Verse. 839 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قُلْ لَّاۗ اَقُوْلُ لَكُمْ عِنْدِيْ خَزَاۗىِٕنُ اللہِ وَلَاۗ اَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَاۗ اَقُوْلُ لَكُمْ اِنِّىْ مَلَكٌ۝۰ۚ اِنْ اَتَّبِـــعُ اِلَّا مَا يُوْحٰۗى اِلَيَّ۝۰ۭ قُلْ ہَلْ يَسْتَوِي الْاَعْمٰى وَالْبَصِيْرُ۝۰ۭ اَفَلَا تَتَفَكَّرُوْنَ۝۵۰ۧ
Qul la aqoolu lakum AAindee khazainu Allahi wala aAAlamu alghayba wala aqoolu lakum innee malakun in attabiAAu illa ma yooha ilayya qul hal yastawee alaAAma waalbaseeru afala tatafakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «لا أقول لكم عندي خزائن الله» التي منها يرزق «ولا» إني «أعلم الغيب» ما غاب عني ولم يوح إلي «ولا أقول لكم إني ملك» من الملائكة «إن» ما «أتبع إلا ما يوحى إليَّ قل هل يستوي الأعمى» الكافر «والبصير» المؤمن؟ لا «أفلا تتفكرون» في ذلك فتؤمنون.

50

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا من بقية الكلام على قوله {أية : لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } تفسير : [الأنعام: 37] فقال الله تعالى قل لهؤلاء الأقوام، إنما بعثت مبشراً ومنذراً، وليس لي أن أتحكم على الله تعالى وأمره الله تعالى أن ينفي عن نفسه أموراً ثلاثة، أولها: قوله {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ } فاعلم أن القوم كانوا يقولون له إن كنت رسولاً من عند الله، فاطلب من الله حتى يوسع علينا منافع الدنيا وخيراتها، ويفتح علينا أبواب سعادتها. فقال تعالى قل لهم إني لا أقول لكم عندي خزائن الله، فهو تعالى يؤتي الملك من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير لا بيدي والخزائن جمع خزانة، وهو اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء إحرازه، بحيث لا تناله الأيدي. وثانيها: قوله {وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } ومعناه أن القوم كانوا يقولون له إن كنت رسولاً من عند الله فلا بدّ وأن تخبرنا عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار، حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح، ولدفع تلك المضار. فقال تعالى: قل إني لا أعلم الغيب فكيف تطلبون مني هذه المطالب؟ والحاصل أنهم كانوا في المقام الأول يطلبون منه الأموال الكثيرة والخيرات الواسعة، وفي المقام الثاني كانوا يطلبون منه الاخبار عن الغيوب، ليتوسلوا بمعرفة تلك الغيوب إلى الفوز بالمنافع والاجتناب عن المضار والمفاسد. وثالثها: قوله {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ } ومعناه أن الوقم كانوا يقولون {أية : مَّالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلاْسْوَاقِ } تفسير : [الفرقان: 7] ويتزوج ويخالط الناس. فقال تعالى: قل لهم إني لست من الملائكة. واعلم أن الناس اختلفوا في أنه ما الفائدة في ذكر نفي هذه الأحوال الثلاثة؟ فالقول الأول: أن المراد منه أن يظهر الرسول من نفسه التواضع لله والخضوع له والاعتراف بعبوديته، حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح عليه السلام. والقول الثاني: أن القوم كانوا يقترحون منه إظهار المعجزات القاهرة القوية، كقولهم {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأرْضِ يَنْبُوعًا } تفسير : [الإسراء: 90] إلى آخر الآية فقال تعالى في آخر الآية {أية : قُلْ سُبْحَـٰنَ رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 93] يعني لا أدعي إلا الرسالة والنبوّة، وأما هذه الأمور التي طلبتموها، فلا يكن تحصيلها إلا بقدرة الله، فكان المقصود من هذا الكلام إظهار العجز والضعف وأنه لا يستقل بتحصيل هذه المعجزات التي طلبوها منه. والقول الثالث: أن المراد من قوله {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ } معناه إني لا أدعي كوني موصوفاً بالقدرة اللائقة بالإله تعالى. وقوله {وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } أي ولا أدعي كوني موصوفاً بعلم الله تعالى. وبمجموع هذين الكلامين حصل أنه لا يدعي الإلهية. ثم قال: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ } وذلك لأنه ليس بعد الإلهية درجة أعلى حالاً من الملائكة، فصار حاصل الكلام كأنه يقول لا أدعي الإلهية ولا أدعي الملكية ولكني أدعي الرسالة، وهذا منصب لا يمتنع حصوله للبشر، فكيف أطبقتم على استنكار قولي ودفع دعواي؟ المسألة الثانية: قال الجبائي: الآية دالة على أن الملك أفضل من الأنبياء، لأن معنى الكلام لا أدعي منزلة فوق منزلتي ولولا أن الملك أفضل وإلا لم يصح ذلك. قال القاضي: إن كان الغرض بما نفى طريقة التواضع؛ فالأقرب أن يدل ذلك على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة، لم يدل على كونهم أفضل. المسألة الثالثة: قوله {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } ظاهره يدل على أنه لا يعمل إلا بالوحي وهو يدل على حكمين. الحكم الأول أن هذا النص يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحكم من تلقاء نفسه في شيء من الأحكام وأنه ما كان يجتهد بل جميع أحكامه صادرة عن الوحي، ويتأكد هذا بقوله {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَىٰ }تفسير : [النجم: 3، 4]. الحكم الثاني إن نفاة القياس قالوا: ثبت بهذا النص أنه عليه السلام ما كان يعمل إلا بالوحي النازل عليه فوجب أن لا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي النازل عليه، لقوله تعالى: {أية : فَٱتَّبَعُوهُ } تفسير : [سبأ: 20] وذلك ينفي جواز العمل بالقياس، ثم أكد هذا الكلام بقوله {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } وذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى والعمل بمقتضى نزول الوحي يجري مجرى عمل البصير. ثم قال: {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين البابين وأن لا يكون غافلاً عن معرفته، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} هذا جواب لقولهم: {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} فالمعنى ليس عندي خزائن قدرته فأنزل ما اقترحتموه من الآيات، ولا أعلم الغيب فأخبركم به. والخزانة ما يُخزَن فيه الشيءُ؛ ومنه الحديث: « حديث : فإنما تَخزُن لهم ضروعُ مواشيهم أطعماتهم أيحب أحدكم أن توتى مَشْرَبته فتكسرِ خَزانتُه » تفسير : . وخزائن الله مقدوراته؛ أي لا أملك أن أفعل كل ما أُريد مما تقترحون {وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} أيضاً {وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} وكان القوم يتوهمون أن الملائكة أفضل، أي لست بملَك فأشاهد من أُمور الله ما لا يشهده البشر. واستدل بهذا القائلون بأن الملائكة أفضل من الأنبياء. وقد مضى في «البقرة» القول فيه فتأمّله هناك. قوله تعالىٰ: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} ظاهره أنه لا يقطع أمراً إلاَّ إذا كان فيه وحي. والصحيح أن الأنبياء يجوز منهم الاجتهاد، والقياس على المنصوص، والقياس أحد أدلة الشرع. وسيأتي بيان هذا في «الأعراف» وجواز اجتهاد الأنبياء في «الأنبياء» إن شاء الله تعالىٰ. قوله تعالىٰ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} أي الكافر والمؤمن؛ عن مجاهد وغيره. وقيل: الجاهل والعالم. {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} أنهما لا يستويان.

البيضاوي

تفسير : {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ } مقدوراته أو خزائن رزقه. {وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} ما لم يوح إلي ولم ينصب عليه دليل وهو من جملة المقول. {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ} أي من جنس الملائكة، أو أقدر على ما يقدرون عليه. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} تبرأ عن دعوى الألوهية والملكية، وادعى النبوة التي هي من كمالات البشر رداً لاستبعادهم دعواه وجزمهم على فساد مدعاه. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} مثل للضال والمهتدي، أو الجاهل والعالم، أو مدعي المستحيل كالألوهية والملكية ومدعي المستقيم كالنبوة. {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} فتهتدوا أو فتميزوا بين ادعاء الحق والباطل، أو فتعلموا أن اتباع الوحي مما لا محيص عنه. {وَأَنذِرْ بِهِ} الضمير لما يوحى إلي. {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ} هم المؤمنون المفرطون في العمل، أو المجوزون للحشر مؤمناً كان أو كافراً مقراً به أو متردداً فيه، فإن الإِنذار ينفع فيهم دون الفارغين الجازمين باستحالته. {لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} في موضع الحال من يحشروا فإن المخوف هو الحشر على هذه الحالة. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } لكي يتقوا. {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ} بعدما أمره بإنذار غير المتقين ليتقوا أمره بإكرام المتقين وتقريبهم وأن لا يطردهم ترضية لقريش. روي أنهم قالوا: لو طردت هؤلاء الأعبد يعنون فقراء المسلمين كعمار وصهيب وخباب وسلمان ـ جلسنا إليك وحادثناك فقال: «حديث : ما أنا بطارد المؤمنين»تفسير : قالوا: فأقمهم عنا إذا جئناك قال «نعم». وروي أن عمر رضي الله عنه قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون فدعا بالصحيفة وبعلي رضي الله تعالى عنه ليكتب فنزلت. والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام، وقيل صلاتا الصبح والعصر. وقرأ ابن عامر بالغدوة هنا وفي الكهف. {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} حال من يدعون، أي يدعون ربهم مخلصين فيه قيد الدعاء بالإِخلاص تنبيهاً على أنه ملاك الأمر. ورتب النهي عليه إشعاراً بأنه يقتضي إكرامهم وينافي إبعادهم. {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيْء} أي ليس عليك حساب إيمانهم فلعل إيمانهم عند الله أعظم من إيمان من تطردهم بسؤالهم طمعاً في إيمانهم لو آمنوا، أو ليس عليك اعتبار بواطنهم وإخلاصهم لما اتسموا بسيرة المتقين وإن كان لهم باطن غير مرضي كما ذكره المشركون وطعنوا في دينهم فحسابهم عليهم لا يتعداهم إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم. وقيل ما عليك من حساب رزقهم أي من فقرهم. وقيل الضمير للمشركين والمعنى: لا تؤاخذ بحسابهم ولا هم بحسابك حتى يهمك إيمانهم بحيث تطرد المؤمنين طمعاً فيه. {فَتَطْرُدَهُمْ} فتبعدهم وهو جواب النفي {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} جواب النهي ويجوز عطفه على فتطردهم على وجه التسبب وفيه نظر. {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} ومثل ذلك الفتن، وهو اختلاف أحوال الناس في أمور الدنيا. {فَتَنَّا} أي ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدين فقدمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش بالسبق إلى الإِيمان. {لّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا} أي أهؤلاء من أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق لما يسعدهم دوننا، ونحن الأكابر والرؤساء وهم المساكين والضعفاء. وهو إنكار لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير كقولهم: {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ }تفسير : [الأحقاف: 11] واللام للعاقبة أو للتعليل على أن فتنا متضمن معنى خذلنا {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ } بمن يقع منه الإِيمان والشكر فيوقفه وبمن لا يقع منه فيخذله. {وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} الذين يؤمنون هم الذين يدعون ربهم وصفهم بالإِيمان بالقرآن واتباع الحجج بعدما وصفهم بالمواظبة على العبادة، وأمره بأن يبدأ بالتسليم أو يبلغ سلام الله تعالى إليهم ويبشرهم بسعة رحمة الله تعالى وفضله بعد النهي عن طردهم، إيذاناً بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرب ولا يطرد، ويعز ولا يذل، ويبشر من الله بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة. وقيل إن قوماً جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً فلم يرد عليهم شيئاً فانصرفوا فنزلت. {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا } استئناف بتفسير الرحمة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالفتح على البدل منها. {بِجَهَالَةٍ} في موضع الحال أي من عمل ذنباً جاهلاً بحقيقة ما يتبعه من المضار والمفاسد، كعمر فيما أشار إليه، أو ملتبساً بفعل الجهالة فإن ارتكاب ما يؤدي إلى الضرر من أفعال أهل السفه والجهل. {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ} بعد العمل أو السوء. {وَأَصْلَحَ} بالتدارك والعزم على أن لا يعود إليه. {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فتحه من فتح الأول غير نافع على إضمار مبتدأ أو خبر أي فأمره أو فله غفرانه. {وَكَذٰلِكَ } ومثل ذلك التفضيل الواضح. {نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } أي آيات القرآن في صفة المطيعين والمجرمين المصرين منهم والأوابين. {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} قرأ نافع بالتاء ونصب السبيل على معنى ولتستوضح يا محمد سبيلهم فتعامل كلا منهم بما يحق له فصلنا هذا التفصيل، وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم برفعه على معنى ولنبين سبيلهم، والباقون بالياء والرفع على تذكير السبيل فإنه يذكر ويؤنث، ويجوز أن يعطف على علة مقدرة أي نفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين.

ابن كثير

تفسير : يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} أي: لست أملكها، ولا أتصرف فيها، {وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} أي: ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، إنما ذاك من علم الله عز وجل، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه، {وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ} أي: ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر، يوحى إليّ من الله عز وجل، شرفني بذلك، وأنعم عليّ به، ولهذا قال: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ} أي: لست أخرج عنه قيد شبر، ولا أدنى منه، {قُلْ هَلْ يَسْتَوىِ ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} أي: هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه فلم ينقد له {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} وهذه كقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} تفسير : [الرعد: 19] وقوله: { وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد {أية : ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} تفسير : [المؤمنون:57] {أية : وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} تفسير : [الرعد: 21] {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} أي: يوم القيامة {لَيْسَ لَهُمْ} أي: يومئذ {مِّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} أي: لا قريب لهم، ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم، {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله عز وجل، {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} فيعملون في هذه الدار عملاً ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه. وقوله تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي: لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك؛ كقوله: {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} تفسير : [الكهف: 28]. وقوله: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} أي: يعبدونه ويسألونه {بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىِّ} قال سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وقتادة: المراد به الصلاة المكتوبة، وهذا كقوله: {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِىۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر: 60] أي: أتقبل منكم. وقوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي: يريدون بذلك العمل وجه الله الكريم، وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات، وقوله: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَىْءٍ} كقول نوح عليه السلام في جواب الذين {قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ}، أي: إنما حسابهم على الله عز وجل، وليس عليّ من حسابهم من شيء؛ كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء، وقوله: {فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: إن فعلت هذا والحالة هذه، قال الإمام أحمد: حدثنا أسباط، هو ابن محمد، حدثني أشعث عن كردوس، عن ابن مسعود: قال: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء؟ فنزل فيهم القرآن: {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} - إلى قوله - {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ} ورواه ابن جرير من طريق أشعث، عن كردوس، عن ابن مسعود، قال: مرّ الملأ من قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب، وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فنزلت هذه الآية: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} إلى آخر الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود، عن خباب، في قول الله عز وجل: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىِّ} قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب، قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم في نفر في أصحابه، فأتوه، فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب فضلنا؛ فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك، فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا، فاقعد معهم إن شئت، قال: «حديث : نعم»تفسير : ، قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا بصحيفة، ودعا علياً ليكتب، ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآية، فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه، ورواه ابن جرير من حديث أسباط به، وهذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر، وقال سفيان الثوري عن المقدام بن شريح عن أبيه، قال: قال سعد: نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم ابن مسعود، قال: كنا نستبق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وندنو منه ونسمع منه، فقالت قريش: تدني هؤلاء دوننا؟ فنزلت: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىِّ} رواه الحاكم في مستدركه من طريق سفيان، وقال: على شرط الشيخين، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق المقدام بن شريح به. وقوله: {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي: ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض، {لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح: {أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْى} تفسير : [هود: 27] الآية، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل، فقال له: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل، والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا؟ أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير؛ لو كان ما صاروا إليه خيراً، ويدعنا؛ كقولهم: {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ } تفسير : [الأحقاف: 11] وكقوله تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بِيِّنَـٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} تفسير : [مريم: 73] قال الله تعالى في جواب ذلك: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} تفسير : [مريم: 74] وقال في جوابهم حين قالوا: {أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ} أي: أليس هو أعلم بالشاكرين له؛ بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم؟ كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [العنكبوت: 69] وفي الحديث الصحيح: «حديث : إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله: {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} الآية، قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل في أشراف من بني عبد مناف، من أهل الكفر، إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمداً يطرد عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه، وتصديقنا له، قال: فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بذلك، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلى ما يصيرون من قولهم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} إلى قوله: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ} قال: وكانوا بلالاً وعمار بن ياسر وسالماً مولى أبي حذيفة وصبيحاً مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو ومسعود بن القارى، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمرو، وذو الشمالين، ومرثد ابن أبي مرثد، وأبو مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، وأشباههم من الحلفاء، فنزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} الآية، فلما نزلت، أقبل عمر رضي الله عنه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر من مقالته، فأنزل الله عز وجل: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآيَـٰتِنَا} الآية. وقوله: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أي: فأكرمهم بردّ السلام عليهم، وبشرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم، ولهذا قال: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} أي: أوجبها على نفسه الكريمة؛ تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً، {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ} قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل، وقال معتمر بن سليمان: عن الحكم بن أبان بن عكرمة، في قوله: {مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ} قال: الدنيا كلها جهالة، رواه ابن أبي حاتم، {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ} أي: رجع عما كان عليه من المعاصي، وأقلع وعزم على أن لا يعود، وأصلح العمل في المستقبل، {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لما قضى الله الخلق، كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي» تفسير : أخرجاه في الصحيحين، وهكذا رواه الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ورواه موسى بن عقبة عن الأعرج، عن أبي هريرة، وكذا رواه الليث وغيره عن محمد بن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وقد روى ابن مردويه من طريق الحكم بن أبان: عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق، أخرج كتاباً من تحت العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة أو قبضتين، فيخرج من النار خلقاً لم يعملوا خيراً، مكتوب بين أعينهم عتقاء الله» تفسير : وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان في قوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} قال: إنا نجد في التوراة عطفتين، أن الله خلق السموات والأرض، وخلق مائة رحمة، أو جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق، فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، قال: فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتباذلون، وبها يتزاورون، وبها تحن الناقة، وبها تَثَجُّ البقرة، وبها تثغو الشاة، وبها تتابع الطير، وبها تتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع، وقد روي هذا مرفوعاً من وجه آخر، وسيأتي كثير من الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله: {أية : وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ} تفسير : [الأعراف: 156] ومما يناسب هذه الآية من الأحاديث أيضاً، قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «حديث : أتدري ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً» تفسير : ثم قال: «حديث : أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم» تفسير : وقد رواه الإمام أحمد: من طريق كميل بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ } التي منها يرزق {وَلاَ } أَنِّي {أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } ما غاب عني ولم يُوحَ إليّ {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ } من الملائكة {إن } ما {أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلاْعْمَىٰ } الكافر {وَٱلْبَصِيرُ } المؤمن لا {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } في ذلك فتؤمنوا؟.

الشوكاني

. تفسير : أمره الله سبحانه بأن يخبرهم لما كثر اقتراحهم عليه وتعنتهم بإنزال الآيات التي تضطرهم إلى الإيمان، أنه لم يكن عنده خزائن الله حتى يأتيهم بما اقترحوه من الآيات، والمراد خزائن قدرته التي تشتمل على كل شيء من الأشياء ويقول لهم: إنه لا يعلم الغيب حتى يخبرهم به ويعرّفهم بما سيكون في مستقبل الدهر {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ } حتى تكلفوني من الأفعال الخارقة للعادة مالا يطيقه البشر. وليس في هذا ما يدل على أن الملائكة أفضل من الأنبياء. وقد اشتغل بهذه المفاضلة قوم من أهل العلم، ولا يترتب على ذلك فائدة دينية ولا دنيوية. بل الكلام في مثل هذا من الاشتغال بما لا يعني، "حديث : ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"تفسير : {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ} أي ما أتبع إلا ما يوحيه الله إليّ. وقد تمسك بذلك من لم يثبت اجتهاد الأنبياء عملاً بما يفيده القصر في هذه الآية، والمسألة مدوّنة في الأصول والأدلة عليها معروفة. وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أوتيت القرآن ومثله معه» تفسير : {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } هذا الاستفهام للإنكار، والمراد: أنه لا يستوي الضالّ والمهتدي، أو المسلم الكافر أو من اتبع ما أوحي إليه ومن لم يتبعه، والكلام تمثيل: {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } في ذلك حتى تعرفوا عدم الاستواء بينهما، فإنه بين لا يلتبس على من له أدنى عقل، وأقلّ تفكر. قوله: {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ } الإنذار: الإعلام، والضمير في به راجع إلى {ما يوحى}؛ وقيل إلى {الله}؛ وقيل إلى {اليوم الآخر}. وخص الذين يخافون أن يحشروا، لأن الإنذار يؤثر فيهم لما حلّ بهم من الخوف، بخلاف من لا يخاف الحشر من طوائف الكفر لجحوده به وإنكاره له، فإنه لا يؤثر فيه ذلك. قيل ومعنى يخافون: يعلمون ويتيقنون أنهم محشورون، فيشمل كل من آمن بالبعث من المسلمين، وأهل الذمة، وبعض المشركين. وقيل: معنى الخوف على حقيقته، والمعنى: أنه ينذر به من يظهر عليه الخوف من الحشر عند أن يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكره، وإن لم يكن مصدقاً به في الأصل، لكنه يخاف أن يصح ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فإن من كان كذلك تكون الموعظة فيه أنجع والتذكير له أنفع. قوله: {لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } الجملة في محل نصب على الحال أي أنذر به هؤلاء الذين يخافون الحشر حال كونهم لا وليّ لهم يواليهم ولا نصير يناصرهم، ولا شفيع يشفع لهم من دون الله، وفيه ردّ على من زعم من الكفار المعترفين بالحشر أن آباءهم يشفعون لهم، وهم أهل الكتاب، أو أن أصنامهم تشفع لهم، وهم المشركون. قوله: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } الدعاء العبادة مطلقاً. وقيل: المحافظة على صلاة الجماعة. وقيل: الذكر وقراءة القرآن. وقيل: المراد الدعاء لله بجلب النفع ودفع الضرر. قيل: والمراد بذكر الغداة والعشيّ الدوام على ذلك والاستمرار. وقيل: هو على ظاهره، و{يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } في محل نصب على الحال. والمعنى: أنهم مخلصون في عبادتهم لا يريدون بذلك إلا وجه الله تعالى، أي يتوجهون بذلك إليه لا إلى غيره. قوله: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء } هذا كلام معترض بين النهي وجوابه متضمن لنفي الحامل على الطرد، أي حساب هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقة لمن طلب ذلك منك هو على أنفسهم ما عليك منه شيء، وحسابك على نفسك ما عليهم منه شيء فعلام تطردهم؟ هذا على فرض صحة وصف من وصفهم بقوله: {أية : مَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } تفسير : [هود: 27] وطعن عندك في دينهم وحسبهم، فكيف وقد زكاهم الله عزّ وجلّ بالعبادة والإخلاص؟! وهذا هو مثل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام: 164] وقوله: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } تفسير : [النجم: 39]. وقوله: {أية : إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّى } تفسير : [الشعراء: 113]. قوله: {فَتَطْرُدَهُمْ } جواب النفي في قوله: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } وهو من تمام الاعتراض، أي إذا كان الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل، و"من" في {ما عليك من حسابهم من شيء} للتبعيض، والثانية للتوكيد. وكذا في {ما من حسابك عليهم من شيء}. قوله: {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } جواب للنهي أعني {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } أي فإن فعلت ذلك كنت من الظالمين، وحاشاه عن وقوع ذلك. وإنما هو من باب التعريض لئلا يفعل ذلك غيره صلى الله عليه وسلم من أهل الإسلام، كقوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65]. وقيل: إن {فتكون من الظالمين} معطوف على {فتطردهم} على طريق التسبب، والأوّل أولى. قوله: {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } أي مثل ذلك الفتن العظيم فتنا بعض الناس ببعض، والفتنة الإختبار، أي عاملناهم معاملة المختبرين، واللام في {لّيَقُولواْ } للعاقبة، أي ليقول البعض الأوّل مشيرين إلى البعض الثاني {أَهَـٰؤُلاء } الذين {مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } أي أكرمهم بإصابة الحق دوننا. قال النحاس: وهذا من المشكل، لأنه يقال كيف فتنوا ليقولوا هذا القول؟ وهو إن كان على طريقة الإنكار كفر، وأجاب بجوابين: الأوّل: أن ذلك واقع منهم على طريقة الاستفهام لا على سبيل الإنكار؛ والثاني: أنهم لما اختبروا بهذا كان عاقبة هذا القوم منهم كقوله: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص: 8]. قوله: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ } هذا الاستفهام للتقرير. والمعنى: أن مرجع الاستحقاق لنعم الله سبحانه هو الشكر، وهو أعلم بالشاكرين له، فما بالكم تعترضون بالجهل وتنكرون الفضل. قوله: {وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا } هم الذين نهاه الله عن طردهم وهم المستضعفون من المؤمنين، كما سيأتي بيانه: {فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ } أمره الله بأن يقول لهم هذا القول تطييباً لخواطرهم، وإكراماً لهم. والسلام، والسلامة: بمعنى واحد، فمعنى سلام عليكم: سلمكم الله. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إذا رآهم بدأهم بالسلام. وقيل: إن هذا السلام هو من جهة الله، أي أبلغهم منا السلام. قوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } أي أوجب ذلك إيجاب فضل وإحسان. وقيل: كتب ذلك في اللوح المحفوظ. قيل: هذا من جملة ما أمره الله سبحانه بإبلاغه إلى أولئك الذين أمره بإبلاغ السلام إليهم تبشيراً بسعة مغفرة الله، وعظيم رحمته. قوله: {أَنَّهُ من عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ} قرأ ابن عامر، وعاصم، ونافع بفتح "أن" من {أنه}، وقرأ الباقون بكسرها. فعلى القراءة الأولى: تكون هذه الجملة بدلاً من الرحمة، أي كتب ربكم على نفسه أنه من عمل إلى آخره. وعلى القراءة الثانية: تكون هذه الجملة مفسرة للرحمة بطريق الاستئناف وموضع بجهالة النصب على الحال، أي عمله وهو جاهل. قيل: والمعنى أنه فعل فعل الجاهلين؛ لأن من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة مع علمه بذلك أو ظنه، فقد فعل فعل أهل الجهل والسفه، لا فعل أهل الحكمة والتدبير. وقيل المعنى: أنه عمل ذلك وهو جاهل لما يتعلق به من المضرة، فتكون فائدة التقييد بالجهالة الإيذان بأن المؤمن لا يباشر ما يعلم أنه يؤدي إلى الضرر. قوله: {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ } أي من بعد عمله {وَأَصْلَحَ } ما أفسده بالمعصية، فراجع الصواب وعمل الطاعة {فَإنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. قرأ ابن عامر، وعاصم، بفتح الهمزة من «فإنه»، وقرأ الباقون بالكسر. فعلى القراءة الأولى تكون أن وما بعدها خبر مبتدأ محذوف، أي فأمره أن الله غفور رحيم، وهذا اختيار سيبويه، واختار أبو حاتم أن الجملة في محل رفع على الابتداء، والخبر مضمر، كأنه قيل: فله "أَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" قال لأن المبتدأ هو ما بعد الفاء. وأما على القراءة الثانية: فالجملة مستأنفة. قوله: {وَكَذَلِكَ نفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } أي مثل ذلك التفصيل نفصلها، والتفصيل التبيين، والمعنى: أن الله فصل لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين، وبين لهم حكم كل طائفة. قوله: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ }. قال الكوفيون: هو معطوف على مقدّر، أي وكذلك نفصل الآيات لنبين لكم ولتستبين. قال النحاس: وهذا الحذف لا يحتاج إليه. وقيل: إن دخول الواو للعطف على المعنى. قرىء {لتستبين} بالفوقية والتحتية، فالخطاب على الفوقية للنبي صلى الله عليه وسلم، أي لتستبين يا محمد سبيل المجرمين، وسبيل منصوب على قراءة نافع. وأما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وحفص بالرفع، فالفعل مسند إلى سبيل وأما على التحتية فالفعل مسند إلى سبيل أيضاً، وهي قراءة حمزة والكسائي وشعبة بالرفع، وإذا استبان سبيل المجرمين فقد استبان سبيل المؤمنين. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } قال: الأعمى الكافر، الذي عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه، والبصير: العبد المؤمن، الذي أبصر بصراً نافعاً فوحد الله وحده، وعمل بطاعة ربه، وانتفع بما أتاه الله. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن عبد الله بن مسعود : قال مرّ الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده صهيب، وعمار، وبلال، وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك {أَهَـؤُلاء مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } أنحن نكون تبعاً لهؤلاء، اطردهم عنا فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فأنزل الله فيهم القرآن {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ } إلى قوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ }. وقد أخرج هذا السبب مطوّلاً ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة، وفيه: إن الذين جاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل، والحارث بن عامر بن نوفل، ومطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل في أشراف الكفار من عبد مناف. وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن ماجه وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الدلائل، عن خباب قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فذكر نحو حديث عبد الله بن مسعود مطوّلاً. قال ابن كثير: هذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر. وأخرج مسلم والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم، عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة: أنا وعبد الله بن مسعود، وبلال، ورجل من هذيل، ورجلان لست أسميهما، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ }. وقد روي في بيان السبب روايات موافقة لما ذكرنا في المعنى. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ } قال: يعني الصلاة المكتوبة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: الصلاة المكتوبة الصبح والعصر. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن إبراهيم النخعي في الآية قال: هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر. قال سفيان: أي أهل الفقه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } يعني: أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء، فقال الأغنياء للفقراء {أَهَـؤُلاء مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } يعني: أهؤلاء هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {أَهَـٰؤُلاء ٱلَّذِينَ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } أي لو كان لهم كرامة على الله ما أصابهم هذا الجهد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ماهان قال: أتى قوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً فما ردّ عليهم شيئاً فانصرفوا، فأنزل الله: {وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا } الآية، فدعاهم فقرأها عليهم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال: أخبرت أن قوله: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بدأهم بالسلام، فقال {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } وإذا لقيهم فكذلك أيضاً. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {وَكَذَلِكَ نفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } قال: نبين الآيات. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ } قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.

ابن عطية

تفسير : هذا من الرد على القائلين لولا أنزل عليه آية والطالبين أن ينزل ملك أو تكون له جنة أو أكثر أو نحو هذا، والمعنى: لست بهذه الصفات فيلزمني أن أجيبكم باقتراحاتكم، وقوله {لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب} يحتمل معنيين أظهرهما أن يريد أنه بشر لا شيء عنده من خزائن الله ولا من قدرته ولا يعلم شيئاً مما غيب عنه، والآخر أنه ليس بإله فكأنه قال لا أقول لكم إني أتصف بأوصاف إله في أن عندي خزائنه وأني أعلم الغيب، وهذا هو قول الطبري وتعطي قوة اللفظ في هذه الآية الملك أفضل من البشر، وليس ذلك بلازم من هذا الموضع، وإنما الذي يلزم منه أن الملك أعظم موقعاً في نفوسم وأقرب إلى الله، والتفضيل يعطيه المعنى عطاء خفياً وهو ظاهر من آيات آخر، وهي مسألة خلاف، و {ما يوحى} يريد القرآن وسائر ما يأتي به الملك، أي وفي ذلك عبر وآية لمن تأمل ونظر، وقوله تعالى {قل هل يستوي} الآية، أي قل لهم إنه لا يستوي الناظر المفكر في الآيات أو المعرض الكافر المهمل للنظر، فالأعمى والبصير مثالان للمؤمن والكافر، أي ففكروا أنتم وانظروا وجاء الأمر بالفكرة في عبارة العرض والتحضيض و {أنذر} عطف على {قل} ، والنبي عليه السلام مأمور بإنذار جميع الخلائق، وإنما وقع التحضيض هنا بحسب المعنى الذي قصد، وذلك أن فيما تقدم من الآيات نوعاً من اليائس في الأغلب عن هؤلاء الكفرة الذين قد قال فيهم أيضاً {أية : أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} تفسير : [البقرة:6، يس:10] فكأنه قيل له هنا: قل لهؤلاء الكفرة المعرضين كذا ودعهم ورأيهم لأنفسهم وأنذر بالقرآن هؤلاء الآخرين الذين هم مظنة الإيمان وأهل للانتفاع، ولم يرد أنه لا ينذر سواهم، بل الإنذار العام ثابت مستقر، والضمير في {به} عائد على {ما يوحى} "ويخافون" على بابها في الخوف أي الذين يخافون ما تحققوه من أن يحشروا ويستعدون لذلك، ورب متحقق لشيء مخوف وهو لقلة النظر والحزم لا يخافه ولا يستعد له. قال القاضي ابو محمد: وقال الطبري: وقيل {يخافون} هنا بمعنى يعلمون، وهذا غير لازم، وقوله {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} يعم بنفس اللفظ كل مؤمن بالبعث من مسلم ويهودي ونصراني، وقوله {ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} يحتمل معنيين فإن جعلناه داخلاً في الخوف في موضع نصب على الحال أي يخافون أن يحشروا في حال من لا ولي له ولا شفيع، فهي مختصة بالمؤمنين المسلمين ولأن اليهود والنصارى يزعمون أن لهم شفعاء وأنهم أبناء الله ونحو هذا من الأباطيل، وإن جعلنا قوله: {ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} إخباراً من الله تعالى عن صفة الحال يؤمئذ فهي عامة للمسلمين وأهل الكتاب و {لعلهم يتقون} ترجٍّ على حسب ما يرى البشر ويعطيه نظرهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {خَزَآئِنَ اللَّهِ} من الرزق فلا أقدر على إغناء ولا إفقار، أو خزائن العذاب لأنه لما خوّفهم به استعجلوه استهزاء. {وَلآ أَعْلَمُ الْغَيْبَ} في نزول العذاب، أو جميع الغيوب. {إِنِّى مَلَكٌ} تفضيل للملك، أي لا أدّعي منزلة ليست لي، أو لست ملكاً في السماء فأعلم الغيب الذي تشاهده الملائكة ولا يعلمه البشر، فلا تفضيل فيه للملك على النبيّ.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالَىٰ: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ ٱللَّهِ وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ...} الآية: هذا مِنَ الرَّدِّ على القائلين: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ } تفسير : [الأنعام:37] والطَّالِبِينَ أنْ ينزَّل ملَكٌ، أو تكونَ له جَنَّةٌ أو كَنْزٌ، ونَحْوُ هَذَا، والمعنَىٰ: إنما أنا بشر، وإنما أَتَّبِعُ ما يُوحَىٰ إليَّ، وهو القرآنُ وسَائِرُ ما يأتيه مِنَ اللَّه سبحانه، أي: وفي ذلك عِبَرٌ وآياتٌ لمن تأمَّل. وقوله سبحانه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}، أي: هل يستوي المؤمِنُ المُفَكِّرُ في الآياتِ، معِ الكافِرِ المُعْرِضِ عَنِ النَّظَر؛ أفلا تتفكَّرون، وجاء الأمر بالفِكْرة في عبارة العَرْض والتَّحْضيض. وقوله تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ}، أي: وأنذر بالقرآن الذين هُمْ مَظِنَّةُ الإيمان، وأهْلٌ للاِنتفاعِ، والضميرُ في {بِهِ} عائدٌ على ما يُوحَىٰ. وقوله سبحانه: {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ}: إخبارٌ من اللَّه سبحانه عَنْ صفة الحالِ يَوْمَ الحَشْرِ، قال الفَخْر: قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}: قال ابن عَبَّاس: معناه: وأنذرهم لكَيْ يخافوا في الدنيا، وينتهوا عن الكُفْر والمعاصِي. انتهى. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}: المرادُ بـ {ٱلَّذِينَ} ضَعَفَةَ المُؤْمنين في ذلك الوَقْت في أمور الدُّنْيا؛ كَبَلاَلٍ، وصُهَيْبٍ، وعَمَّارٍ، وَخَبَّابٍ، وصُبَيْحٍ، وذي الشِّمَالَيْنِ والمِقْدَادِ، ونحوِهِمْ، وسببُ الآية أنَّ بعض أشراف الكُفَّار قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: نَحْنُ لِشَرَفِنَا وأقْدَارِنَا لاَ يُمْكِنُنَا أنْ نختلطَ بهؤلاءِ، فلو طَرَدْتَّهم، لأتَّبَعْنَاكَ، وَرَدَ في ذلك حديثٌ عن ابْنِ مسعود، وظاهر الأمر أنهم أرادوا بذلك الخَدِيعَةَ، فنزلَتِ الآية، و {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}: قال الحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن: المراد به صلاةُ مكَّة الَّتي كانَتْ مرَّتين في اليومِ بُكْرةً وعَشِيًّا، وقيل: قوله: {بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}: عبارةٌ عن ٱستمرار الفعْلِ، وأنَّ الزمان معمورٌ به، والمرادُ علَىٰ هذا التأويل، قيل: الصلواتُ الخَمْس؛ قاله ابنُ عَبَّاس وغيره، وقيل: الدُّعاء، وذِكْرُ اللَّه، واللفظةُ علَىٰ وجهها، وقيل: القُرآنُ وتعلُّمه؛ قاله أبو جعفر، وقيل: العبادةُ؛ قاله الضَّحَّاك. وقوله تعالى: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} قلتُ: قال الغَزَّالِيُّ في «الجَوَاهر»: النيةُ والعَمَلُ؛ بهما تمامُ العبادةِ، فالنِّيَّة أحد جُزْأيِ العبَادةِ، لكنها خير الجزأَيْن، ومعنى النيَّة إرادةُ وَجْه اللَّه سبحانه بالعَمَلِ، قال اللَّه تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}، ومعنى إخلاصها تصفيةُ الباعِثِ عن الشوائِبِ، ثم قال الغَزَّالِيُّ: وإذا عرفْتَ فَضْل النية، وأنَّها تحلُّ حَدَقَةَ المقْصود، فٱجتهدْ أنْ تستكثر مِنَ النِّيَّة في جميع أعمالِكَ؛ حتى تنوي بعملٍ واحدٍ نيَّاتٍ كثيرةً، فٱجتهد ولو صَدَقَتْ رغبتُكَ، لَهُدِيتَ لطريقِ رشدك. انتهى. وقوله سبحانه: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْءٍ}، قال الحَسَنُ والجمهورُ: أيْ: مِنْ حسابِ عملهم، والمعنَىٰ: أنك لم تُكَلَّفْ شيئاً غيْرَ دعائهم، وقوله: {فَتَطْرُدَهُمْ}: هو جوابُ النفْيِ في قوله: {مَا عَلَيْكَ}، وقوله: {فَتَكُونُ}: جوابُ النهْيِ في قوله: {وَلاَ تَطْرُدِ}. و {فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}، أي: ٱبتلينا، و {لِّيَقُولواْ}: معناه: ليصيرَ بحُكْم القَدَرِ أمرُهُمْ إلى أن يقولُوا؛ علَىٰ جهة الاِستخْفَافِ والهُزْء: {أَهَـؤُلاء مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا}، فاللامُ في {لِّيَقُولواْ}: لامُ الصَّيْرورة. وقوله سبحانه: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ}، أيْ: يأيُّها المستخفُّون، ليس الأمر أمر ٱستخفاف، فاللَّه أعلَمُ بمَنْ يشكر نعمه.

ابن عادل

تفسير : هذا بقية الكلام على قوله: "لولا أنزل عليه آية من ربه" فقال الله تعالى: قل لهؤلاء الأقوام: إني بُعِثْتُ مبشّراً ومنذراً وليس لي أن أتَحَكَّمَ على اللَّهِ. واعلم أن القَوْمَ كانوا يقولون: إن كنت رَسُولاً من عند الله فَاطْلُبْ من الله حتى يُوَسِّعَ عَلْينَا مَنَافِعَ الدُّنْيَا وخَيْرَاتِهَا، فقال الله تعالى: قل لهم "إني لا أقول لكم عندي خزائن الله"، فهو - تعالى - يؤتي المُلْكَ من يشاء، ويُعِزُّ من يَشَاءُ، ويُذِلُّ من يشاء، لا بيدي. الخَزَائنُ: جمع "خزانة"، وهو اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخَزْنُ الشيء إحرازه بحيث لا تَنَالُهُ الأيْدِي. قوله: {وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْب} في مَحَلِّ هذه الجملة وَجْهَان: أحدهما: النَّصْبُ عَطْفاً على قوله: {عِنْدِي خزائِنُ ٱللَّهِ} لأنه من جملة المَقُول، كأنه قال: "لا أقُولُ لكم هذا القول، ولا هذا القول". قال الزمخشري. وفيه نَظَرٌ من حيث إنه يُؤدِّي إلى أنه يصير التقدير: ولا أقُولُ لكم: لا أعلم الغَيْبَ وليس بصحيح. والثاني: أنه معطوف على "لا أقول" لا مَعْمُولٌ له، فهو أمَرَ أن يخبر عن نَفْسِهِ بهذه الجُمَلِ الثلاث فهي معمولة للأمر الذي هو "قل"، وهذا تخريج أبي حيَّان قال بعد أن حكى قول الزَّمخشري: "ولا يتَعيَّنُ ما قاله، بل الظَّاهرُ أنه مَعْطُوفٌ على لا أقول" إلى آخرة. فصل في معنى الآية والمعنى: أن القوم يقولون: إن كنت رَسُولاً من عند اللَّهِ، فلا بُدَّ وأن تخبرنا عمَّا سَيَقَعُ في المستقبل من المَصَالِحِ المضارِّ حتى نَسْتَعِدَّ لتحصيل تلك المنافع، ولدفع تلك المَضَارِّ، فقال تعالى: "قل: إني لا أعلم الغيب ولا أقول: إنّي ملك" ومعناه: أنهم كانوا يقولون: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاق} تفسير : [الفرقان:7] ويتزوج ويخالط الناس، فقال تعالى: قل لهم: إني لست من الملائكة. فصل في بيان فائدة هذه الأحوال اختلفوا في الفائدةِ من ذكر هذه الأحْوَالِ الثلاثة، فقيل: المرادُ منه أن يَظْهِرَ الرسول من نَفْسِه التَّواضُع للّه، والاعتراف بِعُبُوديَّتِهِ حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النَّصارى في المسيح عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقيل: إن القوم كاوا يَقْتَرِحُون عليه إظْهَارَ المعجزات القاهرة، كقولهم: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُر لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} تفسير : [الإسراء:90] فقال تعالى في آخر الآية: {أية : قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء:93] يعني: أنَا لا أدَّعِي إلاَّ الرسالةَ والنُّبُوَّة، وهذه الأمور التي طلبتموها، فلا يمكن تحصيلها إلاَّ بقدرة الله. وقيل: المُرَادُ من قوله: {لا أقُولُ لكُمْ عِنْدِي خزائِنُ ٱللَّهِ}، أي: لا أدَّعي كوني مَوْصُوفاً بالقُدْرَةِ، ولا أعلم الغَيْبَ، أي: ولا أدَّعي كَوْنِي موصوفاً بعلم الله تعالى، وبمجموع هَذَيْنِ الكلامين حَصَلَ أنه لا يدَّعِي الإلهيَّة. ثُمَّ قال: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} وذلك؛ لأنه ليس بعد الإلهيَّةِ دَرَجَةٌ أعلى حالاً من الملائكة فصار حاصل الكلام كأنَّهُ يقول: لا أدَّعي الإلهية، ولا أدَّعي الملكيَّة، ولكن أدَّعي الرِّسالة، وهذا مَنْصِبٌ لا يمتنع حصُوله [للبشر] فكيف أطْبَقْتُمْ على استنكار قولي. فصل في رد شبهة الجبائي في تفضيل الملائكة قال الجُبَّائي: دَلَّتِ الآية على أنَّ الملكَ أفْضَلُ من الأنبياء؛ لأن [معنى الكلام] لا أدَّعي مَنْزِلَةً أقْوَى من مَنْزِلَتِي، ولولا أن المَلك أفضل، وإلاَّ لم يصح. قال القاضي: إن كان الغرض بها نفي طريقة التَّواضُعِ، فالأقرب يَدُلُّ على أن الملكَ أفْضَلُ، وإن كان المراد نَفْيَ قدرته عن أفعالٍ لا يقوى عليها إلاَّ الملائكة لم يَدُلَّ على كونه أفْضَلَ. قوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ}. يَدُلُّ على أنه لا يعمل إلاَّ بالوَحْي، وأنه لم يكن يحكم من تِلْقَاء نفسه في شيء من الأحكام، وأنَّهُ ما كان يجتهد، ويؤكد ذلك قوله تعالى: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} تفسير : [النجم:3، 4]. واسْتَدَلَّ نُفَاةُ القياس بهذا النصّ، قالوا: لأنَّهُ عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كان يَعْمَلُ إلا بالوَحْي النَّازِلِ، فوجبَ ألاَّ يجوز لأحدٍ من أمَّتِهِ أن يعمل إلاَّ بالوَحْيِ النَّازل، ولقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُوهُ} تفسير : [الأعراف: 158] وذلك ينفي جواز العمل بالقياسِ. ثم أكَّدَ ذلك بقوله: {هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}، وذلك لأن العمل بغير الوَحْي يجري مجرى عَمَل الأعمى، والعملُ بمقتضى نزول الوَحْي يجري مجرى عملِ البصيرِ، ثم قال تعالى: {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ}. والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العَاقِلِ أن يعرف الفَرْقَ بين هذيْنِ البَابَيْنِ، وألاَّ يكون غَافِلاً عن معرفة الله.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} [الآية: 50]. قال بعضهم: الأعمى من عمى عن طريق رشده والقائم مع عبادته، والبصير الناظر إلى منن الحق عليه وحسن توليه له أفلا تتفكرون فى اختلاف السبيلين وبيان المذهبين.

