Verse. 833 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

فَلَمَّا نَسُوْا مَا ذُكِّرُوْا بِہٖ فَتَحْنَا عَلَيْہِمْ اَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ۝۰ۭ حَتّٰۗي اِذَا فَرِحُوْا بِمَاۗ اُوْتُوْۗا اَخَذْنٰہُمْ بَغْتَۃً فَاِذَا ہُمْ مُّبْلِسُوْنَ۝۴۴
Falamma nasoo ma thukkiroo bihi fatahna AAalayhim abwaba kulli shayin hatta itha farihoo bima ootoo akhathnahum baghtatan faitha hum mublisoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما نسوا» تركوا «ما ذكروا» وُعظوا وخوفوا «به» من البأساء والضراء فلم يتعظوا «فتحنا» بالتخفيف والتشديد «عليهم أبواب كلِّ شيء» من النعم استدراجا لهم «حتى إذا فرحوا بما أوتوا» فرح بطر «أخذناهم» بالعذاب «بغتة» فجأة «فإذا هم مبلسون» آيسون من كل خير.

44

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا الكلام من تمام القصة الأولى فبيّن الله تعالى أنه أخذهم أولاً بالبأساء والضراء لكي يتضرعوا ثم بيّن في هذه الآية أنهم لما نسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء فتحنا عليهم أبواب كل شيء، ونقلناهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء وأنواع الآلاء والنعماء، والمقصود أنه تعالى عاملهم بتسليط المكاره والشدائد عليهم تارة فلم ينتفعوا به، فنقلهم من تلك الحالة إلى ضدها وهو فتح أبواب الخيرات عليهم وتسهيل موجبات المسرات والسعادات لديهم فلم ينتفعوا به أيضاً. وهذا كما يفعله الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلباً لصلاحه حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الخير والنعم، لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر ولا إقدام على اعتذار وتوبة، فلا جرم أخذناهم بغتة. واعلم أن قوله {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} معناه فتحنا عليهم كل شيء كان مغلقاً عنهم من الخير، {حتى إذا فرحوا} أي إذا ظنوا أن الذي نزل بهم من البأساء والضراء ما كان على سبيل الانتقام من الله. ولما فتح الله عليهم أبواب الخيرات ظنوا أن ذلك باستحقاقهم، فعند ذلك ظهر أن قلوبهم قست وماتت وأنه لا يرجى لها انتباه بطريق من الطرق، لا جرم فاجأهم الله بالعذاب من حيث لا يشعرون. قال الحسن: في هذه الآية مكر بالقوم ورب الكعبة، وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج من الله تعالى» تفسير : ثم قرأ هذه الآية. قال أهل المعاني: وإنما أخذوا في حال الرخاء والراحة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية وقوله: {فإذا هم مبلسون} أي آيسون من كل خير. قال الفرّاء: المبلس الذي انقطع رجاؤه، ولذلك قيل للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس. وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحزين، والابلاس في اللغة يكون بمعنى اليأس من النجاة عند ورود الهلكة، ويكون بمعنى انقطاع الحجة، ويكون بمعنى الحيرة بما يرد على النفس من البلية وهذه المعاني متقاربة. ثم قال تعالى: {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} الدابر التابع للشيء من خلفه كالولد للوالد يقال: دبر فلان القوم يدبرهم دبوراً ودبراً إذا كان آخرهم. قال أُمية بن أبي الصلت: شعر : فاستؤصلوا بعذاب حص دابرهم فما استطاعوا له صرفا ولا نتصروا تفسير : وقال أبو عبيدة: دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم. وقال الأصمعي الدابر الأصل يقال قطع الله دابره أي أذهب الله أصله. وقوله: {والحمد لله ربّ العالمين} فيه وجوه: الأول. معناه أنه تعالى حمد نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم لأن ذلك كان جارياً مجرى النعمة العظيمة على أولئك الرسل في إزالة شرهم عن أولئك الأنبياء. والثاني: أنه تعالى لما علم قسوة قلوبهم لزم أن يقال: إنه كلما ازدادت مدة حياتهم ازدادت أنواع كفرهم ومعاصيهم، فكانوا يستوجبون به مريد العقاب والعذاب فكان إفناؤهم وإماتتهم في تلك الحالة موجباً أن لا يصيروا مستوجبين لتلك الزيادات من العقاب فكان ذلك جارياً مجرى الانعام عليهم. والثالث: أن يكون هذا الحمد والثناء إنما حصل على وجود إنعام الله عليهم في أن كلفهم وأزال العذر والعلة عنهم ودبرهم بكل الوجوه الممكنة في التدبير الحسن، وذلك بأن أخذهم أولاً بالبأساء والضراء، ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء، وأمهلهم وبعث الأنبياء والرسل إليهم، فلما لم يزدادوا إلا انهماكاً في الغي والكفر، أفناهم الله وطهر وجه الأرض من شرهم، فكان قوله: {والحمد الله ربّ العالمين} على تلك النعم الكثيرة المتقدمة.

البيضاوي

تفسير : {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ} من البأساء والضراء ولم يتعظوا به. {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيْءٍ} من أنواع النعم مراوحة عليهم بين نوبتي الضراء والسراء، وامتحاناً لهم بالشدة والرخاء إلزاماً للحجة وإزاحة للعلة، أو مكراً بهم لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال «حديث : مكر بالقوم ورب الكعبة». تفسير : وقرأ ابن عامر {فَتَحْنَا} بالتشديد في جميع القرآن ووافقه يعقوب فيما عدا هذا والذي في «الأعراف». {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ } أعجبوا {بِمَا أُوتُواْ} من النعم ولم يزيدوا غير البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه سبحانه وتعالى. {أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} متحسرون آيسون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا نَسُواْ } تركوا {مَا ذُكّرُواْ } وُعِظُوا وخُوِّفوا {بِهِ } من البأساء والضرّاء فلم يتعظوا {فَتَحْنَا } بالتخفيف والتشديد {عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ } من النعم استدراجاً لهم {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ } فَرَحَ بَطَرٍ {أَخَذْنَٰهُمْ } بالعذاب {بَغْتَةً } فجأة {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } آيسون من كل خير.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فلما نسوا ما ذكروا به} أي تركوا ما وعظوا به وقيل تركوا العمل بما أمرتهم به الرسل وإنما كان النسيان بمعنى الترك لأن التارك للشيء معرضاً عنه كأنه قد صيره بمنزلة ما قد نسي {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} يعني بدلنا مكان البأساء والرخاء والسعة في الرزق والعيش ومكان الضراء الصحة والسلامة في الأبدان والأجسام وذلك استدراج منه لهم. وقيل: فتحنا عليهم أبواب كل شيء من الخير كان مغلقاً عنهم {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} يعني فرحوا بما أوتوا من السعة والرخاء والصحة في الأبدان والمعيشة وظنوا أن ما كان نزل بهم من الشدة لم يكن انتقاماً من الله تعالى فإنهم لما فتح الله عليهم ما فتح من الخير والسعة فرحوا به وظنوا أن ذلك باستحقاقهم وهذا فرح بطر كما فرح قارون بما أوتي من الدنيا {أخذناهم بغتة} يعني جاءهم عذابنا فجأة من حيث لا يشعرون قال الحسن مكر بالقوم ورب الكعبة، وقال أهل المعاني: إنما أخذوا في حال الرخاء والسلامة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية والتصرف فى ضروب اللذة، فأخذناهم في آمن ما كانوا وأعجب ما كانت الدنيا إليهم {فإذا هم مبلسون} أى آيسون من كل خير، وقال الفراء المبلس اليائس المتقطع رجاءه ولذلك يقال لمن يسكت عند انقطاع حجته ولا يكون له جواب قد أبلس وقال الزجاج المبلس الشديد الحزن والحسرة وقال أبو عبيدة المبلس النادم والحزين والإبلاس هو الإطراق من الحزن والندم روى عقب بن عامر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك استدراج ثم تلا {فلما نسوا ما ذكروا به} الآية"تفسير : ذكره البغوي بغير سند وأسند ه الطبري. وقوله تعالى: {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} أي آخرهم الذي يدبرهم. يقال: دبر فلان القوم، إذا كان آخرهم. والمعنى: أنهم استؤصلوا بالعذاب فلم تبق منهم باقية {والحمد لله رب العالمين} قال الزجاج: حمد الله نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم ومعنى هذا أن قطع دابرهم نعمة أنعم الله بها على الرسل الذين أرسلوا اليهم فكذبوهم فذكر الحمد تعليماً للرسل ولمن آمن بهم ليحمدوا الله على كفايتهم إياهم شر الذين ظلموا وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ربهم، إذ أهلك المشركين المكذبين. وقيل: معناه الثناء الكامل والشكر الدائم لله رب العالمين على إنعامه على رسله وأهل طاعته بإظهار حجتهم على من خالفهم وإهلاك أعدائهم واستئصالهم العذاب.

ابن عادل

تفسير : وهذا من تمام القصة الأولى بيَّن تعالى أنه أخذهم بالبَأسَاءِ والضرَّاءِ لعَلَّهُمْ يَتَضرَّعُوا ثُمَّ بيَّن في هذه الآية أنهم لما نَسُوا ما ذُكِّروا به من البَأسَاءِ والضَّرَّاءِ فَتَحْنَا عليهم أبواب كُلِّ شيء، ونَقَلْنَاهُمْ من البَأسَاءِ والضَّرَّاء إلى الرَّاحةِ والرَّخاءِ، وأنواع الآلاَءِ والنعماءِ والمقصودُ أنه - تعالى - عَامَلَهُمْ بِتَسْلِيطِ المَكَارِهِ والشَّدَائِدِ تَارَةً، فلم ينتفعوا به، فَنَقَلَهُمْ من تلك الحَالَةِ إلى ضِدِّهَا، وهو فتح أبواب الخيرات عليهم، فلم ينتفعوا به أيضاً، وهذا كما يَفْعَلُهُ الأبُ المُشْفِق بولَدِهِ يُخَاشِنُهُ تَارَةً ويُلاطِفُهُ أخرى طَلَباً لصَلاحِهِ. قوله: "فَتَحْنَا": قرأ الجمهور "فَتَحْنَا" مخفَّفاً، وابن عامر "فَتَّحْنَا" مثقلاً، والتثقيلُ مُؤذِن بالتكثير؛ لأن بَعْدَهُ "أبواب" فناسب التكثير والتخفيف هو الأصل. وقرأ ابن عامر أيضاً في "الأعراف" {أية : لَفَتَحْنَا} تفسير : [الأعراف: 96] وفي "القمر" {أية : فَفَتَحْنَآ} تفسير : [القمر:11] بالتَّشديد أيضاً، وشدَّدَ أيضاً {أية : فُتِحَتْ يَأْجُوجُ} تفسير : [الأنبياء:96] والخلافُ أيضاً في {أية : فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} تفسير : في "الزمر" في الموضعين [آية 71، 73]، {أية : وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ} تفسير : في النبأ [آية 19] فإن الجماعة وافقوا ابن عامر على تشديدها، ولم يَقْرَأها بالتخفيف إلاَّ الكوفيون، فقد جَرَى ابن عامر على نَمَطٍ واحدٍ في هذا الفِعْلِ، والباقون شَدَّدُوا في المواضع الثلاثة المُشَارِ إليها، وخَفَّفُوا في الباقي جَمْعاً بين اللغتين. قوله: {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} "إذا" هي الفُجَائِيَّةُ، وفيها ثلاثة مذاهب: مذهب سيبويه أنها ظرف مكان، ومذهبُ جماعة منهم الرّياشي أنها ظرف زمان، ومذهب الكُوفيين أنها حرف، فعلى تقدير كونها ظَرْفاً زماناً أو مكاناً النَّاصبُ لها خبر المبتدأ، أي: أبْلِسُوا في مكان إقامَتِهِمْ أو في زمانها. والإبْلاسُ: الإطْرَاقُ. وقيل: هو الحزن المعترض من شدة البَأسِ، ومنه اشْتُقَّ "إبْلِيسُ" وقد تقدَّم في موضعه، وأنَّهُ هل هو أعجمي أم لا؟ قال القرطبي: المُبْلسُ الباهت الحزين الآيسُ من الخير الذي لا يحيرُ جواباً لشدَّةِ ما نزل به من سُوءِ الحالِ. قال العجَّاج: [الرجز] شعر : 2175- يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَسَا قال: نَعَمْ أعْرِفُه وأبْلَسَا تفسير : أي: تحيّر لهَوْل ما رَأى، ومن ذلك اشْتُقَّ اسم إبْلِيس، وأبْلَسَ الرَّجُلُ سَكَتَ، وأبْلَسَت النَّاقَةُ وهي مبلاسٌ إذا لم تَرْعَ من شِدَّةِ الضّبَعة يقال: ضَبِعَت النَّاقة تَضْبَع ضَبَعَةً وضَبْعاً إذا أرادت الفَحْلَ. فصل في معنى الآية المعنى: فتحنا عليهم أبْوابَ كُلِّ شيء كان مُغْلَقاً عنهم من الخير، أي: لمَّا قَسَتْ قلوبهم ولم يَتَفَطَّنُوا ونَسُوا ما ذكروا به من الوَعْظِ فَتَحْنَا عليهم أبْوَابَ الخير مكان البلاء والشِّدَّة حتى إذا فَرِحُوا بما أوتوا، وهذا فَرَحُ بَطَرٍ مثل فرح قارون بما أصاب من الدنيا. قال الحسنُ: في هذه الآية مَكْرٌ بالقوم وربِّ الكعبة. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : "إذَا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي العَاصِي، فإنَّ ذَلكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنَ اللَّهِ" ثم قرأ هذه الآية. ثم قال "أخَذْنَاهُم بَغْتَةً": فُجَاءةً أين ما كانوا . تفسير : قال أهْلُ المعاني: وإنما أخذوا في حَالِ الرَّاحةِ والرَّخَاءِ ليكون أشَدَّ لِتحَسُّرِهِمْ على ما فَاتَهُمْ من حال السلامة والعَافِيَةِ، "فإذا هم مُبْلسون" آيِسُونَ من كُلِّ خيرٍ. قال الفرَّاء: المُبْلسُ الذي انقطع رَجَاؤهُ, ولذلك قيل للذي سكت عند انقطاع حُجَّتِهِ: قد أبْلِسَ. وقال الزَّجَّاجُ: المُبْلسُ الشديد الحَسْرَةِ الحزين. قوله: "فَقُطِعَ دَابِرُ" الجمهور على "فَقُطِعَ" مَبْنِيَّا للمفعولِ "دابرُ" مرفوعٌ به. وقرأ عِكْرِمَةُ: "قطع" مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى، "دَابِرَ" مفعول به، وفيه التِفَاتٌ، إذ هو خروج من تكلم في قوله: "أخَذْنَاهُمْ" إلى غَيْبَةٍ. و"الدَّابِرُ" التَّابعُ من خَلْفٍ، يقال: دَبَرَ الوَلَدُ والِدَه، ودَبَرَ فلان القَوْمَ يَدْبُرُهُمْ دُبُوراً ودَبْراً. وقيل: الدَّابرُ الأصْلُ، يقال: قَطَع اللَّهُ دَابِرَهُ، أي: أصله قاله الأصْمَعِيُّ، وقال أبُو عُبَيْدٍ: "دَابِرُ القوم آخِرُهُمْ"، وأنشدوا لأميَّة بن أبي الصَّلْتِ: [البسيط] شعر : 2176- فاستُؤصِلُوا بِعَذَابٍ حَصَّ دَابِرَهُمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ صَرْفاً وَلاَ انْتَصَرُوا تفسير : ومنه دَبَرَ السَّهْمُ الهَدَفَ، أي: سقط خَلْفَهُ. وفي الحديث عن عبد الله بن مَسْعُودٍ "حديث : مِنَ النَّاسِ مَنْ لا يَأتِي الصَّلاةَ إلاَّ دُبريًّا" تفسير : أي: في آخر الوقت. فصل في المراد بالآية والمعنى أنَّ الله - تعالى - اسْتَأصَلَهُمْ العذاب، فلم يُبْقِ بَاقِيَةً. و "الحمد لله رب العالمين". قيل: على هَلاّكِهِمْ. وقيل: تعليمٌ للمؤمنين كيف يَحْمَدُونَهُ، حَمَدَ اللَّهُ نَفْسَهُ على أنْ قَطَعَ دَابِرَهُم؛ لأنه نِعْمَةٌ على الرُّسُلِ، فَذَكرَ الحمْدَ تَعْلِيماً لهم، ولمن آمن بهم أن يَحْمَدُوا الله على كِفَايَتِهِ شَرَّ الظالمين، وليحمد محمد وأصحابه رَبَّهُمْ إذا أهلكنا المكذّبين. وتضَمَّنَتْ هذه الآية الحُجَّة على وحوب ترك الظلم لما تعقَّب من قَطْعِ الدَّابرِ إلى العذابِ الدائم مع اسْتِحْقَاقِ القاطعِ للحمد من كل حَامِدٍ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {فلما نسوا ما ذكروا به} قال: يعني تركوا ما ذكروا به . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {فلما نسوا ما ذكروا به} قال: ما دعاهم الله إليه ورسله أبوه وردوه عليهم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} قال: رخاء الدنيا ويسرها على القرون الأولى. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} قال: يعني الرخاء وسعة الرزق . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} قال: من الرزق {أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} قال: مهلكون متغير حالهم {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} يقول: قطع أصل الذين ظلموا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن النضر الحارثي في قوله {أخذناهم بغتة} قال: أمهلوا عشرين سنة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {فإذا هم مبلسون} قال: المبلس المجهود المكروب الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه، والمبلس أشد من المستكبر، وفي قوله {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} قال: استؤصلوا . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {فإذا هم مبلسون} قال: الاكتئاب. وفي لفظ قال: آيسون . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: الإِبلاس تغيير الوجوه، وإنما سمي إبليس لأن الله نكس وجهه وغيره . وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني في الكبير وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا رأيت الله يعطي العبد في الدنيا وهو مقيم على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج تفسير : ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ....} الآية، والآية التي بعدها . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الله تبارك وتعالى إذا أراد بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف، وإذا أراد بقوم اقتطاعاً فتح لهم أو فتح عليهم باب خيانة {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: من وسع عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له، ثم قرأ {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء} الآية. وقال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجاتهم ثم أخذوا . وأخرج ابن المنذر عن جعفر قال: أوحى الله إلى داود، خفني على كل حال، وأخوف ما تكون عند تظاهر النعم عليك، لا أصرعك عندها، ثم لا أنظر إليك . وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي حازم قال: إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره. قال: وكل نعمة لا تقرب من الله عز وجل فهي بلية . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة} قال: بغت القوم أمر الله، ما أخذ الله قوماً قط إلا عند سلوتهم وغرتهم ونعيمهم، فلا تغتروا بالله فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: إن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا شبعت ماتت، وكذلك ابن آدم إذا امتلأ من الدنيا أخذه الله عند ذلك، ثم تلا {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة} . وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} قال: قطع أصلهم واستؤصلوا من ورائهم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول زهير وهو يقول: شعر : القائد الخيل منكوباً دوابرها محكومة بحكام العدو الأنفا

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} وصف قوما تركوا نصائح المشائخ من اعجابهم بارئهم ولم يتيقظوا بدقائق الهام الله الذى نزل على قلوبهم حين زجرهم طوارق الغيب عن سكونهم بما وجدوا من نفسهم نبذة من الحكم ولمعا من الفراسة وهذا معنى فلما نسوا ما ذكروا به ولما سكنوا الى انفسكم لما وجدوا من لطائف الكرامات فتح الله عليهم ابواب الرياسة والجاه عند الخلق حتى اذا فرحوا تمكينهم عند العوام يراد الله قلوب الخلق عنهم وفتحهم عندهم عرف الخلائق خيانتهم ومكرم وسقوطهم عن درجة القوم حتى لا ينظر اليهم احد من خلقه بالشفقة والرحمة ويموتون على حسراتهم وهذا معنى قوله تعالى {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} وقوله تعالى {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} اى يسون من نيل كرامات الله بعد ذلك لانهم خانوا فى طريقه وهو لا يهدى كيد الخائنين فلما اقدس الله بساط الولاية عنهم ودفع ايذائهم عن خواص حضرته اثنى على نفسه وحمد جلاله المنزه عن الاستبشار بوجودهم والاستيحاش عن عدمهم نيابة عن احباء الذين عجزوا عن حمده وثنائه بقوله تعالى {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قوله تعالى {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} الاشارة فى ذلك الى اهل مقام ذهاب الذهاب اى ان اخذ الله اسماع اسراراكم بصواعق العظمة وطمس بطون بصائركم بانوار العزة وختم على قلوبكم بخواتم الملكوت والجبروت بعد امثالائها من انوار الكبرياء وفنائها فى سنا البقاء حين غلبت سطوات القدم على الحدث بنعت تلاشى الحدث فيبقى ولا يبقى العدم من يكون بعد عدمه فى القدم ممن يدعى الانانية ويخرج نفسه بعد نفائها من تحت اذيال الاحدية بوصف سمع الازل وبصر الابدى وقلب الصمدى لا يكون للفانى فى الباقى اثر فانه تعالى قادر به بذلك منزه عن النظير والعديل قال الترمذى ان اخذ الله سمعكم عن فهم خطابه وابصاركم عن الاعتبار بصنايع قدرته وختم على قلوبكم سلبكم معرفته هل احد يقدر فتح باب من هذه الابواب سواه كلا بل هو المبدى بالنعمة تفضى ومتمها فى الانهاء تكرما.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما نسوا ما ذكروا به} عطف على مقدر اى فانهمكوا فيه ونسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء فلما نسوه {فتحنا عليهم ابواب كل شئ} من فنون النعماء على منهاج الاستدراج {حتى} ابتدائية ومع ذلك غاية لقوله فتحنا {اذا فرحوا بما أوتوا} اى صاروا معجبين بحالهم. فالفرح فرح البطن كفرح قارون بما اصابه من الدنيا {أخذناهم} بالعذاب {بغتة} اى فجأة ليكون اشد عليهم وقعا وافظع هولا كما قال اهل المعانى انهم انما اخذوا فى حال الراحة والرخاء ليكون اشد تحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية {فإذا هم مبلسون} متحسرون غاية الحسرة آيسون من كل خير راجون فاذا للمفاجأة. والابلاس بمعنى اليأس من النجاة عند ورود المهلكة والمعنى الحسرة والحزن.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر وابو جعفر، وورش {فتحنا} وفي الاعراف {لفتحنا} وفي الانبياء {فتحت} وفى القمر {ففتحنا أبواب السماء} بالتشديد فيهن، وافقهم روح في الانبياء والقمر. والباقون بالتخفيف فيهن. ومن ثقل أراد التكثير، ومن خفف أراد الفعل مرة واحدة. بين الله تعالى بهذه الآية ان هؤلاء الكفار لما لم ينتفعوا بالبأساء والضراء على ما اقتضت مصلحتهم، ونسوها أي تركوها فصارت في حكم المنسى ابتليناهم بالتوسعة في الرزق ليرغبوا بذلك في نعيم الآخرة، وينبهوا عليه، فيطيعوا ويرجعوا عما هم عليه، فلما لم ينجع ذلك فيهم ولم يرتدعوا عن الفرح بما أوتوا، ولم يتَّعظوا ولم ينفعهم الزجر بالضراء والسراء، ولا الترغيب بالتوسعة والرخاء احللنا بهم العقوبة بغتة أي مفاجأة من حيث لا يشعرون {فإذا هم مبلسون}. قال الزجاج: (المبلس) الشديد الحسرة و (البائس) الحزين. وقال البلخي: معنى مبلسون يعني: أذلة خاضعين. وقال الجبائي: معنى {مبلسون} آيسون، وقال الفراء المبلس: المنقطع الحجة، قال رؤبة: شعر : وحضرت يوم خميس الاخماس وفى الوجوه صفرة وابلاس تفسير : وقال مجاهد: الابلاس السكوت مع اكتآب. وقوله {كل شيء} المراد به التكثير دون العموم، وهو مثل قوله {أية : وأوتيت من كل شيء}تفسير : وكقول القائل: أكلنا عنده كل شىء ورأينا منه كل خير، وكما يقال هذا قول اهل العراق، واهل الحجاز، ويراد به قول اكثرهم. وقال تعالى: {أية : ولقد أريناه آياتنا كلها}تفسير : وكل ذلك يراد به الخصوص، وموضوعه التكثير، والتفخيم. واذا علمنا في الجملة بالعقل ان هذه الآيات مخصوصة، فلا ينبغي ان يعتقد فيها تخصيص شىء بعينه، وليس علينا اكثر من ان نعتقد أنهم اوتوا خيرا كثيرا، وفتح عليهم أبواب أشياء كثيرة كانت متغلقة عليهم، وليس يلزمنا اكثر من ذلك. فان قيل الذي يسبق الى القلوب غير ما تأولتم عليه وهو ان الله انما فتح عليهم أبواب كل شىء ليفرحوا ويمرحوا ليستحقوا العقاب. قلنا: الظاهر وان كان كذلك انصرفنا عنه بدليل، كما انصرفنا عنه قوله: {أية : الرحمن على العرش أستوى}تفسير : وعن قوله{أية : وجاء ربك}تفسير : وعن قوله: {أية : أأمنتم من في السماء}تفسير : فكما يجب ان نترك ظاهر هذه الآيات وان كان ظاهرها التشبيه فكذلك ترك ما ظاهره يوجب اضافة القبيح اليه وينافى عدله ويعدل الى ما يليق بحكمته وعدله. وقوله {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} معناه أخذهم الذي يدبرهم ويدبرهم، لغتان - بضم الباء وكسرها - وهو الذي يكون في أعقابهم. وروي عن أبي عبد الله (ع) انه قال: من الناس من لا يأتي الصلاة إِلا دبريا - بضم الدال - يعني في آخر الوقت، هذا قول اصحاب الحديث. وقال أبو زيد الا دبريا بفتح الدال والباء. ثم حمد الله تعالى نفسه بأن استأصل ساقتهم وقطع دابرهم بقوله {والحمد لله رب العالمين} لانه تعالى أرسل اليهم وانظرهم بعد كفرهم وأخذهم بالبأساء والضراء، والنعمة والرخاء، فبالغ في الانذار والامهال، فهو محمود على كل حال.

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} من البأساء والضّرّاء بترك الاتّعاظ بها {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} من المأمولات والمهويّات استدراجاً لهم وامهالاً {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ} ممّا يرونهم نعمة {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} الابلاس اليأس والتّحيّر وقيل منه ابليس وقيل انّه اعجمىّ.

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدثني محمد بن الحسن [بن إبراهيم] معنعناً: عن جابر قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى: {فلمّا نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء} إلى {رب العالمين} قال أبو جعفر عليه السلام: أما قوله: {فلما نسوا ما ذكروا به} يعني فلما تركوا ولاية علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] وقد أمروا بها.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا نسُوا ما ذُكِّرُوا بهِ} أى تركوا ما وعظوا به، أو تركوا العمل بما أمرتهم الرسل بالعمل به كذا قيل، والمناسب لما قبله أن يكون ما ذكروا به البأساء والضراء، والنسيان قيل: حقيقة فى الترك ولو عمداً، وفى الذهاب عن الحافظة، وقيل: حقيقة فيه مجاز فى الترك عمداً بأن شبه الترك عمداً بالترك نسياناً مبالغة، لأن الزائل عن الحافظة ليس فى الحافظة. {فَتحْنَا} وقرأ ابن عامر بالتشديد فى جميع القرآن، فوافقه يعقوب فى غير هذا، والذى فى الأعراف {عَليهم أبْواب كلِّ شئٍ} من النعم أى مخارج النعم مثل أن يثمر لهم الأرض والشجر، وينمى لهم الضرع والبطن امتحاناً بالرخاء بعد الامتحان بالشدة، واستدراجاً، وقال عليهم للكثرة إذ غمرهم فى الخيرات، وغلب عليهم، وقيل: بدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة فى الرزق، ومكان الضراء الصحة والسلامة، أخذهم وألا بالمكروه ليتضرعوا، وثانياً بالمحبوب ليشكروا ولم يفعلوا، وذلك إلزام للحجة، وإزاحة للعذر، وهو متضمن للمكر بهم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مكر بالقوم ورب الكعبة" تفسير : قال عقبة بن عامر: إن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا رأيت الله تعالى يعطى العباد ما يشاءون على معاصيهم فذلك استدراج، ثم تلا فلما نسوا ما ذكروا به" تفسير : الآية. {حتَّى إذا فَرحُوا} فرح بطر واشتمال عن الشكر بالمعاصى {بما أوتُوا أخذْناهُم} استأصلناهُم إلينا {بغتة} فجأة {فإذا هم مبْلسُون} منقطعون عن الرجاء، قال بعض السلف: قلما أخذ الله قوماً قط إلا عند سلوتهم وغبطتهم، أغفل مما يكونون فيجيئهم أعظم إياس عند أعظم أمن، قال الحسن: ومن وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأى له، ومن فتر فلم ير أنهُ ينظر إليه فلا رأى له، ثم قرأ عليه الآية، وقال الزجاج: المبلس الشديد الحزن والحسرة وقيل: المطرق برأسه من الحزن.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا نَسُوا} تركوا {مَا ذُكِّرُوا} وعظوا {بِهِ} من البأْساءِ والضراء، ولم يتضرعوا، وقيل: المراد بالنسيان هنا لازم ترك ما وعظوا به، وهو الانهماك فى المعاصى {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ} أَى لهم استدراجاً وذلك بصورة النفع ولكن عاقبته الشر وهو حكمة لفظة على، ومن حكمتها التكثير كالشئ المتدلى عليهم المجلل لهم من فوقهم وجوانبهم كما قال {أَبْوَابَ كُلَّ شَئٍ} فإِن المعنى أَنواع النعم كالرزق والصحة والجاه، أَخذوا حال النِعم الكثيرة والفرح ليكون أَشد عليهم لتحسرهم على ما فاتهم، وبيان أَن الأَمر على غير ما اطمأَنوا إِليه، {حَتَّى} غاية لفتحنا، أَو فعلوا ما فعلوا حتى {إِذا فَرِحُوا} فرح بطر واطمأَنوا {بِمَا أتوتوا} من النعم معجبين به، ومشتغلين به عن القيام بحق المُنْعم، {أَخَذْنَاهُمْ} بالعذاب {بَغْتَةً} فجأَة {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} آيسون من كل خير فى انكسار وحزن، فإِن الإِبلاس انقطاع الرجاء مع حزن وانكسار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : مكر بالقوم ورب الكعبةتفسير : ، فسر به بعضهم قوله: فتحنا عليهم أَبواب كل شئ، ولم ير بعضهم أَن ذلك مرفوع بل موقوف على صحابى أَو تابعى، قال عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِذا رأيت الله يعطى العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته، فإِن ذلك منه استدراج"تفسير : ، ثم تلا: فلما نسوا ما ذكروا به: الآيتين، رواه أَحمد والطبرانى والبيهقى فى شعب الإِيمان، قال الحسن البصرى: مكر بالقوم ورب الكعبة، اعطوا حاجتهم ثم أخذوا، وقال أَيضاً: من وسع عليه فلم ير أَنه يمكر به، أَى فلم يظن، فلا رأى له، ومن قتر عليه فلم ير أَنه ينظر له، أَى فى الصلاح، فلا رأى له، ثم قرأَ الآية والحديث: مكر بالقوم إِلخ. وعن عمر رضى الله عنه: من وسع عليه فى دنياه ولم يعلم أَنه مكر به فهو مخدع عن عقله، أَى وهو مقيم على المعاصى، أَو أريد بمن هذا المقيم.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ} أي تركوا ما دعاهم الرسل عليهم الصلاة والسلام إليه وردوه عليهم ولم يتعظوا به كما روي عن ابن جريج، وقيل: المراد أنهم انهمكوا في معاصيهم ولم يتعظوا بما نالهم من البأساء والضراء فلما لم يتعظوا {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ} من النعم الكثيرة كالرخاء وسعة الرزق مكراً بهم واستدراجاً لهم. فقد روى أحمد والطبراني والبيهقي في «شعب الإيمان» من حديث عقبة بن عامر مرفوعاً « حديث : إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد في الدنيا وهو مقيم على معاصيه فإنما هو استدراج ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَلَمَّا نَسُواْ } الآية وما بعدها » تفسير : وروي عن الحسن أنه لما سمع الآية قال: مكر بالقوم ورب الكعبة أعطوا حاجتهم ثم أخذوا وقيل: المراد فتحنا عليهم ذلك إلزاماً للحجة وإزاحة للعلة، والظاهر أن {فَتَحْنَا } جواب (لما) / لأن فيها سواء قيل بحرفيتها أو اسميتها معنى الشرط. واستشكل ذلك بأنه لا يظهر وجه سببية النسيان لفتح أبواب الخير. وأجيب بأن النسيان سبب للاستدراج المتوقف على فتح أبواب الخير، وسببية شيء لآخر تستلزم سببيته لما يتوقف عليه أو يقال: إن الجواب ما ذكر باعتبار ماله ومحصله وهو ألزمناهم الحجة ونحوه وتسببه عنه ظاهر، وقيل: إنه مسبب عنه باعتبار غايته وهو أخذهم بغتة. وقرأ أبو جعفر وابن عامر {فَتَحْنَا } بالتشديد للتكثير. {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ } فرح بطر {بِمَا أُوتُواْ} من النعم ولم يقوموا بحق المنعم جل شأنه {أَخَذْنَـٰهُمْ } عاقبناهم وأنزلنا بهم العذاب {بَغْتَةً } أي فجأة ليكون أشد عليهم وأفظع هولاً، وهي نصب على الحالية من الفاعل أو المفعول أي مباغتين أو مبغوتين أو على المصدرية أي بغتناهم بغتة {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } أي آيسون من النجاة والرحمة كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقال البلخي: أذلة خاضعون، وعن السدي الإبلاس تغير الوجه ومنه سمي إبليس لأن الله تعالى نكس وجهه وغيره، وعن مجاهد هو بمعنى الاكتئاب. وفي «الحواشي الشهابية» للإبلاس ثلاثة معان في اللغة: الحزن والحسرة واليأس وهي معان متقاربة. وقال الراغب: هو الحزن المعترض من شدة اليأس، ولما كان المبلس كثيراً ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه قيل: أبلس فلان إذا سكت وإذا انقطعت حجته، و(إذا) هي الفجائية وهي ظرف مكان كما نص عليه أبو البقاء. وعن جماعة أنها ظرف زمان، ومذهب الكوفيين أنها حرف؛ وعلى القولين الأولين الناصب لها خبر المبتدأ أي أبلسوا في مكان إقامتهم أو في زمانها.

الواحدي

تفسير : {فلما نسوا ما ذكروا به} تركوا ما وُعظوا به {فتحنا عليهم أبواب كلِّ شيء} من النِّعمة والسُّرور بعد الضُّرِّ الذي كانوا فيه {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم} في حال فرحهم؛ ليكون أشدَّ لتحسُّرهم {بغتةً فإذا هم مبلسون} آيسون من كلِّ خير. {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} أنفسهم أَيْ: غابرهم الذي يتخلَّف في آخر القوم، والمعنى: استؤصلوا بالهلاك فلم يبق منهم باقية {والحمد لله رب العالمين} على نصر الرُّسل، وإهلاك الظَّالمين. {قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم} أَيْ: أَصمَّكم وأعماكم {وختم على قلوبكم} حتى لا تعرفوا شيئاً. يعني: أذهب هذه الأعضاء عنكم أصلاً {مَنْ إله غير الله يأتيكم به} أَيْ: بما أخذ عنكم {انظر كيف نصرِّف} نبيِّن لهم في القرآن {الآيات ثم هم يصدفون} يعرضون عمَّا ظهر لهم. {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة} ليلاً أو نهاراً {هل يهلك إلاَّ القوم الظالمون} الذين جعلوا لله شركاء.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 44- فلما تركوا الاتعاظ بما ابتليناهم من الفقر والمرض، ابتليناهم بعد ذلك بالرزق الواسع، ففتحنا عليهم أبواب كل شئ من أسباب الرزق، حتى إذا فرحوا بما أنعمنا به عليهم، ولم يشكروا الله عليه، جاءهم العذاب فجأة، فإذا هم متحيّرون يائسون، لا يجدون للنجاة سبيلا! 45- فأبيد هؤلاء القوم الظالمون عن آخرهم. والحمد لله مربى الخلق بالنقم والنعم، ومطهر الأرض من فساد الظالمين. 46- قل لهم - أيها النبى -: أخبرونى إن سلب الله سمعكم، وغطى قلوبكم بما يحجبها عن الإدراك، فجعلكم صماً عمياً لا تفهمون شيئاً، مَنْ تعبدون غير الله. من إله يستطيع أن يرد إليكم ما سلبه الله منكم؟ انظر - أيها النبى - كيف نوضح البراهين وننوعها، ثم هم مع هذا يعرضون عن تدبرها والانتفاع بها!! 47- قل: أخبرونى إن حل بكم عذاب الله فجأة دون توقع، أو جاءكم عيانا على ترقب، لسبق ما ينذركم بوقوعه، هل يصيب هذا العذاب إلا القوم الذين ظلموا أنفسهم بالإصرار على الشرك والضلال؟ أنه لا يصيب غيرهم. 48- وما نرسل الأنبياء إلا ليبشروا من يؤمن بالخير والثواب، وليحذروا من يكفر من العذاب. فمن آمن بدعوتهم وعمل صالحاً، فلا خوف عليهم من شر يصيبهم، ولا يحزنون على خير يفوتهم. 49- والذين كذبوا بالأدلة الواضحة على صدق ما جاء به الرسل، يصيبهم العذاب بسبب خروجهم عن الطاعة والإيمان.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَبْوَابَ} {أَخَذْنَاهُمْ} (44) - فَلَمَّا أَعْرَضُوا عَمَّا أَنْذَرَهُمْ بِهِ رُسُلُهُمْ، وَتَرَكُوا الاهْتِدَاءَ بِهِ، وَتَنَاسُوْهُ وَجَعَلُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، اسْتَدْرَجَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ فَتَحَ عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ الرِّزْقِ، وَأَعْطَاهُمْ مِنْ كُلِّ مَا يُحِبُّونَ وَيَخْتَارُونَ، وَزَادَهُمْ سِعَةً فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ، فَلَمْ تُرَبِّهِم النِّعْمَةُ، وَلا شَكَرُوا اللهِ عَلَى نِعَمِهِ وَآلائِهِ، بَلْ دَفَعَتْهُمْ تِلْكَ النِّعْمَةُ إِلى البَطَرِ وَالأَشَرِ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وَسُرُّوا، إِذْ ظَنُّوا أنَّ الذِي أُوتُوا إِنَّمَا هُوَ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ، وَحِينَئِذٍ أَخَذَهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ بَغْتَةً، وَعَلَى حِينِ غِرَّةٍ مِنْهُمْ، فَإِذَا هُمْ يَائِسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ. (وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا أَخَذَ اللهُ قَوْماً قَطُّ إِلاَّ عِنْدَ سَكْرَتِهِمْ، وَغِرَّتِهِمْ، وَنِعْمَتِهِمْ فَلا تَغْتَرُّوا). مُبْلِسُونَ - يَائِسُونَ مِنَ الرَّحْمَةِ - أَوْ مُكَتَئِبُونَ. أَبْوابَ كُلِّ شَيءٍ - أَغْدَقْنَا عَلَيْهِمْ النِّعَمَ الكَثِيرَةَ اسْتِدرَاجاً لَهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنهم عندما نسوا ما جاءهم من تذكير الحق لهم بالمنهج والتوحيد من خلال الرسل إنه - سبحانه - يصيبهم بالعذاب الذي يفاجئهم به فيقعون في حيرة تأخذ عليهم ألبابهم وتشتت قلوبهم وتقطع رجاءهم. والرسل إنما تأتي لتذكر؛ لأن الإيمان موجود بالفطرة. ولكن الغفلة هي التي تخفي الإيمان. والإنسان يحيا في كون مليء بالنعم ولا دخل لأحد بها، ولا بد لأحد فيها، ولم يدعها أحد لنفسه، كان يجب على هذا الإنسان أن يعيش دائماً في رحاب الحمد لله، مولى هذه النعمة. والتذكير من الحق لعباده يكون بالنعم أو الرسل الذين يأتون بالرسالات المتوالية. وهب أن إنساناً قد غفل عن نعمة الله في الطعام، ثم جاءت لحظة الجوع، فجلس يشتهي الطعام فمنحه الله ذلك الطعام فكيف ينسى لحظة الشبع من وهب له هذا الطعام. {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} إما أن يكون هو الإخبار بواسطة الرسل الذين يذكرون الناس بأن المنعم هو الله، وأن الله أنزل المنهج ليصلح الكون به، وإما أن يكون بواسطة النعم التي تمر على الإنسان في كل لحظة من اللحظات؛ لأنها تنبه الإنسان إلى أن هناك من أعطاها. مثال ذلك ساعة يستر الإنسان عورته وجسده بلباس جميل، ألا يتساءل عن الذي وهب الصانع تلك الموهبة التي صمم بها الزي. إذن كيف يأخذ الإنسان النعمة ولا يتذكر المنعم؟ إن الله سبحانه لا يحرمهم من النعم ساعة أن تركوا شكرها، بل يفتح عليهم أبواب كل شيء، أي يعطيهم من النعم أكثر وأكثر، فيترفون ويعيشون في ألوان من حياة العز والصحة والسعة والجاه والسيطرة والمكانة. ثم ما الذي يحدث؟ {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ}. وقلنا من قبل هذا المثل الريفي: لا يقع أحد من فوق الحصير. ولكن الحق يعلي الكافر المشرك في بعض الأحيان ثم يأخذه بغتة فيقع ليكون الألم عظيماً. فإن رأيت إنساناً أسرف على نفسه ووسع الحق عليه في نظام الحياة. إياك أن تفتن وتقول: آه إن الكافر الظالم يركب أفخر السيارات ويعيش في أبهى القصور، لا تقل ذلك لأنك سترى نهاية هذا الظالم البشعة. وانظر إلى دقة التعبير في قول الحق تبارك وتعالى: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} لقد فتح عليهم. . أي سلط عليهم، لا فتح لهم، ويقول الحق سبحانه في موقع آخر من القرآن الكريم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}. وهكذا نعرف أن الفتح لك غير الفتح عليك؛ لأن الفتح على أحد يعني الاستدراج إلى إذلال قسري سوف يحدث له. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]. إن القبض يأتي لحظة الفرح. وكثيراً ما نرى مثل هذه الأحداث في الحياة، نلتفت إلى كارثة تحدث للعريس أو العروس في يوم الزفاف. ويصدق قول الشاعر: شعر : مشت الحادثات في غرف الحمراء مشي النعي في دار عرس تفسير : وهذا يشرح القول الكريم: {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأنعام: 44]. وعندما ندقق في كلمة: {بِمَآ أُوتُوۤاْ} فإننا نجد أن ما حصلوا عليه من نعمة إنما جاءهم كتمهيد إلهي ييسر هذه المسائل، ثم يأخذهم الحق بغتة، أي أن الحادث الضار يأتي بدون مقدمات؛ لأن مجيء المقدمات قد يجعل الإنسان يتيقظ ويحتاط أو يتوقع ذلك. ونعرف أن الحق يقول في موقع آخر من القرآن الكريم: {أية : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً} تفسير : [الأنعام: 47]. أي أن العذاب قد يأتي مرة بغتة، وقد يأتي مرة أخرى جهراً. والعذاب يأتي بغتة عقاباً، ويأتي جهرة حتى لا يقولن أحد: لولا أنّ مجيء العذاب بغتة لكان قد احتاط لذلك الأمر. ويأتيهم العذاب وهم مبلسون أي يائسون لا منجى ولا منقذ ولا خلاص لهم. ويتابع الحق ما يحدث لهؤلاء: {فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} معناه نَادِمُونَ.

همام الصنعاني

تفسير : 806- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ}: [الآية: 44]، الرَّخَاءَ وسِعة العيش {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}: [الآية: 44].