٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
الرازي
تفسير : {قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مِّنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُر كَيْفَ نُصَرِّفُ الأَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ}. في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من هذا الكلام ذكر ما يدل على وجود الصانع الحكيم المختار، وتقريره أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر والقلب فالأذن محل القوة السامعة والعين محل القوة الباصرة، والقلب محل الحياة والعقل والعلم. فلو زالت هذه الصفات عن هذه الأعضاء اختل أمر الإنسان وبطلت مصالحه في الدنيا وفي الدين. ومن المعلوم بالضرورة أن القادر على تحصيل هذه القوى فيها وصونها عن الآفات والمخافات ليس إلا الله. وإذا كان الأمر كذلك، كان المنعم بهذه النعم العالية والخيرات الرفيعة هو الله سبحانه وتعالى فوجب أن يقال المستحق للتعظيم والثناء والعبودية ليس إلا الله تعالى وذلك يدل على أن عبادة الأصنام طريقة باطلة فاسدة. المسألة الثانية: ذكروا في قوله {وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ } وجوهاً: الأول: قال ابن عباس: معناه وطبع على قلوبهم فلم يعقلوا الهدى. الثاني: معناه وأزال عقولكم حتى تصيروا كالمجانين. والثالث: المراد بهذا الختم الاماتة أي يميت قلوبكم. المسألة الثالثة: قوله {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ } {مَنْ} رفع بالابتداء وخبره {إِلَـهٌ} و {غَيْرُ} صفة له وقوله {يَأْتِيكُمْ بِهِ } هذه الهاء تعود على معنى الفعل. والتقدير: من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم. المسألة الرابعة: روي عن نافع {بِهِ ٱنْظُرْ } بضم الهاء وهو على لغة من يقرأ {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ } تفسير : [القصص: 81] فحذف الواو لالتقاء الساكنين فصار {بِهِ ٱنْظُرْ } والباقون بكسر الهاء. وقرأ حمزة والكسائي {يَصْدِفُونَ } باشمام الزاي والباقون بالصاد أي يعرضون عنه. يقال: صدف عنه أي أعرض والمراد من تصريف الآيات إيرادها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحيث يكون كل واحد منها يقوي ما قبله في الايصال إلى المطلوب فذكر تعالى أن مع هذه المبالغة في التفهيم والتقرير والإيضاح والكشف، انظر يا محمد أنهم كيف يصدفون ويعرضون. المسألة الخامسة: قال الكعبي: دلت هذه الآية على أنه تعالى مكنهم من الفهم، ولم يخلق فيهم الاعراض والصد ولو كان تعالى هو الخالق لما فيهم من الكفر لم يكن لهذا الكلام معنى. واحتج أصحابنا بعين هذه الآية وقالوا: إنه تعالى بين أنه بالغ في إظهار هذه الدلالة وفي تقريرها وتنقيحها وإزالة جهات الشبهات عنها، ثم إنهم مع هذه المبالغة القاطعة للعذر ما زادوا إلا تمادياً في الكفر والغي والعناد، وذلك يدل على أن الهدى والضلال لا يحصلان إلا بهداية الله وإلا بإضلاله فثبت أن هذه الآية دلالتها على قولنا أقوى من دلالتها على قولهم، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ}. أي أذهب وٱنتزع. ووحد «سمعكم» لأنه مصدر يدل على الجمع. {وَخَتَمَ} أي طبع، وقد تقدّم في «البقرة». وجواب «إنْ» محذوف تقديره: فمن يأتيكم به، وموضعه نصب؛ لأنها في موضع الحال، كقولك: ٱضربه إن خرج أي خارجاً. ثم قيل: المراد المعاني القائمة بهذه الجوارح، وقد يذهب الله الجوارح والأعراض جميعاً فلا يبقي شيئاً، قال الله تعالىٰ: { أية : مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } تفسير : [النساء: 47]. والآية ٱحتجاج على الكفار. {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} «من» رفع بالابتداء وخبرها «إله» و «غيره» صفة له، وكذلك «يأتيكم» موضعه رفع بأنه صفة «إله» ومخرجها مخرج الاستفهام، والجملة التي هي منها في موضع مفعولي رأيتم. ومعنى «أَرَأَيْتُمْ». علمتم ووحّد الضمير في «به» وقد تقدّم الذكر بالجمع لأنّ المعنى أي بالمأخوذ فالهاء راجعة إلى المذكور. وقيل: على السمع بالتصريح؛ مثل قوله: { أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [التوبة: 62] ودخلت الأبصار والقلوب بدلالة التضمين. وقيل: {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ}. بأحد هذه المذكورات. وقيل: على الهدى الذي تضمنه المعنى. وقرأ عبد الرحمن الأعرج «بِهُ ٱنْظُرْ» بضم الهاء على الأصل؛ لأن الأصل أن تكون الهاء مضمومة كما تقول: جئت معه. قال النقاش: في هذه الآية دليل على تفضيل السمع على البصر لتقدمته هنا وفي غير آية، وقد مضى هذا في أوّل «البقرة» مستوفى. وتصريف الآيات الإتيان بها من جهات؛ من إعذار وإنذار وترغيب وترهيب ونحو ذلك. {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} أي يعرضون. عن ٱبن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسُّدّي؛ يُقال: صدف عن الشيء إذا أعرض عنه صَدْفاً وصُدُوفاً فهو صادفٌ. وصادفته مصادفة أي لقيته عن إعراض عن جهته؛ قال ٱبن الرِّقاع: شعر : إذَا ذَكَرْنَ حديثاً قُلْنَ أحسنَه وهُنّ عن كلّ سوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ تفسير : والصَّدَف في البعير أن يميل خُفُّه من اليد أو الرجل إلى الجانب الوَحْشيّ؛ فهم يصدفون أي مائلون معرضون عن الحجج والدلالات. قوله تعالىٰ: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} الحسن: «بغتة» ليلاً «أو جهرة» نهاراً. وقيل: بغتة فجأة. وقال الكسائي: يُقال بَغَتهم الأمرُ يَبغَتهم بَغْتاً وبغتة إذا أتاهم فجأة، وقد تقدّم. {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّالِمُونَ} نظيره { أية : فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ } تفسير : [الأحقاف: 35] أي هل يهلك إلاَّ أنتم لشرككم؛ والظلم هنا بمعنى الشرك، كما قال لقمان لابنه: { أية : يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13].
البيضاوي
تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ} أصمكم وأعماكم. {وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} بأن يغطي عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم. {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} أي بذلك، أو بما أخذ وختم عليه أو بأحد هذه المذكورات. {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ} نكررها تارة من جهة المقدمات العقلية وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين. {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} يعرضون عنها، وثم لاستبعاد الإِعراض بعد تصريف الآيات وظهورها.
ابن كثير
تفسير : يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل لهؤلاء المكذبين المعاندين: {أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} أي: سلبكم إياها كما أعطاكموها؛ كما قال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ} تفسير : [الملك: 23] الآية، ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما الانتفاع الشرعي، ولهذا قال: {وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} كما قال: {أية : أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَـٰرَ} تفسير : [يونس: 31] وقال: {أية : وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} تفسير : [الأنفال: 24]. وقوله: {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} أي: هل أحد غير الله يقدر على رد ذلك إليكم، إذا سلبه الله منكم؟ لا يقدر على ذلك أحد سواه، ولهذا قال: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَـٰتِ} أي: نبينها ونوضحها ونفسرها، دالة على أنه لا إله إلا الله، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال، {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} أي: ثم هم مع هذا البيان، يصدفون، أي: يعرضون عن الحق، ويصدون الناس عن اتباعه، قال العوفي عن ابن عباس: يصدفون: أي: يعدلون، وقال مجاهد وقتادة: يعرضون، وقال السدي: يصدون. وقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً} أي: وأنتم لا تشعرون به، حتى بغتكم وفجأكم، {أَوْ جَهْرَةً} أي: ظاهراً عياناً، {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي: إنما كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله، وينجوا الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ} تفسير : [الأنعام: 82] الآية. وقوله: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي: مبشرين عباد الله المؤمنين بالخيرات، ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات، ولهذا قال: {فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ} أي: فمن آمن قلبه بما جاؤوا به، وأصلح عمله باتباعه إياهم، {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي: بالنسبة لما يستقبلونه {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها، الله وليهم فيما خلفوه، وحافظهم فيما تركوه. ثم قال: { وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بآيَـٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي: ينالهم العذاب؛ بما كفروا بما جاءت به الرسل، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته، وارتكبوا من مناهيه ومحارمه وانتهاك حرماته.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } لأهل مكة {أَرَءَيْتُمْ } أخبروني {إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ } أصمّكم {وَأَبْصَٰرَكُمْ } أعماكم {وَخَتَمَ } طبع {عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ } فلا تعرفون شيئاً {مَّنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ } بما أخذه منكم بزعمكم؟{ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ } نبيِّن {الأَيَٰتِ } الدلالات على وحدانيتنا {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ } يُعرضون عنها فلا يؤمنون.
الشوكاني
تفسير : هذا تكرير للتوبيخ لقصد تأكيد الحجة عليهم، ووحد السمع لأنه مصدر يدل على الجمع بخلاف البصر، ولهذا جمعه. والختم: الطبع، وقد تقدّم تحقيقه في البقرة، والمراد: أخذ المعاني القائمة بهذه الجوارح أو أخذ الجوارح نفسها، والاستفهام في {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ } للتوبيخ، «ومن» مبتدأ. و{إله} خبره، و{غير الله} صفة للخبر، ووحد الضمير في «به» مع أن المرجع متعدد على معنى: فمن يأتيكم بذلك المأخوذ أو المذكور، وقيل: الضمير راجع إلى أحد هذه المذكورات. وقيل إن الضمير بمنزلة اسم الإشارة، أي يأتيكم بذلك المذكور، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنظر في تصريف الآيات، وعدم قبولهم لها تعجيباً له من ذلك، والتصريف المجيء بها على جهات مختلفة، تارة إنذار وتارة إعذار، وتارة ترغيب، وتارة ترهيب. وقوله: {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ } عطف على نصرف، ومعنى يصدفون: يعرضون، يقال: صدف عن الشيء: إذا أعرض عنه صدفاً وصدوفاً. قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ } أي أخبروني عن ذلك، وقد تقدّم تفسير البغتة قريباً أنها الفجأة. قال الكسائي: بغتهم يبغتهم بغتا وبغتة: إذا أتاهم فجأة، أي من دون تقديم مقدّمات تدل على العذاب. والجهرة أن يأتي العذاب بعد ظهور مقدمات تدل عليه. وقيل البغتة: إتيان العذاب ليلاً، والجهرة: إتيان العذاب نهاراً كما في قوله تعالى: {أية : بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا } تفسير : [يونس: 50]. {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } الاستفهام للتقرير، أي ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا القوم الظالمون. وقرىء «يهلك» على البناء للفاعل. قال الزجاج: معناه هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم؟ انتهى. قوله: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } كلام مبتدأ لبيان الغرض من إرسال الرسل، أي مبشرين لمن أطاعهم بما أعدّ الله له من الجزاء العظيم، ومنذرين لمن عصاهم بما له عند الله من العذاب الوبيل. وقيل: مبشرين في الدنيا بسعة الرزق وفي الآخرة بالثواب، ومنذرين مخوّفين بالعقاب، وهما حالان مقدرّتان، أي ما نرسلهم إلا مقدّرين تبشيرهم وإنذارهم {فَمَنْ ءامَنَ وَأَصْلَحَ } أي آمن بما جاءت به الرسل {وَأَصْلَحَ } حال نفسه بفعل ما يدعونه إليه {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } بوجه من الوجوه {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } بحال من الأحوال، هذا حال من آمن وأصلح، وأما حال المكذبين فهو أنه يمسهم العذاب بسبب فسقهم، أي خروجهم عن التصديق والطاعة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله: {يَصْدِفُونَ } قال: يعدلون. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهداً، في قوله: {يَصْدِفُونَ } قال: يعرضون، وقال في قوله: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً } قال: فجأة آمنين، أو جهرة، قال: وهم ينظرون. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كل فسق في القرآن فمعناه الكذب.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزآئِنُ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: الرزق، أي لا أقدر على إغناء فقير، ولا إفقار غني، قاله الكلبي. والثاني: مفاتيح خزائن العذاب لأنه خَوَّفهُم منه، فقالوا متى يكون هذا؟ قاله مقاتل. {وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ} فيه وجهان: أحدهما: علم الغيب في نزول العذاب عليهم متى يكون؟، قاله مقاتل. والثاني: علم جميع ما غاب من ماض ومستقبل، إلا أن المستقبل لا يعلمه إلا الله أو من أطلعه الله تعالى على علمه من أنبيائه، وأما الماضي فقد يعلمه المخلوقون من أحد الوجهين: إما من معاينة أو خبر، فإن كان الإِخبار عن مستقبل، فهو من آيات الله المعجزة، وإن كان عن ماض فإن علم به غير المخبر والمخبر لم يكن معجزاً، وإن لم يعلم به أحد وعلم به المخبِر وحده كان معجزاً، فنفى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه علم الغيب، لأنه لا يعلمه غير الله تعالى، وإن ما أخبر به من غيب فهو عن الله ووحيه. {َوَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} فيه وجهان: أحدهما: أنه يريد أنه لا يقدر على ما يعجز عنه العباد، وإن قدرت عليه الملائكة. والثاني: أنه يريد بذلك أنه من جملة البشر وليس بمَلَك، لينفي عن نفسه غُلُوَّ النصارى في المسيح وقولهم: إنه ابن الله. ثم في نفيه أن يكون ملكاً وجهان: أحدهما: أنه بَيَّنَ بذلك فضل الملائكة على الأنبياء، لأنه دفع عن نفسه منزلة ليست له. والثاني: أنه أراد إني لست ملكاً في السماء، فأعلم غيب السماء الذي تشاهده الملائكة ويغيب عن البشر، وإن كان الأنبياء أفضل من الملائكة مع غيبهم عما تشاهده الملائكة. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن أخبركم إلا بما أخبرني الله به. والثاني: أن أفعل إلا ما أمرني الله به. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ} يحتمل وجهين: أحدهما: الجاهل والعالم. والثاني: الكافر والمؤمن. {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: فيما ضربه الله من مثل الأعمى والبصير. الثاني: فيما بينه من آياته الدالة على توحيده وصدق رسوله. قوله عز وجل: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِّي}. روي أن سبب نزول هذه الآية أن الملأ من قريش أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وعنده جماعة من ضعفاء المسلمين مثل بلال، وعمار، وصهيب، وخباب بن الأرت، وابن مسعود، فقالوا: يا محمد اطرد عنا موالينا وحلفاءنا فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا، فلعلك إن طردتهم نتبعك، فقال عمر: لو فعلت ذلك حتى نعلم ما الذي يريدون وإِلاَمَ يصيرون، فَهَمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حتى نزلت هذه الآية. ونزل في الملأ من قريش {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} الآية، فأقبل عمر فاعتذر من مقالته فأنزل الله فيه: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمَنُونَ بِئَأَيَاتِنا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} الآية. وفي قوله تعالى: {الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم} أربعة تأويلات: أحدها: أنها الصلوات الخمس، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أنه ذكر الله، قاله إبراهيم النخعي. والثالث: تعظيم القرآن، قاله أبو جعفر. والرابع: أنه عبادة الله، قاله الضحاك. ومعنى قوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} فيه قولان: أحدهما: يريدون بدعائهم، لأن العرب تذكر وجه الشيء إرادة له مثل قولهم: هذا وجه الصواب تفخيماً للأمر وتعظيماً. والثاني: معناه يريدون طاعته لقصدهم الوجه الذي وجَّهَهُم إليه. {مَا عَلَيكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} فيه ثلاث أقوال: أحدها: يعني ما عليك من حساب عملهم من شيء من ثواب أو عقاب. {وَمَا مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ} يعني وما من حساب عملك عليهم من شيء، لأن كل أحد مؤاخذ بحساب عمله دون غير، قاله الحسن. والثاني: معناه ما عليك من حساب رزقهم وفقرهم من شيء. والثالث: ما عليك كفايتهم ولا عليهم كفايتك، والحساب الكفاية كقوله تعالى: {أية : عَطَاءً حِسَاباً} تفسير : [النبأ: 36] أي تاماً كافياً، قاله ابن بحر. قوله عز وجل: {وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} يعني لاختلافهم في الأرزاق، والأخلاق، والأحوال. وفي إفتان الله تعالى لهم قولان: أحدهما: أنه ابتلاؤهم واختبارهم ليختبر به شكر الأغنياء وصبر الفقراء، قاله الحسن، وقتادة. والثاني: تكليف ما يشق على النفس مع قدرتها عليه. {لَّيَقُولُواْ أَهَؤُلآءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا} وهذا قول الملأ من قريش للضعفاء من المؤمنين، وفيما مَنَّ الله تعالى به عليهم قولان: أحدهما: ما تفضل الله به عليهم من اللطف في إيمانهم. والثاني: ما ذكره من شكرهم على طاعته. قوله عز وجل: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بئَأَيَاتِنَا} يعني به ضعفاء المسلمين وما كان من شأن عمر. {فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه أمر بالسلام عليهم من الله تعالى، قاله الحسن. والثاني: أنه أمر بالسلام عليهم من نفسه تكرمة لهم، قاله بعض المتأخرين. وفي السلام قولان: أحدهما: أنه جمع السلامة. والثاني: أنه السلام هو الله ومعناه ذو السلام. {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} فيه قولان: أحدهما: معناه أوجب الله على نفسه. والثاني: كتب في اللوح المحفوظ على نفسه. و {الرَّحْمَةَ} يحتمل المراد بها هنا وجهين: أحدهما: المعونة. والثاني: العفو. {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءَاً بِجَهَالَةٍ} في الجهالة تأويلان: أحدهما: الخطيئة، قاله الحسن، ومجاهد، والضحاك. والثاني: ما جهل كراهية عاقبته، قاله الزجاج. ويحتمل ثالثاً: أن الجهالة هنا ارتكاب الشبهة بسوء التأويل. {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ} يعني تاب من عمله الماضي وأصلح في المستقبل.
ابن عطية
تفسير : هذا ابتداء احتجاج على الكفار، و {أخذ الله} معناه أذهبه وانتزعه بقدرته، ووحد السمع لأنه مصدر مفرد يدل على جمع، والضمير في {به} عائد على المأخوذ، وقيل على السمع، وقيل على الهدى الذي تضمنه المعنى، وقرأ الأعرج وغيره "بهُ انظر" بضم الهاء، ورواها المسيبي وأبو وجزة عن نافع، و {يصدقون} معناه يعرضون وينفرون، ومنه قول الشاعر: [البسيط ] شعر : إذا ذَكَرْنَ حديثاً قُلْنَ أحْسَنَهُ وهنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُقَا تفسير : قال النقاش: في الآية دليل على تفضيل السمع على البصر لتقدمته هنا، ثم احتج لذلك بقوله: {أية : إنما يستجيب الذين يسمعون} تفسير : [الأنعام:36] وبغير ذلك، والاستفهام في قوله: {من إله} معناه التوقيف، أي ليس ثمة إله سواه فما بال تعلقكم بالأصنام وتمسككم بها وفي لا تدفع ضرراً ولا تأتي بخير، وتصريف الآيات هو نصب العبر ومجيء آيات القرآن بالإنذار والإعذار والبشارة ونحوه وقوله تعالى: {قل أرأيتكم} الآية، وعيد وتهديد، و {بغتة} معناه لا يتقدم عندكم منها علم و {جهرة} معناه: تبدو لكم مخايلة ومبادية ثم تتوالى حتى تنزل، قال الحسن بن أبي الحسن: {بغتة} ليلاً و {جهرة} نهاراً، قال مجاهد: {بغتة} فجأة آمنين و {جهرة} وهم ينظرون، وقرأ ابن محيصن "هل يهلك" على بناء الفعل للفاعل، والمعنى هل تهلكون ألا أنتم لأن الظلم قد تبين في حيزكم، و {هل} ظاهرها الاستفهام ومعناها التسوية المضمنة للنفي ولا تكون التسوية بها إلا في النفي، وتكون بالألف في نفي وفي إيجاب، وقوله تعالى: {وما نرسل المرسلين} الآية، المعنى إنما نرسل الأنبياء المخصوصين بالرسالة ليبشروا بإنعامنا ورحمتنا لمن آمن وينذروا بعذابنا وعقابنا من كذب وكفر، ولسنا نرسلهم ليقترح عليهم الآيات ويتابعوا شذوذ كل متعسف متعمق، ثم وعد من سلك طريق البشارة فآمن وأصلح في امتثال الطاعات، وأوعد الذين سلكوا طريق النذارة فكذب بآيات الله، وفسق أي خرج عن الحد في كفرانه وعصيانه، وقال ابن زيد: كل فسق في القرآن فمعناه الكذب، ذكره عنه الطبري مسنداً و {يمسهم} أي يباشرهم ويلصق بهم، وقرأ الحسن والأعمش {العذاب بما} بإدغام الباء في الباء، ورويت عن أبي عمرو، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش "يفسِقون" بكسر السين وهي لغة.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {قل أرأيتم} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: {إن أخذ الله سمعكم} يعني الذي تسمعون به فأصمكم حتى لا تسمعوا شيئاً {وأبصاركم} يعني وأخذ أبصاركم التي تبصرون بها فأعماكم حتى لا تبصروا شيئاً أصلاً {وختم على قلوبكم} يعني لا تفقهوا شيئاً أصلاً ولا تعرفوا شيئاً مما تعرفون من أمور الدنيا. وإنما ذكر هذه الأعضاء الثلاثة، لأنها أشرف أعضاء الإنسان فإذا تعطلت هذه الأعضاء، اختل نظام الإنسان وفسد أمره وبطلت مصالحه في الدين والدنيا. ومقصود هذا الكلام ذكر ما يدل على وجود الصانع الحكيم المختار وتقريره أن القادر على إيجاد هذه الأعضاء وأخذها هو الله تعالى المستحق للعبادة لا الأصنام التي تعبدونها وهو قوله تعالى: {من إله غير الله يأتيكم به} يعني يأتيكم بما أخذ الله منكم لأن الضمير في به يعود على معنى الفعل ويجوز أن يعود على السمع الذي ذكر أولاً ويندرج تحته غيره {انظر} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل معه غيره أن انظر يا محمد {كيف نصرف الآيات} يعني كيف نبين لهم العلامات الدالة على التوحيد والنبوة {ثم هم يصدفون} يعني يعرضون عنها مكذبين لها {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة} يعني فجأة {أو جهرة} يعني معاينة ترونه عند نزوله، وقال ابن عباس ليلاً أو نهاراً {هل يهلك إلا القوم الظالمون} يعني المشركين لأنهم ظلموا أنفسهم بالشرك. قوله عز وجل: {وما نرسل المرسلين إلا بمشرين} يعني لمن آمن بالثواب {ومنذرين} يعني لمن أقام على كفره بالعقاب والمعنى ليس في إرسالهم أن يأتوا الناس بما يقترحون عليهم من الآيات إنما أرسلوا بالبشارة والنذارة {فمن آمن وأصلح} يعني آمن بهم وأصلح العمل لله {فلا خوف عليهم} يعني حين يخاف أهل النار {ولا هم يحزنون} أي إذا حزن غيرهم {والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب} يعني يصيبهم العذاب {بما كانوا يفسقون} يعني بسبب ما كانوا يكفرون ويخرجون عن الطاعة. قوله تعالى: {قل لا أقول لكم} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني: قل يا محمد لهؤلاء المشركين لا أقول لكم {عندي خزائن الله} نزلت حين اقترحوا عليه الآيات فأمره الله تعالى أن يقول لهم إنما بعثت بشيراً ونذيراً ولا أقول لكم عندي خزائن الله جمع خزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي والمعنى ليس عندي خزائن رزق الله فأعطيكم منها ما تريدون لأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت رسولاً من الله فاطلب منه أن يوسع علينا عيشنا ويغني فقرنا فأخبر أن ذلك بيد الله لا بيدي {ولا أعلم الغيب} يعني فأخبركم بما مضى وما سيقع في المستقبل، وذلك أنهم قالوا له: أخبرنا بمصالحنا ومضارنا في المستقبل حتى نستعد لتحصيل المصالح ودفع المضار، فأجابهم بقوله: ولا أعلم الغيب فأخبركم بما تريدون {ولا أقول لكم إني ملك} وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج النساء؟ فأجابهم بقوله: ولا أقول لكم إني ملك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه البشر ويشاهد ما لا يشاهدون فلست أقول شيئاً من ذلك ولا أدّعيه فتنكرون قولي وتجحدون أمري. وإنما نفى عن نفسه الشريفة هذه الأشياء تواضعاً لله تعالى واعترافاً له بالعبودية وأن لا يقترحوا عليه الآيات العظام {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} يعني ما أخبركم إلا بوحي من الله أنزله عليّ ومعنى الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلمهم أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي وأنه لا يعلم الغيب فيخبر بما كان وما سيكون وأنه ليس بملك حتى يطلع على ما لا يطلع عليه البشر إنما يتبع ما يوحى إليه من ربه عز وجل فما أخبر عنه من غيب بوحي الله إليه وظاهر الآية يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يجتهد في شيء من الأحكام بل جميع أوامره ونواهيه إنما كانت بوحي من الله إليه {قل هل يستوي الأعمى والبصير} يعني: المؤمن والكافر والضال والمهتدي والعالم والجاهل {أفلا تتفكرون} يعني أنهما لا يستويان. قوله عز وجل: {وأنذر به} يعني وخوف بالقرآن والإنذار إعلام مع تخويف {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم}. قال ابن عباس: يريد المؤمنين لأنهم يخافون يوم القيامة وما فيه من شدة الأهوال. وقيل: معنى يخافون يعلمون والمراد بهم كل معترف بالبعث من مسلم وكتابي وإنما خص الذين يخافون الحشر بالذكر دون غيرهم وإن كان إنذاره صلى الله عليه وسلم لجميع الخلائق لأن الحجة عليهم أوكد من غيرهم لاعترافهم بصحة المعاد والحشر. وقيل: المراد بهم الكفار لأنهم لا يعتقدون صحة ولذلك قال: يخافون أن يحشروا إلى ربهم، وقيل: المراد بالإنذار جميع الخلائق فيدخل فيه كل مؤمن معترف بالحشر وكل كافر منكر له لأنه ليس أحد إلا وهو يخاف الحشر سواء اعتقد وقوعه أو كان يشكّ فيه ولأن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وإنذاره لجميع الخلق {ليس لهم من دونه} يعني من دون الله {ولي} أي قريب ينفعهم {ولا شفيع} يعني يشفع لهم ثم إن فسرنا الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم أن المراد بهم الكفار فلا إشكال فيه لقوله تعالى: {أية : ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}تفسير : [غافر: 18] وإن فسرنا الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم أن المراد بهم المؤمنون ففيه إشكال، لأنه قد ثبت بصحيح النقل شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم للمذنبين من أمته وكذلك تشفع الملائكة والأنبياء والمؤمنون بعضهم لبعض والجواب عن هذا الإشكال أن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله لقوله عز وجل:{أية : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}تفسير : [البقرة: 255] وإذا كانت الشفاعة بإذن الله صح قوله: {ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} يعني حتى يأذن الله لهم في الشفاعة فإذا أذن فيها كان للمؤمنين ولي وشفيع {لعلهم يتقون} يعني ما نهيتم عنه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ...} الآية {أَخَذَ} معناه أَذْهَبَ، والضمير في {بِهِ} عائد على المأخوذ، و {يَصْدِفُونَ} معناه: يعرضون، وينفرون، ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : إذَا ذَكَرْنَ حَدِيثاً قُلْنَ أَحْسَنَهُ وَهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً...} الآية وعيد وتهديد. قال: * ع *: {أَرَءيْتُمْ} عند سيبويه: تَتَنَزَّلُ منزلة «أخبروني»؛ ولذلك لا تَحْتَاجُ إلى مفعولين. وقوله: {بَغْتَةً}: معناه: لم يَتَقَدَّمْ عندكُمْ منه عِلْمٌ، و {وجَهْرَة}، معناه: تبدو لكم مَخَايلُهُ ومَبَاديه، ثم يَتَوَالَىٰ حتَّىٰ ينزل. قال الحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: {بَغْتَةً} لَيْلاً و {جَهْرَةً}: نهاراً. وقال مجاهد: {بَغْتَةً} فُجَاءَةً {ءامِنِينَ}. و {جَهْرَةً}: وهم ينظرون. قال أبو حَيَّان: {هَلْ يُهْلَكُ}؟ «هل» حَرْفُ استفهام، معناه هنا النَّفْيُ، أي: ما يهلك؛ ولذلك دخَلَتْ «إلاَّ» علَىٰ ما بعدها. انتهى. وقوله سبحانه: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ}،أي: إلاَّ ليبشِّروا بإنعامنا وَرَحْمَتِنَا مَنْ آمن، ومُنْذِرِينَ بعذابنا وعِقَابنا مَنْ كَذَّب وكَفَر، قال أبو حَيَّان: {مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}: حالٌ فيها معنَى العِلِّيَّة، أي: أرسلناهم للتبشير والإنذار. انتهى. ثم وَعَدَ سبحانَهُ مَنْ سلَكَ طريقَ البِشَارة، فآمَنَ وأصْلَح في ٱمتثالِ الطاعةِ، وأوعد الآخَرِينَ.
ابن عادل
تفسير : {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ} المفعول الأوَّل محذوف، تقديره: أرأيتم سَمْعَكُمْ وأبصاركم إن أخذها اللَّهُ، والجملة الاسْتِفْهَامِيَّةُ في موضع الثاني، وقد تقدَّم أن أبا حيَّان يجعله من التَّنازُعِ، وجوابُ الشرط مَحْذُوفٌ على نحو ما مَرَّ. وقال الحوفي: وحَرْفُ الشَّرْطِ وما اتَّصَلَ به في موضع نَصْبٍ على الحالِ، والعاملُ في الحالِ "أرأيتم" كقولك: "اضْرِبْهُ إن خرج" أي: خارجاً، وجواب الشَّرْطِ ما تقدَّم مما دَخَلَتْ عليه هَمْزَةُ الاستفهام وهذا إعرابٌ لا يَظْهَرُ. ولم يُؤتَ هنا بـ "كاف" الخطاب، وأتِيَ به هناك؛ لأن التَّهْديدَ هناك أعْظَمُ فَنَاسَبَ التأكيد بالإتيان بـ "كاف" الخطاب ولمَّا لم يُؤتَ بالكافِ وجَبَ بروز علامةِ الجَمْعِ في التاء لئلا يَلْتَبِسَ، ولو جيء معها بالكافِ لاسْتُغْنِيَ بها كما تقدَّمَ، وتوْحِيدُ السَّمْعِ، وجَمْعُ الأبصارِ مفهومٌ مما تقدَّم في "البقرة". قوله: "مَنْ إلهٌ" مبتدأ وخبر، و"مَنْ" استِفْهَامِيَّةٌ، و "غيرُ الله" صِفَةٌ لـ "إله" و"يأتيكم" صِفَةٌ ثانية، و"الهاء" في "به" تعود على "سمعكم". وقيل: تعود على الجميع، ووُحِّد ذهَاباً به مذهب اسم الإشارةِ. وقيل: تعود على الهدى المدلول عليه بالمعنى. وقيل: يَعُودُ على المَأخُوذِ والمختُومِ المدلول عليهما والخَتْمِ، والاستفهامُ هنا للإنكارِ. والجمهور: "بِهِ انظر" بكسر الهاء على الأصل، وروى المُسَيَّبي عن نافعٍ "بهُ انظر" بضم الهاء [وهي لغةُ من يقرأ "فخسفنا بهو وبدارهُو الأرض" فحذف "الواو" لالتقاء الساكنين، فصارَ "به انظر" والباقون بكسرها. وقرأ حمزة، والكسائي "يَصْدِفُونَ" بإشْمَامِ الزَّاي, والباقون بالصاد. فصل في معنى الآية قال ابنُ عبَّاسٍ: المعنى: أيُّها المشركونُ إنْ أخَذَ الله، أي: أذهب وانْتَزَعَ سَمْعَكُمْ وأبْصَارَكُمْ، وختم على قلوبكم، أي: طبع على قلوبكم فلم تَعْقِلِ الهُدَى. وقيل: معناه: أزال عقولكم حتى تصيروا كالمَجَانين. وقيل: المُرَادُ من هذا الخَتْمِ الأمانة. فصل في إثبات الصانع المرادُ من هذا الكلام الدِّلالةُ على وُجُودِ الصانع الحكيم المُخْتَار؛ لأن أشْرَفَ أعضَاءِ الإنْسَانِ هو السَّمْعُ والبصر والقَلْبُ، والأذن محل القوة الساَّمعة، والعَيْنُ مَحَلُّ القوة البَاصِرَةِ، والقَلْبُ مَحَلُّ الحياة والعِلْمِ والعَقْلِ، فلوْ زالَتْ هذهِ الصِّفَات عن هذه الأعضاء اخْتَلَّ أمْرُ الإنسان، وبَطَلَتْ مَصَالِحُهُ في الدنيا والدِّين. ومن المعلوم بالضرورة أن القَادِرَ على تحصيل هذه القُوَى فيها، وصونها عن الآفَاتِ ليس إلا الله تعالى، وإذا كان الأمْرُ كذلك كان المُنَعِمُ بهذه النعم العظيمة هو الله سُبْحَانَهُ وتعالى. قوله: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَات}. "كيف" مَعْمُول لـ "نُصرِّفُ" ونَصبُها: إمَّا على التَّشْبيه بالحالِ، او التشبيه بالظَّرْفِ، وهي مُعْلِّقةٌ لـ "انظر" فهي في مَحَلِّ نصب بإسْقَاطِ حرفِ الجرِّ، وهذا ظاهرٌ مما تقدَّم. و"نُصَرِّف": نُبَيِّنُ، و "يَصْدِفُون" معناه: يُعْرِضُونَ، يقال: صَدَف عن الشيء صَدفاً وصدوفاً وصدافيةً، وصادَفْتُهُ مُصادفَةً أي: لقِيتُهُ عن إعْراضٍ من جهتِهِ. قال عِدِيُّ بْنُ الرقَاعِ: [البسيط] شعر : 2177- إذَا ذَكَرْنَ حَدِيثاً قُلْنَ أحْسَنَهُ وهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ تفسير : "صُدُف" جمع "صَدُوف" كـ "صُبُر" في جمع "صَبُور". وقيل: معنى "صَدَف": "مال"، مأخوذة من الصَّدَفِ في البعيرِ، وهو أن يميل خُفُّهُ من اليد إلى الرِّجْلِ من الجانب الوَحْشِيّ. و"الصَّدَفُ" جمع "صَدَفَة"، وهي المحَارَةُ التي تكون فيها الدُّرَّة. قال: [البسيط] شعر : 2178- وَزَادَهَا عَجَباً أنْ رُحْتُ فِي سُبُلٍ وَمَا دَرَتْ دَوَرانَ الدُّرِّ في الصَّدَفِ تفسير : و"الصَّدَفُ" و"الصُّدُف" بفتح الصاد والدال وضمّهما, وضم الصاد وسكون الدال ناحية الجَبَلِ المُرْتفعِ، وسيأتي لهذا مزيدُ بيان. فصل في دفع شبهة للمعتزلة قال الكعبي: دلَّت هذه الآية على أن اللَّه - تعالى - مَكَّنَهُمْ من الفَهْمِ، ولم يخلق فيهم الإعْرَاضَ والصَّدَّ، ولو كان تعالى هو الخَالِق للكفر فيهم لم يكن لهذا الكلامِ مَعْنَى. واحْتَجَّ أهل السُّنَّةِ بعين هذه الآيَةِ قالوا: إنه - تعالى - بيَّن أنه بالغ في إظهار هذه الدلالة وفي تقريرها، وإزالة الشبهات عنها، ثم إنهم مع هذه المُبَالَغةِ القَاطِعَةِ للعُذْرِ ما زادوا إلاَّ تَمَادِياً في الكُفْرِ والعنادِ، وذلكَ يَدُلُّ على أن الهُدَى والإضْلالَ لا يحصلان إلاَّ بهداية الله - تعالى - وإضْلالِهِ، فَدَلالَةُ الآية على قولنا أقوى من دَلالتهَا على قولهم.
البقاعي
تفسير : ولما قدم التنبيه بإتيان مطلق العذاب في مطلق الأحوال، وكان الإتيان بالكاف ثَمَّ مشيراً مع إفادة التأكيد إلى أن ثَمَّ نوع مهلة، وأتبعه أن أخذ الأمم كان بغتة، أعقبه التنبيه بعذاب خاص تصورُ شناعته يهذأ الأركان ويقطع الكبود ويملأ الجنان، فإنه لا أشنع حالاً من أصم أعمى مجنون، فقال مشيراً - بإسقاط كاف الخطاب مع التعبير بالأخذ الذي عهد أنه للبغث بالسطوة والقهر - إلى غاية التحذير من سرعة أيّ الأخذ: {قل أرءيتم} فكانت حقيقة المقترن بالكاف: هل رأيتم أنفسكم، وهذا هل رأيتم مطلق رؤية، لما تقدمت الإشارة إليه من الإيماء إلى طلب الإسراع بالجواب خوف المفاجأة بالعذاب وإن كان المراد في الموضعين: أخبروني {إن أخذ الله} أي القادر على كل شيء العالم بكل شيء {سمعكم} وأفرده لقلة المفاوتة فيه، لأنه أعظم الطرق لإدراك القلب الذي لا أعظم من المفاوتة فيه حتى للإنسان الواحد بالنسبة إلى الأحوال المختلفة، ليكون ذلك أدل على الفعل بالاختيار {وأبصاركم} أي فأصمكم وأعماكم عمى وصمماً ظاهرين وباطنين بسلب المنفعة {وختم على قلوبكم} فجعلها لا تعي أصلاً أو لا ينتفع بالوعي {من إله} أي معبود بحق، لأن له إحاطة العلم والقدرة؛ ثم وصف هذا الخبر بقوله: {غير الله} أي الذي له جميع العظمة {يأتيكم به} أي بذلك الذي هو أشرف معاني أشرف أعضائكم، أو بشيء منه. ولما بلغت هذه الآيات - من الإبلاغ في البيان في وحدانيته وبطلان كل معبود سواه - أعلى المقامات، نبه على أنه على ذلك، بالأمر بالنظر فيها وفي حالهم بعدها، دالاً على ما تقدم من أن المقترحات لا تنفع من أراد سبحانه شقاوته فقال: {انظر كيف نصرف} أي بما لنا من العظمة {الآيات} أي نوحيها لهم ولغيرهم في كل وجه من وجوه البيان بالغ من الإحسان ما يأخذ بالعقول ويدهش الألباب، ويكون كافياً في الإيصال إلى المطلوب؛ ولما كان الإعراض عن مثل هذا في غاية البعد, عبر بأداة التراخي فقال: {ثم هم} أي بعد هذا البيان بصميم ضمائرهم {يصدفون *} أي يعرضون إعراضاً لازماً لهم لزوم الصفة. ولما قرن الأخذ بالبغت تارة صريحاً وتارة بإسقاط الكاف؛ كان ربما وقع في وهم السؤالُ عن حالة الجهر، أتبع ذلك ذكره مفصلاً لما أجمل من الأحوال في الآيتين قبل فقال: {قل أرءيتكم} ولما كان المعنى: أخبروني، وكان كأنه قيل: عما ذا؟ قيل: {إن أتاكم عذاب الله} أي الذي له جميع صفات الكمال فلا يعجزه شيء {بغتة} أي بحيث لا يرى إلا ملتبساً بكم من غير أن يشعر به ويظهر شيء من أماراته، {أو جهرة} أي بحيث ترونه مقبلاً إليكم مقدماً عليكم {هل}. ولما كان المخوف بالذات هو الهلاك من غير نظر إلى تعيين الفاعل، بني للمفعول قوله: {يهلك} أي في واحدة من الحالتين هلاكاً هو الهلاك، وهو هلاك السخط {إلا القوم} أي الذين لهم قوة المدافعة وشدة المقاتلة في زعمكم والمقاومة {الظالمون *} أي بوضع الأشياء في غير مواضعها من إعطاء الشيء لمن لا يستحقه ومنع المستحق ما له، وأما المصلح فإنه ناج إما في الدارين وإما في الآخرة التي من فاز فيها فلا توى عليه؛ وذكر أبو حيان أنه لما كان مطلق العذاب صالحاً لكل ما يعلم من تفاصيل أهواله وما لا يعلم، كان التوعد به أهول، فلذلك أكد فيه في الآيتين الخطاب بالضمير بحرف الخطاب، والتوعد بأخذ السمع وما معه من جملة الأنواع التي اشتمل عليها ذلك المطلق فأعري من حرف الخطاب. ولما كان ذلك كله في مناضلة من كذب الرسل، وأعرض عما أرسلهم به ربهم من الآيات التي ما منها إلا ما آمن على مثله البشر، وطلبه منهم ما لا يقدر عليه إلا مرسلهم من الإتيان بغير ما أتوا به من الآيات؛ بين لهم حقيقة الرسالة إشارة إلى ظلمهم في طلبهم من الرسل ما لا يطلب إلا من الإله، فقال عاطفاً على {أية : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} تفسير : [الأنعام: 42] {وما نرسل} أي بما لنا من العظمة {المرسلين} أي نوجد هذا الأمر في هذا الزمان وكل زمان من الماضي وغيره {إلا مبشرين} لمن أطاع {ومنذرين} لمن عصى، عريقين في كل من الوصفين، لا مجيبين إلى ما يقترح الأمم، ولا معذبين لمن يعاندهم؛ ثم سبب عن ذلك غاية الرسالة من النفع والضر فقال: {فمن آمن وأصلح} أي تصديقاً لإيمانه {فلا خوف عليهم} أي في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الآخرة فواضح، وأما في الدنيا الفانية فلأن خوفهم فيها يزيد أمنهم في الآخرة الباقية، فهو إلى فناء ثم إلى سرور دائم، فهو عدم {ولا هم يحزنون*} أي حزناً يضر بحياتهم الأبدية. ولما بين حال المصلحين، أتبعه حال المفسدين فقال: {والذين كذبوا بآياتنا} أي على ما لها بنسبتها إلينا من العظمة {يمسهم العذاب} أي الدائم المتجدد، وكني عن قربه بأن جعل له قوة المس، كأنه حي مريد فقال: {بما كانوا} أي جبلة وطبعاً {يفسقون *} أي يديمون الخروج مما ينبغي الاستقرار فيه من الإيمان وما يقتضيه، وأما الفسق العارض فإن صاحبه يصدر التوبة منه فيعفى عنه. ولما بين وظيفة الرسل، وقسم المرسل إليهم، أمره بنفي ما يتسبب عنه قولهم من أن البشر لا يكون رسولاً، واقتراحهم عليه الآيات من ظن قدرته على ما يريد، أو أن كل ما يقدر عليه يبديه لهم، أو إلزامه بذلك، منها لهم على وجه ظلمهم بغلظهم أو عنادهم فقال: {قل} أي في جواب قولهم {أية : لولا أنزل عليه آية} تفسير : [يونس: 20] ونحوه. ولما لم يكن لهم عهد بأن بشراً يكون عنده الخزائن، يتصرف فيها بما يريد، وكان يأتيهم من الآيات من انشقاق القمر ومشي الشجر وكلام الضب والحجر ونبع الماء والحراسة بشواظ النار وفحل الجمال ونحو ذلك مما هو معلوم في دلائل النبوة بما ربما أوقع في ظنهم أن لازمه دعواه لأنه يملك الخزائن، فكانوا يقترحون عليه الآيات الدالة إلزاماً له بذلك لقصد التكذيب. نفى ما ظنوا أنه يلزمه دعواه فقال: {لا أقول لكم} أي الآن ولا فيما يستقبل من الزمان، ولما كان تعالى قد أعطاه مفاتيح خزائن الأرض، فأباها تواضعاً لله سبحانه، قيد بقوله "لكم" إفهاماً لما يخبر به المؤمنين من ذلك ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، وأما الكفرة فإن إخبارهم بذلك مما يغريهم على الاقتراحات استهزاء فلا فائدة له {عندي خزائن الله} أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق والعزة البالغة، فلا كفوء له أي فآتيكم ما تقترحون من الآيات وما تشتهونه من الكنوز وما تستهزئون به من العذاب، وإنما الخزائن بيده، يفعل فيها ما يشاء. ولما كانوا يعهدون أن بعض البشر من الكهان يخبرون بشيء من المغيبات، وكان الكهان يخلطون الصدق بالكذب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم بمغيبات كثيرة فيكون كما قال دائماً لا خلف في شيء منها ولا زيادة ولا نقص، فصاروا يظنون أنه يعلم الغيب، ولكنهم يظنونه من آيات الكهان حتى أطلقوا عليه أنه كاهن، فكانوا يسألونه عن وقت العذاب الذي يتوعدهم به وعن غيره، لعلهم يظفرون عليه بشيء مما يقوله الكهان ولا يكون، فيعدونه عليه؛ نفى ما ظنوه غيره على هذا المقام أن ينسب إلى غير مالكه الذي لا يجوز أن يكون لغيره، فقال نافياً له من أصله، لا للقول فقط كما في سابقه ولاحقه، عاطفاً على {لا أقول} لا على {عندي} {ولا أعلم الغيب} أي فأخبركم بوقت الفصل بيني وبينكم من مطلق العذاب أو قيام الساعة، فإن هاتين الحالتين - ملك الخزائن وعلم الغيب - ليستا إلا لمرتبة الألوهية، وإنما لم أدّع الأول كما ألزمتموني به، ولا اتصفت بالثاني بما ظننتم. ولما كانوا يظنون أن الرسول لا يكون إلا ملكاً، فكانوا يلزمونه بدعواه الرسالة دعوى الملائكة ليلزموه بذلك ادعاء ما هو ظاهر البطلان، قال: {ولا أقول} أي بدعوى الرسالة؛ ولما كان صلى الله عليه وسلم أعلى الأنبياء صفاء وأنورهم قلباً وأشدهم في كل هدى إضاءة وأنقاهم من نقائص البشر، وكان هذا أمراً من الله له. قيد بقوله: {لكم} إفهاماً لأنه لا يمتنع عليه أن يقول ذلك، بل لو قاله كان صادقاً، ومثله كثير في مجازاتهم ومجاري عاداتهم في محاوراتهم، وأما إسقاط "لكم" في قصة نوح من سورة هود عليهما السلام فتواضعاً منه لكونه من قوله، من غير تصريح بإسناد الأمر فيه إلى الله تعالى {إني ملك} فأقوى على الأفعال التي تقوى عليها الملائكة من التحرز عن المأكل والمشرب وغيرهما من أفعال الملائكة. فلما انتفى عنه ما ألزموه به وما ظنوه فيه من كونه إلهاً أو ملكاً، انحصر الأمر في أنه رسول واقف عندما حده له مرسله، فقال على وجه النتيجة: {إن} أي ما {أتبع} أي بغاية جهدي {إلا ما يوحى إلي} أي ما رتبتي إلا امتثال ما يأمرني به ربي في هذا القرآن الذي هو - بعجزكم عن معارضته - أعظم شاهد لي، ولم يوح إلي فيه أن أقول شيئاً مما تقدم نفيه، وأوحى إلي لأنذركم به خصوصاً، وأنذر به كل من بلغه عموماً، وذلك غير منكر في العقل ولا مستبعد بل قد وقع الإرسال لكثير من البشر، وقد قام على ثبوته لي واضح الدلائل وثابت الحجج وقاطع البراهين، فإن كان فيه الإذن لي بإبراز خارق أبرزته، وإن كان فيه الإعلام بمغيب أبديته، وإلا اقتصرت على الإبلاغ مع التحدي، وهو مخبر بأن الله - الذي ثبت بعجزكم عن معارضته أنه قوله - شاهد لي بصحة الرسالة وصدق المقالة. ولما ثبت بهذا أنهم عمي الأبصار والبصائر، لا يهتدون إلى ما ينفعهم، ولا يقدرون على إفحام خصم ولا التفصي عن وهم ولا وصم، بل هم كالسالك بين المهالك، يتبين بادئ بدئه في دعواه الحكمة زوره وكذبه وفجوره لأتباع الهوى الذي هو أدوأ أدواء، وأنه صلى الله عليه وسلم أبصر البصراء وأحكم الحكماء لأتباعه علام الغيوب، وكان موضع أن يقال: ما يوحى إليك في هذا المقام؟ قال على وجه التبكيت لهم: {قل} أي لكل من يسمع قولك بعد هذا البيان الفائت لقوى الإنسان {هل يستوي} أي يكون سواء من غير مرية {الأعمى والبصير} فإن قالوا: نعم، كابروا الحس، وإن قالوا: لا، قيل: فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير، ومن أعرض عنها فهو العمى، ومن سوى بين الخالق وبين شيء من خلقه فهو أعمى العمى؛ ثم أمره بعد الإنكار للتسوية بينهما بأن ينكر عليهم فساد نظرهم وعمى فكرهم بقوله: {أفلا تتفكرون *} أي فيردكم فكركم عن هذه الضلالات.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {يصدفون} قال: يعدلون . وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {يصدفون} قال: يعرضون عن الحق. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت سفيان بن الحارث وهو يقول: شعر : عجبت لحكم الله فينا وقد بدا له صدفنا عن كل حق منزل تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {يصدفون} قال: يعرضون. وفي قوله {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة} قال: فجأة آمنين {أو جهرة} قال: وهم ينظرون وفي قوله {قل هل يستوي الأعمى والبصير} قال: الضال والمهتدي. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كل فسق في القرآن فمعناه الكذب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {قل هل يستوي الأعمى والبصير} قال: الأعمى الكافر الذي عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه {والبصير} العبد المؤمن الذي أبصر بصراً نافعاً فوحد الله وحده، وعمل بطاعة ربه، وانتفع بما آتاه الله.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} [الآية: 46]. قال الجريرى: أى إن أخذ الله سمعكم عن فهم خطاباتهم وأبصاركم عن الاعتبار بصنائع قدرته، وختم على قلوبكم تسلبكم معرفته، هل يقدر أحد فتح باب من هذه الأبواب سواه؟ كلا بل هو المبتدئ بالنعم تفضلاً ومنتهى فى الانتهاء كرماً.
القشيري
تفسير : عَرَّفهم محلَّ عجزهم، وحقيقة حاجتهم إلى القدرة القديمة لدوام فقرهم. وحذَّرهم فقال: إنْ لم يُدِمْ عليهم نعمة أسماعهم وأبصارهم، ولم يوجِبْ لهم ما ألبسهم من العوافي - بكل وجهٍ في كل لحظة - فمن الذي يهب ما سلبه، أو يضع ما منعه، أو يعيد ما نفاه، أو يَرُدُّ ما أبداه؟ كلا... بل هو الله تعالى.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} يا محمد لاهل مكة {أرأيتم} اى اخبرونى ايها المشركون فان الرؤية بصرية كانت او علمية سبب الاخبار كما سبق {إن اخذ الله سمعكم} اى اصمكم {وأبصاركم} اى اعماكم بالكلية {وختم على قلوبكم} بان غطى عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم بحيث تصيرون مجانين {من إله غير الله} من استفهامية مبتدأ وإله خبره وغير صفة له {يأتيكم به} اى بما اخذه منكم وهى صفة اخرى له والجملة متعلق الرؤية ومناط الاستخبار اى اخبرونى ان سلب الله عنكم اشراف اعضائكم من احد غير الله يأتيكم بها ومن المعلوم انه لا يقدر عليه الا الله سبحانه فهو المستحق للعبادة والتعظيم وهو احتجاج آخر على المشركين {انظر} يا محمد وتعجب {كيف نصرف الآيات} اى نكررها ونقررها مصروفة من اسلوب الى اسلوب تارة بترتيب المقدمات العقلية وتارة بطريق الترغيب والترهيب وتارة بالتنبية والتذكير باحوال المتقدمين. قال الحدادى التصريف توجيه المعنى فى الجهات التى تظهرها اتم الاظهار {ثم هم يصدفون} اي يعرضون عنها فلا يؤمنون وثم لاستبعاد صدفهم اى اعراضهم عن تلك الآيات بعد تصريفها على هذا النمط البديع الموجب للاقبال عليها.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم أيضًا: {أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم} أي: أصمَّكم وأعماكم، {وختم على قلوبكم}؛ بأن غطى عليها بما يزول به عقلكم وفهمُكم، {مَن إله غير الله يأتيكم به} أي: بذلك المأخوذ. {انظر كيف نُصرف الآيات} أي: نُكررها على جهات مختلفة، كتصريف الرياح، تارة من جهة المقدمات العقلية، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة بالتنيبة والتذكير بأحوال المتقدمين، {ثم هم يصدفون} أي: يعرضون عنها ولم يلتفتوا إليها، و {ثُم}: لاستبعاد الإعراض بعد تصريف الآيات وظهورها. و {قل} لهم أيضًا: {أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة} من غير مقدمة {أو جهرة} بتقديمها، فالبغتة: ما لم يتقدم لهم به شعور، والجهرة: ما قدمت لهم مخايله، وقيل: بغتة بالليل، وجهرة بالنهار، {هل يُهلك} أي: ما يُهلك به هلاك سخط وتعذيب، {إلا القوم الظالمون} بالكفر والمعاصي. الإشارة: إنما خلق الأسماع والأبصار، لسماع الوعظ والتذكار، ولنظرة التفكر والاعتبار، فمن صرفهما في ذلك فقد شكر نعمتهما، ومن صرفهما في غير ذلك فقد كفر نعمتهما، ومن كفر نعمتهما يوشك أن تؤخذ منه تلك النعمة، وكذلك نور العقل، ما جعله الله في العبد إلا ليعرفه به، ويعرف دلائل توحيده، ويتبصرّ به في أمره. فإذا صرفه في تدبير هواه وشهواته فقد كفر نعمته، فيوشك أيضًا أن يؤخذ منه. وإذا أنعم الله عليه باستعمال هذه الحواس فيما خلقت لأجله؛ فليكن على حذر من أخذ ذلك منه أيضًا، فلا يأمن مكر الله، فإن الأسماع والأبصار والقلوب بيد الله، يُقلبها كيف شاء، فإن أخذها لن يقدر على ردها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، والعذاب الذي يأتي بغتة، هو السلب بغتة، أي: فقد القلب في مرة واحدة، والذي يأتي جهرة هو فقده شيئًا فشيئًا، وسبب هذا الهلاك: هو ظلم العبد لنفسه، إما بسوء أدب مع الله، أو نقض عهد الشيوخ العارفين بالله. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم رغَّب في الإيمان بالرسل، وحذَّر من الكفر بهم، فقال: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}.
الطوسي
تفسير : روي عن ورش: {به أنظر} بضم الهاءء الباقون بكسرها. قال ابو علي: من كسر الهاء حذف الياء التي تلحق الهاء في نحو به انظر، لالتقاء الساكنين والالف من {أنظر}. ومن قرأ بضم الهاء فهو على قول من قال: {فخسفنا بهو وبدار هو}، فحذف الواو لالتقاء الساكنين، كما حذف الياء في (بهي) لذلك، فصار {به أنظر} ومما يحسن هذا الوجه ان الضمة فيه مثل الضمة في (ان أقتلوا) أو (انقص) ونحو ذلك. وقوله: {أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم} ثم قال: {يأتيكم به} قال ابو الحسن هو كناية عن السمع او على ما أخذ منكم وقال الفراء: الهاء كناية عن الهدى. أمر الله تعالى نبيه (ع) ان يقول لهؤلاء الكفار {أرأيتم أن أخذ الله سمعكم} أي أصمكم، {وأبصاركم} أي أعماكم، تقول العرب: أخذ الله سمع فلان وبصره، أي أصَّمه وأعماه {وختم على قلوبكم} بأن سلب ما فيها من العقول التي بها يتهيأ لكم ان تؤمنوا بربكم وتتوبوا من ذنوبكم ووسمها بسمة من يكون خاتمة امره المصير الى عذاب النار، فلو فعل بكم، هل من اله غيره يأتيكم بهذا الذي سلبكم الله اياه؟! وهل يقدر على ذلك اله غير الله؟! فبين بهذا انه كما لا يقدر على ذلك غير الله فكذلك يجب ان لا يعبدوا سواه: القادر على جميع ذلك. وقوله {أنظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون} تنبيه للعباد على هذه الآية وعلى أمثالها من الآيات التي بين فيها انه لا يستحق العبادة سواه تعالى. ثم بين انهم مع ظهور هذه الآيات يصدفون أي يعرضون عن تأملها، والتفكر فيها. يقال: صدف عنه، اذا أعرض. وفي الآية دليل على ان الله قد مكنهم من الاقبال على ما ورد عليهم من البيان وانه لم يخلق فيهم الاعراض عنه ولا حملهم عليه، ولا اراده منهم ولا زينه لهم، لانه لو كان فعل شيئا من ذلك لم يكن لتعجيبه من ذلك معنى.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} فيسلب تميزكم كالمجانين {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} آيات قدرتنا وشواهدها {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} يعرضون ولا يتأمّلون فيها.
الأعقم
تفسير : {قل} يا محمد {أرأيتم} قد علمتم {إذ أخذ الله سمعكم وأبصاركم} أي ذهب بها فصرتم عمياً {وختم على قلوبكم} أي طبع عليها وسلب عنها التمييز والعقل، وقيل: أراد الأمانة {من إله غير الله يأتيكم به} أي بذلك المقدم ذكره من الحواس {أنظر} يا محمد {كيف نصرف الآيات} نبينها {ثم هم يصدفون} أي هؤلاء الكفار يعرضون {قل} يا محمد {أرأيتم} أعلمتم {ان أتاكم عذاب الله} أي عذبكم بعد اعذاره إليكم وإرساله الرسل {بغتة} فجأة {أو جهرة} علانية {هل يهلك} بالعذاب {إلا القوم الظالمون}، قوله تعالى: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح} بأن يعمل صالحاً في الدنيا بأن يأتي بالواجبات ويجتنب الكبائر {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} في الآخرة {والذين كذبوا بآياتنا} قيل: بالقرآن، وقيل بالنبي ومعجزاته {يمسهم} يصيبهم {العذاب} الآية {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله} يعني: رزق الله {ولا أعلم الغيب} ما خفي على الناس، قيل: إن أهل مكة قالوا: يا محمد هل أنزل عليك كنز أو جعل لك جنة؟ فنزلت الآية، وقيل: لما قالوا لولا انزل عليه آية من ربه نزلت الآية منها أنه عبد ليس الله شيء من ذلك إنما هو إلى الله تعالى {ولا أقول لكم إني ملك} فتنكرون قولي {إن اتبع إلاَّ ما يوحى إليَّ} وذلك غير منكر ولا مستحيل في العقل مع قيام الدلائل والحجج البالغة {قل هل يستوي الأعمى والبصير} مثل للضال والمهتدي، وقيل: مثل لمن اتبع الوحي ومن لم يتبع {وأنذر به} يعني القرآن {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} يعني قوم داخلون في الإِسلام مقرون بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه {لعلهم يتقون} أي يدخلون في زمرة أهل التقوى من المسلمين، وقيل: أراد أهل الكتاب لأنهم مقرون بالبعث {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} حديث : الآية نزلت حين قال المشركون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو طردت هؤلاء الأعبُد يعنون فقراء المسلمين وهم عمار بن ياسر وصهيب وخباب وسلمان وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين وكان عليهم جباب من صوف فقالوا: لو نفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم جلسنا إليك وحادثناك فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما أنا بطارد المؤمنين" تفسير : وروي أن عمر قال: لو فعلت حتى تنظر إلى ما يصيرون فنزلت، واعتذر عمر عما قال فقال سلمان وخباب: فينا نزلت وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقعد معنا ويدنو منا وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزل قوله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قيل: هو الدعاء والثناء، وقيل: ذكر الله، وقيل: العبادة، وقيل: الصلاة المكتوبة {يريدون وجهه} طاعته ورضاه {ما عليك من حسابهم من شيء} قيل: ما عليك من حساب عملهم، وقيل: من حساب رزقهم وفقرهم، وقيل: حساب هؤلاء الكفار إن لم يؤمنوا فتركهم فتطردهم جواب لقوله: {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين}.
الهواري
تفسير : قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ} فأذهبه {وَأَبْصَارَكُمْ} فأعماها {وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مِّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ} أي ليس غيره إله {يَأْتِيكُم بِهِ} أي بما اذهب من أسماعكم وأبصاركم فإنه ليس يفعل ذلك حتى يرده عليكم ـ إن شاء ـ إلا هو. قوله: {انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} يقول: كيف نبيّن الآيات {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} يقول: يعرضون عنها. قوله: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً} قال الحسن: بغتة: ليلاً {أَوْ جَهْرَةً} نهاراً. وقال في آية أخرى: (أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً) تفسير : [يونس: 50] وعذاب الله إن جاء ليلاً أو نهاراً لا يأتي إلا بغتة. قوله: {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القَوْمُ الظَّالِمُونَ}. أي أنه لا يهلك إلا القوم الظالمون. يخوفهم العذاب.
اطفيش
تفسير : {قُلْ أرأيتُم إن أخَذ اللهُ سَمْعكُم وأبْصاركُم وخَتَم على قلُوبِكم مَنْ إلهٌ غيرُ اللهِ يأتيكُم بهِ} الاستفهام للتوبيخ أو تعجيب، ومفعول أرأيتم جملة مَن إله غير الله يأتيكم به، أى أخبرونى من إله غير الله يأتيكم به، أو أعلمتم من إله غير الله يأتيكم به، لا تعلمونه لعدمه، والتعليق بالاستفهام فى الوجهين، والاستفهام فى مَن إله للإنكار أو المفعول الأول محذوف، أى أرأيتم وأبصاركم وجملة من إله غير الله مفعول ثان، والرابط هاء به لرجوعه إلى الأسماع وللأبصار بالتأويل كما يأتى، ومعنى أخذ السمع الإصْمام، وأخذ الأبصار الإعماء، والختم على القلوب منعها عن الفهم لما يفهم الناس، فيكونون كالمجانين أو البهائم. ومن مبتدأ، وإله خبر أو بالعكس، وغير نعت إله ويأتيكم نعت ثان، وهاء به عائدة إلى حالهم سابق قبل الأخذ والختم، أى يأتيكم بما كنتم عليه من السمع والبصر والفهم، وهذا كما يشار إلى غير الواحد بإشارة الواحد بتأويل ما ذكر، أى يأتيكم بذلك، وضعف أن يكون الضمير لها أخذ ولما ختم، ولو قيل به على أن يكون الآخر ما لحقنا به. {انْظُر كَيف نصرِّف الآياتِ} دلائل التوحيد والنبوة النقليات والعقليات، ومعنى تصريفها تكريرها تارة من جهة المقدمة العقلية، أعنى ما يكون حجة فى العقل، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة بالتنبيه والتذكير بما جرى على الأمم، وجملة نصرف مفعول لا نظر معلق هو عنها بكيف، وكيف حال من المستتر فى نصرف {ثم هُم يصْدِفُون} يعرضون عنها، وثم لبعد الإعراض بعد تصريف الآية، فإنهُ يبعد عقلا كما يبعد الجسم عن الجسم حساً.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} يا محمد {أَرَأَيْتُمْ} أَيها المشركون {إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ} أَصمكم {وَأَبْصَارَكُمْ} أَعماكم {وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} غطى عليها حتى لا تفهم، أَى أَرأَيتم سمعكم وأَبصاركم وعقلكم، إِن أَخذ الله سمعكم وأَبصاركم، أَى إِن أَخذها، ولكن لما حذف مرجع الضمير من أَول الكلام أَظهر، والمفعول الثانى معلق عنه بالاستفهام هو مجموع قوله {مَنْ إِلهٌ} من الآلهة المتعددة على زعمكم {غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} أَى بما ذكر من السمع والبصر والعقل، أَو بما ذكر من مأخوذ أَو مختوم عليه أَو بواحد منهن لا على التعيين، كأنه قيل: إِن أَزال منافع أَشراف أَعضائكم القوة السامعة والقوة الباصرة والحياة والفهم فمن يردها غير الله، فهو وحده المستحق للعبادة، وذلك كما يعود اسم الإِشارة المفرد إِلى الجماعة بتأويل ما ذكر، وأَولى من هذا أَن الهاء عائد إِلى واحد بأَن يفرد الخطاب لكل إِنسان على حدة، كأَنه قيل من يأتى كل واحد منكم بسمعه، ومن يأتيه ببصره، ويجوز أَن يتنازع رأَيتم وأَخذ فى سمعكم وأَبصاركم، وقرن رأَى هنالك بالكاف لا هنا لأَن التهديد هنالك أَعظم، وقيل للاكتفاء بما قبله وما بعده، وقيل صاروا بسلب تلك المشاعر كمن لا يحس فهم كمن لا يخاطب، وجملة يأْتيكم نعت إِله كغير، كما أَنه كرر قل على طريق الاهتمام بشأْن المقول، ولم يعطف لبيان أَنه مستقل بحياله، وقدم السمع، قيل لأَنه أَجل من نعمة البصر وقدما على ختم القلوب لأَنهما ظاهران، ولأَنهما آلتان لفهم القلوب طريقان إِليها، فأخذها سد لبابها، فمن ولد أَعمى أَصم، وبلغ سن التكليف لم يكلف عندنا، وقال بعض الحنية قد يكلف، وإِن الإِدراك لا يتوقف عليهما، وقدم القلوب فى بعض المواضع لأَن القلب ملك الأَعضاء تصلح وتفسد به، والمراد بالقلب نفس القلب لأَنه أَنسب بالختم لا فهمه، وعبر بالأَخذ لا بالإصمام والإِعماء لأَن ما أَخذه الله لا مرسل له من بعده، وقيل: الختم تفسير للأَخذ {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ} فى هذه السورة أَو مطلقاً {الآياتِ} نكررها على أَنحاء مختلفة كل تقوى الأُخرى، كتصريف الرياح شمالا وصبا، فتذكر من جهة المقدمة العقلية، كقوله تعالى: {أية : وما من دابة} تفسير : [هود: 6] إِلخ..ومن جهة الترغيب والترهيب كقوله تعالى: {أية : من يشإ الله يضلله} تفسير : [الأنعام: 39]، وقل أَرأَيتكم إِن أَتاكم عذاب الله، والترهيب مقدم ومن جهة التنبيه كقوله تعالى: {أية : ولقد أَرسلنا إِلى أُمم} تفسير : [الأنعام: 42]، وفيه الترغيب والترهيب أَيضاً، ومن جهة التذكير بأَحوال المتقدمين كقوله تعالى {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} يعرضون أَو يميلون عطفاً على نصرف، وهو العمدة فى التعجيب المستفاد بقوله انظر من عرض الكلام، وثم لاستبعاد الإِعراض عن الآيات بعد تصريفها فى الدلالة على التوحيد والنبوة تشبيها بتراخى الزمان.
الالوسي
تفسير : {قُلْ} يا محمد على سبيل التبكيت والإلزام أيضاً {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ } أي أصمكم وأعماكم فأخذهما مجاز عما ذكر لأنه لازم له، والاستدلال بالآية على بقاء العرض زمانين محل نظر. {وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} بأن غطى عليها بما لا يبقى لكم معه عقل وفهم أصلاً. وقيل: يجوز أن يكون الختم عطفاً تفسيرياً للأخذ فإن البصر والسمع طريقان للقلب منهما يرد ما يرده من المدركات فأخذهما سد لبابه بالكلية وهو السر في تقديم أخذهما على الختم عليها. واعترض بأن من المدركات ما لا يتوقف على السمع والبصر، ولهذا قال غير واحد بوجوب الإيمان بالله تعالى على من ولد أعمى أصم وبلغ سن التكليف، وقيل: في التقديم إنه من باب تقديم ما يتعلق بالظاهر على ما يتعلق بالباطن. ووجه تقديم السمع وإفراده قد تقدمت الإشارة إليه. {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} أي بذلك على أن الضمير مستعار لاسم الإشارة المفرد لأنه الذي / كثر في الاستعمال التعبير به عن أشياء عدة وأما الضمير المفرد فقد قيل فيه ذلك. ونقل عن الزجاج أن الضمير راجع إلى المأخوذ والمختوم عليه في ضمن ما مر أي المسلوب منكم أو راجع إلى السمع وما بعده داخل معه في القصد ولا يخفى بعده. وجوز أن يكون راجعاً إلى أحد هذه المذكورات. و {مَّنْ} مبتدأ و {إِلَـٰهٌ} خبره و {غَيْرُ} صفة للخبر و {يَأْتِيكُمْ} صفة أخرى، والجملة ـ كما قال غير واحد ـ متعلق الرؤية ومناط الاستخبار أي أخبروني إن سلب الله تعالى مشاعركم من إله غيره سبحانه يأتيكم بها وترك كاف الخطاب هنا قيل: لأن التخويف فيه أخف مما تقدم ومما يأتي. وقيل: اكتفاء بالسابق واللاحق لتوسط هذه الخطاب بينهما، وقيل: لما كان هذا العذاب مما لا يبقى القوم معه أهلاً للخطاب حذفت كافه إيماء لذلك ورعاية لمناسبة خفية. {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ} أي نكررها على أنحاء مختلفة، ومنه تصريف الرياح. والمراد من الآيات ـ على ما روي عن الكلبي ـ الآيات القرآنية وهل هي على الإطلاق أو ما ذكر من أول السورة إلى هنا؟ أو ما ذكر قبل هذا؟ أقوال أقربها عندي الأقرب وفيها الدال على وجود الصانع وتوحيده وما فيه الترغيب والترهيب والتنبيه والتذكير. وهذا تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: لمن يصلح للخطاب من عدم تأثرهم بما مر من الآيات الباهرات. {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} أي يعرضون عن ذلك: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنشد لهذا المعنى قول أبي سفيان بن الحرث: شعر : عجبت لحكم الله فينا وقد بدا له صدفنا عن كل حق منزل تفسير : وذكر بعضهم أنه يقال: صدف عن الشيء صدوفاً إذا مال عنه. وأصله من الصدف الجانب والناحية ومثله الصدفة وتطلق على كل بناء مرتفع. وجاء في الخبر أنه صلى الله عليه وسلم مر بصدف مائل فأسرع. والجملة عطف على {نُصَرّفُ} داخل معه في حكمه وهو العمدة في التعجيب. و {ثُمَّ } للاستبعاد أي أنهم بعد ذلك التصريف الموجب للإقبال والإيمان يدبرون ويكفرون.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي عاد به إلى الجدال معهم في إشراكهم بالله تعالى بعد أن انصرف الكلام عنه بخصوصه من قوله تعالى: {أية : قل أي شيء أكبر شهادة}تفسير : [الأنعام: 19] وما تفنَّن عقب ذلك من إثبات البعث وإثبات صدق الرسول وذكر القوارع والوعيد إلى قوله: {أية : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة}تفسير : [الأنعام: 40] الآيات. وتكرير الأمر بالقول للوجه الذي تقدّم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله}تفسير : [الأنعام: 40] الآية. والرؤية قلبية متعدّية إلى مفعولين، وليس هذا من قبيل الاستعمال المتقدّم آنفاً في قوله تعالى: {أية : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة}تفسير : [الأنعام: 40] الآية. واختلاف القرّاء في {أرأيتم} كاختلافهم في مثله من قوله تعالى: {أية : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله}تفسير : [الأنعام: 40] الآية. والأخذ: انتزاع الشيء وتناوله من مقرّه، وهو هنا مجاز في السلب والإعدام، لأنّ السلب من لوازم الأخذ بالنسبة إلى المأخوذ منه فهو مجاز مرسل. ولك أن تجعله تمثيلاً لأنّ الله هو معطي السمع والبصر فإذا أزالها كانت تلك الإزالة كحالة أخذ ما كان أعطاه، فشبّهت هيئة إعدام الخالق بعض مواهب مخلوقه بهيئة انتزاع الآخذ شيئاً من مقرّه. فالهيئة المشبّه هنا عقلية غير محسوسة والهيئة المشبّهة بها محسوسة. والختم على القلوب تقدّم بيانه في سورة [البقرة: 7] عند قوله تعالى: {أية : ختم الله على قلوبهم}تفسير : والمراد بالقلوب العقول التي بها إدراك المعقولات. والسمع مصدر دالّ على الجنس فكان في قوة الجمع، فعمّ بإضافته إلى ضمير المخاطبين ولا حاجة إلى جمعه. والأبصار جمع بصر، وهو في اللغة العين على التحقيق. وقيل: يطلق البصر على حاسّة الإبصار ولذلك جمع ليعمّ بالإضافة جميع أبصار المخاطبين، ولعلّ إفراد السمع وجمْع الأبصار جرى على ما يقتضيه تمام الفصاحة من خفَّة أحد اللفظين مُفْرداً والآخر مجموعاً عند اقترانهما، فإنّ في انتظام الحروف والحركات والسكنات في تنقُّل اللسان سِرّاً عجيباً من فصاحة كلام القرآن المعبّر عنها بالنَّظم. وكذلك نرى مواقعها في القرآن قال تعالى: {أية : وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء}تفسير : [الأحقاف: 26]. والقلوب مراد بها العقول في كلام العرب لأنّ القلب سبب إمداد العقل بقوّة الإدراك. وقوله: {مَنْ إلٰه} معلِّق لفعل الرؤية لأنّه استفهام، أي أعلِمتم جوابَ هذا الاستفهام أم أنتم في شكّ. وهو استفهام مستعمل في التقرير يقصد منه إلجاء السامعين إلى النظر في جوابه فيوقنوا أنّه لا إله غير الله يأتيهم بذلك لأنّه الخالق للسمع والأبصار والعقول فإنّهم لا ينكرون أنّ الأصنام لا تخلق، ولذلك قال لهم القرآن: {أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تَذّكَّرون}تفسير : [النحل: 17]. و{مَنْ} في موضع رفع على الابتداء، و{إله} خَبَر {مَنْ}، و{غيرُ الله} صفة {إله}، و{يأتيكم} جملة في محلّ الصفة أيضاً، والمستفهم عنه هو إله، أي ليس إله غير الله يأتي بذلك، فدلّ على الوحدانية. ومعنى {يأتيكم به} يُرجعه، فإنّ أصل أتى به، جاء به. ولمّا كان الشيء المسلوب إذا استنقذه منقذ يأتي به إلى مقرّه أطلق الإتيان بالشيء على إرجاعه مجازاً أو كناية. والضمير المجرور بالباء عائد إلى السمع والأبصار والقلوب، على تأويلها بالمذكور فلذلك لم يقل بها. وهذا استعمال قليل في الضمير، ولكنَّه فصيح. وقد تقدّم في تفسير قوله تعالى: {أية : إنّ الذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به}تفسير : في سورة [المائدة: 36]، وعند قوله: {أية : وآتوا النساء صدقاتهنّ نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً }تفسير : في سورة [النساء: 4]، وإيثاره هنا على أن يقال: يأتيكم بها، لدفع توهّم عود الضمير إلى خصوص القلوب. والكلام جار مجرى التهديد والتخويف، اختير فيه التهديد بانتزاع سمعهم وأبصارهم وسلْب الإدراك من قلوبهم لأنَّهم لم يشكروا نعمة هذه المواهب بل عدموا الانتفاع بها، كما أشار إليه قوله آنفاً {أية : وجعلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها}تفسير : [الأنعام: 25]. فكان ذلك تنبيهاً لهم على عدم إجداء هذه المواهب عليهم مع صلاحيتها للانتفاع، وناسب هنا أن يهدّدوا بزوالها بالكليّة إن داموا على تعطيل الانتفاع بها فيما أمر به خالقها. وقوله {انْظُرْ} تنزيل للأمر المعقول منزلة المشاهد، وهو تصريف الآيات مع الإعراض عنها حتّى أنّ النّاظر يستطيع أن يراها، فأمّا الأمر فهو مستعمل في التعجيب من حال إعراضهم. والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً تتنزّل منزلة التذييل للآيات السابقة، فإنّه لمَّا غمرهم بالأدلّة على الوحدانية وصدْق الرسول، وأبطل شبههم عقّب ذلك كلّه بالتعجيب من قوّة الأدلّة مع استمرار الإعراض والمكابرة، وقد تقدّم قريب منه عند قوله تعالى: {أية : انظر كيف يفترون على الله الكذب}تفسير : في سورة [النساء: 50]. وهذا تذكير لهم بأنّ الله هو خالق أسماعهم وأبصارهم وألبابهم فما كان غيره جديراً بأن يعبدون. وتصريف الآيات اختلاف أنواعها بأن تأتي مرة بحجج من مشاهدات في السماوات والأرض، وأخرى بحجج من دلائل في نفوس الناس، ومرّة بحجج من أحوال الأمم الخالية التي أنشأها الله، فالآيات هنا هي دلائل الوحدانية، فهي متَّحدة في الغاية مختلفة الأساليب متفاوتة في الاقتراب من تناول الأفهام عامّها وخاصّها، وهي أيضاً مختلفة في تركيب دلائلها من جهتي المقدّمات العقلية وغيرها، ومن جهتي الترغيب والترهيب ومن التنبيه والتذكير، بحيث تستوعب الإحاطة بالأفهام على اختلاف مدارك العقول. والتعريف في "الآيات" للعهد، وهي المعهودة في هذه السورة ابتداء من قوله: {أية : الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور}تفسير : [الأنعام: 1]. و{ثم} للترتيب الرتبي لأنّها عطفت جملة على جملة، فهي تؤذن بأنّ الجملة المعطوفة أدخل في الغرض المسوق له الكلام، وهو هنا التعجيب من قوة الأدلّة وأنّ استمرار الإعراض والمكابرة مع ذلك أجدر بالتعجيب به. وجيء بالمسند في جملة {هم يصدفون} فعلاً مضارعاً للدلالة على تجدّد الإعراض منهم. وتقديم المسند إليه على الخبر الفِعْلِيّ لتَقَوّي الحُكم. و{يصدفون} يعرضون إعراضاً شديداً. يقال: صَدَف صَدْفاً وصُدوفاً، إذا مال إلى جانب وأعرض عن الشيء. وأكثر ما يستعمل أن يكون قاصراً فيتعدّى إلى مفعوله بـ (عن). وقد يستعمل متعدّياً كما صرّح به في «القاموس». وقلّ التعرّض لذلك في كتب اللغة ولكن الزمخشري في تفسير قوله تعالى في أواخر هذه السورة {أية : فمن أظلم ممّن كذّب بآيات الله وصدف عنها}تفسير : [الأنعام: 157] قدّر: وصدف الناسَ عنها، مع أنّه لم يتعرّض لذلك في الأساس ولا علّق على تقديره شارحوه. ولمّا تقدّم ذكر الآيات حُذف متعلِّق {يصدفون} لظهوره، أي صدف عن الآيات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أرأيتم: أخبروني وفي هذه الصيغة نوع من التعجب. أخذ سمعكم وأبصاركم: أي أصمكم وأعماكم. وختم على قلوبكم: جعلها لا تعي ولا تفهم. نصرف الآيات: ننوع الأساليب لزيادة البيان والإِيضاح. يصدفون: يعرضون. بغتة أو جهرة: بغتة: بدون إعلام ولا علامة سابقة، والجهرة، ما كان بإعلام وعلامة تدل عليه. هل يهلك: أي ما يهلك. معنى الآيات: ما زال السياق في دعوة العادلين بربهم الأصنام والأوثان إلى التوحيد فقال تعالى لنبيه يلقنه الحجج التي تبطل باطل المشركين {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} أي أخبروني يا قوم {إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ} وجعلكم صماً لا تسمعون وأخذ {أَبْصَارَكُمْ} فكنتم عمياً لا تبصرون {وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} أي طبع عليها فأصبحتم لا تعقلون ولا تفهمون. أي إله غير الله يأتيكم بالذي أخذ الله منكم؟ والجواب لا أحد، إذاً فكيف تتركون عبادة من يملك سمعكم وأبصاركم وقلوبكم ويملك كل شيء فيكم وعندكم، وتعبدون ما لا يملك من ذلكم من شيء؟ أي ضلال أبعد من هذا الضلال! ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {ٱنْظُرْ} يا رسولنا {كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} أي ننوع أساليبها زيادة في بيانها وإظهار الحجة بها {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} أي يعرضون عادلين بربهم ما لا يملك نفعاً ولا ضراً ثم أمره في الآية الثانية [47] أن يقول لهم وقد أقام الحجة عليهم في الآية الأولى [46] قل لهم {أَرَءَيْتَكُمْ} أي أخبروني {إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} وقد استوجبتموه بصدوفكم عن الحق وإعراضكم عنه {بَغْتَةً} أي فجأة بدون سابق علامة، {أَوْ جَهْرَةً} بعلامة تقدمته تنذركم به أخبروني من يهلك منا ومنكم؟ {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ} بصرف العبادة إلى من لا يستحقها وترك من وجبت له وهو الله الذي لا إله إلا هو ثم عزى الرحمن جل جلاله رسوله بقوله: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي ما نكلفهم بغير حمل البشارة بالنجاة ودخول الجنة لمن آمن وعمل صالحاً والنذارة لمن كفر وعمل سوءاً، فقال تعالى: {فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} التي نرسل بها المرسلين فلم يؤمنوا ولم يعملوا صالحاً {يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ} عذاب النار {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} بسبب فسقهم عن طاعتنا وطاعة رسلنا الفسق الذي أثمره لهم التكذيب بالآيات، إذ لو آمنوا بآيات الله لما فسقوا عن طاعته وطاعة رسوله فشؤمهم تكذيبهم، وذلك جزاؤهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- افتقار العبد إلى الله في سمعه وبصره وقلبه وفي كل حياته موجب عليه عبادة الله وحده دون سواه. 2- هلاك الظالمين لا مناص منه عاجلاً أو آجلاً. 3- بيان مهمة الرسل وهي البشارة لمن أطاع والنذارة لمن عصى والهداية والجزاء على الله تعالى. 4- الفسق عن طاعة الله ورسوله ثمرة التكذيب، والطاعة ثمرة الإِيمان.
القطان
تفسير : نصرّف الآيات: نكررها على وجوه مختلفة. يصدفون: يعرضون. يمسهم العذاب: يصيبهم. قل أيها الرسول لهؤلاء المكذبين بك وما جئت به من الهدى والحق: أخبروني ماذا يكون من أمركم مع آلهتكم الذين تدعونهم من دون الله إن أصمّكَم اللّهُ فذهب بسمعكم، وأعماكم فذهب بأبصاركم، ثم طبع على قلوبكم بما يحجبها عن الإِدراك.. مَنْ غيرُ اللهِ تعالى تأتيكم بكل ما أُخِذ منكم؟ أُنظر ايها النبي كيف نتابع عليهم الحجج، ونضرب لهم الأمثال على وجوه شتى ليعتبروا ويعودوا عن كفرهم، ولكنهم مع كل هذه البراهين يصرون على عنادهم وكفرهم. {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّالِمُونَ}. وهذا تهديد. قل لهم أيها الرسول: أخبروني إن حلّ بكم عذاب الله فجأة دون توقع، أو جاءكم عياناً وأنتم تنظرون اليه، فمن الخاسرُ عند ذاك إلا الذين ظلموا انفسهم بالإِصرار على الشرك والضلال؟. {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}. وهذه وظيفة الرسل. وما نرسل الأنبياء الا ليبشّروا من يؤمن بالخير والثواب، وليحّذروا من يكفر من العذاب. {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} ولا حاجة الى تفسير. {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}. أما الذين كذّبوا بآياتنا الواضحة على صدق ما جاء به الرسل، فان لهم العذابَ جزاءَ خروجهم عن الطاعة وعدم الإيمان. قراءات: أرأيتم، وأرأيتكم، مثل ما تقدم، نافع يسهل الهمزة، والكسائي يحذفها، وحمزة يسهّلها بالوقف، والباقون يثبتونها "أرأيتكم" كما هي هنا في المصحف.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَرَأَيْتُمْ} {وَأَبْصَارَكُمْ} {ٱلآيَاتِ} (46) - قُلْ لِهؤُلاءِ المُكَذِّبينَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ سَلَبَكُمُ اللهُ قُدْرَتَكُمْ عَلَى السَّمْعِ وَالإِبْصَارِ، كَمَا مَنَحَكمُوهَا، وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ، فَلَمْ يَعُدْ يَصِلُ إِلَيْهَا شَيءٌ، وَلَمْ تَعُدْ تَعِي شَيْئاً، فَهَلْ هُنَاكَ أَحَدٌ غَيْرُ اللهِ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ إِلَيْكُم، إِذَا سَلَبَكُمُ اللهُ إيَّاهُ؟ بِلاَ شَكٍّ لاَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرُهُ. فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ نُبَيِّنُ الآيَاتِ وَالحُجَجَ لِهؤلاءِ عَلَى أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ لاَ مَعْبُودَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ ضَلالٌ وَبَاطِلٌ، ثُمَّ إنَّهُمْ، مَعْ هَذا البَيَانِ، يُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وَيَصْرِفُونَ وُجُوهَهُمْ عَنِ الآيَاتِ، وَيَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِهَا. أَرَأَيْتُمُ - أَخْبِرُونِي مَا يَكُونُ حَالُكُمْ. نُصَرِّفُ الآيَاتِ - نُكَرِّرُ الآيَاتِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ. يَصْدِفُونَ - يُعْرِضُونَ عَنِ الآيَاتِ وَيَعْدِلُونَ.
الثعلبي
تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} فذهب بها { وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} وطبع عليها يعني لا يفقهوا قولاً ولا يبصروا حجة {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} يعني بما أخذ منكم {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ} نبين لهم {ٱلآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} يعرضون عنها مكذبين بها {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً} فجأة { أَوْ جَهْرَةً} معاينة ورؤية [على ما أشركوا] {هَلْ يُهْلَكُ} بالعذاب {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّالِمُونَ} المشركون {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} العمل {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} حين يخاف أهل النار {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} إذا حزنوا {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} بمحمد والقرآن {يَمَسُّهُمُ} يصيبهم {ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} يرتكبون {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} يعني رزق اللّه {وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} ما يخفى عن الناس {وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} فتنكرون قولي وتجحدون أمري {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} وذلك غير منكر ولا مستحيل في العقل مع وجود الدلائل والحجة البالغة {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} الكافر والمؤمن والضال والمهتدي {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} لا يستويان {وَأَنذِرْ} خوّف {بِهِ} بالقرآن. قال الضحّاك: به أي باللّه {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ} يبعثوا ويحيوا {إِلَىٰ رَبِّهِمْ} وقيل: يعلمون أن يحشروا لأن خوفهم بما كان من عملهم {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ} من دون اللّه {وَلِيٌّ} يعني قريب ينفعهم {وَلاَ شَفِيعٌ} يشفع لهم {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} الآية، قال سليمان، وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية. حديث : جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصين الفزاري وهم من المؤلفة قلوبهم فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المسلمين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فقالوا: يا رسول اللّه لو جلست في صدر المجلس ويغيب عنا هؤلاء وأرواح جبابهم وكانت عليهم جباب من صوف لم يكن عليهم غيرها لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "ما أنا بطارد المؤمنين" قالوا: فأنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: أكتب لنا بذلك كتاباً، قال: فدعانا لصحيفة ودعا علياً ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل (عليه السلام) بقوله {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} إلاّ بشيء فألقى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سلام عليكم {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم} الآية، قال: وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعمد وندنوا منه حتى كادت رِكبنا تمسّ ركبه فإذا بلغ الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم وقال: "الحمد للّه الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي (معكم المحيا ومعكم) الممات". وقال الكلبي: قالوا له: إجعل لنا يوماً ولهم يوم، قال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحداً وأقبل إلينا وولّ ظهرك عليهم فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . تفسير : وروى الأشعث بن سواد عن إدريس عن عبد اللّه بن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء أهؤلاء الذين قال: منّ اللّه عليهم من بيننا، أطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم إتبعناك، فأنزل اللّه تعالى {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآية، قال: بها قد قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمداً فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية. وقال عكرمة: حديث : جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن أمية ومطعم بن عدي والحرث بن نوفل وقرظة ابن عبد وعمرو بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا: ياأبا طالب لو أن ابن أخيك محمداً يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنهم عبيدنا كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتّباعنا إيّاه. وتصديقنا له فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كتموه، فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون فنزلت من قولهم هذه الآية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته . تفسير : وقال جبير بن نفيل: إن قريشاً أتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالت: أرسلت إلينا فاطرد هؤلاء السقاط عنك فنكون أصحابك فأنزل اللّه تعالى {وَلاَ تَطْرُدِ} الآية. قال ابن عباس: يدعون ربهم يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة بالغداة والعشي يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، وذلكإن ناساً من الفقراء كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال قوم من الأشراف: إذا صلّينا فأخّر هؤلاء وليصلوا خلفنا، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ} الآية. وقال حمزة بن عيسى: دخلت على الحسن فقلت له: يا أبا سعيد أرأيت قول اللّه تعالى {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ}، قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة. وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب (رضي الله عنه) فلما سلم الإمام، ابتدر الناس القاص، فقال سعيد ما أسرع الناس إلى هذا المجلس. فقال مجاهد: فقلت: يتأوّلون قول اللّه عز وجل ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، فأراد في هذا هو إنما ذلك في الصلاة التي انصرفا عنها الآن، وقلنا إنهم يذكرون ربهم. وقال أبو جعفر: يعني يقرأون القرآن {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} جواب لقوله {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} وقوله {فَتَكُونَ} جواب لقوله ولا تطرد لا أحد هو جواب نفي واللّه جواب النهي {مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} من الضارين لنفسك بالمعصية والنفس الطرد في غير موضعه {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} التعريف الوضيع والعرفي بالمولى والغني الآية { لِّيَقُولوۤاْ} يعني الأشراف الأغنياء {أَهَـٰؤُلاۤءِ} يعني الفقراء والضعفاء {مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} قال الكلبي: كان الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد آمن قبله حمى أنفاً أن يسلم ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ} يعني المؤمنين وهذا جواب لقوله {أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} وقيل: أليس اللّه أعلم بالشاكرين، من يشكر على الإسلام إذا هديته له. العلاء بن بشير عن أبي بكر الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: حديث : كنت في عصابة فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم يستر بعضاً من العري وقارىء يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته فقال النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام علينا فلما رأى القارىء سكت، فسلم وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول اللّه كان قارىء يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم الحمد للّه الذي جعل في أمتي من أمرت أن أُصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال هكذا بيده هكذا، فحلق القوم وبرزت وجوههم فلم يعرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منهم أحداً وكانوا ضعفاء المهاجرين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أبشروا صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء المؤمنين بنصف يوم مقداره خمس مائة سنة ". تفسير : هشام بن سليمان عن أبي يزيد الرقاشي عن أنس قال: حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم "يا معشر الفقراء إن اللّه رضي لي أن أتأسى بمجالسكم وأن اللّه معنا فقال: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} [الكهف: 28] فإنها مجالس الأنبياء قبلكم والصالحين ". تفسير : معاوية بن مرّة عن عائذ بن عمرو: حديث : أن سلماناً وصهيباً وبلالا كانوا قعدوا فمر بهم أبو سفيان فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو اللّه مأخذها بعد. فقال لهم أبو بكر (رضي الله عنه): تقولون هذا لشيخ قريش وسيّدها ثم أتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أبا بكر لعلك أغضبتهم إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك" فوقع أبو بكر فيهم فقال: لعلي أغضبتكم؟ قالوا: لا يا أبا بكر يغفر اللّه لك . تفسير : {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} إختلفوا فيما نزلت هذه الآية. فقال عكرمة: نزلت في الذين نهى اللّه عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم حديث : وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام ". تفسير : وقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} جاء عمر (رضي الله عنه) للنبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليه من مقالته واستغفر اللّه تعالى منها، وقال: يا رسول اللّه ما أردت بهذا إلاّ الخير فنزل في عمر (رضي الله عنه) {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} الآية . وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة وصهيب بن عمير وعمر وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر، والأرقم بن الأرقم وأبي سلمة بن الأسد رضي اللّه عنهم أجمعين. وقال أنس بن مالك (رضي الله عنه) عنه: حديث : أتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رجال فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً كثيرة عظيمة فسكت عنهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأنزل اللّه على الرجال الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ} تفسير : قال مجاهد: لا يعلم حلالاً من حرام ومن جهالته ركب الأمر وكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، يقال: جهل حين آثر المعصية على الطاعة {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ} فرجع عن دينه {وَأَصْلَحَ} عمله، وقيل: أخلص توبته {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} واختلف القراء في قوله تعالى {أَنَّهُ} [الكوفيون] بفتح الألف منهما جميعاً. إبن كثير والأعمش وابن عمر وحمزة والكسائي على الإستئناف، ونصبها الحسن وعاصم ويعقوب بدلاً من رحمة، وفتح أهل المدينة الأولى على معنى وكتب إنّه وكسروا الثانية على الاستئناف لأن ما بعدها لا يخبر أبداً {وَكَذَلِكَ} أي هكذا، وقيل: معناه وفصلنا لك في هذه السورة والآية. وجاء في أعلى المشروح في المنكرين من كذلك {نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي نميز ونبين لك حجتنا وأدلتنا في كل من ينكر أهل الباطل {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} مرّ رفع السبيل ومعناه وليظهر وليتضح طريق المجرمين. يقال بأن الشيء وأبان وتبيان وتبين إذا ظهر ووضح والسبيل يذكر ويؤنث، فتميم تذكر، وأهل الحجاز يؤنثه، ودليل المذكر قوله عزّ وجل {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} ودليل التأنيث قوله تعالى {أية : لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً} تفسير : [آل عمران: 99] وقوله عز وجل {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} تفسير : [يوسف: 108] ولذلك قرأ ولتستبين بالياء والتاء، وقرأ أهل المدينة ولتستبين بالتاء، سبيل بالنصب على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم عناه ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين، يقال واستبين الشيء وتبينته إذا عرفته {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ} في عبادة الأوثان وطرد بلال وسلمان {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} يعني إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير الهدى. وقرأ يحيى بن وثاب [وأبو رجاء]: قد ضللت، بكسر اللام وهما لغتان ضلّ يضلّ مثل قلّ يقلّ. وضلّ يضلّ مثل ملّ يملّ، والأولى هي الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} بيان وبرهان وبصيرة وحجة {مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ} أي بربي {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} يعني العذاب، نزلت في النضر بن الحرث {إِنِ ٱلْحُكْمُ} ما القضاء {إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ} قرأ أهل الحجاز، وعاصم يقص الحق بالصاد المشددة أي يقول الحق قالوا: لأنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ياء ولأنه قال الحق فإنما يقال قضيت بالحق. وقرأ الباقون: بالضاد أي يحكم بالحق دليله قوله {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَاصِلِينَ} والفصل جلب القضاء، والقرّاء إنما حذفوا الياء للإستثقال ثم [...] كقوله {أية : صَالِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 163] وقوله {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [الرعد: 39] و {أية : فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ} تفسير : [القمر: 5] {أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} تفسير : [العلق: 18] ونحوها وحذفوا الباء من الحق لأنه صفة المصدر فكأنه يقضي القضاء الحق. {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي} بيدي {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} هو العذاب {لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي فرغ من العذاب وأهلكتم {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا يأمر الحق نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستنطقهم: ماذا يفعلون إن سلب الله السمع وغطى قلوبهم بما يجعلها لا تدرك شيئاً، وسلب منهم نعمة البصر، هل هناك إله آخر يستطيع أن يرد لهم ما سلبه الحق سبحانه منهم؟ لقد أخذوا نعمة الله واستعملوها لمحادَّة الله وعداوته، أخذوا السمع ولكنهم صموا عن سماع الهدى، وأخذوا الأبصار ولكنهم عموا عن رؤية آيات الله. ومنحوا القلوب ولكنهم أغلقوها في وجه قضايا الخير. فماذا يفعلون إن أخذ الله منهم هذه النعم؟ هل هناك إله آخر يلجأون إليه ليستردوا ما أخذه الله منهم؟ وترى في الحياة أن الحق قد حرم بعضاً من خلقه من نعم أدامها على خلق آخرين . إن في ذلك وسيلة إيضاح في الكون. وإياك أن تظن أيها الإنسان أن الحق حين سلب إنساناً نعمة، أنَّه يكره هذا الإنسان، إنه سبحانه أراد أن يذكر الناس بأن هناك منعماً أعلى يجب أن يؤمنوا به. فإن أخذ الحق هذه النعم من أي كافر فماذا سيفعل؟ إنه لن يستطيع شيئاً مع فعل الله. وها هوذا النبي يوضح لهم بالبراهين الواضحة، ولكنهم مع ذلك يُعْرِضون عن التدبر والتفكر والإيمان {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} والمؤمن حين يرى إنساناً من أصحاب العاهات فهو يشكر الله على نعمه، إن الحق - سبحانه - بواسع رحمته يعطي صاحب العاهة تفوقاً في مجال آخر. ولنذكر قول الشاعر: شعر : عميت جنيناً والذكاء من العمى فجئت عجيب الظن للعلم موئلا وغاض ضياء العين للقلب رافداً لعلم إذا ما ضيع الناس حصلا تفسير : إننا قد نرى أعمى يقود ببصيرته المبصرين إلى الهداية. ونرى أصم كبيتهوفن - على سبيل المثال - قد فتن الناس بموسيقاه وهو أصم. وهكذا نجد من أصيب بعاهة فإن الله يعوضه بجودٍ وفضل منه في نواحٍ ومجالات أخرى من حياته. ولا يوجد إله آخر يمكن أن يعوض كافراً ابتلاه الله؛ لأن الله هو الواحد الأحد. {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ}، أي انظر يا محمد وتعجب كيف نبّين لهم الآيات ونصرفها من أسلوب إلى أسلوب ما بين حجج عقلية وتوجيه إلى آيات كونية وترغيب وتنبيه وتذكير ومع ذلك فإن هؤلاء الكافرين لا يتفكرون ولا يتدبرون، بل إنهم يعرضون ويتولون عن الحق بعد بيانه وظهوره. ويقول الحق من بعد ذلك: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} معناهُ يَعْرِضُونَ.
الأندلسي
تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} الآية لما ذكر أولاً تهديدهم بإِتيان العذاب أو الساعة كان ذلك أعظم من هذا التهديد فأكد خطاب الضمير بحرف الخطاب فقيل: أرأيتكم، ولما كان هذا التهديد أخف من ذلك لم يؤكد به بل اكتفى بخطاب الضمير فقيل: أرأيتم، وفي تلك وهذه الاستدلال على توحيد الله تعالى وأنه المتصرف في العالم الكاشف للعذاب والرادّ لما شاء بعد الذهاب وأن آلهتهم لا تغني عنهم شيئاً. والظاهر من قوله: أخذ سمعكم وأبصاركم أنه إذهاب للحاسة السمعية والبصرية فيكون أخذاً حقيقياً. وقيل: هو أخذ معنوي. والمراد إذهاب نور البصر بحيث يحصل العمى وإذهاب سمع الأذن بحيث يحصل الصمم. وتقدم الكلام على إفراد السمع وجمع الأبصار وعلى الختم على القلوب في أوائل البقرة. ومفعول أرأيتم الأول محذوف والتقدير قل أرأيتم سمعكم وأبصاركم ان أخذها الله، والمفعول الثاني هو الجملة الاستفهامية كما تقول: أرأيتك زيداً ما صنع. وقد قررنا أن ذلك من باب الأعمال أعمل الثاني وحذف من الأول وأوضحنا كيفية ذلك في الآية قبل هذه. والضمير في به أفرده إجراء له مجرى اسم الإِشارة كأنه قيل يأتيكم بذلك أو يكون التقدير بما أخذ وختم عليه. للتبشير والإِنذار لا لأن تقترح عليهم. أنظر خطاب للسامع وتصريفها تأتي مرة بالنقمة ومرة بالنعمة ومرة بالترغيب ومرة بالترهيب والصدف والصدوف الإِعراض والنفور ويصدفون أي يعرضون ولا يعتبرون. {قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} هذا تهديد ثالث، فالأول بأحد أمرين العذاب أو الساعة، والثاني بالأخذ والختم، والثالث بالعذاب فقط. وبغتة: فجأة، لا يتقدم لكم به علم. وجهرة يبدو لكم مخايلة ثم ينزل ولما كانت البغتة تضمنت معنى الخفية صح مقابلتها للجهرة، ويبدىء به لأنها أردع من الجهرة والجملة من قوله: هل يهلك معناها النفي أي ما يهلك إلا القوم الظالمون ولذلك دخلت الا وهي في موضع المفعول الثاني لا رأيتكم، والرابط محذوف أي هل يهل به والأول من مفعولي أرأيتكم محذوف من باب الأعمال لما قررناه ولما كان التهديد شديداً جمع فيه بين أداتي الخطاب والخطاب لكفار قريش والعرب، وفي ذكر الظلم تنبيه على علة الهلاك، والمعنى هل يهل إلا أنتم لظلمكم. {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} الآية، أي مبشرين بالثواب ومنذرين بالعقاب. وانتصب مبشرين ومنذرين على الحال، وفيهما معنى العلية أي أرسلناهم للتبشر والإِنذار لا لأن تقترح عليهم الآيات بعد وضوح ما جاؤوا به وتبيين صحته. {فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ} أي من صدق بقلبه وأصلح في عمله. {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} الآية، ومعنى يمسهم العذاب جعل العذاب ماساً كأنه ذو حياة يفعل بهم ما يشاء من الآلام. {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ} الآية، قال الطبري: المعنى أني لا أقول لكم اني إله فاتصف بصفاته من كينونة خزائنه عندي وعلم الغيب. {وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} قال الزمخشري في الملائكة: هم أشرف جنس خلقه الله وأفضله وأقرب منزلة منه. "انتهى". وهو جار على مذهب المعتزلة وقد تكلمنا على ذلك عند قوله: {أية : وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [النساء: 172]. وهذه الثلاثة أجوبة لما سأله المشركون، فالأول جواب لقولهم: إن كنت رسولاً فسل الله حتى يوسع علينا خيرات الدنيا، والثاني جواب: إن كنت رسولاً فأخبرنا بما يقع في المستقبل من المصالح والمضار فنستعد لتحصيل تلك ودفع هذه، والثالث جواب قولهم: {أية : وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 7]. "انتهى". وقال الزمخشري: فإِن قلت: أعلم الغيب ما محله من الإِعراب؟ قلت: النصب عطفاً على محل قوله عندي خزائن الله، لأنه من جملة المقول كأنه قال: لا أقول لكم هذا القول ولا هذا القول. "انتهى". ولا يتعين ما قاله بل الظاهر أنه معطوف على لا أقول لا معمول له فهو أمر أن يخبر عن نفسه بهذه الجمل الثلاث فهي معمولة للأمر الذي هو قل وغاير في متعلق النفي فنفى قوله: عندي خزائن الله، وقوله: إني ملك، ونفى علم الغيب ولم يأت التركيب ولا أقول: اني أعلم الغيب، لأن كونه ليس عنده خزائن الله من أرزاق العباد وقسمهم معلوم ذلك الناس كلهم فنفى ادعاءه ذلك وكونه بصورة البشر معلوم أيضاً لمعرفته بولادته ونشأته بين أظهرهم فنفى أيضاً ادعاءَه ذلك ولم ينفهما من أصلهما لأن انتفاء ذلك من أصله معلوم عندهم فنفى أن يكابرهم في ادعاء شىء يعلمون خلافه قطعاً، ولما كان علم الغيب يمكن أن يظهر على لسان البشر بل قد يدعيه كثير من الناس كالكهان وضراب الرمل والمنجمين، وكان صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأشياء من المغيبات وطابقت ما أخبر به نفي علم الغيب من أصله، فقال: ولا أعلم الغيب، تنصيصاً على محض العبودية والافتقار وان ما صدر عنه من اخبار بغيب إنما هو من الوحي الوارد عليه لا من ذات نفسه. فقال: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} كما قال فيما حكى الله عنه ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، وكما أثر عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : لا أعلم ما وراء هذا الجدار إلا أن يعلمني ربيتفسير : . وجاء هذا النفي على سبيل الترقي فنفى أولاً ما يتعلق به رغبات الناس أجمعين من الأرزاق التي هي قوام الحياة الجسمانية ثم نفى ثانياً ما يتعلق به وتتشوق إليه النفوس الفاضلة من معرفة ما يجهلون وتعرف ما يقع من الكوائن، ثم نفى ثالثاً ما هو مختص بذاته من صفة الملكية التي هي مباينة لصفة البشرية، فترقى في النقي من عام إلى خاص إلى أخصّ، ثم حَصَرَ ما هو عليه في أحواله كلها بقوله: ان اتبع إلا ما يوحى إلي أي أنا متبع ما أوحى الله تعالى غير شارع شيئاً من جهتي فظاهره حجة لنفاة القياس. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} أي لا يستوي الناظر المفكر في الآيات والمعرض الكافر الذي يهمل النظر. {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} هذا عرض وتحضيض، معناه الأمر أي تفكروا ولا تكونوا ضالين أشباه العامى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى، أنه كما أنه هو المتفرد بخلق الأشياء وتدبيرها، فإنه المنفرد بالوحدانية والإلهية فقال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ } فبقيتم بلا سمع ولا بصر ولا عقل { مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ } فإذا لم يكن غير الله يأتي بذلك، فلم عبدتم معه من لا قدرة له على شيء إلا إذا شاءه الله. وهذا من أدلة التوحيد وبطلان الشرك، ولهذا قال: { انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ } أي: ننوعها، ونأتي بها في كل فن، ولتنير الحق، وتتبين سبيل المجرمين. { ثُمَّ هُمْ } مع هذا البيان التام { يَصْدِفُونَ } عن آيات الله، ويعرضون عنها. { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ } أي: أخبروني { إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً } أي: مفاجأة أو قد تقدم أمامه مقدمات، تعلمون بها وقوعه. { هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ } الذين صاروا سببا لوقوع العذاب بهم، بظلمهم وعنادهم. فاحذروا أن تقيموا على الظلم، فإنه الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي.
همام الصنعاني
تفسير : 791- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ}: [الآية: 46]، عن آياتنا: قال: يُعْرِضُونَ عَنْهَا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):