Verse. 838 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَالَّذِيْنَ كَذَّبُوْا بِاٰيٰتِنَا يَمَسُّہُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوْا يَفْسُقُوْنَ۝۴۹
Waallatheena kaththaboo biayatina yamassuhumu alAAathabu bima kanoo yafsuqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون» يخرجون عن الطاعة.

49

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي بالقرآن والمعجزات. وقيل: بمحمد عليه الصَّلاة والسَّلام. {يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي يصيبهم {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي يكفرون.

البيضاوي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ} جعل العذاب ماساً لهم كأنه الطالب للوصول إليهم، واستغنى بتعريفه عن التوصيف. {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} بسبب خروجهم عن التصديق والطاعة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } يخرجون عن الطاعة.

ابو السعود

تفسير : وقوله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ} عطفٌ على مَنْ آمن داخلٌ في حكمه وقوله تعالى: {بِـئَايَـٰتِنَا} إشارة إلى أن ما ينطِقُ له الرسلُ عليهم السلام عند التبشير والإنذار ويبلّغونه إلى الأمم آياتُه تعالى، وأن من آمن به فقد آمن بآياته تعالى، ومن كذب به فقد كذب بها، وفيه من الترغيب في الإيمان والتحذيرِ عن تكذيبه ما لا يخفى. والمعنى ما نرسل المرسلين إلا ليُخبروا أممهم من جهتنا بما سيقع منا من الأمور السارّة والضارّة لا ليُوقعوها استقلالاً من تلقاء أنفسهم، أو استدعاءً من قِبَلِنا، حتى يقترحوا، فإذا كان الأمرُ كذلك فمن آمن بما أَخبروا به من قبلنا تبشيراً أو إنذاراً في ضمن آياتنا، وأصلح ما يجب إصلاحُه من أعماله، أو دخل في الصلاح فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. والذين كذبوا بآياتنا التي بُلِّغوها عند التبشير والإنذار {يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي العذاب الذي أُنذِروه عاجلاً، أو آجلاً، أو حقيقةُ العذاب وجنسُه المنتظمُ له انتظاماً أولياً {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي بسبب فسقهم المستمر الذي هو الإصرارُ على الخروج عن التصديق والطاعة. {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ} استئنافٌ مبنيٌّ على ما أسِّسَ من السنة الإلٰهية في شأنِ إرسالِ الرسل وإنزالِ الكتُب، مَسوقٌ لإظهار تبرِئتِه صلى الله عليه وسلم عما يدورُ عليه مقترحاتُهم، أي قل للكفرة الذين يقترحون عليك تارةً تنزيلَ الآياتِ وأخرى غيرَ ذلك لا أدَّعي أن خزائنَ مقدوراتِه تعالى مُفوَّضةٌ إلي أتصرَّفُ فيها كيفما أشاء استقلالاً أو استدعاءً، حتى تقترحوا عليّ تنزيلَ الآياتِ أو إنزالَ العذاب، أو قلبَ الجبال ذهباً، أو غيرَ ذلك مما لا يليق بشأني، وجعلُ هذا تبرُّؤاً عن دعوىٰ الإلٰهية مما لا وجهَ له قطعاً، وقوله تعالى: {وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} عطفٌ على محلَّ (عندي خزائنُ الله)، أي لا أدّعي أيضاً أني أعلم الغيبَ من أفعاله تعالى حتى تسألوني عن وقت الساعة أو وقت نزول العذاب أو نحوهما {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ} حتى تكلفوني من الأفاعيل الخارقةِ للعادات ما لا يُطيق البشرُ من الرُقيِّ في السماء ونحوه، أو تعدوا عدمَ اتّصافي بصفاتهم قادحاً في أمري كما ينبىء عنه قولهم: {أية : مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي ٱلأَسْوَاقِ } تفسير : [الفرقان، الآية 7] والمعنى إني لا أدَّعي شيئاً من هذه الأشياء الثلاثةِ حتى تقترحوا عليَّ ما هو من آثارها وأحكامها، وتجعلوا عدمَ إجابتي إلى ذلك دليلاً على عدم صحةِ ما أدَّعيه من الرسالة التي لا تعلُّقَ لها بشيء مما ذُكر قطعاً بل إنما هي عبارةٌ عن تلقِّي الوحْي من جهةِ الله عز وجل، والعملِ بمقتضاه فحسْب، حسْبما ينبىء عنه قوله تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ} لا على معنى تخصيص اتباعه صلى الله عليه وسلم بما يوحىٰ إليه دون غيره بتوجيه القَصْر إلى المفعول بالقياس إلى مفعولٍ آخرَ كما هو الاستعمال الشائعُ الواردُ على توجيه القصْر إلى ما يتعلّق بالفعل باعتبار النفي في الأصل، والإثبات في القيد، بل على معنى تخصيص حالِه صلى الله عليه وسلم باتباع ما يوحىٰ إليه بتوجيه القصرِ إلى نفس الفعل بالقياس إلى ما يغرّه من الأفعال، لكن لا باعتبار النفي والإثباتِ معاً في خصوصية، فإن ذلك غيرُ ممكن قطعاً، بل باعتبار النفي فيما يتضمّنه من مُطلق الفعل، والإثباتِ فيما يقارنه من المعنى المخصوص، فإنّ كلَّ فعلٍ من الأفعال الخاصَّةِ كنصر مثلاً ينحلّ عند التحقيق إلى معنىً مطلقٍ هو مدلولُ لفظِ الفعل وإلى معنىً خاصَ يقوم به فإن معناه فعَلَ النصْرَ، يُرشدك إلى ذلك قولُهم: فلانٌ يُعطي ويمنع بمعنى يفعل الإعطاء والمنع، فموردُ القصر في الحقيقة ما يتعلقُ بالفعل بتوجيه النفي إلى الأصل والإثباتِ إلى القيد، كأنه قيل: ما أفعلُ إلا اتباعَ ما يُوحىٰ إليّ مِنْ غير أن يكون لي مدخَلٌ ما في الوحي أو في الموحىٰ بطريق الاستدعاء، أو بوجهٍ آخرَ من الوجوه أصلاً. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} مثل للضال والمهتدي على الإطلاق، والاستفهام إنكاري والمراد إنكارُ استواءِ مَنْ لا يعلم ما ذُكر من الحقائق ومن يعلمُها وفيه من الإشعار بكمالِ ظهورِها ومن التنفير عن الضلالِ والترغيب في الاهتداء ما لا يخفىٰ، وتكريرُ الأمر لتثنية التبكيتِ وتأكيدِ الإلزام، وقوله تعالى: {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} تقريعٌ وتوبـيخٌ داخلٌ تحت الأمر، والفاء للعطف على مقدَّر يقتضيه المقام، أي ألا تسمعون هذا الكلامَ الحقَّ فلا تتفكرون فيه، أو أتسمعون فلا تتفكرون فيه، فمناطُ التوبـيخِ في الأول عدمُ الأمرَيْنِ معاً، وفي الثاني عدم التفكر مع تحقق ما يُوجبه.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين كذبوا بآياتنا} وهى ما ينطق به الرسل عليهم عند التبشير والانذار ويبلغونه الى الامم {يمسهم العذاب} الاليم واسند المس الى العذاب مع ان حقه ان يسند الى الاحياء لكونه من الافعال المسبوقة بالقصد والاختيار على طريق الاستعارة بالكناية فجعل كأنه حى يطلب ايلامهم والوصول اليهم {بما كانوا يفسقون} اى بسبب فسقهم المستمر الذى هو الاصرار على الخروج عن التصديق والطاعة وفى الآيات ترغيب وترهيب: وفى الكلمات القدسية "حديث : يا ابن آدم لا تأمن مكرى حتى تجوز على الصراط" تفسير : ـ روى ـ ان الله تعالى قال يا ابراهيم ما هذا الوجل الشديد الذى اراه منك فقال يا رب كيف لا اوجل وآدم ابى كان محله القرب منك خلقته بيدك ونفخت فيه من روحك وامرت الملائكة بالسجود له فبمعصية واحدة اخرجته من جوارك فاوحى الله تعالى اليه يا ابراهيم اما عرفت ان معصية الحبيب على الحبيب شديدة "وعن مالك ابن دينار قال دخلت جبانة البصرة فاذا انا بسعدون المجنون فقلت كيف حالك وكيف انت قال يا مالك كيف يكون حال من امسى واصبح يريد سفرا بعيدا بلا اهبة ولا زاد ويقدم على رب عدل حاكم بين العباد ثم بكى بكاء شديدا فقلت ما يبكيك فقال والله ما بكيت حرصا على الدنيا ولا جزعا من الموت والبلى لكن بكيت ليوم مضى من عمرى لم يحسن فيه عمل شعر : كارى كنيم ورنه خجالت بر آورد روزى كه رخت جان بجهان دكر كشيم تفسير : ابكانى والله قلة الزاد وبعد المفازة والعقبة الكؤود ولا ادرى بعد ذلك اصير الى الجنة ام الى النار فسمعت منه كلام حكمة فقلت ان الناس يزعمون انك مجنون فقال ما بى جنة ولكن حب مولاى خالط قلبى واحشائى وجرى بين لحمى ودمى وعظامى شعر : درره منزل ليلى كه خطر هاست درو شرط اول قدم آنست كه مجنون باشى كاروان رفت وتودر خواب وبيابان دربيش كى روى ره زكه برسى جه كنى جون باشى تفسير : وعلى تقدير الزلة فليبادر العاقل الى التوبة والاستغفار حتى يتخلص من عذاب الملك القهار كما قال تعالى {أية : فمن آمن وأصلح فلا} تفسير : [الأنعام: 48] الخ. ـ روى ـ ان الملائكة تعرج الى السماء بسيئات العبد فاذا عرضوها على اللوح المحفوظ يجدون مكانها حسنات فيخرون على وجوههم ويقولون ربنا انك تعلم اننا ما كتبنا عليه الا ما عمل فيقول الله تعالى صدقتم ولكن عبدى ندم على خيطئته واستشفع الىّ بدمعته فغفرت ذنبه وجدت عليه بالكرم وانا اكرم الاكرمين فالايمان واصلاح العمل والندم على الزلل سبب النجاة فى الدنيا والآخرة. قال بعض الكبار ان الايمان والاسلام يمكن ان يكونا شيئاً واحدا فى الحقيقة ولكن خص كل منهما بنوع مجازا عرفيا فكل ما كان فيه التصديق القلبى اطلق عليه الايمان لوجود اصل معناه فيه كما لا يخفى

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ} بلسان الحال او لسان القال {بِآيَاتِنَا} واعظمها الولاية ومن تكذيبها يسرى التّكذيب الى غيرها من الآيات {يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} بالخروج عن حكم العقل ومظهره الّذى هو النّبىّ (ص) او الوصّى.

اطفيش

تفسير : {والَّذين كذَّبوا بآياتنا يمسُّهم العذابُ بما كانُوا يفْسقُون} يصيبهم العذاب بسبب فسقهم، أى خروجهم عن الإيمان ورمز بإسناد المس الذى هو من الأفعال الاختيارية للعذاب إلى تشبيه العذاب بالعدو الطالب لعدوه، ليوقع به حتى كأنه من جنس العدو للكافرين، وذلك لشدته، فهذا مع بنائه على التكذيب يدل على فظاعته.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا} مقابل لقوله فمن آمن {يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ} أَصل المس تحول البدن أَو بعضه إِلى شئ بالقصد ليباشره، فتسمية المصادم للشئ بلا قصد للمباشرة مساً مجاز، ولا قصد للعذاب فقد شبه العذاب بحيوان مؤذ كالأَسد والثعبان الشديد بدليل أَنه أَثبت للعذاب ما هو من لوازم الحيوان المصر القاصد للمباشرة الضارة، ففى ذلك مبالغة بأَن العذاب طالب لهم، وفى ذلك استعارة مكنية، أَو فى يمس استعارة تبعية من غير استعارة فى العذاب، وأَل فى العذاب للكمال أَو للاستغراق، أَى كل عذاب أَو للجنس أَو للعهد فى العذاب الذى أَنذروا به، إِذا عهد أَن جزاءَ التكذيب عذاب شديد فظيع {بِمَا كَانُوا} أَى بسبب كونهم، أَو بالفسق الذى كانوا {يَفْسُقُونَ} يخرجون عن التصديق والطاعة فهم معذبون على الشرك وما دونه من المعاصى لأَن المشرك محاطب بفروع الشريعة وبأَصلها لهذه الآية ونحوها.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} أي التي بلغتها الرسل عليهم الصلاة والسلام عند التبشير والإنذار، وقيل: المراد بها نبينا صلى الله عليه وسلم ومعجزاته؛ والأول هو الظاهر، والموصول مبتدأ وقوله تعالى: {يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ } خبره والجملة عطف على { أية : فَمَنْ آمَنَ } تفسير : [الأنعام: 48] الخ. والمراد بالعذاب العذاب الذي أنذروه عاجلاً أو آجلاً أو حقيقة العذاب وجنسه المنتظم لذلك انتظاماً أولياً؛ وفي جعله ماساً إيذان بتنزيله منزلة الحي الفاعل لما يريد ففيه استعارة مكنية على ما قيل. وجوز الطيبي أن يكون في المس استعارة تبعية من غير استعارة في العذاب. والظاهر أن ما ذكر مبني على أن / المس من خواص الأحياء. وفي «البحر» أنه يشعر بالاختيار، ومنع ذلك بعضهم، وادعى عصام الملة أنه أشير بالمس إلى أن العذاب لا يأخذهم بحيث يعدمهم حتى يتخلصوا بالهلاك وله وجه. {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي بسبب فسقهم. نعم أخرج ابن جرير عن ابن زيد أن كل فسق في القرآن معناه الكذب، ولعله في حيز المنع وخروجهم المستمر عن حظيرة الإيمان والطاعة، وقد يقال: الفاسق لمن خرج عن التزام بعض الأحكام لكنه غير مناسب هٰهنا.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَاتِنَا} (49) - أمَّا الذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمِ، فَإنَّهُمْ سَيُصِيبُهُمُ العَذَابُ، بِمَا كَفَرُوا بِمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ، وَخَرَجُوا عَنْ أَوَامِرِ رَبِّهِمْ، وَلَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والذين كذبوا بآيات الله هم إما من كذب الرسول في الآيات الدالة على صدقه وهو المبلغ عن الله، وهؤلاء دخلوا في دائرة الكفر. وإمّا هم الذين كذبوا بآيات المنهج، فلم يستخدموا المنهج على أصوله وانحرفوا عن الصراط المستقيم والطريق السوي. وهؤلاء وهؤلاء قد فسقوا، أي خرجوا عن الطاعة، ونعلم أن كلمة "الفسق" مأخوذة من خروج "الرطبة" عن قشرتها عندما يصير حجمها أصغر مما كانت عليه لاكتمال نضجها. والذي يفسق عن منهج الله هو الذي يقع في الخسران؛ لأن منهج الله هدفه صيانة الإنسان المخلوق لله بـ "افعل كذا" و"لا تفعل كذا". إن الإنسان يفسق عندما لا يفعل ما أمره الله أن يفعله، أو يفعل ما نهاه الله عن أن يفعله. ونجد الإنسان منا يخاف على جهاز التسجيل أو جهاز التليفزيون من أن يفسد فيتبع القواعد المرعية لاستخدامه. فلا يمد - مثلاً - جهازاً من الأجهزة الكهربية بنوعية من الطاقة غير التي يحددها الصانع، فإن قال لصانع: استخدم كهرباء مقدارها مائتان وعشرون فولتاً حتى لا تفسد الآلة فالإنسان ينصاع لما قاله الصانع، فما بالنا بالإنسان، إن الله - جلت قدرته - خلق الإنسان ووضع له قوانين صيانته. إذن فمن يفسد في قوانين صيانة نفسه يمسه العذاب، وكلمة يمسهم الذعاب تعطي وتوحي بأن العقوبة تعشق أن تقع على المجرم، كأن العذاب سعى إليه ليناله ويمسه وها هوذا قول الحق عن النار. {أية : تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} تفسير : [الملك: 8]. وهو سبحانه القائل عن النار: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30]. إذن فالعقوبة نفسها حريصة على أن تنفذ إلى من أساء. ولذلك يلح العذاب في أن يمس الذين فسقوا. ويأتي الحق هنا بكلمة "المس" لحكمة، ذلك أن عقوبة الله لا تقارن بعقوبة البشر. فالإنسان يعاقب إنساناً بمقياس قدرته وقوته، وليس لأحد من الخلق أن يتمثل قدرة الله في العذاب، ولذلك يكفي المس فقط، لأن التعذيب يختلف باختلاف قدرة المعذِّب، فلو نسبنا التعذيب إلى قدرة الله لكان العذاب رهيباً لا طاقة لأحد عليه. ويقول الحق بعد ذلك: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي...}

الجيلاني

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} المنزلة على رسلنا، ولم يعملوا بمقتضاها {يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ} الذي يحيطهم من جميع جوانبهم {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} [الأنعام: 49] أي: بسبب فسقهم وخروجهم عن مقتضى أوامرنا ونواهينا. {قُل} لهم يا أكمل الرسل كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة تلييناً لقلوبهم: {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} أي: جميع مراداته ومقدوراته {وَلاۤ} أدعي أني {أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} أي: جميعه؛ إذ هما مما استأثر الله به لا يحوم حوله أحد من خلقه {وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ} أيضاً: {إِنِّي مَلَكٌ} إذ أنا بشر من جنسكم بل أقول لكم: {إِنْ أَتَّبِعُ} أي: ما أتبع {إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} من عنده لأبلغكم به وأخبركم عنه، والهداية والضلال بيد الله يهدي من يشاء ويضل من شاء، وإن أنكروا لياقة البشر لوحي الله وإلهامه {قُلْ} لهم على سبيل الالتزام: {هَلْ يَسْتَوِي} عندكم البشر {ٱلأَعْمَىٰ} عن مطالعة عجائب مصنوعات الحق وغرائب مختراعاته {وَٱلْبَصِيرُ} المشاهد المطالع لها {أَ} تشكون فيما بينهما من التفاوت {فَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50] وتتأملون حتى ينكشف ويتميز عندكم الحق الصريح من الباطل الزائل الزائغ. {وَأَنذِرْ بِهِ} أي: أنذر بما يوحى إليك يا أكمل الرسل {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} مع كونهم معتقدون أن {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ} يولي أمرهم غيره {وَلاَ شَفِيعٌ} يشفع لهم عنده حتى ينقذهم من عذابه {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 51] لكي يتقوا ويحسنوا العمل لرضاه. {وَ} بعدما أرسلناك يا أكمل الرسل، لتزويج الحق وتقوية أهله {لاَ تَطْرُدِ} لا تبعد عن عندك {ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ} أي: في جميع أوقات النهار {وَٱلْعَشِيِّ} أي: في جميع أوقات الليل، وبالجملة: يستغرقون جميع أوقاتهم بالتوجه نحوه سبحانه إنما {يُرِيدُونَ} بتوجههم غير أن يطالعوا {وَجْهَهُ} الكريم بسبب ميلك إلى أيمان أهل الأهواء ومصاحبتهم ومجالستهم، مع أنهم ليسوا من أهل الفلاح ولا قابلين له بل {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم} وإيمانهم {مِّن شَيْءٍ} يعود إليه نفعه {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ} وإيمانك {عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ} بل كل منك، ومنهم مجزي بما عمل ومسئول عما فعل {فَتَطْرُدَهُمْ} أي: هؤلاء المؤمنين المريدين وجه الكله في جميع أوقاتهم وحالاتهم؛ لأجل أولئك المنهمكين في الضلال {فَتَكُونَ} بواسطة طردهم وتبعيدهم {مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52] الخارجين عن مقتضى العقل والشرع والمرءوة. حديث : روي أن قريشاً قالوا: لو طردت يا محمد هؤلاء السلفة - أرادوا عماراً وصهيباً وسلمان وغيرهم - جلسنا إليك وحدثنا معك فقال صلى الله عليه وسلم: "وما أنا بطارد المؤمنين". قالوا: فأقمهم من مجلسنا إن جلسنا معك. قال له عمر رضي الله عنه: لو فعلت حتى تنظر ماذا يصيرون، فقبل صلى الله عليه وسلم. قالوا: فاكتب بذلك كتاباً، فدعا بالصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت :