب.. ونكون} أدخلهما في التمني، لان التمني غير موجب، فهو كالاستفهام والامر والنهي والعرض، في إِنتصاب ما بعد ذلك كله من الافعال اذا دخلت عليها الفاء أو الواو على تقدير ذكر المصدر من الفعل الاول، كأنه قال: يا ليتنا يكون لنا رد، وانتفاء للتكذيب وكون من المؤمنين. ومن نصب "نكون" فحسب، ورفع {نرد ولا نكذب} يحتمل أيضاً وجهين: احدهما - أن يكون داخلا في التمني، فيكون في المعنى كالنصب. والثاني - انه يخبر على النيات أن لا يكذب رد أو لم يرد. ومن نصب {ولا نكذب.. ونكون} جعلهما جميعا داخلين في التمني كما أن من رفع وعطفه على التمني كان كذلك. فان قيل: كيف يجوز أن يتمنوا الرد الى الدنيا وقد علموا عند ذلك انهم لا يردون؟ قيل عن ذلك أجوبة: احدها - قال البلخي: إِنا لا نعلم أن أهل الآخرة يعرفون جميع أحكام الآخرة، وانما نقول: انهم يعرفون الله بصفاته معرفة لا يتخالجهم فيها الشك لما يشاهدونه من الآيات والعلامات الملجئة لهم الى المعارف. وأما التوجع والتأوه التمني للخلاص والدعاء بالفرج يجوز أن يقع منهم وأن تدعوهم أنفسهم اليه. وقال أبو علي الجبائي والزجاج: يجوز أن يقع منهم التمني للرد، ولان يكونوا من المؤمنين، ولا مانع منه. وقال آخرون: التمني قد يجوز لما يعلم انه لا يكون ألا ترى أن المتمني يتمنى أن لا يكون فعل ما قد فعله ومضى وقته، وهذا لا حيلة فيه، فعلى هذا قوله في الآية الثانية {وإنهم لكاذبون} يكون حكاية حال منهم في دار الدنيا، كما قال: {أية : وكلبهم باسط ذراعيه}تفسير : وكما قال {أية : وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة}تفسير : وانما هو حكاية للحالة الآتية. وقوله {ولو ترى إِذ وقفوا على النار} أمال فى الموضعين أبو عمرو وغيره وهي حسنة في أمثال ذلك، لان الراء بعده الالف مكسورة وهو حرف كأنه مكرر في اللسان فصارت الكسرة فيه كالكسرتين، فحسن لذلك الامالة. وقوله {إِذ وقفوا} يحتمل ثلاثة أوجه: احدها - أن يكون عاينوها ووردوها قبل ن يدخلوها. ويجوز أن يكونوا أقيموا عليها نفسها. والثاني - أن يكونوا عليها وهي تحتهم. وثالثها - أن يكون معناه دخلوها فعرفوا مقدار عذابها كما يقول القائل: قد وقفت على ما عند فلان، أي فهمته وتبينته. قال الكسائي: يقال: وقفت الدابة وغيرها اذا حبستها - بغير ألف وهي لغة القرآن، وهو الافصح، وكذلك وقفت الارض اذا جعلتها صدقة. وقال أبو عمرو ما سمعت احداً من العرب يقول: أوقفت الشىء بالالف الا أني لو رأيت رجلا بمكان، فقيل له ما أوقفك ها هنا لرأيته حسناً. وأستدل أبو علي بهذه الآية على ان القدرة قبل الفعل خلافاً للمجبرة بأن قال تمنوا الرد الى دار الدنيا الى مثل الحالة التي كانوا عليها، ولا يجوز من عاقل أن يتمنى أن يرد الى الدنيا ويخلق فيه القدرة الموجبة للكفر، لان ذلك لا يخلصه من العذاب بل يؤديه الى حالته التي كان عليها. وهذا ضعيف، لان لقائل أن يقول: إِنهم تمنوا الرد ورفع التكذيب وحصول الايمان بأن تحصل لهم قدرة الايمان، ولا تحصل لهم قدرة التكذيب، وليس في الآية أنهم سألوا الرد الى الحالة التي كانوا عليها، فلا متعلق في ذلك. واستدل ايضاً على أنه اذا كان المعلوم من حال الكافر أنه يؤمن وجب تبقيته بأن قال: أخبر الله أنه انما لم يردهم لانهم {لو ردوا لعادوا لما نهو عنه} وظاهر ذلك يقتضى أنه لو علم أنه لو ردهم لآمنوا، لوجب أن يردهم، واذا وجب أن يردهم اذا علم أنهم يؤمنون بأن يجب تبقيتهم اذا علم أنهم يؤمنون أولى. وهذا أيضاً ضعيف. لان الظاهر أفاد أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وليس فيه أنهم لو ردوا لآمنوا أو ما حكمهم بل هو موقوف على الدلالة، لانه دليل الخطاب على أن غاية ما فيه أنه يفيد أنه لو علم من حالهم أنه متى ردهم آمنوا يردهم، فمن أين أن ذلك واجب عليه؟! وهل هذا الا كقوله {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} في أنه لا خلاف بين أهل العدل أنه كان يجوز له أن يعذب وان لم يبعث رسولا بأن لا تقتضي المصلحة بعثته ويقتصر بهم على التكليف العقلي، فانهم متى عصوا كان له أن يعذبهم فلا شبهة في الآية.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ} [إلى الدنيا] {وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ}. قال الله: {بَلْ بَدَا لَهُم} في الآخرة {مَّا كَانُوا يُخْفُونَ} ما كان يخفيه بعضهم إلى بعض {مِن قَبْلُ} إذ كانوا في الدنيا وكانوا يكذبون بالبعث. وقال بعضهم: هم المنافقون؛ وليس تكذيبهم هذا تكذيباً بالبعث، ولكنه بالعمل الذي لم يكمّلوه، ولم يتمّوا فرائضه. ومن قال: إنها في المنافقين فيقول: إن التكذيب تكذيبان: تكذيب بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، وهو تكذيب المشركين، والمنافقون منه برآء. وتكذيب آخر، هو تكذيب المنافقين، وهو ترك الوفاء وانتقاص الفرائض التي لا يكون أهلها مؤمنين إلا باستكمالها. فالمنافقون مكذّبون بهذه الجهة وبهذا المعنى، لا على الإِنكار والجحود، لكن على ترك الوفاء واستكمال الفرائض كان تكذيبهم. قوله: {وَلَوْ رُدُّوا} إلى الدنيا {لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} من التكذيب {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي إنهم لم يكونوا ليؤمنوا؛ أخبر بعلمه فيهم. {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} أي يكذبون بالبعث. قال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ} الذي كنتم تكذبون به إذ أنتم في الدنيا {قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا} فآمنوا حيث لا ينفعهم الإِيمان. {قَالَ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أي في الدنيا.

اطفيش

تفسير : {ولَو تَرى إذْ وقفُوا على النَّار} أحضروا على شفيرها، وقيل: على بمعنى فى، أى وقفوا فيها، أى أحضروا فيها، وجواب لو محذوف تهويلا، أى لرأيت أمراً عظيماً فظيعاً، ووقف هنا متعد لبنائه للمفعول مع كون النائب ضميراً وكذا لو كان ظاهراً بخلاف ما إذا كان النائب ظرفاً أو جاراً أو مجروراً أو مصدراً، فلا يدل على التعدى، ومثله فى التعدية قوله تعالى: {وقفوهم} ويكون أيضاً لازماً فيعدى بالهمزة أو بالتشديد، وقرئ: {ولو ترى إذ وقفوا} ببنائه للفاعل من وقف اللازم ومصدر المتعدى الوقف واللازم الوقوف، وقيل معنى وقفوا فى القراءتين من وقف على الشئ بمعنى اطلع على حقيقته، فهذا بعد الدخول فيها صحيح، وكذا إذا أحضروا على شفيرها، وكذا إذا رأوها قاصدة إليهم وحققوها، وكذا على معنى أنهم يرونها من بعيد غير قاصدة إليهم، إذ لا ينافيه قوله: {فقالُوا يا ليتَنَا نُردّ} لأن المعنى نرد إلى الدنيا، وهذا مما يقولونه ولو رأوها غير قاصدة إليهم {ولا نُكذِّب بآيات ربِّنا} لو رددنا إلى الدنيا {ونكون مِنَ المؤمنين} فيها وجملة لا نكذب، وجملة نكون من المؤمنين معطوفتان على نفس ليت ومعموليها، فلم يسلط عليها التمنى إذ لم تعطف على معمولها، كأنه قيل قالوا: يا ليتنا نرد، وقالوا: لا نكذب بآيات ربنا، وقالوا: نكون من المؤمنين إن رددنا، أو بمعنى لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين رددنا إلى الدنيا، أو لم نردد وعندى لا تثبت واو الاستئناف، بل هى عاطفة وصلا فى مقام الفصل لحكمة لطيفة تطلب الوصل، ويجوز عطفهما على جملة نرد فيتسلط عليهما التمنى، ويجوز أن تكون الواو للحال، لأن المضارع منهى فلا يحتاج إلى تقدير المبتدأ، فإن جعلنا تكون معطوفاً على الحال قدرنا فيه المبتدأ، أى ونحن نكون إلا إن صح أن هذا مما اغتفر فيه نواتيه ما لا يغتفر فى أوائله، ويقف فى غير العطف على نرد، قوله تعالى: {وإنهم لكاذبون} لأن عطفهما على نرد يصيرهما من التمنى، والتمنى إنشاء لا يحتمل الصدق والكذب، ووجه العطف على نرد مع ذلك أن التكذيب معتبر فيه ما تضمنه التمنى من الإخبار من أنهم لو رجعوا لصدقوا وآمنوا، وقرأ حمزة ويعقوب وحفص: لا نكذب ونكون بالنصب، بأن على المعية الفعل بعد الواو الواقعة فى جواب التمنى، وقرأ ابن عامر بنصب نكون وحده على ذلك، أو فى جواب النفى.

اطفيش

تفسير : لرأَيت أمراً هو غاية السوء يضيق عن قلبك وصفه فحذف الجواب ليذهب السامع كل مذهب ممكن فيه، ولو أَظهر مخصوصاً لاقتصر عليه أَو مجملا لم يفصله كل تفصيل، ولو امتناعه، والرؤية الآن غير واقعة، فترى بمعنى رأَيت، وإِذا وما بعدها للمضى لتحقق الوقوع بعده، أَو لو بمعنى إِن وجوابها بلا لام، وإِذ وقفوا بمعنى إِذا وقفوا للاستقبال كترى، والخطاب له صلى الله عليه وسلم، أَو لكل من يصلح، وترى بصرية، أَى تراهم أَو تشاهد حالهم، أَو بمعنى تدبرت فيكون الجواب لازددت يقينا، ووقفهم على النار إِحضارهم ليعاينوها، وإِعلاؤهم عليها من خارج وهى من داخل أَسفل منهم، أَو إِدخالهم إِياها، أَو بيانها لهم حتى يعرفوها حقاً، كقولك وقفت فلاناً على كلام فلان، بمعنى عرفته إِياه، حتى لا محيد له عنه، أَو وقفهم عليها تصييرهم واقفين فيها على أَقدامهم، أَو على بمعنى فى وهى محيطة بهم، قيل وحكمة على مع أَنها بمعنى فى التلويح بأَنهم فى النار تحتها نار وهم عليها، فإِن كون نار فوق نار أَشد من كون نار على غير نار، كما أَن ناراً جوفها نار شديدة ولا سيما نار بين نارين، وهذا الوجه الأَخير ضعيف، ويا للتنبيه، أَو يا قوم، أَو يا رسول الله، والمراد الرد إِلى الدنيا لنؤمن ولا نكذب ولو لم نرد، أَو معطوف على نرد فيتسلط عليه التمنى كما تسلط على نرد، أَو الواو للحال قدر المبتدأ بعدها أَو لم يقدر فيكون للتمنى مقيداً بعدم التكذيب، ففى هذا الوجه والذى قبله ثلاثة أَشياء، الرد للدنيا، وعدم التكذيب، والكون من المؤمنين، فإِن قيد التمنى داخل فى التمنى، وترجح العطف على يا ليتنا نرد، لقوله تعالى "أية : وإنهم لكاذبون" تفسير : [الأنعام: 28] فإِن التمنى إِنشاء لا يقبل التكذيب إِلا باعتبار أَنهم لا يؤمنون، ولو حصل الرد، والمراد بآيات ربنا آياته الدالة على النار وأَحوالها وأَهلها، لأَنها الحاضرة، تحسروا على تفريطهم حتى كانوا من أَهلها، وقد حضرت لهم، أَو مطلق الآيات الشاملة لهذه بالأولى، وليس تمنيهم عن عزيمة صادقة فى الإِيمان فإِنه لا رغبة لهم فيه، بل خافوا العقاب الحاضر كما أَشار إِلى ذلك بقوله عز وجل.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} شروع في حكاية ما سيصدر / عنهم يوم القيامة من القول المناقض لما صدر عنهم في الدنيا من القبائح المحكية مع كونه كاذباً في نفسه. والخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم أو لكل من له أهلية ذلك قصداً إلى بيان سوء حالهم وبلوغها من الشناعة إلى حيث (لا يختص استغرابها براءٍ راء). و {لَوْ } شرطية على أصلها وجوابها محذوف لتذهب نفس السامع كل مذهب فيكون أدخل في التهويل، ونظير ذلك قوله امرىء القيس: شعر : وجدك لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعاً تفسير : وقولهم لو ذات سوار لطمتني. و {تَرَى } بصرية وحذف مفعولها لدلالة ما في حيز الظرف عليه. والإيقاف إما من الوقوف المعروف أو من الوقوف بمعنى المعرفة كما يقال: أوقفته على كذا إذا فهمته وعرفته واختاره الزجاج أي: ولو ترى حالهم حين يوقفون على النار حتى يعاينوها أو يرفعوا على جسرها وهي تحتهم فينظرونها أو يدخلونها فيعرفون مقدار عذابها لرأيت ما لا يحيط به نطاق التعبير. وصيغة الماضي للدلالة على التحقيق. وقيل: إن لو بمعنى إن. وجوزوا أن تكون (ترى) علمية وهو كما ترى. وقرىء {وقفوا} بالبناء للفاعل من وقف عليه اللازم ومصدره غالباً الوقوف، ويستعمل وقف متعدياً أيضاً ومصدره الوقف وسمع فيه أوقف لغة قليلة. وقيل: إنه بطريق القياس. {فَقَالُواْ } لعظم أمر ما تحققوه {يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ} أي إلى الدنيا. و {يا} للتنبيه أو للنداء والمنادى محذوف أي يا قومنا مثلاً {وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا} أي القرآن كما كنا نكذب من قبل ونقول: أساطير الأولين. وفسر بعضهم الآيات بما يشمل ذلك والمعجزات، وقال شيخ الإسلام:«يحتمل أن يراد بها الآيات الناطقة بأحوال النار وأهوالها الآمرة باتقائها بناء على أنها التي تخطر حينئذ ببالهم ويتحسرون على ما فرطوا في حقها. ويحتمل أن يراد بها جميع الآيات المنتظمة لتلك الآيات انتظاماً أولياً». {وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بها حتى لا نرى هذا الموقف الهائل كما لم ير ذلك المؤمنون. ونصب الفعلين ـ على ما قال الزمخشري وسبقه إليه كما قال الحلبي الزجاج ـ بإضمار أن على جواب التمني، والمعنى ان رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين. ورده أبو حيان «بأن نصب الفعل بعد الواو ليس على الجوابية لأنها لا تقع في جواب الشرط فلا ينعقد مما قبلها وما بعدها شرط وجواب وإنما هي واو الجمع تعطف ما بعدها على المصدر المتوهم قبلها وهي عاطفة يتعين مع النصب أحد محاملها الثلاث وهي المعية ويميزها عن الفاء (صحة حلول مع محلها) أو الحال وشبهة من قال: إنها جواب أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها الفاء فتوهم أنها جواب». ويوضح لك أنها ليست به انفراد الفاء دونها بأنها إذا حذفت انجزم الفعل بعدها بما قبلها لما تضمنه من معنى الشرط، وأجيب بأن الواو أجريت هنا مجرى الفاء. وجعلها ابن الأنباري مبدلة منها. ويؤيد ذلك قراءة ابن مسعود وابن اسحٰق {فَلا نُكَذّبَ}، واعترض أيضاً ما ذكره الزمخشري من معنى الجزائية بأن ردهم لا يكون سبباً لعدم تكذيبهم. وأجيب بأن السببية يكفي فيها كونها في زعمهم. ورد بأن مجرد الرد لا يصلح لذلك فلا بد من العناية بأن يراد الرد الكائن بعد ما ألجأهم إلى ذلك إذ قد انكشفت لهم حقائق الأشياء. ولهذه الدغدغة اختار من اختار العطف على مصدر متوهم قبل كأنه قيل: ليت لنا رداً وانتفاء تكذيب وكونا من المؤمنين، وقرأ نافع وابن كثير والكسائي برفع الفعلين، وخرج على أن ذلك ابتداء كلام منهم غير معطوف على ما قبله والواو كالزائدة كقول المذنب لمن يؤذيه على ما صدر منه: دعني ولا أعود يريد لا أعود تركتني أو لم تتركني. ومن ذلك على ما قاله الإمام عبد القاهر قوله: شعر : / اليوم يومان مذ غيبت عن نظري نفسي فداؤك ما ذنبـي فاعتذر تفسير : وكأن المقتضي لنظمه في هذا السلك إفادة المبالغة المناسبة لمقام المغازلة، واختار بعضهم كونه ابتداء كلام بمعنى كونه مقطوعاً عما في حيز التمني معطوفاً عليه عطف إخبار على إنشاء، ومن النحاة من جوزه مطلقاً، ونقله أبو حيان عن سيبويه، وجوز أن يكون داخلاً في حكم التمني على أنه عطف على {نُرَدُّ} أو حال من الضمير فيه، فالمعنى ـ كما قال الشهاب ـ على تمني مجموع الأمرين الرد وعدم التكذيب أي التصديق الحاصل بعد الرد إلى الدنيا لأن الرد ليس مقصوداً بالذات هنا، وكونه متمنى ظاهر لعدم حصوله حال التمني وإن كان التمني منصباً على الإيمان والتصديق فتمنيه لأن الحاصل الآن لا ينفعهم لأنهم ليسوا في دار تكليف فتمنوا إيماناً ينفعهم وهو إنما يكون بعد الرد المحال والمتوقف على المحال محال. وقرأ ابن عامر برفع الأول ونصب الثاني على ما علمت آنفاً، والجوابية إما بالنظر إلى المجموع أو بالنظر إلى الثاني وعدم التكذيب بالآيات مغاير للإيمان والتصديق فلا اتحاد. وقرىء شاذاً بعكس هذه القراءة.

ابن عاشور

تفسير : الخطاب للرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ لأنّ في الخبر الواقع بعده تسلية له عمّا تضمّنه قوله: {أية : وهم ينهون عنه وينأون عنه}تفسير : [الأنعام: 26] فإنّه ابتدأ فعقّبه بقوله: {أية : وإن يهلكون إلاّ أنفسهم}تفسير : [الأنعام: 26] ثم أردفه بتمثيل حالهم يوم القيامة. ويشترك مع الرسول في هذا الخطاب كلّ من يسمع هذا الخبر. و{لو} شرطية، أي لو ترى الآن، و{إذ} ظرفية، ومفعول {ترى} محذوف دلّ عليه ضمير {وقفوا}، أي لو تراهم، و{وقفوا} ماض لفظاً والمعنيّ به الاستقبال، أي إذ يوقفون. وجيء فيه بصيغة الماضي للتنبيه على تحقيق وقوعه لصدوره عمّن لا خلاف في خبره. ومعنى: {وقفوا على النار} أبلغوا إليها بعد سير إليها، وهو يتعدى بــ{على}. والاستعلاء المستفاد بــ {على} مجازي معناه قوّة الاتّصال بالمكان، فلا تدلّ (على) على أنّ وقوفهم على النار كان من أعلى النار. وقد قال تعالى: {أية : ولو ترى إذ وقفوا على ربّهم}تفسير : [الأنعام: 30]، وأصله من قول العرب: وقفت راحلتي على زيد، أي بلغت إليه فحبسْت ناقتي عن السير. قال ذو الرمّة: شعر : وقفتُ على ربع لميّة ناقتي فما زلتُ أبكي عنده وأخاطبه تفسير : فحذفوا مفعول (وقفت) لكثرة الاستعمال. ويقال: وقفه فوقف، ولا يقال: أوقفه بالهمزة. وعطف عليه {فقالوا} بالفاء المفيدة للتعقيب، لأنّ ما شاهدوه من الهول قد علموا أنّه جزاء تكذيبهم بإلهام أوقعه الله في قلوبهم أو بإخبار ملائكة العذاب، فعجّلوا فتمنّوا أن يرجعوا. وحرف النداء في قولهم: {يا ليتنا نردّ} مستعمل في التحسّر، لأنّ النداء يقتضي بُعد المنادى، فاستعمل في التحسّر لأنّ المتمنّى صار بعيداً عنهم، أي غير مفيد لهم، كقوله تعالى: {أية : أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت في جنب الله}تفسير : [الزمر: 56]. ومعنى {نردّ} نرجع إلى الدنيا؛ وعطف عليه {ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين} برفع الفعلين بعد (لا) النافية في قراءة الجمهور عطفاً على {نُردّ}، فيكون من جملة ما تمنّوه، ولذلك لم ينصب في جواب التمنِّي إذ ليس المقصود الجزاء، ولأنّ اعتبار الجزاء مع الواو غير مشهور، بخلافه مع الفاء لأنّ الفاء متأصّلة في السببية. والردّ غير مقصود لذاته وإنّما تمنّوه لما يقع معه من الإيمان وترك التكذيب. وإنّما قدّم في الذكر ترك التكذيب على الإيمان لأنّه الأصل في تحصيل المتمنّى على اعتبار الواو للمعية واقعة موقع فاء السببية في جواب التمنّي. وقرأه حمزة والكسائي {ولا نكذّب - ونكونَ} ـــ بنصب الفعلين ـــ، على أنّهما منصوبان في جواب التمنِّي. وقرأ ابن عامر {ولا نكذّب} ـــ بالرفع ـــ كالجمهور، على معنى أنّ انتفاء التكذيب حاصل في حين كلامهم، فليس بمستقبل حتى يكون بتقدير (أن) المفيدة للاستقبال. وقرأ {ونكون} ـــ بالنصب ـــ على جواب التمنِّي، أي نكون من القوم الذين يعرفون بالمؤمنين. والمعنى لا يختلف. وقوله: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} إضراب عن قولهم {ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين}. والمعنى بل لأنّهم لم يبق لهم مطمع في الخلاص. وبدا الشيء ظهر. ويقال: بدا له الشيء إذا ظهر له عياناً. وهو هنا مجاز في زوال الشكّ في الشيء، كقول زهير: شعر : بدا ليَ أنّي لستُ مدرك ما مضى ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائياً تفسير : ولمّا قوبل {بدا لهم} في هذه الآية بقوله: {ما كانوا يخفون} علمنا أنّ البَداء هو ظهور أمر في أنفسهم كانوا يخفونه في الدنيا، أي خطر لهم حينئذٍ ذلك الخاطر الذي كانوا يخفونه، أي الذي كان يبدو لهم، أي يخطر ببالهم وقوعه فلا يُعلنون به فبدا لهم الآن فأعلنوا به وصرّحوا مُعترفين به. ففي الكلام احتباك، وتقديره: بل بدا لهم ما كان يبدو لهم في الدنيا فأظهروه الآن وكانوا يخفونه. وذلك أنّهم كانوا يخطر لهم الإيمان لما يرون من دلائله أو من نصر المؤمنين فيصدّهم عنه العناد والحرص على استبقاء السيادة والأنفة من الاعتراف بفضل الرسول وبسبق المؤمنين إلى الخيرات قبلهم، وفيهم ضعفاء القوم وعبيدهم، كما ذكرناه عند قوله تعالى: {أية : ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي}تفسير : في هذه السورة (52)، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: {أية : ربما يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين}تفسير : في سورة [الحجر: 2]. وهذا التفسير يغني عن الاحتمالات التي تحيّر فيها المفسّرون وهي لا تلائم نظم الآية، فبعضها يساعده صدرُها وبعضها يساعدُه عجزها وليس فيها ما يساعده جميعها. وقوله: {ولو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه} ارتقاء في إبطال قولهم حتى يكون بمنزلة التسليم الجدلي في المناظرة، أي لو أجيبت أمنيتهم وردّوا إلى الدنيا لعادوا للأمر الذي كان النبي ينهاهم عنه، وهو التكذيب وإنكار البعث، وذلك لأنّ نفوسهم التي كذّبت فيما مضى تكذيب مكابرة بعد إتيان الآيات البيّنات، هي النفوس التي أرجعت إليهم يوم البعث فالعقل العقل والتفكير التفكير، وإنّما تمنّوا ما تمنّوا من شدّة الهول فتوهّموا التخلّص منه بهذا التمنِّي فلو تحقّق تمنّيهم وردّوا واستراحوا من ذلك الهول لغلبت أهواؤهم رشدَهم فنسوا ما حلّ بهم ورجعوا إلى ما ألفوا من التكذيب والمكابرة. وفي هذا دليل على أنّ الخواطر الناشئة عن عوامل الحسّ دون النظر والدليل لا قرار لها في النفس ولا تسير على مقتضاها إلاّ ريثما يدوم ذلك الإحساس فإذا زال زال أثره، فالانفعال به يشبه انفعال العجماوات من الزّجر والسّوط ونحوهما. ويزول بزواله حتّى يعاوده مثلُه. وقوله: {وإنّهم لكاذبون} تذييل لما قبله. جيء بالجملة الاسمية الدالّة على الدوام والثبات، أي أنّ الكذب سجيّة لهم قد تطبّعوا عليها من الدنيا فلا عجب أن يتمنّوا الرجوع ليؤمنوا فلو رجعوا لعادوا لما كانوا عليه فإنّ الكذب سجيّتهم. وقد تضمّن تمنِّيهم وعدا، فلذلك صحّ إدخاله في حكم كذبهم دخول الخاصّ في العامّ، لأنّ التذييل يؤذن بشمول ما ذيّل به وزيادة. فليس وصفهم بالكذب بعائد إلى التمنّي بل إلى ما تضمّنه من الوعد بالإيمان وعدم التكذيب بآيات الله.

القطان

تفسير : وقفوا على النار: اطّلعوا عليها وعرفوها. يبين الله تعالى هنا مشهدا من مشاهد يوم القيامة، وبعض ما يكون من أمرِ الكفار عندما يُعرَضون على النار ويشاهدون هولها، عند ذاك يتمنون ان يعودوا الى الدنيا ليعملوا صالح الاعمال. وقد كذّبهم الله فيما يقولون من أمر ذلك. ولو ترى ايها النبي، هؤلاء الكفار وهم واقفون على النار يعانون اهوالها لرأيتَ أمراً غريباً رهيباً،إذا يتمنّون الرجوع الى الدنيا، ويقولون ياليتنا نُردّ إليها لنُصلح أعمالنا، ونكون من المؤمنين. لكن قولهم هذا ليس إلا رهبة وتخلصاً، فقد جاء بعد أن ظهر لهم ما لا يمكن اخفاؤه والمكابرة فيه. ولو رُدوا الى الدنيا كما يتمنون، لعادوا الىالكفر الذي نهاهم الله عنه، اغتراراً منهم بزخرفها وإطاعة لأهوائهم. انهم لكاذبون في دعواهم الايمان اذا ردوا الى الدنيا، فلو أُعيدوا الى الدنيا لقالوا: ليس لنا حياة إلا هذه، وما نحن بمبعوثين بعد ذلك. قراءات: قرأ حمزة ويعقوب وحفص "لا نكذب بآيات ربنا ونكون" بالنصب فيها والباقون بالرفع. وقرأ ابن عامر "ونكون" بنصب النون.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰلَيْتَنَا} {بِآيَاتِ} (27) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى حَالَ هَؤُلاَءِ الضَّالِّينَ المُضِلِّينَ، يَوْمَ القِيَامَةِ، حِينَ تَقِفُهُمُ المَلائِكَةُ، وَيَحْتَبِسُونَهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم (أَوْ لِكُلِّ مُؤْمِن يَسْمَعُ هَذا القُرْآنَ): لَوْ تَرَى مَا يَحِلُّ بِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ مِنَ الفَزَعِ وَالهَوْلِ، وَالحَسْرَةِ وَالنَّدَمِ، عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي جَنْبِ اللهِ، لَرَأَيْتَ مَا لاَ يُحِيطُ بِهِ وَصْفٌ. وَيَتَمَنَّى هؤُلاَءِ أنْ يُرَدُّوا إِلَى الدُّنيا لِيُؤْمِنُوا، وَليَعمَلُوا عَمَلاً صَالِحاً يُرْضِي اللهَ، وَلَكِنْ لاَ سِبيلَ إِلَى الرَّدِّ إلى الدنيا، لأَِنَّهُ مِنَ قَبِيلِ تَمَنِّي المُسْتَحِيلِ. وُقِفُوا عَلى النَّارِ - حُبِسُوا عِنْدَهَا أَوْ عَرَفُوهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : عندما ننظر إلى قول الحق: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ}، هنا لا نجد جواباً، مثل ما تجده في قولك: لو رأيت فلاناً لرحبت به أو لو رأيت فلاناً لعاقبته. إن في كلٍّ من هاتين الجملتين جواباً، لكن في هذا القول الكريم لا نجد جواباً، وهذا من عظمة الأداء القرآني، فهناك أحداث لا تقوى العبارات على أدائها، ولذلك يحذفها الحق سبحانه وتعالى ليذهب كل سامع في المعنى مذاهبه التي يراها. وفي حياتنا نجد مجرماً في بلد من البلاد يستشري فساده وإجرامه في سكانها تقتيلاً وتعذيباً وسرقة واعتداءات، ولا أحد يقدر عليه أبداً، ثم يمكن الله لرجال الأمن أن يقبضوا عليه، فنرى هذا القاتل المفسد يتحول من بعد الجبروت إلى جبان رعديد يكاد يقبل يد الشرطي حتى لا يضع القيود في يديه. ويرى إنسان ذلك المشهد فيصفه للآخرين قائلاً: آه لو رأيتم لحظة قبضت الشرطة على هذا المجرم، وهذه العبارة تؤدي كل معاني الذلة التي يتخيلها السامع، إذن فحذف الجواب دائماً ترتيب لفائدة الجواب، ليذهب كل سامع في تصور الذلة إلى ما يذهب. لأن المشاهد لو شاء لحكى ما حدث بالتفصيل لحظة القبض على المجرم وبذلك يكون قد حدد الذلة والمهانة في إطار ما رأى هو، ويحجب بذلك تخيّل وتصوّر السامعين. أما اكتفاء المشاهد بقوله: آه لو رأيتم لحظة قبض الشرطي على هذا المجرم. . فهذا القول يعمم ما يُرى حتى يتصور كل سامع من صور الإذلال ما يناسب قدرة خياله على التصور. وهكذا أراد القرآن أن يصور هول الوقوف على النار فأطلق الحق "لو" بلا جواب حين قال: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنعام: 27]. وقد أراد البعض أن يتصيد لأساليب القرآن، ومنهم من قال: كيف تقولون إن القرآن عالي البيان، فصيح الأسلوب، معجزة الأداء، وهو يقول ما يقول عن شجرة الزقوم؟ إن القرآن الكريم يقول عن هذه الشجرة: {أية : أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الصافات: 62-65]. إن كل شجرة تحتاج إلى ماء وهواء، وفيها حياة تظهر باخضرار الأوراق، فكيف تخرج هذه الشجرة من النار، أليس في ذلك شذوذ؟ ثم تتمادى الصورة.. صورة الشجرة، فيصف الحق ثمارها بقوله الحق: {أية : طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ} تفسير : [الصافات: 65-66]. نحن لم نر شجرة الزقوم، ولم نر رأس الشيطان. ويَسْخَرُ الذين يتصيدون للقرآن في أقوالهم: بما أن أحداً من البشر لم يشهد رأس الشيطان، وكذلك شجرة الزقوم، فكيف يشبه الله المجهول بمجهول، وتساءلوا بطنطنة: ماذا يستفيد السامع من تشبيه مجهول بمجهول؟ ونقول رداً عليهم: إن غباء قلوبكم وفقدان طبعكم لملكة اللغة العربية هو الذي يجعلكم لا تفهمون ما في هذا القول من بلاغة. وحين نقرب المثل نقول: هب أن إنساناً أقام مسابقة بين رسامي "الكاريكاتير" في العالم ليرسم كل منهم صورة للشيطان، ويوم تحديد الفائز ستوجد أكثر من صورة للشيطان، وستفوز أكثر الصور بشاعة، ذلك أن الفوز هنا ليس في الجمال، ولكن الفوز هما في مهارة تصوير القبح. وهكذا تتعدد أمامنا صور القبح، فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى وقد أراد إطلاق الخيال لتصور شجرة الزقوم، وكذلك تصور رأس الشيطان؟ أراد الحق بهذا الأسلوب البليغ إشاعة الفائدة من إظهار بشاعة صورة الشجرة التي يأكل منها أهل الكفر. وكذلك هنا قوله الحق: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} والذي يحدث لهؤلاء الوقوف على النار لا يأتي خبره هنا، بل يكتفي الحق بأن يعبر لنا عن أننا نراهم في مثل هذا الموقف؛ لأن اليوم الاخر هو يوم الجزآء؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار. والجنة - كما نعلم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم - إن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ونعلم أن رؤية العين محدودة، ورقعة السمع أكثر اتساعاً، ذلك أن الأذن تسمع ما تراه أنت وما رآه غيرك، لكن عينيك لا تريان إلا ما رأيته أنت بمفردك، ولا يكتفي الحق بذلك بل يخبر رسوله صلى الله عليه وسلم أن في الجنة ما لا يخطر على قلب بشر، أي أن في الجنة أشياء لا تستطيع اللغة أن تعبر عنها؛ لأن اللغة تعبر عن متصورات الناس في الأشياء. والمعنى يوجد أولاً ثم يوجد اللفظ المعبر عنه. وهكذا نعلم أن ما في الجنة من نعيم لا توجد ألفاظ تؤدي كل ما تحمله للمؤمن من معان، وكذلك نعلم أيضاً أن في النار عذاباً لم توضع له ألفاظ لتعبر عنه. ولو أن الحق سبحانه وتعالى قال: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} لرأينا أمراً مفزعاً مخيفاً مذلاً إلى آخر تلك الألفاظ الدالة على عمق العذاب لما أعطي ذلك الأثر نفسه الذي جاء به حذف الجواب. وعندما نقرأ "وُقِفوا" نعرف أن فيه بناء وكيانا موجوداً، وأن هناك من أوقفهم على النار، وهم كانوا مكذبين في الدنيا بالنار، ثم وجدوا أنفسهم يوم القيامة ضمن من وقفهم الله على النار ليروا العذاب الذي ينتظرهم، ويطلعوا على النار اطلاع الواقف على الشيء، كذلك يوقفهم الحق على النار التي أنكروها في الدنيا؛ فقد جاءهم الخبر في الدنيا، فمن صدق وعلم أن من أخبره صادق، فذلك علم يقين، وإن تجاوز الإنسان مرحلة العلم ورأى صورة محسة للخبر، فهذا عين يقين، والمؤمن بإخبار ربه وصل إلى الأشياء بعلم اليقين من الله، لأنه يصدق ربه، ولذلك فالإمام علي - كرم الله وجهه - يقول: "لو انكشف عني الحجاب ما ازددت يقيناً"؛ لأنه مصدق بلاغى به. لكن ماذا عن المكذبين؟ إن الإنسان يرى علم اليقين في اليوم الآخر وهو عين يقين، ويشترك في ذلك المؤمن والكافر. ولكن الكافر يرى النار عين اليقين ويدخلها ليحترق بها فيحس بها وهذا هو "حق اليقين". هكذا نعلم أن النار "عين اليقين" يراها المؤمن والكافر، والنار كـ "حق اليقين" يعانيها ويعذب بها الكافر فقط، أما المؤمن في الجنة فيحس "حق اليقين" لأنه يعيش ويسعد بنعيمها. ويصور سبحانه ذلك في قوله: {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر: 5-7]. وجاء حق اليقين في قوله تعالى: {أية : فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [الواقعة: 88-95]. وماذا يصنعون وهم المكذبون عندما يرون النار عين اليقين؟ لا بد أنهم يخافون أن يعانوا منها عندما تصبح حق اليقين، لذلك يقولون: {أية : يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنعام: 27]. إنهم يتمنون العودة إلى الدنيا ليستأنفوا الإيمان. والتمني في بعض صوره هو طلب المستحيل غير الممكن للإشعار بأن طالبه يحب أن يكون، كقول القائل: شعر : ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب تفسير : أو قول القائل: شعر : ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدحٍ فما أرضى لكم كلمى تفسير : وهم قالوا: {يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ} فإن كانوا قالوا هذا تمنياً فهو طلب مستحيل ويتضمن أيضاً وعداً بعد التكذيب بآيات الله، فهل هم قادرون على ذلك؟ لا؛ لأن القرآن الكريم قد قال في الآية التالية: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ ...}

الأندلسي

تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ} الآية جواب لو محذوف لدلالة المعنى عليه وتقديره لرأيت أمراً شنيعاً وهولاً عظيماً. وترى في معنى رأيت، ومفعوله محذوف تقديره ولو تراهم، وإذ ظرف لما مضى. {يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ} الآية قرىء بنصب نكذب ونكون، وهذا النصب هو عند جمهور البصريين هو بإِضمار أن بعد الواو فهو ينسبك من أن المضمرة، والفعل بعدها مصدر مرفوع معطوف على مصدر متوهم مقدر من الجملة السابقة والتقدير يا ليتنا يكون لنا رد. وانتفاء تكذيب وكون من المؤمنين وكثيراً ما يوجد في كتب النحو أن هذه الواو المنصوب بعدها هو على جواب التمني كما قال الزمخشري. وقرىء: ولا نكذب ونكون بالنصب بإِضمار أن على جواب التمني، ومعناه إن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين. "انتهى". وليس كما ذكر فإِن نصب الفعل بعد الواو ليس على جهة الجواب لأن الواو لا تقع في جواب الشرط ولا ينعقد مما قبلها ولا مما بعدها شرط وجواب وإنما هي واو الجمع تعطف ما بعدها على المصدر المتوهم قبلها وهي واو العطف يتعين مع النصب أحد محاملها الثلاثة وهي المعية ويميزها من الفاء تقدير مع موضعها كما أن فاء الجواب إذا كان بعدها فعل منصوب ميّزها تقدير شرط قبلها أو حال مكانها وشبهة من قال انها جواب انها تنصب في المواضع التي تنصب فيها الفاء فتوهم أنها جواب، ويوضح لك أنها ليست بجواب انفراد الفاء دونها بأنها إذا حذفت انجزم الفعل بعدها بما قبلها لما فيه من معنى الشرط إلا إذا نصبت بعد النفي وسقطت الفاء فلا ينجزم، وإذا تقرر هذا فالأفعال الثلاثة من حيث المعنى متمناة على سبيل الجمع بينهما، إلا أن كل واحد متمني وحده إذ التقدير كما قلنا يا ليتنا يكون لنا رد مع انتفاء التكذيب وكوننا من المؤمنين. وقرىء ولا نكذب ونكون برفعهما عطفاً على نرد فيكونان داخلين في التمني أو رفعاً على الاستئناف والقطع أي ونحن لا نكذب ونكون وقرىء: برفع ولا نكذب عطفاً على نرد أو على الإِستئناف، ونكون بالنصب عطفاً على مصدر متوهم وتكون ان مضمرة بعد الواو أي وأن نكون فالتقدير يكون منّا رد وكون من المؤمنين. {بَلْ بَدَا لَهُمْ} بل هنا للإِضراب والإِنتقال من شىء إلى شىء من غير إبطال لما سبق بل بدا لهم أي لليهود والنصارى سئلوا في الدنيا: هل تعاقبون على ما أنتم عليه؟ قالوا: لا. وقيل: كفار مكة ظهر لهم ما أخفوه من أمر البعث بقولهم: {أية : مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الجاثية: 24]. أو المنافقون كانوا يخفون الكفر فظهر لهم وباله يوم القيامة. {وَلَوْ رُدُّواْ} أي إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار وتمنيهم الرد. {لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} من الكفر. {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} تقدم الكلام عليها. وهل التكذيب راجع إلى ما تضمنته جملة التمني من الوعد بالإِيمان أو ذلك اخبار من الله تعالى على عادتهم دينهم وما هم عليه من الكذب في مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك منقطعاً مما قبله من الكلام. {وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ} الآية لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كفار مكة بالبعث قالوا ذلك وان نافية وهي ضمير الحياة، قالوا: ان الحياة إلا حياتنا الدنيا. فنفوا أن يكون ثم حياة أخرى في الآخرة، ولذلك قالوا: {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} يعني إلى الحشر والجزاء لما دل الكلام على نفي البعث بما تضمنه من الحصر صرحوا بالنفي المحض الدال على عدم البعث بالمنطوق وأكدوا ذلك بالباء الداخلة في الخبر على سبيل المبالغة في الإِنكار وهذا يدل على أن هذه الآية في مشركي العرب ومن وافقهم في إنكار البعث. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ} الآية، جواب لو محذوف كما حذف في ولو ترى أولاً، وذلك مجاز عن الحبس والتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاقبه. {قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} الظاهر أن الفاعل يقال: هو الله، فيكون السؤال منه تعالى لهم سؤال تقريع وتوبيخ والإِشارة بهذا إلى البعث ومتعلقاته. وقال أبو الفرج ابن الجوزي: أليس هذا العذاب بالحق. وكأنه لاحظ قوله: قال فذوقوا العذاب. {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا} بلى جواب لما تقرر وأكدوا جوابهم باليمين في قولهم وربنا هو إقرار بالإِيمان حيث لا ينفع وناسب التوكيد بقولهم: وربنا، صدر الآية في قوله: وقفوا على ربهم، والباء في قوله: بما للسبب وكفرهم كان بالبعث وغيره. و{قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ} الآية، خسرانهم أنهم استعاضوا الكفر عن الإِيمان فصار ذلك شبيهاً بحالة البائع الذي أخذ وأعطى وكان ما أخذ سبباً لهلاكه وما أعطاه من الإِيمان سبباً لنجاته. ومعنى بلقاء الله: بلوغ الآخرة وما يكون فيها من الجزاء ورجوعهم إلى أحكام الله فيها. وحتى غاية لتكذيبهم لا لخسرانهم. {بَغْتَةً} البغتة: الفجأة. يقال: بغته يبغته، أي فجأة وهو مجيء الشىء سرعة من غير جعل بالك إليه وغير علمك بوقت مجيئه فرط قصر مع القدرة على ترك التقصير. وقال أبو عبيدة: فرط: ضيع، والتكذيب فعيا بالحسرة لأنه لا يزال بهم التكذيب إلى قولهم: يا حسرتنا وقت مجيء الساعة. والضمير في فيها عائد على الحياة الدنيا إذ قد تقدم ذكرها. وما في قوله: ما فرطنا، مصدرية أي على تفريطنا. والجملة من وهم يحملون أوزارهم، جملة حالية. وذو الحال الضمير في قالوا. والأوزار: الخطايا والآثام، وأصله الثقل من الحمل، يقال: وزرته أي حملته، وأوزار الحرب: أثقالها من السلاح، وهو مجاز عبر تحمل الوزر عما يجده من المشقة والآلام بسبب ذنوبه، والمعنى أنهم يقاسون عقاب ذنوبهم مقاساة تثقل عليهم. {أَلاَ سَآءَ} ساء على وزن فعل متعدية لمفعول محذوف تقديره ساءهم، وما مصدرية، أي ساءهم وزرهم، أو موصولة بمعنى الذي. وحذف الضمير العائد عليه والتقدير ساءهم الذي يزرونه أي يحملونه، ويجوز في ساء أن يكون وزنها فعل التي تكون في التعجب كقولهم: قَضُوا الرجل، أي ما أقضاه، فيكون تقديره ما أسوأ الذي يزرونه وافتتح بألا تنبيهاً وإشارة بسوء مرتكبهم. {وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ} الآية لما ذكر قولهم وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا، ذكر قصاراها وأن منتهى أمرها أنها فانية منقضية عن قريب فصارت شبيهة باللهو واللعب إذ هما لا يدومان ولا طائل لهما. وقرىء: ولدار الآخرة على الإِضافة، فقيل: هو من إضافة الموصوف إلى صفته إذ أصله لا الدار الآخرة، وقيل: على حذف موصوف تقديره ولدار الحياة الآخرة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى -مخبرا عن حال المشركين يوم القيامة، وإحضارهم النارَ: { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ } ليوبخوا ويقرعوا، لرأيت أمرا هائلا وحالا مفظعة.ولرأيتهم كيف أقروا على أنفسهم بالكفر والفسوق، وتمنوا أن لو يردون إلى الدنيا. { فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ } فإنهم كانوا يخفون في أنفسهم، أنهم كانوا كاذبين، ويَبدو في قلوبهم في كثير من الأوقات. ولكن الأغراض الفاسدة، صدتهم عن ذلك، وصرفت قلوبهم عن الخير، وهم كذبة في هذه الأمنية، وإنما قصدهم، أن يدفعوا بها عن أنفسهم العذاب. { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. { وَقَالُوا } منكرين للبعث { إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا } أي ما حقيقة الحال والأمر وما المقصود من إيجادنا إلا الحياة الدنيا وحدها { وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }.