Verse. 840 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَاَنْذِرْ بِہِ الَّذِيْنَ يَخَافُوْنَ اَنْ يُّحْشَرُوْۗا اِلٰى رَبِّہِمْ لَيْسَ لَہُمْ مِّنْ دُوْنِہٖ وَلِيٌّ وَّلَا شَفِيْعٌ لَّعَلَّہُمْ يَتَّقُوْنَ۝۵۱
Waanthir bihi allatheena yakhafoona an yuhsharoo ila rabbihim laysa lahum min doonihi waliyyun wala shafeeAAun laAAallahum yattaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأنذر» خوِّف «به» أي القرآن «الذين يخافون أن يُحشروا إلى ربِّهم ليس لهم من دونه» أي غيره «ولي» ينصرهم «ولا شفيع» يشفع لهم وجملة النفي حال من ضمير يحشروا وهي محل الخوف والمراد بهم العاصون «لعلهم يتقون» الله بإقلاعهم عما هم فيه وعمل الطاعات.

51

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين، أمر الرسول في هذه الآية بالانذار فقال: {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: (الإنذار) الاعلام بموضع المخافة وقوله {بِهِ} قال ابن عباس والزجاج بالقرآن. والدليل عليه قوله تعالى قبل هذه الآية {أية : إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } تفسير : [الأنعام: 50] وقال الضحاك {وَأَنذِرْ بِهِ } أي بالله، والأول أولى، لأن الانذار والتخويف إنما يقع بالقول وبالكلام لا بذات الله تعالى. وأما قوله {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ } ففيه أقوال: الأول: أنهم الكافرون الذين تقدم ذكرهم، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم من عذاب الآخرة، وقد كان بعضهم يتأثر من ذلك التخويف، ويقع في قلبه أنه ربما كان الذي يقوله محمد حقاً، فثبت أن هذا الكلام لائق بهؤلاء، لا يجوز حمله على المؤمنين لأن المؤمنين يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم، والعلم خلاف الخوف والظن. ولقائل أن يقول: إنه لا يمتنع أن يدخل فيه المؤمنون، لأنهم وإن تيقنوا الحشر فلم يتيقنوا العذاب الذي يخاف منه، لتجويزهم أن يموت أحدهم على الإيمان والعمل الصالح وتجويز أن لا يموتوا على هذه الحالة، فلهذا السبب كانوا خائفين من الحشر، بسبب أنهم كانوا مجوزين لحصول العذاب وخائفين منه. والقول الثاني: أن المراد منه المؤمنون لأنهم هم الذين يقرون بصحة الحشر والنشر والبعث والقيامة فهم الذين يخافون من عذاب ذلك اليوم. والقول الثالث: أنه يتناول الكل لأن لا عاقل إلا وهو يخاف الحشر، سواء قطع بحصوله أو كان شاكاً فيه لأنه بالاتفاق غير معلوم البطلان بالضرورة فكان هذا الخوف قائماً في حق الكل ولأنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى الكل، وكان مأموراً بالتبليغ إلى الكل، وخص في هذه الآية الذين يخافون الحشر، لأن انتفاعهم بذلك الانذار أكمل، بسبب أن خوفهم يحملهم على إعداد الزاد ليوم المعاد. المسألة الثانية: المجسمة تمسكوا بقوله تعالى: {أَن يُحْشَرُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ } وهذا يقتضي كون الله تعالى مختصاً بمكان وجهة لأن كلمة (إلى) لانتهاء الغاية. والجواب: المراد إلى المكان الذي جعله ربهم لاجتماعهم وللقضاء عليهم. المسألة الثالثة: قوله {لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } قال الزجاج: موضع {لَّيْسَ } نصب على الحال كأنه قيل: متخلين من ولي ولا شفيع، والعامل فيه يخافون. ثم ههنا بحث: وذلك لأنه إن كان المراد من {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ } الكفار، فالكلام ظاهر، لأنهم ليس لهم عند الله شفعاء، وذلك لأن اليهود والنصارى كانوا يقولون: {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] والله كذبهم فيه وذكر أيضاً في آية أخرى فقال {أية : مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } تفسير : [غافر: 18] وقال أيضاً {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ } تفسير : [المدثر: 48] وإن كان المراد المسلمين، فنقول: قوله {لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } لا ينافي مذهبنا في إثبات الشفاعة للمؤمنين لأن شفاعة الملائكة والرسل للمؤمنين، إنما تكون بإذن الله تعالى لقوله {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [البقرة: 255] فلما كانت تلك الشفاعة بإذن الله، كانت في الحقيقة من الله تعالى. المسألة الرابعة: قوله {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } قال ابن عباس: معناه وأنذرهم لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي. قالت المعتزلة: وهذا يدل على أنه تعالى أراد من الكفار التقوى والطاعة، والكلام على هذا النوع من الاستدلال قد سبق مراراً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَأَنذِرْ بِهِ} أي بالقرآن. والإنذار الإعلام وقد تقدّم في «البقرة». وقيل: «بِهِ» أي بالله. وقيل: باليوم الآخر. وخص {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ} لأن الحجة عليهم أوجب، فهم خائفون من عذابه، لا أنهم يتردّدون في الحشر؛ فالمعنى «يخافون» يتوقعون عذاب الحشر. وقيل: {يَخَافُونَ} يعلمون، فإن كان مسلماً أنذر ليترك المعاصي، وإن كان من أهل الكتاب أنذر ليتبع الحق. وقال الحسن: المراد المؤمنون. قال الزجاج: كل من أقرّ بالبعث من مؤمن وكافر. وقيل: الآية في المشركين أي أنذرهم بيوم القيامة. والأوّل أظهر. {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ} أي من غير الله {شَفِيعٌ} هذا ردّ على اليهود والنصارى في زعمهما أن أباهما يشفع لهما حيث قالوا: «نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه» والمشركون حيث جعلوا أصنامهم شفعاء لهم عند الله، فأعلم الله أن الشفاعة لا تكون للكفار. ومن قال الآية في المؤمنين قال: شفاعة الرسول لهم تكون بإذن الله فهو الشفيع حقيقة إذن؛ وفي التنزيل: { أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 28]. { أية : وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } تفسير : [سبأ: 23]. { أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [البقرة: 255]. {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي في المستقبل، وهو الثبات على الإيمان.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَنذِرْ } خَوِّف {به } أي بالقرآن {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ } أي غيره {وَلِيُّ } ينصرهم {وَلاَ شَفِيعٌ } يشفع لهم وجملة النفي حال من ضمير «يحشروا» وهي محل الخوف، والمراد بهم المؤمنون العاصون {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الله بإقلاعهم عما هم فيه وعمل الطاعات.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {بالغدوة} مضموم الغين ساكن الدال مفتوح الواو وكذا في الكهف: ابن عامر الباقون: بفتح الغين والدال وبالألف {أنه} بالفتح {فإنه} بالكسر: أبو جعفر ونافع. وقرأ ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب جميعاً بالفتح. الباقون: بالكسر فيهما {وليستبين} بياء الغيبة: زيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل. الباقون: بالتاء الفوقانية {سبيل} بالنصب: أبو جعفر ونافع وزيد. الباقون: بالرفع {يقص} ابن كثير وأبو جعفر ونافع وعاصم. الباقون {يقضي الحق}. الوقوف: {يتقون} ه {وجهه} ط {الظالمين} ه {من بيننا} ط {الشاكرين} ه {الرحمة} ط لمن قرأ {أنه} بكس الألف {رحيم} ه {المجرمين} ه {من دون الله} ط {أهواءكم} لا لتعيين "إذا" بما قبله أي قد ضللت "إذا" اتبعت {المهتدين} ه {وكذبتم به} ط {تستعجلون به} ط {لله} ط {الفاصلين} ه {وبينكم} ط {بالظالمين} ه {إلا هو} ط {والبحر} ط {مبين} ه {مسمى} ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد المقصود. {تعملون} ه. التفسير: لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإنذار وهو الإعلام بموضع المخافة فقال له {وأنذر به} قال ابن عباس والزجاج: أي بالقرآن وهو المذكور هنا في قوله {أية : إن أتبع إلا ما يوحى إليّ} تفسير : [الأنعام: 50] وقال الضحاك: أي بالله. قيل: والأول أولى لأن الإنذار والتخويف إنما يقع بالقول وفيه نظر، لأن الإنذار لا نزاع فيه أنه قول ولكن المنذر به قلما يكون قولاً لقوله {أية : وأنذرهم يوم الآزفة} تفسير : [غافر: 18] {أية : فأنذرتكم ناراً تلظى} تفسير : [الليل: 14] ولو زعم أن المراد وأنذرهم النار والعذاب بواسطة القرآن قلنا: فقدر مثله ههنا، والمعنى أنذرهم العذاب بقول ينبىء عن شدة سخط الله وعقوبته. أما {الذين يخافون أن يحشروا} فقيل: إنهم الكافرون الذين سبق ذكرهم، فلعل ناساً من المشركين من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار فأمر أن ينذر هؤلاء دون المتمردين منهم. ثم قال هذا القائل ولا يجوز حمله على المؤمنين لأنهم يعلمون أنهم يحشرون، والعلم خلاف الخوف والظن. وضعف بأن الخوف شامل للناس كافة لعدم الجزم بالثواب وقبول الطاعة وإن كانوا مقرين بصحة الحشر والنشر فالظاهر أن الضمير يتناول الكل لأن العاقل لا بد أن يخاف الحشر سواء كان جازماً به أو شاكاً فيه. وأيضاً إنه مأمور بتبليغ الكل فلا وجه للتخصيص. وقيل: إنهم قوم مسلمون مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه لعلهم يدخلون في زمرة أهل التقوى من المسلمين. وقيل: هم أهل الكتاب لأنهم مقرون بالعبث. ومعنى {إلى ربهم} إلى حكمه وقضائه فلا يلزم منه مكان ولا جهة. أما قوله {ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} فقال الزجاج: إن الجملة في موضع الحال من ضمير {يحشروا} أي يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم. فإن كان الضمير للكفار فظاهر، وإن كان للمؤمنين فشفاعة الملائكة والرسل إذا كانت بإذن الله تعالى فإنها تكون بالحقيقة من الله تعالى فصح أنه ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، ولا بد من هذه الحال لأن الحشر مطلقاً ليس مخوفا وإنما المخوف هو الحشر على هذه الحالة لأنهم اعتقدوا أن لا ناصر ولا شفيع إلا الله وإذا لم يكن الله ناصراً وشفيعاً لزم أن لا يكون ناصراً أصلاً. {لعلهم يتقون} قال ابن عباس: لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي. قالت المعتزلة: فيه دلالة على أنه أراد من الكفار التقوى والطاعة. وأجيب بأن الترجي راجع إلى العباد. ولما أمر بإنذار عموم المكلفين ليتقوا أردفهم بذكر المتقين وأمر بتقريبهم وإكرامهم. حديث : روي عن ابن مسعود أن الملأ من قريش مروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم - وعنده صهيب وبلال وخباب وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين - فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء أتريد أن نكون تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك. فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنا بطارد المؤمنين. فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت. فقال: نعم طمعاً في إيمانهمتفسير : . وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون. ثم إنهم قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: اكتب بذلك كتاباً، فدعا الصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت {ولا تطرد} الآية. فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته. قال سلمان وخباب: فينا نزلت. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت {أية : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} تفسير : [الكهف: 28] فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه. وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات، أثنى الله عليهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي. قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي يصلون صلاة الصبح والعصر. وقيل: أي يذكرون ربهم طرفي النهار، والمراد بالغداة والعشي الدوام. والغداة لغة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والعشي ما بين الزوال إلى الغروب. قال الجوهري: غدوة بالتنوين نكرة وبدونه معرفة غير مصروفة كسحر. ومحل {يريدون وجهه} نصب على الحال أو على الاستئناف كأنه قيل: ما أرادوا بالمواظبة على الدعاء؟ فأجيب بقوله {يريدون وجهه} ولا يثبت به لله تعالى عضو كما زعمت المجسمة ولكن المراد به التعظيم، فقد يعبر به عن ذات الشيء أو حقيقته كما يقال: هذا وجه الرأي وذاك وجه الدليل. وأيضاً المحبة تستلزم طلب رؤية الوجه فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا. ثم علل النهي بقوله {ما عليك من حسابهم من شيء} قيل: الضمير عائد إلى المشركين أي لا يؤاخذوا بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك ذلك إلى أن تطرد المؤمنين، والأولى أن يعود إلى الفقراء ليناسب قوله {فتطردهم} كما في قصة نوح {أية : إن حسابهم إلا على ربي} تفسير : [الشعراء: 113] وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم كان الأمر على ما زعموا فيما يلزمك إلا اعتبار الظاهر إن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم لا يتعدى إليك كما أن حسابك لا يتعدى إليهم، فالجملتان لهما مؤدى واحد وهو المفهوم من قوله {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى} تفسير : [الأنعام: 164] كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه. وقيل: ما عليك من حساب رزقهم من شيء ولا من حساب رزقك عليهم من شيء. وإنما الرازق لك ولهم هو الله سبحانه فدعهم يكونوا عندك، أما قوله {فتطردهم} فهو جواب النفي في {ما عليك} وفي انتصاب {فتكون} وجهان: أحدهما أنه جواب النهي، والثاني أنه عطف على {فتطردهم} على وجه التسبب، لأن كونه ظالماً معلوم من طردهم ومسبب عنه، فإن طرد من يستوجب التقريب والترحيب وضع للشيء في غير موضعه ومن هنا طعن بعض الناس في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: كان يقول كلما دخل أولئك الفقراء عليه بعد هذه الواقعة مرحباً بمن عاتبني ربي فيهم أو لفظ هذا معناه. والجواب أنه ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما أفرد لهم مجلساً تألفاً لقلوب المشركين وتكثيراً لسواد الإسلام مع علمه بأنه لا يفوت الفقراء بهذه المصالحة أمر مهم في الدنيا ولا في الدين، فغاية ذلك أنه يكون من باب تبرك الأولى والأفضل، {وكذلك} أي مثل ذلك الفتن العظيم {فتنا} ابتلينا بعض الناس ببعض، فأحد الفريقين وهم الكفار يرى الآخر مقدماً عليه في المناصب الدينية فيقول {أهؤلاء} المسترذلون {منّ الله عليهم من بيننا} كقوله: {أية : أألقي الذكر عليه من بيننا} تفسير : [القمر: 25] والفريق الآخر يرى الأول مقدماً عليه في الخيرات العاجلة والخصب والسعة الراحة والدعة فيقول: أهذا هو الذي فضله الله علينا. وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله فهو صواب، ولا اعتراض عليه بحكم المالكية وبحسب رعاية الأصلح. وبالجملة فصفات الكمال غير محصورة ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة بل هي موزعة على الخلائق وكلها محبوبة لذاتها. فكل إنسان يحسد صاحبه على ما آتاه الله تعالى من صفة الكمال، فمن عرف سر القدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض لغيره وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة. قال هشام بن الحكم الافتتان الاختبار والامتحان، وفيه دليل على أنه تعالى لا يعلم الجزيئات إلا عن حدوثها. والجواب أنه يعامل المكلف معاملة المختبر وقد مر مراراً. وقالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال لأن تلك الفتنة التي ألقاها الله تعالى ليست إلا اعتراضهم على الله والاعتراض عليه كفر. فهو تعالى خالق للكفر. وأيضاً منة الله عليهم ليست إلا بالإيمان ومتابعة الرسول، فلو كان الموجد للإيمان هو العبد كان العبد هو المان على نفسه. أجاب المعتزلة بأن معنى فتناهم ليقولوا خذلناهم حتى آل أمرهم إلى أن قالوا: فتكون اللام لام العاقبة، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع أنا ننقل الكلام إلى الخذلان فلا بد من الانتهاء إليه تعالى {أليس الله بأعلم بالشاكرين} بمن يصرف كل ما أنعم به عليه فيما أعطاه لأجله فيظهر أفعاله على حسب معلوم الله تعالى. وقال في الكشاف: أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق. {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيّه صلى الله عليه وسلم عن طردهم وكان إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: حديث : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلامتفسير : . وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً، وأظهروا الندامة والأسف فما أخاله رد عليهم بشيء. فلما ذهبوا وتولوا نزلت الآية. قال في التفسير الكبير: الأقرب أن تحمل الآية على عمومها، فكل من آمن بآيات الله تعالى يدخل تحت هذا التشريف والإكرام ثم أبدى إشكالاً وهو أن المفسرين اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من جميع آي هذه السورة إنها نزلت بسبب الأمر الفلاني؟ قلت: لا استبعاد في أن تنزل السورة دفعة وينزل الصحابة كل آية منها على واقعة تناسبها، كيف وهم أعرف بحقائق التنزيل وأعلم بدقائق التأويل لأنهم أهل مشاهدة الوحي وأرباب مزاولة الأمر والنهي؟! واعلم أن ما سوى الله تعالى فهو آيات وجود الله،وأنها لا تكاد تنحصر فيجب على المكلف أن يكون مدة حياته كالسابح في تلك البحار والسائح في هذه القفار ليكون دائماً مترقياً في معارجها مترقباً أن تفيض عليه الأنوار من مدارجها فيستعد لبشارة {سلام عليكم} ويستأهل لكرامة {كتب ربكم على نفسه الرحمة} {فقل سلام عليكم} إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم. قال الزجاج: {سلام} إما مصدر "سلمت سلاماً وتسليماً" مثل: كلمت كلاماً وتكليماً. ومعناه الدعاء بأن يسلم من الآفات في نفسه ودينه، وإما أن يكون جمع سلامة. وقيل: السلام هو الله أي الله عليكم أي على حفظكم ولعل هذا الوجه إنما يتأتى في المعرف لا في المنكر. {كتب ربكم} من جملة المقول لهم تبشيراً بسعة رحمة الله وقبوله التوبة. ومعنى كتب على نفسه أوجب على ذاته إيجاب الكرم لا إيجاباً يستحق بتركه الذم. وقالت المعتزلة: كونه عالماً بقبح القبائح وباستغنائه عنها يمنعه عن الإقدام عليها ولو فعل كان ظلماً، وإيجاب الرحمة ينافي القول بأنه منع الكافر من الإيمان ثم أمره حال ذلك المنع بالإيمان ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان، وأجيب بأنه فاعل لما يشاء ولا اعتراض عليه. {أنه من عمل} من قرأ بالفتح فعلى الإبدال من الرحمة، ومن قرأ بالكسر فعلى الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: إنه من عمل {منكم سوءاً بجهالة} وهو في موضع الحال أي عمله وهو جاهل. والمراد أنه فاعل فعل الجهال لأن من عمل ما يضره في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه لا من أهل الحكمة والتدبير، أو أنه جاهل بعاقبته ومن حق الحكيم أن لا يقدم على ما لا يعرف مآل حاله. {ثم تاب من بعده} بأن يندم على ما فعله {وأصلح} العمل في المستقبل {فأنه غفور} يزيل العقاب عنه {رحيم} يوصل الثواب إليه من قرأ بالكسر فعلى: أن الجملة جزاء للشرط، ومن قرأ بالفتح فعلى أن الخبر أو المبتدأ محذوف أي فغفرانه كائن أو فأمره أنه غفور. قيل: إن الآية نزلت في عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما طلبوا ولم يعلم أنها مفسدة. {وكذلك} أي كما فصلنا في هذه السورة دلائلنا على التوحيد والنبوة والقضاء والقدر {نفصل الآيات} ونميزها لك في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل {وليستبين} معطوف على محذوف كأنه قيل: ليظهر الحق وليستبين، أو معلق بمحذوف أي وليستبين سبيل المجرمين فصلنا ذلك التفصيل البين. من رفع "السبيل" قرأ {ليستبين} بالياء أو بالتاء لأن السبيل يذكر ويؤنث، ومن نصب السبيل قرأ {لتستبين} بتاء الخطاب مع الرسول يقال: استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته واستبانة سبيل المجرمين تستلزم استبانة طريق المحقين، فلذلك اقتصر على أحدهما كقوله {أية : سرابيل تقيكم الحر} تفسير : [النحل: 81] ولم يذكر البرد. وإنما ذكر المجرمين دون المحقين لأن طريق الحق واحد والمجرمون أصناف يشتبه أمرهم، فمنهم من هو مطبوع على قلبه، ومنهم من يرجى فيهم قبول الإسلام، ومنهم من دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده فينبغي أن يستوضح سبيلهم ليعامل كلاً منهم بما يجب، ومن جملة ذلك أنه نهى عن عبادة معبوداتهم وذلك قوله {قل إني نهيت} أي صرفت بدلائل العقلية والسمعية {أن أعبد الذين تدعون} تعبدون {من دون الله قل لا أتبع أهواءكم} لأن عبادة المصنوع والمخلوف محض التقليد وعين الهواى {قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين} أثبت الضلال إذ ذاك ونفى الهدى مع أنهما متلازمان للتقرير والتأكيد، وفيه تعريض بهم أنهم كذلك. ثم نبه على ما يجب اتباعه بقوله {قل إني على بينة من ربي} على حجة واضحة من مغفرة ربي وأنه لا معبود سواه {وكذبتم} أنتم به حيث أشركتم به غيره. يقال: أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتاً عنده بدليل. وقيل: أي على حجة من جهة ربي وهي القرآن {وكذبتم به} أي بالبينة وذكر الضمير على تأويل القرآن أو البيان. {ما عندي ما تستعجلون به} يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم {أية : إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} تفسير : [الأنفال: 32] قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحرث ورؤساء قريش كانوا يقولون: يا محمد آتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم. {إن الحكم إلا لله} مطلق يتناول الكل. فقال الأشاعرة: لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله تعالى فيمتنع منه فعل الكفر إلا بإرادة الله، واحتجت المعتزلة بقوله {يقضي الحق} أي كل ما قضى به فهو الحق، وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس بحق. ويمكن أن يقال: إن جميع أحكامه حق وصدق ولا اعتراض لأحد عليه بحكم المالكية. وانتصاب {الحق} على أنه صفة مصدر أي يقضي القضاء الحق، أو مفعول به من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره. ومثله من قرأ {يقصر الحق} كقوله {أية : نحن نقص عليك أحسن القصص} تفسير : [يوسف: 2] أي يقول الحق أو يتبعه من قص أثره {وهو خير الفاصلين} أي القاضي، وإنما كتب {يقض} في المصاحف بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، وليوافق قراءة {يقص} {قل لو أن عندي} أي في قدرتي وإمكاني {ما تستعجلون} من العذاب {لقضي الأمر} أمر الإهلاك {بيني وبينكم} عاجلاً غضباً لربي {والله أعلم بالظالمين} فيؤخر عقابهم إلى وقته وأنا لا أعلم ما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره. فإن قلت: أما يناقض هذا قوله {أية : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا} تفسير : [الكهف: 6] فإن استعجال الهلاك ينافي الحرص على الإيمان، لأن من حرص على إيمان أحد حرص على طول حياته طمعاً في إيمانه. قلت: لا، بل يؤكده لاشتراك كل من الحكمين في الاستعجال اللازم للبشرية في قوله {أية : وكان الإنسان عجولا} تفسير : [الإسراء: 11] ثم بين سبحانه أعلميته بقوله على سبيل الاستعارة {وعنده مفاتح الغيب} أراد أن المتوصل إلى المغيبات وحده كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها ولم يمنعه من ذلك مانع، والمفاتح جمع مفتح وهو المفتاح، أو جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن، قال الحكيم في بيانه: إن العلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول وكل ما سوى الواجب فإنه موجود بإيجاده وتكوينه بواسطة أو بوسائط، فعلمه بذاته يوجب العلم بجميع آثاره على ترتيبها المعتبر - كليات كانت أو جزيئات - وعلمه بذاته لم يحصل إلا لذاته فصح ان يقال: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو. وفيه أنه لا ضد له ولا ند إذ لو كان في الوجود واجب آخر لكانت مفاتح الغيب حاصلة أيضاً عنده فيبطل هذا الحصر، ولا يمكن أن تكون هذه المفاتح عند شيء من الممكنات لأن المحاط لا يحيط بمحيطه فلا يحيط ما دون الواجب بالواجب، فلا يكون المفتاح الأوّل للعلم بجميع المعلومات إلا عنده. ثم إن قوله {وعنده مفاتح الغيب} قضية معقولة مجردة، والإنسان الذي يقوي على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جداً والقرآن إنما نزل لينتفع به جميع الناس فذكر من الأمور المحسوسة الداخلة تحت تلك القضية الكلية أمثالاً لها ليعين الحس العقل فقال {ويعلم ما في البر والبحر} لأن ذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظيمة لذلك المعقول، وقدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والجبال والتلال والمعادن والنبات والحيوان، وأما البحر فإحاطة الحس بأحواله أقل مع كثرة ما فيها من العجائب والغرائب أيضاً. ثم أفرد من هذه المحسوسات قسماً فقال {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} أي لا يتغير حال ورقة إلا والحق يعلمها. ثم عدل عن التعجيب من كثرة المدركات إلى التعجيب من صغر المدرك وخفائه فقال {ولا حبة في ظلمات الأرض} وفي تخصيص الحبة والورقة تنبيه للمكلفين على أمر الحساب لأنه إذا كان بحيث لا يهمل أمر الأشياء التي ليس لها ثواب ولا عقاب فلأن لا يهمل أمر المكلفين أولى. ثم عاد إلى ذكر القضية الكلية المجردة بعبارة أخرى فقال {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} قال في الكشاف: ولا حبة ولا رطب ولا يابس عطف على ورقة وداخل في حكمها كأنه قيل: وما يسقط شيء من هذه الأشياء إلا وهو يعلمه. وقوله {إلا في كتاب مبين} كالتكرير لقوله {إلا يعلمها} ومعنى {إلا في كتاب مبين} واحد. والكتاب المبين علم الله أو اللوح. قال علماء التفسير: يجوز أن يكون الله جل شأنه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق لتقف الملائكة على نفاذ علمه في المعلومات وأنه لا يغيب عنه شيء، فيكون في ذلك عبرة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في العالم فيجدونه موافقاً له. أو لأنه إذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع تغيرها وإلا لزم الكذب أو الجهل فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب سبباً تاماً في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم. ثم لما بين كمال علمه أردفه ببيان كمال قدرته بقوله {وهو الذي يتوفاكم} أي يتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز. وذلك أن الأرواح الجسمانية تغور حالة النوم من الظاهر إلى الباطن فتتعطل الحواس عن بعض الاعمال، وأما عند الموت فتصير جملة البدن معطلة عن كل الأعمال فلهذا كان النوم أخا الموت فصح إطلاق لفظ الوفاة على النوم من هذا الوجه {ويعلم ما جرحتم} أي ما كسبتم من العمل بالنهار ومنه الجوارح للأعضاء وللسباع {ثم يبعثكم فيه} أي يردّ إليكم أرواحكم بالنهار {ليقضي أجل مسمى} أي أعماركم المكتوبة. وقضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت. ثم لما ذكر أنه يميتهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة فلا جرم استدل بذلك على صحة البعث في القيامة فقال {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون} في ليلكم ونهاركم وجميع أحوالكم وأوقاتكم. واعلم أن في هذه الآية إشكالاً لأن قوله {ويعلم ما جرحتم بالنهار} كان ينبغي أن يكون بعد قوله {ثم يبعثكم فيه} فإن البعث في النهار مقدم على الكسب فيه بل على تعلق العلم بالكسب. ويمكن أن يجاب بأن المراد ويعلم ما جرحتم في النهار الماضي بدليل قوله {جرحتم} دون "تجرحون" ثم يبعثكم في النهار الآتي. والغرض بيان إحاطة علمه وقدرته بالزمانين المحيطين بالليل. ولعل صاحب الكشاف لمكان هذا الإشكال عدل عن هذا التفسير إلى أن قال: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} والخطاب للكفرة أي أنتم منسدحون الليل كالحيف. والانسداح الانبطاح أو الاستلقاء {ويعلم ما جرحتم بالنهار} ما كسبتم من الآثام فيه {ثم يبعثكم} من القبور {فيه} أي في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام في النهار ومن أجله كقولك: فيم دغوتني؟ فيقول: في أمر كذا {ليقضي أجل مسمى} وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم {ثم إليه مرجعكم} وهو المرجع إلى موقف الحساب. والأصوب عندي أن يقال: الخطاب عام، وكذا الكسب في النهار فينبغي أن لا يقيد بالآثام. أما الضمير في {فيه} فيكون جارياً مجرى اسم الإشارة إلى الكسب. والبعث هو البعث من القبور إلى آخر ما قال والله علم. التأويل: {وأنذر به} أي بهذه الحقائق والمعاني {الذين يخافون} أي يرجون {أن يحشروا إلى ربهم} بجذبات العناية ويتحقق لهم أن {ليس لهم} في الوصول إلى الله {من دونه ولي} من الأولياء {ولا شفيع} يعني من الأنبياء، لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق. {ولا تطرد الذين يدعون} أخبر عن الفقراء أنهم جلساؤه بالغداة والعشي كما قال "حديث : أنا جليس من ذكرني"تفسير : فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك لا يريدون الدنيا ولا الآخرة ولكن يريدون وجهه. شعر : وكل له سؤل ودين ومذهب ووصلكم سؤلي وديني رضاكم تفسير : قال المحققون: الإرادة اهتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله. فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون الوصول إلى الله سبحانه سكوناً ولا قراراً {ما عليك من حسابهم من شيء} يعني الذي لنا معك في الحساب من المواصلة والتوحيد في الخلوة فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك ثقلاً {وما من حسابك عليهم من شيء} أي الذي لنا معهم في الحساب من التفرد للوصول والوصال ليس لك إلى ذلك حاجة ليثقل عليهم {فتطردهم} فتكسر قلوبهم بالطرد {فتكون من الظالمين} بوضع الكسر مقام الجبر فإنك بعثت لجبر قلوبهم لا لكسر قلوبهم كقوله {أية : واخفض جناحك للمؤمنين} تفسير : [الحجر: 88] {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} ليشكر الفاضل وليصبر المفضول فيستويان في الفضل فلهذا قيل: لسليمان ولأيوب كليهما: نعم العبد. مع قدرة سليمان على أسباب الطاعة وعجز أيوب عنها. ومن فتنة الفاضل في المفضول رؤية فضله على المفضول أو تحقيره، ومنع حقه عنه في فضله، ومن فتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخطه عليه في منع حقه من فضله عنه، فإن المعطي والمانع هو الله. ومنه أن لا يرى الفاضل مستحقاً للفضل ليقولوا {أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا} {فقل سلام عليكم} إنه سبحانه من كمال فضله على الفقراء حملهم محمل الأكابر والملوك في الدنيا فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: حديث : كن مبتدئاً بالسلام عليهم وفي الآخرة فألهم الملائكة أن يسلموا عليهم في الجنة {أية : سلام عليكم طبتم} تفسير : [الزمر: 73] بل سلم بذاته عليهم {أية : سلام قولاً من رب رحيم} تفسير : [يس: 58] وكل ذلك نتيجة سلامتهم من ظلمة الخلقة بإصابة رشاش النور في الأزل فلهذا قال {كتب ربكم على نفسه الرحمة} أي الرحمة الخاصة كما خص الخضر في قوله {أية : وآتيناه رحمة من عندنا} تفسير : [الكهف: 65] والرحمة العامة كما في الحديث الرباني للجنة "حديث : إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي"تفسير : {أنه من عمل منكم} أي من المؤمنين {سوءاً بجهالة} أي بجهالة الجهولية التي جبل الإنسان عليها لا بجهالة الضلالة التي هي نتيجة إخطاء النور فإن هذه لا توبة لها {ثم تاب من بعده} أي رجع إلى الله بقدم السير من بعد إفساد الاستعداد الفطري وأصلح الاستعداد بالأعمال الصالحة لقبول الفيض. {قل إني نهيت} في الأزل بإصابة النور المرشش. {ما عندي ما تستعجلون به} من عبادة الهوى {لقضي الأمر} يعني أمر القتال والخصومات ولاسترحت من أذيتكم لأن الشيء إنما ينفعل عن ضده لا عن شبيهه {وعنده مفاتح الغيب} يعني العلوم العقلية التي هي سبب فتح باب صور عالم الشهادة كالنقاش ينشيء الصور في ذهنه ثم يصوّرها في الخارج. وإنما وحد الغيب وجمع المفاتح لأن عالم الغيب عالم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة يعلم التكوين {ويعلم ما في البر} وهو عالم الشهادة {والبحر} وهو عالم الغيب {و} بهذا العلم {ما تسقط من ورقة} عن شجرة الوجود {إلا يعلمها} لأنه مكونها ومسقطها {ولا حبة} هي حبة الروح {في ظلمات} صفات أرض النفس، أو حبة المحبة في ظلمات أرض القلب {ولا رطب ولا يابس} الرطب المؤمن، واليابس ما سيصير موجوداً وما قد صار. أو الرطب الروحانيات. واليابس الجمادات. أو الرطب المؤمن، واليابس الكافر. أو الرطب العالم، واليابس الجاهل. أو الرطب العارف، واليابس الزاهد. أو الرطب أهل المحبة، واليابس أهل السلوة. أو الرطب صاحب الشهود، اليابس صاحب الوجود. أو الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنصيبه {وهو الذي يتوفاكم بالليل} ليل القضاء {ويعلم ما جرحتم بالنهار} نهار القدر أو الليل، ليل صفات البشرية والنهار نهار الشهود في عالم الوحدة.

ابن عادل

تفسير : لما وصفَ الرسل بكونهم مُبَشِّرينَ ومُنْذرينَ أمَرَ الرَّسُولَ في هذه الآية بالإنْذَارِ، فقال: "وأنْذِرْ" أي: خوِّفْ به، أي: بالقرآن، قاله ابن عبَّاسٍ، والزَّجاج لقوله تعالى قبل هذه الآية: {أية : إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} تفسير : [الأنعام:50]. وقال الضَّحَّاكُ: "وأنذِرُ به" أي: بالله وقوله: {الذين يَخَافُونَ أن يُحْشرُوا} أي: يُبْعَثُوا، فقيل: المرادُ بهم الكافرون الذين تقدَّم ذكرُهُمْ؛ لأنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان يُخَوِّفُهُمْ من عذاب الآخرة، وكان بعضهم يَتَأثَّرُ من ذلك التخويف، ويقول: رُبَّمَا كان الذي يقوله مُحمَّدٌ حَقَّاً، ولا يجوز حَمْلُهُ على المؤمنين، لأن المؤمنين يَعْلَمُونَ أنهم يُحْشَرُونَ إلى ربهم، والعلم خلاف الخوْفِ والظن. ولقائل أن يقول: إنه لا يمتنع أن يدخل فيه المؤمنون؛ لأنهم وإن [تيقَّنُوا] الحَشْرَ فلم يَتَيَقَّنُوا العذاب الذي يخاف منه لتجويزهم ألاّ يموت أحدهم على الإيمان، وتجويز ألاَّ يموتوا على هذه الحالةِ، فلهذا السَّبَبِ كانوا خائفين من الحَشْرِ بسبب أنهم كانوا مجوزين لحصول العذاب وخائفين منه. وقيل: المُرَادُ بهم المُؤمِنُون؛ لأنهم المُقِرُّونَ، بِصِحَّةِ الحشر والنَّشْرِ والقيامة والبعث، فهم الذين يَخَافُونَ من عذاب ذلك اليوم. وقيل: إنه يَتَنَاوَلُ الكُلَّ؛ لأنه عَاقِلَ إلاَّ وهو يَخَافُ الحَشْرَ، سواء قَطَعَ بحصوله أو شَكَّ فيه، ولأنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كان مَبْعُوثاً إلى الكُلِّ، وإنَّما خَصَّ الذين يخافون الحَشْرَ، لأن انْتِفَاعَهُمْ بذلك الإنْذَارِ أكْمَلُ؛ لأن خوفهم يحملهم على إعْدَادِ الزَّادِ ليوم المَعَادِ. قوله: {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيع} العامل فيه "يخافون" وهاهُنَا بَحْثٌ، وذلك أنه إذا كان المراد من الذين يَخَافُون أن يحشروا إلى ربهم الكُفَّار، فالكلام ظاهر لأنه ليس بهم عند الله شُفَعَاءُ، وذلك لأن اليهود والنصارى كانوا يقولون: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة:18] فكذَّبهم اللَّهُ فيه. وقال في آية أخرى {أية : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} تفسير : [غافر:18]، وقال {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِين} تفسير : [المدثر:48]. وإن كان المراد المسلمين، فنقول: قوله: {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} [لا] ينافي مذهب أهل السُّنَّةِ في إثبات الشَّفاعَةِ للمؤمنين، فنقول: لأن شفاعة الملاكة والرسل للمؤمنين إنما تكون بإذن الله - تعالى - لقوله: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة:255] فلما كانت تلك الشَّفاعةُ بإذن الله كانت في الحقيقة من اللَّهِ. قوله: {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. قال ابنُ عبَّاسٍ: وأنذرهم لكي يَخَافُوا في الدنيا، وينتهوا عن الكفر والمعاصي. قالت المعتزلة: وهذا يَدُلُّ على أنه - تعالى - أراد من الكُفَّار التَّقْوَى والطاعة، وقد سَبَقَ الكلامُ على مِثْلِ هذا النوع مِرَاراً.

البقاعي

تفسير : ولما أمره بتوبيخهم، أمره - عاطفاً على قوله "قل" - بالإنذار على وجه مخز لهم أيضاً فقال: {وأنذر به} أي بما يوحى إليك، وليس المراد تخصيص الإنذار بالخائف، بل الإشارة إلى جلافتهم وعظيم بلادتهم وكثافتهم في عدم تجويز الجائز الذي هو أهل لأن يخافه كل واحد بقوله: {الذين يخافون} أي تجويزاً للجائز عقلاً وعادة. ولما كان المرهوب الحشر نفسه، لا بقيد كونه من معين؛ بني للمفعول قوله {أن يحشروا} أي يجمعوا وهم كارهون {إلى ربهم} أي المحسن إليهم بالإيجاد والتربية مع التقصير في الشكر، حال كونهم {ليس لهم} وأشار إلى تحقير ما سواه وسفوله بالجار فقال: {من دونه} أي من المنزلة التي هي تحت منزلته، ومن المعلوم أن كل شيء تحت قهر عظمته ومتضائل عن رتبته، ليس لهم ذلك، أي على وجه الانفراد أو التوسل {ولي} يتولى أمورهم فينقذهم قهراً مما يخافون {ولا شفيع} ينقذهم بحسن سفارته وعظيم رتبته وترتيبه {لعلهم يتقون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى أن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية. ولما أمره بدعاء من أعرض عنه ومجاهرته، أمره بحفظ من تبعه وملاطفته، فقال: {ولا تطرد الذين يدعون} وهم الفقراء من المسلمين {ربهم} أي المحسن إليه عكس ما عليه الكفار في دعاء من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً؛ ثم بين من حالهم من الملازمة ما يقتضي الإخلاص فقال: {بالغداة والعشي} أي في طرفي النهار مطلقاً أو بصلاتيهما أو يكون كناية عن الدوام؛ ثم أتبع ذلك نتيجته فقال معبراً عن الذات بالوجه، لأنه أشرف - على ما نتعارفه - وتذكّره يوجب التعظيم ويورث الخجل من التقصير: {يريدون وجهه} أي لأنه لو كان رياء لاضمحل على طول الزمان وتناوب الحدثان باختلاف الشأن. ولما كان أكابر المشركين وأغنياؤهم قد وعدوه صلى الله عليه وسلم الاتباع إن طرد من تبعه ممن يأنفون من مجالستهم، وزهدوه فيهم بفقرهم وبأنهم غير مخلصين في اتباعه، إنما دعاهم إلى ذلك الحاجة؛ بين له تعالى أنه لا حظ له في طردهم ولا في اتباع أولئك بهذا الطريق إلا من جهة الدنيا التي هو مبعوث للتنفير عنها، فقال معللاً لما مضى أو مستأنفاً: {ما عليك} قدم الأهم عنده وهو تحمله {من حسابهم} وأغرق في النفي فقال: {من شيء} أي ليس لك إلا ظاهرهم، وليس عليك شيء من حسابهم، حتى تعاملهم بما يستحقون في الباطن من الطرد إن كانوا غير مخلصين {وما من حسابك} قدم أهم ما إليه أيضاً {عليهم من شيء} أي وليس عليهم شيء من حسابك فتخشى أن يحيفوا عليك فيه على تقدير غشهم، أو ليس عليك من رزقهم شيء فيثقلوا به عليك، وما من رزقك عليهم من شيء فيضعفوا عنه لفقرهم، بل الرازق لك ولهم الله؛ ثم أجاب النفي مسبباً عنه فقال: {فتطردهم} أي فتسبب عن أحد الشيئين طردك لهم ليقبل عليك الأغنياء فلا يكلفوك ما كان أولئك يكلفونك، وإن كلفتهم ما كان أولئك عاجزين عنه أطاقوه؛ والحاصل أنه يجوز أن يكون معنى جملتي {ما عليك من حسابهم} - إلى آخرهما راجعاً إلى آية الكهف {أية : ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} تفسير : [الكهف: 28] فيكون المعنى ناظراً إلى الرزق، يعني أن دعاءك إلى الله إنما مداره الأمر الأخروي، فليس شيء من رزق هؤلاء عليك حتى تستنفر بهم وترغب في الآغنياء، ولا شيء من رزقك عليهم فيعجزوا عنه، وفي اللفظ من كلام أهل اللغة ما يقبل هذا المعنى؛ قال صاحب القاموس وغيره: الحساب: الكافي ومنه {أية : عطاء حساباً} تفسير : [النبأ: 36] وحسّب فلان فلاناً: أطعمه وسقاه حتى شبع وروي. وقال أبو عبيد الهروي: يقال: أعطيته فأحسبته، أي أعطيته الكفاية حتى قال: حسبي، وقوله {أية : يرزق من يشاء بغير حساب} تفسير : [البقرة: 212] أي بغير تقتير وتضييق، وفي حديث سماك: ما حسبوا ضيفهم، أي ما أكرموه، وقال ابن فارس في المجمل: وأحسبته: أعطيته ما يرضيه، وحسّبته أيضاً، وأحسبني الشيء: كفاني. ولما نهاه عن طردهم مبيناً أنه ضرر لغير فائدة، سبب عن هذا النهي قوله {فتكون من الظالمين *} أي بوضعك الشيء في غير محله، فإن طردك هؤلاء ليس سبباً لإيمان أولئك، وليس هدايتهم إلا إلينا، وقد طلبوا منا فيك لما فتناهم بتخصيصك بالرسالة ما لم يخف عليك من قولهم {أية : لولا أنزل عليه ملك} تفسير : [الأنعام: 8] ونحوه مما أرادوا به الصرف عنك، فكما لم تقبلهم فيك فلا تقبلهم أنت في أوليائنا، فإنا فتناهم بك حتى سألوا فيك ما سألوا وتمنوا ما تمنوا {وكذلك} أي ومثل ما فتناهم بإرسالك {فتنا} أي فعلنا فعل المختبر قسراً بما لنا من العظمة {بعضهم ببعض} بالتخصيص بالإيمان والغنى والفقر ونحو ذلك {ليقولوا} أي إنكاراً لأن تفضل غيرهم عليهم احتقاراً لهم واستصغاراً {أهؤلاء} أي الذين لا يساووننا بل لا يقاربوننا في خصلة من خصال الدنيا {منَّ الله} أي على جلاله وعظمه {عليهم} أي وفقهم لإصابة الحق وما يسعدهم عنده وهم فيما نرى من الحقارة {من بيننا} فالآية ناظرة إلى ما يأتي في هذه السورة من قوله تعالى {أية : حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} تفسير : [الأنعام: 124]. ولما كان الإنكار لا يسوغ إلاّ مع نهاية العلم بمراتب المفضلين، وأن المفضل لا يستحق التفضيل من الوجه المفضل به، أنكر إنكارهم بقوله: {أليس الله} أي الذي له جميع الأمر، فلا اعتراض عليه {بأعلم بالشاكرين *} أي الذين يستحقون أن يفضلوا لشكرهم على غيرهم لكفرهم.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسعود قال "مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب، وعمار، وبلال، وخباب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك منّ الله عليهم من بيننا، أو نحن نكون تبعاً لهؤلاء؟ أطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. فأنزل فيهم القرآن {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} إلى قوله {والله أعلم بالظالمين}. وأخرج أبن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال "مشى عتبة بن ربيعة،وشيبة بن ربيعة، وقرظة بن عبد، عمر، وابن نوفل، والحارث بن عامر بن نوفل، ومطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل، في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد فانهم عبيدنا وعسفاؤنا كان أعظم له في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب: لو فلعت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم وما يصيرون إليه من أمرهم، فأنزل الله {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} إلى قوله {أليس الله بأعلم بالشاكرين} قالوا: وكانوا بلالاً، وعمار بن ياسر، وسالماً مولى أبي حذيفة، وصبحاً مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمر، وذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد، وأشباههم ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا} الآية. فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته، فأنزل الله {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} الآية" . وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وأبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن خباب قال "جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، في أناس ضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به، فقالوا: انا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب ستأتيك فنستحي أن ترانا العرب قعوداً مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت. قال: نعم. قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً، فدعا بالصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} إلى قوله {فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة} فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعا فأتيناه وهو يقول {سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة} فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله {أية : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه...}تفسير : [الكهف: 28] الآية. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، تركناه حتى يقوم" . وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عمر بن عبد الله بن المهاجر مولى غفرة، أنه قال في أسطوان التوبة: كان أكثر نافلة النبي صلى الله عليه وسلم إليها، وكان إذا صلى الصبح انصرف إليها وقد سبق إليها الضعفاء، والمساكين، وأهل الضر، وضيفان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤلفة قلوبهم، ومن لا مبيت له إلا المسجد. قال: وقد تحلقوا حولها حلقاً بعضها دون بعض فينصرف إليهم من مصلاه من الصبح، فيتلو عليهم ما أنزل الله عليه من ليلته، ويحدثهم ويحدثونه حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطول والشرف والغني فلم يجدوا إليه مخلصاً، فتاقت أنفسهم إليه وتاقت نفسه إليهم، فأنزل الله عز وجل {أية : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ....}تفسير : [الكهف: 28] إلى منتهى الآيتين، فلما نزل ذلك فيهم قالوا: يا رسول الله لو طردتهم عنا ونكون نحن جلساءك وإخوانك لا نفارقك، فأنزل الله عز وجل {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} إلى منتهى الآيتين. وأخرج الفربابي وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة، أنا، وعبد الله بن مسعود، وبلال، ورجل من هذيل، واثنين، قالوا: يا رسول الله أطردهم فانا نستحي أن نكون تبعاً لهؤلاء، فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فأنزل الله {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} إلى قوله {أليس الله بأعلم بالشاكرين}. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: المصلين بلال، وابن أم عبد، كانا يجالسان محمداً صلى الله عليه وسلم فقالت قريش تحقره لهما: لولاهما واشباههما لجالسناه، فنهى عن طردهم حتى قوله {أليس الله بأعلم بالشاكرين}. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال " كان رجال يستبقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم بلال، وصهيب، وسلمان، فيجيء أشراف قومه وسادتهم وقد أخذ هؤلاء المجلس فيجلسون ناحية فقالوا: صهيب رومي، وسلمان فارسي، وبلال حبشي، يجلسون عنده ونحن نجيء فنجلس ناحية، حتى ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انا سادة قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك إذا جئنا؟ قال: فهم إن فعل، فأنزل الله {ولا تطرد الذين يدعون ربهم...} الآية. وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: كان أشراف قريش يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وعنده بلال، وسلمان، وصهيب، وغيرهم مثل ابن أم عبد، وعمار، وخباب، فإذا أحاطوا به قال أشراف قريش: بلال حبشي، وسلمان فارسي، وصهيب رومي، فلو نحاهم لأتيناه، فأنزل الله {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} يعني يعبدون ربهم بالغداة والعشي، يعني الصلاة المكتوبة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال الصلاة المفروضة، الصبح والعصر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم في قوله {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر قال سفيان: هم أهل الفقر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} يعني أنه جعل بعضهم اغنياء وبعضهم فقراء، فقال الأغيناء للفقراء {أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا} يعني هؤلاء هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسخرياً. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} يقول: ابتلينا بعضهم ببعض . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا} لو كان بهم كرامة على الله ما أصابهم هذا من الجهد . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {وكذلك فتنا بعضهم ببعض... } الآية. قال: هم أناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء، فقال أناس من أشراف الناس: نؤمن لك، فإذا صلينا معك فأخر هؤلاء الذين معك فليصلوا خلفنا. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ومسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ماهان قال: أتى قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: انا أصبنا ذنوباً عضاماً ؟ فما رد عليهم شيئاً، فانصرفوا فأنزل الله {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ...} الآية. فدعاهم فقرأها عليهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير قال: أخبرت أن قوله {سلام عليكم} قال: كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بدأهم فقال: سلام عليكم، وإذا لقيهم فكذلك أيضاً. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله {وكذلك نفصل الآيات} قال: نبين الآليات. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ولتستبين سبيل المجرمين} قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء. قوله تعالى {قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين} أخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم عن هزيل بن شرحبيل قال: جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة فسألهما عن ابنة وابنة ابن وأخت؟ فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت عبد الله فإنه سيتابعنا، فأتى عبد الله فأخبره فقال {قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين} لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت.

ابو السعود

تفسير : {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ} بعد ما حكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الكفرة قوماً لا يتعظون بتصريف الآيات الباهرة، ولا يتأثرون بمشاهدة المعجزات القاهرة، قد إيفت مشاعرُهم بالكلية، والتحقوا بالأموات، وقرَّر ذلك بأن كرَّر عليهم من فنون التبكيت والإلزام ما يُلقِمُهم الحجرَ أيَّ إلقامٍ فأبَوا إلا الإباءَ والنكيرَ، وما نجَع فيهم عِظةٌ ولا تذكير، وما أفادهم الإنذارُ إلا إصراراً على الإنكار، أُمر عليه الصلاة والسلام بتوجيه الإنذار إلى مَنْ يتوقعُ منهم التأثرَ في الجملة وهم المجوِّزون منهم لحشر على الوجه الآتي، سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب وبعضِ المشركين المعترفين بالبعث، المتردِّدين في شفاعة آبائهم الأنبـياء عليهم الصلاة والسلام كالأولين أو في شفاعة الأصنام كالآخِرين أو متردّدين فيهما معاً كبعض الكفرة الذين يُعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون أن يكون حقاً، وأما المنكرون للحشر رأساً والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام فهم خارجون ممن أُمر بإنذراهم، وقد قيل: هم المفرِّطون في الأعمال من المؤمنين، ولا يساعده سِباقُ النظم الكريم ولا سياقه، بل فيه ما يقضي باستحالة صحته كما ستقف عليه، والضميرُ المجرورُ لما يوحىٰ أو لما دل هو عليه من القرآن، والمفعولُ الثاني للإنذار إما العذابَ الأخرويَّ المدلولَ عليه بما في حيز الصلة وإما مطلقَ العذاب الذي ورد به الوعيدُ، والتعرّضُ لعنوان الربوبـية المُنْبئة عن المالكيةِ المطلقةِ والتصرّف الكليِّ لتربـية المهابة وتحقيق المخافة، وقوله تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} في حيز النصْب على الحالية من ضمير (يُحشروا)، و(من) متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من اسم ليس، لأنه في الأصل صفة له فلما قدم عليه انتصب حالاً، خلا أن الحال الأولى لإخراج الحشر ـ الذي لم يقيد بها ـ عن حيز الخوف، وتحقيقِ أن ما نيط به الخوفُ هو الحشر على تلك الحالة لا الحشرُ كيفما كان، ضرورةَ أن المعترفين به الجازمين بنُصرة غيرِه تعالى بمنزلةِ المنكرين له في عدم الخوفِ الذي عليه يدورُ أمرُ الإنذار، وأما الحالُ الثانية فليست لإخراج الوليِّ ـ الذي لم يقيَّد بها ـ عن حيز الانتفاء لفساد المعنى لاستلزام ثبوتِ ولايتِه تعالى لهم كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ }تفسير : [البقرة، الآية 107] بل لتحقيق مدارِ خوفهم وهو فُقدان ما علّقوا به رجاءَهم، وذلك إنما هو ولايةُ غيرِه سبحانه وتعالى في قوله تعالى: {أية : وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلأَرْضَ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } تفسير : [الأحقاف، الآية 32] والمعنى أنذر به الذين يخافون أن يُحشروا غيرَ منصورين من جهة أنصارهم على زعمهم، ومن هذا اتضح ألا سبـيلَ إلى كون المرادِ بالخائفين المفرِّطين من المؤمنين، إذ ليس لهم وليٌّ سواه تعالى ليخافوا الحشرَ بدون نُصرته وإنما الذين يخافون الحشرَ بدون نصرته عز وجل، وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} تعليل الأمر، أي أنذِرْهم لكي يتقوا الكفرَ والمعاصيَ أو حال من ضمير الأمر، أي أنذِرْهم راجياً تقواهم أو مِن الموصول أي أنذرهم مرجواً منهم التقوى.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} [الآية: 51]. وقال أبو سعيد الخراز فى قوله: {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} قال: أن يجعلوا إلىَّ وسيلة غيرى، أو شفيعًا إلىَّ سواى. سمعت الأستاذ أبا سهل محمد بن سليمان يقول: لسنا مخاطبين بحقائق القرآن إنما المخاطب بحقيقته هم الذين وصفهم الله فقال: {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} وقال {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} تفسير : [ق: 37]. قوله تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: من استقطعته المملكة عن الملك، لا يصلح لخدمة الملك. وقال أيضًا: لا تلاحظ أحدًا وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلاً. قوله تعالى: {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. قال: أن يجعلوا إلىَّ وسيلة غيرى. وقيل فى هذه الآية: إنما يعطى الأطماع بمعاونة نصيب الكرم دون السعاية بضياء الهداية.

القشيري

تفسير : الإنذارُ إعلامٌ بمواضع الخوف، وإنما خص الخائفين بالإنذار كما خصَّ المتقين بإضافة الهدى إليهم حيث قال: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2] لأن الانتفاع والاتِّباع بالتقوى، والإنذار اختص بهم. ويقال: الخوف ها هنا العلم، وإنما يخاف من علم، فأمَّا القلوب التي هي تحت غطاء الجهل فلا تباشرها طوارقُ الخوف. قوله: {أية : مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ}تفسير : [السجدة: 4] يعني كما أنه لا ناصر لهم من الأغيار فلا معتمدَ لهم من أفعالهم، ولا مستندَ من أحوالهم، ولا يؤمنون شيئاً سوى صرف العناية وخصائص الرحمة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} ادق طريق معارفه حيث اسبل نقاب العظمة على وجه جلال القدم وضرب سرادق العزة على ساحات الكبرياء حتى لا تصل الحدث الى ادراك كنه قدمه وبقاء ديموميته وبين ذلك فى كلامه القديم اى خوف بما وصفت نفسى بامتناعى عن مطالعة الخليقة واراكها سر حقيقة وجودى فى كتابى وخاطبى الذين يخافون من قطعيتى ويعلمون تنزيه جلالى عن ان يصل احد الى بطاعته تحين حشر لة بعلل الانسانية وسمات النفوسية ان الامر هناك اجل من ان تخطر بخواطرهم وادق من ان يفهم احد فان مكرى قديم وصفتى تنزيه او حرق جميع المخلصين بنيران البعد بعد ان يكونوا من اهل القرب فلا ابالى ان يكدى متين ولو ياتونى بملاء السموات والارضين اخلاصا واريد ان ارفق عليهم باخلاص الاخلاص لا يخلصهم اخلاصهم من دقائق حسابى ما اطلع عليهم من خطرات ضمائرهم المسيرة اى غيرى ولو امنعهم منى من تيولى امرهم بارجاعهم على غيرى وهذا معنى قوله تعالى {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} لعلهم يتقدسون من نفوسهم بقدس تذكرتى وذكرى لهم ويخافنون منى بقلة خوفهم عنى قال ابو عثمان اهل المعاملات وارباب الصدق فى ذلك خائفين مما يبدؤا لهم من الايمان والتوكل واليقين وانواع العبادات وعرض ذلك عن ربهم بشغلهم خوف ذلك من رؤية افعالهم اوالتلذذ او الاعتماد عليها قال الله تعالى وانذر به الذين الأية وقال ابو سعيد الخراز فى الأية ان يحشروا الى ربهم اين تجعلوا الى وسيلة او شفيعا الى نفسى سوائى قال الشيخ ابو عبد الرحمن السلمى سمعت الاستاد ابا سهل محمد بن سليمان يقول لسنا مخاطبين بحقائق القرأن انما المخاطب بحقيقته هم الذين وصفهم الله فقال وانذر به الذين الأية وقال ان فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب وقال الواسطى فى قوله ليس لهم من دونه ولى لا شفيع من استقطعه المملكة عن الملك لا يصلح لخدمة الملك وقال لا تلاحظ احد وانت تجد الى ملاحظة الحق وقال وفى قوله لعلهم يتقون اى ان يجعلو الى وسيلة غيرى وقيل فى هذه الأية انما تعطى الاطماع بمقاربة صرف الكريم دون السعاية بضياء الهداية ويقال الخوف ههنا العلم وانما يخاف من علم فاما القلوب التى غطاه الجهل فلا يباشرها طوارق الخوف.

اسماعيل حقي

تفسير : {وانذر به} اى خوف من العذاب بما يوحى {الذين يخافون أن يحشروا الى ربهم} اى يبعثو ويجمعوا الى ربهم اى الى موضع لا يملك احد فيه نفعهم ولا ضرهم الا الله تعالى. وقيل يخافون يعلمون لان خوفهم انما كان من علمهم {ليس لهم من دونه ولى} قريب ينفعهم {ولا شفيع} يشفع لهم وجملة النفى اى ليس فى موضع الحال من ضمير يحشرون فان المخوف هو الحشر على هذه الحال. وقوله من دونه حال من اسم ليس اى متجاوزا لله تعالى والمراد بالموصول المؤمنون العاصون كما فى اكثر التفاسير وانما نفى الشفاعة لغيره مع ان الانبياء والاولياء يشفعون كما هو مذهب اهل السنة لانهم لا يشفعون الا باذنه فكانت الشفاعة فى الحقيقة من الله تعالى. وقال المولى ابو السعود رحمه الله المراد بالموصول المجوزون من الكفار للحشر سواء كانوا جارمين باصله كاهل الكتاب وبعض المشركين المعترفين بالبعث المترددين فى شفاعة آبائهم الانبياء كالاولين او فى شفاعة الاصنام كالآخرين او مترددين فيهما معا كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم انهم اذا سمعوا بحديث البعث يخافون ان يكون حقا واما المنكرون للحشر رأسا والقائلون به القاطعون بشفاعة آباهم او بشفاعة الاصنام فهم خارجون ممن امر بانذارهم انتهى فالكلام على هذا ظاهر لان الظالمين ليس لهم من حميم ولا شفيع يطاع {لعلهم يتقون} تعليل للامر اى انذرهم لكى يتقوا الله باقلاعهم عما هم فيه وعمل الطاعات او يتقوا الكفر والمعاصى والاشارة ان الله تعالى امر نبيه عليه السلام ان يكلم الكفار على قدر عقولهم فقال {أية : قل لا أقول لكم عندى خزائن الله} تفسير : [الأنعام: 50]. على انها عندى ولكن لا اقول لكم وهى علم حقائق الاشياء وما هياتها وقد كان عنده فى اراءة سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى انفسهم وفى اجابة قوله عليه السلام "حديث : ارنا الاشياء كما هى " .تفسير : فى قوله "حديث : اوتيت جوامع الكلم" تفسير : وما امره الله تعالى ان قل ليس عندى خزائن الله. قال حضرة الشيخ الأكبر قُدس سِرَهُ الأطهر "ولا تبذر الاسرار" يعنى بيان الحقائق الذى هو غذاء القلب والروح كالسمراء يعنى الحنطة للجسم "فى ارض عميان" يعنى فى ارض استعداد هؤلاء الطوائف الذين لا يبصرون الحق ولا يشاهدونه فى جميع الاشياء كما فى شرح الفصوص للمولى الجامى قدس سره: قال السعدى قدس سره شعر : دريغست باسفله كفت از علوم كه ضايع شود تخم درشوره بوم تفسير : ولا اعلم الغيب فانه صلى الله عليه وسلم كان يخبر عما مضى وعما سيكون باعلام الحق وقد "حديث : قال عليه السلام ليلة المعراج "قطرت فى حلقى قطرة علمت ما كان وما سيكون"" تفسير : فمن قال ان نبى الله لا يعلم الغيب فقد اخطأ فيما اصاب ولا اقول لكم انى ملك وان كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبرائيل تقدم فقال لو دنوب انملة لاحترقت: كما قال السعدى قدس سره شعر : شبى برنشست ازفلك بركذشت بتمكين وجاه ازملك دركذشت جنان كرم درتيه قربت براند كه درسدره جبريل ازو بازماند تفسير : ان اتبع الا ما يوحى الى يعنى لا اخبركم عن مقاماتى واحوالى مما لى مع الله وقد لا يسعنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل الا عما يوحى الى ان اخبركم وكيف اخبركم عما اعمى الله بصائركم عنه وانابه بصير فلا يستوى الاعمى والبصير ثم قال وانذر به يعنى اخبر بهذه الحقائق والمعانى الذين يخافون اى يرجون ان يحشروا الى ربهم بجذبات العناية ويتحقق لهم ليس لهم فى الوصول الى الله من دونه ولى يعنى من الاولياء ولا شفيع يعنى من الانبياء لان الوصول لا يمكن الا بجذبات الحق لعلهم يتقون عما سوى الله بالله فى طلب الوصول. قال السرى السقطى قدس سره خرجت يوما الى المقابر فاذا ببهلول فقلت له اى شئ تصنع هنا قال اجالس قوما لا يؤذوننى وان غبت لا يغتابوننى فقلت له تكون جائعا فولى وانشأ يقول شعر : تجوع فإن الجوع من عمل التقى وان طويل الجوع يوما سيشبع تفسير : قيل مثل الصالحين وما زينهم الله به دون غيرهم مثل جند قال لهم الملك تزينوا للعرض على غدا فمن كانت زينته احسن كانت منزلته عندى ارفع ثم يرسل الملك فى السر بزينة عنده ليس عند الجند مثلها الى خواص مملكته واهل محبته فاذا تزينوا بزينة الملك فخروا سائر الجند عند العرض على الملك فهذا مثل من وفقهم الله تعالى للاعمال الصالحة والاحوال الزكية ولا حاجة لهم ان يصفوا ما عندهم الى عامة الناس فان علمهم بذلك كاف وسيظهر يوم العرض الاكبر وعند الكثيب الاحمر شعر : اولئك خدام كرام وسادة ونحن عبيد السوء بئس عبيد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الضمير في {به}: يعود على {ما يوحى} وجملة {ليس}: حال من ضمير {يُحشروا}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وأنذر} أي: خوِّف بما أوحي إليك، المؤمنين المقصرين في العمل؛ {الذين يخافون أن يُحشروا إلى ربهم} بالبعث للحساب، حال كونهم في ذلك الوقت {ليس لهم من دونه وليٌّ} ينصرهم من عذابه، {ولا شفيع} يرده عنهم بشفاعته، {لعلهم يتقون} أي: كي يصيروا بإنذارك متقين، وإنما خص الإنذار هنا بالذين يخافون؛ لأنه تقدم في الكلام ما يقتضى اليأس من إيمان غيرهم، فكأنه يقول: أنذر الخائفين؛ لأنه ينفعهم الإنذار، وأعرض عمن تقدم ذكرهم من الذين لا يسمعون ولا يعقلون، أو: أنذر من يتوقع البعث والحساب، أو يتردد فيه مؤمنًا أو كافرًا. قاله البيضاوي. الإشارة: لا ينفع الوعظ والتذكير إلا من سبق له الخوف من الملك القدير؛ إذ هو الذي ينهضه الخوف المزعج أو الشوق المقلق، وأما من سَوّدت قلبَه الخطايا، وانطبعت في مرآته صور الأشياء، فلا ينفع فيه زاجر ولا واعظ، بل ران على قلبه ما اقترفه من المآثم، والعياذ بالله. ثم أمره بالدنو ممن ينفعه التذكير، ونهاه عن ضده، فقال: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ}.

الطوسي

تفسير : امر الله تعالى نبيه (ع) ان ينذر بهذه الآيات أي يخوف بها من هو مقر بالبعث والنشور من المؤمنين، ومن يقر بذلك من الكفار ويعتقد انه لا معونة عند الشركاء يومئذ، لان الامر هناك له تعالى وحده. وقد كان خلق من مشركي العرب يعتقدون ذلك، فأمر الله ان يخص هؤلاء بالانذار، لان الحجة لهم ألزم وان كانت لازمة للجميع. وقوله: {يخافون أن يحشروا إلى ربهم} أي يعلمون ذلك، فهم خائفون منه أي عاملون بما يؤديهم الى السلام عنده. وقال الفراء: يخافون الحشر الى ربهم علما بأنه سيكون فلذلك فسَّره المفسرون يخافون بمعنى يعلمون. وقال الجبائي: امر الله ان يخوف بالعقاب من هو خائف، لانه لما أعلمهم ان الله يعذبهم بكفرهم اذا حشروا، كانوا يخافون الحشر لكونهم شاكين فيما أخبرهم به النبي (صلى الله عليه وسلم) من الحشر والعذاب. وكانوا يخافون ذلك لشكهم فيه، وان كانوا غير مؤمنين. والاول قول البلخي والزجاج. وقوله: {ليس لهم من دونه ولي} أو من يدفع عنهم ما يريد الله إِنزاله بهم من عذابه، وعقوباته، ولا شفيع يشفع يدفع بشفاعته عنهم ما يريد الله انزاله بهم من ذلك على ما قالت النصارى انهم ابناء الله واحباؤه. وقوله: {لعلهم يتقون} أي لكي يتقوا معاصيه. والهاء في قوله {به} قال الزجاج: راجعة الى القرآن. وقال الجبائي: راجعة الى العذاب. وقال البلخي: راجعة الى الانذار.

الجنابذي

تفسير : {وَأَنذِرْ بِهِ} اى بالله او بالقرآن او بعلىّ (ع) او بما يوحى اليك {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} المضاف الّذى هو ربّهم فى الولاية {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} الولىّ هو الشّيخ فى الولاية والشّفيع كالنّصير هو الشّيخ فى الدّلالة، وبعبارةٍ اخرى الولىّ هو معلّم احكام القلب والشّفيع هو معلّم احكام القالب والاوّل شأن الولاية والثّانى شأن النّبوّة ولمّا كان النّبوّة صورة الولاية وكلّ نبىٍّ له ولاية لا محالة وكذا كلّ ولىّ له خلافة للنّبوّة، فكلّ من النّبىّ والولىّ يصحّ ان يكون شفيعاً ووليّاً معاً والضّمير فى من دونه راجع الى ربّهم {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} عمّا يصرفهم عن ربّهم، اعلم انّ الانسان فطرىّ التّعلّق وكلّما انزجر ممّا تعلّق به من الدّنيا واهلها طلب التّعلّق بمن يطمئنّ اليه ويسلم له من جهة الآخرة، وكلّما طلب ذلك التّعلّق والارادة والتّقليد هُيّج شياطينه الجنيّة والانسيّة لتحذيره عن هذا الامر وتخويفه وصدّه فكلّما هيّج الشّوق عزمه للطّلب صدّه الشّياطين عنه وخوّفوه وقيل بالفارسيّة: شعر : تو جو عزم دين كنى با اجتهاد ديو بانكَت بر زند اندر نهاد كه مرو زينسو بينديش اى غوى كه اسير رنج ودرويشى شوى سالها او را ببانكى بنده كار او اينست تا تو زنده تفسير : فمعنى الآية على هذا انذر بالقرآن الّذى هو صورة الولاية الّتى اصلها والمتحقّق بها امير المؤمنين (ع) الّذين يريدون ويطلبون الحضور عند ربّهم الّذى هو علىّ (ع) او خليفته ويريدون التّعلّق به والتّقليد له بان يحشرهم الشّيخ الدّليل الّذى هو كالنّبىّ بالآداب المسنونة اليه، ويخافون بتخويفات الشّياطين الانسيّة والجنّيّة عن الحضور لديه والتّعلّق به، فانّهم بكيد الشّيطان قاعدون وبمحض انذارك يرتفع كيد الشّيطان فانّ كيده كان ضعيفاً، وانذرهم بأنّه ليس لهم من دونه ولىّ يتولىّ امورهم ولا شفيع يشفع جرائمهم عند الله يعنى انذرهم بانّ ربّهم فى الولاية له شأنّ النّبوّة والشّفاعة وشأن الولاية والتّربية، فهو حقيق بان يخاف من التولّى عنه ولا يخاف من التّوجّه اليه لعلّهم يتّقون تخويفات الشّياطين ولا يبالون بتهديداتهم ويقطعون سلاسل تهديداتهم ويحضرون عنده كالعاشق الّذى لا يبالى بما قيل فيه وما عرض له.

اطفيش

تفسير : {وأنْذر بهِ} أى بالقرآن، كذا قيل بأن الكلام دل عليه، ولعل الهاء عائدة إلى ما يوحى وهو القرآن وسائر الوحى، ولعل مراد من رجعها إلى القرآن أراد رجوعها إلى ما يوحى مفسراً له بالقرآن. {الَّذين يخافُون أن يُحْشروا إلى ربِّهم} يخافون الحشر لشدة الهول وهم المؤمنون، ولو لم يفرطوا فى العمل، إذ لا يشقون بأعمالهم، فالإنذار للتخويف من الإياس، أو بمعنى مطلق الوعظ، وقيل المؤمنون المفرطون فى العمل، فينذرون على تفريطهم بالعقاب، وقيل هم الكافرون بالبعث، فإنهم ربما شكوا فى صحته أو ظنوا أنه صحيح، فيخافون أن يصح كارهين لصحته بمن يخاف وقوع شئ، ورجا أن لا يكون، وقيل: هم المؤمنون والكافرون، لأنهم كلهم خائفوه طبعاً، وقيل: المؤمنون والكافرون الذين لم يلتزموا بنفسه، وقيل يخافون بمعنى يعلمون، وفيه إعمال أن الناصبة للفعل بعد علم، وعلى تخصيص المؤمنون فخصوا لأنهم المنتفعون. {ليسَ لَهم من دُونه ولىٌّ} قريب أو صاحب يجلب لهم النفع، أو يدفع عنهم الضر بالنصب {ولا شَفيعٌ} يجلب الخير ويدفع الضر بتضرع، وهذا يدل على أن المراد بالذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم هم الكفار، أو المفرطون فى الأعمال، وإذا فسر بالمؤمنين فالمراد لا شفاعة لهم حتى يأذن الله بها، فتكون لهم، والجملة حال من واو يحشرون {لعلَّهم يتقونَ} يتركون التفريط بعد الإيمان فى الأعمال، وترك المعاصى أو يتقون الشرك والمعاصى أو يدومون على التقوى أو يزيدون منها.

اطفيش

تفسير : {وَأَنْذِرْ} خوف {بِهِ} بالقرآن لعلمه من المقام ومن قوله ما يوحى إِلى، أَو بما يوحى إِليك أَو بإِليه {الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} هم المؤمنون الموفون يزدادون بالإِنذار به خيراً والذين آمنوا وقصرور فى العمل أَو التقوى، والمشركون المقرون بالحشر والمترددون فيه، والإِنذار حقيقة فى التخويف الأَول أَو فى المكرر ولا يختص بالأَول، والمتردد لا يخلو من خوف به، وأَعرض عن المشركين والمتكلين على شفاعة الأَصنام الجازمين بانتفاء الحشر بعد إِنذارك إِياهم فتول عنهم فما أَنت بملوم، فما تغنى الآيات والنذر، وإِذا أَمر بإِنذار هؤلاء الأَقسام فأَولى أَنه مأمور بإِنذار خالى الأَذهان، فالإِنسان إِما فى خير فلا بد من مصاحبته، أَو مستعد للخير فلا بد من إِعانته، أَو خالى الذهن فلا بد من إِرشاده، أَو معاند فلا بد من مفارقته والإِعراض عنه، وعن ابن عباس رضى الله عنهما أَن المراد بالذين المؤمنين، وقال بعض: المؤمنون المفرطون، ويبحث بأَنه ليس للمفرطين ولى ولا شفيع سواه تعالى يخافون الحشر بدون نصرته، وإِنما الذين يخافون الحشر بدون نصرته عز وجل {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} الجملة حال من واو يحشرون، ولا يختص هذا بتفسير الذين يخافون بالمشركين الذين لم يجزموا بإِنكار البعث، فكما أَن المشركين لا يجدون شفيعا ولا ولياً لأَنه لا ولى ولا شفيع إِلا الله على الحقيقة وهو لا يليهم يوم الحشر بخير ولا يشفع لهم، كذلك المؤمنون لا ولى ولا شفيع لهم إِلا الله يليهم بخير ويشفع لهم، وأَما شفاعة الأَنبياء والملائكة والشهداء والعلماء ونحوهم فبإِذن الله فهو الشفيع. ولا يعطل الحالية كون المشركين لا يجزمون بأَن لا ولى ولا شفيع إِلا الله، إِذ لا يلزم معرفة صاحب الحال بها، تقول: جاءَ زيد أَحمر الوجه، وهو لا يدرى بحمرته، وهذا العموم أَولى من أَن يقال: المراد يخافون أَن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم {لَعَلَّهُمُ يَتَّقُونَ} راجين الاتقاءَ، أَو كى يتقوا، وهو متعلق بأَنذر على الوجهين. والتقوى ترك المخالفة فى النهى والأَمر، والمراد بالاتقاء تحصيل التقوى بزيادتها أَو بإِيجادها فتشمل الموفى والمفرط والمشرك.

الالوسي

تفسير : {وَأَنذِرِ} أي عظ وخوف يا محمد {بِهِ } أي بما يوحى أو بالقرآن كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والزجاج، وقيل: أي بالله تعالى وروي ذلك عن الضحاك. وهذا أمر منه سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد ما حكى سبحانه وتعالى له أن من الكفرة من لا يتعظ ولا يتأثر قد التحق بالأموات وانتظم في سلك الجمادات فما ينجع فيه دواء الإنذار ولا يفيده العظة والتذكار إذ ينذر من يتوقع في الجملة منهم الانتفاع ويرجى منهم القبول والسماع وهو المشار إليهم بقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ } فالمراد من الموصول «المجوزون للحشر على الوجه الآتي سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب وبعض المشركين المعترفين بالبعث المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء كالأولين أو في شفاعة الأصنام كالآخرين أو المترددين فيهما معاً كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديثه يخافون أن يكون حقاً، وأما المنكرون للحشر رأساً والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام فهم خارجون ممن أمر بإنذارهم» كذا قال شيخ الإسلام. وروي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى عنهم أن المراد بالموصول المؤمنون وارتضاه غير واحد إلا أنهم قيدوا بالمفرطين لأنه المناسب للإنذار ورجاء التقوى. وتعقبه الشيخ بأنه مما لا يساعده السباق ولا السياق بل فيه ما يقضي بعدم صحته وبينه بما سيذكر قريباً إن شاء الله تعالى، وقيل: المراد المؤمنون والكافرون وعلله الإمام الرازي «بأنه لا عاقل إلا وهو يخاف الحشر سواء قطع بحصوله أو كان شاكاً فيه لأنه بالاتفاق غير معلوم البطلان بالضرورة فكان هذا الخوف قائماً في حق الكل وبأنه عليه الصلاة والسلام كان مبعوثاً إلى الكل فكان مأموراً بالتبليغ إليه» ولا يخفى ما فيه، والمفعول الثاني للإنذار إما العذاب الأخروي المدلول عليه بما في حيز الصلة، وإما مطلق العذاب الذي ورد به الوعيد. والتعرض لعنوان الربوبية بتحقيق المخافة إما باعتبار أن التربية المفهومة منها مقتضية خلاف ما خافوا لأجل الحشر، وإما باعتبار أنها منبئة عن المالكية المطلقة والتصرف الكلي كما قيل. والمراد من الحشر إليه سبحانه الحشر إلى المكان الذي جعله عز وجل محلاً لاجتماعهم وللقضاء عليهم فلا تصلح الآية دليلاً للمجسمة. /وقوله سبحانه: {لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } في حيز النصب على الحالية من ضمير {يُحْشَرُواْ } والعامل فيه فعله. ونقل الإمام عن الزجاج أنه حال من ضمير {يَخَافُونَ} والأول أولى. «و {مِن دُونِهِ} متعلق بمحذوف وقع حالاً من اسم (ليس) لأنه في الأصل صفة له فلما قدم عليه انتصب على الحالية، والحال الأولى لإخراج الحشر الذي لم يقيد بها عن حيز الخوف وتحقيق أن ما نيط به الخوف [هو الحشر على] تلك الحالة لا الحشر كيفما كان ضرورة أن المعترفين به الجازمين بنصرة غيره تعالى بمنزلة المنكرين له في عدم الخوف الذي يدور عليه أمر الإنذار والحال الثانية لتحقيق مدار خوفهم وهو فقدان ما علقوا به رجاءهم وذلك إنما هو [ولاية] غيره سبحانه كما في قوله جل شأنه: { أية : وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلأَرْضَ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } تفسير : [الأحقاف: 32] وليست لإخراج الولي الذي لم يقيد بها عن حيز الانتفاء لاستلزامه ثبوت ولايته تعالى لهم كما في قوله سبحانه: { أية : وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } تفسير : [البقرة: 107] وذلك فاسد. والمعنى أنذر به الذين يخافون حشرهم غير منصورين من جهة أنصارهم بزعمهم قاله شيخ الإسلام، ثم قال: ومن هذا اتضح أن لا سبيل إلى كون المراد بالخائفين المفرطين من المؤمنين إذ ليس لهم ولي ولا شفيع سواه عز وجل ليخافوا الحشر بدون نصرته وإنما الذي يخافونه الحشر بدون نصرته سبحانه» انتهى. وهو تحقيق لم أره لغيره ويصغر لديه ما في «التفسير الكبير»، ولعل ما روي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى عنهم لم يثبت عنهما فتدبر. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أي لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو على هذا تعليل للأمر بالإنذار، وجوز أن يكون حالاً عن ضمير الأمر أي أنذرهم راجياً تقواهم أو من الموصول أي أنذرهم مرجواً منهم التقوى.

ابن عاشور

تفسير : الأظهر أنَّه عطف على قوله: {أية : قل هل يستوي الأعمى والبصير}تفسير : [الأنعام: 50] لأنّ ذلك مقدّمة لذكر مَن مثّلت حالهم بحال البصير وهم المؤمنون. وضمير {به} عائد إلى {أية : ما يوحى إليّ}تفسير : [الأنعام: 50] وهو القرآن وما يُوحى به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم غير مراد به الإعجاز. و{والذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} هم المؤمنون الممثّلون بحال البصير. وعُرّفوا بالموصول لما تدلّ عليه الصلة من المدح، ومن التعليل بتوجيه إنذاره إليهم دون غيرهم، لأنّ الإنذار للذين يخافون أن يحشروا إنذار نافع، خلافاً لحال الذين ينكرون الحشر، فلا يخافونه فضلاً عن الاحتياج إلى شفعاء. و{أن يحشروا} مفعول {يخافون}، أي يخافون الحشر إلى ربِّهم فهم يقدّمون الأعمال الصالحة وينتهون عمَّا نهاهم خيفة أن يَلقَوا الله وهو غير راض عنهم. وخوفُ الحشر يقتضي الإيمان بوقوعه. ففي الكلام تعريض بأنّ المشركين لا ينجع فيهم الإنذار لأنَّهم لا يؤمنون بالحشر فكيف يخافونه.. ولذلك قال فيهم {أية : إنّ الذين كفروا سواء عليهم ءَأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}تفسير : [البقرة: 6]. وجملة: {ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} حال من ضمير {أن يحشروا}، أي يحشروا في هذه الحالة، فهذه الحال داخلة في حيّز الخوف. فمضمون الحال معتقد لهم، أي ليسوا ممَّن يزعمون أنّ لهم شفعاء عند الله لا تردّ شفاعتهم، فهم بخلاف المشركين الذين زعموا أصنامهم شفعاء لهم عند الله. وقوله {من دونه} حال من {ولي} و{شفيع}، والعامل في الحال فعل {يخافون}، أي ليس لهم ولي دون الله ولا شفيع دون الله ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا. وهو تعريض بالمشركين الذين اتَّخذوا شفعاء وأولياء غير الله. وفي الآية دليل على ثبوت الشفاعة بإذن الله كما قال تعالى: {أية : من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه}تفسير : [البقرة: 255]. ولصاحب «الكشاف» هنا تكلّفات في معنى {يخافون أن يحشروا} وفي جعل الحال من ضمير {يحشروا} حالاً لازمة، ولعلّه يرمي بذلك إلى أصل مذهبه في إنكار الشفاعة. وقوله: {لعلهم يتَّقون} رجاء مسوق مساق التعليل للأمر بإنذار المؤمنين لأنَّهم يرجى تقواهم، بخلاف من لا يؤمنون بالبعث.

القطان

تفسير : الحشر:اجتماع الخلق يوم القيامة. بعد أن أمر الله تعلى نبيّه الكريم بتبليغ الناس حقيقة رسالته، أمره بإنذار من يخافون الحساب والجزاء فقال: أنِذر ما محمد بما يوحى إليك، وحذّر بما في هذا القرآن أولئك الذين يخافون اهوال يوم الحشر، حيث لا ناصر ولا شفيع إلا بإِذن الله، لعلّهم يتقون فيبتعدون عما يُغضبه. {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ }. ثم نهى الرسولَ أن يطيع المترفين من كفار قريش في شأن المستضعفين من المؤمنين. فقال: لا تستجيب أيها النبي، لدعوة المتكبرين من المشركين، فتُبعد عنك المتسضعفين من المؤمنين. إنهم هم الذين يعبدون ربهم طول الوقت لا يريدون إلا رضاه. لا تلتفت يا محمد لدسّ المشركين عليهم، فلست مسئولاً أمام الله عن شيء من أعمالهم، وليسوا مسئولين عن أعمالك، فإن استجبتَ وأبعدتَ المؤمنين، كنتَ من الظالمين. كان زعماء المشركين وكبراؤهم- أمثال أبي جهل وعُتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والحارث بن عامر، وقرظة بن عمرو وغيرهم - كثيراً ما يتضايقون من المؤمنين المتسضعَفين - مثل عمار بن ياسر، وبلال، وصهيب، وخَبَّاب، وسالم مولى أبي حذيفة، وابن مسعود - وكانوا يطلبون من النبي ان يبعدهم عنه حتى يحضروا مجلسَه ويستمعوا اليه. روى احمد، وابن جرير، والطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: "مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صُهيب وعمار وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيتَ بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء مَنّ الله عليهم من بيننا؟ انحن نكون تبعا لهؤلاء؟ أطردْهم عنك، فلعلّك ان طردتهم أن نتبعك. فأنزل الله تعالى فيهم القرآن: {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ..} إلى قوله {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ}. {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ....}. تشير الآية الكريمة الى ما سبق وتفسيرها: وبمثل هذا الابتلاء الذي جرت به سنتنا، امتحنّا المتكبّرين.. لقد سبقَهم الضعفاء الى الاسلام، ليقول المتكبرون مستنكرين ساخرين: هل هؤلاء الفقراء هم الذين أنعم الله عليهم من بيننا بالخير الذي يعد به محمد؟ وفي الآية إشارة الى أن ما اغتّر به الكبراء من النعيم لن يدوم، كما لن يبقى المؤمنون على الضعف الذي صبروا عليه.. لا بد ان ينعكس الحال، وتدول الدُّولة لهؤلاء الضعفاء من المؤمنين وقد صدَق الله وعدَه. قراءات" قرأ ابن عامر: "بالغُدوة" والباقون، "بالغَداة".

د. أسعد حومد

تفسير : (51) - وَأَنْذِر بِهذا القُرْآنِ المُؤْمِنينَ، الذِينَ يَخَافُونَ أَهْوَالَ الحَشْرِ، وَشِدَّةَ الحِسَابِ، لأَِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ سَيُحْشَرونَ إِلَى رَبِّهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ لاَ شَفِيعَ لَهُمْ عِنْدَهُ، وَلاَ وَلِيَّ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ. وَذكِّرْهُمْ بِذلِكَ اليَوْمِ الذِي لاَ حَاكِمَ فِيهِ إِلاّ اللهُ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ اللهَ، وَيَعْلَمُونَ فِي هذِهِ الدَّارِ عَمَلاً يُنْجِيهِمْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القِيَامَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي أنذر بالوحي - الذي تتبعه - هؤلاء الذين يخشون يوم اللقاء مع الله. والإنذار - كما نعلم - هو إعلام بشيء مخيف قبل وقوعه لنتفادى أن يقع. وما المراد بهؤلاء الذين يطلب الحق من رسوله إنذارهم بالوحي، في أول الإسلام كان إقبال بعض المؤمنين على العمل الإيماني ضعيفاً، وما دام في قلوبهم إيمان، ويخشون لقاء الله فالوحي إنذار لهم بضرورة العمل الإيماني الجاد. كما يجوز أن يكون الإنذار بالوحي لأهل الكتاب؛ لأنهم يعرفون أن هناك يوماً آخر سيلقون فيه الله. وقد يكون الإنذار لإنسان يؤمن بالبعث ولكنه يشك في الأنبياء وشفاعتهم، فهذا الصنف قد يحمله التخويف والإنذار إلى أن يعيد النظر في قضية الإيمان ويتقبل النبأ الصدق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولنا أن نأخذ الإنذار بالوحي على أي وجه من الوجوه السابقة. ولكن هل يخاف المؤمن أن يحشر إلى الله؟ لا. إن المؤمن إنما يخاف أن يحشر مجرداً من الولي والناصر. إذ في الحقيقة ليس هناك أحد يحمي وينصر من الله، ولا شفيع يخلص من عذاب الله إلا بإذنه {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} وهذا ما يعتقده المؤمنون. وقد حدد الحق ذلك في قوله: {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 51]. إنهم هم المؤمنون الذين آمنوا بالله، وبرسوله ولكنهم قصروا في بعض المطلوبات والتكاليف التي ينطوي عليها قوله الحق: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} هؤلاء المؤمنون عندما يجيئهم الإنذار فهم قد يصلحون من أمورهم خوفاً من الحشر بدون ولي ولا شفيع. المؤمن - إذن - له أمل أن يكون يوم الحشر في ولاية الله ورحمته، وهؤلاء هم من قال عنهم الحق: {أية : وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 102]. وإن كانت الآية الكريمة تتناول وتشمل غيرهم من أهل الكتاب وتشمل وتضم أيضا الذين يؤمنون بالبعث ولكنهم لم يتبعوا أنبياء. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ...}

الأندلسي

تفسير : {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ} لما أخبر أنه لا يتبع إلا ما يوحى إليه أمره تعالى أن ينذر به فقال: وأنذر به أي بما أوحي إليك. وظاهر قوله: الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم عموم من خاف الحشر وآمن بالبعث. {إِلَىٰ رَبِّهِمْ} أي إلى جزائه. {لَيْسَ لَهُمْ} هذه الجملة في موضع الحال أي في حال من لا وليّ له ولا شفيع. وذو الحال الضمير في قوله: يحشروا، والعامل فيها يحشروا، ويجوز أن يكون إخباراً من الله تعالى عن صفة الحال يومئذٍ. {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} متعلق بقوله: وأنذر، أي رجاء أن يحصل لهم التقوى. {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآية، قال سعد بن أبي وقاص: نزلت فينا ستة فيّ وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال. قالت قريش: انا لا نرضى أن نكون لهؤلاء أتباعاً فاطردهم عنك. فنزلت: ولما أمر تعالى بإِنذار غير المتقين لعلهم يتقون أردف ذلك بتقريب المتقين وإكرامهم ونهاه عن طردهم ووصفهم بموافقة ظاهرهم لباطنهم من دعاء ربهم وخلوص نياتهم. والظاهر في قوله: يدعون ربهم، يسألونه ويلجأون إليه ويقصدونه بالدعاء والرغبة. و{بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} كناية عن الزمان الدائم ولا يراد بهما خصوص زمانهما، كما تقول: الحمد لله بكرة وأصيلاً، تريد على كل حال، فكني بالغداة عن النهار وبالعشي عن الليل، وخصهما بالذكر لأن الشغل فيهما غالب على الناس ومن كان في هذين الوقتين يغلب عليه ذكر الله ودعاؤه كان في وقت الفراغ أغلب عليه. وقرأ ابن عامر وجماعة بالغدوة. {يُرِيدُونَ} جملة حالية وذو الحال الواو في يدعون وهي الفاعل، ويدعون هو العامل في الحال. و{وَجْهَهُ} هو كناية عن الله تعالى إذ الجسمانية تستحيل بالنسبة إلى الله تعالى. {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم} الآية، قال الزمخشري: كقوله: {أية : إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي} تفسير : [الشعراء: 113]، وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم. فقال: ما عليك من حسابهم من شىء، بعد شهادته لهم بالإِخلاص وبإِرادة وجه الله في أعمالهم وإن كان الأمر كما يقولون عند الله فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر والاتسام بسيرة المتقين، وإن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم عليهم، أي لازم لهم لا يتعداهم إليك كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [الأنعام: 164]. "انتهى". لا يمكن ما ذكره من الترديد في قوله: وإن كان الأمر إلى آخره لأنه تعالى قد أخبر أنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه واخبار الله تعالى هو الصدق الذي لا شك فيه، فلا يقال فيهم وإن كان الأمر كما يقولون وإن كان لهم باطن غير مرحي لأنه فرض مخالف لما أخبر الله تعالى به من خلوص بواطنهم ونياتهم لله تعالى. و{مِّن شَيْءٍ} في موضع المبتدأ ومن زائدة ومن حسابهم في موضع الحال لأنه لو تأخر كان في موضع الصفة، وعليك في موضع خبر المبتدأ كأنه قيل ما شيء من حسابهم كائن عليك، فالمعنى نفي حسابهم عليه، وجوابه أي النفي قوله: فتطردهم فينتفي الحساب والطرد كأنه قيل: لا حساب عليك فكيف يكون طرد، ولما نفى حسابهم عليه نفى حسابه عليهم في قوله: وما من حسابك عليهم من شىء. قال الزمخشري: فإِن قلت: أما كفى قوله: ما عليك من حسابهم من شىء، حتى ضم إليه: وما من حسابك عليهم من شيء؟ قلت: قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة وقصدهما مؤدى واحد وهو المعنى في قوله: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام: 164]. ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه. انتهى قوله كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه، تركيب غير عربي لا يجوز عود الضمير هنا غائباً ولا مخاطباً لأنه إن أعيد غائباً فلم يتقدم له اسم مفرد غائب يعود عليه. إنما تقدم قوله: ولا هم، ولا يمكن العود إليه على اعتقاد الاستغناء بالمفرد عن الجمع لأنه يصير التركيب بحساب صاحبهم وإن أعيد مخاطباً فلم يتقدم له مخاطب يعود عليه إنما تقدم قوله: لا تؤاخذ أنت ولا يمكن العود عليه لأنه ضمير مخاطب فلا يعود عليه غائباً ولو أبرزته مخاطباً لم يصح التركيب أيضاً فإِصلاح هذا التركيب أن يقال: لا يؤاخذ كل واحد منك ولا منهم بحساب صاحبه، أو لا تؤاخذ أنت بحسابهم ولا هم بحسابك أو لا تؤاخذ أنت ولا هم بحسابكم فتغلب الخطاب على الغيبة، كما تقول: أنت وزيد تضربان، وفسر الحساب هنا بالأعمال، وقيل: بالأرزاق أي كل منهما له حسابه، وقوله: فتكون من الظالمين هو جواب للنهي في قوله: ولا تطرد الذين كقوله تعالى: {أية : لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ}تفسير : [طه: 61] فصار جواب كل من النهي ومن النفي على ما يناسبه. {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} الآية، الكاف للتشبيه في موضع نصب. والإشارة بذلك إلى فتون سابق وهو افتتان الكفار الذين أشاروا بطرد من كان أسلم من ضعفاء المؤمنين وهم الذين نهاهم الله تعالى عن طردهم وكنى بقوله: بعضهم، عن أولئك الكفار، وقوله: ببعض، كناية عن أولئك المؤمنين، وقوله: ليقولوا، علة للفتون. وأهؤلاء إشارة إلى أولئك المؤمنين واستحقار لهم كقول الكفار: {أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} تفسير : [الفرقان: 41]. وكقولهم: {أية : أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [القمر: 25]. وقوله: {مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} أي بالدين علينا. {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ} هذا استفهام معناه التقرير والرد على أولئك القائلين أي الله أعلم بمن يشكر فيضع فيه هدايته دون من يكفر فلا يهديه. وجاء لفظ الشكر هنا في غاية من الحسن إذ تقدم من قولهم: أهؤلاء منّ الله عليهم، أي أنعم عليهم، فناسب ذكر الانعام لفظ الشكر، والمعنى أنه تعالى عالم بهؤلاء المنعم عليهم الشاكرين لنعمائه، وتضمّن العلم معنى الثواب والجزاء على شكرهم. {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} الآية، الجمهور أنها نزلت في الذين نهى الله عن طردهم فكان إذا رآهم بدأهم بالسّلام وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أبدؤهم بالسلام. ولفظة الذين يؤمنون عامة في هؤلاء وفي كل مؤمن يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره تعالى بإِنشاء التحية لهم. {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} في صحيح البخاري حديث : أن الله تعالى كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش ان رحمتي سبقت غضبيتفسير : . والكتب هنا كناية عن إيصال رحمته تعالى لعباده. {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا} الآية، السوء: الشرك. وتقدّم تفسير عمل السوء في النساء. {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ} أي من بعد عمل السوء. {وَأَصْلَحَ} شرط استدامة الإِصلاح في الشىء الذي تاب منه. وقرىء أنه فانه بفتح الهمزتين. والضمير في أنه ضمير الأمر والشأن وأنه بدل من الرحمة، والرحمة منصوب بكتب. ومن في قوله: من عمل، يجوز أن تكون شرطية، والفاء في فإِنه جواب الشرط وما بعده مقدر بالمصدر. وقبله مبتدأ يكون المصدر خبره، فالتقدير فالأمر غفران الله له. ويجوز أن تكون من مبتدأ والفاء دخلت في خبره، وهذه الجملة المقدرة في موضع خبر المبتدأ الذي هو من. وقرىء: بكسر الهمزتين فيهما الأولى على جهة التفسير للرحمة والثانية في موضع الخبر أو الجواب على التقديرين في من عمل أهي شرط أو موصول. وقرىء: بفتح الأولى على البدل من الرحمة كما تقدم وبكسر الثانية على التقديرين اللذين سبقا وما أحسن مساق هذا المقول أمره أولاً أن يقول للمؤمنين سلام عليكم، فبدأ أولاً بالسلامة والأمن لمن آمن ثم خاطبهم ثانياً بوجوب الرحمة، وأسند الكتابة إلى ربهم أي كتب الناظر في مصالحكم والذي يربيكم ويملككم الرحمة فهذا تبشير بعموم الرحمة، ثم أبدل منها شيئاً خاصاً وهو غفرانه ورحمته لمن تاب وأصلح. {وَكَذَلِكَ} الآية الكاف للتشبيه. وذلك إشارة إلى التفصيل الواقع في هذه السورة أي ومثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ونلخصها في صفة أحوال المجرمين من هو مطبوع على قلبه لا يرجى إسلامه ومن نرى فيه إمارة القبول وهو الذي يخاف إذا سمع ذكر القيامة ومن دخل في الإِسلام، إلا أنه لا يحفظ حدوده واستبان يكون لازماً ومتعدياً وتميم وأهل نجد يذكرون السبيل وأهل الحجاز يؤنثونها. وقرىء: {وليستبين} بالياء سبيل بالرفع أي وليظهر. {سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} وقرىء: ولتستبين بتاء الخطاب سبيل بالنصب، فاستبان هنا متعدية فقيل: هو خطاب للرسول عليه السلام. وقيل: له ظاهراً والمراد أمته وحض سبيل المجرمين لأنه يلزم من استبانتها استبانة سبيل المؤمنين أو يكون على حذف معطوف لدلالة المعنى عليه التقدير سبيل المجرمين والمؤمنين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا القرآن نذارة للخلق كلهم، ولكن إنما ينتفع به { الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ } فهم متيقنون للانتقال، من هذه الدار، إلى دار القرار، فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدَعُون ما يضرهم. { لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ } أي: لا من دون الله { وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ } أي: من يتولى أمرهم فيحصّل لهم المطلوب، ويدفع عنهم المحذور، ولا من يشفع لهم، لأن الخلق كلهم، ليس لهم من الأمر شيء. { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الله، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن الإنذار موجب لذلك، وسبب من أسبابه. { وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } أي: لا تطرد عنك، وعن مجالستك، أهل العبادة والإخلاص، رغبة في مجالسة غيرهم، من الملازمين لدعاء ربهم، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها، ودعاء المسألة، في أول النهار وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، ليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ومحبتهم، وإدنائهم، وتقريبهم، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا عند الناس أذلاء. { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ } أي: كلٌّ له حسابه، وله عمله الحسن، وعمله القبيح. { فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ } وقد امتثل صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبر نفسَه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسن خلقَه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه رضي الله عنهم. وكان سبب نزول هذه الآيات، أن أناسا [من قريش، أو] من أجلاف العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك، فاطرد فلانا وفلانا، أناسا من فقراء الصحابة، فإنا نستحيي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء، فحمله حبه لإسلامهم، واتباعهم له، فحدثته نفسه بذلك. فعاتبه الله بهذه الآية ونحوها. { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا } أي: هذا من ابتلاء الله لعباده، حيث جعل بعضهم غنيا؛ وبعضهم فقيرا، وبعضهم شريفا، وبعضهم وضيعا، فإذا مَنَّ الله بالإيمان على الفقير أو الوضيع؛. كان ذلك محل محنة للغني والشريف فإن كان قصده الحق واتباعه، آمن وأسلم، ولم يمنعه من ذلك مشاركه الذي يراه دونه بالغنى أو الشرف، وإن لم يكن صادقا في طلب الحق، كانت هذه عقبة ترده عن اتباع الحق. وقالوا محتقرين لمن يرونهم دونهم: { أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا } فمنعهم هذا من اتباع الحق، لعدم زكائهم، قال الله مجيبا لكلامهم المتضمن الاعتراض على الله في هداية هؤلاء، وعدم هدايتهم هم. { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } الذين يعرفون النعمة، ويقرون بها، ويقومون بما تقتضيه من العمل الصالح، فيضع فضله ومنته عليهم، دون من ليس بشاكر، فإن الله تعالى حكيم، لا يضع فضله عند من ليس له بأهل، وهؤلاء المعترضون بهذا الوصف، بخلاف من مَنَّ الله عليهم بالإيمان، من الفقراء وغيرهم فإنهم هم الشاكرون.ولما نهى الله رسولَه، عن طرد المؤمنين القانتين، أمَره بمقابلتهم بالإكرام والإعظام، والتبجيل والاحترام، فقال: { وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ } أي: وإذا جاءك المؤمنون، فحَيِّهم ورحِّب بهم ولَقِّهم منك تحية وسلاما، وبشرهم بما ينشط عزائمهم وهممهم، من رحمة الله، وسَعة جوده وإحسانه، وحثهم على كل سبب وطريق، يوصل لذلك. ورَهِّبْهم من الإقامة على الذنوب، وأْمُرْهم بالتوبة من المعاصي، لينالوا مغفرة ربهم وجوده، ولهذا قال: { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ } أي: فلا بد مع ترك الذنوب والإقلاع، والندم عليها، من إصلاح العمل، وأداء ما أوجب الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة. فإذا وجد ذلك كله { فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي: صب عليهم من مغفرته ورحمته،بحسب ما قاموا به، مما أمرهم به. { وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ } أي: نوضحها ونبينها، ونميز بين طريق الهدى من الضلال، والغي والرشاد، ليهتدي بذلك المهتدون، ويتبين الحق الذي ينبغي سلوكه. { وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } الموصلة إلى سخط الله وعذابه، فإن سبيل المجرمين إذا استبانت واتضحت، أمكن اجتنابها، والبعد منها، بخلافما لو كانت مشتبهة ملتبسة، فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل.