Verse. 832 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

فَلَوْلَاۗ اِذْ جَاۗءَہُمْ بَاْسُـنَا تَضَرَّعُوْا وَلٰكِنْ قَسَتْ قُلُوْبُہُمْ وَزَيَّنَ لَہُمُ الشَّيْطٰنُ مَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۴۳
Falawla ith jaahum basuna tadarraAAoo walakin qasat quloobuhum wazayyana lahumu alshshaytanu ma kanoo yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلولا» فهلا «إذ جاءهم بأسنا» عذابنا «تضرَّعوا» أي لم يفعلوا ذلك مع قيام المقتضي له «ولكن قست قلوبهم» فلم تلن للإيمان «وزيَّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون» من المعاصي فأصرُّوا عليها.

43

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} «لولا» تحضيض، وهي التي تلي الفعل بمعنى هَلاَّ؛ وهذا عِتاب على ترك الدعاء، وإخبار عنهم أنهم لم يتَضرَّعوا حين نزول العذاب. ويجوز أن يكونوا تضرّعوا تضرّع من لم يُخلص، أو تَضرعوا حين لاَبَسهم العذابُ، والتضرع على هذه الوجوه غير نافع. والدعاء مأمور به حال الرَّخاء والشّدّة؛ قال الله تعالىٰ: { أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] وقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} أي دعائي { أية : سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } تفسير : [غافر: 60] وهذا وعيد شديد. {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أي صَلُبت وغَلُظت؛ وهي عبارة عن الكفر والإصرار على المعصية، نسأل الله العافية. {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ} أي أغواهم بالمعاصي وحملهم عليها. قوله تعالىٰ: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} يُقال: لِم ذمّوا على النسيان وليس من فعلهم؟ فالجواب ـ أنّ «نَسُوا» بمعنى تركوا ما ذكّروا به، عن ٱبن عباس وٱبن جُرَيْج، وهو قول أبي عليّ؛ وذلك لأن التارك للشيء إعراضاً عنه قد صيره بمنزلة ما قد نسِي، كما يُقال: تركه. في النِّسْي. جواب آخر ـ وهو أنهم تعرّضوا للنّسيان فجاز الذمّ لذلك؛ كما جاز الذمّ على التعرّض لسخط الله عزّ وجلّ وعقابه. ومعنى {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} أي من النعم والخيرات، أي كثرنا لهم ذلك. والتقدير عند أهل العربية: فتحنا عليهم أبواب كل شيء كان مغلقاً عنهم. {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ} معناه بَطَروا وأشِروا وأعجِبوا وظنّوا أن ذلك العطاء لا يَبِيد، وأنه دال على رضاء الله عزّ وجلّ عنهم {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} أي ٱستأصلناهم وسطونا بهم. و «بَغْتَةً» معناه فجأة، وهي الأخذ على غِرّة ومن غير تقدّم أمارة؛ فإذا أخذ الإنسان وهو غارٌّ غافل فقد أُخِذ بغتةً، وَأَنْكَىٰ شيءٍ ما يَفْجأُ من البَغْت. وقد قيل: إن التذكير الذي سلف ـ فأعرضوا عنه ـ قام مقام الأمارة. والله أعلم. و «بَغْتَةً» مصدر في موضع الحال لا يُقاس عليه عند سيبويه كما تقدّم؛ فكان ذلك ٱستدراجاً من الله تعالىٰ كما قال: { أية : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } تفسير : [القلم: 45] نعوذ بالله من سخطه ومكره. قال بعض العلماء: رحم الله عبداً تدبر هذه الآية {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}. وقال محمد بن النَّضر الحارثي: أمهل هؤلاء القوم عشرين سنة. وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إذا رأيتم الله تعالىٰ يعطي العباد ما يشاءون على معاصيهم فإنما ذلك ٱستدراج منه لهم » تفسير : ثم تلا: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} الآية كلها. وقال الحسن: والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلاَّ كان قد نقص عمله، وعجز رأيه. وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه خيرٌ له فيها إلاَّ كان قد نقص عمله، وعجز رأيه. وفي الخبر حديث : أن الله تعالىٰ أوحى إلى موسى صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت الفقر مقبلاً إليك فقل مرحباً بشِعار الصالحين وإذا رأيت الغِنى مقبلاً إليك فقل ذنب عُجّلت عقوبته». تفسير : قوله تعالىٰ: {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} المبلس الباهت الحزين الآيس من الخير الذي لا يُحير جواباً لشدّة ما نزل به من سوء الحال؛ قال العجاج: شعر : يَا صاحِ هل تَعرفُ رَسْماً مُكْرَساً قال نَعَمْ أعرفُه وأَبْلَسَا تفسير : أي تحيّر لهول ما رأى، ومن ذلك اشتق ٱسم إبليس؛ أْبْلَس الرجلُ سَكَت، وأَبْلَسَت الناقةُ وهي مِبْلاَسٌ إذا لم تَرْغُ من شدّة الضّبَعة؛ ضَبِعتِ الناقةُ تَضْبَع ضَبَعَةً وَضَبْعاً إذا أرادت الفحل. قوله تعالىٰ: {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} الدابر الآخر؛ يُقال: دَبَر القومَ يَدْبِرُهم دَبْراً إذا كان آخرهم في المجيء. وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود: « حديث : من الناس من لا يأتي الصَّلاة إلاَّ دبريّاً » تفسير : أي في آخر الوقت؛ والمعنى هنا قطع خلفهم من نسلهم وغيّرهم فلم تبق لهم باقية. قال قُطْرُب: يعني أنهم ٱستؤصلوا وأهلكوا. قال أُميّة بن أبي الصَّلْت: شعر : فأهلِكُوا بعذابٍ حَصَّ دابَرَهم فما ٱستطاعوا له صَرْفاً ولا ٱنْتَصرُوا تفسير : ومنه التدبير لأنه إحكام عواقب الأُمور. {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قيل: على إهلاكهم، وقيل: تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه. وتضمنت هذه الآية الحجة على وجوب ترك الظلم؛ لما يعقِب من قطع الدابر، إلى العذاب الدائم، مع استحقاق القاطع الحمدَ من كل حامد.

البيضاوي

تفسير : {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} معناه نفي تضرعهم في ذلك الوقت مع قيام ما يدعوهم أي لم يتضرعوا. {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ} استدراك على المعنى وبيان للصارف لهم عن التضرع وأنه: لا مانع لهم إلا قساوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَوْلا } فهلا {إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا } عذابنا {تَضَرَّعُواْ } أي لم يفعلوا ذلك مع قيام المقتضي له {وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } فلم تلن للإِيمان {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من المعاصي فأصرّوا عليها.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم} قال: عاب الله عليهم القسوة عند ذلك فتضعضوا لعقوبة الله بارك الله فيكم، ولا تعرضوا لعقوبة الله بالقسوة فإنه عاب ذلك على قوم قبلكم .

القشيري

تفسير : يعني أنهم لما أَظَلَّهُم البلاء، فلو رجعوا بجميل التضرع وحسن الابتهال والتملق لكشفنا عنهم المحن، ولأتحنا لهم المنن، ولكن صدَّهم الخذلان عن العقبى فأصروا على تمردهم، فَقَسَتْ قلوبُهم وتضاعفت أسباب شقوتهم. قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} يخبر عن خَفِيَ مكره بهم، وكيف أنه استدرجهم، ثم أذاقهم وبالَ أمرهم فقال: لما طالتْ عن الحضرة غيبتُهم، ولم تنجحْ مواعظُنا فيهم سَهَّلْنَا لهم أسبابَ العوافي وصببنا عليهم عزالي النِّعم، وفتحنا لهم أبواب الرفاهية، فلما استمكن الرجاءُ من قلوبهم أخذناهم بغتةً وعذبنَاهم فجأة، وأذقناهم حسرةً فإذا هم من الرحمة قانطون، ولِمَا خامر قلوبَهم - من أسباب الوحشة عن الاستراحة بدوام المناجاة - آيسون.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلولا} هلا {إذ جاءهم بأسنا} عذابنا {تضرعوا} اى لم يفعلوا ذلك مع قيام المقتضى له فلولا يفيد اللوم والتنديم وذلك عند قيام الداعى الى الفعل وانتفاء العذر فى تركه {ولكن قست قلوبهم} استدراك على المعنى اى لم يتضرعوا ولكن يبست وجفت قلوبهم ولو كان فى قلوبهم رقة وخوف لتضرعوا {وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} اى حسن لهم الكفر والمعاصى بان اغواهم ودعاهم الى اللذة والراحة دون التفكر والتدبر ولم يخطر ببالهم ان ما اعتراهم من البأساء والضراء ما اعتراهم الا لاجله.

الجنابذي

تفسير : {فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} اى فلولا تضرّعوا اذ جاءهم بأسنا {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ} استدراك باعتبار المعنى يعنى لا عذر لهم حينئذٍ فى ترك التّضرّع ولكن قست قلوبهم.

اطفيش

تفسير : {فَلوْلا إذْ جاءهُم بأسْنا تضرَّعُوا} لولا حرف توبيخ، أى لولا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا، ومعلوم أن التوبيخ على شئ كان من ثبوت أو نفى، وهاهنا على انتفاء التضرع، فاستدرك على هذا الانتفاء قوله: {ولكِن قَسَت قلُوبُهم وزيَّن لهم الشَّيطانُ ما كانُوا يعْملونَ} كأنه قيل ما تضرعوا ولكن صرفهم عن التضرع قساوة القلب وتزيين فإن قوله: {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} يتضمن أنهم لم يتضرعوا، الشيطان لهم أعمالهم، حتى أعجبتهم فأصروا عليها وقسوة القلب غلظته عن أن يتأثر فيه الحق.

اطفيش

تفسير : {فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا} كل من اولا التوبيخية هذه وإِذ عائد إِلى قوله {تَضَرَّعُوا} وبخهم على ترك التذلل، وإِظهار الضعف والخشوع لله حين مجئ البأْساء والضراء، وحذف الضراء لذكره قبل، وهو لمعنى يعم الضراء، وهذا كتمن بحسب حال البشر كافة قبل ليتهم تضرعوا، كما أَن قوله "أية : لعلهم يتضرعون"تفسير : [الأنعام: 42] ترج بحسب عقول البشر، وذلك لقيام مقتضى التضرع وهو البأْس والضراء {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} استدراك بين الضدين، أَى ما لانت قلوبهم، بل غلظت، أَى بقيت على الغلظة، أَو زادت غلظة كقولك: ما قام عمرو بل قعد، وقوله لكن إِلخ..إِخبار، وصح عطفه على لولا إِلخ.. مع أَنه إِنشاء، لتضمنه معنى الإِخبار، وهو انتفاء تضرعهم، ولا يجوز أَن تكون لولا للتحضيض لعدم الاستقبال، إِذ قال: تضرعوا، وقال: قست بصيغة الماضى، وكذا فى قوله {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} من الشرك وما دونه من المعاص، أَو زين لهم عملهم، وهذا فى حيز الاستدراك، أَى تركوا التضرع لقسوة قلوبهم وإِعجابهم بأَعمالهم وإِصرارهم عليها، ولم يخطر ببالهم أَن ما جاءَهم من البأْساء والضراءِ إِنما هو لأَجلها، والتزيين إِما إِيجاد الشئ حسناً كقوله: {أية : زينا السماءَ الدنيا} تفسير : [الصافات: 6، الملك: 5]، وكصنع الصائغ أَو النجار أَو البانى شيئاً، وإِما تحسينه من غير إِيجاد كتزيين الماشطة العروس، وإِما كالآية، وكتزيينه تعالى للكافر كفره، كما قال: {أية : زينا لكل أمة عملهم} تفسير : [الأنعام: 108]، وكتزيين غير الله شيئاً لغير الله، كقوله تعالى: {أية : زين لكثير من المشركين قتل أَولادهم شركاؤهم} تفسير : [الأنعام: 137].

الالوسي

تفسير : {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} أي فلم يتضرعوا حينئذٍ مع وجود المقتضي وانتفاء المانع الذي يعذرون به، ولولا عند الهروي تكون نافية حقيقة وجعل من ذلك قوله تعالى: { أية : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ } تفسير : [يونس: 98] والجمهور حملوه على التوبيخ والتنديم وهو يفيد الترك وعدم الوقوع ولذا ظهر الاستدراك والعطف في قوله تعالى: {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } وليست لولا هنا تحضيضية كما توهم لأنها تختص بالمضارع، واختار بعضهم ما ذهب إليه الهروي. ولما كان التضرع ناشئاً من لين القلب كان نفيه نفيه فكأنه قيل: فما لانت قلوبهم ولكن قست، وقيل: كان الظاهر أن يقال: لكن يجب عليهم التضرع إلا أنه عدل إلى ما ذكر لأن قساوة القلب التي هي المانع يشعر بأن عليهم ما ذكر. ومعنى {قَسَتْ} الخ استمرت على ما هي عليه من القساوة أو ازدادت قساوة. {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ } من الكفر والمعاصي فلم يخطروا ببالهم أن ما اعتراهم من البأساء والضراء ما اعتراهم إلا لأجله. والتزيين له معان، أحدها: إيجاد الشيء حسناً مزيناً في نفس الأمر كقوله تعالى: { أية : زَيَّنَّا ٱلسَّمَاءَ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الصافات: 6] والثاني: جعله مزيناً من غير إيجاد كتزيين الماشطة العروس. والثالث: جعله محبوباً للنفس مشتهى وإن لم يكن في نفسه كذلك وهذا إما بمعنى خلق الميل في النفس والطبع وإما بمعنى تزويقه وترويجه بالقول وما يشبهه كالوسوسة والإغواء، وعلى هذا يبنى أمر إسناده فإنه جاء في النظم الكريم تارة مسنداً إلى الشيطان كما في هذه الآية وتارة إليه سبحانه كما في قوله سبحانه { أية : وكَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } تفسير : [الأنعام: 108] وتارة إلى البشر كقوله عز وجل: { أية : زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ } تفسير : [الأنعام: 137] فإن كان بالمعنى الأول فإسناده إلى الله تعالى حقيقة، وكذا إذا كان بالمعنى الثالث بناءً على المراد منه أولاً، وإن كان بالمعنى الثاني أو الثالث بناءً على المراد منه ثانياً فإسناده إلى الشيطان أو البشر حقيقة، ولا يمكن إسناد ما يكون بالإغواء والوسوسة إليه سبحانه كذلك. وجاء أيضاً غير مذكور الفاعل كقوله سبحانه: { أية : زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ } تفسير : [يونس: 12] وحينئذٍ يقدر في كل مكان ما يليق به، وقد مر لك ما يتعلق بهذا البحث فتذكر.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} (43) - فَهَلاّ، إِذ ابْتَلاَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ البَلاءِ، تَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَتَوَسَّلُوا، حِينَ جَاءَتْهُمْ مُقَدِّمَاتُ العَذَابِ، لِيَكْشِفَهُ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّ قُلُوبَهُمْ قَسَتْ فَلَمْ تَرِقَّ وَلَمْ تَخْشَعْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ الشِّرْكِ وَالمَعَاصِي وَالمُعاَنَدَةِ، وَحَسَّنَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَثْبُتُوا عَلَى مَا وَجَدُوا آبَاءَهُمْ عَلَيْهِ. جَاءَهُمْ بَأْسُنا - أَتَاهُمْ عَذَابُنَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنه - سبحانه - يحثهم ويحضهم على أن يتضرعوا ويتذللوا إلى الله ليرفع عنهم ما نزل بهم، ولكن قلوبهم القاسية تمنعهم حتى في لحظة المس بالضر أن يلجأوا إلى الله خوفاً من اتباع التكليف. إن قسوة القلب تكون بالصورة التي لا ينفذ إليها الهدى وكما قال الحق: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [المطففين: 14]. أي صارت قلوبهم مغلقة ومغطاة بعد أن طبع الله وختم عليها فلا تقبل الخير ولا تميل إليه، فلا يؤمنون. ويتابع الحق القول الكريم: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَلَوْلاۤ} فهل لا {إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} [الأنعام: 43]، وعلموا أن حقائق ألطافنا مودعة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في صداق شدائد بأسنا ومحبتنا، واستقبلوا بصدق الالتجاء وحسن التضرع في الدعاء لكشف ضراء النعمة وبلاء الغفلة {وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنعام: 43]، باتباع الهوى واستجلاء الدنيا واستيفاء لذاتها والتمتع بشهواتها، فوجد الشيطان فرصة التزيين والأعداء ومجال الحث والإغراء {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43]، من متابعة الهوى والخواص على الدنيا وتكذيب الرسل والإعراض عن الحق {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} [الأنعام: 44]، من معارضة البأساء والضراء، فإنها تذكر أيام الرجاء وتعرف قدر الصحبة والنعماء، وهذا يؤدي إلى رؤية النعمة ويوجب الشكر عليها، والشكر يدل على رؤية النعم في المنعم فكلما كانت القساوة موجبة لنسيان النعماء ومانعة لقبول دعوة الأنبياء {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44]، من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهرة بالنعمة من المال والجاه والقبول والصحة وأمثالها، ولأرباب الباطن النعمة الباطنة من فتوحات الغيب وإراءة الآيات وظهور الكرامات ورؤية الأنوار وكشف الأسرار والأشراف على الخواطر وصفاء الأوقات ومشاهدة الروحانية وأشباهها مما يربي بها أطفال الطريقة فإن كثيراً من متوسطي هذه الطائفة تعتريهم الآفات في أثناء السلوك عند سآمة النفس من المجاهدات وملالتها من كثيرة الرياضات، فيوسوسهم الشيطان وتسول لهم أنفسهم أنهم قد بلغوا في السلوك رتبة قد استغنوا بها عن صحبة الشيخ وتسليم تصرفاته، فيخرجون من عنده ويشرعون في الطلب على هواء نفوسهم فيقعون في ورطة الخذلان وسخرة الشيطان، فيريهم الأشياء الخارقة للعادة وهم يحسبون أنها من نتائج العبادة {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ} [الأنعام: 44]، وغرهم بالله الغرور {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأنعام: 44]، بفقد الأحوال على سوء الحال، فلا يبقى لهم إلا القيل والقال والدعوى المحال {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] متحيرون في تيه الغرور {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} [الأنعام: 45] على أنفسهم بالإعراض والاعتراض {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45]، على إظهار اللطف وإظهار القهر لأصحابه؛ ليعرفه العارفون بصفات اللطف والقهر وإن الكل من عند الله. ثم أخبر عن آثار لطفه وقهره بقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} [الأنعام: 46]، إلى قوله: {أية : يَفْقَهُونَ}تفسير : [الأنعام: 65]، الإشارة فيها أن الله تعالى أعطى عموم الخلق السمع والأبصار والأفئدة التي بها يفقهون كلام الحق وبها يسمعون وبها يبصرون بالحق، ثم قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} التي أعطاكموها {وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} [الأنعام: 46]؛ يعني: هو الذي يأخذكم وهو الذي يرد إليكم مرة أخرى إن شاء وكيف شاء ثم قال تعالى: {ٱنْظُرْ} [الأنعام: 46]، يا محمد {كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} [الأنعام: 46] وهو السمع والأبصار الحقيقي عن الكفار ويأخذها {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 46]، يعرضون عن الحق بعد ذلك. ثم عمَّ الخطاب وقال تعالى: {قُلْ} [الأنعام: 47] يا محمد {أَرَءَيْتَكُمْ} [الأنعام: 47]، يا أهل السعادة ويا أهل الشقاوة {إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} [الأنعام: 47]، من الآفات والحوادث والأمراض، وغير ذلك ابتلاء وامتحاناً {بَغْتَةً} [الأنعام: 47]، يعني: من غير سبب ظاهر مثل أخذ السمع والأبصار والختم على القلوب {أَوْ جَهْرَةً} [الأنعام: 47]؛ يعني: بسبب ظاهر مثل الفسوق والعصيان والكفران {هَلْ يُهْلَكُ} [الأنعام: 47]؛ يعني: ربما ابتليتهم به {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [الأنعام: 47]، الذين ظلموا أنفسهم يصرف استعداد عبودية الحق في متابعة الهوى، وهي غير موضعه ويثبت عليها، فإن من ابتلى بنوع من البلاء تاب ورجع منه فهو غير هالك على الحقيقة.