٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الكفار عند نزول الشدائد يرجعون إلى الله تعالى، ثم بين في هذه الآية أنهم لا يرجعون إلى الله عند كل ما كان من جنس الشدائد، بل قد يبقون مصرين على الكفر منجمدين عليه غير راجعين إلى الله تعالى، وذلك يدل على مذهبنا من أن الله تعالى إذا لم يهده لم يهتد، سواء شاهد الآيات الهائلة، أو لم يشاهدها، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية محذوف والتقدير: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً فخالفوهم فأخذناهم بالبأساء والضراء، وحسن الحذف لكونه مفهوماً من الكلام المذكور. وقال الحسن (البأساء) شدة الفقر من البؤس (والضراء) الأمراض والأوجاع. ثم قال: {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } والمعنى: إنما أرسلنا الرسل إليهم وإنما سلطنا البأساء والضراء عليهم لأجل أن يتضرعوا. ومعنى التضرع التخشع وهو عبارة عن الانقياد وترك التمرد، وأصله من الضراعة وهي الذلة، يقال ضرع الرجل يضرع ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف، والمعنى أنه تعالى أعلم نبيه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا، والمقصود منه التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: أليس قوله {بَلْ إِيَّـٰهُ تَدْعُونَ } يدل على أنهم تضرعوا؟ وههنا يقول: قست قلوبهم ولم يتضرعوا. قلنا: أولئك أقوام، وهؤلاء أقوام آخرون. أو نقول أولئك تضرعوا لطلب إزالة البلية ولم يتضرعوا على سبيل الاخلاص لله تعالى فلهذا الفرق حسن النفي والاثبات. ثم قال تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } معناه نفي التضرع. والتقدير فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا. وذكر كلمة (لولا) يفيد أنه ما كان لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوتهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم والله أعلم. المسألة الثانية: احتج الجبائي بقوله {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } فقال: هذا يدل على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم، وإنما سلّط البأساء والضرّاء عليهم، لإرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا، وذلك يدل على أنه تعالى أراد الإيمان والطاعة من الكل. والجواب: أن كلمة (لعل) تفيد الترجي والتمني؛ وذلك في حق الله تعالى محال وأنتم حملتموه على إرادة هذا المطلوب، ونحن نحمله على أنه تعالى عاملهم معاملة لو صدرت عن غير الله تعالى لكان المقصود منه هذا المعنى، فأما تعليل حكم الله تعالى ومشيئته فذلك محال على ما ثبت بالدليل. ثم نقول إن دلت هذه الآية على قولكم من هذا الوجه فإنها تدل على ضد قولكم من وجه آخر، وذلك لأنها تدل على أنهم لم يتضرعوا لقسوة قلوبهم ولأجل أن الشيطان زين لهم أعمالهم. فنقول: تلك القسوة إن حصلت بفعلهم احتاجوا في إيجادها إلى سبب آخر ولزم التسلسل، وإن حصلت بفعل الله فالقول قولنا، وأيضاً هب أن الكفار إنما أقدموا على هذا الفعل القبيح بسبب تزيين الشيطان، إلا أن نقول: ولم بقي الشيطان مصراً على هذا الفعل القبيح؟ فإن كان ذلك لأجل شيطان آخر تسلسل إلى غير النهاية، وإن بطلت هذه المقادير انتهت بالآخرة إلى أن كل أحد إنما يقدم تارة على الخير وأخرى على الشر، لأجل الدواعي التي تحصل في قلبه، ثم ثبت أن تلك الدواعي لا تحصل إلا بإيجاد الله تعالى فحينئذ يصح قولنا ويفسد بالكلية قولهم، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} الآية تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيه إضمار؛ أي أرسلنا إلى أُممٍ مِن قبلك رسلاً، وفيه إضمار آخر يدل عليه الظاهر؛ تقديره: فكذبوا فأخذناهم. وهذه الآية متصلة بما قبل ٱتصال الحال بحال قريبة منها؛ وذلك إن هؤلاء سلكوا في مخالفة نبيهم مسلك من كان قبلهم في مخالفة أنبيائهم، فكانوا بعرض أن ينزِل بهم من البلاء ما نزل بمن كان قبلهم. ومعنى {بِٱلْبَأْسَآءِ} بالمصائب في الأموال {وَٱلضَّرَّآءِ} في الأبدان؛ هذا قول الأكثر، وقد يوضع كل واحد منهما موضع الآخر؛ ويؤدّب الله عباده بالبأساء والضراء وبما شاء {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}. قال ٱبن عطية: ٱستدل العُبَّادُ في تأديب أنفسهم بالبأساء في تفريق الأموال، والضراء في الحمل على الأبدان بالجوع والعُري بهذه الآية. قلت: هذه جهالة ممن فعلها وجعل هذه الآية أصلاً لها؛ هذه عقوبة من الله لمن شاء من عباده أن يمتحنهم بها، ولا يجوز لنا أن نمتحن أنفسنا ونكافئها قياساً عليها؛ فإنها المطية التي نبلغ عليها دار الكرامة، ونفوز بها من أهوال يوم القيامة؛ وفي التنزيل { أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً } تفسير : [المؤمنون: 51] وقال: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ } تفسير : [البقرة: 267]. { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } تفسير : [البقرة: 172] فأمر المؤمنين بما خاطب به المرسلين؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون الطيبات ويلبسون أحسن الثياب ويتجملون بها؛ وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرا، على ما تقدّم بيانه في «المائدة» وسيأتي في «الأعراف» من حكم اللباس وغيره؛ ولو كان كما زعموا واستدلوا لما كان في ٱمتنان الله تعالىٰ بالزروع والجنات وجميع الثمار والنبات والأنعام التي سخرها وأباح لنا أكلها وشرب ألبانها والدفء بأصوافها ـ إلى غير ذلك مما ٱمتن به ـ كبير فائدة، فلو كان ما ذهبوا إليه فيه الفضل لكان أولىٰ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم من التابعين والعلماء، وقد تقدّم في آخر «البقرة» بيان فضل المال ومنفعته والردّ على من أَبَى من جَمْعه؛ وقد: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال مخافة الضّعف على الأبدان، ونهى عن إضاعة المال ردّاً على الأغنياء الجهال. قوله تعالىٰ: {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} أي يدعون ويذلّون، مأخوذ من الضراعة وهي الذلّة؛ يُقال: ضَرَع فهو ضارع.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ} أي قَبْلَكَ، وَمن زائدة. {فَأَخَذْنَـٰهُمْ} أي فكفروا وكذبوا المرسلين فأخذناهم. {بِٱلْبَأْسَاء} بالشدة والفقر. {وَٱلضَّرَّاء} والضر والآفات وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما. {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} يتذللون لنا ويتوبون عن ذنوبهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن } زائدة {قَبْلِكَ } رسلاً فكذبوهم {فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَاءِ } شدّة الفقر {وَٱلضَّرَّاءِ } المرض {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } يتذللون فيؤمنون.
ابن عطية
تفسير : في الكلام حذف يدل عليه الظاهر تقديره فكذبوا فأخذناهم، ومعناه لازمناهم وتابعناهم الشيء بعد الشيء، "البأساء" المصائب في الأموال، {والضراء} في الأبدان، هذا قول الأكثر، وقيل قد يوضع كل واحد بدل الآخر، ويؤدب الله تعالى عباده {بالبأساء والضراء}, ومن هنالك أدب العباد نفوسهم بالبأساء في تفريق المال، والضراء في الحمل على البدن في جوع وعري، والترجي في "لعل" في هذا الموضع إنما هو على معتقد البشر لو رأى أحد ذلك لرجا تضرعهم بسببه، والتضرع التذلل والاستكانة، وفي المثل أن الحمى أضرعتني لك، ومعنى الآية توعد الكفار وضرب المثل لهم، و "لولا" تحضيض، وهي التي تلي الفعل بمعنى هلا، وهذا على جهة المعاتبة لمذنب غائب وإظهار سوء فعله مع تحسر ما عليه، والمعنى إذ جاءهم أوائل البأس وعلاماته وهو تردد البأساء والضراء، و {قست} معناه صلبت وهي عبارة عن الكفر ونسب التزيين إلى الشيطان وقد قال تعالى في آية أخرى {أية : كذلك زينا لكل أمة عملهم} تفسير : [الأنعام:108] لأن تسبب الشيطان ووسوسته تجلب حسن الفكر في قلوبهم، وذلك المجلوب الله يخلقه، فإن نسب إلى الله تعالى فبأنه خالقه وإلى الشيطان فبأنه مسببه. وقوله تعالى: {فلما نسوا} الآية، عبر عن الترك بالنسيان إذا بلغ وجوه الترك الذي يكون معه نسيان وزوال المتروك عن الذهن، وقرأ ابن عامر فيما روي عنه "فتّحنا" بتشديد التاء، و {كل شيء} معناه مما كان سد عليهم بالبأساء والضراء من النعم الدنياوية، فهو عموم معناه خصوص، و {فرحوا} معناه بطروا وأشروا وأعجبوا وظنوا أن ذلك لا يبيد وأنه دال على رضى الله عنهم، وهو استدرجهم من الله تعالى، وقد روي عن بعض العلماء أنه قال: رحم الله عبداً تدبر هذه الآية {حتى إذا فرحوا با أوتوا أخذناهم بغتة} وقال محمد بن النضير الحارثي: أمهل القوم عشرين سنة، وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا رأيتم الله يعطي العباد ما يشاؤون على معاصيهم فذلك استدراج تفسير : ثم تلا {فلما نسوا} الآية كلها، و {أخذناهم}، وهو مصدر في موضع الحال لا يقاس عليه عند سيبويه، و "المبلس" الحزين الباهت اليائس من الخير الذي لا يحير جواباً لشدة ما نزل به من سوء الحال، وقوله تعالى: {فقطع دابر القوم} الآية، "الدابر" آخر الأمر الذي يدبره أي يأتي من خلفه، ومنه قول الشاعر [أمية بن أبي الصلت] [البسيط] شعر : فَأُهلِكُوا بعذابٍ حصَّ دَابِرَهُمْ فما استطاعُوا لَهُ دَفْعاً ولا انْتَصَرُوا تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : وَقَدْ زَعَمتْ علْيا بَغِيضٍ وَلَفُّها بَأني وَحِيدٌ قَدْ تَقَطَّع دابري تفسير : وهذه كناية عن استئصال "شأفتهم" ومحو آثارهم كأنهم وردوا العذاب حتى ورد آخرهم الذي دبرهم وقرأ عكرمة "فقَطَع" بفتح القاف والطاء "دابرَ" بالنصب، وحسن الحمد عقب هذه الآية لجمال الأفعال المتقدمة في أن أرسل الرسل وتلطف في الأخذ بالبأساء والضراء ليتضرع إليه فيرحم وينعم، وقطع في آخر الأمر دابر الظلمة، وذلك حسن في نفسه ونعمة على المؤمنين فحسن الحمد يعقب هذه الأفعال، وبحمد الله ينبغي أن يختم كل فعل وكل مقالة لا رب غيره.
النسفي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ } رسلاً فالمفعول محذوف فكذبوهم {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء } بالبؤس والضر، والأول القحط والجوع والثاني المرض ونقصان الأنفس والأموال {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون عن ذنوبهم فالنفوس تتخشع عند نزول الشدائد. {فَلَوْلا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } أي هلا تضرعوا بالتوبة ومعناه نفي التضرع كأنه قيل: يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ولكنه جاء بـ «لولا» ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } فلم يزجروا بما ابتلوا به {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ } وصاروا معجبين بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ } من البأساء والضراء أي تركوا الاتعاظ به ولم يزجرهم {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوٰبَ كُلِّ شَيْءٍ } من الصحة والسعة وصنوف النعمة {فَتَحْنَا } شامي {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ } من الخير والنعمة {أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } آيسون متحسرون وأصله الإطراق حزناً لما أصابه أو ندماً على مافاته و «إذا» للمفاجأة {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } أي أهلكوا عن آخرهم ولم يترك منهم أحد {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة وأنه من أجل النعم وأجزل القسم، أو احمدوا الله على إهلاك من لم يحمد الله. ثم دل على قدرته وتوحيده بقوله {قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ } بأن أصمكم وأعماكم {وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ } فسلب العقول والتمييز {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ } بما أخذ وختم عليه. {مِنْ } رفع بالابتداء و {إِلَـهٌ} خبره و {غَيْرِ } صفة لـ {إِلَٰـهٌ} وكذا {يَأْتِيَكُمُ } والجملة في موضع مفعولي {أَرَءيْتُمْ } وجواب الشرط محذوف {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ } لهم {الآيَـٰتِ } نكررها {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ } يعرضون عن الآيات بعد ظهورها، والصدوف الإعراض عن الشيء {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً } بأن لم تظهر أماراته {أَوْ جَهْرَةً } بأن ظهرت أماراته. وعن الحسن: ليلاً أو نهاراً {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ }ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بربهم {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ } بالجنان والنيران للمؤمنين والكفار، ولن نرسلهم ليقترح عليهم الآيات بعد وضوح أمرهم بالبراهين القاطعة والأدلة الساطعة {فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ } أي داوم على إيمانه {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } فلا خوف يعقوب. {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ } جعل العذاب ماساً كأنه حي يفعل بهم ما يريد من الآلام {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله تعالى بالكفر {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ ٱللَّهِ } أي قسمه بين الخلق وأرزاقه، ومحل {وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } النصب عطفاً على محل {عِندِي خَزَائِنُ ٱللَّهِ } لأنه من جملة المقول كأنه قال: لا أقول لكم هذا القول ولا هذا القول {وَلآ أَقُولُ لَكُمْ إِنّي مَلَكٌ } أي لا أدعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشر من ملك خزائن الله وعلم الغيب ودعوى الملكية، وإنما أدعي ما كان لكثير من البشر وهو النبوة {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } أي ما أخبركم إلا بما أنزل الله علي {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } مثل للضال والمهتدي، أو لمن اتبع ما يوحى إليه ومن لم يتبع، أو لمن يدعي المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } فلا تكونوا ضالين أشباه العميان أو فتعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر، أو فتعلموا أن اتباع ما يوحى إلي مما لا بد لي منه، {وَأَنذِرْ بِهِ } بما يوحى {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ } هم المسلمون المقرّون بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه، أو أهل الكتاب لأنهم مقرون بالبعث {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } في موضع الحال من {يُحْشَرُواْ } أي يخافون أن يحشروا غير منصورين و لا مشفوعاً لهم {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يدخلون في زمرة أهل التقوى. ولما أمر النبي عليه السلام بإنذار غير المتقين ليتقوا، أمر بعد ذلك بتقريب المتقين ونهى عن طردهم بقوله: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ } وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم أي عبادته ويواظبون عليها. والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام، أو معناه يصلون صلاة الصبح والعصر أو الصلوات الخمس. {بالغُدوة} شامي. ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} فالوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته، نزلت في الفقراء بلال وصهيب وعمار وأضرابهم حين قال رؤساء المشركين: لو طردت هؤلاء السقاط لجالسناك. فقال عليه السلام:«حديث : ما أنا بطارد المؤمنين»تفسير : فقالوا: اجعل لنا يوماً ولهم يوماً وطلبوا بذلك كتاباً فدعا علياً رضي الله عنه ليكتب فقام الفقراء وجلسوا ناحية فنزلت، فرمى عليه الصلاة والسلام بالصحيفة وأتى الفقراء فعانقهم {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ } كقوله {أية : إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّي }تفسير : [الشعراء: 113] {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيْءٍ} وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم فقال: حسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم {فَتَطْرُدَهُمْ } جواب النفي وهو {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم } {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } جواب النهي وهو {وَلاَ تَطْرُدِ } ويجوز أن يكون عطفاً على {فَتَطْرُدَهُمْ } على وجه التسبيب لأن كونه ظالماً مسبب عن طردهم {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } ومثل ذلك الفتن العظيم ابتليتا الأغنياء بالفقراء {لِّيَقُولُواْ } أي الأغنياء {أَهَٰـؤُلآء مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا } أي أنعم الله عليهم بالإيمان ونحن المقدمون والرؤساء وهم الفقراء إنكاراً لأن يكون أمثالهم على الحق وممنوناً عليهم من بينهم بالخير ونحوه {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ }تفسير : [الأحقاف: 11] {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ } بمن يشكر نعمته. { وَإِذَا جَاءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ } إِما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم وتطييباً لقلوبهم. وكذا قوله {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } من جملة ما يقول لهم ليبشرهم بسعة رحمة الله وقبوله التوبة منهم ومعناه وعدكم بالرحمة وعداً مؤكداً {أَنَّهُ } الضمير للشأن {مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا } ذنباً {بِجَهَالَةٍ } في موضع الحال أي عمله وهو جاهل بما يتعلق به من المضرة، أو جعل جاهلاً لإيثاره المعصية على الطاعة {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ } من بعد السوء أو العمل {وَأَصْلَحَ } أخلص توبته {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } {أَنَّهُ } {فَإِنَّهُ } شامي وعاصم. الأول بدل الرحمة، والثاني خبر مبتدأ محذوف أي فشأنه أنه غفور رحيم. {أَنَّهُ } {فَإِنَّهُ } مدني الأول بدل الرحمة، والثاني مبتدأ. {إِنَّهُ } {فَإِنَّهُ } غيرهم على الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: إنه من عمل منكم {وكذلك نُفَصَّلُ الآياتِ وَلتستبينَ} وبالياء: حمزة وعلي وأبو بكر {سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ } بالنصب: مدني. غيره: بالرفع. فرفع السبيل مع التاء والياء لأنها تذكر وتؤنث، ونصب السبيل مع التاء على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم يقال استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته، والمعنى ومثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ونلخصها في صفة أحوال المجرمين من هو مطبوع على قلبه ومن يرجى إسلامه ولتستوضح سبيلهم فتعامل كلاً منهم بما يجب أن يعامل به فصلنا ذلك التفصيل.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُمْ} في الكلام حَذْفٌ، تقديره: فكذبوا فأخذناهم؟ أي: تابعناهم بالبَأْسَاءِ الآية، والبأساء المَصَائِبُ في الأموال، والضراء في الأَبْدَانِ. هذا قول الأكثر. وقيل: قد يُوضَعُ كل واحد بَدَلَ الآخر، والتضرُّعُ التذلل، والاستكانة، ومعنى الآية توعد الكفار، وضرب المَثَلِ لهم، و {لَوْلاَ} تحضيض، وهي التي تلي الفِعْلَ بمعنى: «هلا» وهذا على جِهَةِ المعاتبة لِمُذْنِبٍ غائب، وإظهار سوء فعله مع تَحَسُّرِ ما عليه. قلت: أي: مع تَحَسُّرٍ ما، باعتبار حالة البَشَرِ. وقوله سبحانه: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ...} الآية عبر عن الترك بالنِّسْيَانِ، و {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيْءٍ} أي: من النِّعَمِ الدنيوية بعد الذي أَصَابَهُمْ من البَأْسَاءِ والضراء، و {فَرِحُواْ} معناه: بطروا، وأعجِبوا، وظنوا أن ذَلِكَ لا يَبيدُ، وأنه دَالٌّ على رضا اللَّه عنهم، وهو اسْتِدْرَاجٌ من اللَّه تعالى. وقد رُوِيَ عن بعض العلماء: رحم اللَّه عبداً تَدَبَّر هذه الآية {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً}. وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا رأيت اللَّه ـــ تعالى ـــ يعطي العِبَادَ ما يشاءون على مَعَاصيهم، فذلك اسْتِدْرَاجٌ ثم تلا: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ...} تفسير : الآية كلها، و {أَخَذْنَـٰهُمْ} في هذا المَوْضِعِ معناه: استأصلناهم بَغْتَةً أي: فجأة، والمبلس الحَزِينُ الباهت اليَائِسُ من الخَيْرِ الذي لا يَحِيرُ جَوَاباً لشدة ما نَزَلَ به من سوء الحال. وقوله تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ...} الآية. الدَّابر: آخر القوم الذي يَأتي من خَلْفِهِم، وهذه كناية عن استئصال شأفتهم، ومَحْوِ آثارهم، كأنهم وَرَدُوا العَذَابَ حتى ورد آخرهم الذي دَبَرَهُمْ، وحَسُنَ الحمد عَقِبَ هذه الآية لِجَمَالِ الأفعال المتقدمة في أن أرسل ـــ سبحانه ـــ الرسل، ولطف في الأَخْذِ بالبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ؛ ليتضرع إليه، فيرحم، وينعم، وقطع في آخر الأمر دابر الظَّلَمَة، وذلك حَسَنٌ في نفسه، ونعمة على المؤمنين، فحسن الحَمْدُ عقب هذه الأفعال، وبحمده سبحانه ينبغي أن يُخْتَمَ كل فعل، وكل مَقَالٍ، إذ هو المحمود على كُلِّ حال لا رَبَّ غيره، ولا خير إلاَّ خَيْرُهُ.
ابن عادل
تفسير : في الكلام: حَذْفٌ تقديره: "أرْسلْنَا رُسُلاً إلى أممٍ فكذبوا فأخذناهم" وهذا الحذفُ ظاهر جداً. و "من قَبْلِكَ" متعلِّقٌ بـ "أرْسلنا"، وفي جعله صِفَةً لـ "أمم" كلام تقدِّم مِرَاراً، وتقدَّم تفسيرُ {أية : ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ} تفسير : [البقرة: 177] ولم يُلْفَظُ لهما بِمُذَكِرٍ على "أفْعَل". قوله: {فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا}. "إذ" منصوب بـ "تضرَّعوا" فَصَلَ به بين حرف التحضيض وما دخل عليه، وهو جائز في المفعول به، تقول: "لولا زيداً ضَرَبْتَ"، وتقدَّم أن حرفَ التَّحْضِيض مع الماضي يكون معناه التَّوْبِيخَ، والتَّضَرُّع: "تَفَعُّل" من الضَّراعَة؛ وهي الذِّلَّة والهَيْبَة المسببة عن الانْقِيَادِ إلى الطاعة، يقال: "ضَرَعَ يَضْرَعُ ضراعة فهو ضارعٌ وضَرِعٌ". قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2174- ليُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ تفسير : وللسهولة والتَّذَلُّلِ المفهومة من هذه المادة اشْتَقُّوا منها لِلثَّدْي اسماً فقالو له: "ضَرْعاً". قوله: {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُم} "لكنْ" هنا وَاقِعَةٌ بين ضدَّيْنِ، وهما اللِّينُ والقَسْوَةُ؛ وذلك أن قوله: "تضرَّعوا" مُشْعِرٌ باللِّينِ والسُّهُولةِ، وكذلك إذا جعلْتَ الضَّراعَةَ عبارة عن الإيمان، والقَسْوَةَ عبارة عن الكُفْرِ، وعبَّرت عن السبب بالمُسَبَّبِ، وعن المُسَبَّبِ بالسبب، ألا ترى أنك تقول: "آمنَ قلبه فتضرَّعُ، وقسا قلبه فكفر" وهذا أحسن من قول أبي البقاء: "ولكن" استدراك على المعنى، أي ما تَضَرَّعُوا ولكن يعني أن التَّحْضِيضَ في معنى النَّفْي، وقد يَتَرَجَّحُ هذا بما قالهُ الزمخشري فإنه قال: مَعْنَاهُ نَفْيُ التضرُّع كأنه قيل: لم يَتَضرَّعوا إذ جاءهم بأسُنَا، ولكنه جاء بـ "لولا" ليفيد أنه لم يكن لهم عُذْرٌ في تَرْك التَّضَرُّعِ، إلاَّ قَسْوَة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زَيَّنَهَا الشَّيْطَانُ لهم. قوله: "وزيَّنَ لَهُم" هذه الجملة تَحْتَمِلُ وجهين: أحدهما: أن تكون اسْتِئْنَافِيَّةً أخبر تعالى عنهم بذلك. والثاني: - وهو الظاهر -: أنها داخلة في حيَّز الاستدراك فهو نسقٌ على قوله: "قَسَتْ قُلُوبهم" وهذا رأي الزمخشري فإن قال: "لم يكن لهم عُذْرٌ في ترك التَّضرُّعِ إلاَّ قَسْوَةُ قلوبهم وإعجابُهُم بأعمالهم" كما تقدَّم و "ما" في قوله: "ما كانوا" يحتمل [أن تكون موصولة اسمية أي: الذي كانوا يعملونه] وأن تكون مصدرية، أي: زيَّنَ لهم عَمْلَهُم، كقوله: {أية : زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [النمل:4] ويَبْعُدُ جَعْلُها نكرةً موصوفة. فصل دلت هذه الآية مع الآية التي قبلها على مذهب أهل السُّنةِ، لأنه بيَّن في الآية الأولى أن الكُفار يرجعون إلى الله - تعالى - عند نزول الشَّدائد ثم بيَّن في هذه الآية أنهم لا يَرْجعُونَ إلى الله - تعالى - عند كل ما كان من جِنْسِ الشَّدَائِدِ، بل قد يبقون مُصِرِّينَ على الكُفْرِ غير راجعين إلى الله تعالى، وذلك يَدُلُّ على أنَّ من لم يَهْدِهِ الله لم يَهْتَدِ سواء شَاهَدَ الآيات أوْ لم يُشَاهد. فإن قيل: ألَيْسَ قوله: {أية : بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} تفسير : [الأنعام: 41] يَدُلُّ على أنهم تَضَرَّعُوا، وها هنا يقول: "قَسَتْ قُلوبهم ولم يتضرَّعوا". فالجوابُ: أولئك أقْوَامٌ وهؤلاء أقوامٌ آخَرُون، أو نقول: أولئك تَضَرَّعُوا لطلب إزالة البَلِيَّة ولم يَتَضرَّعُوا على سبيل الإخلاصِ لله تعالى، فلهذا الفَرْق حَسُنَ الإثْبَاتُ والنفي. فصل احتج الجُبَّائي بقوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُون} على أنه - تعالى - إنما أرْسَل الرسل إليهم، وإنما سَلَّطَ البَأسَاءَ والضَّرَّاء عليهم لإرادةِ أن يتضرعوا أو يؤمنوا، وذلك يَدُلُّ على أنه - تعالى - أراد الإيمان والطاعة من الكُلِّ. والجوابُ أن كلمة "لَعلَّ" للتَّرَجِّي والتَّمَنِّي, وهو في حق الله - تعالى - مُحَالٌ، وأنتم حملتموه على إرادة هذا المَطْلُوب، ونحن نحمله على أنه - تعالى - عاملهم مُعاملة لو صدرت عن غير الله لكان المَقْصُود منه هذا المعنى، فأمَّا تعليل حكم الله - تعالى - ومشيئته، فذلك مُحَالٌ على ما ثبت بالدَّليل، ثم نقول: إن دَلَّتْ هذه الآية على قولكم من هذا الوَجْهِ، فإنها تَدُلُّ على ضِدِّ قولكم من وجهٍ آخر، وذلك لأنها تَدُلُّ على أنهم إنما لم يَتضَرَّعُوا لِقَسْوَةِ قلوبهم، ولأجلِ أنَّ الشَّيْطَانَ زَيَّنَ لهم أعْمَالَهُمْ, فنقول: تلك القَسْوَةُ إن [حصلت بفعلهم احتاجوا في إيجادها إلى سبب آخر ولزم التسلسل وإن] حصلت بفعل الله - تعالى - فالقول قولنا. وأيضاً: هَبْ أن الكُفَّارَ إنما أقدموا على هذا الفعل القبيح [بسبب تزيين الشيطان، إلاَّ أنا نقول: ولم بقي الشيطان مصراً على هذا الفعل القبيح]، فإن كان ذلك لأجل شَيْطان آخر تَسَلْسَلَ إلى غير نهاية، وإذا بطلت هذه التَّقَادِيرُ وانتهت إلى أنَّ كُلَّ أحد إنما يُقدِمُ تارةً على الخير وأخْرَى على الشَّرِّ؛ لأجل الدَّوَاعي التي تحصل في قَلْبِهِ ثم ثبت أن تلك الدَّوَاعي لا تحصل إلاَّ بإيجاد الله، فحينئذٍ يَصحُّ قولنا، ويفسدُ قولهم بالكلية، والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما أقام لهم بهذه الآية على توحيده الدليل حتى استنارت السبل في تذكيرهم أن التضرع قد يكشف به البلاء، أخبرهم أن تركه يوجب الشقاء، ترغيباً في إدامته وترهيباً من مجانبته فقال: {ولقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {إلى أمم} أي أناس يؤم بعضهم بعضاً، وهم أهل لأن يقصدهم الناس، لما لهم من الكثرة والعظمة. ولما كان المراد بعض الأمم، وهم الذين أراد الله إشهادهم وقص أخبارهم، أدخل الجار فقال: {من قبلك} أي رسلاً فخالفوهم، وحسّن هذا الحذف كونه مفهوماً {فأخذناهم} أي فكان إرسالنا إليهم سبباً لأن أخذناهم بعظمتنا، ليرجعوا عما زين لهم الشيطان إلى ما تدعوهم إليه الرسل {بالبأساء} من تسليط القتل عليهم {والضراء} بتسليط الفقر والأوجاع {لعلهم يتضرعون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى خضوعه وتذلـله على وجه بليغ، بما يرشد إليه - مع صيغة التفعيل - الإظهار، ولأن مقصودها الاستدلال على التوحيد، وعند الكشف للأصول ينبغي الإبلاغ في العبادة، بخلاف ما يأتي في الأعراف. ولما لم يقع منهم ما أوجبت الحال رجاءه، تسبب عنه الإنكار عليهم، فقال معبراً بأداة التخصيص ليفيد مع النفي أنهم ما كان لهم عذر في ترك التضرع: {فلولا} أي فهلا {إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} ولما كان معنى الإنكار أنهم ما تضرعوا قال: {ولكن قست قلوبهم} أي فلم يذكروا ربهم أصلاً {وزين لهم الشيطان} أي بما دخل عليهم به من باب الشهوات {ما كانوا يعملون *} من العظائم والمناكر التي أوجبها النكس بالرد أسفل سافلين {فلما نسوا ما ذكروا به} أي فتسبب - عن تركهم التذكير والأخذ بفائدته التي هي التخشع والتسكن، كما هو اللائق بهم لا سيما في تلك الحالة - أنا {فتحنا} أي بما يليق بعظمتنا {عليهم أبواب كل شيء} أي من الخيرات والأرزاق والملاّد التي كانت مغلقة عنهم ونقلناهم من الشدة إلى الرخاء، وذلك استدراجاً لهم، ومددنا زمانه وطوّلنا أيامه {حتى إذا فرحوا} أي تناهى بهم الفرح {بما أوتوا} أي معرضين عمن آتاهم هذا الرخاء بعد أن كان ابتلاهم بذلك، فعلم أنهم في غاية من الغباوة، لا يرتدعون بالتأديب بسياط البلاء، ولا ينتفعون ببساط المنة والرخاء، بل ظنوا أن البلاء عادة الزمان، والرخاء باستحقاقهم الامتنان، فعلم أن قلوبهم لا يرجى لها انتباه بحار ولا بارد ولا رطب ولا يابس {أخذناهم} بعظمتنا، وإنما أخذناهم في حال الرخاء ليكون أشد لتحسرهم {بغتة} فلم نمكنهم من التضرع عند خفوق الأمر، ولا أمهلناهم أصلاً بل نزل عليهم من أثقال العذاب، وأباح بهم من أحمال الشدائد وصروف البلايا ما أذهلهم وشغلهم عن كل شيء حتى بهتوا {فإذا هم مبلسون *} أي تسبب عن ذلك البغت أن فاجؤوا السكوتَ على ما في أنفسهم واليأس تحسراً وتحيراً، و استمروا بعد أن سكتوا إلى أن همدوا وخفتوا، ففي نفي التضرع عن المتقدمين بعد أن أثبته لمشركي هذه الأمة استعطاف لطيف، وفي ذكر استدراج أولئك بالنعم عند نسيان ما ذكروا به إلى ما أخذهم بغتة من قواصم النقم غاية التحذير. ولما كان من عادة الغالب من أهل الدنيا أن يفوته آخر الجيوش وشُذّابهم لملل أصحابه من الطلب وضجرهم من النصب والتعب وقصورهم عن الإحاطة بجميع الأرب، أخبر تعالى أن أخذه على غير ذلك، وأن نيله للآخر كنيله للأول على حد سواء، فقال مسبباً عن الأخذ الموصوف مشيراً بالبناء للمفعول إلى تمام القدرة، وبالدابر إلى الاستئصال: {فقطع دابر} أي آخر {القوم الذين ظلموا} أي بوضع الشيء في غير موضعه دأب الماشي في الظلام، وضعوا لقسوة موضع الرقة التي تدعو إليها الشدة، ووضعوا الفرح بالنعمة موضع الخشية من الرد إلى الشدة، كما ظلمتم أنتم بدعاء الأصنام وقت الرخاء وكان ذلك موضع دعاء من أفاض تلك النعم، ودعوتم الله وقت الشدة وكان ذلك موضع دعاء من عبدتموه وقت الرخاء، لئلا تقعوا فيما جرت عادتكم بالذم به. شعر : وإن تكون كريهة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب تفسير : ولما كان استئصالهم من أجل النعم على من عادوهم فيه من الرسل عليهم السلام وأتباعهم رضي الله عنهم، نبه على ذلك بالجملة مع ما يشير إليه من ظهور الاستغناء المطلق فقال: {والحمد} أي قطع أمرهم كله والحال أن الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} المتفرد بنعوت الجلال والجمال {رب العالمين *} الموجد لهم أجمعين، أي له ذلك كله بعد فناء الخلق على أيّ صفة كانوا من إيمان أو كفر، كما كان له ذلك قبل وجودهم وعند خلقهم على كل من حالتيهم - كما أشير إليه بأول السورة، فكأنه قيل: الكمال لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، فقطع دابرهم، والكمال له لم يتغير، لأنه لا يزيده وجود موجود، ولا ينقصه فقد مفقود، فهو محمود حال الإعدام والمحق كما كان محموداً حال الإيجاد والخلق، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإنه لا يخرج شيء عن إيمانهم ولا كفرانهم عن إرادته سبحانه، فلا عليك منهم اقترحوا الآيات أولا، فإنه ليس عليك إلا البلاغ.
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا} كلام مستأنفٌ مَسوقٌ لبـيان أن منهم من لا يدعو الله تعالى عند إتيانِ العذاب أيضاً لتماديهم في الغيِّ والضلال لا يتأثرون بالزواجر التكوينية كما لا يتأثرون بالزواجر التنزيلية. وتصديرُه بالجملة القَسَمية لإظهار مزيدِ الاهتمام بمضمونه، ومفعول (أرسلنا) محذوف لما أن مقتضىٰ المقام بـيانُ حال المرسَل إليهم لا حالِ المرسلين، أي وبالله لقد أرسلنا رسلاً {إِلَىٰ أُمَمٍ} كثيرة {مِن قَبْلِكَ} أي كائنة من زمان قبلَ زمانك {فَأَخَذْنَـٰهُمْ} أي فكذبوا رسلهم فأخذناهم {بِٱلْبَأْسَاء} أي بالشدة والفقر {وَٱلضَّرَّاء} أي الضرر والآفات وهما صيغتا تأنيثٍ لا مذكر لهما {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} أي لكي يدعُوا الله تعالى في كشفها بالتضرّع والتذلل ويتوبوا إليه من كفرهم ومعاصيهم {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} أي فلم يتضرعوا حينئذ مع تحقق ما يستدعيه {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} استدراكٌ عما قبله أي فلم يتضرعوا إليه تعالى برقةِ القلب والخضوع، مع تحقق ما يدعوهم إليه، ولكن ظهر منهم نقيضُه حيث قستْ قلوبُهم أي استمرتْ على ما هي عليه من القساوة أو ازدادَتْ قساوةً كقولك: لم يُكرِمْني إذ جئتُه ولكن أهانني {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ} من الكفر والمعاصي فلم يُخْطِروا ببالهم أنّ ما اعتراهم من البأساء والضراء ما اعتراهم إلا لأجله وقيل: الاستدراك لبـيان أنه لم يكن لهم في ترك التضرُّع عذرٌ سوى قسوةِ قلوبهم والإعجابِ بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم وقوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ} عطفٌ على مقدَّر ينساق إليه النظمُ الكريم أي فانهمَكوا فيه ونسُوا ما ذُكَّروا به من البأساء والضّراء، فلما نسوه {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء} من فنون النَّعْماء على منهاج الاستدراج، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : مُكِر بالقوم ورب الكعبة»تفسير : وقرىء (فتّحنا) بالتشديد للتكثير وفي ترتيب الفتح على النسيان المذكور إشعارٌ بأن التذكر في الجملة غير خالٍ عن النفع، و(حتى) في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ} هي التي يُبتدأ بها الكلام دخلت على الجملة الشرطية كما في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَمْرُنَا }تفسير : [هود، الآية 40] الآية ونظائرِه، وهي مع ذلك غاية لقوله تعالى: {فَتَحْنَا} أو لما يدل هم عليه كأنه قيل: ففعلوا ما فعلوا حتى إذا اطمأنوا بما أتيح لهم وبطِروا وأشِروا {أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً} أي نزل بهم عذابنا فجأةً ليكون أشدَّ عليهم وقعاً وأفظع هولاً {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} متحسِّرون غاية الحسرة آيسون من كل خير، واجمون، وفي الجملة الاسمية دلالة على استقرارهم على تلك الحالة الفظيعة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الآية: 42]. قال ابن عطاء: أخذنا عليهم الطرق كلها ليرجعوا إلينا.
القشيري
تفسير : يخبر عن سالف سنته في أبداء الأمم وما أوجب لمن أطاعه منهم من النعم والكرم، وما أحلَّ بمن خالفه من الألم وفنون النِّقَم.
البقلي
تفسير : {فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} هذا وصف قوم لم يذوقوا طعم وصل المشاهدة حيث راجعهم الحق اليه بسوط فهره ولو كانوا على محل المعرفة والمحبة والشوق الى المشاهدة لمن ينصرفوا عنه طرفة عين وايضا اذا اراد سبحانه كلاية قوم من محبته اياهم الزم عليهم حراس بلياته وضرب عليهم سرادق حفظه لئلا يشغلوا بغيره لحظة وايضا اى لما اشتغلوا بحظوظ ما وجدوا من قربنا اوقعاهم فى اودية الفترة حتى لم يحدو والذائذ المواجيد وحقائق الواردت ومسسناهم بباساء الفراق وضراء الاشواق لكى يصلوا الى من نفوسهم وحظوظم ويرونى بنعت جريد التوحيد وافراد القدم عن الحدوث قال ابن عطا اخذنا عليهم الطرق كلها ليرجعوا الينا.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد أرسلنا} اى وبالله لقد ارسلنا رسلا {الى أمم} كثيرة {من قبلك} اى كائنة من زمان قبل زمانك فمن لابتداء الغاية فى الزمان على مذهب الكوفية مثل نمت من اول الليل وصمت من اول الشهر الى آخره. وقال المحشى سنان جلبى من زائدة على قول من جوز زيادتها فى الموجب واما عند غيره فهى بمعنى فى كما فى قوله تعالى {أية : إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة} تفسير : [الجمعة: 9] {فأخذناهم} الفاء فصيحة تفصح ان الكلام مبنى على اعتبار الحذف اى فكذبوا رسلهم فأخذناهم {بالبأساء} اى بالشدة والفقر {والضراء} اى الضر والآفات وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما {لعلهم يتضرعون} اى لكى يدعوا الله فى كشفها بالتضرع والتذلل ويتوبوا اليه من كفرهم ومعاصيهم.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: تخويفًا لهذه الأمة: {ولقد أرسلنا إلى أمم} مضت {من قبلك} رسلاً فأنذروهم، فكذبوا وكفروا {فأخذناهم بالبأساء} أي: الشدة، كالقحط والجوع، {والضراء} كالأمراض والموت والفتن، تخويفًا لهم {لعلهم يتضرعون} أي: يتذللون ويتوبون من ذنوبهم، فلم يفعلوا، {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} أي: هلاَّ تذللوا حين جاءهم البأس فنرحمهم، وفيه دليل على نفع التضرع حين الشدائد، {ولكن قست قلوبهم} أي: صلُبت ولم تلن، {وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون}؛ فصرَفهم عن التضرع، أي: لا مانع لهم من التضرع إلا قساوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم. {فلما نسوا ما ذكروا به} أي: تركوا الاتعاظ بما ذُكروا به من البأساء والضراء، ولم ينزجروا، {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} من أنواع الرزق وضروب النعم، مراوحة عليهم بين نوبَتي الضراء والسراء، وامتحانًا لهم بالشدة والرخاء، إلزامًا للحجة وازاحة للعلة، أو مكرًا بهم، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مُكر بالقوم ورب الكعبة " تفسير : . {حتى إذا فرحوا} أي: أعجبوا {بما أوتوا} من النعم، ولم يزيدوا على البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه، {أخذناهم بغتة} أي: فجأة {فإذا هم مبسلون} مُتحيرون آيسون من كل خير، {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} أي: قطع آخرهم، ولم يبق منهم أحد، وهي عبارة عن الاستئصال بالكلية، {والحمد لله رب العالمين} على إهلاكهم، فإن إهلاك الكفار والعصاة نعِمٌ جليلة، يحق أن يحمد عليها؛ من حيث إنه خلاص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم. وبالله التوفيق. الإشارة: المقصود من إظهار النقم الظاهرة؛ ما يؤول الأمر إليه من النعم الباطنة، فإن الأشياء كامنة في أضدادها، النعمة في النقمة، والرخاء في الشدة، والعز في الذل، والجمال في الجلال، إن وقع الرجوع إلى الله والانكسار والتذلل. "أنا عندَ المنكسرةِ قلوبُهم مِن أجلي". فانكسار القلوب إلى علام الغيوب عبادة كبيرة، تُوجب نعمًا غزيرة، فإذا قسَت القلوب ولم يقع لها عند الشدة انكسار ولا رجوع، كان النازل بلاءً ونقمة وطردًا وبُعدًا. فإنَّ ما ينزل بالإنسان من التعرفات منها: ما يكون أدبًا وكفارة، ومنها: زيادة وترقية، ومنها: ما يكون عقوبة وطردًا، فإن صحبها التيقظ والتوبة، كان أدبًا مما تقدم من سوء الأدب، وإن صحبه الرضى والتسليم، ولم يقع ما يوجب الأدب، كان ترقية وزيادة، وإن غضب وسخِط كان طردًا وبُعدًا. أعاذنا الله من موارد النقم. ثم احتج عليهم بوجه آخر، فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ}.
الطوسي
تفسير : اعلم الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بهذه الآية انه قد ارسل الرسل قبله الى اقوام بلغوا من القسوة الى ان أخذوا بالشدة في أنفسهم واموالهم ليخضعوا ويذلوا لامر الله لان القلوب تخشع والنفوس تضرع عندما يكون من أمر الله البأساء والضراء. وقال قوم: البأساء الجوع، والضراء النقص في الاموال والانفس. والبأساء: من البأس والخوف والضراء من الضر، وقد يكون البأساء من البؤس، فأعلمه الله انه ارسل الى أمم واخذها بالبأساء والضراء، فلم تخشع ولم تضرع. وقال: {لعلهم يتضرعون} ومعناه لكي يتضرعوا. وقيل: معناها الترجي للعباد، كما قال: {أية : لعله يتذكر أو يخشى}.تفسير : قال سيبويه: المعنى اذهبا أنتما على رجائكما، والله عالم بما يكون من وراء ذلك. وقوله {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} معناه هلا اذ جاءهم بأسنا تضرعوا {ولكن قست قلوبهم} أي أقاموا على كفرهم. قال الفراء كلما رأيت في الكلام (لولا) ولم تر بعدها اسما، فهي بمعنى (هلا)، كقوله: {أية : لولا أخرتني إلى أجل قريب}تفسير : و {أية : فلولا أن كنتم غير مدينين} تفسير : واذا كان بعدها اسم، فهي بمعنى (لو) التي تكون في جوابها اللام، و (لوما) فيها ما في (لولا) من الاستفهام والخبر. وقد اخبر الله في هذه الآية ان الشيطان هو الذي يزين الكفر للكافر بخلاف ما يقول المجبرة من ان الله هو المزين لهم ذلك، وفيها حجة على من قال: ان الله لم يرد من الكافر الايمان، وانه ارسل الرسل بينة عليهم، وعلى من زعم ان أخذه الكافرين بالبأساء والضراء في الدين ليس لما أراد من صلاحهم، لانه بين الله انما فعل بهم ذلك ليتضرعوا، وهذه لام الغرض، لان الشك لا يجوز عليه تعالى {ويتضرعون} معناه يتذللون يقال ضرع فلان لفلان اذا بخع له وسأله أن يعطيه، وفلان ضارع أي نحيف.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} تسلية للرّسول (ص) وتهديد للامّة {فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ} بالبأساء الدّاهية سواء كانت فى الحرب او فى غيرها {وَٱلضَّرَّآءِ} النّقص فى الانفس والاموال، يعنى فى بدو ارسالهم ليتكّسر سورة خيالهم وقوّة اهويتهم حتّى يقبلوهم بسهولة او بعد تكذيبهم وشدّة تعاندهم حتّى يرجعوا ويتوبوا {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} ويلتجئون الى رسلهم، اعلم، انّ الانسان وقت الامن والصّحةّ وسعة العيش خصوصاً حين تشبّب القوى الحيوانيّة يعدّ نفسه من اعزّ الخلق ولا يعدّ غيره فى شيءٍ، ويظنّ انّه احسن الخلق رأياً ويفرّق نفسه على الاهوية والآمال، فاذا ابتلى ببلاء فى نفسه او اهله او ماله انكسر سورة انانيّته وتضرّع الى ربّه والتجأ الى من يظنّ انّه من قبل ربّه، ولذلك كان تعالى اذا ارسل رسولاً الى قوم ابتلاهم ببليّة ليتجؤا الى الرّسل ويقبلوا منهم.
اطفيش
تفسير : {ولَقَد أرسَلنا إلى أممٍ من قَبْلك} رسلا فكذبوهم {فأخذْنَاهم} لتكذيبهم {بالبأساء} الفقر والمجاعة {والضرَّاءِ} المرض والوجع والخوف والذل، ولما كان المراد بالبأساء والضراء نوعا هما من المكاره، قال القاضى: هما مؤنثان لا مذكر لهما، قلت: لا مانع من أن يجعل الضر والبأساء مذكرهما بمعنى هما، والأكثر على أن البأساء فى المال والضراء فى البدن {لعلَّهم يتضرَّعُون} يتذللون إلينا تائبين من ذنوبهم، ومع ذلك لم يتضرعوا، وهذه الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} رسلا {إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ} وكفروا وكذبوهم فلا تضجر من كفر قومك فإِن هذه عادة الأُمم مع رسلهم، ومن للابتداء، وقال ابن مالك: زائدة، يعنى أَن هذا من المواضع التى وردت فيها زائدة من فى الإِثبات ولو مع معرفة {فَأَخَذْنَاهُمْ} لتكذيبهم {بِالْبَأْسَاءِ} الجدب والفقر والخوف والذل {وَالضَّرَّاءِ} المرض والضعف والموت، وبعده يتضرع الحى إِن أَراد الله به خيراً، وقيل: المراد بهما خوف السلطان، وغلاء السعر، وقيل البأْساء القحط والجوع والضراء المرض ونقصان الأَنفس والأَموال {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} أَى كى يتذللوا إِلينا، وعاملناهم بالبأْساءِ والضراء كمعاملة من يرجى تضرعه بالتأْديب لأَن المصائب سبب للين القلوب والتضرع إِلى علام الغيوب.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ } كلام مستأنف سيق لبيان أن من المشركين من لا يدعو الله تعالى عند إتيان العذاب لتماديه في الغي والضلال ولا يتأثر بالزواجر التكوينية كما لا يتأثر بالزواجر التنزيلية، وقيل: مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم، وتصدير الجملة بالقسم لإظهار مزيد الاهتمام بمضمونها، والمفعول محذوف لأن مقتضى المقام بيان حال المرسل إليهم لا حال المرسلين؛ وتنوين {أُمَمٌ} للتكثير، و {مِنْ} ابتدائية أو بمعنى في أو زائدة بناءً على جواز زيادتها في الإثبات وضعف أي تالله لقد أرسلنا رسلاً إلى أمم كثيرة كائنة من زمان أو في زمان قبل زمانك {فَأَخَذْنَـٰهُمْ} أي فكذبوا فعاقبناهم {بِٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء} / أي البؤس والضر. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جبير أنه قال: خوف السلطان وغلاء السعر. وقيل: البأساء القحط والجوع والضراء المرض ونقصان الأنفس والأموال وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما على أفعل كأحمر حمراء كما هو القياس فإنه لم يقل أضر وأبأس صفة بل للتفضيل {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} أي لكي يتذللوا فيدعوا ويتوبوا من كفرهم.
ابن عاشور
تفسير : لمّا أنذرهم بتوقّع العذاب أعقبه بالاستشهاد على وقوع العذاب بأمم من قبل، ليَعلَم هؤلاء أنّ تلك سنة الله في الذين ظلموا بالشرك. وهذا الخبر مستعمل في إنذار السامعين من المشركين على طريقة التعريض، وهم المخاطبون بالقول المأمور به في الجملة التي قبلها. فجملة: {ولقد أرسلنا} عطف على جملة: {أية : قل أرأيتكم}تفسير : [الأنعام: 40]، والواو لعطف الجمل، فتكون استئنافية إذ كانت المعطوف عليها استئنافاً. وافتتحت هذه الجملة بلام القسم و(قد) لتوكيد مضمون الجملة، وهو المفرّع بالفاء في قوله: {فأخذناهم بالبأساء والضرّاء}. نزّل السامعون المعرّض بإنذارهم منزلة من ينكرون أن يكون ما أصاب الأمم الذين من قبلهم عقاباً من الله تعالى على إعراضهم. وقوله: {فأخذناهم} عطف على {أرسلنا} باعتبار ما يؤذن به وصف {مِنْ قبلك} من معاملة أممهم إيّاهم بمثل ما عاملك به قومك، فيدلّ العطف على محذوف تقديره: فكذّبوهم. ولمّا كان أخذهم بالبأساء والضرّاء مقارناً لزمن وجود رسلهم بين ظهرانيهم كان الموقع لفاء العطف للإشارة إلى أنّ ذلك كان بمرأى رسلهم وقبل انقراضهم ليكون إشارة إلى أنّ الله أيّد رسله ونصرهم في حياتهم؛ لأنّ أخذ الأمم بالعقاب فيه حكمتان: إحداهما: زجرهم عن التكذيب، والثانية: إكرام الرسل بالتأييد بمرأى من المكذّبين. وفيه تكرمة للنبيء صلى الله عليه وسلم بإيذانه بأنّ الله ناصره على مكذّبيه. ومعنى {أخذناهم} أصبناهم إصابة تمكّن. وتقدّم تفسير الأخذ عند قوله تعالى: {أية : أخذتْه العزّة بالإثم}تفسير : في سورة [البقرة: 206]. وقد ذكر متعلّق الأخذ هنا لأنّه أخْذ بشيء خاصّ بخلاف الآتي بُعيد هذا. والبأساء والضرّاء تقدّماً عند قوله تعالى:{أية : والصابرين في البأساء والضرّاء}تفسير : في سورة [البقرة: 177]. وقد فسّر البأساء بالجوع والضرّاء بالمرض، وهو تخصيص لا وجه له، لأنّ ما أصاب الأمم من العذاب كان أصنافاً كثيرة. ولعلّ من فسَّره بذلك اعتبر ما أصاب قريشاً بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم. و(لَعلّ) للترّجي. جُعل علّة لابتداء أخذهم بالبأساء والضرّاء قبل الاستئصال. ومعنى {يتضرّعون} يتذلّلون لأنّ الضراعة التذلّل والتخشّع، وهو هنا كناية عن الاعتراف بالذنب والتوبة منه، وهي الإيمان بالرسل. والمراد: أنّ الله قدّم لهم عذاباً هيّناً قبل العذاب الأكبر، كما قال: {أية : ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلّهم يرجعون}تفسير : [السجدة: 21] وهذا من فرط رحمته الممازجة لمقتضى حكمته؛ وفيه إنذار لقريش بأنّهم سيصيبهم البأساء والضرّاء قبل الاستئصال، وهو استئصال السيف. وإنّما اختار الله أن يكون استئصالهم بالسيف إظهاراً لكون نصر الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ عليهم كان بيده ويد المصدّقين به. وذلك أوقع على العرب، ولذلك روعي حال المقصودين بالإنذار وهم حاضرون. فنزّل جميع الأمم منزلتهم، فقال: {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا}، فإنّ (لولا) هنا حرف توبيخ لدخولها على جملة فعلية ماضوية واحدة، فليست (لولا) حرفَ امتناع لوجود. والتوبيخ إنّما يليق بالحاضرين دون المنقرضين لفوات المقصود. ففي هذا التنزيل إيماء إلى مساواة الحالين وتوبيخ للحاضرين بالمهمّ من العبرة لبقاء زمن التدارك قطعاً لمعذرهم. ويجوز أن تجعل (لولا) هنا للتّمنّي على طريقة المجاز المرسل، ويكون التّمنّي كناية عن الإخبار بمحبّة الله الأمر المتمنّى فيكون من بناء المجاز على المجاز، فتكون هذه المحبّة هي ما عبّر عنه بالفرح في الحديث «حديث : الله أفرح بتوبة عبده»تفسير : الحديث. وتقديم الظرف المضاف مع جملته على عامله في قوله {إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا} للاهتمام بمضمون جملته، وأنّه زمن يحقّ أن يكون باعثاً على الإسراع بالتضرّع ممّا حصل فيه من البأس. والبأس تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وحين البأس}تفسير : في سورة [البقرة: 177]. والمراد به هنا الشدّة على العدوّ وغلبته. ومجيء البأس: مجيء أثره، فإنّ ما أصابهم من البأساء والضرّاء أثر من آثار قوّة قدرة الله تعالى وغلبه عليهم. والمجيء مستعار للحدوث والحصول بعد أن لم يكن تشبيهاً لحدوث الشيء بوصول القادم من مكان آخر بتنقّل الخطوات. ولمّا دلّ التوبيخ أو التمنّي على انتفاء وقوع الشيء عطف عليه بـ (لَكِنْ) عطفاً على معنى الكلام، لأنّ التضرّع ينشأ عن لين القلب فكان نفيه المفاد بحرف التوبيخ ناشئاً عن ضدّ اللين وهو القساوة، فعطف بـ {لكن}. والمعنى: ولكن اعتراهم ما في خلقتهم من المكابرة وعدم الرجوع عن الباطل كأنّ قلوبهم لا تتأثّر فشبّهت بالشيء القاسي. والقسوة: الصلابة. وقد وجد الشيطان من طباعهم عوناً على نفث مراده فيهم فحسّن لهم تلك القساوة وأغراهم بالاستمرار على آثامهم وأعمالهم. ومن هنا يظهر أنّ الضلال ينشأ عن استعداد الله في خلقة النفس. والتزيين: جعل الشيء زَيْنا. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : زيّن للناس حبّ الشهوات}تفسير : في سورة [آل عمران: 14]. وقوله: {فلمّا نسوا ما ذُكِّروا به} عطف على جملة {قست قلوبهم وزيّن لهم الشيطان}. والنسيان هنا بمعنى الإعراض، كما تقدّم آنفاً في قوله: {أية : وتَنسون ما تشركون}تفسير : [الأنعام: 41]. وظاهرٌ تفرّع الترك عن قسوة القلوب وتزيين الشيطان لهم أعمالهم. و(ما) موصولة ماصْدَقُها البأساء والضرّاء، أي لمّا انصرفوا عن الفطنة بذلك ولم يهتدوا إلى تدارك أمرهم. ومعنى {ذُكِّروا به} أنّ الله ذكّرهم عقابه العظيم بما قدّم إليهم من البأساء والضرّاء. و(لمَّا) حرف شرط يدلّ على اقتران وجود جوابه بوجود شرطه، وليس فيه معنى السببية مثل بقية أدوات الشرط. وقوله: {فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء} جواب {لمّا} والفتح ضدّ الغلق، فالغلق: سد الفرجة التي يمكن الاجتياز منها إلى ما وراءها بباب ونحوه، بخلاف إقامة الحائط فلا تسمّى غلقاً. والفتح: جعْل الشيء الحاجز غيرَ حاجز وقابلاً للحجز، كالباب حين يفتح. ولكون معنى الفتح والغلق نسبيين بعضهما من الآخر قيل للآلة التي يمسك بها الحاجز ويفتح بها مِفتاحاً ومِغْلاقاً، وإنّما يعقل الفتح بعد تعقّل الغلق، ولذلك كان قوله تعالى: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} مقتضياً أنّ الأبواب المراد ها هنا كانت مغلقة وقت أن أخذوا بالبأساء والضرّاء، فعلم أنّها أبواب الخير لأنّها التي لا تجتمع مع البأساء والضرّاء. فالفتح هنا استعارة لإزالة ما يؤلم ويغمّ كقوله: {أية : ولو أنّ أهل القُرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض}تفسير : [الأعراف: 96]. ومنه تسمية النصر فتحنا لأنّه إزالة غمّ القهر. وقد جُعل الإعراض عمَّا ذُكّروا به وقتاً لفتح أبواب الخير، لأنّ المعنى أنّهم لمّا أعرضوا عن الاتِّعاظ بنُذر العذاب رفعنا عنهم العذاب وفتحنا عليهم أبواب الخير، كما صُرّح به في قوله تعالى: {أية : وما أرسلنا في قرية من نبّيء إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء لعلّهم يضرّعون ثمّ بدّلنا مكان السيّئة الحسنة حتّى عفوا وقالوا قد مسّ آباءنا الضرّاء والسرّاء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون}تفسير : [الأعراف: 94، 95]. وقرأ الجمهور {فتحنا} ـــ بتخفيف المثنّاة الفوقية ـــ. وقرأه ابن عامر، وأبو جعفر ورُويس عن يعقوب ـــ بتشديدها ـــ للمبالغة في الفتح بكثرته كما أفاده قوله {أبوابَ كلّ شيء}. ولفظ (كلّ) هنا مستعمل في معنى الكثرة، كما في قول النابغة: شعر : بها كلّ ذيَّال وخنساء ترعوي إلى كلّ رجّاف من الرمل فارد تفسير : أو استعمل في معناه الحقيقي؛ على أنَّه عامّ مخصوص، أي أبواب كل شيء يبتغونه، وقد علم أنّ المراد بكلّ شيء جميع الأشياء من الخير خاصّة بقرينة قوله: {حتى إذا فرحوا} وبقرينة مقابلة هذا بقوله: {أية : أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء}تفسير : [الأعراف: 79]، فهنالك وصف مقدّر، أي كلّ شيء صالح، كقوله تعالى: {أية : يأخذ كلّ سفينة غصبا}تفسير : [الكهف: 79] أي صالحة. و{حتّى} في قوله: {حتَّى إذا فرحوا} ابتدائية. ومعنى الفرح هنا هو الازدهاء والبطر بالنعمة ونسيان المنعم، كما في قوله تعالى: {أية : إذ قال له قومه لا تفرح إنّ الله لا يحبّ الفرحين}تفسير : [القصص: 76]. قال الراغب: ولم يرخّص في الفرح إلاّ في قوله تعالى: {أية : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا}تفسير : [يونس: 58]. و(إذا) ظرف زمان للماضي. ومراد الله تعالى من هذا هو الإمهال لهم لعلّهم يتذكّرون الله ويوحّدونه فتطهر نفوسهم، فابتلاهم الله بالضرّ والخير ليستقصي لهم سببي التذكّر والخوف، لأنّ من النفوس نفوساً تقودها الشدّة ونفوساً يقودها اللين. ومعنى الأخذ هنا الإهلاك. ولذلك لم يذكر له متعلِّق كما ذكر في قوله آنفاً {فأخذناهم بالبأساء والضرّاء} للدلالة على أنَّه أخذ لا هوادة فيه. والبغتة فعلة من البغْت وهو الفُجأة، أي حصول الشيء على غير ترقّب عند من حصل له وهي تستلزم الخفاء. فلذلك قوبلت بالجهرة في الآية الآتية. وهنا يصحّ أن يكون مؤوّلاً باسم الفاعل منصوباً على الحال من الضمير المرفوع، أي مباغتين لهم، أو مؤوّلاً باسم المفعول على أنَّه حال من الضمير المنصوب، أي مبغوتين، {أية : وكذلك أخذ ربّك إذا أخذ القرى وهي ظالمة}تفسير : [هود: 102]. وقوله: {فإذا هم مبلسون} (إذا) فجائية. وهي ظرف مكان عند سيبويه، وحرف عند نحاة الكوفة. والمبلسون اليائسون من الخير المتحيّرون، وهو من الإبلاس، وهو الوجوم والسكوت عند طلب العفو يأساً من الاستجابة. وجملة {فقطع دابر القوم} معطوفة على جملة {أخذناهم}، أي فأخذناهم أخذ الاستئصال. فلم يُبق فيهم أحداً. والدابر اسم فاعل من دَبَره من باب كَتَب، إذا مشى من ورائه. والمصدر الدبور ـــ بضم الدال ـــ، ودابر الناس آخرهم، وذلك مشتقّ من الدُبُر، وهو الوراء، قال تعالى: {أية : واتَّبِع أدبارهم}تفسير : [الحجر: 65]. وقطع الدابر كناية عن ذهاب الجميع لأنّ المستأصل يبدأ بما يليه ويذهب يستأصل إلى أن يبلغ آخره وهو دَابره، وهذا ممّا جرى مجرى المثل، وقد تكرّر في القرآن، كقوله: {أية : أنّ دابر هؤلاء مَقطوع مصبحين}تفسير : [الحجر: 66]. والمراد بالذين ظلموا المشركون، فإنّ الشرك أعظم الظلم، لأنَّه اعتداء على حقّ الله تعالى على عباده في أن يعترفوا له بالربوبية وحده، وأنّ الشرك يستتبع مظالم عدّة لأنّ أصحاب الشرك لا يؤمنون بشرع يزع الناس عن الظلم. وجملة: {والحمد لله ربّ العالمين} يجوز أن تكون معطوفة على جملة: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} بما اتَّصل بها. عطف غرض على غرض. ويجوز أن تكون اعتراضاً تذييلياً فتكون الواو اعتراضية. وأيَّاً ما كان موقعها ففي المراد منها اعتبارات ثلاثة: أحدها: أن تكون تلقيناً للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يحمدوا الله على نصره رسلَه وأولياءهم وإهلاك الظالمين، لأنّ ذلك النصر نعمة بإزالة فساد كان في الأرض، ولأنّ في تذكير الله الناس به إيماء إلى ترقّب الإسوة بما حصل لمن قبلهم أن يترقَّبوا نصر الله كما نصر المؤمنين من قبلهم؛ فيكون {الحمد لله} مصدراً بدلاً من فعله، عُدل عن نصبه وتنكيره إلى رفعه وتعريفه للدلالة على معنى الدوام والثبات، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : الحمد لله}تفسير : في سورة [الفاتحة: 2]. ثانيها: أن يكون {الحمد لله} كناية عن كون ما ذكر قبله نعمة من نعم الله تعالى لأنّ من لوازم الحمد أن يكون على نعمة، فكأنّه قيل: فقطع دابر القوم الذين ظلموا. وتلك نعمة من نعم الله تقتضي حمده. ثالثها: أن يكون إنشاءَ حمد لله تعالى من قِبَل جلاله مستعملاً في التعجيب من معاملة الله تعالى إيّاهم وتدريجهم في درجات الإمهال إلى أن حقّ عليهم العذاب. ويجوز أن يكون إنشاءَ الله تعالى ثناء على نفسه، تعريضاً بالامتنان على الرسول والمسلمين. واللام في {الحمد} للجنس، أي وجنس الحمد كلّه الذي منه الحمد على نعمة إهلاك الظالمين. وفي ذلك كلّه تنبيه على أنَّه يحقّ الحمد لله عند هلاك الظلمة، لأنّ هلاكهم صلاح للناس، والصلاح أعظم النعم، وشكر النعمة واجب. وهذا الحمد شكر لأنّه مقابل نعمة. وإنّما كان هلاكهم صلاحاً لأنّ الظلم تغيير للحقوق وإبطال للعمل بالشريعة، فإذا تغير الحقّ والصلاح جاء الدمار والفوضى وافتتن الناس في حياتهم فإذا هلك الظالمون عاد العدل، وهو ميزان قوام العالم. أخرج أحمد بن حنبل عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحبّ فإنّما هو استدراح ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {فلمّا نسُوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ربّ العالمين}.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَأَخَذْنَاهُمْ} (42) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى الأُمَمِ السَّالِفَةِ رُسُلاً يَدْعُونَهُمْ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، فَكَذَّبُوا الرُّسُلَ، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، فَابْتَلاَهُمُ اللهُ بِالفَقْرِ، وَالضِّيقِ، فِي العَيْشِ (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالبَأْسَاءِ)، وَسَلَّطَ عَلَيْهِم الأَمْرَاضَ وَالأَسْقَامَ وَالآلامَ (وَالضَّرَّاءِ)، لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللهِ، وَيَخْشَعُونَ إِليهِ، وَيَدْعُونَهُ لِيَكْشِفَ عَنْهُمْ مَا نَزَلَ بِهِمْ، فَقَدْ أَوْدَعَ اللهُ تَعَالَى فِي فِطْرَةِ البَشَرِ أَنْ يَضْرَعُوا إِلى اللهِ وَحْدَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ. البَأْسَاءِ - البُؤْسِ وَالفَقْرِ. الضَّرَّاءِ - المَرَضِ وَالسَّقَمِ وَالزَّمَانَةِ. يَتَضَرَّعُونَ - يَتَذَلَّلُونَ وَيَتَخَشَّعُونَ وَيَتُوبُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد أرسل الحق لأمم سابقة رسلاً بالآيات والمنهج، فكذبتهم أقوامهم، فأخذهم الله بالشدائد والأحداث التي تضر إما في النفس، وإما في المال، بالمرض، بالفقر، لعلهم يتضرعون إلى الله سبحانه وتعالى. إذن فالحق حين يمس الإنسان بالبأساء أي بالشدائد أو بالضراء، أي بالشيء الذي يضر ويؤذي، إنما يريد من الإنسان أن يختبر نفسه، فإن كان مؤمنا بغير الله فليذهب إلى من آمن به، ولن يرفع عنه تلك البأساء أو ذلك الضر إلا عندما يعود إلى الله: وعندما يتضرع إلى الله قد لا يقبل الله منه مثل هذا التضرع ويقول سبحانه: {فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ } من الأمم السالفين، والقرون المتقدمين، فكذبوا رسلنا، وجحدوا بآياتنا. { فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ } أي: بالفقر والمرض والآفات، والمصائب، رحمة منا بهم. { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } إلينا، ويلجأون عند الشدة إلينا. { فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } أي: استحجرت فلا تلين للحق. { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فظنوا أن ما هم عليه دين الحق، فتمتعوا في باطلهم برهة من الزمان، ولعب بعقولهم الشيطان. { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } من الدنيا ولذاتها وغفلاتها. { حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ } أي: آيسون من كل خير، وهذا أشد ما يكون من العذاب، أن يؤخذوا على غرة، وغفلة وطمأنينة، ليكون أشد لعقوبتهم، وأعظم لمصيبتهم. { فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا } أي اصطلموا بالعذاب، وتقطعت بهم الأسباب. { وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } على ما قضاه وقدره، من هلاك المكذبين. فإن بذلك، تتبين آياته، وإكرامه لأوليائه، وإهانته لأعدائه، وصدق ما جاءت به المرسلون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):