القشيري

تفسير : يعني قل لهم إني لا أتخطى خطي، ولا أتعدَّى حدِّي، ولا أُثْبِتُ من ذات نفسي شيئاً، وإنما يقال لي أَبلَّغْتَ؟ وأقول: أَجَلَ، أَوْصَلْتُ. ثم قال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}: هل يتشاكل الضوءُ والظلام؟ وهل يتماثل الجُحْدُ والتوحيد؟ كلا... لا يكون ذلك.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} اى هل يستوى الاعمى عن النظر الى غير الذى لم يبق له عين من نفسه الا من عيونى والبصر بنور ملكى وملكوتى افلا تتفكرون بين الفانى والباقى على وفيه شرف المصطفى صلوات الله عليه وأله حين تجرد فى العبودية وتفريد التوحيد بنفى الانانية عن نفسه واسقطاه الحدث عن ساحة القدم حين امر قوله تعالى {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} ونزه نبوته عن التكلف فى اقتباس علم الغيب بالحد والسعى بقوله تعالى {وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْب} وتواضع حين اقام نفسه مقام الانسانية بعد ان كان اشرف خلق الله منا لعرش الى الثرى واظهر من الكروبيين والروحانيين على باب سبحانه خضوعا لجبروته وخشوعا فى ابواب ملكوته قوله تعالى {وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ } ولي لى اختيار فى نبوتى {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} من هذا وصفه بعد كونه بصير بنور اله ورأه به كالذى اعمى عن رية احطته بكل ذرة من العرش الى الثرى افلا تتكفرون ان من ولد من العدم بصير بنور القدم ليس كمن ولد من العدم اعمى عن روية عظمته وجلاله قال بعضهم الاعمى من عمى عن طريق رشده والقائم مع عبادته والبصير الناظر الى ممن الحق عليه وحسن توليته له افلا تتفكرون فى اختىف السبيلين وتبائن المذهبين قال الاستاد هل يتشاكل الضؤ والظلام وهل يتماثل الجحد والتوحيد كلا ان يكون كذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد للكفرة الذين يقترحون عليك تارة تنزيل الآيات واخرى غير ذلك {لا أقول لكم عندى خزائن الله} اى لا ادعى ان خزائن مقدوراته تعالى مفوضة الىّ اتصرف فيها كيف اشاء استقلالا واستدعاء حتى تقترحوا علىّ تنزيل الآيات او انزال العذاب او قلب الجبال ذهبا او غير ذلك مما لا يليق بشأنى فالخزائن جمع خزينة بمعنى مخزونة. قال الحدادى وليس خزائن الله مثل خزائن العباد وانما خزائن الله تعالى خزائن مقدوراته التى لا توجد الا بتكوينه اياها ويجوز ان يكون جمع خزانة وهى اسم للمكان الذى يخزن فيه الشئ وخزن الشئ احرازه بحيث لا تناله الايدى وكانوا يقولون ان كنت رسولا من عند الله تعالى فوسع علينا منافع الدنيا وخيراتها فالمعنى لا ادعى ان مفاتيح الرزق بيدى فاقبض وابسط {ولا اعلم الغيب} عطف على محل عندى خزائن الله ولا مزيده مذكرة للنفى اى ولا ادعى ايضا انى اعلم الغيب من افعاله تعالى حتى تسألونى عن وقت الساعة او وقت نزول العذاب او نحوهما {ولا اقول لكم انى ملك} من الملائكة حتى تكلفونى من الافاعيل الخارقة للعادات ما لا يطيق به البشر من الرقى الى السماء ونحوه او تعدوا عدم اتصافى بصفاتهم قادحا فى امرى كما ينبئ عنه قولهم {أية : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق} تفسير : [الفرقان: 7] والمعنى انى لا ادعى شيئاً من هذه الاشياء الثلاثة حتى تقترحوا علىّ ما هو من آثارها واحكامها وتجعلوا عدم اجابتى الى ذلك دليلا على عدم صحة ما ادعيه من الرسالة التى لا تعلق لها بشئ مما ذكر قطعا بل انما هى عبارة عن تلقى الوحى من جهته عز وجل والعمل بمقتضاه فحسب حسبما ينبئ عنه قوله تعالى {ان اتبع الا ما يوحى الىّ} الى ما افعل الا اتباع ما يوحى الىّ من غير ان يكون لى مدخل ما فى الوحى او فى الموحى بطريق الاستدعاء او بوجه آخر من الوجوه اصلا والوحى ثلاثة. ما ثبت بلسان الملك والقرآن من هذا القبيل. وما ثبت باشارة الملك من غير ان يبينه بالكلام واليه الاشارة بقوله عليه السلام "حديث : ان روح القدس نفث فى روعى ان نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها ."تفسير : والثالث ما تبدى لقلبه اى ظهر لقلبه بلا شبهة الهاما من الله تعالى بان اراه الله بنور من عنده كما قال {أية : لتحكم بين الناس بما أراك الله} تفسير : [النساء: 105]. وابى الاشعرية واكثر المتكلمين ان يحكم عليه السلام بالاجتهاد كما تدل عليه الآية اذ ثبت بها انه لا يتبع الا الوحى. والجواب انه جعل اجتهاده عليه السلام وحيا باعتبار المآل فان تقريره عليه السلام على اجتهاده يدل على انه هو الحق كما اذا ثبت بالوحى ابتداء {قل هل يستوى الاعمى والبصير} مثل للضال والمهتدى فانه عليه السلام لما وصف نفسه بكونه متبعا للوحى الالهى لزم منه ان يصف نفسه بالاهتداء ويصف من عانده واستبعد دعواه بالضلال فالعمل بغير الوحى يجرى مجرى عمل الاعمى والعمل بمقتضى الوحى يجرى مجرى عمل البصير {أفلا تتفكرون} اى ألا تسمعون هذا الكلام الحق فلا تتفكرون فيه فتهتدوا باتباع الوحى والعمل بمقتضاه فمناط التوبيخ عدم الامرين معا اى الاستماع والتفكر.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم يا محمد: أنا {لا أقول لكم عندي خزائن الله} فآتيكم منها بكل ما تقترحون عليَّ من المعجزات، بل خزائن مقدوراته تعالى في علم غيبه، ليس لي منها إلا ما يُظهره منها بقدرته، {ولا أعلم الغيب} حتى أخبركم بالمغيبات، بل مفاتيح الغيب عنده، لا يعلمها إلا هو، إلا ما يُوحى إليّ منها، {ولا أقول لكم إني ملك} فأستغنى عن الطعام والشراب، أو أقدر على ما يقدر عليه الملك، إن أنا إلا بشر أوحى إليَّ أن أنذركم، فأتبع ما يوحى إليّ؛ وأتبرأُ من دعوى الألوهية والملكية، وأدعي النبوة التي هي من كمالات البشر. {قل} لهم: {هل يستوى الأعمى} الذي هو ضال جاهل، {والبصير} الذي هو مهتدٍ عالم، أو: هل يستوي مدعي المستحيل؛ كالألوهية والمَلَكية ومُدَّعي الحق، كالنبوة والرسالة، {أفلا تتفكرون} فتميزوا بين ادعاء الحق والباطل، فتهتدوا إلى اتباع الحق وتجنب الباطل. الإشارة: ما قالته الرسل للكفار حين اقترحوا عليهم المعجزات، تقوله الأولياء لأهل الإنكار، حيث يطلبون منهم الكرامات، وتقول لهم: إن نتبع إلا ما أمرنا به ربنا وسنّه لنا رسولُنا، فمن اهتدى وتبصر فلنفسه، ومن عمى فعليها. وقال الورتجبي ـ بعد قوله ـ: {ولا أقول لكم إني مالك}: تواضع صلى الله عليه وسلم حين أقام نفسه مقام الإنسانية، بعد أن كان أشرف خلق الله من العرش إلى الثرى، وأظهر من الكروبيين والروحانيين على باب الله سبحانه، خضوعًا لجبروته، وخُنوعًا في أنوار ملكوته، بقوله: {ولا أقول لكم إني ملك}، وليس لي اختيارٌ في نبوتي، {إن اتبع إلا ما يوحى إليّ}. هل يكون من هذا وصفه، بعد كونه بصيرًا بنور الله، ورأفته به، كالذي عمي عن رؤية إحاطته بكل ذرة من العرش إلى الثرى؟ أفلا تتفكرون أن من ولد من العدم بصيرًا بنور القدم، ليس كمن ولد من العدم أعمى عن رؤية عظمته وجلاله. انتهى كلامه. ثم أمره بالإنذار لمن ينتفع به، فقال: {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ}.

الطوسي

تفسير : امر الله تعالى نبيه محمدا (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لعباده: {لا أقول لكم عندي خزائن الله} اغنيكم منها {ولا أعلم الغيب} الذي يختص بعلم الله تعالى فاعرفكم مصالح دنياكم، وانما اعلم قدر ما يعلمني الله من امر البعث والجنة والنار، وغير ذلك، ولا ادعي اني ملك، لاني انسان تعرفون نسبي، لا اقدر على ما يقدر عليه الملك، وما أتبع الا ما يوحي الله به إِلي. وبين لهم ان الملك من عند الله، والوحي هو البيان الذي ليس بايضاح نحو الاشارة والدلالة، لان كلام الملك كان له على هذا الوجه. وانما امره بأن يقول ذلك لئلا يدعوا فيه ما أدعت النصارى في المسيح، ولئلا ينزلوه منزلة خلاف ما يستحقه. ثم امره بأن يقول لهم: {هل يستوي الأعمى والبصير} أي هل يستوي العارف بالله تعالى وبدينه العالم به مع الجاهل به وبدينه، فجعل الاعمى مثلا للجاهل والبصير مثلا للعارف بالله ونبيه، هذا قول الحسن والجبائي. وقال البلخي: معناه هل يستوي من صدق على نفسه واعترف بحاله التي هو عليها من الحاجة والعبودية لخالقه، ومن ذهب عن البيان وعمي عن الحق {أفلا تتكفرون} فتنصفوا من أنفسكم وتعملوا بالواجب عليكم من الاقرار بوحدانيته تعالى ونفي الشركاء والتشبيه عنه، وهذا وان كان لفظه لفظ الاستفهام فالمراد به الاخبار أي انهما لا يستويان. وقال مجاهد: الاعمى الضال والبصير المهتدي. ثم قال: {أفلا تتفكرون} تنبيها لهم على الفكر في ما يدعوهم الى معرفته ويدلهم عليه من آياته وأمثاله التي بينها في كتابه، للفرق بين الحق والباطل، والكافر والمؤمن. وقال الحسن: {لا أقول لكم عندي خزائن الله} يعني خزائن الغيب الذي فيه العذاب لقولهم: ائتنا بعذاب الله، ولا اعلم الغيب متى يأتيكم العذاب {ولا أقول لكم إني ملك} من ملائكة الله. وانما أنا بشر تعرفون نسبي. ولكني رسول الله يوحى الي، ولا أتبع الا ما يوحى الي ولا أؤدي الا ما يأمرني بأدائه واستدل الجبائي والبلخي وغيرهما بهذه الآية على ان الملائكة افضل من الانبياء لانه قال {ولا أقول لكم إني ملك} فلولا ان الملائكة أفضل وأعلى منزلة ما جاز ذلك. وهذا ليس بشىء لان الفضل الذي هو كثرة الثواب لا معنى له ها هنا، وانما المراد {ولا أقول إني ملك} فاشاهد من امر الله وغيبته عن العباد ما يشاهده الملائكة المقربون المختصون بملكوت السماوات وان لم يكن في ذلك استحقاق ثواب زائد.

الجنابذي

تفسير : {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} يعنى تنزّل الى مقام البشريّة ودارهم بحسب بشريّتك وأظهر ما هو لازمها حتّى يروك مثلهم فلا ينفروا عنك فقل: ليس عندى خزائن الله فتطالبونى بمال كثيرٍ {وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} فتطالبونى بالاخبار المغيبات {وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} فتطالبونى بما يقدر الملك عليه من الصّعود فى السّماء واتيان كتابٍ منه وامثال ذلك {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} فى كلّ بابٍ من الاحكام والآيات الّتى يظهرها الله على يدى والاخبار بالمغيبات {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ} عن النّبوّات وكيفيّتها {وَٱلْبَصِيرُ} بها وبانّ النّبىّ لا يجوز ان يكون غير البشر يجرى عليه كلّ ما يجرى على سائر افراده، الا انّه يعلم بتعليم الله ما لا يعلمه غيره ويوحى اليه ولا يوحى الى غيره {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} فى عدم التّسوية حتّى تخرجوا من ظلمة العمى الى نور البصر.

اطفيش

تفسير : {قُلْ لا أقُول لَكُم عِنْدى خَزائنُ اللهِ} جمع خزينة بمعنى مخزونة، أى ليس بيدى مقدورات الله، أو نعمه المخزونة عنده، أو جمع خزانة وهى الموضع الذى خزن فيه النعم أو غيرها، والمراد هنا النعم أو ما يوصل إليها، قالوا إن كنت رسولا من الله فاطلب منه أن يوسع رزقنا، ويزيل عنا فقرنا، وطلبوا أن تكون له جنة، أو كنز، ويحتمل أن تكون الخزائن بمعنى المقدورات نعماً أو غيرها، لقولهم أو ترقى فى السماء، ولا أدعى القدرة اللائقة بالله جل وعلا، فنزلت الآية فى ذلك، وفى قولهم: إن كنت رسولا من الله فاطلب من الله تعالى، فأخبرنا بما يقع فى المستقبل من المصالح والمضار، حتى تستعد لتحصيل المصالح ودفع المضار، كما قال الله تعالى. {ولا أعْلم الغَيْبَ} إلا ما علمنى الله، فكيف أخبركم بما يستقبل من النفع والضر، وفى قولهم: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق، وقولهم: ماله يخالط الناس ويتزوج النساء كما قال الله عز وجل. {ولا أقُول لَكُم إنِّى مَلكٌ} لا يأكل ولا يدخل السوق لحاجته يقضيها منه، ولا يخالط الناس لنحو ذلك، ولا يتزوج النساء، ولا أقول لكم أقدر على ما يقدر الملائكة عليه {إنْ أتَّبع} أى اعتقادى وعملى وقولى لكم ولغيركم {إلا ما يُوحَى إلىَّ} من القرآن وسائر الوحى، ولست أدعى الألوهية لأن الإله عالم الغيب، وقادر على كل شئ، والآية يتبادر منها أنه صلى الله عليه وسلم لا يجتهد، بل يفتى بالوحى فقط، والجواب أن الحصر إضافى إذ المراد به نفى ما يقترحونه عن نفسه. {قلْ هَل يسْتَوى الأعْمَى والبَصِير} فيقولون لا يستويان، فكذلك الكافر والمؤمن، فالأعمى والبصير حقيقتان، ويجوز أن يراد بهما الكافر والمؤمن استعارة تشبيها للكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير، ويجوز فى وجه الحقيقة ووجه الاستعارة أن يعتبر فى الأعمى والبصير جانب المضل والمهتدى، أو جانب الجاهل والعالم، أو جانب مدعى المستحيل كالألوهية والملكية، ومدعى المستقيم كالنبوة بالمعجزات. {أفلا تتفكَّرونَ} فتدركوا الحق وتميزوه من الباطل، فلا تسموا مدعى الحق مبطلا، أو أفلا تتفكرون فتؤمنوا بالوحى، أو فتؤمنوا بالله ورسوله، وتعملوا بما فرض عليكم، أو أفلا تتفكرون فتعلموا أن الإيمان والعمل لا محيص عنهما، أو أن الإيمان بالوحى لا محيص عنه، فلو تفكرتم لم تستعيدوا دعواى، والوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إما بلسان الملك ومنه القرآن، أو بإشارة الملك كما خفض جبريل عليه السلام رأسه إلى الأرض إشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار النبوة وعدم الملك حين خير أن يكون نبياً ملكاً، أو نبيا غير ملك، وذلك خفض الرأس لذلك، لأنه تواضع، كما أن عدم الملك تواضع، وبإلقاء الملك فى قلبه خيراً أو بإلهام الله قلبه للخير، أو بالتأمل فى الوحى، فيخرج له حكم فيكون وحياً بالمعنى، بأن الله جل جلاله أقره على الحكم الذى استخرجه.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} لهم تبرئة لنفسك من القدرة على ما يقترحونه من الآيات {لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِى خَزَائنُ اللهِ} جمع خزينة بمعنى مخزونة، فعيلة بمعنى مفعولة، وهى ما ينتفع منه من مال وصحة بدن ودين وغير ذلك من الأَجسام والأَعراض، أَو جمع خزانة بمعنى الموضع الذى يخزن فيه الشئ ويحافظ عليه به، فيقدر مضاف أَى خزائن رزق الله، أَو أطلق اسم المحل على الحال، أَو اللازم على الملزوم. أَو الخزائن قضاء الأشياء التى قضاها الله، استعار لقضائها لفظ خزائن بجامع الحفظ وعدم الوصول والفخامة، فإِن قضاءَه مانع من التغير مطلقاً كما تمنع مواضع الخزن تغير ما فيها والوصول إِليه وفخامته، أَو الخزائن بمعنى المقدورات إِطلاقاً لاسم المحل على الحال مجاز مرسل مبنى على مجاز آخر، وذلك رد على قولهم إِن كنت رسولا فادع الله أَن يوسع رزقنا ومنافعنا {وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ} عطف على لا أَقول، وهو من مقول قل، كأَنه قيل: وقل لا أَعلم الغيب، ولا نافية، ولو عطف على عندى خزائن الله لكانت زائدة، فيكون من جملة ما نفى بلا أَقول، ووجه الزيادة النص على الكلية، ولو لم تزد لاحتملت الآية بحسب اللفظ أَن المعنى لا أَقول لكم الكلامين جميعاً بل بعضهما، واحتملت أَن المعنى لا أَقول لكم هذا ولا أَقول هذا، وقد يرجح العطف على عندى خزائن مع زيادة لا هنا لأَن المقصود نفى دعوى أَنه ملك الخزائن، ودعوى أَنه علم الغيب، بخلاف ما فى سورة هود، والغيب مالا يدركه الحس ولا تقتضيه بديهة العقل ولم ينصب عليه دليل، وهذا رد على قولهم إِن كنت رسولا فأَخبرنا بما سيقع من خير أَو شر فنستعد {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} لم يدع أَنه ملك ولا نسبوا إِليه أَنه ملك، فالمعنى: أَنا لا أَقول لكم أَنا كملك فى القدرة على ما يقدر عليه الملك كالصعود إِلى السماء والنزول منها بكتاب، والكتاب إِنما هو أَيضاً بإِذن الله عز وجل، لا باختيار الملك وفى علم ما لا يعلم البشر، ولا يدل هذا على أَن الملك أَفضل من النبى صلى الله عليه وسلم ولا من غيره لأَن الفضل بالثواب والفضل هنا بقوة الملك على الطيران ونحوه مما ليس معتبراً بالثواب كعدم الأَكل والشرب وكثرة العبادة فإِن ثوابهم عليها لا يساوى ثواب المؤمن فضلا عن النبى، وكانوا يقولون: ما لهذا الرسول يأْكل الطعام ويمشى فى الأَسواق ويتزوج ويخالط الناس، فرد عليهم بقوله: {ولا أَقول لكم إِنى ملك}، وأنه ما يدعى إِلا النبوة الممكنة للبشر التى هى غاية كمالاتهم بقوله {إِن أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ} ولا أَقول من جهة نفسى شيئاً. وهذا قيد فى قوله لا أَعلم الغيب، أَى لا أَعلم الغيب وهو ما لم يوح إِلىَّ، واستدل بهذا من قال: النبى صلى الله عليه وسلم لا يقول باجتهاده مع قوله تعالى "أية : إِن هو إِلا وحى يوحى"تفسير : [النجم: 4]، ويجاب برجوع هو إِلى القرآن، قيل: الوحى إِما ظاهر بلسان الملك كالقرآن، أَو بإِشارة الملك كحديث حديث : إِن روح القدس قد نفث فى روعى أَن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقهاتفسير : ، أَو بإِلهام بحيث يعلم أَنه من الله، وإِما باطن بالتأَمل فى الأَحكام المنصوص عليها، وهذا وحى باعتبار المآل، لأَن عدم إِنكار الله عليه بعد ذلك تقرير له، فهو كالوحى ابتداءً، وزيد وحى الرؤيا، وأَعاد لا أَقول لأَن نفى كونه ملكاً أَو نفى اتباع غير ما يوحى ليس من جنس ثبوت الخزائن وعلم الغيب، كما أَن مجموع ذلك ليس من جنس نفى استواء الأَعمى والبصير فأَعاد لذلك لفظ قل فى قوله {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأَعْمَى} الجاهل والضال والكافر ومدعى الألوهية والملكية وغيرها من المستحيلات وهم المعاندون، وذلك متصل بقوله إِن أَتبع إِلخ {والْبَصِيرُ} العالم والمؤمن والمهتدى ومتبعو المستقيم كالنبوة، وهم النبى صلى الله عليه وسلم ومتبعوه، والبصير بذلك كالماشى والمتناول ببصر وجهه ما يصلح وبجانب الضر بخلاف القسم الأَول فإِنه كفقد البصر، يمشى ويتناول لا يطلع على ما يضر فضلا عن أَن يجانبه، وقدمه لأَنه الذى يقع حتى يخرج عنه بالتعلم والتفكر، وهم لا يتفكرون كما قال الله عز وجل {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} أَتهملون عقولكم فلا تتفكرون، أَو لا تسمعون فلا تتفكرون، أَو أَتسمعون هذا الحق فلا تتفكرون فتميزوا الحق وتتبعوا الوحى وتؤمنوا به.

الالوسي

تفسير : {قُلْ} أيها الرسول البشير النذير للكفرة الذين يقترحون عليك ما يقترحون: {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ } أي مقدوراته جمع خزينة أو خزانة وهي في الأصل ما يحفظ فيه الأشياء النفيسة تجوز فيها عما ذكر، وعلى ذلك الجبائي وغيره، ولم يقل: لا أقدر على ما يقدر عليه الله قيل: لأنه أبلغ لدلالته على أنه لقوة قدرته كأن مقدوراته مخزونة حاضرة عنده. وقيل: إن الخزائن مجاز عن المرزوقات من إطلاق المحل على الحال أو اللازم على الملزوم؛ وقيل: الكلام على حذف مضاف أي خزائن رزق الله تعالى أو مقدوراته، والمعنى لا أدعي أن هاتيك الخزائن مفوضة إليَّ أتصرف فيها كيفما أشاء استقلالاً أو استدعاء حتى تقترحوا عليَّ تنزيل الآيات أو إنزال العذاب أو قلب الجبال ذهباً أو غير ذلك مما لا يليق بشأني. {وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} عطف على محل {عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ} فهو مقول {أَقُولُ} أيضاً، ونظر فيه الحلبي من حيث إنه يؤدي إلى أن يصير التقدير ولا أقول لكم لا أعلم الغيب وليس بصحيح. وأجيب بأن التقدير ولا أقول لكم أعلم الغيب بإضمار القول بين {لا } و {أَعْلَمُ } لا بين الواو و {لا }، وقيل: (لا) في {لا أَعْلَمُ} مزيدة مؤكدة للنفي. وقال أبو حيان: «الظاهر أنه عطف على {لا أَقُولَ } لا معمول له فهو أمر أن يخبر عن نفسه بهذه الجمل [الثلاث] فهي معمولة للأمر الذي هو {قُلْ}»، وتعقب بأنه لا فائدة في الإخبار بأني لا أعلم الغيب وإنما الفائدة في الإخبار بأني لا أقول ذلك ليكون نفيا لا دعاء الأمرين اللذين هما من خواص الإلٰهية ليكون المعنى إني لا أدعي الإلٰهية. {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ } ولا أدعي الملكية، ويكون تكرير {لا أَقُولَ} إشارة إلى هذا المعنى. وقال بعض المحققين: إن مفهومي {عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ} و {إِنّى مَلَكٌ} لما كان حالهما معلوماً عند الناس لم يكن حاجة إلى نفيهما وإنما الحاجة إلى نفي ادعائهما تبرياً عن دعوى الباطل، ومفهوم {أَنّى لاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} لما لم يكن معلوماً احتيج هنا إلى نفيه فدعوى أنه لا فائدة في الإخبار بذلك منظور فيها. والذي اختاره مولانا شيخ الإسلام القول الأول وأن المعنى «ولا أدعي أيضاً أني أعلم الغيب من أفعاله عز وجل حتى تسألوني عن وقت الساعة أو وقت إنزال العذاب أو نحوهما». وخص ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الغيب بعاقبة ما يصيرون إليه أي لا أدعي ذلك ولا أدعي أيضاً الملكية حتى تكلفوني من الأفاعيل الخارقة للعادات ما لا يطيقه البشر من الرقي في السماء ونحوه أو تعدوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحاً في أمري كما ينبىء عنه قولهم: { أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ } تفسير : [الفرقان: 7] وليس في الآية على هذا دليل على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما هو محل النزاع كما زعم الجبائي لأنها إنما وردت رداً على الكفار في قولهم {مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ} الخ وتكليفهم له عليهم الصلاة والسلام بنحو الرقي في السماء. ونحن لا ندعي تميز الأنبياء على الملائكة عليهم الصلاة والسلام في عدم الأكل مثلا والقدرة على الأفاعيل الخارقة كالرقي ونحوه ولا مساواتهم لهم في ذلك بل كون الملائكة متميزين عليهم عليهم الصلاة / والسلام في ذلك مما أجمع عليه الموافق والمخالف ولا يوجب ذلك اتفاقاً على أن الملائكة أفضل منهم بالمعنى المتنازع فيه وإلا لكان كثير من الحيوانات أفضل من الإنسان ولا يدعي ذلك إلاَّ جماد. وهذا الجواب أظهر مما نقل عن القاضي زكريا من أن هذا القول منه صلى الله عليه وسلم من باب التواضع وإظهار العبودية نظير قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : لا تفضلوني على ابن متى » تفسير : في رأي بل هو ليس بشيء كما لا يخفى. وقيل: إن الأفضلية مبنية على زعم المخاطبين وهو من ضيق العطن، وقيل: حيث كان معنى الآية لا أدعي الألوهية ولا الملكية لا يكون فيها ترق من الأدنى إلى الأعلى بل هي حينئذ ظاهرة في التدلي، وبذلك تهدم قاعدة استدلال الزمخشري في قوله تعالى: { أية : لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } تفسير : [النساء: 172] على تفضيل الملك على البشر إذ لا يتصور الترقي من الألوهية إلى ما هو أعلا منها إذ لا أعلا ليترقى إليه. وتعقب بأنه لا هدم لها مع إعادة {لا أَقُولَ } الذي جعله أمراً مستقلاً كالإضراب إذ المعنى لا أدعي الألوهية بل ولا الملكية، ولذا كرر {لا أَقُولَ }. وقال بعضهم في التفرقة بين المقامين: إن مقام نفي الاستنكاف ينبغي فيه أن يكون المتأخر أعلا لئلا يلغو ذكره، ومقام نفي الادعاء بالعكس فإن من لا يتجاسر على دعوى الملكية أولى أن لا يتجاسر على دعوى الألوهية الأشد استبعاداً، نعم في كون المراد من الأول نفي دعوى الألوهية والتبري منها نظر وإلا لقيل لا أقول لكن إني إلٰه كما قيل {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ } وأيضاً في الكناية عن الألوهية بعندي خزائن الله ما لا يخفى من البشاعة، وإضافة الخزائن إليه تعالى منافية لها. ودفع المنافاة بأن دعوى الألوهية ليس دعوى أن يكون هو الله تعالى بل أن يكون شريكاً له عز اسمه في الألوهية فيه نظر لأن إضافة الخزائن إليه تعالى اختصاصية فتنافي الشركة اللهم إلا أن يكون خزائن مثل خزائن أو تنسب إليه وهو كما ترى. ومن هنا قال شيخ الإسلام: إن جعل ذلك تبرياً عن دعوى الألوهية مما لا وجه له قطعاً. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } أي ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي من غير أن يكون لي مدخل ما في الوحي أو في الموحي بطريق الاستدعاء أو بوجه آخر من الوجوه أصلاً. وحاصله إني عبد يمتثل أمر مولاه ويتبع ما أوحاه ولا أدعي شيئاً من تلك الأشياء حتى تقترحوا عليّ ما هو من آثارها وأحكامها وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك دليلاً على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة. ولا يخفى أن هذا أبلغ من إني نبي أو رسول ولذا عدل إليه. ولا دلالة فيه لنفاة القياس ولا لمانعي جواز اجتهاده عليه الصلاة والسلام كما لا يخفى. وذهب البعض إلى أن المقصود من هذا الرد على الكفرة كأنه قيل: إن هذه دعوى وليست مما يستبعد إنما المستبعد ادعاء البشر الألوهية أو الملكية ولست أدعيهما. وقد علمت آنفاً ما في دعوى أن المقصود مما تقدم نفي ادعاء الألوهية والملكية. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } أي الضال والمهتدي على الإطلاق كما قال غير واحد. والإستفهام إنكاري، والمراد إنكار استواء من لا يعلم ما ذكر من الحقائق ومن يعلمها مع الإشعار بكمال ظهورها والتنفير عن الضلال والترغيب في الاهتداء، وتكرير الأمر (لتثبيت) التبكيت وتأكيد الإلزام. {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} عطف على مقدر يقتضيه المقام أي ألا تسمعون هذا الكلام الحق فلا تتفكرون فيه أو أتسمعونه فلا تتفكرون. والاستفهام (للتقرير) والتوبيخ. والكلام داخل تحت الأمر. ومناط التوبيخ عدم الأمرين على الأول / وعدم التفكر مع تحقق ما يوجبه على الثاني. وذكر بعضهم أن في {ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} ثلاث احتمالات إما أن يكونا مثالاً للضال والمهتدي أو مثالاً للجاهل والعالم أو مثالاً لمدعي المستحيل كالألوهية والملكية ومدعى المستقيم كالنبوة. وإن المعنى لا يستوي هذان الصنفان أفلا تتفكرون في ذلك فتهتدوا أي فتميزوا بين ادعاء الحق والباطل أو فتعلموا أن اتباع الوحي مما لا محيص عنه. والجملة تذييل لما مضى إما من أول السورة إلى هنا أو لقوله سبحانه: {إِنْ أَتَّبِعُ} الخ أو لقوله عز شأنه {لا أَقُولَ }. ورجح في «الكشف» الأول ثم الثاني. ولا يخفى بعد هذا الترجيح. واعترض القول بإحالة الملكية بأنها من الممكنات لأن الجواهر متماثلة والمعاني القائمة ببعضها يجوز أن تقوم بكلها. وأجيب بعد تسليم ما فيه أن البشر حال كونه بشراً محال أن يكون ملكاً لتمايزهما بالعوارض المتنافية ـ بلا خلاف وإقدام آدم عليه الصلاة والسلام بعد سماع { أية : مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 20] على الأكل ليس طمعاً في الملكية حال البشرية على أنه يجوز أن يقال: إنه لم يطمع في الملكية أصلاً وإنما طمع في الخلود فأكل.

سيد قطب

تفسير : هذه الموجة بقية في مواجهة المشركين بحقيقة الرسالة، وطبيعة الرسول؛ بمناسبة طلبهم للخوارق - التي ذكرنا نماذج منها في الفقرة السابقة في هذا السياق - وبقية في تصحيح التصورات الجاهلية - والبشرية بصفة عامة - عن الرسالات والرسل؛ بعدما عبثت بهذه التصورات جاهليات العرب وغيرهم من الأمم حولهم؛ فابتعدت بها عن حقيقة الرسالة وحقيقة النبوة، وحقيقة الوحي، وحقيقة الرسول؛ ودخلت بها في خرافات وأساطير وأوهام وأضاليل؛ حتى اختلطت النبوة بالسحر والكهانة، واختلط الوحي بالجن والجنون أيضاً! وأصبح يطلب من النبي أن يتنبأ بالغيب؛ وأن يأتي بالخوارق؛ وأن يصنع ما عهد الناس أن يصنعه صاحب الجن والساحر!.. ثم جاءت العقيدة الإسلامية لتقذف بالحق على الباطل فتدمغه فإذا هو زاهق، ولترد إلى التصور الإيماني وضوحه وبساطته وصدقه وواقعيته، ولتخلص صورة النبوة وصورة النبي من تلك الخرافات والأساطير والأوهام والأضاليل، التي شاعت في الجاهليات كلها. وكان أقربها إلى مشركي العرب جاهليات أهل الكتاب من اليهود والنصارى على اختلاف الملل والنحل بينهم، وكلها تشترك في تشويه صورة النبوة وصورة النبي أقبح تشويه! وبعد بيان حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول، وتقديمها للناس مبرأة من كل ما علق بصورة النبوة وصورة النبي من أوهام وأضاليل. يقدم القرآن عقيدته للناس مجردة من كل إغراء خارج عن طبيعتها، ومن كل زينة زائدة عن حقيقتها.. فالرسول الذي يقدمها للناس بشر، لا يملك خزائن الله، ولا يعلم الغيب، ولا يقول لهم: إني ملك.. وهو لا يتلقى إلا من ربه، ولا يتبع إلا ما يوحى إليه منه. والذين يقبلون دعوته هم أكرم البشر عند الله، وعليه أن يلزمهم، وأن يهش لهم، وأن يبلغهم ما كتبه الله لهم على نفسه من الرحمة والمغفرة. كما أن عليه إنذار الذين تتحرك ضمائرهم من خشية الآخرة؛ ليصلوا إلى مرتبة التقوى، وفي هذا وذلك تنحصر وظيفته، كما أنه في "البشرية" وفي "تلقي الوحي" تنحصر حقيقته. فتصح في التصورات حقيقته ووظيفته جميعاً.. ثم إنه بهذا التصحيح، وبهذا الإنذار، تستبين سبيل المجرمين، عند مفرق الطريق، ويتضح الحق والباطل، وينكشف الغموض والوهم حول طبيعة الرسول وحول حقيقة الرسالة، كما ينكشف الغموض حول حقيقة الهدى وحقيقة الضلال، وتتم المفاصلة بين المؤمنين وغير المؤمنين في نور وفي يقين. وفي ثنايا الإفصاح عن هذه الحقائق يعرض السياق جوانب من حقيقة الألوهية، وعلاقة الرسول بها، وعلاقة الناس جميعاً - الطائعين منهم والعصاة - ويتحدث عن طبيعة الهدى وطبيعة الضلال عن هذه الحقيقة. فالهدى إليها بصر والضلال عنها عمى. والله كتب على نفسه الرحمة متمثلة في التوبة على عباده والمغفرة لما يرتكبونه من المعاصي في جهالة متى تأبوا منها وأصلحوا بعدها. وهو يريد أن تستبين سبيل المجرمين، فيؤمن من يؤمن عن بينة، ويضل من يضل عن بينة، ويتخذ الناس مواقفهم في وضوح لا تغشيه الأوهام والظنون.. {قل: لا أقول لكم: عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول لكم: إني ملك. إن أتبع إلا ما يوحى إليّ قل: هل يستوي الأعمى والبصير؟ أفلا تتفكرون}.. لقد كان المعاندون من قريش يطلبون أن يأتيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بآية من الخوارق يصدقونه بها - وهم كانوا كما أسلفنا يعلمون صدقه ولا يشكون فيه - وتارة كانوا يطلبون أن تكون هذه الآية تحويل الصفا والمروة ذهباً! وتارة تكون إبعادهما عن مكة ليصبح مكانهما خصباً مخضراً بالزروع والثمار! وتارة تكون إنباءهم بما سيقع لهم من أحداث مغيبة! وتارة تكون طلب إنزال ملك عليه! وتارة تكون طلب كتاب مكتوب في قرطاس يرونه يتنزل عليه من السماء.. إلى آخر هذه المطالب التي يوارون وراءها تعنتهم وعنادهم! ولكن هذه المطالب كلها إنما كانوا يصوغون فكرتها من تلك الأوهام والأساطير التي أحاطت بصورة النبوة وصورة النبي في الجاهليات من حولهم، وأقربها إليهم أوهام أهل الكتاب وأساطيرهم حول النبوة، بعدما انحرفوا عما جاءتهم به رسلهم من الحق الواضح في هذه الأمور.. ولقد شاعت في الجاهليات المتنوعة صور من "النبوءات" الزائفة، يدعيها "متنبئون" ويصدقها مخدوعون.. ومن بينها نبوءات السحر والكهانة والتنجيم والجنون! حيث يدعي المتنبئون قدرتهم على العلم بالغيب، والاتصال بالجن والأرواح، وتسخير نواميس الطبيعة بالرقى والتعاويذ، أو بالدعوات والصلوات، أو بغيرها من الوسائل والأساليب. وتتفق كلها في الوهم والضلالة، وتختلف بعد ذلك في النوع والشكل والمراسم والأساليب. "فنبوءة السحر يغلب عليها أنها موكلة بالأرواح الخبيثة تسخرها للاطلاع على المجهول أو السيطرة على الحوادث والأشياء. ونبوءة الكهانة يغلب عليها أنها موكلة "بالأرباب!" لا تطيع الكاهن، ولكنها تلبي دعواته وصلواته وتفتح لها مغالق المجهول في يقظته أو منامه، وترشده بالعلامات والأحلام، ولا تلبي سائر الدعوات والصلوات! ولكنهما - نبوءة السحر ونبوءة الكهانة - تخالفان نبوة الجذب والجنون المقدس. لأن الساحر والكاهن يدريان بما يطلبان، ويريدان قصداً ما يطلبانه بالعزائم والصلوات، ولكن المصاب بالجذب أو الجنون المقدس مغلوب على أمره، ينطلق لسانه بالعبارات المبهمة وهو لا يعنيها، ولعله لايعيها. ويكثر بين الأمم التي تشيع فيها نبوة الجذب أن يكون مع المجذوب مفسر يدعي العلم بمغزى كلامه، ولحن رموزه وإشاراته. وقد كانوا في اليونان يسمون المجذوب "مانتي" "manti" ويسمون المفسر: "بروفيت" "prophet" أى المتكلم بالنيابة عن غيره. ومن هذه الكلمة نقل الأوربيون كلمة النبوة بجميع معانيها. وقلما يتفق الكهنة والمجذوبون، إلا أن يكون الكاهن متولياً للتفسير والتعبير عن مقاصد المجذوب، ومضامين رموزه وإشاراته. ويحدث في أكثر الأحيان أن يختلفا ويتنازعا لأنهما مختلفان بوظيفتهما الاجتماعية مختلفان بطبيعة النشأة والبيئة. فالمجذوب ثائر لا يتقيد بالمراسم والأوضاع المصطلح عليها، والكاهن محافظ يتلقى علمه الموروث في أكثر الأحيان من آبائه وأجداده. وتتوقف الكهانة على البيئة التي تنشأ فيها الهياكل والصوامع المقصودة في الأرجاء القريبة والبعيدة؛ ولا يتوقف الجذب على هذه البيئة، لأنه قد يعتري صاحبه في البرية، كما يعتريه في الحاضر المقصود من أطراف البلاد". "وقد كثر عدد الأنبياء في قبائل بني إسرائيل كثرة يفهم منها أنهم كانوا في أزمنتهم المتعاقبة يشبهون في العصور الحديثة أصحاب الأذكار، ودراويش الطرق الصوفية، لأنهم جاوزوا المئات في بعض العهود، واصطنعوا من الرياضة في جماعاتهم ما يصطنعه هؤلاء الدراويش من التوسل إلى حالة الجذب تارة بتعذيب الجسد، وتارة بالاستماع إلى آلات الطرب. "جاء في كتاب صموئيل الأول: أن شاول أرسل لأخذ داود رسلاً.. "فرأوا جماعة الأنبياء يتنبأون، وشاول واقف بينهم رئيساً عليهم. فهبط روح الله على رسل شاول، فتنبأوا هم أيضاً. وأرسل غيرهم فتنبأ هؤلاء... فخلع هو أيضاً ثيابه، وتنبأ هو أيضاً أمام صموئيل، وانتزع عارياً ذلك النهار كله وكل الليل".. "وجاء في كتاب صموئيل كذلك: "... أنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من الأكمة، وأمامهم رباب ودف وناي وعود، وهم يتنبأون، فيحل عليهم روح الرب، فتتنبأ معهم، وتتحول إلى رجل آخر. "وكانت النبوة صناعة وراثية يتلقاها الأبناء من الآباء كما جاء في سفر الملوك الثاني: "إذ قال بنو الأنبياء يا ليشع: هو ذا الموضع الذي نحن مقيمون فيه أمامك قد ضاق علينا، فلنذهب إلى الأردن". "وكانت لهم خدمة تلحق بالجيش في بعض المواضع، كما جاء في سفر الأيام الأول. حيث قيل: إن داود ورؤساء الجيش أفرزوا للخدمة بني أساف وغيرهم من المتنبئين بالعيدان والرباب والصنوج"... وهكذا حفلت الجاهليات - ومنها الجاهليات التي انحرفت عن التصور الصحيح الذي جاءت به الرسالات السماوية - بمثل هذه التصورات الباطلة عن طبيعة النبوة وطبيعة النبي. وكان الناس ينتظرون ممن يدعي النبوة مثل هذه الأمور؛ ويطالبونه بالتنبؤ بالغيب تارة؛ وبالتأثير في النواميس الكونية عن طريق الكهانة أو طريق السحر تارة.. ومن هذا المعين كانت اقتراحات المشركين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولتصحيح هذه الأوهام كلها جاءت التقريرات المكررة في القرآن الكريم عن طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول.. ومنها هذا التقرير: {قل: لا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول لكم: إني ملك. إن أتبع إلا ما يوحى إليِّ. قل: هل يستوي الأعمى والبصير؟ أفلا تتفكرون؟}.. إنه - صلى الله عليه وسلم - يؤمر من ربه أن يقدم لهم نفسه بشراً مجرداً من كل الأوهام التي سادت الجاهليات عن طبيعة النبي والنبوة. وأن يقدم لهم كذلك هذه العقيدة بذاتها مجردة من كل إغراء.. لا ثراء. ولا ادعاء.. إنها عقيدة يحملها رسول، لا يملك إلا هداية الله، تنير له الطريق! ولا يتبع إلا وحي الله يعلمه ما لم يكن يعلم.. إنه لا يقعد على خزائن الله، ليغدق منها على من يتبعه، ولا يملك مفاتح الغيب ليدل أتباعه على ما هو كائن؛ ولا هو ملك كما يطلبون أن ينزل الله ملكاً.. إنما هو بشر رسول؛ وإنما هي هذه العقيدة وحدها، في صورتها الناصعة الواضحة البسيطة.. إنها العقيدة هتاف هذه الفطرة، وقوام هذه الحياة ودليل الطريق إلى الآخرة، وإلى الله. فهي مستغنية بذاتها عن كل زخرف.. من أرادها لذاتها فهو بها حقيق، وهي عنده قيمة أكبر من كل قيمة. ومن أرادها سلعة في سوق المنافع، فهو لا يدرك طبيعتها، ولا يعرف قيمتها، وهي لا تمنحه زاداً، ولا غناء.. لذلك كله يؤمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقدمها للناس هكذا، عاطلة من كل زخرف، لأنها غنية عن كل زخرف؛ وليعرف من يفيئون إلى ظلها أنهم لا يفيئون إلى خزائن مال، ولا إلى وجاهة دنيا، ولا إلى تميز على الناس بغير التقوى. إنما يفيئون إلى هداية الله وهي أكرم وأغنى. {قل: لا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول لكم: إني ملك إنْ أتبع إلا ما يوحى إليّ}.. ثم ليعلموا أنهم حينئذ إنما يفيئون إلى النور والبصيرة، ويخرجون من الظلام والعماء: {قل: هل يستوي الأعمى والبصير؟ أفلا تتفكرون؟}.. ثم.. إن اتباع الوحي وحده هداية وبصر، والمتروك بغير هذا الهادي متروك أعمى.. هذا ما تقرره هذه الآية في وضوح وصرامة.. فما شأن العقل البشري في هذا المجال؟ سؤال جوابه في التصور الإسلامي واضح بسيط.. إن هذا العقل الذي وهبه الله للإنسان قادر على تلقي ذلك الوحي، وإدراك مدلولاته.. وهذه وظيفته.. ثم هذه هي فرصته في النور والهداية؛ وفي الانضباط بهذا الضابط الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فأما حين يستقل هذا العقل البشري بنفسه بعيداً عن الوحي، فإنه يتعرض حينئذ للضلال والانحراف، وسوء الرؤية، ونقص الرؤية، وسوء التقدير، وسوء التدبير. يتعرض لهذا كله بسبب طبيعة تركيبه ذاتها في رؤية الوجود أجزاء لا كلا واحداً. تجربة بعد تجربة، وحادثة بعد حادثة، وصورة بعد صورة.. حيث يتعذر عليه أن يرى الوجود جملة، ليقيم على أساس هذه الرؤية الكاملة أحكاماً، ويضع على أساسها نظاماً، ملحوظاً فيه الشمول والتوازن.. ومن ثم يظل - حين ينعزل عن منهج الله وهداه - يرتاد التجارب، ويغير الأحكام، ويبدل النظام، ويضطرب بين الفعل وردود الفعل، ويتخبط من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال.. وهو في ذلك كله يحطم كائنات بشرية عزيزة، وأجهزة إنسانية كريمة.. ولو اتبع الوحي لكفى البشر هذا الشر كله؛ وجعل التجارب والتقلبات في "الأشياء" وفي "المادة" وفي "الأجهزة" وفي "الآلات".. وهي مجاله الطبيعي الذي يمكن أن يستقل فيه. والخسارة في النهاية مواد وأشياء. لا أنفس وأرواح! ويتعرض لهذا كله - بعد طبيعة تركيبه - بسبب ما ركب في الكيان البشري من شهوات وأهواء ونزعات، لا بد لها من ضابط، يضمن أن تؤدي وظائفها في استمرار حياة البشرية وارتقائها، ولا تتعدى هذا الحد المأمون فتؤدي إلى تدمير الحياة أو انتكاسها! وهذا الضابط لا يمكن أن يكون هو العقل البشري وحده؛ فلا بد لهذا العقل الذي يضطرب تحت ضغط الأهواء والشهوات والنزعات - وهي شتى - من ضابط آخر يضبطه هو ذاته؛ ويحرسه بعد أن يضبطه من الخلل أيضاً، ويرجع إليه هذا العقل بكل تجربة، وكل حكم - في مجال الحياة البشرية - ليقّوم به تجربته وحكمه، وليضبط به اتجاهه وحركته. والذين يزعمون للعقل البشري درجة من الأصالة في الصواب كدرجة الوحي، باعتبار أن كليهما - العقل والوحي - من صنع الله فلا بد أن يتطابقا.. هؤلاء إنما يستندون إلى تقريرات عن قيمة العقل قال بها بعض الفلاسفة من البشر، ولم يقل بها الله سبحانه! والذين يرون أن هذا العقل يغني عن الوحي - حتى عند فرد واحد من البشر مهما بلغ عقله من الكبر - إنما يقولون في هذه القضية غير ما يقول الله.. فالله قد جعل حجته على الناس هي الوحي والرسالة، ولم يجعل هذه الحجة هي عقلهم البشري، ولا حتى فطرتهم التي فطرهم الله عليها من معرفة ربها الواحد والإيمان به. لأن الله سبحانه يعلم أن العقل وحده يضل، وأن الفطرة وحدها تنحرف. وأنه لا عاصم لعقل ولا لفطرة، إلا أن يكون الوحي هو الرائد الهادي، وهو النور والبصيرة. والذين يزعمون أن الفلسفة تغني العقل عن الدين؛ أو أن العلم - وهو من منتجات العقل - يغني البشرية عن هدى الله؛ إنما يقولون قولاً لا سند له من الحقيقة ولا من الواقع كذلك.. فالواقع يشهد أن الحياة البشرية التي قامت أنظمتها على المذاهب الفلسفية أو على العلم، هي أبأس حياة يشقى فيها "الإنسان" مهما فتحت عليه أبواب كل شيء؛ ومهما تضاعف الإنتاج والإيراد؛ ومهما تيسرت أسباب الحياة ووسائل الراحة فيها على أوسع نطاق.. وليس مقابل هذا أن تقوم الحياة على الجهل والتلقائية! فالذين يضعون المسألة هكذا مغرضون! فإن الإسلام منهج حياة يكفل للعقل البشري الضمانات التي تقيه عيوب تركيبه الذاتي، وعيوب الضغوط التي تقع عليه من الأهواء والشهوات والنزعات. ثم يقيم له الأسس، ويضع له القواعد، التي تكفل استقامته في انطلاقه للعلم والمعرفة والتجربة؛ كما تكفل له استقامة الحياة الواقعية التي يعيش في ظلها - وفق شريعة الله - فلا يضغط عليه الواقع لينحرف بتصوراته ومناهجه كذلك! والعقل بمصاحبة وحي الله وهداه بصير، وبترك وحي الله وهداه أعمى، واقتران الحديث عن تلقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الوحي وحده، بالإشارة إلى العمى والبصر، بالسؤال التحضيضي على التفكير: {إن أتبع إلا ما يوحى إليّ قل: هل يستوي الأعمى والبصير: أفلا تتفكرون؟}.. اقتران الإشارات وتتابعها على هذا النحو في السياق، أمر ذو دلالة في التعبير القرآني.. فالتفكر مطلوب، والحض عليه منهج قرآني؛ ولكنه التفكر المضبوط بضابط الوحي، الذي يمضي معه مبصراً في النور؛ لا مطلق التفكر الذي يخبط في الظلام أعمى، بلا دليل ولا هدى ولا كتاب منير.. والعقل البشري حين يتحرك في إطار الوحي لا يتحرك في مجال ضيق، إنما يتحرك في مجال واسع جداً.. يتحرك في مجال هو هذا الوجود كله، الذي يحتوي عالم الشهادة وعالم الغيب أيضاً؛ كما يحتوي أغوار النفس ومجالي الأحداث، ومجالات الحياة جميعاً.. فالوحي لا يكف العقل عن شيء إلا عن انحراف المنهج، وسوء الرؤية والتواء الأهواء والشهوات! وبعد ذلك يدفعه إلى الحركة والنشاط دفعاً. فهذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان.. العقل.. إنما وهبها له لتعمل وتنشط في حراسة الوحي والهدى الرباني.. فلا تضل إذن ولا تطغى.. {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون. ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء. فتطردهم فتكون من الظالمين. وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا: أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟ أليس الله بأعلم بالشاكرين؟ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل: سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة: أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة، ثم تاب من بعده وأصلح، فأنه غفور رحيم}.. إنها عزة هذه العقيدة، واستعلاؤها على قيم الأرض الزائفة، وتخلصها من الاعتبارات البشرية الصغيرة.. لقد أُمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقدمها للناس دون زخرف ولا طلاء؛ ودون إطماع في شيء من قيم الأرض ولا إغراء.. كذلك أمر أن يوجه عنايته إلى من يرجى منهم الانتفاع بالدعوة، وأن يؤوي إليه الذين يتلقونها مخلصين؛ ويتجهون بقلوبهم إلى الله وحده يريدون وجهه؛ وألا يقيم وزناً بعد ذلك لشيء من قيم المجتمع الجاهلي الزائفة؛ ولا لشيء من اعتبارات البشر الصغيرة: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، لعلهم يتقون}.. أنذر به هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم، حالة أن ليس من دونه ولي ينصرهم ولا شفيع يخلصهم. ذلك أنه ما من شفيع يشفع عند الله إلا بإذنه، وهو لا يشفع يومئذ - بعد الإذن - إلا لمن ارتضى الله أن يتشفع عند الله فيهم.. فهؤلاء الذين تستشعر قلوبهم خوف ذلك اليوم الذي ليس فيه - من دون الله - ولي ولا شفيع، أحق بالإنذار، وأسمعُ له، وأكثر انتفاعاً به.. لعلهم أن يتوقوا في حياتهم الدنيا وما يعرضهم لعذاب الله في الآخرة. فالإنذار بيان كاشف كما أنه مؤثر موحٍ. بيان يكشف لهم ما يتقونه ويحذرونه، ومؤثر يدفع قلوبهم للتوقي والحذر؛ فلا يقعون فيما نهوا عنه بعدما تبين لهم: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}.. لا تطرد هؤلاء الذين أخلصوا نفوسهم لله؛ فاتجهوا لعبادته ودعائه في الصباح والمساء؛ يريدون وجهه سبحانه! ولا يبتغون إلا وجهه ورضاه.. وهي صورة للتجرد، والحب، والأدب.. فإن الواحد منهم لا يتوجه إلا إلى الله وحده بالعبادة والدعاء. وهو لا يبغي وجه الله، إلا إذا تجرد. وهو لا يبغي وجه الله وحده حتى يكون قلبه قد أحب. وهو لا يفرد الله - سبحانه - بالدعاء والعبادة ابتغاء وجهه إلا ويكون قد تعلم الأدب، وصار ربانياً يعيش لله وبالله.. ولقد كان أصل القصة أن جماعة من "أشراف" العرب، أنفوا أن يستجيبوا إلى دعوة الإسلام؛ لأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - يؤوي إليه الفقراء الضعاف، من أمثال صهيب وبلال وعمار وخباب وسلمان وابن مسعود.. ومن إليهم.. وعليهم جباب تفوح منها رائحة العرق لفقرهم؛ ومكانتهم الاجتماعية لا تؤهلهم لأن يجلس معهم سادات قريش في مجلس واحد! فطلب هؤلاء الكبراء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطردهم عنه.. فأبى.. فاقترحوا أن يخصص لهم مجلساً ويخصص للأشراف مجلساً آخر، لا يكون فيه هؤلاء الفقراء الضعاف، كي يظل للسادة امتيازهم واختصاصهم ومهابتهم في المجتمع الجاهلي! فهمّ - صلى الله عليه وسلم - رغبة في إسلامهم أن يستجيب لهم في هذه. فجاءه أمر ربه: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}.. روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص، قال كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة نفر. فقال المشركون للنبي - صلى الله عليه وسلم -: اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا! قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما.. فوقع في نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه. فأنزل الله عز وجل: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}.. ولقد تقوّل أولئك الكبراء على هؤلاء الضعاف، الذين يخصهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمجلسه وبعنايته؛ وطعنوا فيهم وعابوا ما هم فيه من فقر وضعف وما يسببه وجودهم في مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نفور السادة وعدم إقبالهم على الإسلام.. فقضى الله سبحانه في هذه الدعوى بقضائه الفصل؛ ورد دعواهم من أساسها ودحضها دحضاً: {ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، فتطردهم فتكون من الظالمين}.. فإن حسابهم على أنفسهم، وحسابك على نفسك. وكونهم فقراء مقدر عليهم في الرزق هذا حسابهم عند الله، لا شأن لك به. كذلك غناك وفقرك هو حسابك عند الله لا شأن لهم به. ولا دخل لهذه القيم في قضية الإيمان والمنزلة فيه. فإن أنت طردتهم من مجلسك بحساب الفقر والغنى كنت لا تزن بميزان الله، ولا تقوّم بقيمه.. فكنت من الظالمين.. وحاشا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون من الظالمين! وبقي فقراء الجيوب أغنياء القلوب في مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبقي ضعاف الجاه الأقوياء بالله في مكانهم الذي يؤهلهم له إيمانهم؛ والذي يستحقونه بدعائهم لله لا يبتغون إلا وجهه. واستقرت موازين الإسلام وقيمه على المنهج الذي قرره الله.. عندئذ نفر المستكبرون المستنكفون يقولون: كيف يمكن أن يختص الله من بيننا بالخير هؤلاء الضعاف الفقراء؟ إنه لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقونا إليه؛ ولهدانا الله به قبل أن يهديهم! فليس من المعقول أن يكون هؤلاء الضعاف الفقراء هم الذين يمنُّ الله عليهم من بيننا ويتركنا ونحن أصحاب المقام والجاه! وكانت هذه هي الفتنة التي قدرها الله لهؤلاء المتعالين بالمال والنسب؛ والذين لم يدركوا طبيعة هذا الدين؛ وطبيعة الدنيا الجديدة التي يطلع بها على البشرية، مشرقة الآفاق، مصعدة بهذه البشرية إلى تلك القمة السامقة؛ التي كانت يومذاك غريبة على العرب وعلى الدنيا كلها؛ وما تزال غريبة في ما يسمونه الديمقراطيات على اختلاف أشكالها وأسمائها! {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا: أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا؟}.. ويرد السياق القرآني على هذا الاستفهام الاستنكاري الذي يطلقه الكبراء: {أليس الله بأعلم بالشاكرين}؟ هذا الرد الحافل بالإيحاءات والإيماءات: إذ يقرر ابتداء أن الهدى جزاء يجزي به الله من يعلم من أمرهم أنهم إذا هدوا سيشكرون هذه النعمة، التي لا كفاء لها من شكر العبد، ولكن الله يقبل منه جهده ويجزيه عليه هذا الجزاء الهائل الذي لا يعدله جزاء. وإذ يقرر أن نعمة الإيمان لا تتعلق بقيمة من قيم الأرض الصغيرة التي تسود في الجاهليات البشرية. إنما يختص الله بها من يعلم أنهم شاكرون عليها. لا يهم أن يكونوا من الموالي والضعاف والفقراء. فميزان الله لا مكان فيه لقيم الأرض الصغيرة التي تتعاظم الناس في الجاهليات! وإذ يقرر أن اعتراض المعترضين على فضل الله إنما ينشأ من الجهالة بحقائق الأشياء. وأن توزيع هذا الفضل على العباد قائم على علم الله الكامل بمن يستحقه من هؤلاء العباد. وما اعتراض المعترضين إلا جهل وسوء أدب في حق الله.. ويمضي السياق يأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو رسول الله أن يبدأ أولئك الذين أسبغ عليهم فضل السبق بالإسلام؛ والذين يسخر منهم أولئك الكبراء الأشراف!.. أن يبدأهم بالسلام.. وأن يبشرهم بما كتبه الله على نفسه من الرحمة؛ متمثلاً في مغفرته لمن عمل منهم سوءاً بجهالة، ثم تاب من بعده وأصلح: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل: سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة، ثم تاب من بعده وأصلح، فأنه غفور رحيم}.. وهو التكريم - بعد نعمة الإيمان واليسر في الحساب، والرحمة في الجزاء، حتى ليجعل الله - سبحانه - الرحمة كتاباً على نفسه للذين آمنوا بآياته؛ ويأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغهم ما كتبه ربهم على نفسه. وحتى لتبلغ الرحمة أن يشمل العفو والمغفرة الذنب كله، متى تابوا من بعده وأصلحوا - إذ يفسر بعضهم الجهالة بأنها ملازمة لارتكاب الذنب؛ فما يذنب الإنسان إلا من جهالة؛ وعلى ذلك يكون النص شاملاً لكل سوء يعمله صاحبه؛ متى تاب من بعده وأصلح. ويؤيد هذا الفهم النصوص الأخرى التي تجعل التوبة من الذنب - أياً كان - والإصلاح بعده، مستوجبة للمغفرة بما كتب الله على نفسه من الرحمة... ونعود - قبل الانتهاء من استعراض هذه الفقرة من السورة - إلى بعض الآثار التي وردت عن ملابسات نزول هذه الآيات؛ وعن دلالة هذه الآثار مع النصوص القرآنية على حقيقة النقلة الهائلة التي كان هذا الدين ينقل إليها البشرية يومذاك؛ والتي ما تزال البشرية حتى اليوم دون القمة التي بلغتها يومها ثم تراجعت عنها جداً.. قال أبو جعفر الطبري: حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو زبيد، عن أشعث، عن كردوس الثعلبي، عن ابن مسعود، قال: مر الملأ من قريش بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين. فقالوا: يا محمد، رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منَّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم عنك! فلعلك إن طردتهم أن نتبعك! فنزلت هذه الآية: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}.. {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} إلى آخر الآية. وقال: حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: حدثنا أبي، حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي - وكان قارىء الأزد - عن أبي الكنود، عن خباب في قول الله تعالى ذكره: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}.. إلى قوله: {فتكون من الظالمين}.. قال: "حديث : جاء الأقرع ابن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعداً مع بلال وصهيب وعمار وخباب، في أناس من الضعفاء من المؤمنين. فلما رأوهم حقروهم. فأتوه فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد؛ فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا؛ فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت! قال: نعم! قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً. قال: فدعا بالصحيفة، ودعا علياً ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، فتطردهم، فتكون من الظالمين}.. ثم قال: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا: أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا؟ أليس الله بأعلم بالشاكرين؟}.. ثم قال: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل: سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة}.. فألقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيفة من يده؛ ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: "سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة".. فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا. فأنزل الله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا}.. [سورة الكهف:28] قال: فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم! وكان - صلى الله عليه وسلم - بعدها إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني ربي أن أبدأهم بالسلام ". تفسير : وفي صحيح مسلم: عن عائذ بن عمرو، "حديث : أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال، ونفر. فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها! قال: فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره. فقال: يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم. لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك. فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه، أغضبتكم؟ قالوا: لا. يغفر الله لك يا أخي ".. تفسير : نحن في حاجة إلى وقفة طويلة أمام هذه النصوص.. والبشرية بجملتها في حاجة إلى هذه الوقفة كذلك.. إن هذه النصوص لا تمثل مجرد مبادىء وقيم ونظريات في "حقوق الإنسان!".. إنها أكبر من ذلك بكثير.. إنها تمثل شيئاً هائلاً تحقق في حياة البشرية فعلاً.. تمثل نقلة واسعة نقلها هذا الدين للبشرية بجملتها.. تمثل خطاً وضيئاً على الأفق بلغته هذه البشرية ذات يوم في حياتها الحقيقية.. ومهما يكن من تراجع البشرية عن هذا الخط الوضيء الذي صعدت إليه في خطو ثابت على حداء هذا الدين، فإن هذا لا يقلل من عظمة تلك النقلة؛ ومن ضخامة هذا الشيء الذي تحقق يوماً؛ ومن أهمية هذا الخط الذي ارتسم بالفعل في حياة البشر الواقعية.. إن قيمة ارتسام هذا الخط وبلوغه ذات يوم. أن تحاول البشرية مرة ومرة ومرة الارتفاع إليه؛ ما دام أنها قد بلغته؛ فهو في طوقها إذن وفي وسعها.. والخط هناك على الأفق، والبشرية هي البشرية؛ وهذا الدين هو هذا الدين.. فلا يبقى إلا العزم والثقة واليقين.. وقيمة هذه النصوص أنها ترسم للبشرية اليوم ذلك الخط الصاعد بكل نقطه ومراحله.. من سفح الجاهلية الذي التقط الإسلام منه العرب، إلى القمة السامقة التي بلغ بهم إليها، وأطلعتهم في الأرض يأخذون بيد البشرية من ذلك السفح نفسه إلى تلك القمة التي بلغوها! فأما ذلك السفح الهابط الذي كان فيه العرب في جاهليتهم - وكانت في البشرية كلها - فهو يتمثل واضحاً في قوله: "الملأ" من قريش: "يا محمد، رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم عنك! فلعلك إن طردتهم أن نتبعك!".. أو في احتقار الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، للسابقين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، وأمثالهم من الضعفاء؛ وقولهما للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلنا؛ فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد!".. ..هنا تتبدى الجاهلية بوجهها الكالح! وقيمها الهزيلة، واعتباراتها الصغيرة..عصبية النسب والجنس واعتبارات المال والطبقة.. وما إلى ذلك من اعتبارات. هؤلاء بعضهم ليسوا من العرب! وبعضهم ليسوا من طبقة الأشراف! وبعضهم ليسوا من ذوي الثراء!.. ذات القيم التي تروج في كل جاهلية! والتي لا ترتفع عليها جاهليات الأرض اليوم في نعراتها القومية والجنسية والطبقية! هذا هو سفح الجاهلية.. وعلى القمة السامقة الإسلام! الذي لا يقيم وزناً لهذه القيم الهزيلة ولهذه الاعتبارات الصغيرة، ولهذه النعرات السخيفة!.. الإسلام الذي نزل من السماء ولم ينبت من الأرض. فالأرض كانت هي هذا السفح.. هذا السفح الذي لا يمكن أن ينبت هذه النبتة الغريبة الجديدة الكريمة.. الإسلام الذي يأتمر به - أول من يأتمر - محمد - صلى الله عليه وسلم - محمد رسول الله الذي يأتيه الوحي من السماء؛ والذي هو من قبل في الذؤابة من بني هاشم في الذروة من قريش.. والذي يأتمر به أبو بكر صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم؛ في شأن "هؤلاء الأعبد".. نعم هؤلاء الأعبد الذين خلعوا عبودية كل أحد؛ وصاروا أعبداً لله وحده؛ فكان من أمرهم ما كان! وكما أن سفح الجاهلية الهابط يرتسم في كلمات الملأ من قريش، وفي مشاعر الأقرع وعيينة.. فإن قمة الإسلام السامقة ترتسم في أمر الله العلي الكبير، لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين. وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا: أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا؟ أليس الله بأعلم بالشاكرين؟ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل: سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة: أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة، ثم تاب من بعده وأصلح، فأنه غفور رحيم}.. ويتمثل في سلوك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع "هؤلاء الأعبد".. الذين أمره ربهم أن يبدأهم بالسلام وأن يصبر معهم فلا يقوم حتى يقوموا وهو محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم - وهو بعد ذلك - رسول الله وخير خلق الله، وأعظم من شرفت بهم الحياة! ثم يتمثل في نظرة "هؤلاء الأعبد" لمكانهم عند الله؛ ونظرتهم لسيوفهم واعتبارها "سيوف الله" ونظرتهم لأبي سفيان "شيخ قريش وسيدهم" بعد أن أخره في الصف المسلم كونه من الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح وذهبوا طلقاء عفو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقدّمهم هم في الصف كونهم من السابقين إلى الإسلام، وهو في شدة الابتلاء.. فلما أن عاتبهم أبو بكر - رضي الله عنه - في أمر أبي سفيان، حذره صاحبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون قد أغضب "هؤلاء الأعبد"! فيكون قد أغضب الله - يا الله! فما يملك أي تعليق أن يبلغ هذا المدى وما نملك إلا أن نتملاه! - ويذهب أبو بكر - رضي الله عنه - يترضى "الأعبد" ليرضى الله: "يا إخوتاه. أغضبتكم"؟ فيقولون: "لا يا أخي. يغفر الله لك"! أي شيء هائل هذا الذي تحقق في حياة البشرية؟ أية نقلة واسعة هذه التي قد تمت في واقع الناس؟ أي تبدل في القيم والأوضاع، وفي المشاعر والتصورات، في آن؟ والأرض هي الأرض والبيئة هي البيئة، والناس هم الناس، والاقتصاد هو الاقتصاد.. وكل شيء على ما كان، إلا أن وحياً نزل من السماء، على رجل من البشر، فيه من الله سلطان.. يخاطب فطرة البشر من وراء الركام، ويحدو للهابطين هنالك عند السفح، فيستجيشهم الحداء - على طول الطريق - إلى القمة السامقة.. فوق.. فوق.. هنالك عند الإسلام! ثم تتراجع البشرية عن القمة السامقة؛ وتنحدر مرة أخرى إلى السفح. وتقوم - مرة أخرى - في نيويورك، وواشنطن، وشيكاغو.. وفي جوهانسبرج.. وفي غيرها من أرض "الحضارة!" تلك العصبيات النتنة. عصبيات الجنس واللون، وتقوم هنا وهناك عصبيات "وطنية" و "قومية" و "طبقية" لا تقل نتناً عن تلك العصبيات.. ويبقى الإسلام هناك على القمة.. حيث ارتسم الخط الوضيء الذي بلغته البشرية.. يبقى الإسلام هناك - رحمة من الله بالبشرية - لعلها أن ترفع أقدامها من الوحل، وترفع عينيها عن الحمأة.. وتتطلع مرة أخرى إلى الخط الوضيء؛ وتسمع مرة أخرى حداء هذا الدين؛ وتعرج مرة أخرى إلى القمة السامقة على حداء الإسلام.. ونحن لا نملك - في حدود منهجنا في هذه الظلال - أن نستطرد إلى أبعد من هذه الإشارة.. لا نملك أن نقف هنا تلك "الوقفة الطويلة" التي ندعو البشرية كلها أن تقفها أمام هذه النصوص ودلالتها. لتحاول أن تستشرف المدى الهائل الذي يرتسم من خلالها في تاريخ البشرية؛ وهي تصعد على حداء الإسلام من سفح الجاهلية الهابط، إلى تلك القمة السامقة البعيدة.. ثم تهبط مرة أخرى على عواء "الحضارة المادية" الخاوية من الروح والعقيدة!.. ولتحاول كذلك أن تدرك إلى أين يملك الإسلام اليوم أن يقود خطاها مرة أخرى؛ بعد أن فشلت جميع التجارب، وجميع المذاهب، وجميع الأوضاع، وجميع الأنظمة، وجميع الأفكار؛ وجميع التصورات، التي ابتدعها البشر لأنفسهم بعيداً عن منهج الله وهداه.. فشلت في أن ترتفع بالبشرية مرة أخرى إلى تلك القمة؛ وأن تضمن للإنسان حقوقه الكريمة في هذه الصورة الوضيئة؛ وأن تفيض على القلوب الطمأنينة - مع هذه النقلة الهائلة - وهي تنقل البشرية إليها بلا مذابح؛ وبلا اضطهادات؛ وبلا إجراءات استثنائية تقضي على الحريات الأساسية؛ وبلا رعب، وبلا فزع، وبلا تعذيب، وبلا جوع، وبلا فقر، وبلا عرض واحد من أعراض النقلات التي يحاولها البشر في ظل الأنظمة البائسة التي يضعها البشر؛ ويتعبد فيها بعضهم بعضاً من دون الله.. فحسبنا هذا القدر هنا.. وحسبنا الإيحاءات القوية العميقة التي تفيض بها النصوص ذاتها، وتسكبها في القلوب المستنيرة. {وكذلك نفصل الآيات، ولتستبين سبيل المجرمين}.. ختام هذه الفقرة التي قدمت طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول في هذه النصاعة الواضحة. كما قدمت هذه العقيدة عارية من كل زخرف؛ وفصلت الاعتبارات والقيم التي جاءت هذه العقيدة لتلغيها من حياة البشرية؛ والاعتبارات والقيم التي جاءت لتقررها.. {وكذلك نفصل الآيات}.. بمثل هذا المنهج، وبمثل هذه الطريقة، وبمثل هذا البيان والتفصيل.. نفصل الآيات، التي لا تدع في هذا الحق ريبة؛ ولا تدع في هذا الأمر غموضاً؛ ولا تبقى معها حاجة لطلب الخوارق؛ فالحق واضح، والأمر بين، بمثل ذلك المنهج الذي عرض السياق القرآني منه ذلك النموذج.. على أن كل ما سبق في السورة من تفصيل لدلائل الهدى وموحيات الإيمان؛ ومن بيان للحقائق وتقرير للوقائع، يعتبر داخلاً في مدلول قوله تعالى: {وكذلك نفصل الآيات}.. أما ختام هذه الآية القصيرة: {ولتستبين سبيلُ المجرمين}.. فهو شأن عجيب!.. إنه يكشف عن خطة المنهج القرآني في العقيدة والحركة بهذه العقيدة! إن هذا المنهج لا يُعنى ببيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب. إنما يعنى كذلك ببيان الباطل وكشفه حتى تستبين سبيل الضالين المجرمين أيضاً.. إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين. وذلك كالخط الفاصل يرسم عند مفرق الطريق! إن هذا المنهج هو المنهج الذي قرره الله - سبحانه - ليتعامل مع النفوس البشرية.. ذلك أن الله سبحانه يعلم أن إنشاء اليقين الاعتقادي بالحق والخير يقتضي رؤية الجانب المضاد من الباطل والشر؛ والتأكيد من أن هذا باطل محض وشر خالص؛ وأن ذلك حق ممحض وخير خالص.. كما أن قوة الاندفاع بالحق لا تنشأ فقط من شعور صاحب الحق أنه على الحق؛ ولكن كذلك من شعوره بأن الذي يحاده ويحاربه إنما هو على الباطل.. وأنه يسلك سبيل المجرمين؛ الذين يذكر الله في آية أخرى أنه جعل لكل نبي عدواً منهم {أية : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين}تفسير : .. ليستقر في نفس النبي ونفوس المؤمنين، أن الذين يعادونهم إنما هم المجرمون؛ عن ثقة، وفي وضوح، وعن يقين. إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح. واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات. ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتد غبشاً وشبهة في موقف المؤمنين وفي سبيلهم. فهما صفحتان، متقابلتان وطريقان مفترقتان.. ولا بد من وضوح الألوان والخطوط.. ومن هنا يجب أن تبدأ كل حركة إسلامية بتحديد سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين. يجب إن تبدأ من تعريف سبيل المؤمنين وتعريف سبيل المجرمين؛ ووضع العنوان المميز للمؤمنين. والعنوان المميز للمجرمين، في عالم الواقع لا في عالم النظريات. فيعرف أصحاب الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية من هم المؤمنون ممن حولهم ومن هم المجرمون. بعد تحديد سبيل المؤمنين ومنهجهم وعلامتهم، وتحديد سبيل المجرمين ومنهجهم وعلامتهم. بحيث لا يختلط السبيلان ولا يتشابه العنوانان، ولا تلتبس الملامح والسمات بين المؤمنين والمجرمين.. وهذا التحديد كان قائماً، وهذا الوضوح كان كاملاً، يوم كان الإسلام يواجه المشركين في الجزيرة العربية. فكانت سبيل المسلمين الصالحين هي سبيل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه. وكانت سبيل المشركين المجرمين هي سبيل من لم يدخل معهم في هذا الدين.. ومع هذا التحديد وهذا الوضوح كان القرآن يتنزل وكان الله - سبحانه - يفصل الآيات على ذلك النحو الذي سبقت منه نماذج في السورة - ومنها ذلك النموذج الأخير - لتستبين سبيل المجرمين! وحيثما واجه الإسلام الشرك والوثنية والإلحاد والديانات المنحرفة المتخلفة من الديانات ذات الأصل السماوي بعد ما بدّلتها وأفسدتها التحريفات البشرية.. حيثما واجه الإسلام هذه الطوائف والملل كانت سبيل المؤمنين الصالحين واضحة، وسبيل المشركين الكافرين المجرمين واضحة كذلك.. لا يجدي معها التلبيس! ولكن المشقة الكبرى التي تواجه حركات الإسلام الحقيقية اليوم ليست في شيء من هذا.. إنها تتمثل في وجود أقوام من الناس من سلالات المسلمين، في أوطان كانت في يوم من الأيام داراً للاسلام، يسيطر عليها دين الله، وتحكم بشريعته.. ثم إذا هذه الأرض، وإذا هذه الأقوام، تهجر الإسلام حقيقة، وتعلنه اسماً. وإذا هي تتنكر لمقومات الإسلام اعتقاداً وواقعاً. وإن ظنت أنها تدين بالإسلام اعتقاداً! فالإسلام شهادة أن لا إله إلا الله.. وشهادة أن لا إله إلا الله تتمثل في الاعتقاد بأن الله - وحده - هو خالق هذا الكون المتصرف فيه. وأن الله - وحده - هو الذي يتقدم إليه العباد بالشعائر التعبدية ونشاط الحياة كله. وأن الله - وحده - هو الذي يتلقى منه العباد الشرائع ويخضعون لحكمه في شأن حياتهم كله.. وأيما فرد لم يشهد أن لا إله إلا الله - بهذا المدلول - فإنه لم يشهد ولم يدخل في الإسلام بعد. كائناً ما كان اسمه ولقبه ونسبه. وأيما أرض لم تتحقق فيها شهادة أن لا إله إلا الله - بهذا المدلول - فهي أرض لم تدن بدين الله، ولم تدخل في الإسلام بعد.. وفي الأرض اليوم أقوام من الناس أسماؤهم أسماء المسلمين؛ وهم من سلالات المسلمين. وفيها أوطان كانت في يوم من الأيام داراً للإسلام.. ولكن لا الأقوام اليوم تشهد أن لا إله إلا الله - بذلك المدلول - ولا الأوطان اليوم تدين لله بمقتضى هذا المدلول.. وهذا أشق ما تواجهه حركات الإسلام الحقيقية في هذه الأوطان مع هؤلاء الأقوام! أشق ما تعانيه هذه الحركات هو الغبش والغموض واللبس الذي أحاط بمدلول لا إله إلا الله، ومدلول الإسلام في جانب؛ وبمدلول الشرك وبمدلول الجاهلية في الجانب الآخر.. أشق ما تعانيه هذه الحركات هو عدم استبانة طريق المسلمين الصالحين، وطريق المشركين المجرمين؛ واختلاط الشارات والعناوين؛ والتباس الأسماء والصفات؛ والتيه الذي لا تتحدد فيه مفارق الطريق! ويعرف أعداء الحركات الإسلامية هذه الثغرة. فيعكفون عليها توسيعاً وتمييعاً وتلبيساً وتخليطاً. حتى يصبح الجهر بكلمة الفصل تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام!.. تهمة تكفير "المسلمين"!!! ويصبح الحكم في أمر الإسلام والكفر مسألة المرجع فيها لعرف الناس واصطلاحهم، لا إلى قول الله ولا إلى قول رسول الله! هذه هي المشقة الكبرى.. وهذه كذلك هي العقبة الأولى التي لا بد أن يجتازها أصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل! يجب أن تبدأ الدعوة إلى الله باستبانة سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين.. ويجب ألا تأخذ أصحاب الدعوة إلى الله في كلمة الحق والفصل هوادة ولا مداهنة. وألا تأخذهم فيها خشية ولا خوف؛ وألا تقعدهم عنها لومة لائم، ولا صيحة صائح: انظروا! إنهم يكفرون المسلمين! إن الإسلام ليس بهذا التميع الذي يظنه المخدوعون! إن الإسلام بيّن والكفر بين.. الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله - بذلك المدلول - فمن لم يشهدها على هذا النحو؛ ومن لم يقمها في الحياة على هذا النحو، فحكم الله ورسوله فيه أنه من الكافرين الظالمين الفاسقين.. المجرمين.. {وكذلك نفصّل الآيات، ولتستبين سبيل المجرمين}.. أجل يجب أن يجتاز أصحاب الدعوة إلى الله هذه العقبة؛ وأن تتم في نفوسهم هذه الاستبانة؛ كي تنطلق طاقاتهم كلها في سبيل الله لا تصدها شبهة، ولا يعوّقها غبش، ولا يميعها لبس. فإن طاقاتهم لا تنطلق إلا إذا اعتقدوا في يقين أنهم هم "المسلمون" وأن الذين يقفون في طريقهم ويصدونهم ويصدون الناس عن سبيل الله هم "المجرمون".. كذلك فإنهم لن يحتملوا متاعب الطريق إلا إذا استيقنوا أنها قضية كفر وإيمان. وأنهم وقومهم على مفرق الطريق، وأنهم على ملة وقومهم على ملة. وأنهم في دين وقومهم في دين: {وكذلك نفصّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين}.. ..وصدق الله العظيم..

ابن عاشور

تفسير : لمّا تقضّت المجادلة مع المشركين في إبطال شركهم ودحْض تعاليل إنكارهم نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم بأنَّهم لا يؤمنون بنبوءته إلاّ إذا جاء بآية على وفق هواهم، وأبطلت شبهتهم بقوله: {أية : وما نرسل المرسلين إلاّ مبشِّرين ومنذرين}تفسير : [الأنعام: 48] وكان محمد صلى الله عليه وسلم ممَّن شمله لفظ المرسلين، نقل الكلام إلى إبطال معاذيرهم فأعلمهم الله حقيقة الرسالة واقترانها بالآيات فبيّن لهم أنّ الرسول هو الذي يتحدّى الأمّة لأنّه خليفة عن الله في تبليغ مراده من خلقه، وليست الأمّة هي التي تتحدّى الرسول، فآية صدق الرسول تجيء على وفق دعواه الرسالة، فلو أدّعى أنّه مَلك أو أنّه بُعث لإنقاذ الناس من أرزاء الدنيا ولإدناء خيراتها إليهم لكان من عذرهم أن يسألوه آيات تؤيِّد ذلك، فأمّا والرسول مبعوث للهدى فآيته أن يكون ما جاء به هو الهدى وأن تكون معجزته هو ما قارن دعوته ممّا يعجز البشر عن الإتيان بمثله في زمنهم. فقوله {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله} استئناف ابتدائي انتقل به الكلام من غرض إلى غرض. وافتتاح الكلام بالأمر بالقول للاهتمام بإبلاغه، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة}تفسير : [الأنعام: 40]. وقد تكرّر الأمر بالقول من هنا إلى قوله {أية : لكلّ نبأ مستقرّ}تفسير : [الأنعام: 67] اثنتي عشرة مرة. والاقتصار على نفي ادّعاء هذه الثلاثة المذكورة في الآية ناظر إلى ما تقدّم ذكره من الآيات التي سألوها من قوله تعالى: {أية : وقالوا لولا أنز ل عليه ملَك}تفسير : [الأنعام: 8] وقوله: {أية : ولو نَزّلنا عليك كتاباً في قرطاس}تفسير : [الأنعام: 7] وقوله: {أية : فإن استطعتَ أن تَبْتَغِي نَفَقاً في الأرض}تفسير : [الأنعام: 35] الآية. وافتتح الكلام بنفي القول ليدلّ على أنّ هذا القول لم يقترن بدعوى الرسالة فلا وجه لاقتراح تلك الأمور المنفي قولها على الرسول لأنّ المعجزة من شأنها أن تجيء على وفق دعوى الرسالة. واللام في {لكم} لام التبليغ، وهي مفيدة تقوية فعل القول عندما لا تكون حاجة لذكر المواجَه بالقول كما هنا لظهور أنّ المواجَه بالقول هم المكذّبون، ولذلك ورد قوله تعالى: {أية : ولا أقول إنِّي ملَك}تفسير : [هود: 31] مجرّداً عن لام التبليغ. فإذا كان الغرض ذكر المواجَه بالقول فاللام حينئذٍ تسمَّى لام تعدَّية فعل القول فالذي اقتضى اجتلابَ هذه اللام هنا هو هذا القول بحيث لو قاله قائل لكان جديراً بلام التبليغ. والخزائن جمع خِزانة ـــ بكسر الخاء ـــ وهي البيت أو الصندوق الذي يحتوي ما تتوق إليه النفوس وما ينفع عند الشدّة والحاجة. والمعنى أنّى ليس لي تصرّف مع الله ولا أدّعي أني خازن معلومات الله وأرزاقه. و{خزائن الله} مستعارة لتعلّق قدرة الله بالإنعام وإعطاء الخيرات النافعة للناس في الدنيا. شبّهت تلك التعلّقات الصّلُوحية والتنجيزية في حَجْبها عن عيون الناس وتناولهم مع نفعها إيّاهم، بخزائن أهل اليسار والثروة التي تجمع الأموال والأحبية والخلع والطعام، كما أطلق عليها ذلك في قوله تعالى: {أية : ولله خزائن السماوات والأرض}تفسير : [المنافقون: 7]، أي ما هو مودع في العوالم العليا والسفلى ممّا ينفع الناس، وكذلك قوله: {أية : وإنْ من شيء إلاّ عندنا خَزائنه}تفسير : [الحجر: 21]. وتقديم المسند وهو قوله {عندي} للاهتمام به لما فيه من الغرابة والبشارة للمخبرين به لو كان يقوله. وقوله: {ولا أعلم الغيب} عطف على {عندي خزائن الله} فهو في حيَّز القول المنفي. وأعيد حرف النفي على طريقة عطف المنفيات بعضها على بعض فإنّ الغالب أن يعاد معها حرف النفي للتنصيص على أنّ تلك المتعاطفات جميعها مقصودة بالنفي بآحادها لئلاّ يتوهّم أنّ المنفي مجموع الأمرين. والمعنى لا أقول أعلم الغيب، أي علماً مستمراً ملازماً لصفة الرسالة. فأمّا إخباره عن بعض المغيّبات فذلك عند إرادة الله إطلاعه عليه بوحي خاصّ، كما قال تعالى: {أية : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسول}تفسير : [الجن: 26، 27] وهو داخل تحت قوله {إنْ أتّبع إلاّ ما يوحي إلي}. وعطف: {ولا أقول لكم إنِّي ملك} على {لا أقول لكم عندي خزائن الله} بإظهار فعل القول فيه، خلافاً لقوله: {ولا أعلم الغيب} لعلَّه لدفع ثقل التقاء حرفين: (لا) وحرف (إنّ) الذي اقتضاه مقام التأكيد، لأنّ إدّعاء مثله من شأنه أن يؤكّد، أي لم أدّع أنِّي من الملائكة فتقولوا: {أية : لولا أنزل عليه ملك}تفسير : [الأنعام: 8]، فنفي كونه ملكاً جواب عن مقترحهم أن ينزَل عليهم ملك أو أن يكون معه ملك نذيراً. والمقصود نفي أن يكون الرسول من جنس الملائكة حتى يكون مقارناً لمَلك آخر مقارنة تلازم كشأن أفراد الجنس الواحد. وكانوا يتوهَّمون أنّ الرسالة تقتضي أن يكون الرسول من غير جنس البشر فلذلك قالوا: {أية : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}تفسير : [الفرقان: 7]. فالمعنى نفي ماهية المَلَكية عنه لأنّ لجنس الملك خصائص أخرى مغايرة لخصائص البشر. وهذا كما يقول القائل لمن يكلِّفه عنتاً: إنِّي لست من حديد. ومن تلفيق الاستدلال أن يستدلّ الجُبائي بهذه الآية على تأييد قول أصحابه المعتزلة بتفضيل الملائكة على الأنبياء مع بُعد ذلك عن مهيع الآية. وقد تابعه الزمخشري، وكذلك دأبه كثيراً ما يُرْغِم معاني القرآن على مسايرة مذهبه فتنزو عصبيته وتَنْزوي عبقريته، وهذه مسألة سنتكلَّم عليها في مظنَّتها. وجملة {إنْ أتَّبع إلاّ ما يُوحي إليّ} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّه لمَّا نفي أن يقول هذه المقالات كان المقامُ مثيراً سؤال سائل يقول: فماذا تدّعي بالرسالة وما هو حاصلها لأنّ الجهلة يتوهَّمون أنّ معنى النبوءة هو تلك الأشياء المتبرّأ منها في قوله: {قل لا أقول لكم عندي خزائن} الخ، فيجاب بقوله: {إن أتَّبع إلاّ ما يوحي إليّ}، أي ليست الرسالة إلاّ التبليغ عن الله تعالى بواسطة الوحي. فمعنى {أتَّبع} مجاز مرسل في الاقتصار على الشيء وملازمته دون غيره. لأنّ ذلك من لوازم معنى الاتِّباع الحقيقي وهو المشي خلف المتّبَع ـــ بفتح الموحّدة ـــ، أي لا أحيد عن تبليغ ما يوحى إليّ إلى إجابة المقترحات من إظهار الخوارق أو لإضافة الأرزاق أوْ إخبار بالغيب، فالتَّلقِّي والتبليغ هو معنى الاتِّباع، وهو كنه الرسالة عن الله تعالى. فالقصر المستفاد هنا إضافي، أي دون الاشتغال بإظهار ما تقترحونه من الخوارق للعادة. والغرض من القصر قلب اعتقادهم أنّ الرسول لا يكون رسولاً حتَّى يأتيهم بالعجائب المسؤولة. وقد حصل بذلك بيان حقيقة الرسالة تلك الحقيقة التي ضلّ عن إدراكها المعاندون. وهذا معنى قوله تعالى: {أية : وما نرسل المرسلين إلاّ مبشِّرين ومنذرين}تفسير : [الأنعام: 48]. وإذ قد كان القصر إضافياً كان لا محالة ناظراً إلى قلب اعتقادهم بالنسبة لمطالبهم باتِّباع مقترحاتهم، أي لا أتَّبع في التبليغ إليكم إلاّ ما يوحى إليّ. فليس في هذا الكلام ما يقتضي قصر تصرّف الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ على العمل بالوحي حتَّى يحتجّ بها من ينفي من علمائنا جواز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم في أمور الدين لأنّ تلك مسألة مستقلّة لها أدلَّة للجانبين، ولا مساس لها بهذا القصر. ومن توهّمه فقد أساء التأويل. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ}. هذا ختام للمجادلة معهم وتذييل للكلام المفتتح بقوله {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله}، أي قل لهم هذا التذييل عقب ذلك الاستدلال. وشبّهت حالة من لا يفقه الأدلّة ولا يفكِّك بين المعاني المتشابهة بحالة الأعمى الذي لا يعرف أين يقصد ولا أين يضع قدمه. وشبِّهت حالة من يُميِّز الحقائق ولا يلتبس عليه بعضها ببعض بحالة القويّ البصر حيث لا تختلط عليه الأشباح. وهذا تمثيل لحال المشركين في فساد الوضع لأدلَّتهم وعُقم أقيستهم، ولحال المؤمنين الذين اهتدوا ووضعوا الأشياء مواضعها، أو تمثيل لحال المشركين التي هم متلبّسون بها والحال المطلوبة منهم التي نفروا منها ليعلموا أيّ الحالين أولى بالتخلّق. وقوله {أفلا تتفكّرون} استفهام إنكار. وهو معطوف بالفاء على الاستفهام الأول، لأنّه مترتِّب عليه لأنّ عدم استواء الأعمى والبصير بديهي لا يسعهم إلاّ الاعتراف بعدم استوائهما فلا جرم أن يتفرّع عليه إنكار عدم تفكّرهم في أنَّهم بأيّهما أشبه. والكلام على الأمر بالقول مثل ما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة}تفسير : [الأنعام: 40]. والتفكّر: جولان العقل في طريق استفادة علم صحيح.

الواحدي

تفسير : {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله} التي منها يرزق ويعطي {ولا أعلم الغيب} فأخبركم بعاقبة ما تصيرون إليه {ولا أقول لكم إني ملك} أشاهد من أمر الله ما لا يشاهده البشر {إن أتبع إلاَّ ما يوحى إلي} أَيْ: ما أخبركم إلاَّ بما أنزل الله عليَّ {قل هل يستوي الأعمى والبصير} الكافر والمؤمن {أفلا تتفكرون} أَنَّهما لا يستويان. {وأنذر به} خوِّف بالقرآن {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} يريد: المؤمنين، يخافون يوم القيامة، وما فيها من الأهوال {ليس لهم من دونه وليّ ولا شفيع} يعني: إنَّ الشفاعة إنَّما تكون بإذنه، ولا شفيعٌ ولا ناصرٌ لأحدٍ في القيامة إلاَّ بإذن الله {لعلهم يتقون} كي يخافوا في الآخرة وينتهوا عمَّا نهيتهم. {ولا تطرد الذين يدعون ربهم...} الآية. نزلت في فقراء المؤمنين لمَّا قال رؤساء الكفَّار للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: نَحِّ هؤلاء عنك لنجالسك ونؤمن بك. ومعنى: {يدعون ربهم بالغداة والعشي} يعبدون الله بالصَّلوات المكتوبة. {يريدون وجهه} يطلبون ثواب الله {ما عليك من حسابهم} من رزقهم {من شيء} فَتَمَلُّهم وتطردهم {وما من حسابك عليهم من شيء} أَيْ: ليس رزقك عليهم، ولا رزقهم عليك، وإنَّما يرزقك وإيَّاهم الله الرَّازق، فدعهم يدنوا منك ولا تطردهم {فتكون من الظالمين} لهم بطردهم. {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} ابتلينا الغنيّ بالفقير، والشَّريف بالوضيع {ليقولوا} يعني: الرُّؤساء {أهؤلاء} الفقراء والضُّعفاء {منَّ الله عليهم من بيننا} أنكروا أن يكونوا سبقوهم بفضيلةٍ، أو خصُّوا بنعمةٍ، فقال الله تعالى: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} أيْ: إنَّما يهدي إلى دينه مَنْ يعلم أنَّه يشكر.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 50- قل - أيها الرسول - لهؤلاء الكفار: لا أقول لكم إنى أملك التصرف بما يملكه الله فأجيبكم إلى ما تطلبون، ولا أدعى علم الغيب الذى لم يطلعنى الله عليه، ولا أقول إنى ملك أستطيع الصعود إلى السماء! إنما أنا بشر لا أتبع إلا ما يوحيه الله إلى. قل - أيها النبى -: هل يستوى الضال والمهتدى فى معرفة هذه الحقائق؟ هل يليق بكم أن تعرضوا عن هدى أسوقه لكم، فلا تتأملون فيه بعقولكم حتى يتبين لكم الحق؟ 51- وحذّر - بما فى هذا القرآن - الذين يخافون من هول يوم تسوقهم فيه الملائكة للحساب والجزاء، حيث لا ناصر لهم ولا شفيع إلا بإذن الله، ليبتعدوا عما يغضب الله. 52- ولا تستجب - أيها النبى - لدعوة المتكبرين من الكفار، فتُبعد عنك المستضعفين من المؤمنين، الذين يعبدون ربهم دائماً، ولا يريدون إلا رضاه. ولا تلتفت لدس المشركين على هؤلاء المؤمنين، فلست مسئولا أمام الله عن شئ من أعمالهم، كما أنهم ليسوا مسئولين عن شئ من أعمالك، فإن استجبت لهؤلاء الكفار المتعنتين، وأبعدت المؤمنين، كنت من الظالمين. 53- وبمثل هذا الابتلاء الذى جرت به سُنَّتنا، امتحنا المتكبرين بسبق الضعفاء إلى الإسلام، ليقول المتكبرون مستنكرين ساخرين، هل هؤلاء الفقراء هم الذين أنعم الله عليهم من بيننا بالخير الذى يعدهم به محمد؟ إن هؤلاء الفقراء يعرفون نعمة الله عليهم بالتوفيق إلى الإيمان فيشكرونه. والله أعلم بمن يشكرون فضله ونعمه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: خزائن: جمع خزانة أو خزينة ما يخزن فيه الشيء ويحفظ. الغيب: ما غاب عن العيون وكان محصلاً في الصدور وهو نوعان غيب حقيقي وغيب إضافي فالحقيقي ما لا يعلمه إلا الله تعالى، والإِضافي ما يعلمه أحد ويجهله آخر. أنذر به: خوّف به أي بالقرآن. الغداة: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والعشي من صلاة العصر إلى غروب الشمس. فتطردهم: أي تبعدهم من مجلسك. فتنا: ابتلينا بعضهم ببعض الغني بالفقير، والشريف بالوضيع. من الله علينا: أي أعطاهم الفضل فهداهم إلى الإِسلام دوننا. بالشاكرين: المستوجبين لفضل الله ومنته بسبب إيمانهم وصالح أعمالهم. معنى الآيات: ما زال السياق مع العادلين بربهم الأصنام المنكرين للنبوة المحمدية فأمر الله تعالى رسوله أن يقول لهم: {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} أي خزائن الأرزاق {وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب، {وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} من الملائكة ما أنا إلا عبد رسول أتبع ما يوحي إلي ربي فأقول وأعمل بموجب وحيه إلي. ثم قال له اسألهم قائلاً {هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}؟ والجواب لا، فكذلك لا يستوي المؤمن والكافر، والمهدي والضال {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} أي ما لكم لا تتفكرون فتهتدوا للحق وتعرفوا سبيل النجاة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [50] أما الآية الثانية [51] فإن الله تعالى يأمر رسوله أن ينذر بالقرآن المؤمنين العاصين فقال {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} يوم القيامة وهم مذنبون، وليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع فهؤلاء ينفعهم إنذارك بالقرآن أما الكفرة المكذبون فهم كالأموات لا يستجيبون وهذا كقوله تعالى من سورة ق {أية : فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}تفسير : [الآية: 45] فهؤلاء إن أنذرتهم يرجى لهم أن يتقوا معاصي الله ومعاصيك أيها الرسول وهو معنى قوله تعالى: {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. هذا ما تضمنته الآية الثانية [51] أما الآية الثالثة [52] وهي قوله تعالى {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} فإن بعض المشركين في مكة اقترحوا على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبعد من مجلسه فقراء المؤمنين كبلال وعمار وصهيب حتى يجلسوا إليه ويسمعوا عنه فهمَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفعل رجاء هداية أولئك المشركين فنهاه الله تعالى عن ذلك بقوله {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} في صلاة الصبح، وصلاة العصر، يريدون وجه الله ليرضى عنهم ويقربهم ويجعلهم من أهل ولايته وكرامته، ومبالغة في الزجر عن هذا الهم قال تعالى: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} أي ما أنت بمسؤول عن خطاياهم إن كانت لهم خطايا، ولا هم بمسئولين عنك فلم تطردهم إذاً؟ {فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أي فلا تفعل، ولم يفعل صلى الله عليه وسلم وصبر عليهم وحبس نفسه معهم وفي الآية الأخيرة [53] يقول تعالى: {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي هكذا ابتلينا بعضهم ببعض هذا غني وذاك فقير، وهذا وضيع وذاك شريف، وهذا قوي وذاك ضعيف ليؤول الأمر ويقول الأغنياء الشرفاء للفقراء الضعفاء من المؤمنين استخفافاً بهم واحتقاراً لهم: أهؤلاء الذين من الله عليهم بيننا بالهداية والرشد قال تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ}. بلى فالشاكرون هم المستحقون لإِنعام الله بكل خير وأما الكافرون فلا يعطون ولا يزادون لكفرهم النعم، وعدم شكرهم لها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم. 2- تقرير مبدأ أن الرسول لا يعلم الغيب، وأنه لا يتصرف في شيء من الكون. 3- نفي مساواة المؤمن والكافر إذ المؤمن مبصر والكافر أعمى. 4- استحباب مجالسة أهل الفاقة وأهل التقوى والإِيمان. 5- بيان الحكمة في وجود أغنياء وفقراء وأشراف ووضعاء، وأقوياء وضعفاء وهي الاختبار. 6- الشاكرون مستوجبون لزيادة النعم، والكافرون مستوجبون لنقصانها وذهابها.

القطان

تفسير : الخزائن: واحدها خِزانة، ما يُخزن فيه ما يراد حفظه ومنع التصرف فيه. الغيب: ما غيِّب علمه عن الناس. الاعمى والبصير: المراد به هنا الضال والمهتدي. كان الكلام في الآيات السالفة في بيان اركان الدين واصول العقائد ووظيفة الرسل، والجزاء، على الاعمال يوم الحساب، وهنا يبين لنا وظيفة الرسل العامة. قل ايها الرسول لهؤلاء الكفار المعاندين: أنا لا أقول لكم عندي خزائن الله فأملم التصرّف في أرزاق العباد، وشئون المخلوقات. كلا، ان التصرف المطلق من شأن الله وحده. وليس موضوع الرسالة ان يكون الرسول قادراً على ما لا يقدر عليه البشر، كتفجير الينابيع والأنهار في مكة، وإيجاد الجنات والبساتين، والإتيان بالله والملائكة وغير ذلك من التعجيز. وكان المشركون قد جعلوا ذلك شرْطاً للايمان بالرسول. كذلك لا أدّعي علم الغيب الذي لم يطلعني الله عليه، ولا أقول إني ملَك أستطيع الصعود الى السماء اما قوله تعالى {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } فإن إظهار شيء خاص من عالم الغيب على يدي الرسل لهو من الأمور التي يخصّ بها الرسل ليؤيد بذلك دعوتَهم ورسالتهم. وهو لايتعدّى إلى حمل أقوال الرسل على المستقبل، فهم لا يعلمون الا ما علمهم الله به. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ}. إنما أنا بشر أتبع ما يوحيه الله تعالى إلي، فأمضي لوحيه واعمل بأمره. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ... }. هنا وبخهم الله تعالى على ضلالهم، فأمر رسوله ان يسألهم ما اذا كانوا يعتقدون أن الضال والمهتدي ليسا سواء فقال: قل هل أعمى البصيرة الضال عن الصراط المستقيم، يَعْدِل ذا البصيرة المهتدي إليه؟ هل يليق بكم ان تعرضوا عن الهدى الذي أسوقه إليكم بعد هذا كله!! تعقلوا ايها القوم ما في القرآن من ضروب الهداية والعرفان.

د. أسعد حومد

تفسير : {خَزَآئِنُ} (50) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبينَ، الذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ الآيَاتِ تَعْجِيزاً لِجَهْلِهْم بِحَقِيقَةِ النُّبُوّةِ، وَلِظَنِّهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ لاَ يَكُونُ نَبِيّاً إِلاّ إِذَا أَصْبَحَ قَادِراً عَلَى مَا لاَ يَقْدِرُ البَشَرُ عَلَيْهِ: إِنِّي لاَ أَقُولُ لَكُمْ إِني أَمْلِكُ خَزَائِنَ اللهِ، وَلا أَتَصَرَّفُ بِهَا، وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اللهِ، فَعِلْمُ الغَيْبِ عِنْدَ اللهِ وَحْدَهُ وَلا أَطَّلِعُ مِنْهُ إِلاَّ عَلَى مَا أَطْلَعَنِي عَلَيْهِ رَبِّي، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلا أَدَّعِي أني مَلَكٌ، إِنَّما أَنَا بَشَرٌ يُوحِي إِليهِ اللهُ، وَقَدْ شَرَّفَنِي سُبْحَانَهُ بِذلِكَ، وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ، وَإِنَّنِي أَتَّبِعُ مَا يُوحِيهِ اللهُ إِلَيَّ، وَلاَ أَخْرُجُ عَنْهُ مُطْلَقاً. قُلْ لَهُمْ: هَلْ يَسْتَوي مَنِ اتَّبَعَ الحَقَّ وَهُدِي إلَيهِ، مَعَ مَنْ ضَلَّ عَنْهُ، فَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ، وَلَمْ يَنْقَدْ إِلَيهِ؟ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ فِي أنَّهُمَا لاَ يَسْتَوِيَانِ؟ خَزَائِنُ اللهِ - مَرْزُوقَاتُ اللهِ وَمَقْدُورَاتُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و"قل" - كما نعلم - هي أمر من الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول يبلغ ما أمر به الله، وكان يكفي أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: لا أقول لكم عندي خزائن الله. لكنها دقة البلاغ عن الله، إنّ القرآن توقيفي بمعنى أن كل كلمة فيه نزلت من الله كما هي وبلغها الوحي الأمين لسيدنا رسول الله، وبلغها لنا صلى الله عليه وسلم كما هي، ويدل ذلك على أن أحداً لا يملك التصرف حتى في اللفظ، بل لا بد من أمانة النقل المطلقة. وأبلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحق قد أرسله هادياً ومبشراً ونذيراً بآية دالة على صدق البلاغ عنه وهي القرآن. وكان يجب على مَن يستقبل هذا البلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه. فليس من حق أحد أن يطلب من الرسول آيات غير التي أنزلها الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يدَّع إلا أنه مبلغ عن الله، فيجب أن تكون المقابلة له في إطار هذا الادعاء. وقد تجاوز الكافرون ذلك عندما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات أخرى، كتفجير بعض الأرض ينابيع مياه، أو أن يكون له بيت من زخرف، ولذلك يوضح له الحق سبحانه أن يبلغهم أنه لا يملك مع الله خزائن السموات والأرض، فكيف تطلبون بيوتا وقصورا، وكيف تطلبون معرفة الغيب حتى تقبلوا على النافع وتتجنبوا الضار؟. ألا يكفيكم المنهج الإلهي الذي يهديكم إلى صناعة كل نافع لكم ويجنبكم كل أمر ضار بكم؟ ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم إنه يعلم الغيب. وهو بشهادتهم هم يقولون عنه ما جاء بالقرآن الكريم: {أية : وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} تفسير : [الفرقان: 7-8]. لقد سخروا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطالبوا أن تكون له آيات أخرى، وتساءلوا كيف يمكن أن يزعم أنه رسول وهو يأكل الطعام كما يأكلون، ويغشى الأسواق لكسب العيش كما يفعل البشر، ولو كان رسولاً لكفاه الله مشقة كسب العيش، ولأنزل إليه مَلكاً يساعده في البلاغ عن الله، أو يلقي إليه الله من السماء بكنز ينفق منه، أو تكون له حديقة غناء يأكل من ثمارها. هذا ما قاله كبار المشركين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وأرادوا أن يصدوا الناس عن الإيمان بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرة يتهمونه بأنه مسحور، ومرة بأنه مجنون، وثالثة بأنه يهذي، ورابعة بأنه كذاب، وخامسة بأنه يتلقى القرآن من أعاجم، ويدحض الحق كل هذه الأكاذيب وكل تلك الافتراءات التي ضلوا بها وأضلوا بها سواهم. إنه صلى الله عليه وسلم رسول من الرسل: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} تفسير : [الفرقان: 20]. إن الرسل من قبلك يا رسول الله كانت تأكل الطعام، وتكسب العيش من العمل ويترددون على الأسواق، فإذا كان المشركون يعيبون عليك ذلك ويحاولون إضلال الناس بكل الأساليب، فأنت ومن معك يا رسول الله من المؤمنين سيكتب الله لكم النصر ويَجْزِي كُلاً بما عمل. ثم إن الآيات التي يطلبها المشركون من رسول الله كانت كلها تعنتاً؛ فهو لم يقل لهم: إنه ملك. لقد قال لهم: إنه رسول مبلغ عن الله، وكل ما يؤديه هو صدق الأداء عن الله، فكيف يطلبون منه أشياء لا تتعلق إلا بملكية الله لخزائن الأرض؟ وكيف يطلبون منه أن يعلمهم الغيب؟ وكيف ينتقدون أنه رسول وبشر يأكل ويتزوج ويمشي في الأسواق؟ إن كل تلك الأقوال دليل التعنت؛ لأنهم قد طلبوا أشياء تخرج عن مجال ما ادعاه رسول الله لنفسه من أنه رسول مبلغ عن الله؛ إنهم طلبوا الخير النافع والينابيع التي تجري، والجنات والقصور، وأشياء كلها ليست في مقدور رسول مبلغ عن الله، لأن الذي يهبها هو الله سبحانه وتعالى. وكلمة "خزائن" هذه مفردها "خِزانة" وهي الشيء الذي يكنز فيه كل نفيس ليخرج منه وقت الحاجة. ولا تقل: خِزانة إلا لشيء جعلته ظرفاً لشيء نفيس تخاف عليه من أن تخرجه في غير أَوَانِ وزمان إخراجه. وخزائن الأرض كلها يملكها الله، فهو سبحانه وتعالى القائل: {أية : وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 19-21]. إذن فالحق جاء بالقضية الكلية، وهي أن أسرار الله ونفائسه في الكون هي بيد الله في خزائنه، وهو سبحانه يجليها ويظهرها ويكشفها لوقتها. كيف؟ إن الحق سبحانه وتعالى تكلم عن بدء الخلق، وتكلم عن خلق السموات والأرض، وتكلم عن هذا الموضوع كلاماً مجملاً تفسره الآيات الأخرى. فالحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 9-11]. يأمر الحق رسوله أن يبلغ هؤلاء المشركين كيف يكفرون بالله الذي خلق الأرض في يومين وكيف يجعلون له شركاء وهو الخالق للأرض التي هي مناط الحركة لابن آدم. لقد خلق فيها سبحانه ما يقيت ابن آدم وتقوم به حياته وإن أراد الترف فلا بد له من الطموح في الحياة. وهو سبحانه جعل في الأرض رواسي - أي جبالاً - وبارك في الأرض وفي الرواسي. ثم جاء بتقدير الأقوات بعد ذكر الرواسي وهي الجبال، فكأن الجبال في حقيقة أمرها هي مخازن القوت. وقد يقول قائل: كيف ذلك؟ ونقول: إن الواقع قد أثبت هذه الحقيقة؛ فأنت إن نظرت إلى الأنهار التي تجري، لوجدتها تتكون من الماء الذي تساقط من الأمطار على الجبال، فالمياه المكونة من ذرات صغيرة دقيقة تنزل على هذه الجبال لتفتتها، وكأن المياه هي "المبُرَد" الذي يزيل من سطح الجبال هذه الرمال المليئة بالعناصر الغذائية للأرض، وهو ما نسميه نحن "الغرين"، والغرين - كما نعلم - هو ما ينزل مع المياه من سطوح الجبال إلى مجرى النهر، وباندفاع المياه في مجرى النهر تنتقل المادة الخصبة إلى الأرض، وتتكون تلك الطبقة الخصبة التي تتغذى منها النباتات. ولو شاء الحق سبحانه وتعالى لجعل سطح الأرض كله مستوياً، وفيه الخصوبة التي تنبت النبات. لكن حكمته سبحانه شاءت أن تصنع للنبات غذاءه بهذه الطريقة. فأنت إذا ما نظرت إلى النبات وجدته يختلف من نوع إلى نوع في أسلوب امتصاصه للعناصر الغذائية اللازمة له، فهناك نوع من النبات يمتص غذاءه من عمق نصف المتر، ونوع ثانٍ يأخذ غذاءه من عمق المتر، وهكذا. وإن لم نأت للأرض المزورعة بسماد أو مخصبات أو غرين، فإن الأرض تضعف؛ لأن الحق يريد لعملية الزراعة أن تستمر وتمتد وتتوالى، فجعل الجبال مكونة بشكل صُلب، وتمر على الجبال عوامل التعرية من حرارة وبرودة وتشققات ثم ينزل عليها المطر فيذيب من سطوح الجبال بعضاً من تلك المواد الغذائية اللازمة للأرض، تنتقل هذه المواد الغذائية عبر المياه إلى الأرض، وبهذا يتوالى الإمداد بالخصب من الجبال إلى الأرض. وهكذا نجد أن الجبال في حقيقتها هي مخازن لخيرات الله. وهل مقومات الحياة زرع فقط؟ لا، لأنك إن نظرت إلى نموذج مصغر للكرة الأرضية، ستجده يشبه البطيخة الكبيرة، وإن جئت لتقطع مثلثاً من محيط القشرة إلى مركز البطيخة، وجعلت هذا المثلث يشبه الهرم، ثم أخذت منها مثلثاً آخر من أي ناحية سواء أكان من ناحية الأرض الخصبة، أم من البحار أم من الجبال أم من الوديان، أم من الصحاري، ثم نظرت من بعد كل ذلك إلى الخير المطمور في كل جزء من هذه الأجزاء لوجدته مساوياً للجزء الآخر. لماذا؟ لأن الحياة لا تعتمد على ألوان محصورة من القوت، ولكنها تحتاج في عمارتها إلى أدوات ومواد الحضارة من حديد وبترول ومنجنيز وغير ذلك من كنوز الأرض التي تقوم عليها الحضارة. إننا نجد هذه الخيرات مكنوزة إما في الجبال وإما في الصحاري. ولكن كل خير من هذه الخيرات له ميعاد، وله ميلاد، وانت لو قست ووزنت الخيرات الموجودة في أي مثلث هرمي من الأرض من مركزها إلى محيطها، وقارنتها بوزن قياس الخيرات الموجودة في مثلث هرمي آخر مساوٍ له من الكرة الأرضية نفسها، لوجدت الخيرات متساوية في كل من المثلثين. ولكن لكل لون من هذه الخيرات ميلاد وميعاد. {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 21]. فما يقال له شيء، فإن له خزانة عند الله يُنْزِلُ منها سبحانه بقَدَر. ونرى ذلك من قمة الوجود، وهو العقل، إن العقل شيء، وله خزائن عند الله، فما كان موجوداً من أفكار من عشرة قرون لدى البشرية جميعا لا يقاس بكمية الأفكار التي يمتلكها. العقل الجمعي للعالم الآن، ذلك أن كل جيل قد استفاد مقدمات من أفكار الجيل السابق له ليصل إلى نتاج جديد. إذن فهناك خزائن للأفكار وللخواطر. وكذلك كل شيء في الوجود له عند الله خزائن لا ينزل منها إلا بِقَدَر معلوم: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}. وساعة يرى الحق أن يظهر ميلاد سر ما، فهو سبحانه يهيء الأسباب لذلك. وعلى سبيل المثال - ولله المثل الأعلى - كنا قديما نقطع الأخشاب من الأشجار لنصنع منها وقوداً، وكنا بعد أن نقطع الأخشاب نخشى عليها من الفساد، لذلك وضع الحق بعضاً من إلهاماته للعقل البشري حتى يستطيع تحويل الخشب إلى فحم ليضمن الإنسان صيانة الخشب، وليضمن وجود مصدر للطاقة هو الفحم النباتي. ومن بعد ذلك اكتشف الإنسان الفحم الحجري. ومن بعد ذلك اكتشفنا البترول، كل ذلك من خيرات الطاقة كان مكنوزاً في الأرض، ولم يكتشفه الإنسان إلا بعد أن أعطاهم الله الاستعداد لاستقبال هذا الخير، وسيظل عطاء الله قائماً إلى أن تقوم الساعة. فمع الفحم دخلنا عصر البخار، ثم دخلنا عصر الكهرباء، ثم دخلنا عصر الذرة. وكل هذه الأشياء كان لكل منها ميلاد، ولكل منها مكان في خزائن الله، وعندما ينزل الله أي خاطر من الخواطر على عبد من عباده فإن العبد يأخذ بالأسباب ويكتشف ميلاد السر المكنوز. وكل لاحق يأخذ من خير السابق ويبني عليه. وهكذا ينمو الخير دائماً. والأشياء في خزائن الله إما أن تكون مطمورة وإما تكون محكمة إحكاماً رقمياً، وعلى سبيل المثال، هذا هو الراديوم الذي اكتشفته "السيدة كوري" أظهره الله على يديها في وقت الحاجة إليه. وكان العلماء قبل اكتشاف الراديوم يعلمون أن هناك عنصراً لم يعرفوه له تركيب ذري معين؛ لأن عناصر الكون مصنوعة بحكمة جليلة كبيرة. وقد ينزل الشيء شائعاً في غيره، ومثال ذلك أن تقطف وردة وتستمتع بأريجها وجمال منظرها إلى أن تذبل، وقد يغيب عنك أن الوردة مكونة من تركيب معين، فالرطوبة هي التي تعطي الوردة نضارة، وكل شيء في الوردة هو من مادة الأرض، وعندما تذبل الوردة فهي تعود إلى عناصر الأرض بعد أن تتبخر منها المياه وتذهب كبخار مع غيرها من المتبخرات إلى السحاب الذي تحركه الرياح فيسقط مطراً. وهكذا نجد أن قطرات المياه التي كانت في الوردة تبخرت وانضمت إلى السحاب، قد عادت مرة أخرى إلى الأرض من خلال المطر، ومادة الماء نفسها لم تزد ولم تنقص منذ أن خلق الله الخلق في هذا الكون، ونحن ننتفع بهذا الماء، وعندما ينتهي انتفاع إنسان بجزء من المياه فالماء يعود من خلال عمليات أرادها الله إلى خزانة الماء في الكون. وليسأل الإنسان منا نفسه: كم طناً من الماء قد شربته في حياتك؟ وستجد أنك قد شربت وانتفعت بمئات أو بآلاف من الأطنان، وخرج منك الماء في شكل عرق أو بول أو مخاط، أو غير ذلك. وكم بقي من الماء في جسمك؟ إنها نسبة قد تزيد على تسعين بالمائة من وزن جسمك أياً كان الوزن، ومن بعد أن يأتي أجلك كما قدره الله. فتتبخر كمية المياه التي في هذا الجسم لتنضم إلى السحاب ثم تنزل مع المطر. إذن فكمية المياه لم تنقص في الكون ولم تزد. وهذا ما نسميه الرزق المخزون بالتحول، تماماً كما تبخرت كمية المياه التي في الوردة، وتبخرت رائحتها في الجو وكذلك مادتها الملونة ذابت في الأرض. وساعة نزرع شجرة ورد تأخذ كل وردة لونها من المواد الملونة المخزونة في الأرض. إذن فكل شيء إما مخزون بذاته في خزائن الله، وإما مخزون بعناصره المحولة إلى غيره. وكل الوجود على هذا الشكل. وحركة الحياة هي بين الاثنين. إن الإنسان - على سبيل المثال - من لحم ومن دم، والبقرة أيضاً من لحم ودم، ويموت الإنسان ليعود إلى الأرض، ويستفيد الإنسان من الحيوان، وتعود كل مادة الحيوان إلى الأرض. وتدخل العناصر في دورة جديدة. إذن هي خزائن للحق، إما محولة، وإما خزائن حافظة؛ فالشيء الذي نستنبطه بحالته هو في خزائن حافظة، والشيء الذي يدور في غيره ويرجع إلى الأصل هو في خزائن محولة. ومن رحمة الحق بالخلق أنه لم يملك خزائن الأرض أو السمٰوات لأحد من البشر حتى لا يستعلي إنسان على آخر. ولم يعط الحق حتى للرسل أي حق للتصرف في هذه الخزائن؛ لأن الرسل بشر، وقد احتفظ الحق لنفسه بخزائن الأرض والسموات ليطمئننا على هذه الخزائن. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً} تفسير : [الإسراء: 100]. الحق سبحانه يعلم أن الإنسان مطبوع على الحرص الشديد أو البخل، وهو سبحانه الغني الكريم؛ لذلك ينزل ما يشاء من خزائنه لعباده حتى ينتفعوا. ولم يدع الرسول صلى الله عليه وسلم الخزائن لنفسه، فكيف يطالبه المشركون بما في خزائن الله، وهو صلى الله عليه وسلم يوضح ذلك ويوضح أيضاً أنه لا يعلم الغيب: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} [الأنعام: 50]. وهو بذلك صلى الله عليه وسلم ينفي عن نفسه أي صفة من صفات الألوهية؛ لأن الخزائن الكونية هي في يد الله، وكذلك ينفي عن نفسه علم الغيب. ولقائل أن يقول: ولكن ماذا عن الأشياء والأحداث التي كان يخبرنا بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي أحداث مستقبلية؟ ونقول: إن ذلك ليس علماً الغيب، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم مُعَلَّم غيب، أي أن ربنا سبحانه وتعالى قد علمه، ومثال ذلك قول القرآن الكريم: {أية : ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 44]. إن الحق سبحانه هو الذي علَّم رسوله صلى الله عليه وسلم تلك الأخبار التي كانت من أنباء الغيب، ويحسم الحق هذه المسألة عندما يقول: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} تفسير : [الجن: 26-27]. فسبحانه وتعالى هو وحده عالم الغيب، ولا يُطْلِع أحداً من خلقه على الغيب. إلا الرسول الذي يرتضيه الله ليخبره ببعض من الغيب، ويحفظ الحق رسوله في أثناء ذلك بملائكة حفظة تحميه من تعرض الجن لما يريد إطلاعه عليه لئلا يسترقوه ويهمسوا به إلى الكهنة قبل أن يبلغه الرسول وحتى يصل الوحي إلى الناس خالصا من تخليط الجن وعبثهم. إذن فالرسول مُعَلَّم غيب وليس عالم غيب. والغيب - كما نعلم - هو ما غاب عن الحس، ولم توجد له مقدمات تدل عليه، فهناك أشياء تغيب عنك ولكن لها مقدمات، فإن التزمت بالمقدمات من بدايتها يمكنك أن تصل إلى النتيجة. مثال ذلك: إن أعطيت تلميذاً مسألة حسابية ليقوم بحلها، وعندما يحل التلميذ هذه المسألة فهو لم يعلم الغيب، ولكنه أخذ المقدمات والمعطيات، وبحث عن المطلوب، وأخذ يرتب المعلومات ليستنبط منها النتيجة. وكذلك حال الذين اكتشفوا أسراراً في الوجود، أعلموا غيباً؟ لا ، إنهم فقط استخدموا بعضاً من المقدمات التي كانت موجودة أمامهم في الكون، وتوصلوا إلى نتائج جديدة، صحيح أن هذه النتائج كانت غائبة عنا، ولكن مقدماتها كانت موجودة، وكذلك كل النظريات الهندسية، كل نظرية نجدها تعتمد على سابقتها، وكل نظرية - حتى أعقدها وأصعبها - هي ملاحظة لأمر بدهي في الكون. وكل علم من العلوم له مقدمات إن بحث فيها باحث فإنه يصل إلى النتائج الجديدة، وهذا ما نسميه "غيبا إضافيا"، أي كان غيباً في وقت ما لكنه غير غيب في وقت آخر، ولذلك يُنسب هذا العلم إلى البشر دائماً، ولنقرأ قول الحق سبحانه: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} تفسير : [البقرة: 255]. والإحاطة بالعلم كلها لله، وهو سبحانه الذي يأذن لبعض من خلقه بالإحاطة ببعضٍ من هذا العلم، وكل سر من أسرار هذا الكون لا يولد إلا بإذن منه سبحانه وتعالى، وهو سبحانه يوفق العلماء أن يبحثوا في المقدمات ليصلوا إلى النتائج. ولكن ماذا عن العلم الذي لا توجد له مقدمات؟ هذا من الغيب المطلق الذي لا يظهره الحق لأحد إلا لمن ارتضى من رسول. أقول ذلك حتى لا يخطئ أحدنا فيظن أن إخبار إنسان لإنسان بمصير شيء ضاع منه هو معرفة للغيب، فقد يكون هذا غيباً بالنسبة لصاحب الشيء الضائع، ولكنه ليس غيباً بالنسبة للص الذي سرقه، ولا هو غيب بالنسبة للشخص الذي أخفى المسروقات، ولا هو غيب بالنسبة للجان المحيطين باللص، إذن فهذا ليس غيباً مطلقاً، ولكنه غيب معلوم للغير. إذن فخزائن الحق سبحانه وتعالى ملأى بكل أنواع الخير التي تؤدي للإنسان مهمة البقاء في الأرض سواء من جهة الضرورات أو الأشياء الترفية. {وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} [الأنعام: 50]. إذن فالرسول صلى الله عليه وسلم ينفي عن نفسه بقول الحق ثلاثة أشياء: منها شيئان ينفيان الألوهية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي ملكية خزائن الكون، وعلم الغيب، وشيء ثالث وهو أنه ليس مَلَكاً، فهل يعني ذلك أن المَلَكَ أرفع من النبي؟ لا، ولكنهم قالوا له: إنما يمشي في الأسواق ويتكسب العيش بالعمل، والمَلَك لا يفعل ذلك. ولكن الرسول بالطبع أرقى منزلة من المَلَك؛ لأنه يقوم بهداية الإنس والجن ويتبع ما يوحيه إليه ملِكُ الملوك، وهو الحق سبحانه وتعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰإِلَيَّ}. إنه من فرط ارتفاعه في الصدق المبلغ عن الله يعلن حقيقته صلى الله عليه وسلم بأنه من البشر، والبشر ابن أغيار، ويعلم شيئاً، ويجهل شيئاً، ومن مصلحة المرسل إليهم أن يكون الرسول متبعاً لا مبتدعاً، ذلك أنه ينقل لهم تكاليف الخالق بألفاظها لا أفكار البشر التي قد تتغير أو تتبدل. فلو ابتدع لابتدع في إطار بشريته، وفي ذلك نزول لا ارتقاء، لكنه في الاتباع يأتي بالارتقاء للبشر؛ لأنه يتبع ما أوحى به الإله الذي اصطفاه رسولاً. ولذلك كانت الأمية في رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفاً له ولنا. أما أُمّيَّة الإنسان العادي فهي عيب، إنما أُمّيَّة محمد صلى الله عليه وسلم هي الكمال. و"أُمّيّ" - كما نعلم - تعني أنه كما ولدته أمه، لم يأخذ ثقافة ولم يتعلم من أحد من البشر، لكن علمه وثقافته فوقية كلها. إن ذلك وحي من الله، وهو صلى الله عليه وسلم عندما يعلن أنه نبي أمي، فهذا معناه أنّ كل ما دخل في ذهنه لم يأخذه عن أحد من خلق الله، وإنما كل ما جاء إلى هذا الذهن قد أخذه رسول الله عن الله. وهكذا تكون أميته شرفاً لنا، ولكن الأمية فينا - نحن المسلمين - تختلف يجب أن نعمل جميعاً على القضاء عليها: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ}. والرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى بل يبلغ ما جاء به الوحي. ويذيل الحق الآية بقوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50]. وساعة يأتي الحق بقضية يستخدمها كمثل، فلا بد أن يأتي بقضية متفق عليها حتى من الخصوم المواجهين له؛ فهم يعرفون أن الأعمى لا يستوي مع البصير، تماماً مثلما لا يستوي الظل والحرور أو الظلمات والنور. إن الفطرة لا تقبل الخلاف في هذه الأمور. والعمى - كما نعرف - هو عدم الرؤية لمن مِن شأنه وحاله أن يرى، فلا يقول إنسان عن حجر: إن الحجر أعمى؛ لأن الأحجار لا تبصر. إذن لا نقول العمى إلا كوصف لمن يفترض فيه أن يرى. وماذا تفعل عدم الرؤية في الأمر المحس؟ إن عدم الرؤية يؤذي الإنسان لأنه كائن متحرك. فقد يقع في حفرة أو يصطدم بشيء يؤذيه، وبإقرار الجميع نعرف أن الأعمى تضطرب حركته ويتعرض للمتاعب، والذي يحمي الإنسان من ذلك أن يكون مبصراً أو مستعيناً بمن يبصر حتى يمكن أن يستقبل المرئيات. وكان العلماء قديماً يظنون أن الإبصار هو نتيجة خروج شعاع من العين ليذهب إلى الشيء المرئي ونقض هذه القضية عالم إسلامي هو ابن الهيثم الذي علم العلماء أن الشعاع إنما يخرج من المرئي إلى عين الرائي بدليل أن الشيء المرئي لا يراه الإنسان في الظَّلام. والعمى يمنع العين من استقبال الشعاع، ولا يختلف أحد في أن العمى مهلك وضار ومتعب، والإبصار مريح. وكأن الحق يقول للخلق: إياكم أن تظنوا أن حياتكم كلها تعتمد على المحيط المحس، لا، إن هناك قيماً إن لم يعرفها الإنسان فهو يتعثر ويضطرب ويتخبط. إذن فمنهج السماء قد جاء ليهدي النفس البشرية إلى القيم، كما يهدي النور الحسي الإنسان إلى المحسات. فإذا كان البصر هو وقاية للإنسان لتفادي العقبات، فكذلك المنهج هو الذي يبين للإنسان ألا يصطدم بالعقبات في الأمور المعنوية. والإنسان يحيا بقيمه، بدليل أن الأعمى قد يجد من يقوده من المبصرين، ولكنه قد لا يجد هدايته في هداية مهتد. إذن فالإنسان قد يستغني عن البصر، ولكنه لا غنى له عن الهدى؛ لأن الضلال سيصيبه، والضلال في القيم أبلغ وأشد قسوة من الضلال في الأمور المحسّة. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} هناك تفكر، وتذكر، وتدبر. التفكر هو شغل العقل ابتداء بأمر ظاهر، يريد أن يستنبط منه شيئاً. وعندما يقول إنسان لآخر: فكر في هذا الأمر. . أي أدر عقلك في كل ما يتعرض لهذا الأمر. والذي يطلب من آخر التفكير في هذا الأمر كأنه واثق من أن الذي يتفكر في أمر لن يصل إلا إلى الرأي الذي قاله من عرض عليه التفكير. وأما التذكر فهو أن يصل الإنسان إلى حكم انتهى إليه بالتفكر ثم نسيه، ويأتي من يلفت الذهن إلى ذلك الحكم الذي انتهى منه فكرياً. إذن فالفكر يأتي بحكم أَوَلِيٍّ ناضج، والتذكر يأتي بحكم كان معلوماً للإنسان ولكنه غفل عنه. أما التدبر فهو ألا يكتفي الإنسان بالنظر إلى واجهة الأمور ولكن إلى ما وراء ذلك أيضاً؛ لأن كل شيء له واجهة، وقد تخفى الواجهة ما خلفها، لذلك يطلب الحق من الإنسان أن ينظر إلى أعقاب الأشياء وأقفائها، أي يدير الأمر على كل جهاته ولا يكتفي بالنظر إلى واجهاتها، مثلما يشتري الإنسان شيئاً من تاجر أمين، ويعرض التاجر على المشتري مواصفات الشيء بأمانة ويطلب منه أن يختبر الشيء حسب مواصفاته، لكن التاجر الغشاش يحاول أن يخفي المواصفات لأنه يريد خداع المشتري. وعندما يطلب الحق منا أن التفكر والتذكر والتدبر إنما يوقظ فينا المقاييس الحقيقية التي نصل بها إلى المطلوب الذي يريده الله. ولذلك يقول الحق: {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ المقترحين عليه الآيات، أو القائلين له: إنما تدعونا لنتخذك إلها مع الله. { وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ } أي: مفاتيح رزقه ورحمته. { وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ } وإنما ذلك كله عند الله فهو الذي ما يفتح للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو وحده عالم الغيب والشهادة. فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول. { وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ } فأكون نافذ التصرف قويا، فلست أدعي فوق منزلتي، التي أنزلني الله بها. { إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ } أي: هذا غايتي ومنتهى أمري وأعلاه، إن أتبع إلا ما يوحى إلي، فأعمل به في نفسي، وأدعو الخلق كلهم إلى ذلك. فإذا عرفت منزلتي، فلأي شيء يبحث الباحث معي، أو يطلب مني أمرا لست أدعيه، وهل يلزم الإنسان، بغير ما هو بصدده؟. ولأي شيء إذا دعوتكم، بما أوحي إلي أن تلزموني أني أدعي لنفسي غير مرتبتي. وهل هذا إلا ظلم منكم، وعناد، وتمرد؟ قل لهم في بيان الفرق، بين من قبل دعوتي، وانقاد لما أوحي إلي، وبين من لم يكن كذلك { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ } فتنزلون الأشياء منازلها، وتختارون ما هو أولى بالاختيار والإيثار؟