Verse. 818 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَقَالُوْۗا اِنْ ہِىَ اِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوْثِيْنَ۝۲۹
Waqaloo in hiya illa hayatuna alddunya wama nahnu bimabAAootheena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالوا» أي منكر والبعث «إن» ما «هي» أي الحياة «إلا حياتنا الدنيا ومانحن بمبعوثين».

29

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه حصل في الآية قولان: الأول: أنه تعالى ذكر في الآية الأولى، أنه بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل فبين في هذه الآية أن ذلك الذي يخفونه هو أمر المعاد والحشر والنشر، وذلك لأنهم كانوا ينكرونه ويخفون صحته ويقولون ما لنا إلا هذه الحياة الدنيوية، وليس بعد هذه الحياة لا ثواب ولا عقاب. والثاني: أن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا الحشر والنشر، وقالوا: {إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} ٱبتداء وخبر و «إن» نافية «وَمَا نَحْنُ» «نحن» ٱسم «ما» و {بِمَبْعُوثِينَ} خبرها؛ وهذا ابتداء إخبار عنهم عما قالوه في الدنيا. قال ابن زيد؛ هو داخل في قوله: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} {وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} أي لعادوا إلى الكفر، واشتغلوا بلذة الحال. وهذا يحمل على المعاند كما بيّناه في حال إبليس، أو على أن الله يَلْبس عليهم بعدما عَرَفوا، وهذا شائع في العقل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالُواْ } أي منكرو البعث {ءانٍ } ما {هِىَ } أي الحياة {إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} هذا على تأويل الجمهور ابتداء كَلاَمٍ، وإخبار عنهم بهذه المَقَالَةِ، و «إن» نافية، ومعنى الآية عنهم التكذيب بالحَشْرِ والعَوْدَة إلى اللَّه. وقوله سبحانه: {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} الإشَارَةُ بهذا إلى البَعْثِ الذي كذبوا به في الدنيا، وقولهم: {بَلَىٰ وَرَبَّنَا} إيْمَانٌ، ولكنه حِينَ لا يَنْفَعُ. وقوله: {فَذُوقُواْ} استعارة بليغة، والمعنى بَاشِرُوهُ مُبَاشَرَةِ الذائق، و {بَغْتَةً} معناه: فجأة، تقول: بَغَتَنِي الأمر؛ أي: فجأني، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : وَلَكِنَّهُمْ بَانُوا وَلَمْ أَخْشَ بَغْتَةً وَأَفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَأُكَ البَغْتُ تفسير : ونصبها على المَصْدَرِ في موضع الحال. وقولهم: {قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} نداء الحَسَرَةِ على تَعْظِيمِ الأمر، وتشنيعه. و {فَرَّطْنَا} معناه: قَصَّرْنَا، والضمير في قوله: {فِيهَا} عائد على السَّاعَةِ؛ أي: في التَّقْدِمَةِ لها. قاله الحسن. ويحتمل أن يَعُودَ الضمير على الدنيا، إذ المعنى يَقْتَضِيهَا، ومجيء الظرفية أمكن. قلت: قال عَبد الحق في «العَاقِبَةِ»: لا يَعْرِفُ مِقْدَارَ الحياة إلا الموتى؛ لأنهم قد ظَهَرَتْ لهم الأمور، وانكشفت لهم الحَقَائِقُ، وتَبَدَّتْ لهم المَنَازِلُ، وعلموا مِقْدَارَ الأعمال الصَّالِحَةِ، ولما اسْتَبَانَ لهم ذلك، وعلموا مِقْدَارَ ما ضيعوا، وقيمة ما فيه فَرَّطُوا، نَدِمُوا وَأَسِفُوا، وودُّوا أنهم إلى الدنيا رَجَعُوا، فالذي عمل صالحًا ودَّ أن لو رَجَعَ إلى الدنيا لِيَزْدَادَ من عَمَلِهِ الصالح، ويكثر من تَجْرِهِ الرابح، والمُقَصِّرُ يَوَدُّ أنه لو رُدَّ ليستدرك ما فيه فَرَّطَ، وقد قال عليه السَّلاَمُ: «حديث : "ما مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إلاَّ نَدِمَ" قَالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ يا رسول اللَّه؟ قال: "إنْ كَانَ مُحْسِناً نَدِمَ ألاَّ يكون ازْدَادَ، وإن كَانَ مُسِيئاً نَدِمَ ألا يَكُونَ نَزَعَ"»تفسير : خرجه الترمذي. انتهى. وقوله تعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ} الواو واو الحَالِ، والأَوْزَارُ جمع وِزْر بكسر الواو، وهو الثّقْلُ من الذنوب، والوِزْرُ هنا تَجَوُّز وتَشْبِيهٌ بثقل الأَحْمَالِ. ومن قال: إنه من الوَزَرِ، وهو الجَبَلُ الذي يُلْجَأُ إلَيْهِ، فهو قول غير بَيِّنِ. وقال الطبري وغيره: هذا على جهة الحَقِيقَةِ، وَرَوَوْا في ذلك خَبَراً: أنَّ المُؤْمِنَ يَلْقَاهُ عمله في أَحْسَنِ صُورَةً وأَفْوَحِهَا فَيُسَلِّمُ عليه وَيَقُولُ طَالَ مَا رَكِبْتُكَ في الدُّنْيَا وَأَجْهَدْتُكَ، فَارْكَبْنِي اليَوْمَ. قال: فَيَحْمِلُهُ تِمْثَالُ العَمَلِ. وإن الكَافِرَ يَلْقَاهُ عَمَلَهُ في أَقْبَحِ صُورَةً وأَنْتَنِهَا فَيَشْتِمُهُ، ويقول: أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ طَالَ مَا رَكِبْتَنِي فِي الدُّنْيَا بِشَهَوَاتِكَ فَأَنا أرْكَبُك اليَوْمَ، قال: فيحمل تِمْثَالَ عَمَلِهِ الخَبِيثَ وَأَوْزَارَهُ على ظَهْرِهِ. قلت: والأحاديث الصحيحة في معنى ما ذَكَرَهُ الطبري كثيرةٌ كأحاديث مَانِعِي الزكاة، وغيرها. قال مكي: وروى المَقْبُرِيُّ عن أبي هريرة في حديث يرفعه، قال: «حديث : إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ بَعَثَ اللَّه مع كل امْرِىءٍ مُؤْمِنٍ عَمَلَهُ، وبَعَثَ مع الكافر عَمَلَهُ فلا يرى المُؤْمِنُ شَيْئاً يروعه، ولا شَيْئاً يُفْزِعُهُ ويخافه إلاَّ قَالَ له عَمَلُهُ: أَبْشِرْ بالَّذِي يَسُرُّكَ فَإنَّكَ لَسْتَ بِالَّذِي يُرَادُ بهذا. ولا يرى الكَافِر شَيْئاً يُفْزِعُهُ ويروعه ويَخَافُهُ إلا قال له عَمَلُهُ: أبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بالذي يَسُوءُكَ، فَوَاللَّهِ إنك لأنْتَ الذي تُرَادُ بهَذَا»تفسير : . انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَقَالُوۤاْ} هل هذه الجملة مَعْطُوفة على جواب "لو" والتقدير ولو رُدُّوا لعادوا [ولقالوا]، أو هي مُسْتأنَفَةٌ ليس دَاخِلَةٌ في خبر، أو هي معطوفة على قوله: {أية : وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون} تفسير : [الأنعام:28] ثلاثة أوجه: ذكر الزمخشري الوجهين الأوَّل والأخير، فإنه قال: "وقالوا" عطف على "لعادوا"، أي لو رُدُّوا لكفروا، ولقالوا: إن هي إلاَّ حياتنا الدنيا، كما كانوا يقولون قبل مُعايَنةِ القيامة، ويجوز أن يُعْطَفَ على قوله: "وإنهم لكاذبون" [على معنى: وإنهم لَقَوْمٌ كاذبون] في كل شيء. والوجه الأول منقول عن ابن زيد، إلاَّ أن ابن عَطِيَّة ردَّهُ فقال: وتوقِيفُ الله - تعالى - لهم في الآية بَعدها فيه دلالةٌ على البَعْثِ والإشارة إليه بقوله: "أليس هذا بالحقِّ" يردُّ على هذا التأويل، وقد يُجَابُ عن هذا باختلاف حالين: فإنَّ إقرارهم بالبعث حقيقة، إنما هو في الآخرة، وإنكارهم ذلك إنما هو في الدنيا بتقدير عَوْدهمْ إلى الدنيا، فاعترافهم به في الدار الأخرة غَيْرُ مُنَافٍ لإنكارهم إيَّاهُ في الدينا. قوله: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} "إن" نافية، و "هي" مبتدأ و"حَيَاتُنَا" خبرها، ولم يكتفوا بمجرد الإخبار بذلك حتى أبرزوها محصورةً في نفي وإثباتٍ، و"هي" ضمير مُبْهَمٌ يفسِّره خبره، أي: ولا نعلم ما يُرَادُ به إلاَّ بذكر خبره، وهو من الضمائر التي يفسِّرها ما بعدها لفظاً ورتبة وقد تقدم ذلك عند قوله: {أية : فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} تفسير : [البقرة:29] وكون هذا مما يفسره ما بعده لفظاً ورتبةً فيه نظر، إذ لقائل أن يقول: "هي" تعود على شيء دلَّ على سياقِ الكلام، كأنهم قالوا: إنَّ العادة المستمرة، أو إن حَالَتَنَا وما عَهِدْنَا إلاِّ حياتنا الدنيا، واستند هذا القائل إلى قول الزَّمخشري: "هذا ضميرٌ لا يُعْلَمُ ما يُرَادُ به إلاَّ بذكر ما بعده". ومثَّل الزمخشري بقول العرب "هِيَ النَّفْسُ تَتَحَمَّلُ ما حُمَّلَتْ" و"هي العرب تقول ما شاءت". وليس فيما قاله الزمخشري دَلِيلٌ على أن الخبر مُفَسِّرٌ للضمير. ويجوز أن يكون المعنى: إن الحَيَاة إلا حياتنا الدُّنْيَا، فقوله "إلا حياتنا الدنيا" دالٌّ على ما يُفَسِّرُ الضمير، وهو الحَيَاةُ مُطْلقاً، فصدق عليه أنه لا يعلم ما يُرَادُ به إلاَّ بذكر ما بعده من هذه الحَيْثِيَة لا من حيثيَّة التفسير، ويَدُلُّ على ما قلنا قول أبي البقاء - رحمه الله تعالى -: هي كِنَايَةٌ عن الحياة، ويجوز أن يكون ضمير القِصَّة. قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى -: أمَّا أوَّل كلامه فصحيح، وأمَّا آخره وهو قوله: "إن هي ضمير القصّة" فليس بشيء؛ لأن ضمير القصِّة لا يفسَّرُ إلاَّ بجملةٍ مُصَرَّحٍِ بجزْأيْهَا. فإن قيل: الكوفي يجوزُ تفسيره بالمفرد، فيكون نَحَا نَحْوهُمْ؟ فالجواب أنَّ الكوفيَّ إنما يُجَوِّزهُ بمفرد عامل عمل الفعل، نحو: "إنه قائم زيد" و"ظَنَنْتُهُ قائماً زيدٌ" لأنه في صورة الجملة إذ في الكلام مُسْنَدٌ ومُسْنَدٌ إليه. أما نحو "هو زيد" فلا يجيزه أحدٌ، على أن يكون "هو" ضمير شأن لا قصّة، والدنيا صفة الحياة، وليست صِفَةً مزيلةً اشتراكاً عارضاً، يعني: أن ثَمَّ حياةً غير دنيا يُقرُّون بها؛ لأنها لا يعرفون إلاَّ هذه، فيه صَفَةٌ لمجرد التوكيد، كذا قيل، ويعنون بذلك أنها لا مَفْهُومَ لها، وإلاَّ قحقيقةُ التوكيد غَيْرُ ظاهرةٍ بخلاف {أية : نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} تفسير : [الحاقة:13]. و"الباء" في قوله: "بمبعوثين" زائدةٌ لتأكيد الخبر المفني، ويحتمل مجرورها أن يكون مَنْصُوبَ المَحَلِّ على أنَّ "ما" هاهنا حجازيةٌ، أو مرفوعةٌ على أنها تميمية.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالُواْ} عطفٌ على (عادوا) داخلٌ في حيز الجواب، وتوسيطُ قولِه تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} بـينهما لأنه اعتراضٌ مَسوقٌ لتقرير ما أفاده الشرطيةُ من كذبهم المخصوصِ، ولو أُخِّر لأَوْهم أن المراد تكذيبُهم في إنكارهم البعثَ. والمعنى لو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نُهوا عنه وقالوا: {إِنْ هِىَ} أي ما الحياة {إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} بعدما فارقنا هذه الحياةَ كأن لم يرَوا ما رأَوا من الأحوال التي أولُها البعثُ والنشور {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ} الكلام فيه كالذي مر في نظيره، خلا أن الوقوفَ هٰهنا مجازٌ عن الجنس للتوبـيخ والسؤال كما يوقَفُ العبدُ الجاني بـين يدَيْ سيده للعقاب وقيل: عرَفوا ربَّهم حقَّ التعريف، وقيل: وُقفوا على جزاءِ ربهم، وقولُه تعالى: {قَالَ} استئناف مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام السابق كأنه قيل: فماذا قال لهم ربهم إذ ذاك؟ فقيل: قال: {أَلَيْسَ هَـٰذَا} مشيراً إلى ما شاهدوه من البعث وما يتبعه من الأمور العظام {بِٱلْحَقّ} تقريعاً لهم على تكذيبهم لذلك وقولِهم عند سماعِ ما يتعلق به ما هو بحقَ وما هو إلا باطلٌ {قَالُواْ} استئناف كما سبق {بَلَىٰ وَرَبّنَا} أكّدوا اعترافهم باليمين إظهاراً لكمال يقينهم بحقِّيته وإيذاناً بصدور ذلك عنهم بالرغبة والنشاط طمعاً في نفعه. {قَالَ} استئناف كما مر {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} الذي عاينتموه، والفاءُ لترتيب التعذيب على اعترافهم بحقية ما كفروا به في الدنيا لكن لا على أن مدارَ التعذيب هو اعترافُهم بذلك بل هو كفرُهم السابقُ بما اعترفوا بحقيته الآن كما نطق به قوله عز وجل: {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} أي بسبب كفركم في الدنيا بذلك أو بكل ما يجب الإيمانُ به فيدخل كفرُهم به دخولاً أولياً، ولعل هذا التوبـيخَ والتقريع إنما يقع بعد ما وُقفوا على النار فقالوا ما قالوا إذِ الظاهرُ أنه لا يبقىٰ بعد هذا الأمر إلا العذاب.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالوا} عطف على عادوا داخل فى حير الجواب {ان هى} اى ما الحياة فالضمير للحياة فان من الضمائر ما يذكر مبهما ولا يعمل ما يرجع اليه الا بذكر ما بعده {الا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} بعد ما فارقنا هذه الحياة كأن لم يروا ما رأوا من الاحوال التى اولها البعث والنشور.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقالوا} أي: الكفار في إنكار البعث: {إن هي} أي: الحياة {إلا حياتنا الدنيا} لا حياة بعدها، {وما نحن بمبعوثين}، قال جل جلاله: {ولو ترى إذ وُقفوا على ربهم}، كناية عن حبسهم للسؤال والتوبيخ، أو: وقفوا على قضاء ربهم بين عباده، وعرفوه حق التعريف، قال لهم الحق جل جلاله: {أليس هذا} الذي كنتم تُنكرونه، {بالحق قالوا بلى وربنا} إنه لحق، ولكنا كنا قومًا ضالين، وهو إقرار مؤكد باليمين، لانجلاء الأمر غاية الجلاء، قال تعالى لهم: {فذوقوا} أي: باشروا {العذاب بما كنتم تكفرون} أي: بسبب كفركم. {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله}، حيث فاتهم النعيم، واستوجبوا العذاب المقيم، والمراد بلقاء الله: البعث وما يتبعه. فاستمروا على التكذيب {حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة} أي: فجأة {قالوا يا حسرتنا} أي: يا هلكتنا {على ما فرطنا} أي: قصَّرنا {فيها} أي: في الحياة الدنيا، أو في الساعة، أي: في شأنها والاستعداد لها، {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم}، كناية عن تحمل الذنوب، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل: أنهم يحملونها حقيقة، وقد رُوِي: أن الكافر يركبه عمله، بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله، بعد أن يتصور له في أحسن صورة. قال تعالى في شأن الكفار: {ألا ساء ما يزرون} أي: بئس شيئًا يَزِرُونَهُ ويرتكبونه في الدنيا وزرهم هذا، الذي يتحملونه على ظهورهم يوم القيامة. وسبب هذا: الركون إلى دار الغرور ونيسان دار الخلود، ولذلك قال تعالى بإثره: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} أي: وما أعمالها إلا لعب ولهو، تُلهي الناس وتشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية، وما مدة بقائها مع ما يعقبها من الفناء إلاَّ كمدة اللعب واللهو، إذ لا طائل تحته لمن لم يعمر أوقاتها بطاعة ربه، {وللدار الآخرة خير للذين يتقون}؛ لدوامها وخلوص نعيمها وصفاء لذاتها، {أفلا تعقلون} أيّ الأمرين خير، هل دار الخراب والفناء، أو دار النعيم والبقاء، وفي قوله: {للذين يتقون}: تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين كله لعب ولهو. الإشارة: إذا كمل نور العقل حصل لصاحبه التمييز بن الحق والباطل، وبين الضار والنافع، فنظر بعين اعتباره إلى الدنيا، فوجدها ذاهبة فانية، ونظر إلى الآخرة، فرآها مقبلة باقية دائمة، فصدف عن الدنيا مُوليًا، وأعرض عن زهرتها مدبرًا، وأقبل بكليته إلى مولاه، غائبًا عن كل ما سواه، فجعل الموت وما بعده نصب عينيه، وخلف الدنيا وراء ظهره أو تحت قدميه. وفي الحِكم: "لو أشرق نور اليقين في قلبك، لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت الدنيا، وكسفَةُ الفناء ظاهرة عليها" وقال بعض الحكماء: ( لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والأخرة من طين يبقى، لاختار العاقل ما يبقى على ما يفنى، ولا سيما والأمر بالعكس، الدنيا من طين يفنى؛ والآخرة من ذهب يبقى). فلا يختار هذه الدار إلا من لا عقل له أصلاً. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدُّنيا دَارُ مَن لا دَار لَه، وَمَالُ مَن لا مَالَ لَهُ، لَهَا يَجَمعُ مَن لاَ عَقل لَهُ، وعلَيها يُعَادى مَن لا عِلم عِنده " تفسير : أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم على ما لقي من قومه، فقال: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية عن الكفار الذين ذكرهم في الآية الاولى، وبين أنهم قالوا لما دعاهم النبي (صلى الله عليه وسلم) الى الايمان والاقرار بالبعث والنشور وخوفهم من العقاب في خلافه، وحذرهم عذاب الآخرة والحشر والحساب على سبيل الانكار لقوله والتكذيب له {ما هي إلا حياتنا الدنيا} وعنوا أنه لا حياة لنا في الآخرة على ما ذكرت، وانما هي هذه حياتنا التي حيينا بها في الدنيا وانا لسنا بمبعوثين الى الآخرة بعد الموت. ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وسلم) فقال {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} يعني على ما وعدهم ربهم من العذاب الذي يفعله بالكفار في الآخرة والثواب الذي يفعله بالمؤمنين، وعرفوا صحة ما كان اخبرهم به من الحشر والحساب. وقال لهم ربهم عند مشاهدتهم ووقوفهم عليه {أليس هذا بالحق؟ قالوا بلى وربنا} مقرين بذلك مذعنين له وان كانوا قبل ذلك في الدنيا ينكرونه، قال حينئذ {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} بذلك. ويحتمل أن يكون معنى {إذ وقفوا على ربهم} أنهم حبسوا ينتظر بهم ما يأمر كقول القائل: احبسه على أمره به. وقد ظن قوم من المشبهة أن قوله {إذ وقفوا على ربهم} أنهم يشاهدونه، وهذا فاسد، لان المشاهدة لا تجوز الا على الاجسام أو على ما هو حال في الاجسام، وقد ثبت حدوث ذلك أجمع، فلا يجوز أن يكون تعالى بصفة ما هو محدث. وقد بينا أن المراد بذلك: وقوفهم على عذاب ربهم وثوابه، وعلمهم بصدق ما أخبرهم به في دار الدنيا دون أن يكون المراد به رؤيته تعالى ومشاهدته، فبطل ما ظنوه، وايضا فلا خلاف أن الكفار لا يرون الله، والآية مختصة بالكافرين فكيف يجوز أن يكون المراد بها الرؤية! فلا بد للجمع من التأويل الذي بيناه. ويجوز ان يكون المراد بذلك اذا عرفوا ربهم، لانه سيعرفهم نفسه ضرورة في الآخرة، وتسمى المعرفة بالشىء وقوفا عليه يقول القائل: وقفت على معنى كلامك، والمعنى علمته، واذا كان الكفار لا يعرفون الله في الدنيا وينكرونه، عرفهم الله نفسه ضرورة، فذلك يكون وقوفهم عليه، فاذا عرفوه قال لهم {أليس هذا بالحق} يعني ما وعدهم به، فيقولون {بلى} لانهم شاهدوا العقاب والثواب ولم يشكوا فيهما.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالُوۤاْ} عطف على عادوا او عطف على يقول الّّذين كفروا والاختلاف بالمضىّ للاشارة الى انّ ذلك قولهم قديماً وجديداً، او استيناف لذمٍّ اخر وبيان عقوبة اخرى وهو انسب بما بعده من قوله ولو ترى اذ وقفوا على ربّهم يعنى تكذيبهم بالبعث يقتضى احضارهم عند الله بأفضح حال وتكذيبهم بالآيات يقتضى دخولهم فى النّار بأشدّ عذاب {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} كما يوقف العبد الجانى على مولاه للمؤاخذة والرّبّ المضاف هو ربّهم فى الولاية وهو امير المؤمنين (ع) وقد قال فى بعض كلامه (ع): واياب الخلق الىّ وحسابهم علىّ، وقد مضى فى مطاوى ما سبق بيان عدم تجاوز الخلق عن المشيّة الّتى هى الولاية وانّها مبدء الكلّ ومنتهاه {قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} تعييراً لهم على تكذيب البعث {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا} لظهوره ولذا اكّدوا الجواب بالقسم تأكيداً للازم الحكم الّذى هو علمهم بالحكم {قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} بربّكم الّذى هو علىّ (ع).

الأعقم

تفسير : {ولو ترى} يا محمد {إذ وقفوا} مجاز عن الحسن للتوبيخ، كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاقبه، وقيل: وقفوا على جزاء ربهم، وقيل: عرفوا حق التعريف {قال أليس هذا بالحق} وهذا تعييراً من الله لهم على الكذب، بقولهم لما كانوا يسمعون من البعث والجزاء: ما هو بحق وما هو إلا باطل {قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} بلقاء الله تعالى، قوله تعالى: {قد خسر} قد غبن وهلك {الذين كذبوا بلقاء الله} يعني بالبعث بعد الموت {حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة} يعني فجأة {قالوا يا حسرتنا على ما فرَّطنا فيها} يعني على ما فرطنا في الدنيا من طاعة الله، ومنه ما فرطت في جنب الله {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} آثامهم وأثقالهم كقوله تعالى: {أية : فبما كسبت أيديكم} تفسير : [الشورى: 30] والأوزار عبارة عن جملة الذنوب {ألا ساء ما يزرون} بئس شيئاً يزرون وزرهم كقوله تعالى: {ساء مثلاً القوم}، وقيل: المؤمن إذا خرج من قبره جاءه عمله فيركب ظهر الكافر، والوزر الثقيل من الإِثم، وجمعه أوزار، ومنه حتى تضع الحرب أوزارها أي أثقالها، قوله تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} يعني أن أعمال الدنيا لعب ولهو واشتغال بما لا يغني ولا ينفع كما ينفع أعمال الآخرة المنافع العظيمة {وللدار الآخرة خير للذين يتقون} دليل على أن ما سوى أعمال المنافقين لعب ولهو {قد نعلم أنه ليحزنك} بفتح الياء وضمها و{الذي يقولون} هو قولهم هو ساحر كذاب {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} يعني أن تكذيبك أمر راجع الى الله تعالى لأنك رسوله المصدق بالمعجزات فهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله تعالى بجحود آياته، وقيل: لا يكذبونك بقولهم ولكنهم يجحدون بألسنتهم، وقيل: لأنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق ولكنهم كانوا يجحدون بآيات الله تعالى، وعن ابن عباس: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شيء ولكنهم كانوا يجحدون، وكان أبو جهل يقول: ما نكذبك ولكن نكذب بما جئتنا به، وقيل: نزلت الآية في أبي جهل حين قال له الأخنس: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا أحدٌ غيرنا؟ فقال: والله ان محمداً لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فنزلت، وقيل: نزلت في الحرث بن عباس بن نوفل بن عبد مناف وكان يكذب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في العلانية فإذا خلى بأهله قال: ما محمد بأهل للكذب، ويقول للنبي: إنك لصادق وانا لا نتبعك خوفاً من العرب، وقيل: نزلت في المشركين، وقيل: في أهل الكتاب، قوله تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك} الآية تسلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {فصبروا على ما كذبوا وأوذوا} يعني صبروا على تكذيبهم وإيذائهم {ولا مبدل لكلمات الله} يعني لمواعيده {ولقد جاءك من نبإِ المرسلين} يعني بعض أنبائهم وقصصهم وما كابدوا من مصابرة المشركين.

اطفيش

تفسير : {وقالُوا} عطف قصة على أخرى، لأن هذا القول فى الدنيا قبل الموت والمعطوف عليه هو قوله: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} أو هو قوله: {وإنَّهم لكاذبون} وقيل: عطف على قوله: {لعادوا} فيكون هذا القول مقدراً منهم فى الدنيا لو عادوا إليها بعد الموت، ولا يصح أن يكون معطوفاً على نهوا، لأن نهوا صلة، والمعطوف على الصلة لا بد له من ربط، ولو بفاء السببية ولا رابط فى قالوا، وإن ادعى أن قالوا صلة لموصول محذوف، أى ولما قالوا فتكلف مع أنهُ أيضا لا رابط بين قالوا والموصول المقدر، وإن ادعى تقدير ما الموصولة الحرفية، فيعطف المصدر على ما أى لعادوا لما نهوا عنه، ولقولهم فتكلف أيضا. {إْن هِىَ} أى مطلق الحياة. {إلا حَياتُنا الدُّنيا وما نَحْن بمبْعُوثين} فالمعنى على عطف قالوا على عادوا أنهم لو ردوا إلى الدنيا لأنكروا البعث أيضا، كما أنكروه قبل الموت، وبه قال زيد بن أسلم، وهذا لا يليق بمن لم ينكر البعث فى الدنيا، فهو مصروف إلى أهل الكتاب، ولا بأس بسوق الكلام مجملا فى بعض الأمر ومصروف إلى بعض فى بعض الأمر الآخر، أو تعبر أيضا أن أهل الكتاب منكرون البعث، لأن النصارى يقولون: تبعث الأرواح فقط، واليهود يقولون: نمكث فى النار أربعين يوماً أو مقداراً مخصوصا، والأمر غير ذلك، فكان إنكاراً لما هو شأن البعث الحقيقى.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُوا} أَى منكرو البعث، عطف على عادوا فمعنى لو متسلطة عليه، كأَنه قيل: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولقالوا كما قال قبل معاينة العذاب، وأجيز عطفها على نهوا والعائد محذوف، أَى قالوه، أَو على كاذبون، أَو على إِنهم لكاذبون، على أَن قوله إِنهم لكاذبون كلام لهم فى الدنيا قبل الموت، وأَما على أَنه فيما بعد الموت والرد لو كان الرد فداخل فى حيز لو ليكون عطف خاص على عام، فإِن ما ذكر الله عنهم من قوله {إِنْ هِىَ} أَى الحياة المعهودة فى الأَذهان ذكرت مبهمة، وفسرت فى قوله {إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} القريبة الزوال أَو الدنيئة أَو المتقدمة على الآخرة {وَمَا نَحْنُ بَمَبْعُوثِينَ} من جملة ما نهو عنه.

الالوسي

تفسير : {وَقَالُواْ} عطف على (عادوا) كما عليه الجمهور. واعترضه ابن الكمال بأن حق { أية : وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } تفسير : [الأنعام: 28] حينئذٍ أن يؤخر عن المعطوف أو يقدم على المعطوف عليه. وأجيب بأن توسيطه لأنه اعتراض مسوق لتقرير ما أفادته الشرطية من كذبهم المخصوص ولو أخر لأوهم أن المراد تكذيبهم في إنكارهم البعث. وجوز أن يكون عطفاً على {إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} أو على خبر إن أو على { أية : نُهُواْ } تفسير : [الأنعام: 28] والعائد محذوف أي قالوه، وأن يكون استئنافاً بذكر ما قالوا في الدنيا. {إِنْ هِىَ } أي ما هي {إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } والضمير للحياة المذكورة بعده كما في قول المتنبـي: شعر : هو الجد حتى تفضل العين أختها وحتى يكون اليوم لليوم سيداً تفسير : وقد نصوا على صحة عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة في مواضع، منها ما إذا كان خبر الضمير مفسراً له كما هنا. وجعله بعضهم ضمير الشأن. ولا يتأتى على مذهب الجمهور لأنهم اشترطوا في خبره أن / يكون جملة. وخالفهم في ذلك الكوفيون فقد حكي عنهم جواز كون خبره مفرداً إما مطلقاً أو بشرط كون المفرد عاملاً عمل الفعل كاسم الفاعل نحو إنه قائم زيد بناءً على أنه حينئذٍ يسد مسد الجملة. وقيل ـ وفيه بعد ـ: يحتمل أن يكون الضمير المذكور عبارة عما في الذهن وهو الحياة والمعنى إن الحياة إلا حياتنا التي نحن فيها. وهو المراد بقولهم: (الدنيا) لا القريبة الزوال أو الدنيئة أو المتقدمة على الآخرة كما يقول المؤمنون إذ كل ذلك خلاف الظاهر لا سيما الأخير. {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} أي إذا فارقتنا هذه الحياة أصلاً.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون عطفاً على قوله {أية : لعادوا لما نُهوا عنه}تفسير : [الأنعام: 28] فيكون جواب {لوْ}، أي لو ردّوا لكذّبوا بالقرآن أيضاً، ولكذّبوا بالبعث كما كانوا مدّة الحياة الأولى. ويجوز أن تكون الجملة عطفت على جملة {أية : يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأولين}تفسير : [الأنعام: 25]، ويكون ما بين الجملتين اعتراضاً يتعلّق بالتكذيب للقرآن. وقوله {إنْ هي} (إن) نافية للجنس، والضمير بعدها مبهم يفسّره ما بعد الاستثناء المفرّغ. قصد من إبهامه الإيجاز اعتماداً على مفسّره، والضمير لمّا كان مفسّراً بنكرة فهو في حكم النكرة، وليس هو ضمير قصّة وشأن، لأنّه لا يستقيم معه معنى الاستثناء، والمعنى إنْ الحياةُ لنا إلاّ حياتُنا الدنيا، أي انحصر جنس حياتنا في حياتنا الدنيا فلا حياة لنا غيرها فبطلت حياة بعد الموت، فالاسم الواقع بعد {إلاّ} في حكم البدل من الضمير. وجملة: {وما نحن بمبعوثين} نفي للبعث، وهو يستلزم تأكيد نفي الحياة غير حياة الدنيا، لأنّ البعث لا يكون إلاّ مع حياة. وإنّما عطفت ولم تفصل فتكونَ موكّدة للجملة قبلها لأنّ قصدهم إبطال قول الرّسول صلى الله عليه وسلم أنّهم يحْيون حياة ثانية، وقولَه تارة أنّهم مبعوثون بعد الموت، فقصدوا إبطال كلّ باستقلاله.

د. أسعد حومد

تفسير : (29) - وَلَوْ رُّدوا إِلَى الدُّنْيا، لَعَادُوا إِلَى قَوْلِ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ مِنْ قَبْلُ، فِي الدُّنْيا: إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيا، وَلاَ مَعَادَ بَعْدَهَا وَلاَ رَجْعَةَ إِلَى اللهِ، وَلا حَشْرَ بَعْدُ، وَلاَ حِسَابَ.

الثعلبي

تفسير : {وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} فيه تقديم وتأخير، وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا من قولهم: لو ردوا لقالوا {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} بعد الموت {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} قيل: على حكم اللّه [......] فهم [وتكلمنا اليدين] بأمر اللّه {قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا} العذاب {بِٱلْحَقِّ * قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا} إنّه حق {قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}. أي بكفركم {قَدْ خَسِرَ} وكس وهلك {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} بالبعث بعد الموت {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ} القيامة، {بَغْتَةً} فجأة {قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا} ندامتنا {عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا} قصرّنا {فِيهَا} في الطامة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة. وقال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك إنه لما تبين لهم خسران صفقتهم بيعهم الإيمان بالكفر والدنيا بالآخرة، قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها، أي في الصفقة فترك ذكر الصفقة كما يقول {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} لأن الخسران لا يكون إلاّ في صفقة بيع. قال السدي: يعني على ما ضيعنا من عمل الجنة، يدل عليه ما روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: "حديث : يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا" تفسير : {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ} آثامهم وأفعالهم. قال أبو عبيد: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: إحمل وزرك ووزرتك واشتقاقه من الوزر الذي يعتصم به ولهذا قيل: وزر لأنّه كأنّه الذي يعتصم به الملك أو النبي ومنه قوله تعالى {أية : وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي} تفسير : [طه: 29-30] {عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ}. قال السدي وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيب ريحاً، يقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، إلاّ أن اللّه عز وجل قد طيب ريحك وحسّن صورتك، فيقول: كذلك كتب في الدنيا أنا عملك الصالح طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني اليوم أنت. وقرأ {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} تفسير : [مريم: 85] أي ركباناً، فإن الكافر تستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلاّ أن اللّه عز وجل قد قبح صورتك وأنتن ريحك، فيقول: لما كان عملك في الدنيا، أنا عملك السيء طالما ركبتني في المساء فأنا أركبك اليوم وذلك قوله {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ}. قال الزجاج: لا يزر إليهم أوزارهم، كما يقول الضحّاك: نصب عيني وذكرك محيي قلبي {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} أي يحملون ويعملون {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} باطل وغرور لا يبقى، وهذا تكذيب من اللّه للكفار في قولهم {أية : وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الجاثية: 24] الآية {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} قرأتها العامة رفعاً على نعت الواو، وإضافة أهل الشام لاختلاف اللفظين كقوله: ربيع الأول، ومسجد الجامع {أية : وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} تفسير : [ق: 9] سميت الدنيا لدنوّها، وقيل: لدناءتها وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} من الشرك {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي الآخرة أفضل من الدنيا {نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ} الآية. قال السدي: إلتقى الأخفش بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخفش لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس ها هنا أحد يسمع. كلامك غيري؟ فقال له أبو جهل: واللّه إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية. وقال أبو يزيد المدني: حديث : لقي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أبا جهل فصافحه فلقيه بعض شياطينه فقال له: يأتيك تصافحه؟ قال: واللّه إني أعلم إنه لصادق ولكنا متى كنا تبعاً لعبد مناف، فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية . تفسير : وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم ما نتهمك ولا نكذبك ولكن نتهم الذي جئت به ونكذبه، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي كان يكذب النبي صلى الله عليه وسلم في العلانية فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب فلا أحسبه إلاّ صادقاً، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا لنعلم إن الذي له حق وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلاّ مخافة أن يتخلفنا البأس من أرضنا يعني العرب فإنا [ثمن] أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ} بأنك كاذب وساحر ومجنون {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ} أي لا ينسبونك إلى الكذب ولا يقولون لك: كذبت. وقرأ نافع والكسائي: يكذبونك بالتخفيف وهي قراءة علي رضي الله عنه يعني: ولا يجدونك كاذباً، يقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها وأحييتها وأهجتها إذا وجدتها جدبة وخصبة ويعيدوا ناتجة للنبات. قال رؤبة: شعر : وأهيج الخلصاء من ذات البرق تفسير : أي وجدتها ناتجة للنبات. قال الكسائي: يقول العرب: أكذبت الرسل إذا أخبرت إنه قول الكذب فرواه وكذبته إذا أجزت إنه كاذب {وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} [تسلية نبيه] يقولون: كذبهم قومهم كما كذبتك قريش {فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} قال الكلبي: يعني القرآن. وقال عكرمة: يعني قوله {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا} تفسير : [الصافات: 171] {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} إلى قوله: {الْغَالِبُونَ} وقوله: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [غافر: 51] وقوله تعالى {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} تفسير : [المجادلة: 21] العدل يعني لأخلفهما لعذابه {وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ} من قبل كما يقول: أصابنا من مطر أي مطر. {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} قال الكلبي: قال الحرث بن عامر: يا محمد إئتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي بها فإن أتيت بها آمنا بك وصدقناك، فأبى اللّه أن يأتيهم بها فأعرضوا عنه وكبر عليه صلى الله عليه وسلم فأنزل اللّه عز وجل {وَإِن كَانَ كَبُرَ} عظم وضاق {عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} عنك {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ} تطلب وتتخذ {نَفَقاً} سرباً {فِي ٱلأَرْضِ} مثل نافقا اليربوع وهو أحد حجرته فيذهب فيه {أَوْ سُلَّماً} درجاً ومصعداً إليّ {فِي ٱلسَّمَآءِ} يصعد فيه. قال الزجاج: السلم من السلامة وهو الذي يسلمك إلى مصعدك {فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} فافعل { وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} فآمنوا كلّهم {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} أن يؤمن بك بعضهم دون بعض وإن اللّه لو شاء لجمعهم على الهدى، وإن من يكفر إنما يكفر بسائر علمه فيه.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنهم لم يأخذوا في أثناء حياتهم الإيمان كإيمان استدلال بكوْن منظم مرتب محكم التكوين، إنهم لم يلتفتوا إلى أن هذا النظام أو الإحكام والترتيب موجود في علاقات البشر بعضهم ببعض سواء أكانوا مؤمنين أم ملاحدة، ونعلم أن هناك صفات يشترك في كراهتها كل الناس مؤمنهم وملحدهم؛ فالملحد إن سرق من زميله، ألا يعاقب؟ إنه يتلقى العقاب من مجتمعه، وفي كل المجتمعات هناك ثواب وعقاب، بل هناك جزاء بإحسان. والإيمان لا يمنع أن يصطلح الناس على شيء من الإحسان، والمحرومون من الإيمان تلجئهم الأحداث أن يضعوا القانون لينظموا الثواب والعقاب. إننا نجد أن تجريم المخالف للخير والجمال وإصلاح الكون هو أمر فطري وضروري للإنسان؛ فهم يجرمون أفعال السوء بعد أن تعضهم الأحداث ولا يلتفتون إلى أن المنهج السماوي جاء بالثواب والعقاب على كل فعل يحمي كرامة الإنسان. ويوم القيامة يقفون في صَغار وفي اضطرار ليروا ما فعلوا: {أية : بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [الأنعام : 28]. فهم لو رُدُّوا إلى الدنيا بما كان لهم فيها من اختيار فسيفعلون مثلما فعلوا، ولم يقولوا مثل هذا القول في اليوم الآخر إلا أنهم مقهورون. وكانوا من قبل يقولون: {وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: 29]. ففي دنياهم كانوا لا يؤمنون إلا بحياة واحدة هي الدنيا. ولم يلتفتوا إلى أن الإنسان يحيا في الدنيا على قدر قوته، وويل للضعيف من القوي. والقوي إنما يخاف من قانون يعاقبه، أو يخاف من إله سيعاقبه على الذنب مهما أخفاه، ولذلك نجد القاضي المؤمن يقول دائماً: لئن عمَّيتم على قضاء الأرض، فلا تعمّوا على قضاء السماء. ومن غباء أهل الكفر أنهم يسمون الحياة على الأرض "الحياة الدنيا" وهي في حقيقتها دنيا، وما داموا قد حكموا وعرفوا أنها "دنيا" فلا بد أن يقابلها حياة عليا. إنّ كل ذلك يحدث لهم عندما يقفون على النار، والنار جند من جنود الجبار، فما بالك بهم حين يقفون أمام خالق النار ورب العالمين؟ ويقول الحق سبحانه: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ...}