Verse. 837 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِيْنَ اِلَّا مُبَشِّرِيْنَ وَمُنْذِرِيْنَ۝۰ۚ فَمَنْ اٰمَنَ وَاَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْہِمْ وَلَا ہُمْ يَحْزَنُوْنَ۝۴۸
Wama nursilu almursaleena illa mubashshireena wamunthireena faman amana waaslaha fala khawfun AAalayhim wala hum yahzanoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما نرسل المرسلين إلا مبشِّرين» من آمن بالجنة «ومنذرين» من كفر بالنار «فمن آمن» بهم «وأصلح» عمله «فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» في الآخرة.

48

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار فيما تقدم أنهم قالوا {أية : لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } تفسير : [الأنعام: 37] وذكر الله تعالى في جوابهم ما تقدم من الوجوه الكثيرة ثم ذكر هذه الآية والمقصود منها أن الأنبياء والرسل بعثوا مبشرين ومنذرين ولا قدرة لهم على إظهار الآيات وإنزال المعجزات، بل ذاك مفوض إلى مشيئة الله تعالى وكلمته وحكمته فقال: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } مبشرين بالثواب على الطاعات، ومنذرين بالعقاب على المعاصي، فمن قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو عمل القلب والاصلاح الذي هو عمل الجسد {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ } ومعنى المس في اللغة التقاء الشيئين من غير فصل. قال القاضي: إنه تعالى علل عذاب الكفار بكونهم فاسقين، وهذا يقتضي أن يكون كل فاسق كذلك، فيقال له هذا معارض بما أنه خص الذين كذبوا بآيات الله بهذا الوعيد وهذا يدل على أن من لم يكن مكذباً بآيات الله أن لا يلحقه الوعيد أصلاً. وأيضاً فهذا يقتضي كون هذا الوعيد معللاً بفسقهم فلم قلتم أن فسق من عرف الله وأقر بالتوحيد والنبوّة والمعاد، مساو لفسق من أنكر هذه الأشياء؟ والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي بالترغيب والترهيب. قال الحسن: مبشرين بسعة الرزق في الدنيا والثواب في الآخرة؛ يدل على ذلك قوله تعالىٰ: { أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 96]. ومعنى «منذرين» مخوفين عقاب الله؛ فالمعنى: إنما أرسلنا المرسلين لهذا لا لما يقترح عليهم من الآيات، وإنما يأتون من الآيات بما تظهر معه براهينهم وصدقهم. وقوله: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. تقدّم القول فيه.

البيضاوي

تفسير : {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشّرِينَ} المؤمنين بالجنة. {وَمُنذِرِينَ} الكافرين بالنار، ولم نرسلهم ليقترح عليهم ويتلهى بهم. {فَمَنْ ءامَنَ وَأَصْلَحَ} ما يجب إصلاحه على ما شرع لهم. {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من العذاب. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} بفوات الثواب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ } من آمن بالجنة {وَمُنذِرِينَ } من كفر بالنار {فَمَنْ ءَامَنَ } بهم {وَأَصْلَحَ } عمله {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } في الآخرة.

ابن عادل

تفسير : والمقصود من هذه الآية أن الأنبياء إنما بُعِثُوا مُبَشِّرين بالثواب على الطَّاعاتِ، ومُنْذِرينَ بالعِقَابِ على المَعَاصي، ولا قُدْرَةَ لهم على إظْهَارِ الآيات والمُعْجِزَاتِ، بل ذلك مُفَوَّضٌ إلى مَشِيئَةِ الله وحكمته. قوله: {إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} حالٌ من "المرسلين"، وفي هذه الحال معنى الغَلَبة، أي: لم نرسلهم لأن نقترح عليهم الآيات، بل لأن يبشروا وينذروا. وقرأ إبراهيم، ويحيى: "مُبْشِرين" بالتخفيف، وقَدْ تقد‍َّم أن "أبْشَرَ" لغة في "بَشَّر". قوله: "فَمَنْ آمَنَ" يجوز في "مَنْ" أن تكون شَرْطِيَّةً، وأن تكون مَوْصُولةً، وعلى كلا التقديرين فَمَحَلُّهَا رفع بالابتداء. والخبر "فلا خَوْفَ" فإن كانت شَرْطِيَّة، فالفاء جواب الشَرْط، وإن كانت مَوْصُولةً فالفاء زائدة لشبه الموصول بالشرط، وعلى الأول يكون مَحَلُّ الجملتين الجَزْمَ، وعلى الثاني لا مَحَلِّ للأولى ومحل الثانية الرفع، وحمل على اللفظ فأفرد في "آمن" و"أصْلَحَ"، وعلى المعنى فجمع في {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون}، ويُقَوِّي كونها موصولة مقابلتها بالموصول بعدها في قوله: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ}. وقرأ علقمة: "نُمسُّهم": بنون مضمومة من "أمَسَّه كذا" "العذابَ" نَصْباً، والمَسُّ في اللغة التِقَاءُ الشيئين من غير فصل. وقرأ الأعْمَش، ويحيى بن وثاب "يَفْسِقُون" بكسر السّين، وقد تقدَّم أنها لُغَةٌ، و"ما" مصدريَّةٌ على الأظهر، أي بِفِسْقِهِمْ. فصل في رد شبهة للقاضي قال القاضي: إنه - تعالى - عَلَّلَ عذابَ الكفَّار؛ لأنهم فَاسِقينَ، فاقتضى أن يكون كل فاسق كذلك، فيقال له: هذا معارض بما أنه خص الذين كفروا وكذَّبوا بآيات الله وهذا يدل على أنه من لم يكن مكذّباً بآيات الله ألاَّ يلحقه هذا الوعيد أصلاً، وأيضاً فإن كان هذا الوعيدُ معلّلاً بِفِسْقِهِمْ فلم قلتم: إن فِسْقَ من عرف الله، وأقَرَّ بالتوحيد والنبوة والمعاد مُسَاوٍ لِفِسْقِ من أنكر هذه الأشياء؟

