٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} بل إضراب عن تَمنّيهم وادّعائهم الإيمان لو رُدّوا. واختلفوا في معنى {بَدَا لَهُمْ} على أقوال بعد تعيين مَن المراد؛ فقيل: المراد المنافقون لأن اسم الكفر مشتمل عليهم، فعاد الضمير على بعض المذكورين؛ قال النحاس: وهذا من الكلام العَذْب الفصيح. وقيل: المراد الكفار وكانوا إذا وعظهم النبيّ صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يَفْطَن بهم ضعفاؤهم، فيظهر يوم القيامة؛ ولهذا قال الحسن: «بَدَا لَهُمْ» أي بدا لبعضهم ما كان يُخفيه عن بعض. وقيل: بل ظهر لهم ما كانوا يجحدونه من الشِّرك فيقولون: «وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنّا مُشْرِكِينَ» فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك حين «بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ». قاله أبو رَوْق. وقيل: «بَدَا لَهُمْ» ما كانوا يكتمونه من الكفر؛ أي بدت أعمالهم السيئة كما قال: { أية : وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } تفسير : [الزمر: 47]. قال المبردّ: بدا لَهُم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه. وقيل: المعنى بل ظهر للذين اتبعوا الغُواة ما كان الغُواة يخفون عنهم من أمر البعث والقيامة؛ لأن بعده {وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }. قوله تعالىٰ: {وَلَوْ رُدُّواْ} قيل: بعد معاينة العذاب. وقيل: قبل معاينته. {لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} أي لصاروا ورَجعوا إلى ما نُهوا عنه من الشِّرك لعلم الله تعالىٰ فيهم أنهم لا يؤمنون، وقد عاين إبليس ما عاين من آيات الله ثم عاند. قوله تعالىٰ: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} إخبار عنهم، وحكاية عن الحال التي كانوا عليها في الدنيا من تكذيبهم الرسل، وإنكارهم البعث؛ كما قال: { أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ } تفسير : [النحل: 124] فجعله حكاية عن الحال الآتية. وقيل: المعنى وإنهم لكاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم من أنهم لا يكذبون ويكونون من المؤمنين. وقرأ يحيى بن وَثَّاب «وَلَوْ رِدُّواْ» بكسر الراء؛ لأن الأصل رُدِدوا فنقلت كسرة الدال على الراء.
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى {بَلِ } للإِضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني {بَدَا } ظهر {لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ } يكتمون بقولهم {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } بشهادة جوارحهم، فتمنوا ذلك {وَلَوْ رُدُّواْ } إلى الدنيا فرضا {لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } من الشرك {وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ } في وعدهم بالإيمان.
ابن عطية
تفسير : الضمير في {لهم} عائد على من ذكر في قوله: {وقفوا} و {أية : قالوا} تفسير : [الأنعام:27] وهذا الكلام يتضمن أنهم {كانوا يخفون} شيئاً ما في الدنيا فظهر لهم يوم القيامة أو ظهر لهم وباله وعاقبته، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وحكى الزهراوي عن فرقة أنها قالت: الآية في المنافقين لأنهم كانوا "يخفون" الكفر فبدا لهم وباله يوم القيامة. قال القاضي أبو محمد: وتقلق العبارة على هذا التأويل لأنه قال {وقفوا} يريد جماعة كفار ثم قال {بدا لهم} يريد المنافقين من أولئك الكفار، والكلام لا يعطي هذا إلا على تحامل، قال الزهراوي: وقيل إن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يشعر به أتباعهم فظهر لهم ذلك يوم القيامة. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يكون مقصد الآية الإخبار عن هول ما لقوه والتعظيم لما شقوا به، فعبر عن ذلك بأنهم ظهرت لهم مستوراتهم في الدنيا من معاص وغير ذلك، فكيف الظن على هذا بما كانوا يعلنون من كفر ونحوه، وينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تعظيم شأن يوم القيامة {أية : يوم تبلى السرائر} تفسير : [الطارق:9] ويصح أن يقدر الشيء الذي كانوا يخفونه في الدنيا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأقواله، وذلك أنه كانوا "يخفون" ذلك في الدنيا بأن يحقروه عند من يرد عليهم ويصفوه بغير صفته ويتلقوا الناس على الطرق فيقولون لهم هو ساحر هو يفرق بين الأقارب، يريدون بذلك إخفاء أمره وإبطاله، فمعنى هذه الآية على هذا، بل بدا لهم يوم القيامة أمرك وصدقك وتحذيرك وإخبارك بعقاب من كفر الذي كانوا يخفونه في الدنيا، ويكون الإخفاء على ما وصفناه، وقال الزجاج المعنى ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة "يخفون" من البعث. قال القاضي أبو محمد: فالضميران على هذا ليسا لشيء واحد، وحكى المهدوي عن الحسن نحو هذا، وقرأ يحيى بن وثاب والنخعي والأعمش "ولو رِدوا" بكسر الراء على نقل حركة الدال من رددوا إليها، وقوله: {ولو ردوا لعادوا} إخبار عن أمر لا يكون كيف كان يوجد، وهذا النوع مما استأثر الله بعلمه، فإن أعلم بشيء منه علم وإلا لم يتكلم فيه، وقوله تعالى: {وإنهم لكاذبون} إما أن يكون متصلاً بالكلام ويكون التكذيب في إخبارهم على معنى أن الأمر في نفسه بخلاف ما قصدوا لأنهم قصدوا الكذب، أو يكون التكذيب في التمني على التجوز الذي ذكرناه، وإما أن يكون منقطعاً إخباراً مستأنفاً عما هم عليه في وقت مخاطبة النبي عليه السلام، والأول أصوب، وقوله تعالى: {وقالوا إن هي إلا حياتنا} الآية، هذا على تأويل الجمهور ابتداء كلام وإخبار عنهم بهذه المقالة، ويحسن مع هذا أن يكون قوله قبل {وإنهم لكاذبون} مستأنفاً مقطوعاً خبراً عن حالهم في الدنيا التي من قولهم فيها {إن هي إلا حياتنا الدنيا} وغير ذلك، و {إن} نافية، ومعنى الآية التكذيب بالحشر والعودة إلى الله، وقال ابن زيد قوله {وقالوا} معطوف على قوله {لعادوا} أي {لعادوا} لما نهوا عنه من الكفر {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا}. قال القاضي أبو محمد: وتوقيف الله لهم في الآية بعدها على البعث والإشارة إليه في قوله: {أليس هذا بالحق} يرد على هذا التأويل وقوله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا} الآية، بمعنى ولو ترى إذ وقفوا كما تقدم آنفاً من حذف جواب {لو} وقوله: {على ربهم} معناه على حكمه وأمره، ففي الكلام ولا بد حذف مضاف، وقوله: {هذا} إشارة إلى البعث الذي كذبوا به في الدنيا، و {بلى} هي التي تقتضي الإقرار بما استفهم عنه منفياً ولا تقتضي نفيه وجحده ونعم تصلح للإقرار به، كما ورد ذلك في قول الأنصار للنبي عليه السلام حين عاتبهم في الحظيرة عقب غزوة حنين وتصلح أيضاً نعم لجحده، فلذلك لا تستعمل وأما قول الزجاج وغيره: إنها إنما تقتضي جحده وأنهم لو قالوا نعم عند قوله: {ألست بربكم} لكفروا فقول خطأ والله المستعان، وقولهم: بلى وربك إيمان، ولكنه حين لا ينفع، وقوله: {ذوقوا} استعارة بليغة، والمعنى باشروه مباشرة الذائق إذ هي من أشد المباشرات.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ} وبال ما أخفوه، أو ما أخفاه بعضهم من بعض، أو بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء. {لَكَاذِبُونَ} فيما أخبروا به من الإيمان لو ردوا، أو خبر مستأنف يعود إلى ما تقدّم.
ابن عادل
تفسير : "بل" هنا للانْتِقَال من قِصَّةٍ إلى أخرى، وليست للإبطال، وعبارةُ بعضهم تُوهمُ أنَّ فيها إبْطالاً لكلام الكَفَرَةِ، فإنه قال: "بل" رَدٌّ لِما تمنَّوْهُ أي: ليس الأمْرُ على ما قالوه؛ لأنهم لم يقولوا ذلك رَغْبَةً منهم في الإيمان، بل قالوه إشْفَاقاً من العذابِ وطَمَعاً في الرَّحْمَةِ. قال أبو حيَّان: "ولا أدْرِي ما هذا الكلام". قال شهاب الدِّين: ولا أدري ما وَجْهُ عدم الدِّرَايَةِ منه؟ وهو كلامٌ صحيح في نفسه, فإنهم لمَّا قالوا: ياليتنا كأنهم قالوا تَمَنَّيْنَا، ولكن هذا التمني ليس بصحيحٍ، لأنهم إنما قالوه تَقِيَّةً، فقد يتمنى الإنسانُ شَيْئاً بلسانه، وقَلْبُهُ فَارغٌ منه. وقال الزجاج - رحمه الله تعالى -: "بل" هنا استدراكٌ وإيجابُ نَفْيِ، كقولهم: "ما قام زيد بل قام عمرو". وقال أبُو حيَّان: "ولا أدري ما النَّفْيُ الذي سَبَقَ حتى توجبه بل"؟ قال شهابُ الدين - رحمه الله تعالى -: الظَّاهِرُ أن النفي الذي أراده الزَّجَّاج هو الذي في قوله: "ولا نكذِّبُ بآيات ربنا" إذا جعلناه مُسْتَأنفاً على تقدير: ونحنُ لا نُكَذِّبُ، والمعنى: بل إنهم مُكَذِّبُون. وفاعلُ "بَدَا" قوله: "ما كانوا"، و"ما" يجوز أن تكون مَوْصُولةً اسميةً وهو الظَّاهرُ، أي: ظهر لهم الذي كانوا يُخْفُونَهُ, والعائدُ محذوف، ويجوز أن تكون مصْدريَّةً، أي: ظهر لهم إخْفَاؤهُمْ، أي: عاقبته، أو أطْلِق المَصْدَرُ على اسم المفعول، وهو بَعِيدٌ، والظَّاهرُ أن الضميرين: أعني المجرور والمرفوع في قوله: {بَدَا لَهُمْ ما كَانُوا يُخْفُونَ} عائدان على شيء واحدٍ, وهم الكُفَّار أو اليهود والنصارى خاصة. وقيل: المجرور للأتْبَاعِ والمرفوعُ للرُّؤسَاءِ، أي: بل بدا للأتْبَاعِ ما كان الوُجَهَاءُ المتبوعون يُخْفُونَهُ. فصل في معنى "يخفون" واختلفوا في ذلك الذي أخْفَوْهُ, فقال أبو رَوْقٍ: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يَجْحَدُونَ الشرك, فيقولون: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام:23] فَيُنْطِقُ الله جَوَارِحَهُمْ, فتشهد عليهم بالكُفْرِ، فذلك حين بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل. قال الواحديّ: وعلى هذا القول أهل التفسير. وقال المُبَرِّدُ: بَدَا لَهُمْ وبَالُ عقائدهم وأعمالهم وسُوءُ عاقبتها. وقال الزجاج: بَدَا للأتْبَاعِ ما أخْفَاهُ الرؤساء عنهم من أمْرِ البعث والنشور، قال: ويدلُّ [على ذلك] أنه - تبارك وتعالى - ذكر عَقِيبَهُ: وقالوا {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} تفسير : [المؤمنون:37] وهذا قول الحَسَنِ. وقال بعضهم: هذا في المُنَافِقِينَ كانوا يُسِرُّون الكُفْرَ، ويظهرون الإسلام، وبدا لهم يوم القيامة، وهو ما كانوا يخفون من قبل. وقيل: بَدَا لَهُمْ ما كان علماؤهم يخفون من جَحْد نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام ونعته والبِشَارَةِ به، وما كانوا يُحَرِّفُونَ من التوراة. قوله: "ولو رُدُّوا" قرأ الجمهور بضم الراء خالصاً. وقرأ الأعمش، ويحيى بن وثاب، وإبراهيم: "رِدُّوا" بكسرها خالصاً. وقد مَرَّ أن الفِعْلَ المُضَاعَفَ العين واللام يحوز في فائه إذا بُنِيَ للمفعول ثلاثة الأوجه المذكورة في "فاء" الثلاثي المُعْتَلِّ العين إذا بُنِيَ للمفعول، نحو: قِيلَ وبيعَ، وقد تقدَّم [ذلك]. وقال الشاعرُ: [الطويل] شعر : 2142-وَمَا حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبَا حُلَمَائِنَا وَلاَ قَائِلُ المَعْرُوفِ فِينَا يُعَنَّفُ تفسير : بكسر الحاء. قوله: "وإنهم لكاذبون" تقدمَّ الكلامُ على هذه الجملة: هل هي مُسْتَأنَفَةٌ أو راجعة إلى قوله: "يا ليتنا نُرَدُّ"؟. فصل والمعنى أنه - تبارك وتعالى - لو رَدَّهُمْ لم يحصل منهم تَرْكُ التكذيب وفِعْلُ الإيمان، بل كانوا يَسْتَمِرُّون على طريقتهم الأولى. فإن قيل: إن أهْل القيامة قد عرفوا الله بالضرورة [وشاهدو أنواع] العقاب، فمع هذا الأهوال كيف [يمكن] أن يقال: إنهم يَعُودُونَ إلى الكُفْرش والمعصية. فالجواب: قال القاضي: تقديره: ولو رُدُّوا إلى حَالةِ التكليف، وإنَّما يَحْصُلُ الردُّ [إلى] هذه الحالة، إذا لم يحصل في القيامةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بالضرورة، ولم يحصل هناك مُشَاهَدَةُ الأهوال وعذابُ جَهَنَّم، فهذا الشرط يكون مضمراً لا مَحَالَة. وهذا الجوابُ ضعيفٌ، لأن المقصود من الآية الكريمة بَيَانُ غُلُوهِمْ في الإصرار على الكُفْرِ، وعدم رغبتهم في الإيمان، فلو قَدَّرْنَا عدمَ معرفة الله في القيامة وعدمَ مشاهدة الأهوال لم يكون إصْرَارُهُمْ على كفرهم الأول مزيد تَعجُّبٍ، وإذاً لم يكن اعتبار هذا الشَّرطِ الذي ذكره القاضي. وقال الواحدي - رحمه الله تعالى -: هذه الآية الكريمة من أظْهَرِ الدلائل على فساد قول المُعتزلةِ؛ لأن الله - تبارك وتعالى - بيَّن أنهم لو شاهدوا النَّار والعذابَ، ثم سألوا الرَّجْعَةَ ورُدُّوا إلى الدنيا لَعَادُوا إلى الشرك، وذلك للقضاء السَّابق فيهم، وإلاَّ فالعَاقِلُ لا يَرْتَابُ فيما شاهد. قال القرطبي: وقد عَايَنَ إبليس ما عاينَ من آيات الله تبارك وتعالى ثم عَانَدَ.
ابو السعود
تفسير : {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} إضرابٌ عما يُنْبىءُ عنه التمني من الوعد بتصديق الآيات والإيمان بها أي ليس ذلك عن عزيمة صادقةٍ ناشئة عن رغبةٍ في الإيمان وسَوْقٍ إلى تحصيله والاتصافِ به بل لأنه ظهرَ لهم في موقفهم ذلك ما كانوا يخفونه في الدنيا من الداهيةِ الدهياء وظنوا أنهم مُواقِعوها فلِخَوْفها وهول مطلعها قالوا ما قالوا والمراد بها النارُ التي وُقفوا عليها إذ هي التي سيق الكلامُ لتهويل أمرها والتعجبِ من فظاعة حالِ الموقوفين عليها وبإخفائها تكذيبُهم بها، فإن التكذيبَ بالشيء كفر به وإخفاءٌ له لا محالة وإيثاره على صريح التكذيب الوارد في قوله عز وجل: {أية : هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } تفسير : [الرحمن، الآية 43] وقوله تعالى: {أية : هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ }تفسير : [الطور، الآية 14] مع كونه أنسبَ بما قبله من قولهم: {أية : وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا} تفسير : [الأنعام، الآية 27] لمراعاة ما في مقابلته من البُدُوّ، هذا هو الذي تستدعيه جزالةُ النظم الكريم، وأما ما قيل من أن المراد بما يُخفون كفرُهم ومعاصيهم أو قبائحُهم وفضائحُهم التي كانوا يكتُمونها من الناس فتظهرُ في صُحُفهم وبشهادة جوارحِهم عليهم أو شركِهم الذي يجحدون به في بعض مواقف القيامة بقولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }تفسير : [الأنعام، الآية 23] ثم يظهر بما ذُكر من شهادة الجوارحِ عليهم أو ما أخفاه رؤساءُ الكفرة عن أتباعهم من أمر البعث والنشور أو ما كتمه علماءُ أهل الكتابـين من صحة نبوةِ النبـي عليه الصلاة والسلام ونُعوته الشريفة عن عوامِّهم، على أن الضميرَ المجرورَ للعوام والمرفوعَ للخواص، أو كفرُهم الذي أخفَوْه عن المؤمنين والضميرُ المجرور للمؤمنين والمرفوعُ للمنافقين، فبعدَ الإغضاءِ عما في كلَ منها من الاعتساف والاختلال لا سبـيل إلى شيء من ذلك أصلاً لما عرفت من أن سَوْق النظم الشريف لتهويل أمر النار وتفظيعِ حال أهلها وقد ذُكر وقوفُهم عليها وأُشير إلى أنه اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحَيْرة والدهشة ما لا يُحيط به الوصفُ، ورُتّب عليه تمنِّيهم المذكورُ بالفاء القاضيةِ بسببـية ما قبلها لما بعدها، فإسقاطُ النار بعد ذلك من تلك السببـية وهي في نفسها أدهى الدواهي وأزجرُ الزواجر، وإسنادُها إلى شيء من الأمور المذكورة التي دونها في الهول والزجر مع عدم جَرَيانِ ذكرها ثَمةَ أمرٌ يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيل عن أمثاله، وأما ما قيل من أن المراد جزاءُ ما كانوا يُخفون فمن قبـيل دخولِ البـيوت من ظهورِها وأبوابُها مفتوحة فتأمل. {وَلَوْ رُدُّواْ} أي من موقفهم ذلك إلى الدنيا حسبما تمنَّوْه وغاب عنهم ما شاهدوه من الأهوال {لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} من فنون القبائح التي من جملتها التكذيبُ المذكورُ ونسُوا ما عاينوه بالكلية لاقتصار أنظارِهم على الشاهدِ دون الغائب {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} أي لقومٌ ديدَنُهم الكذِبُ في كل ما يأتون وما يذرون.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} [الآية: 28]. قيل: ظهر لهم من عيوب أسرارهم ما كان يخفيه عنهم قلة عملهم. قال أبو العباس الدينورى: أبدا لهم الحق فساد دعاويهم التى كانوا يخفونها ويظهرون للناس خلافها من التنسك والتقى.
القشيري
تفسير : غداً يوم تنتهك الأستار، وتظهر الأسرار - فكم من مُجَلَّل بثوب تقواه، ويَحْكُم له معارفُه بأنه زاهدٌ في دنياه، راغب في عقباه، محبٌ لمولاه، مُفَارِقٌ لهواه، فَيُكْشَفُ الأمر عن خلاف ما فهموه، ويفتضح عندهم بغير ما ظنوه. وكم من متهتك ستر بما أظهر عليه! ظنَّ الكلُّ أنه خليع العذار هيِّن الأعلال، مشوش الأسرار، فظهر لذوي البصائر جوهره، وبدت عن خفايا الستر حقيقته. ثم قال: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} أخبر عما علم أنه لا يكون أنه لو كان كيف كان يكون؛ فقال لو رُدَّ أهل العقوبة إلى دنياهم لعادوا إلى جحدهم وإنكارهم، وكذلك لو رُدَّ أهل الصفاء والوفاء إلى دنياهم لعادوا إلى حسن أعمالهم.
البقلي
تفسير : {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} القوم لم يعرفوا حقائق الكفر فى الدنيا ولو عرفوه لكانوا موحدين فيظهر لهم يوم القيامة حقيقة الكفر ولا ينفع لهم ذلك لفوتهم السير فى النكرات التى معرفتها يوجب المعارف وذلك المقام فى اماكمن صدروهم وهم كانوا يخفونه بمتابعة صورة الكفر وشهوة العصيان بغير اختيار هم لقلة عرفانهم به ولا يكون قلب من العرش الى الثرى ولا يطرقه هواتف الغيب بالهام الله الذى يعرف به طرق رضى الحق وصاحبه يعلم ذلك ويسمع ويخفيه فى قلبه لانه ادق من الشعرة وحركته اخفى من دبيب النمل ومع ذلك يعرفه من نفسه ولكن من غلبة شهوات نفسه عليه لا يتيح خطاب الله بالسر فايدا الله لهم ما كانوا يخفونه تعبير لهم وحجة عليهم قيل ظهر لهم من غيوب اسرارهم بما كانوا يخفيه عنهم قلة علمهم وقال ابو العباس الدينورى رحمه الله ابدا لهم الحق فاسد دعاويهم الذين كانوا يخفونها ويظهرون للناس خلافها من التقشف والتقوى صدق الشيخ وصف بها اهل السالوس فى الدنيا فبدا لهم قبح بواطنهم عند صدور العارفين واكابر الموحدين ويقولون الرزق والناموس من قلة معرفتهمبربهم وقلت معرفتهم بافتضاحهم عند مشائخ القوم قال تعالى {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} اى ليس الامر على ما قالوه من انهم لو ردوا الى الدنيا لآمنوا فان التمنى الواقع منهم يوم القيامة ليس لاجل كونهم راغبين فى الايمان بل لانه ظهر لهم فى موقفهم ذلك ما كانوا يخفون فى الدنيا وهى النار التى وقفوا عليها والمراد باخفائها تكذيبهم لها فان التكذيب بالشئ كفر به واخفاء له محالة {ولو ردوا} الى الدنيا فرضا {لعادوا لما نهوا عنه} من الشرك ونسوا ما عاينوه بالكلية لاقتصار انظارهم على الشاهد دون الغائب كابليس قد عاين من آيات الله تعالى ثم عاند فلا راد لما قضاه الله تعالى ولا مبدل لما حكم فى الازل {وانهم لكاذبون} الى لقوم ديدنهم الكذب فى كل ما يأتون وما يذرون وبهذه الآية يفتى بقتل اهل البغى والفساد اذلا يؤمن من ان يعودوا لما نهوا عنه: وفى المثنوى شعر : آن ندامت ازنتيجة رنج بود نه زعقل روشنى جون كنج بود جونكه شدر نج آن ندامت شد عدم مى نيرزد خاك آن توبه وندم ميكند او توبه وبير خرد بانكه لوردوا لعادوا ميزند
الطوسي
تفسير : قوله {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} معناه من عقاب الله فعرفوه معرفة من كانوا يسترونه عنه. وقال قوم: بدا لبعضهم من بعض ما كان علماؤهم يخفونه عن جهالهم وضعفائهم مما في كتبهم فبدا للضعفاء عنادهم. وقيل: معناه بل بدا من أعمالهم ما كانوا يخفونه، فأظهره الله وشهدت به جوارحهم. وقال الزجاج: ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفونه من أمر البعث والنشور، لان المتصل بهذا قوله {وقالوا إِن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين} لنجزى على المعاصى. وقوله: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} قال بعضهم: لو ردوا ولم يعاينوا العذاب لعادوا كأنه ذهب الى أنهم لم يشاهدوا ما يضطرهم الى الارتداع، وهذا ضعيف، لان هذا القول يكون منهم بعد أن يبعثوا ويعلموا أمر القيامة ويعاينوا النار بدلالة قوله: {ولو ترى إِذ وقفوا على النار} وهذه الآيات كلها في المعاندين، لانه قال في أولها {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} ثم قال بعد ذلك {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} وقال ابو علي الجبائي: الآية مخصوصة بالمنافقين وظهر لهم ما كانوا يخفونه من كفرهم الذي كانوا يضمرونه. قال والآية الاولى وان كان ظاهرها يقتضي جميع الكفار والمنافقون داخلون فيهم فيجوز أن يخبر عنهم بهذا الحكم. قال: ويحتمل أن يكون أراد بها الكافرين الذين كان النبي يخوفهم بالعذاب على كفرهم فلم يؤمنوا بذلك لكن دخلهم الشك والخوف وأخفوه عن ضعفائهم وعوامهم، فاذا كان يوم القيامة ظهر ذلك وان أخفوه في الدنيا فيتمنون حينئذ الرد الى حال الدنيا. وقيل: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} معنى {يخفون} يجدونه خافيا. ومعنى {بل بدا} ليس تمنيهم الرجعة واظهار الانابة حقاً للايمان الصحيح، بل لما شاهدوه من العذاب الاليم. وقوله {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} معناه إِنهم لو ردوا الى حال التكليف والى مثل ما كانوا عليه في الدنيا من المهلة والتمكين من الايمان والتوبة والقدرة على ذلك، لعادوا لمثل ما كانوا عليه من الكفر الذي نهوا عنه. وقوله تعالى {وإنهم لكاذبون} قد بينا ان المراد به الحكاية عن حالهم في الدنيا وأنهم كانوا فيها كاذبين في كفرهم وتكذيبهم رسول الله والقرآن. وقال البلخي هذا الكذب وقع منهم في الحال وان لم يعلموه كذباً، لانهم أخبروا عن عزمهم أنهم لو ردوا لكانوا مؤمنين. وقد علم الله أنهم لو عادوا الى الدنيا لعادوا الى كفرهم، وكان إِخبارهم بذلك كذبا، وان لم يعلموه كذلك، لان مخبره على خلاف ما أخبروه وهذا الذي ذكروه ضعيف، لانهم اذا أخبروا عن عزمهم على الايمان ان ردوا أو كانوا عازمين عليه لا يكونون كاذبين، لان مخبر خبرهم العزم، وهو على ما أخبروا فكيف يكذبون فيه، والاول أقوى. فأما الكذب مع العلم بأنه ليس كذلك، فلا خلاف بين أبي علي وأبي القاسم أنه لا يجوز أن يقع منهم في الآخرة، لان أهل الآخرة ملجؤن الى ترك القبيح، لانهم لو لم يكونوا ملجئين لوجب أن يكونوا مزجورين من القبيح بالامر والنهي والثواب والعقاب، وذلك يوجب أن يكون ذاك التكليف، ولا خلاف أنه ليس هناك تكليف. وإِن لم يزجروا ولم يلجؤا الى تركه كانوا مغريين بالقبيح وذلك فاسد. فاذاً لا يجوز أن يقع منهم القبيح بحال. وقال بعض المفسرين حديث : سئل النبي (صلى الله عليه وسلم) فقيل له: ما بال أهل النار عملوا في عمر قصير بعمل أهل النار فخلدوا في النار؟ وأهل الجنة عملوا في عمر قصير بعمل أهل الجنة فخلدوا في الجنة؟! فقال: "ان الفريقين كان كل واحد منهما عازماً على أنه لو عاش أبدا عمل بذلك" .
الجنابذي
تفسير : {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} دليل عليه فانّ المعنى ما حصل لهم حبّ وشوق الى علىّ (ع) لانّ فطرتهم فطرة البغض له بل بدا لهم وبال نفاقهم فخافوا غاية الخوف فتمنّوا الخلاص من الخوف لا الوصال من الشّوق {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} لانّه ذاتّى والّذاتىّ لا يتخلّف بل قد يختفى بعارض فاذا زال العارض ظهر {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فى ما يقولون من انّهم إن ردّوا لا يكذبوا ويؤمنوا لما عرفت انّه ليس هذا التّمنّى من شوق ذاتىّ بل من امر عرضىّ يزول بزواله.
فرات الكوفي
تفسير : {ولو رُدّوا لَعادوا لِما نُهوا عَنْهُ وإنّهم لكاذبون28} [سيأتي في آخر الحديث الثالث من ذيل الآية 100/ الشعراء من حديث الإمام الباقر ما يرتبط بالآية].
اطفيش
تفسير : {بلْ بَدَا لَهم} ظهر لهم. {ما كانُوا يُخفُون من قَبْل} أى عقاب ما أخفوه من قبل بقولهم: {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : أى ظهر لهم عقابه فتمنوا الإيمان لمجرد التخلص من العقاب لا للرغبة فى الإيمان إن قيل لإبطال ما يفيده كلامهم، من أنهم تمنوا الإيمان رغبة فيه لذاته، من حيث إنهُ الحق، فأفادت الآية أنهُ من أمن لمجرد أن يثاب ولا يعاقب لا ينفعه إيمانه، وليست هذه صفة عامة المؤمنين، بل يزيدون لذلك اعتقاد فضل الإيمان فى ذاته، لكونه الحق، ويجوز أن يكون الذى يخفون من قبل هو قبائح أعمالهم التى يعملونها سراً، ومنها المنافقة بإضمار الشرك، وكذا ما أخفاه أهل الكتاب من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا مانع من أن يرد الكلام إلى ذلك كله، ويجوز أن يكون بدالهم بمعنى أنه ظهر لهم بنطق جوارحهم {أية : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم} تفسير : وقيل: ذلك فى المنافقين المضمرين خلاف ما نطقوا، والعاملين بالمعاصى سراً، وقيل فى أهل الكتاب. {ولَو ردُّوا} إلى الدنيا. {لَعَادُوا} لرجعوا. {لما نُهُوا عنه} إلى ما نهوا عنه إلى الشرك والمعصية. {وإنَّهم لكاذِبُونَ} فيما وعدوا مِنْ أنفسهم من الإيمان لو ردوا، وهذا كما تحقق إبليس وكفر مع ذلك.
اطفيش
تفسير : {بَلْ بَدَا} ظهر {لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} هو إِشراك المنافقين، وأَمر البعث، والشرك الذى أَنكره المشركون فى بعض مواقف القيامة، والصغائر والكبائر التى يخفونها فى الدنيا، والمشركون مخاطبون بالفروع أَيضاً، وإِخفاء أَهل الكتاب ما فى التوراة والإِنجيل من رسالته صلى الله عليه وسلم. والآية تعم هؤلاء، وقيل هو النار فإن جحودها إِخفاء لها، أَو الآيات الدالة عليها فإِن إِنكارها نفى لها، أَو الإِشراك أَى بدا جزاؤه، أَو تحقق أَنه إِشراك يجازون عليه بالنار بعد ما قالوا: {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام: 23]، إِذ قالوا كذباً أَو زعماً بأَنه غير شرك، بل ليقربهم إِلى الله عز وجل، وعن المبرد: بدا لهم وبال ما كانوا يخفون، وما موصول اسمى أَو حرفى، أَو نكرة موصوفة {وَلَوْ رُدُّوا} إِلى الدنيا بعد الوقوف على النار، ولو بدخولها، ومضى أَحقاب {لعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} إِلى ما نهوا عنه من الشرك وما دونه من المعاصى {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فى وعدهم الإِيمان الذى تضمنه تمنيهم له ومن شأنهم الكذب على الإِطلاق، ومنه هذا بالمشاهدة أَو بنطق جوارحهم، وكل من المشركين والمنافقين باضمار الشرك، واليهود والنصارى وغيرهم من أَهل النار، كلهم يتمنون الرد إِلى الدنيا ليجتنبوا ما أَدخلهم النار، وكل واحد بدا له تفريطه وبطلان ما كان يتوهمه، وقبح ما أَمر من تشبه واعتقاد، والجملة عطفت على لو وشرطها وجوابها عطف قصة على أخرى، والصحيح أَن وعد الكافرين الإِيمان هو على طريق الإِخبار، وقيل إِنشاء، فالكذب مبنى على الإِخبار.
الالوسي
تفسير : {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} إضراب عما يؤذن به تمنيهم من الوعد بتصديق الآيات والإيمان بها أي ليس ذلك عن عزم صحيح ناشىء عن رغبة في الإيمان وشوق إلى تحصيله والاتصاف به بل لأنه بدا وظهر لهم في وقوفهم ذلك ما كانوا يخفونه في الدنيا من ثالثة الأثافي والداهية الدهياء فلشدة هول ذلك ومزيد ضجرهم منه قالوا ما قالوا، فالمراد من الموصول النار على ما يقتضيه السوق ومن إخفائها ستر أمرها وذلك بإنكار تحققها وعدم الإيمان بثبوتها أصلاً فكأنه قيل: بل بدا لهم ما كانوا يكذبون به في الدنيا وينكرون تحققه. وإنما لم يصرح سبحانه بالتكذيب كما في قوله عز شأنه: { أية : هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } تفسير : [الرحمن: 43] وقوله عز من قائل: { أية : هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ } تفسير : [الطور: 14] مع أن ذلك أنسب بما قبل من قولهم: { أية : وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا } تفسير : [الأنعام: 27] مراعاة لما في مقابله من البدو في الجملة مع ما في ذلك من الرمز الخفي إلى أن تكذيبهم هذا لم يكن في محله رأساً لقوة الدليل، وقيل: المراد بما كانوا يخفونه قبائحهم من غير الشرك التي كانوا يكتمونها عن الناس فتظهر في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم، وقيل: المراد به الشرك الذي أنكروه في بعض مواقف القيامة بقولهم: { أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23]، وقيل: المراد به أمر البعث والنشور، والضمير المرفوع لرؤساء الكفار والمجرور لأتباعهم أي ظهر للتابعين ما كان الرؤساء المتبوعون يخفونه في الدنيا عنهم من أمر البعث والنشور، ونسب إلى الحسن واختاره الزجاج. وقيل: الآية في المنافقين، والضمير المرفوع لهم، والمجرور للمؤمنين، والمراد بالموصول الكفر أي بل ظهر للمؤمنين ما كان المنافقون يخفونه من الكفر ويكتمونه عنهم في الدنيا، وقيل: هي في أهل الكتاب مطلقاً أو علمائهم، والذي أخفوه نبوة خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، والضميران المرفوع والمجرور لهم وللمؤمنين أو للخواص والعوام. وتعقب كل ذلك بأنه بعد الإغضاء عما فيه من الاعتساف لا سبيل إليه هنا لأن سوق النظم الجليل لتهويل أمر النار وتفظيع حال أهلها، وقد ذكر وقوفهم عليها وأشير إلى أنه اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحيرة والدهشة ما لا يحيط به الوصف، ورتب عليهم تمنيهم المذكور بالفاء القاضية بسببية ما قبلها لما بعدها فإسقاط النار بعد ذلك من السببية وهي في نفسها أدهى الدواهي وأزجر الزواجر إلى ما دونها في ذلك مع عدم جريان ذكرها ثمة أمر ينبغي تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله. ونقل عن المبرد أن الكلام / على حذف مضاف أي بدا لهم وبال ما كانوا يخفون ولا يخفى ما فيه أيضاً فتدبر. {وَلَوْ رُدُّواْ} من موقفهم ذلك إلى الدنيا {لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} من الكفر والتكذيب أو من الأعم من ذلك ويدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً ولا يخفى حسنه، ووجه اللزوم في هذه الشرطية سبق قضاء الله تعالى عليهم بذلك التابع لخبث طينتهم ونجاسة جبلتهم وسوء استعدادهم ولهذا لا ينفعهم مشاهدة ما شاهدوه، وقيل: إن المراد أنهم لو ردوا إلى حالهم الأولى من عدم العلم والمشاهدة لعادوا، ولا يخفى أنه لا يناسب مقام ذمهم بغلوهم في الكفر والإصرار وكون هذا جواباً لما مر من تمنيهم. وذكر بعض الناس في توجيه عدم نفع المشاهدة في الآخرة لأهوالها المترتبة على المعاصي بعد الرد إلى الدنيا أنها حينئذٍ كخبر النبـي صلى الله عليه وسلم المؤيد بالمعجزات الباهرة فحيث لم ينتفعوا به وصدهم ما صدهم لا ينتفعون بما هو مثله ويصدهم أيضاً ما يصدهم. وأنت تعلم أن هذا بعد تسليم كون المشاهدة بعد الرد كخبر الصادق يرجع في الآخرة إلى ما أشرنا إليه من سبق القضاء وسوء الاستعداد، ومن خلق للشقاء والعياذ بالله سبحانه وتعالى للشقاء يكون. {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} أي لقوم كاذبون فيما تضمنه تمنيهم من الخبر بأن ذلك مراد لهم، ويحتمل أن يكون هذا ابتداء إخبار منه تعالى بأن ديدن هؤلاء وهجيراهم الكذب. وليس الكذب على الاحتمالين متوجهاً إلى التمني نفسه لأنه إنشاء والإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب. وقال الربعي: لا بأس بتوجه الكذب إلى التمني لأنه يحتمل الصدق والكذب بنفسه واحتج على ذلك بقوله: شعر : منى أن تكن حقاً تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمناً رغداً تفسير : لأن الحق بمعنى الصدق وهو ضد الباطل والكذب، ولا يخفى ما فيه مع أنه لو سلم فهو مجاز أيضاً. وقيل: الخبر الضمني هنا هو الوعد بالإيمان وعدم التكذيب. واعترض بأن الوعد كالوعيد من قبيل الإنشاء كما حقق في موضعه فلا يتوجه إليه الكذب والصدق كما لا يتوجهان إلى الإنشاء. وأجيب بأن ذلك أحد قولين في المسألة، ثانيهما أن الوعد والوعيد من قبيل الخبر لا الإنشاء، وهذا القيل مبني عليه على أنه يحتمل أن المراد بالكذب المتوجه إلى الوعد عدم الوفاء به لا عدم مطابقته للواقع كما ذكره الراغب.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. هذه الآية الكريمة تدل على أن الله جل وعلا الذي أحاط علمه بكل موجود ومعدوم، يعلم المعدوم الذي سبق في الأزل أنه لا يكون لو وجد كيف يكون. لأنه يعلم أن رد الكفار يوم القيامة إلى الدنيا مرة أخرى لا يكون، ويعلم هذا الرد الذي لا يكون لو وقع كيف يكون، كما صرح به بقوله {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}، وهذا المعنى جاء مصرحاً به في آيات أخر. فمن ذلك أنه تعالى سبق في علمه أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، لا يخرجون إليها معه صلى الله عليه وسلم، والله ثبطهم عنها لحكمة. كما صرح به في قوله {أية : وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} تفسير : [التوبة: 46] الآية. وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون لو وقع كيف يكون. كما صرح به تعالى في قومه {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} تفسير : [التوبة: 47] الآية. ومن الآيات الدالة على المعنى المذكور قوله تعالى {أية : وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [المؤمنون: 75] إلى غير ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : {لَكَاذِبُونَ} (28) - وَحِينَ تَقِفُهُمُ المَلائِكَةُ، وَتَحْتَبِسُهُمْ عِنْدَ النَّارِ، يَظْهَرُ لَهُمْ سُوءُ عَاقِبَةِ مَا كَانُوا يُخْفُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ، مِنَ الكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَالمُعَانَدَةِ، وَإِنْ أَنْكَرُوهَا. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنَى: وَظَهَرَ لَهُمْ مَا كَانُوا يَعْلَمُونَهَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مِنْ صِدْقِ مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ فِي الدُّنيا، وَإِنْ كَانُوا يَكْتُمُونَهُ وَيُظْهِرُونَ لأَتْبَاعِهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ). وَلَوُ أَنَّهُمْ أُعِيدُوا إلَى الحَيَاةِ الدُّنْيا، لَعَادُوا إِلَى مَا نُهُوا عَنْهُ مِنَ الكُفْرِ، وَالتَّكْذِيبِ وَالمُعَانَدَةِ. وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي تَمَنِّيهِم العَوْدَةَ إِلى الدُّنْيَا لِيُؤْمِنُوا، وَلِيَعْمَلُوا صَالِحاً، وَلا يُكَذِّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنهم يطلبون العودة إلى الدنيا لا لينفذوا الوعد في طلبهم المستحيل؛ لأنهم سيفعلون مثلما فعلوا من قبل، كفراً ونكراناً وجحوداً. إنهم لجأوا إلى هذا القول من فرط الخوف مما أعده الله لهم. بعد أن ظهر لهم كل ما كانوا يفعلونه في الدنيا من كفر وجحود. ويقال عن يوم القيامة "يوم الفاضحة"؛ لأن كل إنسان سيجد كتابه في عنقه، ويقال له: {أية : ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء: 14]. فإذا كنا في الدنيا نسجل الأحداث بالصوت والصورة فما بالنا بتسجيل الحق لنا؟ ويرى الإنسان مَكْرَه يوم القيامة بالصوت والصورة، وكل فعل فعله سيراه بطريقة لا يمكن معها أن ينكره، وكأن الحق يوضح لكل عبد: أنا لن أحاسبك بل سأترك لك أن تحاسب نفسك. ويفاجأ الإنسان أن جوارحه تنطق لتشهد عليه: الأيدي تنطق بما فعل، واللسان ينطق بما قال، والقدم تحكي إلى أين ذهب بها صاحبها، فهذه الجوارح التي كانت تنفعل لمراد صاحبها في الدنيا، يختلف موقفها في الآخرة ولا تنفذ في اليوم الآخر مراد الإنسان بل مراد من أعطى الإنسان المراد. {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. مثال ذلك - ولله المثل الأعلى - نجد السرية أو الكتيبة المقاتلة لها قائد يحكم الجنود، فإن أعطاهم أوامر خاطئة فهم ينفذونها، وبعد انتهاء المعركة يسألهم القائد الأعلى، فيقولون سلسلة الأوامر الخاطئة التي أصدرها قائدهم المباشر. فإياك أن تظن أيها الإنسان أن أبعاضك مؤتمرة بقدرتك عليها دائما، إن سيطرتك عليها أمر منحك الله إياه، ويسلبه منك متى شاء في الدنيا. ويأتي يوم القيامة لتنتهي سيطرتك على الأبعاض. وأنت ترى في الدنيا بعضاً من صور سلب السيطرة على الأبعاض لتتذكر قدرة الواهب الأعلى؛ فأنت ترى من لا يرى، وترى من فقد السيطرة على جارحة أو أكثر من جوارحه، وذلك تنبيه من الله على أن سيطرة الإنسان على الجوارح إنما هي أمر موهوب من الله. وقول الحق سبحانه عن الكافرين: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} يفضح تدليسهم في الحياة الدنيا، ثم يجيب الله على تمنيهم السابق المليء بالذلة والمسكنة، التمني بالعودة إلى الدنيا، فيقول سبحانه: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. فهم كاذبون في الوعد بأن يؤمنوا لو عادوا إلى الدنيا، يوضح ذلك قول الحق سبحانه: {وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا...}
الجيلاني
تفسير : {بَلْ بَدَا} وظهر {لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} حقية الرسل والكتب عناداً واستكباراً فتمنوا حين اليأس والبأس ضجراً لا عزماً صحيحاً؛ حيث لو ردوا لآمنوا البتة بل {وَ} الله {لَوْ رُدُّواْ} أي: لو فرض ردهم إلى الدنيا بعد وقوعهم على أهوال الآخرة {لَعَادُواْ} من خباثة طينتهم {لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} أيضاً مكابرة وعناداً {وَ} بالجملة: {إِنَّهُمْ} في هذا التمني أيضاً {لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28] البتة لكون جبلتهم وأصل فطرتهم على الكذب لا يزول عنهم أصلاً. {وَ} كيف لا تكونون مجبولين على الكذب والعناد إذ هم {قَالُوۤاْ} من خبث باطنهم حين دعاهم الرسل - عليهم السلام - إلى الإيمان بالله وباليوم الآخر: {إِنْ هِيَ} أي: ما الحياة {إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} أي: التي كنا عليها فيها {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: 29] كما زعم هؤلاء السفهاء. {وَلَوْ تَرَىٰ} أيها الرائي {إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} أي: حين وقفوا وصفوا عند ربهم؛ ليحاسبوا بما عملوا لرأيتهم حيارى سكارى مضطرين مضطربين {قَالَ} لهم سبحانه من وراء سرادقات العز والإجلال: {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} أيها الحمقى الكاذبون المكذبون؟ {قَالُواْ} بعدما كوشفوا وعوينوا معتذرين متفجعين مصدقين مقسمين: {بَلَىٰ وَرَبِّنَا} آمنا وصدقنا {قَالَ} سبحانه: الآن لن ينفعكم الإيمان {فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنعام: 30] وتكذبون به في النشأة الأولى التي هي دار الفتنة والاختبار. ثم قال سبحانه تقريعاً وتوبيخاً لهم: {قَدْ خَسِرَ} وخاب {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} مع نزول الآيات الدالة عليه، وإرشاد الرسل والأنبياء والأولياء لهم {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ} المعدة للعرض {بَغْتَةً} فجأة {قَالُواْ} بعدما انكشفوا به وتيقنوا له متسحرين خائبين خاسرين: {يٰحَسْرَتَنَا} كلمة تحسر وتأسف {عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} أي: في النشاة الأولى من التكذيب وعدم الإيمان {وَهُمْ} في تلك الحالة {يَحْمِلُونَ} وبال {أَوْزَارَهُمْ} وآثامهم {عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} خائبين خاسرين محرومين عن مطالعة وجه الله الكريم {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: 31] في الدنيا، ويحرمون بها في العقبى عن لقاء المولى.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : فأخبر الله أنه لا ينفعهم التمني بعد فوات الفرصة وإفساد الاستعداد، وقال تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} [الأنعام: 28]؛ أي: ظهر لهم الشقاوة المتمكنة التي كتب لهم وكانوا يسترون آثارها في عالم الصورة بلباس البشرية، ويسترونها بالتكليف من قبل تجرؤهم عن كسوة الصورة {وَلَوْ رُدُّواْ} [الأنعام: 28]، إلى عالم الصورة {لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ} [الأنعام: 28]؛ أي: إلا ما نهوا {عَنْهُ} [الأنعام: 28]، من اتباع الهوى واتخاذه إلهاً مرة أخرى لفاسد الاستعداد وردوا إلى الاستعداد الفطري الذين جلبوا عليه يستعملونه مرة أخرى في الأعمال والأخلاق التي هي أسباب تحصيل الشقاوة {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28]، فيما يدعون لأنهم خلقوا مستعدين للكذب لا للصدق {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الفتح: 23]، {وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} [الأنعام: 29]، نعيش فيها ثم نموت {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: 29]، بعد أن متنا وذلك لأنهم مجبولون على إنكار البعث وتكذيب الرسل، وأنهم قد كانوا في عالم الأرواح مشاهدين المطاف الحق ومخاطبي قوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، ومجيبي {أية : بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]، فلما بعثوا إلى عالم الصورة وحجبوا بلباس البشرية فنسوا تلك الأحوال والأقوال، ولم يسمعوا عن الأنبياء حين ذكروا بتلك الأيام كما قال تعالى: وذكرهم بأيام الله فما نفعتهم الذكرى، إذا طبعوا كافرين وقال تعالى: {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 55]، فكذلك لو ردوا إلى عالم الصورة لنسوا ما شاهدوا من الأحوال ولعادوا إلى ما كانوا عليه من الإنكار دون الإقرار. ثم أخبر عن خسران أهل الخسارات بقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} [الأنعام: 30]، إلى قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32]، الإشارة فيها أن القيامة يوم ينكشف فيه الأسرار وتنتهك فيه الأستار، فكم من محلل بثوب تقوية حكم له مقارنوه بأنه زاهد في دنياه، راغب في عقباه، محب طولاه، مفارق لهواه، كشف الأمر عما توهموه فافتضح عندهم بغير ما ظنوه، ولو ترى إذ وقفوا على ربهم غداً؛ أي: وقفوا على ربوبيته عند ظهورها بالقهر ولو وقفوا على الربوبية في الدنيا لوقفوا عند ظهورها باللطف، فمن خفي عليه الربوبية؛ فلغلبة القهر، ومن ظهر له به الربوبية اليوم؛ فغلبة اللطف بلسان القهر {قَالَ} [الأنعام: 30]، لأهله {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} [الأنعام: 30]، قهر الربوبية {قَالُواْ} [الأنعام: 30]، بلسان ذوق القهر {بَلَىٰ وَرَبِّنَا} [الأنعام: 30]، الذي أذقنا ألم قهر الربوبية {قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ} [الأنعام: 30]؛ أي فذوقوا ألم عذاب البعد عند ظهور القهر فإنكم كنتم معذبين به في الدنيا، ولكن ما كنتم تذوقون ألم عذابه كالذي يأكل مال اليتيم إنما يأكل في بطنه ناراً، ولكن لا يذوق ألمها يوم القيامة قوله تعالى: {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنعام: 30]؛ يعني: بسبب الحجاب الذي كنتم بسببه تكفرون في الدنيا تذوقون ألم عذاب البعد في الآخرة {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} [الأنعام: 31]؛ يعني: أفسدوا استعداد الروحانية الذي كانوا به ملاقي ربهم يوم الميثاق فمن فسادهم كذبوا في الدنيا بلقاء الله وهو الوصول إلى الله في الدنيا والرجوع إليه في الآخرة، فخسروا بسبب التكذيب سعادة الدارين لا من الجاه والمال والمقام والحال بل من الوصول كما قيل شعر: شعر : لعمري لئن أزرفت دمعي فإنه لفرقة من أفنيت في ذكره سرى تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} [الأنعام: 31]، وهي إشارة إلى الساعة التي تجذب العبد من أوصاف البشرية بجذبات المحبة بها فجأة وهي قيمة أخرى؛ لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض بنور ربها فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق ويتأسف على تضييعها، وتضييع ما فات عنه من صيد الوصال وفيض غيره فيتحسر ويقول كما قيل شعر: شعر : أَيُّها القانِصُ ما أَحــ ــسَنتَ صَيدَ الظَبَياتِ فاتَكَ السِربُ وما زُو وِدتَ غَيرَ الحَسَراتِ تفسير : {قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا} [الأنعام: 31]، ضيعنا العمر في عنوان الشباب { فِيهَا} [الأنعام: 31]؛ أي: في تحصيل المرام فصرنا، وقد حصلنا من الحجب أسباب البعد ما يشق علينا السلوك مع حملها {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ} [الأنعام: 31]، أثقال التعلقات الزاهدة {عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} [الأنعام: 31]؛ أي: ظهور وجودهم؛ فإن الوجود على السالك نقل مانع عن السلوك فكيف أزيد عليه {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: 31]، على الوجود وحمله {وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ} [الأنعام: 32]؛ يعني: الحياة التي تكون للتمتعات الدنيوية النفسانية {إِلاَّ لَعِبٌ} [الأنعام: 32]، الصبيان {وَلَهْوٌ} [الأنعام: 32]، أهل العصيان زواله سريعاً ويبقى ضرره منيعاً؛ لأنه يذوب في الحجب {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} [الأنعام: 32]، وهي السير من البشرية إلى الروحانية بترك الشهوات والإعراض عن غير الحق، والإقبال إلى الله {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 32]، عما سوى الله بالله { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32]، أن الله خلقكم لهذا الشأن لا لغيره كما قال تعالى: {أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} تفسير : [طه: 41].
همام الصنعاني
تفسير : 793- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قَتَادَةَ في قوله تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ}: [الآية: 28] قال: من أعمالهم. 798- حدثنا عبد الرزاق قال: وأنزل في "عُيَيْنَة" {أية : وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}تفسير : [الكهف: 28]. 799- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن أناساً من كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سَرَّكَ أن نتبعك فاطردْ فلاناً وفلاناً، وناساً من ضعفاء المسلمين: فقال الله: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):