٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الدليل المتقدم كان مختصاً بأخذ السمع والبصر والقلب وهذا عام في جميع أنواع العذاب، والمعنى: أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحانه، ولا محصل لخير من الخيرات إلا الله سبحانه، فوجب أن يكون هو المعبود بجميع أنواع العبادات لا غيره. فإن قيل: ما المراد بقوله {بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً } قلنا العذاب الذي يجيئهم إما أن يجيئهم من غير سبق علامة تدلهم على مجيء ذلك العذاب أو مع سبق هذه العلامة. فالأول: هو البغتة. والثاني: هو الجهرة. والأول سماه الله تعالى بالبغتة، لأنه فاجأهم بها وسمى الثاني جهرة، لأن نفس العذاب وقع بهم وقد عرفوه حتى لو أمكنهم الاحتراز عنه لتحرزوا منه. وعن الحسن أنه قال: {بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً } معناه ليلاً أو نهاراً. وقال القاضي: يجب حمل هذا الكلام على ما تقدم ذكره لأنه لو جاءهم ذلك العذاب ليلاً وقد عاينوا مقدمته، لم يكن بغتة ولو جاءهم نهاراً وهم لا يشعرون بمقدمته لم يكن جهرة. فأما إذا حملناه على الوجه الذي تقدم ذكره، استقام الكلام. فإن قيل: فما المراد بقوله {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } مع علمكم بأن العذاب إذا نزل لم يحصل فيه التمييز. قلنا: إن الهلاك وإن عم الأبرار والأشرار في الظاهر، إلا أن الهلاك في الحقيقة مختص بالظالمين الشريرين، لأن الأخيار يستوجبون بسبب نزول تلك المضار بهم أنواعاً عظيمة من الثواب والدرجات الرفيعة عند الله تعالى، فذاك وإن كان بلاء في الظاهر، إلا أنه يوجب سعادات عظيمة؟ أما الظالمون فإذا نزل البلاء بهم فقد خسروا الدنيا والآخرة معاً، فلذلك وصفهم الله تعالى بكونهم هالكين وذلك تنبيه على أن المؤمن التقي النقي هو السعيد، سواء كان في البلاء أو في الآلاء والنعماء وأن الفاسق الكافر هو الشقي، كيف دارت قضيته واختلفت أحواله، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً} من غير مقدمة. {أَوْ جَهْرَةً} بتقدمة أمارة تؤذن بحلوله. وقيل ليلاً أو نهاراً. وقرىء {بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً}. {هَلْ يُهْلَكُ} أي ما يهلك به هلاك سخط وتعذيب. {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} ولذلك صح الاستثناء المفرغ منه، وقرىء {يُهْلَكُ} بفتح الياء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } لهم {أَرءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً } ليلاً أو نهاراً {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ } الكافرون؟ أي ما يهلك إلا هم.
ابن عادل
تفسير : اعلم أن الدلائلَ المتقدّمة كانت مختصّة بأخذ السَّمْع والبَصَرِ والقلب، وهذا عامٌ في جميع أنواع العذابِ، والمعنى أنه لا دَافِعَ لنوع من أنواع العذابِ، ولا مُحَصِّلَ لخير من الخَيْرَاتِ إلاَّ اللَّهُ تعالى، فوجب أن يكون هو المَعْبُودَ دون غيره. والمراد بـ "البَغْتَة" العذاب الذي يأتيهم فُجَاءةً من غير سَبْقِ علامةٍ، والمرادُ بـ "الجَهْرَة" العذاب الذي يأتيهم مع سَبْقِ علامة تَدُلُّ عليه. وقال الحَسَنُ: "بَغْتَةً" أو "جَهْرَةً": معناه: لَيْلاً أو نهاراً. قال القاضي: والأوَّل أوْلَى؛ لأنه لو جاءهم ذلك العذابُ ليْلاً وقد عاينوا قُدُومَهُ لم يكن بَغْتَةً، ولو جاءهم نَهَاراً وهم لا يَشْعُرون بقدومه لم يكن جَهْرَةً. قوله: "هل يهلك" هذا اسْتِفْهَامٌ بمعنى النَّفْيِ؛ ولذلك دخلت "إلاَّ" وهو استثناء مُفَرَّغٌ، والتقديرُ: ما يُهْلَكُ إلاَّ القَوْمُ الظالمون، وهذه الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني لـ "أرأيتكم" والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو من التَّنَازع على رأي أبي حيَّان كما تقدَّم تَقْرِيرُهُ. وقال أبو البقاء: الاسْتِفْهَامُ هنا بمعنى التَّقْرير، فلذلك نَابَ عن جواب الشَّرْط، أي: إن أتاكم هلكتم، والظَّاهِرُ ما تقدَّمن ويجيء هنا قول الحُوفِيّ المتقدِّم في الآية قبلها من كون الشرط حالاً. وقرأ ابن محيصن: "هل يَهْلَكُ" مَبْنيَّا للفاعل. فإن قيل: إن العذابَ إذا نزل لم يَحْصُلْ فيه التَّمْييزُ بَيْنَ المُطيعِ والعاصي. فالجوابُ أن العذاب وإن عَمَّ الأبْرَارَ والأشْرَار في الظاهر، إلاَّ أن الهلاك في الحقيقة مُخْتَصٌّ بالظالمين؛ لأن الأخْيَارَ يستوجبون [بسبب نزول تلك] المضارِّ بهم أنْوَاعاً عظيمة من الثواب والدَّرَجَاتِ الرفيعة عن الله.
القشيري
تفسير : يقول إِنْ عجَّلَ موعودَه لكم من العقاب أفترون أن غيرَ المستوجِب يُبْتَلى؟ أو أن المستحِقَّ له يجد من دونه مهرباً ومَنْجَى؟ إِنَّ هذا محالٌ من الظن.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل ارأيتكم} اى اخبرونى ايها المشركون {إن أتٰكم عذاب الله بغتة او جهرة} اى ليلا او نهارا لما ان الغالب فيما اتى ليلا البغتة اى الفجأة وفى ما اتى نهارا الجهرة وهو المناسب لما فى سورة الاعراف من قوله تعالى {أية : أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون} تفسير : [الأعراف: 97-98]. والقرآن يفسر بعضه بعضها وهو اللائح بالبال {هل يهلك إلا القوم الظالمون} الاستفهام بمعنى النفى ومتعلق الاستخبار محذوف اى اخبرونى ان اتاكم عذابه العاجل الخاص بكم بغتة او جهرة كما اتى من قبلكم من الامم ماذا يكون الحال ثم قيل بيانا لذلك {هل يهلك إلا القوم الظالمون} اى ما يهلك بذلك العذاب الخاص بكم الا انتم ووضع المظهر موضع المضمر ايذانا بان مناط هلاكهم ظلمهم الذى هو وضعهم للكفر موضع الايمان المظهر موضع المضمر ايذانا بان مناط هلاكهم ظلمهم الذى هو وضعهم للكفر موضع الايمان.
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى نبيه (ع) ان يخاطب كفار قومه، ويقول لهم أرايتم {إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة} والبغتة المفاجأة وهو ان يأتيهم العذاب، وهم غافلون غير متوقعين لذلك {أو جهرة} أي وهم شاهدون له، ومعاينون نزوله. وقال الحسن: (البغتة) ان يأتيهم ليلا و (جهرة) نهارا. ثم قال: {هل يهلك} بهذا العذاب {إلا القوم الظالمون} الكافرون الذين يكفرون بالله ويفسدون في الارض. وهل ينجو منه الا المؤمنون العابدون لربهم. ومتى هلك فيهم اطفال او قوم مؤمنون فانما يهلكون امتحانا ويعوضهم الله على ذلك أعواضا كثيرة، يصغر ذلك في جنبها، فجعل ذلك تحذيرا من المقام على الكفر وترغيبا في الايمان والنجاة من العذاب.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً} من غير تقدّم امارة {أَوْ جَهْرَةً} مع تقدّم امارته {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّالِمُونَ وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ} بشأنهم الولوىّ {وَمُنذِرِينَ} بشأنه النّبوىّ {فَمَنْ آمَنَ} بالايمان العامّ {وَأَصْلَحَ} بالايمان الخاصّ، او من آمن بالبيعة على يد علىّ (ع) واصلح نفسه بالوفاء بالشّروط الّتى اخذت عليه كما عرفت انّ الاصلاح لا يمكن الاّ بدخول الايمان فى القلب وهو مسبّب عن الايمان الخاصّ {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لما سبق انّ الخوف والحزن من صفات النّفس والمؤمن المصلح قد سافر من حدود النّفس ودخل حدود القلب الّذى من دخل فيه كان آمناً، ويتبدّل خوفه بالخشية وحزنه بالاشتياق الّذى يعبّر عنه بالفارسيّة "بدرد" كما قيل: شعر : قد سيانرا عشق هست ودرد نيست درد راجز آدمى در خورد نيست تفسير : وغيّر الاسلوب لانّ الخوف منشأه امر خارج فكأنّه من طوارى النّفس والحزن منشأه القلب فهو من صفات النّفس ولملاحظة توافق رؤس الاى وقد مضى تحقيق وتفصيل لهذه الآية فى اوّل البقرة.
اطفيش
تفسير : {قلْ أرأيتُكم إن أتاكُم عذابُ اللهِ بغْتةً} فجأة من غير تقدم علم أو ظن أو شك به، فهو خفى حتى حضر، ولذلك قابله بما يقابل به الخفاء وهو قوله: {أو جَهْرةً} يتقدمه ما يشعر به، وقال الحسن وابن عباس: بغتة ليلا، وجهرة نهاراً، ويقرب من الأول قول مجاهد بُغتة فجأ آمنين، وجهرة هم ينظرون، وقرئ وجهرة بالواو أى جاءكم بالخفاء والظهور، والكلام فى أرأيتكم مع قوله: {هَل يُهلَك إلا القْومُ الظَّالمونَ} أى لا يهلك لذلك العذاب هلاك سخط إلا القوم الظالمون كالكلام فى قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب إلى إلخ، وقرئ هل يهلك بفتح الياء وكسر اللام، والظالمون المشركون المخاطبون، وذلك وضع للظاهر موضع المضمر، أى هل يهلك إلا أنتم على أن الجملة مما حكى بقل أو هل يهلك إلا هم على أنها من كلام الله.
اطفيش
تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَأكُمْ عَذَابُ اللهِ} الخاص بكم كما أتى الأُمم {بَغْتَةً} ليلا أَو نهاراً بلا تقدم أَمارة {أَو جَهْرَةً} ليلا أَو نهاراً بتقدم أَمارة سمى ظهوره جهرة تشبيهاً بظهور الصوت على الاستعارة التصريحية لا المكنية، أَو إِطلاق المقيد على المطلق، مجازاً إِرسالياً وتفسير ابن عباس بغتة بليل وجهرة بنهار تمثيل بما هو أَنسب، لا تفسير تعيين، لأَن من شأن الليل أَن ما يجئ فيه لا يدرى به، فهو بغتى، وما يجئ بالنهار يدرى به، ولا يخفى أَن وجه المقابلة عدم تقدم الأَمارة وتقدمها، وإِلا فمقابل الجهرة الخفاء، وقيل بغتة استعارة للخفية بقرينة مقابلتها بالجهرة، وأَنها مكنية لا تخييلية وهو بعيد مع دعوى الاستعارة المكنية مجردة عن التخييلية {هَلْ يُهْلَكُ} هلاك سخط وتعذيب، وإِلا فكل أَحد يمات، وأَيضاً هلاك المؤمنين لوجودهم فى محل العذاب مثوبة ودرجات لهم، والعذاب إِذا نزل عم ولم يميز بين الظالم وغيره {إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} لأَنفسهم وغيرهم بكفرهم لأَنه يعدوهم لأَمرهم به، ولاقتداء غيرهم بهم، ولشؤمه على الأَبدان والأَموال بنحو القحط، أَى هل يهلك سواكم بالذات، بوضع الظاهر موضع المضمر ذكراً للعلة، وقيل: المراد العموم، ويرده الخصوص فى يأْتيكم، ويجاب بأَن المراد لا يهلك إِلا الظالمون، وأَنتم منهم.
الالوسي
تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُكُم} تبكيت آخر لهم بالجائهم إلى الاعتراف باختصاص العذاب بهم {إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} أي العاجل الخاص بكم كما أتى أضرابكم من الأمم قبلكم {بَغْتَةً} أي فجأة من غير ظهور أمارة وشعور ولتضمنها بهذا الاعتبار ما في الخفية من عدم الشعور صح مقابلتها بقوله سبحانه: {أَوْ جَهْرَةً} وبدأ بها لأنها أردع من الجهرة. وإنما لم يقل: خفية لأن الإخفاء لا يناسب شأنه تعالى. وزعم بعضهم أن البغتة استعارة للخفية بقرينة مقابلتها بالجهرة وإنها مكنية من غير تخييلية. ولا يخفى أنه على ما فيه تعسف لا حاجة إليه فإن المقابلة بين الشيء والقريب من مقابله كثيرة في الفصيح. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : بشروا ولا تنفروا ». تفسير : وعن الحسن أن البغتة أن يأتيهم ليلاً والجهرة أن يأتيهم نهاراً. وقرىء {بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} بفتح الغين والهاء على أنهما مصدران كالغلبة أي اتيانا بغتة أو اتيانا جهرة. وفي «المحتسب» لابن جني أن مذهب أصحابنا في كل حرف حلق ساكن بعد فتح لا يحرك إلا على أنه لغة فيه كالنهر والنهر والشعر والشعر / والحلب والحلب والطرد والطرد. ومذهب الكوفيين أنه يجوز تحريك الثاني لكونه حرفاً حلقياً قياساً مطرداً كالبحر والبحر، وما أرى الحق إلا معهم. وكذا سمعت من عامه عقيل. وسمعت الشجري يقول: محموم بفتح الحاء، وليس في كلام العرب مفعول بفتح الفاء. وقالوا: اللحم يريد اللحم. وسمعته يقول تغدو بمعنى تغدوا. وليس في كلامهم مفعل بفتح الفاء وقالوا: سار نحوه بفتح الحاء ولو كانت الحركة أصلية ما صحت اللام أصلاً اهـ. وهي ـ كما قال الشهاب ـ فائدة ينبغي حفظها. وقرىء {بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} بالواو الواصلة. {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي إلا أنتم ووضع الظاهر موضع ضميرهم تسجيلاً عليهم بالظلم وإيذاناً بأن مناط إهلاكهم ظلمهم ووضعهم الكفر موضع الإيمان والإعراض موضع الإقبال وهذا ـ كما قال الجماعة ـ متعلق الاستخبار والاستفهام للتقرير أي قل تقريراً لهم باختصاص الهلاك بهم أخبروني إن أتاكم عذابه جل شأنه حسبما تستحقونه هل يهلك بذلك العذاب إلا أنتم أي هل يهلك غيركم ممن لا يستحقه، وقيل: المراد بالقوم الظالمين الجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً. واعترض بأنه يأباه تخصيص الإتيان بهم. وقيل: الاستفهام بمعنى النفي لأن الاستثناء مفرغ والأصل فيه النفي، ومتعلق الاستخبار حينئذ محذوف كأنه قيل: أخبروني إن أتاكم عذابه عز وجل بغتة أو جهرة ماذا يكون الحال. ثم قيل: بياناً لذلك ما يهلك إلا القوم الظالمون أي ما يهلك بذلك العذاب الخاص بكم ألاَّ أنتم. وقيد الطبرسي وغيره الهلاك بهلاك التعذيب والسخط توجيهاً للحصر إذ قد يهلك غير الظالم لكن ذلك رحمة منه تعالى به ليجزيه الجزاء الأوفى على ابتلائه، ولعله اشتغال بما لا يعني. وقرىء {يهلك} بفتح الياء.
ابن عاشور
تفسير : استئناف للتهديد والتوعّد وإعذار لهم بأنّ إعراضهم لا يرجع بالسوء إلاّ عليهم ولا يضرّ بغيرهم، كقوله: {أية : وهم يَنْهَوْن عنه ويَنْأوْن عنه وإنْ يُهْلِكُون إلاّ أنفسهم وما يشعرون}تفسير : [الأنعام: 26]. والقول في {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة} الآية كالقول في نظيريْه المتقدّمين. وجيء في هذا وفي نظيره المتقدّم بكاف الخطاب مع ضمير الخطاب دون قوله: {أية : قل أرأيتم إنْ أخذَ الله سمْعكم وأبْصارَكم}تفسير : [الأنعام: 46] الآية لأنّ هذا ونظيره أبلغ في التوبيخ لأنّهما أظهر في الاستدلال على كون المشركين في مكنة قدرة الله، فإنّ إتيان العذاب أمكن وقوعاً من سلب الأبصار والأسماع والعقول لندرة حصول ذلك، فكان التوبيخ على إهمال الحذر من إتيان عذاب الله، أقوى من التوبيخ على الاطمئنان من أخذ أسماعهم وأبصارهم، فاجتلب كاف الخطاب المقصود منه التنبيه دون أعيان المخاطبين. والبغتة تقدّمت آنفاً. والجهرة: الجَهْر، ضدّ الخفية، وضدّ السرّ. وقد تقدّم عنه قوله تعالى: {أية : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}تفسير : في سورة [البقرة: 55]. وقد أوقع الجهرة هنا في مقابلة البغتة وكان الظاهر أن تقابل البغتة بالنّظرة أو أن تقابل الجهرة بالخفية، إلاّ أنّ البغتة لمّا كانت وقوع الشيء من غير شعور به كان حصولها خفيّاً فحسن مقابلته بالجهرة، فالعذاب الذي يجيء بغتة هو الذي لا تسبقه علامة ولا إعلام به. والذي يجيء جهرة هو الذي تسبقه علامة مثل الكِسْف المحكي في قوله تعالى: {أية : فلمّا رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض مُمطرنا} تفسير : [الأحقاف: 24] أو يسبقه إعلام به كما في قوله تعالى: {أية : فعَقروها فقال تمتّعوا في داركم ثلاثة أيام}تفسير : [هود: 65]. فإطلاق الجهرة على سبق ما يشعر بحصول الشيء إطلاق مجازي. وليس المراد من البغتة الحاصل ليلاً ومن الجهرة الحاصل نهاراً. والاستفهام في قوله: {هل يُهلَك} مستعمل في الإنكار فلذلك جاء بعده الاستثناء. والمعنى لا يهلك بذلك العذاب إلاّ الكافرون. والمراد بالقوم الظالمين المخاطبون أنفُسهم فأظهر في مقام الإضمار ليتأتّى وصفهم أنّهم ظالمون، أي مشركون، لأنَّهم ظالمون أنفسهم وظالمون الرسول والمؤمنين. وهذا يتضمَّن وعْداً من الله تعالى بأنه منجي المؤمنين، ولذلك أذنَ رسوله بالهجرة من مكة مع المؤمنين لئلاّ يحلّ عليهم العذاب تكرمة لهم كما أكرم لُوطاً وأهله، وكما أكرم نوحاً ومن آمن معه، كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم}تفسير : [الأنفال: 33] ثم قوله: {أية : وما لهم أن لا يعذّبهم الله}تفسير : [الأنفال: 34].
د. أسعد حومد
تفسير : {أَرَأَيْتَكُمْ} {أَتَاكُمْ} {ٱلظَّالِمُونَ} (47) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ المُكَذِّبِينَ: أَخْبِرُونِي عَنْ حَالِكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ - الذِي قَضَتْ بِهِ سُنَّتُهُ فِي الأَوَّلِينَ أَنْ يُنْزِلَهُ بِالكُفَّارِ وَالمُكَذِّبينَ - مُبَاغِتاً، وَمُفَاجِئاً لَكُمْ، فَأَخَذَكُمْ عَلَى غِرَّةٍ مِنْكُمْ، وَلَمْ تَسْبِقْهُ مُقَدِّمَاتٌ، وَلاَ أَمَارَاتٌ تُشْعِرُكُمْ بِقُرْبِ نُزُولِهِ بِكُمْ، أَوْ أَتَاكُمْ وَأَنْتُمْ تُعَايِنُونَهُ وَتَنْظُرونَ إِلَيهِ، فَهَلْ يُهْلِكُ اللهُ إِلاَّ القَوْمَ الظَّالِمِينَ الذِينَ أَصَرُّوا عَلَى الشِّرْكِ وَالجُحُودِ؟ وَلَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُهُ تَعَالَى، فِي مِثْلِ هذا العَذَابِ، أَنْ يُنْجِيَ مِنْهُ رُسُلَهُ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ. بَغْتَةً - فَجْأَةً أَوْ لَيْلاً. جَهْرَةً - مُعَايَنَةً - أَوْ نَهَاراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونلحظ أن "تاء الضمير" في هذه الآية قد فتحت، بينما الآية السابقة لها جاءت فيها "تاء الضمير" مضمومة، حيث يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} تفسير : [الأنعام: 46]. ونلحظ أيضاً أن الآية التي نحن بصددها الآن تأتي فيها كاف الخطاب: "أرأيتكم" بينما الآية السابقة لها لا تحمل كاف الخطاب" أرأيتم" ونعرف أن كل لفظة من هذه الألفاظ قد جاءت لتؤدي معنىً لا يؤدي بغيرها، وإن تشابهت الأساليب، فقوله (أرأيتكم) يشمل ويضم ضمير المخاطب وهو التاء المفتوحة ويشمل أيضا كاف الخطاب والجمع بين علامتي الخطاب (التاء) و (الكاف) يدل على أن ذلك تنبيه على شيء ما عليه من مزيد. إنه تنبيه إلى أن هلاكهم سيكون هلاك استئصال وإبادة، ومرة يقول الحق: "أرأيتم" أي أخبروني أنتم وأعلموني إعلاماً يؤكد لي صدق القضية، ويأتي الاستفهام هنا من مادة "أرى" و "رأى". إن السبب في ذلك أنك حين تستفهم عن شيء إما أن يكون المستفهم منه قد حضر حدوث الشيء، وإما أن يكون المستفهم منه لم يحضر حدوث الشيء. فإن كان قد حضر حدوث الشيء فإنك تقول له: أرأيت ما حدث لفلان وفلان؟ فيقول لك: نعم رأيت كذا وكذا وكذا. وإن كان المستفهَم منه لم يعلم بالأمر ولم يره فهو يجيب بالنفي، وهذا ما يحدث بين البشر، لكن حين يكون الاستفهام من الله، ويكون الحادث المستفهَم عنه قد حدث من قبل وجود المستفهم منه، فالإيمان يقتضي أن يجيب المستفهم منه عن هذا الحادث بـ "نعم". ومثال ذلك قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. وهذا خطاب من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم عنا حدث لأصحاب الفيل في عام ولادته صلى الله عليه وسلم، ولم يكن الحدث موضع رؤية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقائل أن يقول: كيف يخاطب الله ورسوله باستفهام عن حادث لم يره؟ ونقول: إن الحق بهذا الاستفهام يوضح لرسوله: اسمع مني، وسماعك مني فوق رؤية عينيك للحدث، فإذا ما قلت لك: "ألم تر" فمعناها: اعلم علماً يقينياً، وهذا العلم اليقيني يجب أن تثق في صدقه كأنك رأيته رؤية العين وفوق ذلك أيضاً فإن عينك قد تخدعك أو تكذب عليك، ولكن حين يخبرك ربك لا يخدعك ولا يكذب عليك أبداً. إذن فالحق يريد أن يخرج هذه الأساليب مخرج اليقين. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فحين يحاول إنسان قد أحسنت إليه كثيراً أن يجحد إحسانك، فأنت لا تقول له: أنا أحسنت إليك، ولكنك تقول له: أرأيت ما فعلته معك يوم كذا، ويوم كذا؟ وهنا يبدو كلامك كاستفهام منك، لأنك واثق أنه حين يدير رأسه في الجواب فلم يجد إلا ما يؤيد منطقك من وقوفك إلى جانبه، وإحسانك إليه، ولن يجد إلا أن يقول لك: نعم رأيت أنك وقفت بجانبي في كل المواقف التي تذكرها. وفي مثل هذا القول إلزام لا من موقع المتكلم، ولكن من واقع المخاطب. وبعد أن تكلم الحق عن تعنت الكافرين أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم اكتفائهم بالآيات التي أنزلها الله مؤيدة لصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم تماديهم في اقتراح آيات من عندهم، وقد اقترحوها في شيء من الصفاقة والسماجة، فقالوا: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 90-93]. وكلها أسئلة مليئة بالتعنت، والحق سبحانه وتعالى هو الذي اختار القرآن معجزة ومنهجاً لرسوله صلى الله عليه وسلم. ويعلم سبحانه صدق رسوله في البلاغ عنه، لكل ذلك يبين الحق لرسوله أن يبلغ هؤلاء الكافرين أنه سبحانه وتعالى لن يعود عليه أي نفع أو ضر نتيجة إيمانهم به سبحانه، لكن النفع بالإيمان يكون للعباد ويعود خيره إليهم؛ لأنه سبحانه وتعالى له صفات الكمال كلها قبل أن يخلق الخلق. إنها له أزلا وأبداً. فبصفات الكمال - علماَ وقدرة؛ وحكمة؛ وإرادة - خلق الخلق جميعا. فإياكم أيها الناس أن تفهموا أن إيمانكم بالله يزيده صفة من صفات الجلال أو الجمال، وإنما الإيمان عائد إليكم أنتم، فإذا كان منكم متكبرون ومتعنتون، فالحق سبحانه لا يترك من تكبر وتعنت ليقف أمام منهجه الذي يحكم حركة الحياة في الأرض، ولكنه سبحانه يأخذ أهل التكبر والتعنت أخذ عزيز مقتدر. واستقرئوا أيها الناس ما حدث لمن كذبوا رسل الله، وماذا صنع الله بهم؟ إنه بقدرته سبحانه وتعالى يستطيع أن يصنع معكم ما صنعه معهم. وإذا ما استقرأتم قصص الرسل مع المكذبين لله وجدتم العذاب قد جاء للقوم بغتة، فها هوذا الحق يقول عن قوم عاد: {أية : فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ} تفسير : [فصلت: 15-16]. لقد تكبر قوم عاد على سيدنا هود عليه السلام والذين آمنوا معه، وظنوا أنهم أقوى الأقوياء، وغفلوا عن قدرة الخالق الأعلى وهو القوي الأعظم وأنكروا آيات الله، فماذا كان مصيرهم؟ فاجأهم الحق بإرسال ريح ذات صوت شديد في أيام كلها شؤم ليذيقهم عذاب الهوان والخزي والذل في هذه الدنيا، ويقسم الحق بأن عذاب الآخرة أشد خزياً؛ لأنهم في هذا اليوم لا يجدون ناصراً لهم لأنهم كفروا بالذي ينصف وينصر وهو الحق جلت قدرته. وماذا عن قوم ثمود؟ لقد بين لهم الحق طريق الهداية. لكنهم اختاروا الضلال واستحبوا لأنفسهم الكفر على الإيمان، وكذبوا نبي الله صالحاً عليه السلام وعقروا الناقة، فنزلت عليهم الصاعقة لتحرقهم بمهانة بسبب ما فعلوا من تكذيب لرسولهم. {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [فصلت: 17]. وماذا فعل الحق بأصحاب الفيل؟ لقد جاء قوم أبرهة لهدم الكعبة، فاستقبلتهم الطير الأبابيل. . أي التي جاءت في جماعات كثيرة متتابعة بعضها في إثر بعض بحجارة من طين متحجر محرق قد كتب وسجل عليهم أن يعذبوا به: {أية : أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل: 2-5]. وكل حدث من تلك الأحداث أجراه الله بغتة. ومعنى البغتة أن يفاجئ الخطبُ القومَ بدون مقدمات علم به. وهناك أيضاً من الأحداث الجسام أنزلها الله بالكافرين جهرة، فهاهم أولاء قوم فرعون يغرقهم الله علناً. وكذلك قارون أهلكه الله جهرة: {أية : إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ * وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ} تفسير : [القصص: 76-81]. لقد أخذ قارون نعمة الله ونسبها إلى نفسه، وصار مفتوناً بما امتلك، وغرق في الغرور، فماذا فعل الله به؟ خسف الله به جهرة وأمام أعين الذين تمنوا مكانه. إذن فمن الممكن ان يأتي عذاب الله بغتة للكافرين به أو يأتيهم بالعذاب جهرة. وما السبب في التلوين بين "بغتة" و "جهرة"؟ البغتة تثبت لمن يعبد غير الله أنه مخدوع في عبادته لغير الله، لأنه لو كان يعبد إلهاً حقاً لما قبل هذه الإله أن يعذب أتباعه من حيث لا يشعر. إذن فالبغتة تثبت عجز المعبودين من أصنام وغيرها، فقد عجزت تلك الأصنام أن تحتاط للعابدين لها. وقد يقول قائل منهم: لقد جاءنا العذاب فجأة، لكن لو جاء لنا مواجهة لكنا قادرين على مواجهته والوقوف أمامه. فيأتي الله أيضاً بالعذاب جهرة فلا يستطيعون مواجهته فتنتقطع حجتهم، وعلى الرغم من ذلك تموت في قلوب هؤلاء المعاندين القدرة على إبصار ضرورة الإيمان. ويعامل سبحانه خصوم رسولنا - صلى الله عليه وسلم - مثل هذه المعاملة، فعندما عانده القوم جاءهم الله سبحانه بأمور معجزة لعلهم يتفكرون. فهاهم أولاء قد اتفقوا على قتلة قبل الهجرة، ويقفون على باب بيته، ويخرجه الحق من بينهم وهم لا يبصرون، ولا يفلحون في التآمر على رسول الله، ولا ينجح لهم تبييت ضد رسول الله، ويكون مكر الله فوق كل مكر يريد به أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم إيذاءه به. وهم قد ذهبوا إلى الجن ليسحروا له، لكن لا هذا السحر قد نفع، ولا ذاك التبييت أتى بنتيجة. وكانت تكرمة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فوق كل شيء, ويقول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّالِمُونَ} [الأنعام: 47]. ويكون تذييل الآية - أيضاً - على هيئة استفهام، والاستفهام هنا - كما علمنا من قبل - إنما جاء ليؤكد المعنى، وليكون الإقرار من أفواه من يتلقون هذا الاستفهام وعن يقين منهم، وليكون الاعتراف منهم إجابة بالإقرار، والإقرار - كما نعلم - هو سيد الأدلة. وهب أن صاعقة نزلت أو خسفاً حدث فيه عذاب، فكيف ينجي الله المؤمنين به من هذا العذاب أو ذلك الخسف؟ إن الهلاك فقط يكون للقوم الظالمين؛ لأن الهلاك هو إعدام الحياة للحي المتمتع بالحياة، والذي لا يؤمن إلا بهذه الدنيا إذا جاءته مصيبة لتهلكه فهو يشعر بمرارة الخسران؛ لأنه لا يعتقد ولا يؤمن بالحياة الأخرى، لكن المؤمن الذي يتيقن أن له إلهاً وأنه سيعود إليه ليحاسبه ويجزيه عن إيمانه خير الجزاء إن حدثت له محنة في طي محنة كبرى للكافرين فهو يذهب إلى الجنة ويكون ذلك منحة له لا محنة عليه لتستمر حياته إلى خلود. وهكذا نجد أن الهلاك إنما يحدث للقوم الظالمين فقط لأنه يُفْقِدهم كل ما كانوا يتمتعون به في دنياهم وليس لهم في الآخرة إلا البوار والخسران والعذاب الدائم، أما غير الظالمين فالحق سبحانه وتعالى ينقلهم إلى حياة خالدة هي خير من هذه الحياة، إذن فالمؤمنون إنما يتلقون فيوضات الله عليهم في النعماء وفي البلاء أيضاً. ويتكلم الحق سبحانه وتعالى في الآية التالية عن التصور الإيماني الذي يجب أن يرسخ في أذهان المؤمنين برسول مبلغ عن الله، وعندما يسمع العقل الطبيعي الفطري البلاغ عن الرسول فهو يصدقه فوراً؛ لأن الفطرة عندما ترى فساد الكون، وترى أن هناك من جاء بمنهج لإصلاح الكون لا بد أن تتجه إلى الإيمان بالمبلغ عن الله وهو الرسول. وعندما ترى الفطرة أن الكون كله قد تم إعداده لخدمة الإنسان، لا بد لها أن تتساءل عن الخالق لهذا الكون وعن المنهج الذي يجب أن تسير عليه لصيانة هذه النعمة، نعمة الوجود في الكون. ويقتضي الإحساس السليم من الإنسان أن يتعرف إلى حقيقة واضحة، وهي أن الإنسان قد طرأ على الكون، وأن هذا الكون مليء وغني بالخيرات، ولم يدع أحد أبداً أنه خلق السمٰوات أو الأرض أو الماء أو الهواء. ولا بد أن يدور في خلد صاحب الفطرة السليمة تساؤل عن هذا الخالق الأكرم الذي وهب للإنسان حق الاستخلاف في كل هذا الكون. فإذا ما جاء رسول ليقطع هذا القلق وذلك الصمت ويقول: أنا جئتكم لأخبركم بمن خلقكم، وبمن خلق السموات، وبمن خلق الأرض، وبمن رزقكم هذا الرزق. هنا تنصت الفطرة إلى سماع الخبر الذي كانت تستشرف له. وإذا ما جاء هدا الرسول مؤيداً بآية من الله ومعجزة لا يقدر عليها البشر، فالعقل البشري يعترف اعتراف الإقرار على الفور؛ لأنه وجد حاجته عند ذلك الرسول. ولكن على الذين يؤمنون بما جاء به الرسول، وعلى الرسول نفسه، وحتى على الكافرين به، عليهم جميعاً ألا يتعدوا الحدود، وألا يضعوا أي رسول في مكان أعلى من منزلته، لأنه رسول من الله، إنه واحد من البشر تفضل الله عليه بالوحي واصطفاه للمهمة التي جاء بها. ولا بد للجميع أن يفهم أن الرسول مبلغ عن الله فقط، وأنه لا يستطيع أن يأتي بالآيات التي يقترحها بعض من القوم؛ لأن الرسول لا يقترح الآيات ولا يصنعها، الرسول مقصور على أداء الأمانة الموكلة إليه وهي أمانة البلاغ عن الله. ولذلك يقول لنا الحق: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً} يعني فجأة آمنين، {أَوْ جَهْرَةً} [الآية: 47]. يعني وهم ينظرون. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ} يعني "الضال" {وَٱلْبَصِيرُ} [الآية: 50]. يعني: المهتدي. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر في قوله، عز وجل: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} [الآية: 59]. قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ} تفسير : .... إِلى آخر السورة [لقمان: 34]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد مثله. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} [الآية: 52]. يعني: المصلين، بلالا وابن أُم معبد كانا يجالسان النبي، صلى الله عليه وسلم، قالت قريش محقرتهما: لولاهما وأَمثالهما لجالسناه. فنهى عن طردهم إِلى قوله: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ} [الآية: 53]. ونزلت فيهم أَيضاً {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} [الآية: 54]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: فَـ {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} يعني أُمة محمد، صلى الله عليه وسلم، فأَعفاهم. {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الآية: 65]. يعني ما فيهم من الاختلاف والفتن. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا}. يقول: يستهزئون بآياتنا فنهى نبي الله، صلى الله عليه وسلم، أَن يقعد معهم إِلا أَن ينسى، فإِذا ضكر / 22 ظ / فليقم وذلك قوله {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [الآية: 68]. ثم قال: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} [الآية: 69]. يعني إِن قعد ولكن لا يقعدن. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلَّيلِ} يعني: ما كسبتم، {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} [الآية: 60]: يعني في النهار.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} فالبَغتةُ: معنا [هَا] الفَجْأةُ وجَهرةٌ معنا [ها] عَلانِيةٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):