ابو السعود

تفسير : {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ} كلام مستأنفٌ مَسوقٌ لبـيان وظائفِ منْصِبِ الرسالة على الإطلاق وتحقيقِ ما في عُهدة الرسلِ عليهم السلام، وإظهارُ أن ما يقترحه الكفرةُ عليه ـ عليه السلام ـ ليس مما يتعلقُ بالرسالة أصلاً، وصيغةُ المضارع لبـيانِ أن ذلك أمرٌ مستمرٌّ جرتْ عليه العادةُ الإلٰهية، وقوله تعالى: {إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} حالان مقدّرتان من المُرْسلين أي ما نرسِلُهم إلا مقدَّراً تبشيرُهم وإنذارُهم ففيهما معنى العلةِ الغائيّة قطعاً أي ليبشروا قومَهم بالثواب على الطاعة وينذروهم بالعقاب على المعصية أي ليُخبروهم بالخبر السار والخبرِ الضارّ دنيوياً كان أو أُخروياً من غير أن يكون لهم دخلٌ ما في وقوع المخبَر به أصلاً، وعليه يدور القصرُ والإلزام أن لا يكون بـيان الشرائع والأحكام من وظائف الرسالة، والفاء في قوله تعالى: {فَمَنْ ءامَنَ وَأَصْلَحَ} لترتيب ما بعدها على ما قبلها و(من) موصوله والفاء في قوله تعالى: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لشَبَه الموصول بالشرط أي لا خوف عليهم من العذاب الذي أُنذِروه دنيوياً كان أو أخروياً ولا هم يحزنون بفوات ما بُشِّروا به من الثواب العاجل والآجل. وتقديمُ نفْيِ الخوفِ على نفْيِ الحُزْن لمراعاة حقِّ المقام، وجمعُ الضمائر الثلاثة الراجعة إلى (من) باعتبار معناها، كما أن إفرادَ الضميرَيْن السابقين باعتبار لفظِهما، أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون، والمرادُ بـيانُ دوامِ انتفائِهما لا بـيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يوهمه كونُ الخبر في الجملة الثانية مضارعاً لما تقرر في موضعه من أن النفيَ وإن دخل على نفس المضارع يُفيد الدوام والاستمرارَ بحسب المقام، ألا يُرى أن الجملةَ الاسمية تدل بمعونة المقام على استمرار الثبوت فإذا دخل عليها حرفُ النفي دلت على استمرار الانتفاءِ لا على انتفاء الاستمرار، كذلك المضارعُ الخالي عن حرف النفي يفيد استمرارَ الثبوت فإذا دخل عليه حرفُ النفي يفيد استمرارَ الانتفاء لا انتفاء الاستمرار ولا بُعْد في ذلك، فإن قولك: ما زيداً ضربت مفيدٌ لاختصاص النفي لا نفي الاختصاص، كما بُـيّن في محله.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [الآية: 48]. قال بعضهم: من أخلص باطنه وأصلح ظاهره فلا خوف عليهم خوف القنوط ولا هم يحزنون حزن القطيعة.

القشيري

تفسير : يعني ليس أمرنا لهم إلا بالتزام ما فيه نجاتهم، ثم بجميل الوعد لهم، ومفارقة ما فيه هلاكهم، ثم بأليم العقوبة في الآجل ما يحل من خلافهم. فَمَنْ آمن وصدَّق أنجزنا له الوعد، ومَنْ كفر وجحد عارضنا عليه الأمر، وأدخلنا عليه الضُّر.

البقلي

تفسير : {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} اى من اتقن منى انى اعطى ولايتى لمن اطاعنى تجلاى من قلبه وسره ما خرب من سابك هو اجسات نفسه وركضات شيطانه بذكرى وثنائى والاستعاذة منى الى فلا خوف عليه من احتجابى عنه ولاله حزن من انقطاعه عنى قال بعضهم من اخلص باطنه واصلح ظاهره فلا خوف عليهم خوف القنوط ولا هم يحزنون حزن القطيعة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين} حالان مقدرتان من المرسلين اى ما نرسلهم الا مقدرا تبشيرهم وانذارهم ففيهما معنى العلة الغائية قطعا اى لم نرسلهم لان يقترح عليهم الآيات ويتلهى بهم بل لان يبشروا قومهم بالثواب على الطاعة وينذروهم بالعقاب على المعصية التبشير الاخبار بالخبر السار والانذار الاخبار بالخبر الضار {فمن آمن} بهم {واصلح} عمله او دخل فى الصلاح {فلا خوف عليهم} من العذاب الذى انذروه دنيويا كان او اخرويا {ولا هم يحزنون} بفوات ما بشروا به من الثواب العاجل والآجل.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين} للمؤمنين بالنعيم المقيم، {ومنذرين} للكفار بالعذاب الأليم، ولم نرسلهم ليقترح عليهم ويتلهى بهم، {فمن آمن} بهم، {وأصلح} ما يجب إصلاحه على ما شرع لهم، {فلا خوف عليهم} من العذاب، {ولا هم يحزنون} لفوات الثواب، {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا يمسهم العذاب} أي: يلحقهم، جعل العذاب ماسًّا لهم كأنه الطالب للوصول إليهم، واستغنى بتعريفه عن توصيفه. وذلك المس {بما كانوا يفسقون} أي: بسبب خروجهم عن التصديق والطاعة. الإشارة: ما من زمان إلا ويبعث الله أولياء عارفين، مبشرين لمن أطاعهم واتبعهم بطلعة أنوار الحضرة على أسرارهم، ومنذرين لمن خالفهم بظهور ظلمة الكون على قلوبهم وانطباع الأكوان في أسرارهم، فمن آمن بهم وصحبهم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بدليل قوله: {أية : أَلآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }تفسير : [يُونس:62]، ومن كذب بهم وبما يظهر على أيديهم من أسرار المعارف يمسهم عذاب القطيعة، بما كانوا يفسقون، أي: بخروجهم على طاعتهم والإذعان إليهم. وليس من شرط الداعين إلى الله ظهور المعجزات أو الكرامات، كما قال تعالى: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ}.

الطوسي

تفسير : بين الله تعالى في هاتين الآيتين انه لا يبعث الرسل أربابا يقدرون على كل شىء يسألون عنه من الآيات او يخترعونه بل انما يرسلهم لما في ذلك من المصلحة لهم ومنبهين على ما في عقولهم من توحيد الله، وعدله وحكمته مبشرين بثواب الله لمن آمن به وعرفه، ومخوفين لمن انكره وجحده، ثم اخبر ان المرسل اليهم مختارون غير مجبرين ولا مضطرين ودل على انه غير محدث لشىء من افعالهم فيهم، وان الافعال لهم، هم يكتسبونها بما خلق الله فيهم من القدرة، وانه قد هداهم، وبين لهم وبشرهم وانذرهم فمن آمن أثابه ومن عصاه عاقبه. ولو كانوا مجبورين على المعاصى مخلوقا فيهم الكفر ولم يجعل فيهم القدرة على الايمان لما كان للآية معنى.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} يقول: مبشّرين بالجنة ومنذرين من النار. قال الحسن: مبشّرين إن هم آمنوا بالنعمة في الدنيا والجنة في الآخرة. وإن لم يؤمنوا أهلكهم الله بالعذاب في الدنيا وأدخلهم النار في الآخرة. قوله: {فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} يعني بما كانوا يشركون. قوله: {قُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ} أي علم خزائن الله الذي فيه العذاب، لقولهم: (أية : ائْتِنَا بِعَذَابٍ ألِيمٍ) تفسير : [الأنفال:32]. قوله: {وَلاَ أَعْلَمُ الغَيْبَ} أي متى يأتيكم العذاب. قوله: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} يعني من الملائكة، وإنما أنا بشر، تعرفونني وتعرفون نسبي، ولكني رسول الله. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} أي إنما أبلغ عن الله ما أمرني الله به. قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ} يقول: لا يستوي الأعمى في الدين والبصير فيه. [هذا مثل المؤمن والكافر]، يقول كما لا يستوي البصير والذي لا يبصر، كذلك لا يستوي المؤمن والكافر. {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} وهذا على الاستفهام، أي إنهما لا يستويان. قوله: {وَأَنذِرْ بِهِ} أي بالقرآن {الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} يعني المؤمنين. وهذا كقوله: (أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) تفسير : [يس:11]، يقول: إنما يقبل منك من آمن. قوله: {لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ} أي من دون الله {وَلِيٌّ} يمنعهم من عذابه {وَلاَ شفِيعٌ} يشفع لهم إن لم يكونوا مؤمنين. {لَّعَلَّهُمْ} لعل المشركين {يَتَّقُونَ} هذا فيؤمنوا. قوله: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاوَةِ وَالعَشِيِّ} قرّة بن خالد عن الحسن قال: يعني صلاة مكة، حين كانت ركعتين غدوة وركعتين عشية، قبل أن تفرض الصلوات الخمس. وذكر بعضهم قال: نزلت في سلمان الفارسي وبلال وصهيب وخبّاب بن الأرتّ؛ قال: أشك في خبّاب، لا أدري في حديث بعضهم هو أو في حديث غيره. قرة بن خالد عن الحسن قال: إن المشركين من أهل الحرم قالوا للنبي عليه السلام: يا محمد، إنا قوم لنا أخطار وأحساب، فإن كنت تريد أن نجالسك ونسمع منك فاطرد عنا دعِيّ بني فلان ومولى بني فلان [لأناس كانوا دونهم في الذكر]، فإنا نستحيي أن نجالسهم؛ فأنزل الله: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاوَةِ وَالعَشِيِّ}. {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي يريدون الله ورضوانه {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} أي إن طردتهم.

اطفيش

تفسير : {وما نُرسِل المرْسَلين إلا مُبشِّرين} للمبشَّرين بالجنة {ومُنْذرين} للكافرين بالنار، ولم نرسلهم يأترن للمشركين بكل آية اقترحوها، كأنهم يلعبون بالمرسلين، إذ لو أجيبوا لاستؤصلوا، قال أبو حيان فى البحر: مبشرين ومنذرين حال فيها معنى العلية، أى أرسلناهم للتبشير والإنذار {فمَن آمنَ} بالله والمرسلين {وأصْلَح} عمله لله تعالى بأن تاب عما سلف، وأتى بعمله بعد على ما يطابق الشرع، {فلا خَوفٌ عَليهِم} من العذاب يوم يخاف الكافرون من العذاب {ولا هُمْ يحْزنُونَ} يوم يحزن الكافرون.

اطفيش

تفسير : {وَمَا نُرْسِلُ المرْسَلِينَ} إِلى الأُمم {إِلا مُبَشِّرينَ} المؤمنين بالجنة والعواقب المحمودة {وَمُنْذِرِينَ} الكافرين بالنار وعواقب السوء فمعنى علة الإِرسال التبشير والإِنذار لا اقتراح الآيات، فإن اقتراحها ليس مما يتعلق بالرسالة أَصلا، والحصر إِضافى لأَن الرسل أَيضاً يصلون ويصومون ويعبدون عبادات كثيرة غير التبشير والإِنذار، ويفعلون مباحات، أَى أَرسلناهم للتبشير والإِنذار لا لاقتراح والقدرة على إِظهار الآيات، فإِن مئونته يكفيها ظهور المعجزات كالشمس، والحال فى الآية تتضمن معنى التعليل كما رأَيت، وهذا متصل بقوله تعالى: وقالوا: {أية : لولا أَنزل عليه آية من ربه} تفسير : [يونس: 20، الرعد: 7، 27]، الذى هو اقتراح، وما بينهما من تتمة وفرع على الإِرسال بقوله {فَمَنْ آمَنَ} من الأُمم، وقيل: المراد هنا ومابعد أمته صلى الله عليه وسلم والقرآن، {وَأَصْلَحَ} إِلى قوله يفسقون، كأَنه قيل فكان الناس بعد الإِرسال مؤمنا مصلحاً، لا خوف عليه ولا حزن، وكافراً مكذباً يمسه العذاب، ومقتضى الظاهر أَن يقول: ولم يؤمن ولم يصلح، أَو من كذب وأَفسد تلويحاً بأَن تكذيب الرسل تكذيب بالآيات، وإِن تكذيبها لفساد كما قال فى مقابله وأَصلح، وكما قال: {أية : فإِنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} تفسير : [الأنعام: 33]، والمراد فمن آمن بالله والرسل وأَصلح عمله ببنائه على أَساس الشرع {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ} من عذاب يحققونه فى الآخرة، بل يخافون الله إِجلالا، ويخافون خوفاً مقابلا للرجاء إِذ لا يدرون بم يختم لهم {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} فى الآخرة بفوت الثواب إِذ يفوتهم، ويحزنون فى الدنيا لذنوبهم.

الالوسي

تفسير : {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ} إلى الأمم {إِلاَّ مُبَشّرِينَ} من أطاع منهم بالثواب {وَمُنذِرِينَ} من عصى منهم بالعذاب، واقتصر بعضهم على الجنة والنار لأنهما أعظم ما يبشر به وينذر به، والمتعاطفان منصوبان على أنهما حالان مقدرتان مفيدتان للتعليل. وصيغة المضارع للإيذان بأن ذلك أمر مستمر جرت عليه العادة الإلٰهية، والآية مرتبطة بقوله سبحانه: { أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مّن رَّبّهِ } تفسير : [الأنعام: 37] أي ما نرسل المرسلين إلاَّ لأجل أن يبشروا قومهم بالثواب على الطاعة وينذروهم بالعذاب على المعصية ولم نرسلهم ليقترح عليهم ويسخر بهم {فَمَنْ ءامَنَ } بما يجب الإيمان به {وَأَصْلَحَ } ما يجب إصلاحه والإتيان به على وفق الشريعة. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها و (من) موصولة ولشبه الموصول بالشرط دخلت الفاء في قوله سبحانه: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من العذاب الذي أنذر الرسل به {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لفوات الثواب الذي بشروا به، وقد تقدم الكلام في هذه الآية غير مرة. وجمع الضمائر الثلاثة الراجعة إلى (من) باعتبار معناها كما أن إفراد الضميرين السابقين باعتبار لفظها.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : انظر كيف نصرّف الآيات ثم هم يصدفون}تفسير : [الأنعام: 46]. والمناسبة أنّ صدوفهم وإعراضهم كانوا يتعلّلون له بأنَّهم يَرُومون آيات على وفق مقترحهم وأنَّهم لا يقنعون بآيات الوحدانية، ألا ترى إلى قولهم: {أية : لن نؤمن لك حتّى تفجِّر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : [الإسراء: 90] إلى آخر ما حكي عنهم في تلك الآية، فأنبأهم الله بأنّ إرسال الرسل للتبليغ والتبشير والنذارة لا للتّلهّي بهم باقتراح الآيات. وعُبِّر بـ{نُرسل} دون {أرسلنا} للدلالة على تجدّد الإرسال مقارناً لهذين الحالين، أي ما أرسلنا وما نرسل، فقوله: {مُبشّرين ومنذرين} حالان مقدّرتان باعتبار المستقبل ومحقّقتان باعتبار الماضي. والاستثناء من أحوال محذوفة، أي ما أرسلناهم إلاّ في حالة كونهم مبشّرين ومنذرين. والقصرُ إضافي للردّ على من زعموا أنّه إنْ لم يأتهم بآية كما اقترحوا فليس برسول من عند الله، فهو قصر قلب، أي لم نرسل الرسول للإعجاب بإظهار خوارق العادات. وكنّى بالتبشير والإنذار عن التبليغ لأنّ التبليغ يستلزم الأمرين وهما الترغيب والترهيب، فحصل بهذه الكناية إيجاز إذ استغنى بذكر اللازم عن الجمع بينه وبين الملزوم. والفاء في قوله: {فمن آمن} للتفريع، أي فمن آمن من المرسل إليهم فلا خوف الخ. و{مَنْ} الأظهر أنَّها موصولة كما يرجّحه عطف {والذين كذّبوا} عليه. ويجوز أن تكون شرطية لا سيما وهي في معنى التفصيل لقوله: {مبشِّرين ومنذرين}. فإن كانت شرطية فاقتران {فلا خوف} بالفاء بيِّن، وإن جعلت موصولة فالفاء لمعاملة الموصول معاملة الشرط، والاستعمالات متقاربان. ومعنى {أصْلح} فَعَلَ الصلاح، وهو الطاعة لله فيما أمر ونهى، لأنّ الله ما أراد بشرعه إلاّ إصلاح الناس كما حكَى عن شعيب {أية : إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت}تفسير : [هود: 88]. والمسُّ حقيقته مباشرة الجسم باليد وهو مرادف اللمس والجسّ، ويستعار لإصابة جسم جسماً آخر كما في هذه الآية. وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : ليَمَسَّنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم}تفسير : في سورة [المائدة: 73]. ويستعار أيضاً للتَّكيّف بالأحوال كما يقال: به مسّ من الجنون. قال تعالى:{أية : إنّ الذين اتَّقوا إذا مسَّهم طائف من الشيطان تذكَّروا فإذا هم مبصرون}تفسير : [الأعراف: 201]. وجمع الضمائر العائدة إلى (مَنْ) مراعاة لمعناها، وأمَّا إفراد فعل {آمن} و{أصلح} فلرعي لفظها. والباء للسببية، و(ما) مصدرية، أي بسبب فسقهم. والفسق حقيقته الخروج عن حدّ الخير. وشاع استعماله في القرآن في معنى الكفر وتجاوز حدود الله تعالى. وتقدّم تفصيله عند قوله تعالى: {أية : وما يضلّ به إلاّ الفاسقين}تفسير : في سورة [البقرة: 26]. وجيء بخبر (كان) جملة مضارعية للإشارة إلى أنّ فسقهم كان متجدّداً متكرّراً، على أنّ الإتيان بـ (كان) أيضاً للدلالة على الاستمرار لأنّ (كان) إذا لم يقصد بها انقضاء خبرها فيما مضى دلَّت على استمرار الخبر بالقرينة، كقوله تعالى: {أية : وكان الله غفوراً رحيما}تفسير : [النساء: 96].

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَ} (48) - إنَّ اللهَ تَعَالَى يُرْسِلُ الرُّسُلَ لِيُبَشِّرُوا، مَنْ آمَنَ، بِالجَنَّةِ، وَحُسْنِ الثَّوَابِ، وَلِيُنْذِرُوا، مَنْ كَفَرَ وَعَتَا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، بِالعُقُوبَةِ وَالعَذَابِ، فَالذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، فَهَؤُلاَءِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، مِمَّا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَلاَ يَحْزَنُونَ عَلى مَا خَلَّفُوهُ وَرَاءَهُمْ فِي الدُّنْيا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي أن الحق سبحانه لم يعط الرسل قدرته ليفعلوا ما شاءوا، ولكنهم فقط مبلّغون عن الله، فلا يطلبن منهم أحد آيات؛ لأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بالآيات، وكل رسول يعلم أنه من البشر، وهو يستقبل عن الله فقط، ولذلك فلنأخذ الرسل على أنهم مبشرون ومنذرون {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}. ونعرف أن البشارة هي الإخبار بما يسر قبل أن يقع. والسبب في البشارة هو تهيئة السامع لها ليبادر إلى ما يجعل البشارة واقعاً بأن يمتثل إلى المنهج القادم من الإله الخالق. ونعرف أن الإنذار هو الإخبار بما يسوء قبل أن يقع ليحترز السامع أن يقع في المحاذير التي حرمها الله. والبشارة - كما نعلم - تلهب في الراغب في الفعل والمحب له أن يفعل العمل الطيب، والإنذار يحذر ويخوف من يرغب في العمل الشيء ليزدجر ويرتدع. إذن فمهمة الرسل هي البشارة والإنذار، فلا تخرجوا بهم أيها الناس إلى مرتبة أخرى أو منزلة ليست لهم فتطلبوا منهم آيات أو أشياء؛ لأن الآيات والأشياء كلها من تصريف الحق تبارك وتعالى، ومن سوء الأدب أن نُخطّئ الله في الآيات التي أرسلها مع الرسل ونطلب آيات أخرى. إنكم بهذا تستدركون على الله. ويبيّن الحق لنا حدود مهمة الرسل فيقول: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [الأنعام: 48]. هذا هو عمل الرسل، فماذا عن عمل الذين يستمعون للرسل؟ إن الحق يقول: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام: 48]. فالمطلوب - إذن - من الذين يستمعون إلى الرسل أن يقبلوا على اختيار الإيمان، وأن يستمعوا إلى جوهر المنهج وأن يطبقوه. فمن آمن منهم وأصلح فلا خوف عليه لأنه قد ضمن الفوز العظيم، ولا يصيبه أو يناله حزن، لأن ناتج عمله كله يلقاه في كتابه يوم القيامة. والإيمان هو اطمئنان القلب إلى قضية عقدية لا تطفو إلى الذهن لتناقش من جديد. ولذلك نسمي الإيمان عقيدة، أي شيئاً انعقد عقداً لا ينحل أبداً. إنّ على المؤمن بربه أن يستحضر الأدلة والآيات التي تجعل إيمانه بربه إيماناً قوياً معقوداً؛ وهذا عمل القلب. ويعرف المؤمن أن عمل القلب لا يكفي كتعبير عن الإيمان؛ لأن الكائن الحي ليس قلباً فقط، ولكنه قلب وجوارح وأجهزة متعددة، وكل الكائن الحي المؤمن يجب أن ينقاد إلى منهج ربه، فلا بد من التعبير عن الإيمان بأن يصلح الإنسان كل عمل فيؤديه بجوارحه أداء صحيحا سليما. إنني أقول ذلك حتى يسمع الذي يقول: إن قلبي مؤمن وسليم. لا، فليست المسألة في الإيمان هكذا، صحيح أنك آمنت بقلبك ولكن لماذا عطلت كل جوارحك عن أداء مطلوب الإيمان؟ لماذا لا تعطي عقلك فرصة ليتدبر ويفكر ويخطط ويتذكر، لماذا لا تعطي العين فرصة لتعتبر وتستفيد من معطيات ما ترى؟ وكذلك اليد، واللسان، والأذن، والقدم، وكل الجوارح. والإصلاح هو عمل الجوارح، فيفكر الإنسان بعقله في الفكرة التي تنفع الناس، ويسمع القول فيتبع أحسنه، ويصلح بيديه كل ما يقوم به من أعمال. ويعلم المؤمن أنه حين أقبل على الكون وجده محكماً غاية الإحكام، ويرى الإنسان الأشياء التي لا دخل له فيها في هذا الكون وهي على أعلى درجات الصلاحية الراقية، فالمطر ينزل في مواسمه، والرياح تهب في مواسمها ومساراتها، وحركة الشمس تنتظم مع حركة الأرض، وكل عمل في النواميس العليا هو على الصلاح المطلق. إن الفساد يأتي مما للإنسان دخل فيه، فالهواء يفسد من بناء المنازل المتقاربة، وعدم وجود مساحات من الخضرة الكافية، ويفسد الهواء أيضاً بالآلات التي تعمل ولها من السموم ما تخرجه وتدفعه من أثر عملية احتراق الوقود. وعندما صنع الإنسان الآلات نظر إلى هواه في الراحة، وغابت عنه أشياء كان يجب أن يحتاط لها، ومثال ذلك: "عادم" السيارات الذي يزيد من تلوث البيئة، ورغم اكتشاف بعض من الوسائل التي يمكن أن تمنع هذا التلوث. إلا أن البعض يتراخى في الأخذ بها. ونحن حين نأخذ بقمة الحضارة ونركب السيارات فلماذا ننسى القاعدة التي تقوم عليها الحضارة وهي الدراسة العلمية الدقيقة لنصنع الآلات ونأخذ من الآلات ما يفيد الناس، فنعمل على الأخذ بأسباب تنقية البيئة من التلوث ونمنع الأذى عن حياة الناس. فالعادم الذي من صناعتنا - مثل عادم السيارات والآلات - يفسد علينا الهواء فتفسد الرئة في الإنسان. إن علينا أن نعرف أن من مسئولية الإيمان أن ننظر إلى الشيء الذي نصنعه وكمية الضر الناتجة عنه، وكل إنسان يحيا في مدينة مزدحمة إنما يضار بآثار عادم السيارات على الرغم من أنه ليس في مقدور كل إنسان أن يشتري سيارة ليركبها، فكيف يرتضي راكب السيارة لنفسه ألا يصلح من تلك الآلة التي تسهل له حياته ويصيب بعادمها الضر لنفسه ولغيره من الناس؟ لذلك فعلى المسلم ألا يأخذ الحضارة من مظهرها وشكلها بل على المجتمع المسلم أن يعمل على الأخذ بأسباب الحضارة من قواعدها الأصلية، وأن يدرس كيفية تجنب الأضرار حتى لا نقع في دائرة الأخسرين أعمالاً، هؤلاء الذين قال فيهم الحق سبحانه: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف: 103-104]. ولنا أن نأخذ المثل الأعلى دائماً من الكون الذي خلقه الله لنصونه، إن عادم وأثر وناتج أي شيء مخلوق لله يفيد الإنسان ويفيد الكون حتى فضلات الحيوان يُنتفع بها في تسميد الأرض وزيادة خصوبتها. وهكذا نعرف معنى: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. فالإيمان عمل القلب، والإصلاح عمل الجوارح، ولذلك يجب أن نصلح في الكون بما يزيد من صلاحه. ولنعلم أن الكون لم يكن ناقصاً وأننا بعملنا نستكمل ما فيه من نقص، ليس الأمر كذلك، ولكننا أردنا أن نترف في الحياة، وما دمنا نريد الترف فلنزد من عمل العقل المخلوق لله في المواد والعناصر التي أمامنا وهي المخلوقة لله. وأن نتفاعل معها بالطاقات والجوارح المخلوقة لله، ما دمنا نريد أن نتنعم نعيماً فوق ضروريات الحياة. ومثال ذلك أننا قديماً وفي أوائل عهد البشرية بالحياة، كان الإنسان عندما يعاني من العطش، يشرب من النهر، وبعد ذلك وجد الإنسان أنه لا يسعد بالارتواء عندما يمد يده ليأخذ غرفة من ماء النهر، فصنع إناءً من فخار ليشرب منه الماء، ثم صنع إناءً من الصاج، ثم صنع إناء من البلور، فهل هذه الأشياء أثرت في ضرورة الحياة أو هي ترف الحياة؟ إنها من ترف الحياة. فإن أردت أن تترف حياتك فلتُعمل عقلك المخلوق لله في العناصر المخلوقة لله، بالطاقة والجوارح المخلوقة لله، وبذلك يهبك الله من الخواطر ما تستكشف به آيات العلم في الكون. ومثال ذلك: أن أهل الريف قديماً كانوا يعتمدون على نسائهم ليملأن الجرار من الآبار أو الترع ثم تقوم سيدة البيت بترويق المياه. وعندما ارتقينا قليلاً، كان هناك من الرجال من يعمل في مهنة السقاية، ويمر بالقرب المملوءة بالماء على البيوت. وعندما قام أهل العلم بالاستنباط والاعتبار اكتشفوا قانون الاستطراق، فرفعوا المياه إلى خزانٍ عالٍ، وامتدت من الخزان "مواسير" وأنابيب مختلفة الأقطار والأحجام، وصار الماء موجوداً في كل منزل، هذا ما فعله الناس الذين استخدموا العقول المخلوقة لله. وكان الناس من قبل ذلك يكتفون بالضروري من كميات المياه، فالأسرة كانت تكتفي بملء قربة أو قربتين من الماء، ولكن بعد أن صارت في كل منزل، أساء الكثير من الناس استخدام المياه، فأهدروا كميات تزيد عن حاجتهم، وتمثل ضغطاً على "مواسير" الصرف الصحي، فتنفجر ويشكو الناس من طفح المجاري. إن على المسلم أن يرعى حق الله في استخدامه لكل شيء، فالماء الذي يهدره الإنسان قد يحتاج إليه إنسان آخر، وعندما نتوقف عن إهداره، نمنع الضرر عن أنفسنا وعن غيرنا من طفح "مواسير" الصرف الصحي. وليحسب كل منا - على سبيل المثال - كم يستهلك من مياه في أثناء الوضوء. إن الإنسان منا يفتح الصنبور ويغسل يديه ثلاثاً ويتمضمض ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، ويغسل وجهه ثلاثاً، ويغسل ذراعيه ثلاثاً، ويمسح برأسه، ويغسل أقدامه. ويترك الإنسان الصنبور مفتوحاً طَوال تلك المدة فيهدر كميات من المياه، ولو فكر في حسن استخدام المياه التي تنزل من الصنبور لما اشتكى غيره من قلة المياه. فلماذا لا يفكر المسلم في أن يأخذ قدراً من المياه يكفي الوضوء ويحسن استخدام الماء؟ وكان الإنسان يتوضأ قديماً من إناء به نصف لتر من الماء، فلماذا لا نحسن استخدام ما استخلفنا الله فيه؟ على الإنسان منا أن يعلم أن الإيمان كما يقتضي أو يوجب ويفرض الصلاة ليصلح الإنسان من نفسه، يقتضي - أيضاً - إصلاح السلوك فلا نبذر ونهدر فيما نملك من إمكانات، وأن ندرس كيفية الارتقاء بالصلاح، فلا نتخلص من متاعب شيء لنقع في متاعب ناتجة من سوء تصرفنا في الشيء السابق، بل علينا أن ندرس كل أمر دراسة محكمة حتى لا يدخل الإنسان منا في مناقضة قوله الحق: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} تفسير : [الإسراء: 36]. أي عليك أن تعرف أيها المسلم أنك مسئول عن السمع والبصر والقلب وستسأل عن ذلك يوم القيامة، لذلك لا يصح أن تتوانى عن الأخذ بأحسن العلم ليحسن قولك وفعلك. وبذلك لا يكون هناك خوف عليك في الدنيا أو الآخرة؛ لأنك آمنت وأصلحت، وأيضاً لا حزن يمسك في الدنيا ولا في الآخرة: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. إنك بذلك تصون نفسك في الآخرة وفي الدنيا أيضاً؛ لأنك تسير في الحياة بإيمان وتصلح في الدنيا متبعاً قوانين الله. وإن رأيت أيها المسلم متعبة في الكون فاعلم أن حكماً من أحكام الله قد عطِّل، إن رأيت فقيراً جائعاً أو عرياناً فاعلم أن حقاً من حقوقه قد أكله أو جحده غيره؛ لأن الذي خلق الكون، خلق ما يعطيه الغني من فائض عنه للفقير ليسد عوزه، لكن الغني قبض يده عن حق الله، وأيضاً جاء قوم يتسولون بغير حاجة للتسول، والفساد هنا إنما يأتي من ناحيتين: ناحية إنسان استمرأ أن يبني جسمه من عرق غيره، أو من إنسان آخر غني لا يؤدي حق الله في ماله، بذلك يعاني المجتمع من المتاعب. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [الأنعام: 48]؛ يعني: إليهم من الهداية شيء، وإنما هم يبشرون لمن آمن وأصلح بالنجاة والدرجات، ومنذرون للمكذبين بالهلاك والدركات {فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ} [الأنعام: 48]، استعداد الذي أفسده بصرفه في غير محله فيصلحه بالتوبة والإنابة ويصرفه في العبودية على وقف الأمر {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [الأنعام: 48]، من فساد الاستعداد فعل هذا بعد أن أصلحوا {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام: 48]، على آفات منهم من الحسنات في أيام استعمالهم السيئات؛ لأن الله تعالى قال {أية : يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان: 70]، بعد التوبة والرجوع {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [الأنعام: 49]، وثبتوا عليه {يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ} [الأنعام: 49]، عذاب الرد والبعد والهلاك {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} [الأنعام: 49]؛ أي: بسبب خروجهم يوماً رش الله تعالى على الأرواح من نوره فيه عن وصف المرشش فأخطأهم ذلك النور وهم أهل الشقاوة والهلاك. ثم أخبر عن حال النبي صلى الله عليه وسلم باللطف الخفي بقوله تعالى: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} [الأنعام: 50]، الآيتين. والإشارة فيهما أن الله تعالى مربيه صلى الله عليه وسلم أن يكلم الكفار على قدر عقولهم، فقال تعالى: {قُل} يا محمد {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} على أنها عندي؛ ولكن {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ} وهي علم حقائق الأشياء وماهيتها، وقد كان عنده في إراءة {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [فصلت: 53]، أو إجابة قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أرنا الأشياء كما هي"تفسير : ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوتيت جوامع الكلم"تفسير : ، وما أمره الله تعالى أن: { قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} [الأنعام: 50]، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخبر عما مضى وعما سيكون بأعلام الحق تعالى، وقد قال صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج: "حديث : قطرت في حلق قطرة علمت بها ما كان وما سيكون"تفسير : {وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} [الأنعام: 50]، وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل عليه السلام: تقدم، فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} [الأنعام: 50]؛ يعني: لا أخبركم عن مقاماتي وأحوالي فيهما "حديث : لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل" تفسير : إلا عما يوحي إلي أن أبصارهم، وقل معهم، ثم قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} [الأنعام: 50]؛ يعني: قل وكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه، وأنابه بصير فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50]. ثم قال تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ} [الأنعام: 51]؛ يعني: أخبر بهذه الحقائق والمعاني {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} [الأنعام: 51]، بجذبات العناية ويتحقق لهم أن {لَيْسَ لَهُمْ} [الأنعام: 51]، في الوصول إلى الله {مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ} [الأنعام: 51]؛ يعني: من الأولياء {وَلاَ شَفِيعٌ} [الأنعام: 51]؛ يعني: من الأنبياء لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق تعالى: {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 51]، عما سوى الله بالله في طلب الوصول. ثم أخبر عن أصول أهل الوصول بقوله تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52]، الآيتين الإشارة فيهما أن من عواطف إحسانه ولطائف امتنانه وحقوق خواص عباده أن يكون في بعض الأوقات لسانهم فيتكلمون به كما قال: "حديث : كنت له سمعاً وبصراً ولساناً... إلى آخره"تفسير : وفي بعض الأوقات يكون لسانهم فيتكلم عنهم، فإذا تكلموا به لكلم مع عباده ليدعوهم إليه، وإذا تكلم عنهم مع عباده ليهديهم إليه فما كان حال الفقراء مع النبي صلى الله عليه وسلم العجز عن الاستدراك ومعارضته فيما كانوا بصدده من إخلاء الرسول صلى الله عليه وسلم مجلسه عنهم سكتوا عن الاعتراض وتوجهوا بقلوبهم إلى الحق تعالى متضرعين بين يديه معرضين برائتهم لديه فتولى الحق سبحانه ظهارها في ضمائرهم، واطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على سرائرهم، فقال تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أخبره عن دوام ذكرهم، وأنهم حسباء الله بالغداة والعشي كما قال تعالى: "حديث : أنا جليس من ذكرني"تفسير : ، فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك وقد خصهم الله تعالى بإرادته عما سواهم كما قال تعالى: {أية : مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} تفسير : [آل عمران: 152] وقال تعالى: { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] فكل يريدون منه وهم لا يريدون عنه دونه كما قيل شعر: شعر : وكل له سؤال ودين ومذهب ووصلكم سؤلي وديني رضاكم تفسير : ويقال: تكلم الناس في الإرادة فأكثروا، وتحقيقها: احتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله تعالى، فصاحب الإرادة لا يهدوا ليلاً ولا نهاراً ولا يجد من دون وصوله إليه سبحانه مسكوناً ولا قراراً. ثم قال تعالى: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} [الأنعام: 52]؛ يعني: ما لك منعك في الحساب من المواصلات والتوحيد في الخلوات فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك نقلاً منهم {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ} [الأنعام: 52]، منها {مِّن شَيْءٍ} [الأنعام: 52]، ولا ما لنا فيكون في الحساب في التفرد للوصول والوصال لكن إليه حاجة أو غيره لينقل عليهم منها شيء {فَتَطْرُدَهُمْ} [الأنعام: 52]، فتكثر قلوبهم الطرد {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52]، يوضع الكسر في موضع الجير، فإنك بعثت قلوبهم، كقوله تعالى: واخفض جناحيك للمؤمنين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يذكر تعالى، زبدة ما أرسل به المرسلين؛ أنه البشارة والنذارة، وذلك مستلزم لبيان المبشر والمبشر به، والأعمال التي إذا عملها العبد، حصلت له البشارة. والمنذر والمنذر به، والأعمال التي من عملها، حقت عليه النذارة. ولكن الناس انقسموا -بحسب إجابتهم لدعوتهم وعدمها- إلى قسمين: { فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ } أي: آمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله واليوم الآخر، وأصلح إيمانه وأعماله ونيته { فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فيما يستقبل { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما مضى. { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ } أي: ينالهم، ويذوقونه { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } .