٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
52
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء عن قومك؟ أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟ أطردهم عن نفسك، فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فقال عليه السلام: «حديث : ما أنا بطارد المؤمنين»تفسير : فقالوا فأقمهم عنا إذا جئنا، فإذا أقمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال «نعم» طمعاً في إيمانهم. وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون، ثم ألحوا وقالوا للرسول عليه السلام: أكتب لنا بذلك كتاباً فدعا بالصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت هذه الآية، فرمى الصحيفة، واعتذر عمر عن مقالته، فقال سلمان وخباب: فينا نزلت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام، فنزل قوله {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم } تفسير : [الكهف: 28] فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال: «حديث : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن اصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات».تفسير : المسألة الثانية: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه: الأول: أنه عليه السلام طردهم والله تعالى نهاه عن ذلك الطرد، فكان ذلك الطرد ذنباً. والثاني: أنه تعالى قال: {فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وقد ثبت أنه طردهم، فيلزم أن يقال: إنه كان من الظالمين. والثالث: أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال: {أية : وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [هود: 29] ثم إنه تعالى أمر محمداً عليه السلام بمتابعة الأنبياء عليهم السلام في جميع الأعمال الحسنة، حيث قال: {أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] فبهذا الطريق وجب على محمد عليه السلام أن لا يطردهم، فلما طردهم كان ذلك ذنباً. والرابع: أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة الكهف، فزاد فيها فقال: {أية : تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ } تفسير : [الكهف: 28] ثم إنه تعالى نهاه عن الالتفات إلى زينة الحياة الدنيا في آية أخرى فقال {أية : ٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوٰجاً مّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [طه: 131] فلما نهى عن الالتفات إلى زينة الدنيا، ثم ذكر في تلك الآية أنه يريد زينة الحياة الدنيا كان ذلك ذنباً. الخامس: نقل أن أولئك الفقراء كلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الواقعة فكان عليه السلام يقول «حديث : مرحباً بمن عاتبني ربي فيهم» تفسير : أو لفظ هذا معناه، وذلك يدل أيضاً على الذنب. والجواب عن الأول: أنه عليه السلام ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما عين لجلوسهم وقتاً معيناً سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش فكان غرضه منه التلطف في إدخالهم في الإسلام ولعلّه عليه السلام كان يقول هؤلاء الفقراء من المسلمين لا يفوتهم بسبب هذه المعاملة أمر مهم في الدنيا وفي الدين، وهؤلاء الكفار فإنه يفوتهم الدين والإسلام فكان ترجيح هذا الجانب أولى فأقصى ما يقال إن هذا الاجتهاد وقع خطأ إلا أن الخطأ في الاجتهاد مغفور. وأما قوله ثانياً: إن طردهم يوجب كونه عليه السلام من الظالمين. فجوابه: أن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، والمعنى أو أولئك الضعفاء الفقراء كانوا يستحقون التعظيم من الرسول عليه السلام فإذا طردهم عن ذلك المجلس كان ذلك ظلمأْ، إلا أنه من باب ترك الأولى والأفضل لا من باب ترك الواجبات وكذا الجواب عن سائر الوجوه فإنا نحمل كل هذه الوجوه على ترك الأفضل والأكمل والأولى والأحرى، والله أعلم. المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر {بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ } بالواو وضم الغين وفي سورة الكهف مثله والباقون بالألف وفتح الغين. قال أبو علي الفارسي الوجه قراءة العامة بالغدة لأنها تستعمل نكرة فأمكن تعريفها بإدخال لام التعريف عليها. فأما (غدوة) فمعرفة وهو علم صيغ له، وإذا كان كذلك، فوجب أن يمتنع إدخال لام التعريف عليه، كما يمتنع إدخاله على سائر المعارف. وكتبة هذه الكلمة بالواو في المصحف لا تدل على قولهم، ألا ترى أنهم كتبوا «الصلوة» بالواو وهي ألف فكذا ههنا. قال سيبويه «غدوة وبكرة» جعل كل واحد منهما اسماً للجنس كما جعلوا أم حبين اسماً لدابة معروفة. قال وزعم يونس عن أبي عمرو أنك إذا قلت لقيته يوماً من الأيام غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم تنون. فهذه الأشياء تقوي قراءة العامة، وأما وجه قراءة ابن عامر فهو أن سيبويه قال زعم الخليل أنه يجوز أن يقال أتيتك اليوم غدوة وبكرة فجعلهما بمنزلة ضحوة، والله أعلم. المسألة الرابعة: في قوله {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ } قولان: الأول: أن المراد من الدعاء الصلاة، يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة، وهي صلاة الصبح وصلاة العصر وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد. وقيل: المراد من الغداة والعشى طرفا النهار، وذكر هذين القسمين تنبيهاً على كونهم مواظبين على الصلوات الخمس. والقول الثاني: المراد من الدعاء الذكر قال إبراهيم: الدعاء ههنا هو الذكر والمعنى يذكرون ربهم طرفي النهار. المسألة الخامسة: المجسمة تمسكوا في إثبات الأعضاء لله تعالى بقوله {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } وسائر الآيات المناسبة له مثل قوله {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبّكَ } تفسير : [الرحمن: 27]. وجوابه أن قوله {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1] يقتضي الوجدانية التامة، وذلك ينافي التركيب من الأعضاء والأجزاء، فثبت أنه لا بدّ من التأويل، وهو من وجهين: الأول: قوله {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } المعنى يريدونه إلا أنهم يذكرون لفظ الوجه للتعظيم، كما يقال هذا وجه الرأي وهذا وجه الدليل، والثاني: أن من أحب ذاتاً أحب أن يرى وجهه، فرؤية الوجه من لوازم المحبة، فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا وتمام هذا الكلام تقدم في قوله {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 115]. ثم قال تعالى: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء } اختلفوا في أن الضمير في قوله {حِسَابِهِمْ } وفي قوله {عَلَيْهِمْ } إلى ماذا يعود؟ والقول الأول: أنه عائد إلى المشركين، والمعنى ما عليك من حساب المشركين من شيء ولا حسابك على المشركين وإنما الله هو الذي يدبر عبيده كما يشاء وأراد. والغرض من هذا الكلام أن النبي صلى الله عليه وسلم يتحمل هذا الاقتراح من هؤلاء الكفار، فلعلّهم يدخلون في الإسلام ويتخلصون من عقاب الكفر، فقال تعالى: لا تكن في قيد أنهم يتقون الكفر أم لا فإن الله تعالى هو الهادي والمدبر. القول الثاني: أن الضمير عائد إلى الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، وهم الفقراء، وذلك أشبه بالظاهر. والدليل عليه أن الكناية في قوله {فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } عائدة لا محالة إلى هؤلاء الفقراء، فوجب أن يكون سائر الكنايات عائدة إليهم، وعلى هذا التقدير فذكروا في قوله {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } قولين: أحدهما: أن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء وقالوا يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولاً وملبوساً عندك، وإلا فهم فارغون عن دينك، فقال الله تعالى إن كان الأمر كما يقولون، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر وإن كان لهم باطن غير مرضي عند الله، فحسابهم عليه لازم لهم، لا يتعدى إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم، كقوله {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الأنعام: 164]. فإن قيل: أما كفى قوله {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } حتى ضم إليه قوله {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء } قلنا: جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة قصد بهما معنى واحد وهو المعنى في قوله {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً، كأنه قيل لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه. القول الثاني: ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم، ولا حساب رزقك عليهم، وإنما الرازق لهم ولك هو الله تعالى، فدعهم يكونوا عندك ولا تطردهم. وأعلم أن هذه القصة شبيهة بقصة نوح عليه السلام إذ قال له قومه {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ } تفسير : [الشعراء: 111] فأجابهم نوح عليه السلام و {أية : قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّى لَوْ تَشْعُرُونَ } تفسير : [الشعراء: 112، 113] وعنوا بقولهم {ٱلأْرْذَلُونَ } الحاكة والمحترفين بالحرف الخسيسة، فكذلك ههنا. وقوله {فَتَطْرُدَهُمْ } جواب النفي ومعناه، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم، بمعنى أنه لم يكن عليك حسابهم حتى أنك لأجل ذلك الحساب تطردهم، وقوله {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } يجوز أن يكون عطفاً على قوله {فَتَطْرُدَهُمْ } على وجه التسبب لأن كونه ظالماً معلول طردهم ومسبب له. وأما قوله {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } ففيه قولان: الأول: {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } لنفسك بهذا الطرد، الثاني: أن تكون من الظالمين لهم لأنهم لما استوجبوا مزيد التقريب والترحيب كان طردهم ظلماً لهم، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآية. قال المشركون؛ ولا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء ـ يعنون سَلْمان وصُهَيباً وبِلالاً وخَبَّاباً ـ فاطردهم عنك؛ وطلبوا أن يَكتب لهم بذلك، فهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ودعا عليّاً ليكتب؛ فقام الفقراء وجلسوا ناحية؛ فأنزل الله الآية. ولهذا أشار سعد بقوله في الحديث الصحيح: فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع؛ وسيأتي ذكره. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إنما مال إلى ذلك طمعاً في إسلامهم، وإسلام قومهم، ورأى أن ذلك لا يفوّت أصحابه شيئاً، ولا ينقص لهم قدراً، فمال إليه فأنزل الله الآية، فنهاه عما همَّ به من الطّرد لا أنه أوقع الطرد. روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: ٱطرد هؤلاءِ عنك لا يجترئون علينا؛ قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هُذَيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}. قيل: المراد بالدعاء المحافظة على الصَّلاة المكتوبة في الجماعة؛ قاله ابن عباس ومجاهد والحسن. وقيل: الذكر وقراءة القرآن. ويحتمل أن يريد الدعاء في أوّل النهار وآخره؛ ليستفتحوا يومهم بالدعاء رغبة في التوفيق، ويختموه بالدعاء طلباً للمغفرة. {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي طاعته، والإخلاص فيها، أي يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله، ويتوجهون بذلك إليه لا لغيره. وقيل: يريدون الله الموصوف بأن له الوجه كما قال: { أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ } تفسير : [الرحمٰن: 27] وهو كقوله: { أية : وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ } تفسير : [الرعد: 22]. وخص الغداة والعشيّ بالذكر؛ لأن الشغل غالب فيهما على الناس، ومن كان في وقت الشغل مقبلاً على العبادة كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يصبر نفسه معهم كما أمره الله في قوله: { أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } تفسير : [الكهف: 28] فكان لا يقوم حتى يكونوا هم الذين يبتدئون القيام، وقد أخرج هذا المعنى مبيناً مكملاً ابن ماجه في سننه حديث : عن خَبّاب في قول الله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} إلى قوله: {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} قال: جاء الأقرعُ بن حابِس التميميّ وعُيينة بن حِصْن الفَزَاريّ فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صُهَيب وبِلال وعَمّار وخَبّاب، قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين؛ فلما رأوهم حَوْل النبي صلى الله عليه وسلم حَقَروهم؛ فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تَعرفُ لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت؛ قال: «نعم» قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً؛ قال: فدعا بصحيفة ودعا عليّاً ـ رضي الله عنه ـ ليكتب ونحن قعود في ناحية؛ فنزل جبريل عليه السَّلام فقال: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} ثم ذكر الأقرع بن حابِس وعُيَيْنة بن حِصْن؛ فقال: {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53] ثم قال: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] قال: فدنونا منه حتى وضعنا رُكَبنا على رُكْبته؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتَركَنَا: فأنزل الله عزّ وجلّ {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ولا تجالس الأشراف {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} يعني عُيَنْنة والأقرع {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف: 28] أي هلاكاً قال: أَمْر عُيَيْنة والأقرع؛ ثم ضرب لهم مَثَل الرجلين ومَثَل الحياة الدنيا. قال خَبَّاب: فكنا نقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقومتفسير : ؛ رواه عن أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القَطَّان حدّثنا عمرو بن محمد العَنْقَزِيّ حدّثنا أسباط عن السُّديّ عن أبي سعيد الأزْدي وكان قارىء الأزد عن أبي الكنود عن خَبّاب؛ وأخرجه أيضاً حديث : عن سعد قال: نزلت هذه الآية فينا ستة، فيّ وفي ابن مسعود وصُهَيب وعمّار والمِقْداد وبلال؛ قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لا نرضى أن نكون أتباعاً لهم فٱطردهم، قال: فدخل قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله أن يدخل؛ فأنزل الله عزّ وجلّ {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} الآيةتفسير : . وقرىء «بِالغُدْوَةِ» وسيأتي بيانه في «الكهف» إن شاء الله. قوله تعالىٰ: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} أي من جزائهم ولا كفاية أرزاقهم، أي جزاؤهم ورزقهم على الله، وجزاؤك ورزقك على الله لا على غيره. «مِن» الأولى للتبعيض، والثانية زائدة للتوكيد. وكذا {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ} المعنى وإذا كان الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدّين والفضل؛ فإن فعلت كنت ظالماً. وحاشاه من وقوع ذلك منه، وإنما هذا بيان للأحكام، ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل السلام؛ وهذا مثل قوله: { أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] وقد علم الله منه أنه لا يُشرِك ولا يَحبط عمله. «فَتَطْرُدَهُمْ» جواب النفي. {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} نصب بالفاء في جواب النهي؛ المعنى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم فتكون من الظالمين، وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم، على التقديم والتأخير. والظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه؛ وقد تقدّم في «البقرة» مستوفى. وقد حصل من قوّة الآية والحديث النهي عن أن يعظم أحد لجاهه ولثوبه، وعن أن يحتقر أحد لخموله ولرثاثة ثوبيه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ } بعبادتهم {وَجْهَهُ } تعالى لا شيئاً من أعراض الدنيا وهم الفقراء، وكان المشركون طعنوا فيهم وطلبوا أن يطردهم ليجالسوه، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك طمعاً في إسلامهم {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن } زائدة {شَىْءٍ } إن كان باطنهم غير مرضيّ {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ } جواب النفي {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ } إن فعلت ذلك.
ابن عطية
تفسير : المراد بـ {الذين} ضعفة المؤمنين في ذلك الوقت في أمور الدنيا بلال وعمار وابن أم عبد ومرثد الغنوي وخباب وصهيب وصبيح وذو الشمالين والمقداد ونحوهم وسبب الآية أن الكفار قال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن لشرفنا وأقدارنا لا يمكننا أن نختلط بهؤلاء، فلو طردتهم لاتبعناك وجالسناك، ورد في ذلك حديث عن ابن مسعود، وقيل: إنما قاله هذه المقالة أبو طالب على جهة النصح للنبي صلى الله عليه وسلم قال له: لو أزلت هؤلاء لاتبعك أشراف قومك وروي أن ملأ قريش اجتمعوا إلى أبي طالب في ذلك، وظاهر الأمر أنهم أرادوا بذلك الخديعة، فصوب هذا الرأي من أبي طالب عمر بن الخطاب وغيره من المؤمنين فنزلت الآية، وقال ابن عباس: إن بعض الكفار إنما طلب أن يؤخر هؤلاء عن الصف الأول في الصلاة، ويكونون هم موضعهم، ويؤمنون إذا طرد هؤلاء من الصف الأول فنزلت الآية، أسند الطبري إلى خباب بن الأرت أن الأقرع بن حابس ومن شابهه من أشراف العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل لنا منك مجلساً، لا يخالطنا فيه العبيد والحلفاء، واكتب لنا كتاباً، فهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فنزلت هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل بعيد في نزول الآية، لأن الآية مكية وهؤلاء الأشراف لم يفدوا إلا في المدينة، وقد يمكن أن يقع هذا القول منهم ولكنه إن كان وقع فبعد نزول الآية بمدة اللهم إلا تكون الآية مدنية، قال خباب رضي الله عنه: ثم نزلت {أية : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} تفسير : [الأنعام:54] الآية فكنا نأتي فيقول لنا: سلام عليكم ونقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله {أية : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} تفسير : [الكهف:28] الآية فكان يقعد معنا، فإذا بلغ الوقت الذي يقوم فيه قمنا وتركناه حتى يقوم و {يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال الحسن بن أبي الحسن المراد به صلاة مكة التي كانت مرتين في اليوم بكرة وعشياً وقيل: بل قوله: {بالغداة والعشي} عبارة عن استمرار الفعل وأن الزمن معمور به، كما تقول: الحمد لله بكرة وأصيلا، فإنما تريد الحمد لله في كل وقت والمراد على هذا التأويل قيل، هو الصلوات الخمس، قاله بن عباس وإبراهيم، وقيل الدعاء وذكر الله واللفظة على وجهها وقال بعض القصاص: إنه الاجتماع إليهم غدوة وعشياً فأنكر ذلك ابن المسيب وعبد الرحمن بن أبي عمرة وغيرهما وقالوا: إنما الآية في الصلوات في الجماعة، وقيل: قراءة القرآن وتعلمه قاله أبو جعفر ذكره الطبري، وقيل العبادة قاله الضحاك: وقرأ أبو عبد الرحمن ومالك بن دينار والحسن ونصر بن عاصم وابن عامر "بالغدوة والعشي"، وروي عن أبي عبد الرحمن "بالغدو" بغير هاء، وقرأ ابن أبي عبلة "بالغدوات والعشيات" بألف فيهما على الجمع، وغدوة: معرفة لأنها جعلت علماً لوقت من ذلك اليوم بعينه وجاز إدخال الألف واللام عليها كما حكى أبو زيد لقيته فينة غير مصروف والفينة بعد الفينة فألحقوا لام المعرفة ما استعمل معرفة، وحملاً على ما حكاه الخليل أنه يقال: لقيته اليوم غدوة منوناً، ولأن فيها مع تعيين اليوم، إمكان تقدير معنى الشياع، ذكره أبو علي الفارسي و {وجهه} في هذا الموضع معناه جهة التزلق إليه كما تقول خرج فلان في وجه كذا أي في مقصد وجهة {وما عليك من حسابهم من شيء} معناه لم تكلف شيئاً غير دعائهم فتقدم أنت وتؤخر ويظهر يكون الضمير في {حسابهم} و {عليهم} للكفار الذين أرادوا طرد المؤمنين، أي ما عليك منهم آمنوا ولا كفروا فتطرد هؤلاء رعياً لذلك، والضمير في "تطردهم" عائد على الضعفة من المؤمنين، ويؤيد هذا التأويل أن ما بعد الفاء أبداً سبب ما قبلها، وذلك لا يبين إذا كانت الضمائر كلها للمؤمنين، وحكى الطبري أن الحساب هنا إنما هو في رزق الدنيا، أي لا ترزقهم ولا يرزقونك. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا تجيء الضمائر كلها للمؤمنين، وذكره المهدوي، وذكر عن الحسن أنه من حساب عملهم كما قال الجمهور، و {ما عليك} وقوله: {فتكون} جواب النهي في قوله: {ما عليك} {فتطردهم} جواب النهي في قوله: {ولا تطرد} و {من الظالمين} ، معناه يضعون الشيء غير مواضعه وقوله تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} الآية {فتنا} معناه في هذه الآية: ابتلينا، فابتلاء المؤمنين بالمشركين هو ما يلقون منهم من الأذى، وابتلاء المشركين بالمؤمنين هو أن يرى الرجل الشريف من المشركين قوماً لا شرف لهم قد عظمهم هذا الدين وجعل لهم عند نبيه قدراً ومنزلة، والإشارة بذلك إلى ما ذكر من طلبهم أن يطرد الضعفة و {ليقولوا} معناه ليصبر بحكم القدر أمرهم إلى أن يقولوا، فهي لام الصيرورة كما قال تعالى: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} تفسير : [القصص:8] أي ليصير مثاله أن يكون لهم عدواً وقول المشركين على هذا التأويل {أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا} هو على جهة الاستخفاف والهزء ويحتمل الكلام معنى آخر وهو أن تكون اللام في {ليقولوا} على بابها في لام كي وتكون المقالة منهم استفهاماً لأنفسهم ومباحثة لها وتكون سبب إيمان من سبق إيمانه منهم، فمعنى الآية على هذا التأويل وكذلك ابتلينا أشراف الكفار بضعفاء المؤمنين ليتعجبوا في نفوسهم من ذلك ويكون سبب نظر لمن هدي. قال القاضي أبو محمد: والتأويل الأول أسبق والثاني يتخرج، ومنّ على كلا التأويلين إنما هي على معتقد المؤمنين، أي هؤلاء منّ الله عليهم بزعمهم أن دينهم منة، وقوله {أليس الله بأعلم بالشاكرين} أي يا أيها المستخفون أو المتعجبون على التأويل الآخر ليس الأمر أمر استخفاف ولا تعجب، فالله أعلم بمن يشكر نعمته والمواضع التي ينبغي أن يوضع فيها فجاء إعلامهم بذلك في لفظ التقدير إذ ذلك بين لا تمكنهم فيه معاندة.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا تَطْرُدِ} نزلت لما جاء الملأ من قريش فوجدوا عند الرسول صلى الله عليه وسلم عماراً وصهيباً وخباباً وابن مسعود ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ فقالوا اطرد عنا موالينا وحلفاءنا، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فقال عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ: لو فعلت ذلك حتى ننظر ما يصيرون، فَهمَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، ونزل في الملأ {أية : وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}تفسير : [الأنعام: 53] فاعتذر عمرـ رضي الله تعالى عنه ـ عن مقالته، فأنزل {أية : وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنعام: 54]. {يَدْعُونَ} الصلوات الخمس، أو ذكر الله ـ تعالى ـ أو عبادته، أو تعلم القرآن. {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} يريدون طاعته بقصدهم الوجه الذي وجههم إليه، أو يريدونه بدعائهم، وقد يعبّر عن الشيء بالوجه كقولهم: "هذا وجه الصواب". {حِسَابِهِم} حساب عملهم بالثواب والعقاب، وما من حساب عملك عليهم شيء، كل مؤاخذ بحساب عمله دون غيره، أو ما عليك من حساب رزقهم وفقرهم من شيء.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} قال سلمان وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وهما من المؤلفة قلوبهم فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع صهيب وبلال وعمار وخباب في نفر من ضعفاء المؤمنين فلما رأوهم حوله، حقّروهم فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم وكانت عليهم جباب صوف لها رائحة ليس عليهم غيرها لجالسناك وأخذنا عنك فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ما أنا بطارد المؤمنين"تفسير : قالوا: فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف به العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فأقعدهم إن شئت. قال: نعم. قالوا فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً. قال: فأتى بالصحيفة ودعا علياً ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية إذا نزل جبريل عليه السلام بقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} إلى قوله {أليس الله بأعلم الشاكرين} فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله تبارك وتعالى: {أية : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي}تفسير : [الكهف: 28] الآية فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد ذلك وندنو منه حتى كانت ركبنا تمس ركبته فإذا بلغ الساعة التي يريد أن يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم وقال لنا "حديث : الحمد الله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات " تفسير : وروي عن سعد بن أبي وقاص قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترؤون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هزيل وبلال ورجلان لست أسميهما فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} أخرجه مسلم. وقال الكلبي: قالوا له، يعني أشراف قريش، اجعل لنا يوماً ولهم يوماً. قال: لا أفعل. قالوا: فاجعل المجلس واحداً وأقبل علينا وولَِّ ظهرك إليهم. فأنزل الله هذه الآية. وقال مجاهد: قالت قريش لولا بلال وابن أم عبد يعني ابن مسعود لبايعناك فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن مسعود: مر ملأ من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء بدلاً من قومك هؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم من بيننا أنحن نكون تبعاً لهؤلاء اطردهم فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فنزلت هذه الآية. وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي والحارث بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمداً يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنهم عبيدنا وعسفاءنا، كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا له فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه به فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتى ننظر ماالذي يريدون وإلى ماذا يصيرون فأنزل الله عز وجل هذه الآية {أية : وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم}تفسير : -إلى قوله- {أية : أليس الله بأعلم بالشاكرين}تفسير : [الأَنعام: 51-53] فجاء عمر فاعتذر من مقالته. قلت بين هذه الروايات الرواية الأولى التي عن سلمان وخباب بن الأرت فرق كثير وبعد عظيم، وهو أن إسلام سلمان كان بالمدينة، وكان إسلام المؤلفة قلوبهم بعد الفتح وسورة الأنعام مكية. والصحيح ما روي عن ابن مسعود والكلبي وعكرمة في ذلك، ويعضده حديث سعد بن أبي وقاص المخرج في صحيح مسلم من أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء، يعني ضعفاء المسلمين، والله أعلم. وأما معنى الآية فقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم. يعني: ولا تطرد هؤلاء الضعفاء ولا تبعدهم عن مجلسك لأجل ضعفهم وفقرهم. ثم وصفهم فقال تعالى {الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} يعني صلاة الصبح وصلاة العصر. ويروى عنه أن المراد منه الصلوات الخمس. وإنما ذكر هذين الوقتين تنبيهاً على شرفهما ولأنهم مواظبون عليهما مع بقية الصلوات، ولأن الصلوات تشتمل على القراءة والدعاء والذكر فعبر بالدعاء عن الصلاة لهذا المعنى. قال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب فلما سلم الإمام ابتدر الناس القاص فقال سعيد بن المسيب: ما أسرع الناس إلى هذا المجلس؟ فقال مجاهد: يتأولون قوله تعالى يدعون ربهم بالغداة والعشي قال أوفي هذا إنما هو في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن وقال ابن عباس إن ناساً من الفقراء كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال ناس من أشراف الناس نؤمن لك وإذا صلينا فأخِّر هؤلاء الذين معك فليصلوا خلفنا، وقيل: المراد منه حقيقة الدعاء والذكر والمعنى: أنهم كانوا يذكرون ربهم ويدعونه طرفي النهار يريدون وجهه يعني يطلبون بعبادتهم وطاعتهم وجه الله مخلصين في عبادتهم له. وقال ابن عباس: يطلبون ثواب الله تعالى: {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} يعني لا تكلف أمرهم ولا يكلفون أمرك. وقيل: ما عليك حسابهم رزقهم فتملهم وتطردهم عنك ولا رزقك عليهم إنما الرازق لجميع الخلق هو الله تعالى فلا تطردهم عنك: {فتطردهم فتكون من الظالمين} يعني بطردهم عنك وعن مجلسك. فقوله: فتطردهم، جواب النفي وهو قوله ما عليك من حسابهم من شيء وقوله: فتكون من الظالمين، جواب النهي وهو قوله ولا تطرد الذين يدعون ربهم واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الآية فقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لما همَّ بطرد الفقراء عن مجلسه لأجل الأشراف عاتبه الله على ذلك ونهاه عن طردهم وذلك يقدح في العصمة وقوله فتطردهم فتكون من الظالمين والجواب عن هذا الاحتجاج أن النبي صلى الله عليه وسلم ما طردهم ولا همَّ بطردهم، لأجل استخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما كان هذا الهم لمصلحة وهي التلطف بهؤلاء الأشراف في إدخالهم في الإسلام فكان ترجيح هذا الجانب أولى وهو اجتهاد منه فأعلمه الله تعالى أن إدناء هؤلاء الفقراء أولى من الهمِّ بطردهم فقربهم منه وأدناهم. وأما قوله فتطردهم فتكون من الظالمين فإن الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه فيكون المعنى أن أولئك الفقراء الضعفاء يستحقون التعظيم والتقريب فلا تهم بطردهم عنك فتضع الشيء في غير موضعه فهو من باب ترك الأفضل والأولى لا من باب ترك الواجبات والله أعلم.
ابن عادل
تفسير : قال سلمان، وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية. "حديث : جاء الأقْرَعُ بْنُ حِابِسٍ التَّمِيمِيُّ، وعُيَيْنَهُ بْنُ حِصْنٍ الفَزَارِيّ، وذووهم من المؤلَّفَةِ قُلوبُهُمْ فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال، وصُهَيب, وعمَّار، وخبَّاب في ناسٍ من ضُعفاءِ المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صَدْرِ المسجد، ونَفَيْتَ عَنَّا هؤلاء وأرْوَاح جبَابِهِمْ، وكان عليهم جِبَابُ صُوفٍ ولم يكن عليهم غيرها، لجَالسْنَاكَ وأخذنا عَنْكَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بِطَاردٍ المؤمنين، قالوا: فإنَّا نُحِبُّ أن تَجْعَلَ لنا منك مَجْلِساً تعرفُ به العربُ فَضْلَنَا، فإن وُفُودَ العرب تَأتِيكَ، فَنَسْتَحْيِي أن تَرَانا العربُ مع هؤلاء الأعْبُدِ، فإذا نحنُ جئنا فأبْعدهم عَنَّا، فإذا نحنُ فَرَغْنَا فاقْعُدْ مَعَهُمْ إن شئت، فقال "نعم" طَمَعاً في إيمانهم. قال: ثم قالوا: اكْتُبْ لنا عليْك بذلك كتاباً. قال: فَدَعا بالصَّحِيفَةِ، ودعا عليَّا لِيَكْتُب، قال: ونحن قعود في ناحيةٍ، إذ نزل جبريل عليه السلام بقوله: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم} إلى قوله: "بِالشَّاكرين" فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يَدِهِ، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كتبَ ربُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} وكنَّا نقعدُ معه حتى تَمَسَّ رُكْبَتُنَا رُكْبَتَهُ، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله تعالى: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28] فترك القيام عَنَّا إلى أن نقوم عنه وقال: "الحَمْدُ للَّهِ الذي أمَرَنِي أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَ قومٍ من أمَّتِي معكُم المَحْيَا ومَعَكُم المَمَاتُ ." تفسير : فصل في بيان شبهة الطاعنين في العصمة احْتَجَّ الطَّاعنون في عِصْمَةِ الأنبياء بهذه الآية من وجوه: أحدها: أنَّهُ - عليه الصلاة والسلام - طَرَدَهُمْ، والله - تعالى - نَهَاهُ عن ذلك، فكان ذَنْباً. وثانيها: أنه - تعالى - قال {فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} وقد ثبت أنه طَرَدهُمْ. وثالثها: أنَّهُ - تعالى - حَكَى عن نُوح أنه قال: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِين} تفسير : [الشعراء:114] ثم إنه - تعالى - أمر مُحَمَّداً - عليه الصلاة والسلام - بمُتَابَعَةِ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في جميع الأعمال الحَسَنَةِ بقوله: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام:90] فوجب على محمد - عليه الصلاة والسلام- ألاَّ يَطْرُدهُمْ [فلما طردهم] كان ذلك ذَنْباً. ورابعها: أنه قال: {أية : وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الكهف:28] وقال: {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [طه:131]. فنهاه عن الالْتِفَاتِ إلى زينةِ الحياة الدُّنيا، فكان ذَنْباً. وخامسها: أن أولئك الفُقَراء كانوا كُلَّمَا دخلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الواقعة يقول: "حديث : مَرْحَباً بِمَنْ عاتَبَني رَبّي فِيهِمْ" تفسير : أو لَفْظاً هذا معناه، وذلك أيضاً يدلُّ على الذَّنْبِ. فالجوابُ عن الأول: أنه - عليه الصلاة والسلام - ما طَرَدَهُمْ لأجْلِ الاسْتَخْفافِ بهم والاسْتِنْكافِ من فَقرهِمْ، وإنَّما عَيَّنَ لجلوسهم وَقْتاً مُعَيَّناً سوى الوَقْتِ الذي كان يَحْضُرُ فيه أكَابِرُ قريش، وكان غرضه التَّلَطُّفَ بهم في إدْخَالِهِمْ في الإسلام، ولعله - عليه الصلاة والسلام - كان يقول: هؤلاء الفقراء من المسلمين لا يفوتهم [بسبب هذه] المُعَامَلةِ شيء من أمْرِهمْ في الدُّنيا وفي الدِّين، وهؤلاء الكفار فإنه يَفُوتُهُمُ الدِّينُ والإسلام، فكان ترجيح هذا الجانب أوْلَى، فأقْصَى ما يقال: إن هذا الاجتهاد وقع خطأ، إلاَّ أن الخَطَأ في الاجتهاد مَغْفُورٌ. وأما قولهم: إنه - عليه الصلاة والسلام - طَرَدَهُمْ، فيلزم كونه من الظالمين؟ فالجواب: أن الظلم عبارةٌ عن وضْعِ الشيء في غَيْرِ موضعه، والمعنى أن أولئك الفُقَراء كانوا يَسْتَحِقُّونَ التعظيم من الرسول - عليه الصلاة والسلام- فلمَّا طَرَدهُمْ عن ذلك المجلس، فكان ذلك ظُلْماً، إلاِّ أنَّهُ من باب تَرْك الأوْلَى أو الأفضل، لا من باب ترك الواجبات، وكذلك الجوابُ عن سائر الوجوه، فإنَّا نَحْمِلُ كلَّ هذه الوجوه على تَرْكِ الأفضل والأكمل والأوْلَى, واللَّهُ أعلم. قوله: "بالغَدَاةِ": قرأ الجمهور "بالغَدَاةِ" هنا وفي "الكهف" وابن عامر "بالغُدْوَةِ" بضم الغين وسكون الدال، وفتح الواو في الموضعين، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السّلمي، والحسن البَصْري، ومالِكِ بْنِ ديناَرٍ، وأبي رَجَاءٍ العطارِدِيّ، ونصر بن عاصمٍ الليْثي، والأشهر في "الغُدْوة" أنها مُعَرَّفة بالعَلَمِيَّةِ، وهي عَلَمِيَّة الجنس كـ "أسامة" في الأشخاص، ولذلك مُنِعَتْ من الصَّرفِ. وقال الفراء: "سمعت أبا الجَرَّاحِ يقول: ما رأيت [كغدوة] قط، يريد غَدَاة يومه". قال: "ألا ترى أن العرب لا تُضِيفُهَا، فكذا لا يدخلها الألف واللام، إنما يقولون: جئتك غداة الخميس". وقال الفرَّاء في كتاب "المعاني" في "سورة الكهف": قرأ أبو عبد الرحمن السّلَمِيُّ: "بالغُدْوَةِ والعَشِيّ" ولا أعلم أحَداً قرأ بها غيره، والعربُ تُدْخِلُ الألف واللام في "الغدوة"؛ لأنها معرفة بغير ألف ولام" فذكره إلى آخره. وقد طعن أبو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سُلاَّمٍ على هذه القراءة، فقال: "إنما نرى ابن عامرٍ، والسلمي قرءا تلك القراءة اتّباعاً للخَطِّ، وليس في إثبات "الواو" في الكتاب دليلٌ على القراءة بها؛ لأنهم كتبوا "الصَّلاة" و "الزكاة" بالواو، ولفظهما على تركها، وكذلك "الغدوة" على هذا وجدنا العرب". وقال الفارِسِيُّ: الوَجْهُ قراءة العامة "بالغَدَاةِ"؛ لأنها تستعمل نكرةً ومعرفةً باللام، فأمَّا "غُدْوة" فمعرفةٌ، وهو علمٌ وُضِعَ للتعريف، وإذا كان كذلك، فلا ينبغي أن تدخل عليه الألف واللام للتعريف، كما لا تَدْخُلُ على سَائِرِ الأعْلامِ، وإن كانت قد كُتِبَتْ بالواو؛ لأنها تَدُلُّ على ذلكَ، ألا ترى "الصلاة" و "الزكاة" بالواو، ولا تُقرآن بها، فكذلك "الغَدَاة". قال سيبويه: "غُدْوة وبُكْرة جُعِلَ كُلُّ واحد منهما اسْماً لِلْحِين، كما جعلوا: "أمّ حُبَيْن" اسماً لدَابَّةِ معروفة" إلاَّ أنَّ هذا الطَّعْنَ لا يُلْتَفَتُ إليه, وكيف يُظَنُّ بِمَنْ تقدَّم أنهم يَلْحنون، والحَسَنُ البَصْرِيُّ ممن يُسْتَشْهَدُ بكلامه فَضْلاً عن قراءتِهِ، ونَصْرُ بْنُ عَاصِم شَيْخُ النحاة، أخذَ هذا العلم عن أبي الأسْوَدِ يَنْبُوعِ الصناعَةِ، وابن عامر لا يعرف اللَّحْنَ؛ لأنه عربي، وقرأ على عثمان بن عفان وغيره من الصحابة، ولكن أبا عُبَيْدٍ - رحمه الله - لم يعرف أن تنكير "غُدْوَة" لغة ثانية عن العَرَبِ حَكَاهَا سيبويه والخليل. قال سيبويه: زعم أنه يَجُوزُ أن تقول: "أتَيْتُكَ اليوم غُدْوَةً وبُكْرَة" فجعلها مثل "ضَحْوَة". قال المهدوي: "حكى سيبويه والخليل أنَّ بعضهم يُنَكِّر فيقول: "غُدْوةً" بالتنوين، وبذلك قرأهُ ابن عامر، كأنه جعله نكرة، فأدخل عليها الألفَ واللام". وقال أبو علي الفارسي: "وجْهُ دخول الألف واللام عليها أنه يجوز وإن كانت مَعْرِفَةً أن تُنَكَّرَ، كما حكى أبو زَيْدٍ "لقيته فَيْنَةً" غير مَصْرُوفَة "والفَيْنَةُ بَعْدَ الفَيْنَةِ" أي: الحين بعد الحين، فألحق "لام" التعريف ما استعمل معرفة، ووجه ذلك أنه يُقَدَّرُ فيه التنكير والشيوع، كما يُقَدَّرُ فيه ذلك إذا ثَنَّى". وقال أبو جَعْفَرٍ النحاس: قرأ أبو عبد الرحمن، ومالك بن دينار، وابن عامر: "بالغُدْوَةِ" قال: "وباب غُدْوَة أن يكون معرفة إلاَّ أنَّهُ يجوز تنكيرها كما تُنَكَّرُ الأسماء الأعلام، فإذا نُكَّرَتْ دخلتها الألف واللام للتعريف". وقال مَكّي بن أبي طالبٍ "إنما دخلت الألف واللام على "غَدَاة" لأنها نكرة، وأكثر العرب يجعل "غُدْوَة"معرفة فلا يُنَوِّنها، وكلهم يجعل "غَدَاة" نَكِرَةٌ فينوِّنها، ومنهم من يجعل "غُدْوَة" نكرة وهم الأقَلّ" فثبت بهذه النُّقُولِ التي ذكرْتُهَا عن هؤلاء الأئمةِ أن قراءة ابن عامر سَالِمَةٌ من طَعْنِ أبي عُبَيْدٍ، وكأنه - رحمه الله - لم يحفظها لغة. وأما "العَشِيُّ" فنكرةٌ، وكذلك "عَشِيَّة". وهل العَشِيُّ مرادِف لـ "عشية" أي: إن هذا اللفظ فيه لغتان: التذكير والتأنيث، أو أن "عَشِيّاً" جَمْعُ "عَشِيَّة" في المعنى على حدِّ "قَمْح" و "قَمْحَة"، و "شعير" و "شعيرة"، فيكون اسم جِنْسٍ، خلاف مشهور، والظاهر الأوَّل لقوله تعالى: {أية : إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ} تفسير : [ص:31] إذ المرادُ هنا عَشِيَّة واحدة، واتفقت مصاحفُ الأمْصَارِ على رَسْمِ هذه اللفظة "الغدوة" بالواو وقد تقدَّمَ أن قراءة ابن عامرٍ ليست مُسْتَندَةً إلى مجرد الرسم، بل إلى النَّقْلِ، وثَمَّ [ألْفَاظٌ اتُّفِقَ] أيضاً على رَسْمِهَا بالواو، واتُّفِقَ على قراءتها بالألف، وهي: "الصَّلاة، والزكاة، ومناة، ومِشْكَاة، [والربا،] والنجاة والحياة"، وحرفٌ اتُّفِقَ على رسمه بالواو، واختلف في قراءته بالألف والواو، وهو "الغَدَاة" وأصْلُ غَدَاة: غَدَوَة، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقُلِبَتْ ألفاً. وقرأ ابن أبي عَبْلَةَ: "بالغدوات والعَشِيَّات"، جمع "غَدَاة" و "عشية" وروي عن أبي عبد الرحمن أيضاً "بالغُدُوِّ" بتشديد الواو من غير هاءٍ. فصل في المراد بالآية قال ابن عبَّاسٍ [معنى الآية] يَعْبُدُون ربَّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ يعني صلاة الصبح، وصلاة العصر، وهو قول الحَسَنِ ومجاهد. وروي عنه أن المراد الصلوات الخَمْس، وذلك "أن نَاساً من الفقراء كانوا يُصَلُّونَ مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال ناسٌ من الأشراف: "إذا صَلَّيْنَا فأخِّر هؤلاء فَلْيُصَلُّوا خَلْفنَا" فنزلت هذه الآية. وقال مُجَاهِدٌ: صليت الصبح مع سَعيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، فلما سلم الإمام ابْتَدَرَ النَّاسُ القاص، فقال سعيد: ما أسرع الناس إلى هذا المَجْلِسِ، فقال مجاهد: فقلت: يَتَأوَّلُونَ قوله تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيّ} فقال: أفي هذا هو؟ إنما ذلك في الصَّلاةِ التي انصرفنا عنها الآن. وقال إبراهيم النخعي: يعني: يذكرون رَبَّهُمْ. وقيل: المُرَادُ حقيقة الدعاء. قوله: "يُرِيدُونَ" هذه الجملة في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال من فاعل "يَدْعُونَ" أو من مفعوله، والأوَّلُ هو الصحيح، وفي الكلام حَذْفٌ، أي: يريدون بدعائهم في هَذَيْنِ الوقتين وجهه. فصل في الرد على شبهة المجسمة تمسكت المُجَسِّمَةُ في إثبات الأعْضَاء للَّه - تعالى - بهذه الآية، وسائر الآيات المُنَاسِبَة، كقوله تعالى: {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} تفسير : [الرحمن:27] والجوابُ: أن قوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص:1] يقتضي الوحْدَانيَّة التَّامَّة، وذلك يُنَافِي التركيب من الأعضاء والأجزاء، فثبت أنَّهُ لا بُدَّ من التَّأويل، وهو من وجهين: أحدهما: قوله: {يُريدُون وَجْهَهُ}، أي: يريدونه إلاَّ أنهم يذكرون [لفظ الوجه للتعظيم كما يقال: هذا وجه الرأي، وهذا وجه الدليل الثاني:] أنَّ من أحَبَّ ذاتاً أحب أن يرى وَجْهَهُ، فرؤية الوَجْه من لوازم المحبَّةِ، فلهذا السَّبَبِ جعل الوجه كِنَايةً عن المَحَبَّةِ، وطلب الرضى. والثاني: أن المراد بالوجه القَصْدُ والنِّيَّةُ؛ كقول الشاعر: [البسيط] شعر : 2179-أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْباً لَسْتُ أحْصِيَهُ رَبَّ العِبَاد إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ تفسير : وقد تقدَّم بيانُهُ عند قوله: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} تفسير : [البقرة:115] قوله: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْء} "ما" هذه يجوز أن تكون الحِجَازيَّةَ النَّاصبة للخبر، فيكون "عليك" في مَحَلِّ النصب على أنه خبرها، عند مَنْ يُجَوِّز إعْمَالَهَا في الخبر المُقدَّمِ إذا كان ظَرْفاً أو حرف جَرِّ، وأمَّا إذا كانت تَمِيميَّةً، أو متعيَّناً إهمالُهَا في الخبر المقدِّمِ مُطْلَقاً كان "عليك" في مَحَلِّ رفع خبراً مُقدَّماً، والمبتدأ هو "مِنْ شَيءٍ" زيدت فيه "مِنْ". وقوله: "مِنْ حِسَابِهِمْ" قالوا: "مِنْ" تَبْعِيضيَّةٌ، وهي في محل نَصْبٍ على الحال، وصاحبُ الحالِ هُو "مِنْ شيء"؛ لأنها لو تأخرت عنه لكانت صِفَةً له، وصفة النكرة متى قُدِّمَتْ انْتَصَبَتْ على الحالِ، فعلى هذا تتعلَّقُ بمحذوف، والعاملُ في الحال الاسْتِقْرَارُ في "عليك"، ويجوز أن يكون "مِنْ شَيْءٍ" في مَحَلِّ رفع بالفاعلية، ورافعه "عليك" لاعتماده على النفي، و"مِن حِسَابِهِمْ" حالٌ أيضاً من "شيء" العاملُ فيها الاستقرار والتقديرُ: ما اسْتَقَرَّ عليك شَيءٌ من حسابهم. وأُجيز أن يكون "مِنْ حِسَابِهِمْ" هو الخَبَر: إمَّا لـ "ما"، وإمَّا للمبتدأ، و"عليك" حالٌ من "شيء"، والعَامِلُ فيها الاسْتِقَرارُ، وعلى هذا فيجوز أن يكون "من حِسَابِهِمْ" هو الرافع للفاعل على ذاك الوَجْهِ، و"عليك" حالٌ أيضاً كما تقدَّمَ تقريره، وكون "مِنْ حِسَابِهِمْ" هو الخبر، و"عليك" هو الحَالُ غير واضح؛ لأن مَحَطَّ الفائدة إنما هو "عَليْكَ". قوله: {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ} كالذي قبله، إلاَّ أنَّ هنا يَمْتِنَعُ بَعْضُ ما كان جَائِزاً هناك، وذلك أن قوله: "مِنْ حِسَابِكَ" لا يجوز أن يَنْتَصِبَ على الحال؛ لأنه يلزم تَقّدُّمُهُ على عامله المعنوي، وهو ممتنعٌ، أو ضعيف لا سيَّمَا وقدْ تقدَّمتْ هنا على العامل فيها، وعلى صاحبها، وقد تقدَّم أنَّ الحالَ إذا كانت ظَرْفاً أو حرف جرٍّ كان تقديمها على العامل [المعنوي] أحْسَنُ منه إذا لم يكن كذلك، فحينئذٍ لك أن تجعل قوله: "من حِسابِكَ" بياناً لا حالاً, ولا خبراً حتى تخرج من هذا المَحْذُورِ, وكون "من" هذه تَبْعِيضيَّةً غير ظاهرٍ, وقد تقدَّم خطابه - عليه الصَّلاة والسلام - في الجملتين تَشْريفاً له، ولو جاءت الجملة الثَّانية على نَمَطِ الأولى لكان التركيب "وما عليهم من حِسَابِكَ من شيء" فتقدَّمَ المجرور بـ "على" كما قدَّمه في الأولَى، لكنه عَدَلَ عن ذلك لما تقدَّمَ. وفي هاتين الجملتين ما يسميه أهل البَديعِ: رَدَّ الأعْجَاز على الصدور، كقولهم: "عَادَات السَّادَات سادات العادات" ومثله في المعنى قول الشاعر: [الطويل] شعر : 2180- وَلَيْسَ الَّذِي حَلِّلْتَهُ بِمُحَلَّلٍ وَلَيْسَ الَّذي حَرَّمْتَهُ بِمُحَرَّمِ تفسير : وقال الزمخشري - بعد كلام قدَّمَهُ في معنى التفسير -: فإن قلت: أما كفى قوله: "ما عليك من حسابِهِمْ من شيء" حتى ضَمَّ إليه: {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ}؟ قلت: قد جعلت الجملتان بمنزلةِ جُمْلةٍ واحدةٍ، وقصد بها مُؤدَّى واحد، وهو المعنى بقوله: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام:164]. ولا يستقل بهذا المعنى إلاَّ الجملتان جميعاً، كأنه قيل: "لاتُؤاخَدُ أنت ولا هُمْ بحسابِ صاحبه" قال أبو حيَّان: "لا تُؤاخَذُ أنْتَ... إلى آخره تركيبٌ غير عربي، لا يجوز عَوْدُ الضير هنا غائباً ولا مُخَاطباً، لأنه إنْ [عاد] غائباً فلم يتقدَّم له اسْمٌ مفرد غائب يعود عليه، إنما تقدَّم قوله: "هم" ولا يمكن العَوْد عليه على اعْتِقَادِ الاستغناء بالمفرد عن الجمع، لأنه يصير التَّركيب بحساب صاحبهم، وإن أُعيد مُخَاطباً، فلم يتقدَّمْ مخاطب يعود عليه، إنما تقدَّم قوله: "لا تُؤاخَذُ أنْتَ" ولا يمكن العَودُ إليه، فإنه ضمير [مخاطب]، فلا يعود عليه غَائِباً ولو أبْرَزْتَهُ مخاطباً لم يَصِحَّ التركيب أيضاً، فإصْلاحُ التركيب أن يقال: "لا يُؤاخَذُ كُلُّ واحدٍ منك، ولا منهم بحساب صاحبه، أو لا تُؤاخذ أنت بحسابهم، ولا هم بحسابك، أو لا تؤاخذ أنت ولا هم بحسابكم"، فُتَغَلِّب الخِطَابَ على الغَيْبَةِ، كما تقول: أنت وزيد تَضْربَان". قال شهابُ الدين: والذي يظهر أن كلام الزمخشري صَحِيحٌ ولكن فيه حَذفٌ، وتقديره: لا يُؤاخذ كل واحد: أنت ولا هم بِحِسَابِ صاحبه، وتكون "أنت ولا هُمْ" بَدَلاً من "كل واحد"، والضمير في صاحبه عائدٌ على [قوله:] "كل واحدٍ"، ثم إنه وقع [في] محذور آخر مما أصْلَحَ به كلام الزمخشري، وذلك أنه قال: ولا تُؤاخذ أنت وَلاَ هُمْ بحسابكم، وهذا التركيب يحتمل أن يكون المراد, بل الظَّاهِرُ نَفْيُ المُؤاخَذَةِ بحساب كُلِّ واحدٍ بالنسبة إلى نفسه هو، لا أن كُلّ واحدٍ غير مُؤاخذ بحساب غيره، والمعنى الثَّاني هُوَ المقصود. والضمائر الثلاثة، أعني التي في قوله: "مِنْ حِسَابِهِمْ" و "عليهم" و "فتطردهم" أيضاً عَوْدُهَا على نوع واحد، وهم الذين يدعون ربَّهم، وبه قال الطبري إلاَّ أنَّهُ فَسَّرَ الحِسابَ بالرِّزْقِ الدُّنْيوي. وقال الزمخشري، وابن عطية: "إنَّ الضَّمِيريْنَ الأوَّلَيْن يعودان على المشركين، والثالث يعود على الداعين". قال أبو حيَّان: "وقيل: الضمير في "حسابهم"، و "عليهم" عائد على [المشركين] [وتكون الجملتان اعْتِرَاضاَ بين النَّهْي وجوابه"، وظاهر عبارته أن الجملتين لا تكونان اعْتِرَاضاً إلا على اعتقاد كون الضميرين في "حِسَابِهِمْ"، و "عليهم" عائدين على المشركين]. وليس الأمر كذلك، بل هما اعْتِرَاضٌ بين النَّهْيِ، وهو "ولا تَطْرُدْ" وبين جوابه وهو "فتكون"، وإن كانت الضمائر كلها للمؤمنين. ويَدُلُّ على ذلك أنه قال بَعْدَ ذلك في "فتكون": وجوِّز أن تكون جواباً للنهي في قوله: "ولا تطرد"، وتكون الجملتان، وجوابُ الأول اعْتِرَاضاً بين النَّهْي وجوابه، فجعلهما اعتراضاً مُطْلَقاً من غير نَظَرٍ إلى الضميرين، ويعني بالجملتين "ما عليك من حِسَابِهِمْ من شيء" و "من حسابك عليهم من شيء" وبجواب الأول قوله: "فتطردهم". قوله: "فتطردهم" فيه وجهان: أحدهما: مَنْصُوبٌ على جواب [النفي] بأحد معنيين فقط، وهو انْتِفَاءُ الطَّرْدِ لانْتِفَاءِ كون حسابهم عليه وحسابه عليهم؛ لأنه يَنْتَفِي المُسَبَّبُ بانفاء سَببِهِ، ولنوضح ذلك في مثال وهو: "ما تَأتِينَا فَنُحَدِّثَنَا" بنصب "فتحدِّثنا" وهو يحتمل معنيين: أحدهما: انتفاء الإتْيَان، وانتفاء الحديث، كأنه قيل [ما يكون منك إتيان، فكيف يقعُ منك حديث؟ وهذا المعنى هو المقصود بالآية الكريمة، أي: ما يكون مُؤاخذة كل واحد بحساب صاحبه، فكيف يقع طرد؟ والمعنى الثاني: انتفاء الحديث، وثبوت الإتيان]. كأنه قيل: ما تأتينا مُحَدِّثاً، بل تأتينا غير مُحَدِّثٍ، وهذا المعنى لا يليق الآية الكريمة، والعُلماءُ- رحمهم الله - وإن أطلقوا قولهم: إن منصوبٌ على جواب النفي، فإنَّما يريدون المعنى الأول دون الثاني، والثَّاني أن يكون منصوباً على جواب النهي قوله: "فتكون" ففي نصبه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب عَطْفاً على "فتطردهم"، والمعنى: الإخْبارُ بانْتِفَاءِ حسابهم، والطَّرْد والظلم المُسَبَّب عن الطرد. قال الزمخشري: ويجوز أن تكون عَطْفاً على "فتطردهم" على وجه السبب؛ لأن كونه ظالِماً مُسَبَّبٌ عن طَرْدِهِمْ. والثاني من وَجْهَي النصب: أنه منصوبٌ على جواب النهي في قوله: "ولا تطرد". ولم يذكر مكي، ولا الواحدي، ولا أبو البقاء غيره. قال أبو حيَّان: "أن يكون "فتكون" جواباً للنهي في قوله: "ولا تطرد" كقوله: {أية : لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} تفسير : [طه:61]، وتكون الجملتان وجوابُ الأوَّل اعتراضاً بين النهي وجوابه". قال شهابُ الدين: قد تقدَّم أن كونهما اعْتِرَاضاً لا يتوقَّفُ على عَوْدِ الضمير في قوله: "مِنْ حِسَابِهِمْ" و "عليْهِمْ" على المشركين كما هو المفهوم من قوله هاهنا، وإن كان كلامه قبل ذلك كما حكينا عَنْهُ يُشْعِرُ بذلك. فصل في شبهة للكفار ذكروا في قوله: "ما عَلَيْكَ من حِسَابِهِمْ من شيء" قولين: الأول: أن الكُفَّار طعنُوا في إيمان أولئك الفُقَرَاء، وقالوا: يا محمد إنهم [إنما] اجتمعوا عندك، وقبلوا دينك؛ لأنهم يجدون بهذا السبب مَأكُولاً ومَلْبُوساً عندك, وإلاَّ فهم فارغون عن دينك, فقال الله تعالى: إن كان الأمْرُ على ما يقول هؤلاء، فما يلزمك إلاَّ اعْتِبارُ الظَّاهر، وإن كان بَاطِنُهُمْ غير مُرْضٍِ عند اللَّهِ، فحسابهم عليه لازمٌ لهم لا يتعدَّى إليك، كما أنَّ حسابك عليك لا يتعدّى إليهم، كقوله: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام: 164]. الثاني: المعنى: ما عليك من حِسابِ رِزْقِهِمْ من شيء فتملّهم وتطردهم، فتكون من الظالمين لهم لأنهم لمَّا اسْتَوْجَبُوا مزيد التقريب كان طَرْدُهُمْ طُلْماً لهم.
ابو السعود
تفسير : {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ} لما أُمر صلى الله عليه وسلم بإنذار المذكورين لينتظموا في سلك المتقين نُهِيَ صلى الله عليه وسلم عن كون ذلك بحيث يؤدي إلى طردهم. «حديث : رُوي أن رؤساءَ من المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو طردتَ هؤلاء الأعبُدَ وأرواحَ جبابهم ـ يعنون فقراءَ المسلمين كعمارٍ وصهيبٍ وخبابٍ وسَلمانَ وأضرابهم رضي الله تعالى عنهم ـ جلسنا إليك وحادثناك. فقال صلى الله عليه وسلم: "ما أنا بطارد المؤمنين" فقالوا: فأقِمْهم عنا إذا جئنا، فإذا قُمنا فأقعِدْهم معك إن شئت، قال صلى الله عليه وسلم: «نعم» طمعاً في إيمانهم. ورُوي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال له عليه الصلاة والسلام: "لو فعلتَ حتى تنظرَ إلى ما يصيرون؟"» تفسير : وقيل: إن عُتبةَ بنَ ربـيعةَ وشيبةَ بنَ ربـيعةَ ومُطعِمَ بنَ عديَ والحارثَ بنَ نوفل وقرصةَ بنَ عبـيد وعمروَ بنَ نوفل وأشرافَ بني عبد مناف من أهل الكفر أتَوا أبا طالب فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابنَ أخيك محمداً يطرُد مواليَنا وحلفاءنا وهم عبـيدُنا وعتقاؤُنا كان أعظمَ في صدورنا، وأدنى لاتّباعنا إياه، فأتى أبو طالب إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه، فقال عمر رضي الله عنه: لو فعلتَ ذلك حتى تنظرَ ما الذي يريدون، وإلامَ يصيرون؟ وقال سلمان وخباب: فينا نزلت هذه الآية، جاء الأقرعُ بنُ حابسٍ التميمي وعُيَـيْنةُ بنُ حِصْنٍ الفزاريُّ وعباسُ بنُ مِرْداسٍ وذووهم من المؤلفة قلوبُهم فوجدوا النبـي صلى الله عليه وسلم جالساً مع أناسٍ من ضعفاءِ المؤمنين، فلما رأوهم حوله صلى الله عليه وسلم حقَروهم فأتَوْه عليه الصلاة والسلام فقالوا: يا رسول الله لو جلستَ في صدر المسجد، ونفَيْتَ عنا هؤلاء وأرواحَ جبابهم فجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أنا بطارد المؤمنين» تفسير : قالوا: فإنا نحب أن تجعل لنا معك مجلساً تعرِفْ لنا به العربُ فضلَنا فإن وفودَ العرب تأتيك فنستحي أن ترانا مع هؤلاء الأعبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال صلى الله عليه وسلم: «نعم» قالوا: فاكتب لنا كتاباً فدعا بالصحيفة وبعليَ رضي الله تعالى عنه ليكتبَ ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريلُ عليه السلام بالآية، فرمى عليه السلام بالصحيفة ودعانا فأتيناه وجلسنا عنده، وكنا ندنو منه حتى تمَسَّ رُكَبُنا رُكبتَه، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم }تفسير : [الكهف، الآية 28] فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال: «حديث : الحمد لله الذي لم يُمتْني حتى أمرني أن أصبِرَ نفسي مع قومٍ من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات» تفسير : والمرادُ بذكر الوقتين الدوامُ وقيل: صلاةُ الفجر والعصر وقرىء (بالغُدوة) وقوله تعالى: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} حال من ضمير (يدعون) أي يدعونه تعالى مخلصين له فيه، وتقيـيدُه به لتأكيد علِّيتِه للنهي، فإن الإخلاصَ من أقوى موجبات الإكرام المضادِّ للطرد، وقوله تعالى: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء} اعتراضٌ وسطٌ بـين النهي وجوابه تقريراً له ودفعاً لما عسى يُتوَهم كونُه مسوِّغاً لطردهم من أقاويلِ الطاعنين في دينهم، كدأب قوم نوحٍ حيث قالوا: {أية : مَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْى }تفسير : [هود، الآية 27] أي ما عليك شيءٌ ما مِنْ حساب إيمانهم وأعمالِهم الباطنة حتى تتصدَّى له وتنْبـي على ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتُك ـ حسبما هو شأنُ منصِبِ النبوة ـ اعتبارُ ظواهرِ الأعمال وإجراءُ الأحكام على موجبها، وأما بواطنُ الأمور فحسابُها على العليم بذات الصدور كقوله تعالى: {أية : إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّى } تفسير : [الشعراء، الآية 113] وذكرُ قوله تعالى: {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء} مع أن الجوابَ قد تم بما قبله للمبالغة في بـيان انتفاءِ كون حسابِهم عليه صلى الله عليه وسلم بنظمه في سِلْك ما لا شُبهة فيه أصلاً، وهو انتفاءُ كونِ حسابه عليه السلام عليهم على طريقة قولِه تعالى: {أية : لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } تفسير : [الأعراف، الآية 34] وأما ما قيل من أن ذلك لتنزيل الجملتين منزلةَ جملةٍ واحدةٍ لتأدية معنى واحدٍ على نهج قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [فاطر، الآية 18] فغيرُ حقيقٍ بجلالة شأن التنزيل، وتقديم (عليك) في الجملة الأولى للقصد إلى إيراد النفي على اختصاص حسابهم به صلى الله عليه وسلم إذ هو الداعي إلى تصدّيه عليه الصلاة والسلام لحسابهم، وقيل: الضمير للمشركين، والمعنى: أنك لا تؤاخَذُ بحسابهم حتى يُهمَّك إيمانُهم ويدعُوَك الحِرْصُ عليه إلى أن تطرُدَ المؤمنين، وقوله تعالى: {فَتَطْرُدَهُمْ} جواب النفي وقوله تعالى: {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} جواب النهي وقد جُوِّز عطفُه على (فتطردَهم) على طريقة التسبـيب وليس بذاك.
التستري
تفسير : سئل عن قوله: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}[52] قال: أي يريدون وجه الله ورضاه، ولا يغيبون عنه ساعة. ثم قال: أزهد الناس أصفاهم مطعماً، وأعبد الناس أشدهم اجتهاداً في القيام بالأمر والنهي، وأحبهم إلى الله أنصحهم لخلقه. وسئل عن العمر قال: الذي يضيع العمر. قوله تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}[52] فهو قصد العبد في حركاته وسكونه إليه، كما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [الشورى:38] فكل من وجد حال المريد والمراد فهو من فضل الله عليه، ألا ترى أنه جمع بينهما في قوله تعالى: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل:53] قيل له: فما الفصل بينهما؟ فقال: المريد الذي يتكلف القصد إليه والعبادة لله تعالى ويطلب الطريق إليه، فهو في الطلب بعد، والمراد قيام الله تعالى له بها، والرجل يجد في نفسه ما يدل على المريد، والمراد يدخل في الطاعات وقتاً يجد ما يحمله على الأعمال من غير تكلف وجهد نظراً من الله تعالى له، ثم يخرج بعد ذلك إلى علو المقامات ورفيع الدرجات. قيل له: ما معنى المقامات؟ فقال: هي موجودة في كتاب الله تعالى في قصة الملائكة: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الصافات:164].
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الآية: 52]. سُئل النهرجورى عن المريد، فقال: صفته ما ذكر الله عز وجل فى كتابه: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} الآية. وهو دوام ذكره وإخلاص عمله، أوصى بذلك أكابرهم فى التعطف عليهم والصفح عن زللهم. وقال أبو عثمان: الحال التى تجب على العبد لزوم حقيقة الذكر وخلوص السر وهو المبدئ وهو المنهى. وقال بعضهم فى هذه الآية: لا تبعد عنك من زيَّناه بزينة العبودية، وجعلنا أيامه وفقًا على الإقبال علينا. وقال أبو بكر الفارسى: إرادتك لله ذكرك له على الدوام، قال الله تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} وهذه صفة المتحققين من أهل الإرادة، ومن علامة المريد الصادق أن يتنافر من غير جنسه ويطلب الجنس.
القشيري
تفسير : هذه وصية له - صلى الله عليه وسلم - في باب الفقراء والمستضعفين، وذلك لما قَصَرُوا لسان المعارضة عن استدفاع ما كانوا بصدده من أمر إخلاء الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - مجلسه منهم، وسكنوا متضرعين بقلوبهم بين يدي الله أرادَ أنْ يُبَيِّن له أَثرَ حُسْنِ الابتهال فتولَّى - سبحانه - خصيمتهم. وقال: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}: لا تنظر يا محمد إلى خِرقتهم على ظاهرهم وانظر إلى حرقتهم في سرائرهم. ويقال كانوا مستورين بحالتهم فشهرهم بأن أظهر قصتهم، ولولا أنه - سبحانه - قال: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} فشهد لهم بالإرادة وإلا فمن يتجاسر أن يقول إن شخصاً مخلوقاً يريد الحق سبحانه؟ ويقال إذا كانت الإرادة لا تتعلق - في التحقيق - إلا بالحدوث، وحقيقة الصمدية متقدسة عن الاتصاف بالحدثان، فمن المعلوم أن هذه الإرادة ليست بمعنى المشيئة، ولا كاشتقاق أهل اللغة لها. فيقال تكلم الناس في الإرادة: وأكثر تحقيقها أنها احتياج يحصل في القلوب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله؛ فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون وصوله إليه - سبحانه - سكوناً ولا قراراً، كما قال قائلهم: شعر : ثم قطعتُ الليلَ في مَهْمَةٍ لا أسداً أخشى ولا ذيبا يغلبني شوقي فأطوي السُّرى ولم يَزَلْ ذو الشوق مغلوبا تفسير : ويقال تقيَّدت دعوتهم بالغداة والعشيّ لأنها من الأعمال الظاهرة، والأعمالُ الظاهرة مؤقتة، ودامت إرادتهم فاستغرقت جميع أوقاتهم لأنها من الأحوال الباطنة، والأحوال الباطنة مسرمدة غير مؤقتة، فقال: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} ثم قال: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي مريدين وجهه فهي في موضع الحال. ويقال أصبحوا ولا سؤال لهم من دنياهم، و لا مطالبة من عقباهم، ولا همَّ سوى حديث مولاهم، فلما تجردوا لله تمحضت عناية الحق لهم، فتولَّى حديثهم وقال: ولا تطردهم - يا محمد - ثم قال: ما عليك من حسابهم من شيء؛ فالفقير خفيف الظهر لا يكون منه على أحد كثير مؤنة؛ قال تعالى: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ} لا تطالب بحسابهم ولا يطالبون بحسابك، بل كلٌّ يتولى الحقُّ - سبحانه - حسابَه؛ فإِن كان أمره خيراً فهو ملاقيه، وإن كان شراً فهو مقاسيه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} بين الله سبحانه فى هذه الأية تخصيص الولاية بعد تخصيصه النبوة والرسالة وصرح فى بيانه ان الولاية اصطفايته محضة كما ان النبوة والرسالة اصطفائية محضة لا يتعلقان بسبب من الاسباب من العرش الى الثرى وكما انه تعالى احب الانبياء والرسل كذلك احب الاولياء والاصفياء محبة بلا علة وكما ان الله سبحانه خص نبينا محمد صلى الله عليه وأله وسلم بالرسالة بغير علة اصحابه. وجميع الخلائق من الجن والانس والملك كذلك خص اصحابه بشرف الولاية بغير سبب من جهته ولا جهد من جهده وصحة ذلك قوله تعالى {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} بل كما سبق فى الازل العناية له بالرسالة كذلك سبقت لهم فى الازل بالولاية كذلك وقعت لهم الصحبة والموافقة من جهة تلك الاهلية اتبعوه وقبلوا امره ووضعوا رقابهم تحت قدمه ولولا تلك العناية الازلية كان حالهم كما لهؤلاء الاعداء لكن ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء فمن الله على نبيه عليه السلام بتائيده ونصر اصحابه له بقوله هو الذى ايدك بنصره بالمؤمنين ولما بلغ شرفهم الى هذه المرتبة وصى الله نبيه عليه السلام بمارعاتهم ورعاية حالهم وتربيتهم وعاتبه فى الأية لاجلهم بقوله ولا تطرد الذين يدعون ربهم الأية اى لا منع هؤلاء من صحبتك ولو كان لحظة لاجل حرضك باسلام الباطلين فان هدايتهم عندى وانك لا تهدى من احببت من اقربائك ولكن الله يهدى من يشاء من هؤلاء الفقراء مثل بلال وصهيب وسلمان وعمار وحذيفة والمقدارد ونظرائهم من اصحاب الصفة الذين يدعون الله لوصولهم اليه عند كل سباح ومساء لشوقهم الى جماله ومحبته اللحوق منه وهذا معنى قوله يريدون وجهه وخص الغداة العشى بالدعاء لا بخلال ذيال الظلام من النهار بالغداة وبخلال اذيال الضياء من الظلام بالعشى ولان هناك ظهور تجلى القدرة جلال العظمة وهناك تكون ساعة بسحاب الدعوة فيها وايضا يدعون الله بنعت النفاء فى شوق جماله عند طلوغ كل سبح من انوار تجلى صفاته فى قلوبهم عند كل نفس لان عند تنفس كل نفس من العارف يكون صبحا من ظهور بركة مشاهدته هناك يودعون يستريدون محبته وشوقه وقرب مشاهدته هناك ويدعون عند كل واراد عشيان الاحوال على قلوبهم بنعت الحيرة فى عظمته لان ظهور تراكم سحائب العظمة وضباب الكبرياء وبعد كل نفس بنفس العارف يكون عشى الحال وليال الوصال كانهم كانوا يدعون الله فى جميع اناسهم لقاءه لارادتهم احتراقهم فى انوار وجهه تعالى وعلق الدعاء بالوقتين لانهم هناك سكنوا من غلية الواردات وطوارق الحالات فلما سكنوا فى تلك الساعات ضاقت صدروهم ودعوا الله بارجاعهم الى السكر بعد الصحو والى حضورهم بعد الغيبة الا ترى الى قوله تريديون وجهه وصفهم ابلارادة مع كما لهم فى المعرفة لأن الكامل يرجع عند كل نفس من مقام النهاية الى مقام البداية لان هناك منزل النكرة من ظهور انوار فاق القدم وبرور سناء بطون الازل وكشف غيوب الاباد فراوا من سطوات الذات الى نور الصفات لان هناك مقام المعرفة ورؤية الذات مقام النكرة ففرارهم من النكرة الى المعرفة ومن النهاية الى البداية الا ترى الى قول الصديق رضى الله عنه كيف قال سبحانه من لم يجعل سبيلا الى معرفته الا بالعجز عن معرتفه وسئل عن بعض العارفين ما النهايات قال الرجوع الى البدايات وخص الله سبحانه ارادتهم وجهه لان الوجه صفة ازلية من خواص صافته المتشابهة وهو معدن جلاله وحمله يتجلى بنور وجهه لقلوب العاشقين والمشتاقين والمحبين وذكر الوجه خاصة لان القوم فى مقام العشق والمحبة والشوق ولذلك علقهم بمقام المتشابه لوقوع الاحوال والمكاشفات علىمقام الالتباس لما كان حالهم العشق وصفهم بالارادة وعلقهم بصفة من صفاه لان العاشقين فى جنب العارفين والموحدين كقطرات فى البحار ولو كانوا على محل النهايات ما وصفهم بالارادة ولا علقهم بصفة واحدة من جميع صفاته لان العارف خرج من مقام الارادة التى توجب العبودية الى مقام الحقيقة التى توجب الربوبية ولو كانوا على حد الكمال وصفهم بطلب الذات والصفات وما وصفهم بطلب صفة واحدة من جميع صفاته وقال فى موضع قوله تعالى يريدون وجهه اى يريدون الله لان اسم الله عن الكل وعي الجمع وايضا وصفهم بارادة وجهه ووجهه سبحانه عن اشارة التشبيه والتعطيل مندرج تحته جميع الصفات من السمع والبصر والكلام ويتعلق به جميع الصفات واراد بالوجه عين الكل وجهة اى ذاته وصفاته الا ترى الى قوله كل شئ هالك الا وجهه اى الا نفسه وقوله {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : اى ذاته وصفاته كذا قالوا اهل التفسير لظاهر فاذا كان كذلك كان القوم يريدون الله بجميع ذاته وصفاته بوصف المحبة والشوق كانوا يريدونه بانه تعالى يعرفهم نفسه بنعت مباشره تجلية قلوبهم وهاذ مقام قد استاثره الله لنفسه الا لاحد غيره لانه تعالى عرف نفسه لاسواه غلبت عليهم لذة قربه وخطابه فاراد واكشف كنه القدم كما غلب على موسى حين سأل هذا المقام بعد وقه ولذة كلامه تعالى بقوله ارنى انظر اليك لما اراه بالواسطئ وحرمن سطوات القدم وافقا بنور البقاء فلم ير للحدثان فى جنات القدم اثر تاب عن سواله فقال تبت اليك واماو انا اول المؤمنين ان لا اعرفكم كما انت وهذا مقام النبى صلى الله عليه وسلم بعد ان رأه صرفا حيث اقل الا احصى صناء عليك انت كما اثنيت على نفسك فلما علم سبحانه ذلك منهم امرهم لاستغفار وطلب العفو كما اخبر عنهم بقوله ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ابو يعقوب النهر جورى عن المريد فقال صفته فاذكر الله فى كتابه ولا تطرد الذين يدعون رهم وهو دوام ذكروا اخلاص عمل اوصى بهذه الأية كابرهم فى التعطف علهيم والصفح عن زللهم قال بعضهم يدعونه شوقا اليه واعتماد عليه لم يشغلهم شاغل ولم يصدهم عن خدمته صادف قائمون على ما به من الخدمة والعبودية منتظرون زوائد بركاته عليهم ولى اشارة ارخرى ان الله تعالى وصف حضورهم بالغداوة والعشى اى حضروا فى الحضرة بالغداة بعزم خدمته الى العشى وحضروا بالعشى بعزم خدمته الى الغداة حتى يكون وقاتهم مسرمدة بغير فترة والاشارة فيه لما وصفهم بالحضور نفى عنهم بدليل الخطاب جميع اشغال الدنيا اى كانوا رجال لمراقبة والحضور والمشاهدة لاتشغلهم من الله شاغل طرفه عين كما وصفهم فى موضع أخر بقوله رجال لا تلهيهيم بحارة ولا بيع عن ذكر الله وايضا فيه لطيفة وصفهم بالحضور بالغداة والعشى على تسرمد الاحوال لترويحهم سيوغات بالاحكام الطاهرة وهذا شفقة من الله لكيلا يحرقهم نيران محبتهم ويزيلهم حدة ارادتهم يقال اصبحوا ولا سوال لهم من دنياهم ولا مطالبة عن عقابهم ولا همة سوى حديث مولاهم فلما تجردوا الله تمحضت عناية الحق لهم فتولى حديثهم وقال ولا تطردهم يا محمد ثم قال ما عليك من حسابهم من شئ الفقي خفيف الحال لا يكون على احد منه كثير مؤنة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدٰوة والعشى} ـ روى ـ حديث : ان رؤساء قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوا فى مجلسه الشريف فقراء المؤمنين مثل صهيب وعمار وخباب وبلال وسلمان وغيرهم لو طردت هؤلاء الا عبد وارواح جبابهم وكان عليهم جباب صوف لا غير لجالسناك وحادثناك فقال عليه السلام "ما انا بطارد المؤمنين" فقالوا فاذا نحن جئناك فاقمهم عنا حتى يعرف العرب فضلنا فان وفود العرب تأتيك فنستحى ان ترانا مع هؤلاء فاذا قمنا عن مجلسك فاقعدهم معك ان شئت فهم عليه السلام ان يفعل ذلك طمعا فى ايمانهم فانزل الله تعالى هذه الآية" تفسير : يعلمه انه لا يجب ان تفضل غنيا على فقير ولا شريفا على وضيع لان طريقه فيما ارسل به الدين دون احوال الدنيا. والطرد الابعاد وبالفارسية [مزان ازمجلس خودآن درويشانراكه ميخوانند بروردكار خودرا وذكراو ميكنند بامداد وشبانكاه] والمراد بذكر الوقتين الدوام ومن دام ذكره دام جلوسه مع الله كما قال "حديث : انا جليس من ذكرنى" تفسير : {يريدون} بذكرهم وعبادتهم {وجهه} تعالى ورضاه لا شيئاً من اغراض الدنيا. حال من ضمير يدعون اى يدعونه تعالى مخلصين له وقيد الدعاء بالاخلاص تنبيها على انه ملاك الامر شعر : عبادت باخلاص نيت نكوست وكرنه جه آيد زبى مغربوست تفسير : واشعارا بانه من اقوى موجبات الاكرام المنافى للابعاد {ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ} لما لم يقتصر المشركون فى طعن فقراء المسلمين على وصفهم بكونهم موالى ومساكين بل طعنوا فى ايمانهم ايضا حيث قالوا يا محمد انهم انما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لانهم يجدون عندك مأكولا وملبوسا بهذا السبب والا فهم عارون عن دينك والايمان بك دفع الله تعالى ما عسى يتوهم كونه مسوغا لطردهم من اقاويلهم فقال {ما عليك} اى ليس عليك الا اعتبار ظاهر حالهم وهو اتسامهم بسمة المتقين وان كان لهم باطن غير مرضى كما يقوله المشركون فمضرة حساب ايمانهم لا ترجع الا اليهم لا اليك لان المضرة المرتبة على حساب كل نفس عائدة اليها لا الى غيرها فالمقصود منه دفع طعن الكفار وتثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على تريبة الفقراء وادنائهم. وضمير حسابهم. وعليهم للذين يدعون ربهم وكلمة من فى قوله من شئ زائدة وهو فاعل عليك وعليهم لاعتمادها على النفى ومن حسابهم ومن حسابك صفة لشئ ثم قدمت فصارت حالا. قال المولى ابو السعود وذكر قوله تعالى {وما من حسابك عليهم من شئ} مع ان الجواب قد تم بما قبله للمبالغة فى بيان انتفاء كون حسابهم عليه عليه السلام بنظمه فى سلك ما لا شبهة فيه اصلا وهو انتفاء كون حسابه عليه السلام عليهم على طريقة قوله تعالى {أية : لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} تفسير : [الأعراف: 34]. {فتطردهم} جواب النفى نحو ما تأتينا فتحدثنا بنصب فتحدث على ان يكون المعنى انتفاء التحديث لانتفاء سببه الذى هو الاتيان والآية الكريمة من هذا القبيل فانه لو كانت مضرة حسابهم مستقرة على المخاطب لكان ذلك سببا لابعاد من يتوهم الوهن فى ايمانه فحكم بان هذا السبب غير واقع حتى يقع مسببه الذى هو الطرد {فتكون من الظالمين} جواب النهى وهو {ولا تطرد الذين} الآية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {فتطردهم}: جواب النفي، و {فتكون}: جواب النهي، أي: ولا تطرد فتكون من الظالمين، فليس عليك من حسابهم شيء فتطردهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: لنبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ، حين طلب منه صناديدُ قريش أن يطرد عنه ضعفاء المسلمين ليجالسوه، فَهَمَّ بذلك طمعًا في إسلامهم، فنزلت: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} أي: يعبدونه بالذكر وغيره، أو يدعونه بالتضرع والابتهال، {بالغداة والعشي} أي: على الدوام. وخص الوقتين بالذكر؛ لشرفهما. وفي الخبر:"حديث : يا ابنَ آدمَ، اذكُرني أول النهار وآخره، أكفِكَ ما بينهما " تفسير : . وقيل: صلاة الصبح والعصر، وقيل: الصلاة بمكة قبل فرض الخمس. قال البيضاوي: بعد ما أمره بإنذار غير المتقين ليتقوا ـ أي: على التفسير الثاني في الآية المتقدمة ـ أمره بإكرام المتقين وتقريبهم، وألاَّ يطردَهم، ترضية لقريش، رُوِي أنهم قالوا: لو طَردتَ هؤلاء الأعبُدِ ـ يُعنُون فقراء المُسلِمِينَ، كعمَّار وصُهَيب وخبَّاب وبِلال وسَلمان ـ جلَسنا إليك، فقال: "حديث : ما أنا بطاردِ المؤمنين "تفسير : . قالوا: فأقمهُم عنا، قال:"حديث : نَعَم"تفسير : . [ رُوِي أن عمر قال له: لَو فَعَلتَ حتَّى تنظرَ إلى ما يَصِيرُونَ؟] قالوا: فاكتُب بِذَلِكَ كِتَابًا، فدَعَا بالصَّحِيفَةِ وبَعَليٍّ؛ ليَكتُبَ، فنزلت. هـ. وفي ذكر سلمان معهم نظر لتأخر إسلامه بالمدينة. ثم وصفهم بالإخلاص فقال: {يريدون وجهه } أي: يدعونه مخلصين طالبين النظر لوجهه، وفيه تنبيه على أن الإخلاص شرط في الأعمال، ورتب النهي عليه؛ إشعارًا بأنه يقتضي إكرامهم، وينافي إبعادهم، ثم علل عدم طردهم فقال: {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم} أي: أنت لا تحاسب عنهم، وهم لا يحاسبون عنك، فلأي شيء تطردهم؟ وقيل: الضمير: للكفار، أي: أنت لا تحاسب عنهم، وهم لا يحاسبون عنك، فلا تهتم بأمرهم، حتى تطرد هؤلاء من أجلهم، {فتكون من الظالمين} بطردهم، لكنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يفعل، فلا ظلم يلحقه في ذلك؛ لسابق العناية والعصمة. {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} أي: ومثل ذلك الاختبار، وهو اختلاف أحوال الناس في أمر الدنيا، {فتنا بعضهم ببعض} أي: ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدين، فقدّمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش؛ بالسبق إلى الإيمان {ليقولوا أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا} أي: أهؤلاء من أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق دوننا، ونحن الأكابر والرؤساء، وهم المساكين والضعفاء، فنحن أحق منهم به إن كان حقًا، وهذا إنكار منهم لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير، كقولهم {أية : لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَآ }تفسير : [الأحقاف:11]. واللام في {ليقولوا}: للعاقبة. قال تعالى في الرد عليهم: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} أي: بمن يقع منهم الإيمان والشكر فيوفقهم، وبمن لا يقع منه فيخذُله. وبالله التوفيق. الإشاره: في صحبة الفقراء خيرٌ كثير وسرٌ كبير، وخصوصًا أهل الصفاء والوفاء منهم، وفي ذلك يقول الشيخ أبو مدين رضي الله عنه: شعر : مَا لذّةُ العَيشِ إلاّ صُحبَةُ الفُقَرا هُم السّلاَطين والسَّادَاتُ والأُمَرا فَاصْحَبْهُمُو وتأدَّب في مَجَالِسِهِم وخلِّ حظَّكَ مَهمَا خلَّفُوكَ ورَا تفسير : إلى آخر كلامه. فلا يحصل كمال التربية والتهذيب إلا بصحبتهم، ولا تصفوا المعاني إلا بمجالستهم والمذاكرة معهم، والمراد من دخل منهم بلاد المعاني، وحصَّل مقام الفناء في الذات، فالجلوس مع هؤلاء ساعة تعدل عبادة الثقلين سِنين، ومن شأن شيوخ التربية: العطف على الفقراء والمساكين وتقريبهم، ولا يطردون أحدًا منهم ولو عمل ما عمل، اقتداء بما أمر به نبيهم صلى الله عليه وسلم. بل شأنهم الإقبال على من أقبل إليهم، عصاة كانوا أو طائعين وإقبالهم على العصاة المذنبين أكثر، جبرًا لكسرهم، وتألفًا لهم، وسوقًا لهم إلى الله بملاطفة الإحسان. وبالله التوفيق. ولما أمره بتقريب الضعفاء من المؤمنين، أمره بإكرامهم بالسلام والبشارة بغفران الآثام، فقال: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر {بالغدوة} هنا وفى الكهف - بضم الغين واسكان الدال واثبات واو بعدها. الباقون بفتح الغين والدال واثبات الف بعد الدال. سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن مسعود وغيره: ان ملأ من قريش - وقال الفراء: من الكفار، منهم عيينة بن حصين الغزاي - دخلوا على النبي (صلى الله عليه وسلم) وعنده بلال وسلمان وصهيب وعمار، وغيرهم، فقال عيينة بن حصين يا رسول الله لو نحيت هؤلاء عنك، لاتاك أشراف قومك، وأسلموا، وكان ذلك خديعة منهم له وكان الله تعالى عالما ببواطنهم. فأمر الله نبيه ان {لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} يعني انه نهاه عن طردهم لانهم يريدون باسلامهم ودعائهم وجه الله. قال الضحاك: {يدعون ربهم بالغداة والعشي} يعني بذلك الصلاة المفروضة في هذين الوقتين وقال ابراهيم هم اهل الذكر. وقال قوم: الدعاء ها هنا هو التحميد والتسبيح. وقوله: {يريدون وجهه} شهادة للمعنيين بالآية بالاخلاص وانهم يريدون بعبادتهم الله خالصا. وقال البلخي: قراءة ابن عامر غلط، لان العرب اذا ادخلت الالف واللام قالوا: الغداة يقولون: رأيتك بالغداة، ولا يقولون بالغدوة، فاذا نزعوا الالف واللام قالوا رأيتك غدوة. وانما كتبت واو في المصحف، كما كتبوا الصلاة والزكاة والحياة كذلك. قال ابو علي الفارسى: الوجه الغداة، لانها تستعمل نكرة وتتعرف باللام فأما غدوة فمعرفة أبدا، وهو علم صيغ له. قال سيبويه: غدوة وبكرة جعل كل واحد منهما اسما للجنس كما جعلوا أم حنين اسما لدابة معروفة، كذلك هذا ووجه قراءة ابن عامر أن سيبويه قال زعم الخليل أنه يجوز ان تقول أتيتك اليوم غدوة وبكرة، فجعلها بمنزلة ضحوة. وقوله {فتطردهم} نصب الدال، لانه جواب النفي في قوله: {ما عليك من حسابهم} ونصب فيكون لانه جواب لقوله: {ولا تطرد الذين.. فتكون من الظالمين.. ما عليك من حسابهم من شيء} قال قوم يعني من حساب رزقهم في الدنيا ليس رزقهم في يدك ولا رزقك في أيديهم، بل الله رازق الجميع. وقال الجبائي وهو الاظهر: ما عليك من اعمالهم، ولا عليهم من أعمالك، بل كل واحد يؤاخذ بعمله، ويجازي على فعله، لا على فعل غيره. وقوله {فتطردهم فتكون من الظالمين} اخبار منه تعالى انه لو طرد كل هؤلاء تقريبا الى الكبراء منهم كان بذلك ظالما. والنبي (صلى الله عليه وسلم) وان لم يقدم على القبيح جاز ان ينهى عنه، لانه قادر عليه وان كان النهي والزجر يمتنع منه، كما قال تعالى {لئن أشركت ليحبطن عملك} وان كان الشرك مأمونا منه.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} فى الولاية يعنى ادع الطّالب للدّين ولا تطرد الدّاخل فى الدّين بقبول ولاية علىّ (ع) والبيعة الولويّة معه فانّك بعثت لدعوة الخلق اليه لا لطردهم عنه او لا تطرد عن نفسك الّذين يدعون ربّهم فى الولاية {بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} يعنى يدعون ذاته ويريدون الاتّصال بملكوته بعد الاتّصال بملكه، فانّ الدّعاء قد يستعمل فى دعاء الشّيء لامر اخر من نصرته واعانته وغيرهما وقد يستعمل فى دعاء ذات الشّيء طلباً له من غير ارادة امر آخر منه وهذا هو معناه اذا استعمل مطلقاً وهو المراد ههنا لاطلاقه ولقوله بياناً لهذا المرام {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} يعنى لا يريدون من دعاء ربّهم غير وجه الرّبّ ووجه كلّ شيء هو ما به يتوجّه الى شيءٍ آخر، ولمّا كان الكلّ متوجّهاً بحسب التّكوين الى الله فما به توجّههم الى الله هو ملكوتهم المثاليّة او ما فوقها بحسب مرتبة الدّاعى وهذا فى المربوب وامّا الرّبّ فلمّا كان متوجّهاً الى الخلق للتّكميل كان وجهه الى الخلق ما به يتوجّه اليهم وما به يتوجّه الى الخلق هو ملكوته ايضاً، وفى هذا دليل على ما قالت العرفاء العظام من انّ السّالك ينبغى ان يكون دائم الذّكر، فانّ المراد بالغداة والعشىّ استغراق الازمنة ولذا لم يكتف الله تعالى فى الذّكر بالاطلاق بل قيّده بالكثرة فى اكثر ما وقع وبنبغى ان يكون دائم الفكر ودائم الحضور، فانّ الفكر والحضور فى لسانهم هو التّفكّر فى ملكوت الرّبّ والحضور عنده وغاية تلقين الشّيخ الّذكر للمريد ودعاء المريد بالذّكر المأخوذ هى حصول وجه الرّبّ له والى هذا المعنى اشارت الآية فتذكّر، وقد نقل عن الصّادق (ع) وقت تكبيرة الاحرام تذكّر رسول الله (ص) واجعل واحداً من الائمّة نصب عينيك، ولهم على مرامهم شواهد كثيرة نقليّة وعقليّة وما كان قصدنا الى بيان مقصدهم {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} من حيث شأن نبوّتك بل حسابهم على ربّهم {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} عطف على تطردهم او جواب للنّهى كما انّ تطردهم جواب للنّفى، يعنى انّ حساب من دخل فى الولاية وطردهم ابقاءهم انّما هو على شأنك الولوىّ لا على شأنك النّبوىّ فلا تطردهم بشأنك النّبوىّ الّذى يراعى الكثرة ويربّى كّلاً فى مرتبته ويحفظ لكلّ ذى شأن شأنه عن ارادة شهود الرّبّ والاتّصال بوجهه، ولا تطردهم ايضاً بحسب الصّورة بشأنك الحافظ للصّورة عن مجلسك بطلب القوم طردهم فانّ شأنك النّبوىّ يستدعى ان لا تقرّب الفقراء الّذين لا شأن لهم فى انظار اهل الدّنيا اليك، وان لا تحضرهم فى المجلس العامّ النّبوىّ، وقد ذكر فى شأن نزول الآية انّها نزلت فى قوم من المسلمين مثل صهيب وخبّاب وبلال وعمّار وغيرهم كانوا عند رسول الله (ص) فمرّ بهم ملأ من قريش فقالوا: يا محمّد (ص) ارضيت بهؤلاء من قومك؟! أفنحن نكون تبعاً لهم؟! هؤلاء الّذين من اللّه عليهم؟! طردهم عنك فلعلّك ان طردتهم اتّبعناك، وقيل انّه (ص) قبل منهم ان يطردهم من عنده حين وفود القوم عليه واراد ان يكتب لهم كتاب عهد بذلك، فنزلت الآية ونحّى الكتاب وذكر غير ذلك فى المفصّلات.
اطفيش
تفسير : {ولا تطْردِ الَّذينَ يدْعُون ربَّهم بالغداة} وقرئ بالغدوة {والعشىِّ يُريدُون وجْهَه} هذا أمر بإكرام المتقين، وتقريب لهم، واختيارهم على رؤساء قريش المشركين ولو غضبوا بعد أمره بإنذار من لم يتق أو بزيادة التقوى أو الدوام عليها، ومعنى يدعون ربهم، يعبدون ربهم، والغداة والعشى كناية بطرفى النهار عن حمله، والمراد إدامتهم العبادة، وذلك قول الضحاك، وقيل: يعبدون ربهم بصلاة الفجر، وصلاة العصر، خصها لزيادة شرفهما، وهو رواية عن ابن عباس، وعن الحسن: المراد صلاة مكة التى كانت مرتين فى اليوم مرتين بكرة وعشيا، وقيل: المراد بدعاء ربهم بالغداة والعشى الصلوات الخمس، وهو مروى عن ابن عباس، وقيل: المراد بالدعاء بالغداة والعشى القرآن وتعلمه وكانوا يقولون: يدعون ربهم بالغداة والعشى ذكر الله بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروبها. قال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلم الإمام ابتدر الناس القيام، فقال سعيد بن المسيب: ما أسرع الناس إلى هذا المجلس، قال مجاهد: يتأولون قوله تعالى: {يدعون ربهم بالغداة والعشى} قال: أو فى هذا هو إنما ذلك فى الصلاة التى انصرفنا عنها، وقيل: المراد بالدعاء فى الوقتين طلب الحوائج من الله فيهما، ويدل على أقوال الصلاة ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن ناساً من الفقراء كانوا مع النبى صلى الله عليه وسلم، فقال أناس من أشراف الناس: نؤمن لك، وإذا صلينا فأخر هؤلاء الذين معك فليصلوا خلفنا. وعن ابن مسعود رضى الله عنه: مر ملأ من قريش بالنبى صلى الله عليه وسلم، وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء بدلا من قومك، أهؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعاً لهؤلاء، اطردهم فلعلك إن طردتهم تبعناك، فنزلت الآية. وتفسير الملأ جاء فى رواية عكرمة أنه قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدى، والحارث بن نوفل فى أشراف بنى عبد مناف من أهل الكفر، إلى أبى طالب عم النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمداً يطرد عنه موالينا وحلفاءهم فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا كان أعظم فى صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا، فأتى أبو طالب إلى النبى صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذى كلفوه به، فقال عمر بن الخطاب، لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذى يريدون وإلى هم يصيرون، فنزلت الآية إلى قوله: {أية : أليس الله بأعلم بالشاكرين} تفسير : فجاء عمر فاعتذر عن مقالته، وقيل: جاء واعتذر وقال: ما أردت إلا الخير، فنزل: {أية : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} تفسير : وقيل: إن جماعة من الصحابة المنظور إليهم قالوا: يا رسول الله صدق عمك، اطرد عنا الموالى، ولما نزلت الآية جاءوا رسول الله وتابوا. قال ابن أبى وقاص: "إن المشركين قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء، يعنون ضعفاء المسلمين لفقرهم وضعفهم، لا يجترءون علينا، وكنا معه ستة، أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع فى نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل الآية، وعن مجاهد: لولا بلال وابن أم عبد لتبعناك. وروى عن سلمان، وخباب بن الأرت: فينا نزل: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} الآية حديث : جاء الأقرع بن حابس التميمى، وعيينة بن حصن الفزارى، وهما من المؤلفة قلوبهم، فوجدا النبى صلى الله عليه وسلم قاعداً مع صهيب وبلال، وعمارة وخباب، فى نفر حوله من ضعفاء المسلمين، فلما رأوهم حقروهم فأتوهم فقالوا: يا رسول الله لو جلست فى صدر المجلس ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبَّاتهم، وكانت عليهم جبَّات صوف لها رائحة ليس عليهم غيرها، لجالسناك وأخذنا عنك، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "ما أنا بطارد المؤمنين" قال: فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحى أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فأقعدهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً، قال فأوتى بالصحيفة، ودعا علياً ليكتب، قال سلمان ونحن قعود فى ناحية، إذ نزل جبريل عليه السلام بقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} إلى قوله: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: {سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة} فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى} الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد ذلك، وندنوا منه، حتى كادت ركبُنا تمس ركبته، فإذا كانت الساعة التى يريد أن يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم، وقال لنا: "الحمد لله الذى لم يمتنى حتى أمرنى أن أصبر نفسى مع قوم من أمتى معكم المحيا ومعكم الممات" . تفسير : ولا شك أن إسلام سلمان بالمدينة كما شهرت قصته فى السير، وكذا إسلام المؤلفة قلوبهم كان فى المدينة، بل شهر أنه بعد الفتح والأنعام مكية، فلم تصح هذه الرواية، اللهم إلا أن يقال: إن سورة الأنعام نزلت مرتين كما قيل، أو أن مراد سلمان بقوله: فينا نزلت أنها نزلت فى جنسنا معشر الضعفاء، فلا يشكل نزولها، ولو نزلت فى مكة على أن يسقط من الرواية هؤلاء المؤلفة، أو يريد نزلت فى جنسنا معشر الضعفاء، إذ جاء مثل الأقرع بن حابس فحذف لفظ مثل، فأراد بنفسه التمثيل لضعفاء المسلمين بمكة، وأراد بالأقرع ومن معه التمثيل لرؤساء قريش قبل الهجرة، ولم يرد نفسه ولا نفس المؤلفة، ومعنى {أية : يريدون وجهه}تفسير : يخلصون دعاءهم لله تعالى، وهو مما يؤيد أن الدعاء هنا بمعنى العبادة، والجملة حال من واو يدعون، قيد عبادتهم بالإخلاص تنبيهاً على أنه عمدة العبادة، وأنه نهى عن طردهم وأمر بإدنائهم لإخلاصهم. {ما عليك مِنْ حسابِهِم منْ شئٍ وما مِنْ حِسابِك عليهم مِنْ شئٍ} طعن هؤلاء المشركون والمؤلفة قلوبهم فى إيمان ضعفاء المسلمين، كما طعنوا بفقرهم حتى أنهم قالوا: إنما اجتمعوا عندك، وقبلوا دينك لأنهم يجدون عندك مأكولا وملبوسا، وليس إيمانهم مخلصاً من قلوبهم، وقال الله جل وعلا لرسوله حين مال إلى أن يفرد لهم جلوساً أو مجلسا طمعا فى إيمان المشركين الرؤساء، وإخلاص المؤلفة: ليس عليك حساب إيمانهم فى الأمن الباطن، ولعلل إيمانهم أعظم من إيمان هؤلاء لو آمن هؤلاء وأخلصوا، كما طمعت فى إيمانهم وإخلاصهم، وهؤلاء الضعفاء متقون فى الظاهر، فاكتف بظاهر أمرهم، ولو كانوا فى الباطن على غير ما هم عليه فى الظاهر، فحسابهم عليهم لا يضرك الله به كما أن حسابك لا يتعداك إليهم، مثل ما يعاقب به اعتاباً فقط، أو ثواب إيمانك لا يصلهم، بل هو لك، أو على فرض وتقدير أنك عصيت حاشاك. وقيل: ما عليك من حساب فقرهم ورزقهم شئ، فإن رزقهم على فقرهم إنما هو على الله، ويجوز عود ضمير الغيبة للمشركين أو المؤلفة قلوبهم، أى لا تحاسب بشركهم أو معصيتهم حتى تهتم بإيمانهم اهتماما وصل به إلى طرد المؤمنين طمعاً فيه، وعليك خبر، وشئ مبتدأ، ومن صلة للتأكيد، ومن حسابهم يتعلق بمحذوف حال من شئ على جواز الحال من المبتدأ، أو حال من ضمير المبتدأ المستتر فى عليك، أو شئ فاعل لعليك لاعتماده على النفى، ومن حسابهم حال من شئ، وكذا إعراب الجملة بعده، فمن حسابك خبر لشئ أو رافع له على الفاعلية، وعليهم حال من شئ أو من ضمير الاستقرار، وصح تقديم الحال على صاحبها المجرور، لأن الجار صلة للتأكيد. {فَتطْردهُم} نصب فى جواب النفيين {فتَكُون منَ الظَّالمينَ} بالنصب فى جواب النهى لا عطف على تطردهم، لأن تطردهم جواب النفيين، وتكون لا يصح جواباً لهما من حيث المعنى، لأنه إذا فرض أن حسابهم عليه لم يكن من الظالمين بمجرد كون حسابهم عليه، والحاصل أن كونه من الظالمين لا يكون مترتباً على كون حسابهم عليه، كما ترتب البكاء على الضرب فى قولك: ما ضرب زيد فيبكى، اللهم إلا أن يقال فى الجملة: إن كون حساب الإنسان على الآخر من دواعى تعنيفه ونقصه حقه بالتهمة والتغليظ، حتى لا تلحقه من جانبه معرة هذا مسلك الجواز لا ما قيل إن مسالك الجواز عطفه تطرد فى اعتبار ترتيبه على نفس الطرد من غير اعتبار كونه متوقفاً على النفى منتفياً بانتفائه، لأن الأصل فى المعطوف أن يعتبر فيه معنى اقتضاه إعراب المعطوف عليه. وإن قلت: لعل الكلام محمول على المبالغة فى النهى عن الطرد، أى لو طردتهم على تقدير أن يكون حسابهم عليك كنت ظالماً، فكيف إذا لم يكن حسابهم عليك، فهو نظير قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" تفسير : ؟قلت: قد قال بهذا بعض محققى الترك، ولله درّه وهو موافق لما ذكرته من محض الآية على جواز العطف اعتبار أن ثبوت حسابهم عليه من دواعى ظلمهم، وقد ظهر لى البحث المذكور، والله الذى لا إله إلا هو قبل اطلاعى على كلام التركى، والحمد لله. وليست الآية دليلا على صدور المعصية والكبائر من النبيين، لأن النبى صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين لم يصدر منه الطرد، فضلا عن أن يكون من الظالمين، بل مال بالطبع إلى وجه استحسنه اجتهاده بمصلحة دينية، وهى أن يسلم الرؤساء فكثر أتباعهم، فيظهر الإسلام ويزيد بوجه لطيف ليس فيه إغضاب ضعفاء المسلمين، ولما بين الله أن الصواب غير ذلك، وأن ذلك الذى ظهر له هو بمنزلة الطرد حتى قال له: {ولا تطرد} الآية تركه، وأيضا لا يلزم أن يكون {الظالمين} من الظلم الذى هو ذنب عظيم بجواز أن يكون بمعنى وضع الشئ فى غير موضعه بعدم إصابة رأيه ما عند الله، وليس عدم موافقة الاجتهاد ما الله ذنباً.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} يعبدونه ويطلبونه كحديث الدعاء مخ العبادة، وقيل: الدعاء الصلاة، وقيل: الذكر، وقيل: قراءَة القرآن {بِالْغَدَاةِ} فى الغداة {وَالْعَشِىّ} عبر بهما عن جميع الأَوقات بحسب طاقتهم، وخص اللفظ بالوقتين لشرفهما، ولأَنهما طرفان لكن فى النهار، فما قيل عن ابن عباس من صلاة الفجر وصلاة العصر تمثيل، فقد قيل عنه: الصلوات الخمس، وأَصل الغداة الغدوة بفتح الدال، والواو قلبت أَلفاً لتحركها بعد فتح {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} حال من واو يدعون، وجملة يدعون علة للنهى عن الطرد لأَن الموصول كالمشتق فهو مؤذن بعليته، وجملة يريدون تأكيد لهذه العلية، لأَن الإِخلاص المعنى بقوله يريدون وجهه من أَقوى موجبات الإِكرام المضاد للطرد، ووجه الله، ومعنى إِرادته إِخلاص العمل له تعالى، أَو وجهه جهته، أَى الجهة التى يريد أَن تسلك وهى السبيل الذى أَمرهم به، أَو كناية عن المحبة والرضى، فإِن من أَحبك أَحب أَن يرى ذاتك، أَو ذكر الوجه تعظيم، روى أَنه جاءَ الأَقرَع بن حابس وعيينة وعباس ابن مرداس، قيل: ومعهم بعض قريش فوجدوا النبى صلى الله عليه وسلم جالساً مع ناس من ضعفاء المسلمين كعمار ابن ياسر وصهيب وبلال وخباب وسلمان، فلما رأوهم حوله حقروهم، وقالوا: يا رسول الله لو جلست فى صدر المجلس وأَبعدت عنك هؤلاء ورائحة جبابهم -وكانوا فى جبب من صوف لها رائحة كريهة لمداومة لبسها لعدم غيرها - لجلسنا إِليك، وأَخذنا عنك، كرهوهم لذلك، وكرهوا بعضاً لذلك وكونه مولى كسلمان وبلال وبكر الغنوى، كلهم موال، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: حديث : ما أَنا بطارد المؤمنينتفسير : ، قالوا: فإِنا نحب أَن تجعل لنا مجلساً تعرف به العرب فضلنا، فإِن وفود العرب تأْتيك فنستحى أَن ترانا مع هؤلاء الأَعبد، فإِذا نحن جئناك فأَقمهم عنا، وإِذا فرغنا فاقعد معهم إِن شئت، قال:حديث : نعمتفسير : ، قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً، فأَتى بالصحيفة ودعا علياً ليكتب فنزل جبريل بقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} إِلخ.. فأَلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة، قال عمار: ثم دعانا وهو يقول: سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة، فكنا نقعد معه، فإِذا أَراد أَن يقوم قام وتركنا، فأَنزل الله عز وجل، واصبر نفسك.. الآية، فكان يقعد معنا ولا يقوم وندنو منه حتى كادت ركبتنا تمس ركبته فإِذا بلغ الساعة التي يريد أَن يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم لئلا نثقل عليه، وروى أَنه نهاه الله أَن يطردهم ترضية لقريش، وفيه أَن القصة فى المدينة ولا رأى لهم فيها إِلا من أَخلص الإِيمان منهم، وفيه أَن الأَقرع وعيينة والعباس إِنما دعوا إِلى الإِسلام وكانوا مؤلفة فيها لا فى مكة، وكذا سلمان فى المدينة، وروى أَنهم لما قالوا: أَقم عنك هؤلاء الأَعبد إِذا جئنا، قال عمر رضى الله عنه: لو فعلت حتى تنظر إِلى ماذا يصير أَمرهم، فدعا بالصحيفة وعلى ليكتب فنزل ذلك، وروى أَن عتبة وشيبة ابنى ربيعة، وقرظة بن عمرو بن نوفل ومطعم بن عدى فى أَشراف الكفار من ابن عبد مناف أَتوا أَبا طالب، وقالوا: لو طرد ابن أَخيك هؤلاء الأَعبد والحلفاءَ كان أَعظم له فى صدرونا وأَطوع له عندنا وأَدنى لاتباعنا إِياه وتصديقه، فذكر ذلك أَبو طالب للنبى صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضى الله عنه: لو فعلت يا رسول الله حتى تنظر ما يكون منهم فأنزل الله تعالى: وأَنذر به.. إِلى بالشاكرين، وأَنزل فى أئمة الكفر: وكذلك فتنا بعضهم ببعض. واعتذر عمر من قوله فنزل: وإِذا جاءَك الذين يؤمنون بآياتنا إِلخ.. والحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو وواقد بن عبد الله الحنظلى، وعمرو بن عبد عمرو، ومرثد بن أَبى مرثد ونحوهم، وزادوا فى الطعن على ذلك بأَن قالوا: لا إِيمان فى قلوبهم، بل أَظهروا الإِيمان لتطعموهم وتكسوهم، فنزل قوله تعالى {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ} حساب هؤلاء المؤمنين، ما فى القرآن أَبداً حجازية ولو لم تعمل عمل ليس لتقدم الخبر كما هنا {مِنْ شَىْءٍ، وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} اكتف بظاهر حالهم من الإِيمان، وحساب باطنهم على الله، لا تحاسب بهم ولا يحاسبون بك، بل كلٌّ وعمله واعتقاده، ولعل إِيمانهم ونفعهم فى الإِسلام خير من إِيمان هؤلاء ونفعهم لو آمنوا ونفعوا، وما عليك من حساب رزقهم شىء ولا عليهم من حساب رزقك شىء، وما على الأُمة إِلا الطاعة وما عليك إِلا التبليغ، ورزق كل أَحد على الله، وذلك كما قال قوم نوح: {أية : وما نراك اتبعك إِلا الذين هم أَرذالنا بادى الرأى} تفسير : [هود: 27]، ويجوز عود الهاءين الأَولين لنحو الأَقرع وعيينة، والأَخير لنحو عمار وصهيب، أَى لا تؤاخذ بكفرهم ولا تعاقب ولا يؤاخذون بشأنك، ولا تزر وازرة وزر أُخرى ولا تثاب ثوابها، فضلا عن أَن تطرد المؤمنين طمعاً فى إِيمانهم، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: لا تؤاخذ بحسابهم حتى يهمك إِيمانهم، ويدعوك الحرص عليه إِلى أَن تطرد المؤمنين، وعلى كل حال تكون وما من حسابك زيادة فائدة ومقابلة لما قبله وكأَنهما جملة واحدة، فتطرد منصوب فى جواب نفيهما معاً، وأَما تكون فمنصوب فى جواب لا تطرد، أَى لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه فتكون من الظالمين، ومن الداخلة على شىء فى الموضعين صفة للتأكيد وشىء فاعل لعليك ولعليهم، ولاعتمادها على النفى. ومن حسابك حال من شىء، وكذا من حسابهم، ويجوز جعل شىء مبتدأ ومن حساب حال منه على قول سيبويه بجواز الحال منه، وهذا أَرجح فى قوله ومن من حسابك، ليسلم من القلة فى تقديم الحال على عاملها المعنوى وهو النائب عن ثبت أَو ثابت الرافع المكتفى به عن خبر المبتدأ، أَو خبر ما، وقدم عليك وحسابك لأَنهما خطاب له صلى الله عليه وسلم، ولذلك قرب من رد العجز على الصدر نحو عادات السادات سادات العادات، وذلك تعظيم له صلى الله عليه وسلم، وإِلا فمقتضى الظاهر وما عليهم من حسابك من شىء، وقيل: قدم عليك فى الأُولى قصداً إِلى إِيراد النفى على اختصاص حسابهم به صلى الله عليه وسلم إذ هو الداعى إِلى تصديقه صلى الله عليه وسلم لحسابهم.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ } لما أمر النبـي صلى الله عليه وسلم بإنذار المذكورين لعلهم ينتظمون في سلك المتقين نهي عليه الصلاة والسلام عن كون ذلك بحيث يؤدي إلى طردهم؛ ويفهم من بعض الروايات أن الآيتين نزلتا معاً ولا يفهم ذلك من البعض الآخر، فقد أخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «مر الملأ من قريش على النبـي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك أهؤلاء من الله تعالى عليهم من بيننا أنحن نكون تبعاً لهؤلاء اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فأنزل الله تعالى فيهم القرآن {وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ} [الأنعام: 51] إلى قوله سبحانه: { أية : وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأنعام: 58]. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي في «الدلائل». وغيرهم عن خباب رضي الله تعالى عنه قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدا النبـي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال وصهيب. وعمار وخباب في أناس ضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به فقالوا: نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب له فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا قعوداً مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال: نعم قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً فدعا بالصحيفة ودعا علياً كرم الله تعالى وجهه ليكتب ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بهذه الآية {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ} الخ ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: { أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } تفسير : [الأنعام: 54] فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله تعالى { أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم } تفسير : [الكهف: 28] الخ / فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم. وأخرج ابن المنذر وغيره عن عكرمة قال: مشى عتبة وشيبة ابنا ربيعة وقرظة بن عمرو بن نوفل والحرث بن عامر بن نوفل ومطعم بن عدي في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد والحلفاء كان أعظم له في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه فذكر ذلك أبو طالب للنبـي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لو فعلت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم وما يصيرون إليه من أمرهم فأنزل الله سبحانه {وَأَنذِرْ بِهِ } [الأنعام: 51] إلى قوله سبحانه { أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ } تفسير : [الأنعام: 53] وكانوا بلالاً وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة وصبيحاً مولى أسيد، والحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو ومرثد بن أبي مرثد وأشباههم. ونزل في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء { أية : وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } تفسير : [الأنعام: 53] الآية فلما نزلت أقبل عمر رضي الله تعالى عنه فاعتذر من مقالته فأنزل الله تعالى: { أية : وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا } تفسير : [الأنعام: 54] الآية. والغداة أصله غدوة قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأصل العشي عشوي قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وفاء بالقاعدة، والظاهر أنه مفرد كالعشية وجمعه عشايا وعشيات، وقيل: هو جمع عشية وفيه بعد، ومعنى الأول لغة البكرة أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، ومعنى الثاني آخر النهار، والمراد بهما هٰهنا الدوام كما يقال فعله مساء وصباحاً إذا داوم عليه. والمراد بالدعاء حقيقته أو الصلاة أو الذكر أو قراءة القرآن أقوال. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد أنهما عبارة عن صلاتي الصبح والعصر لأن الزمان كثيراً ما يذكر ويراد به ما يقع فيه كما يقال صلى الصبح والمراد صلاته وقد يعكس فيراد بالصلاة زمانها نحو قربت الصلاة أي وقتها، وقد يراد بها مكانها كما قيل في قوله تعالى: { أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } تفسير : [النساء: 43] أن المراد بالصلاة المساجد، وخصا بالذكر لشرفهما. والأقوال في الدعاء جارية على هذا القول خلا الثاني، وقرأ ابن عامر هنا وفي الكهف [82] (الغدوة) بالواو وهي قراءة الحسن ومالك بن دينار وأبي رجاء العطاردي وغيرهم، وزعم أبو عبيد أن من قرأ بالواو فقد أخطأ لأن غدوة علم جنس لا تدخله الألف واللام، ومنشأ خطئه أنه اتبع رسم الخط لأن الغداة تكتب بالواو كالصلاة والزكاة وقد أخطأ في هذه التخطئة لأن غدوة وإن كان المعروف فيها ما ذكره لكن قد سمع مجيؤها اسم جنس أيضاً منكراً مصروفاً فتدخلها أل حينئذ، وقد نقل ذلك سيبويه عن الخليل، وتصديره بالزعم لا يدل على ضعفه كما يشير إليه كلام الإمام النووي في «شرح مسلم» وذكره جم غفير من أهل اللغة. وذكر المبرد أيضاً عن العرب تنكير غدوة وصرفها وإدخال اللام عليها إذا لم يرد بها غدوة يوم بعينه والمثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وكفى بوروده في القراءة المتواترة حجة فلا حاجة ـ كما قيل ـ إلى التزام أنها علم لكنها نكرت فدخلتها أل لأن تنكير العلم وإدخال أل عليه أقل قليل في كلامهم بل إن تنكير علم الجنس لم يعهد ولا إلى التزام أنها معرفة ودخلتها اللام لمشاكلة العشي كما دخلت على يزيد لمشاكلة الوليد في قوله: شعر : رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً شديداً بأعباء الخلافة كاهله تفسير : لأن هذا النوع من المشاكلة وهو المشاكلة الحقيقية قليل أيضاً، والكثير في المشاكلة المجاز ولا دلالة في / الآية على أنه صلى الله عليه وسلم وقع منه الطرد ليخدش وجه العصمة، والذي تحكيه الآثار أنه عليه الصلاة والسلام هم أن يجعل لأولئك الداعين المتقين وقتاً خاصاً ولأشراف قريش وقتاً آخر ليتآلفوا فيقودهم إلى الإيمان؛ وأولئك رضي الله تعالى عنهم يعلمون ما قصد صلى الله عليه وسلم فلا يحصل لهم إهانة وانكسار قلب منه عليه الصلاة والسلام. {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } في موضع الحال من ضمير {يَدَّعُونَ }. وفي المراد بالوجه عند المؤولين خلاف فقيل ـ وهو المشهور ـ إنه الذات أي مريدين ذاته تعالى، ومعنى إرادة الذات على ما قيل الإخلاص لها بناء على استحالة كون الله تعالى مراداً لذاته سبحانه وتعالى لأن الإرادة صفة لا تتعلق إلا بالممكنات لأنها تقتضي ترجيح أحد طرفي المراد على الآخر وذلك لا يعقل إلا فيها أي يدعون ربهم مخلصين له سبحانه فيه، وقيد بذلك لتأكيد عليته للنهي فإن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد، وقيل: المراد به الجهة والطريق، والمعنى مريدين الطريق الذي أمرهم جل شأنه بإرادته وهو الذي يقتضيه كلام الزجاج، وقيل: «إنه كناية عن المحبة وطلب الرضا لأن من أحب ذاتاً أحب أن يرى وجهه فرؤية الوجه من لوازم المحبة فلهذا [السبب] جعل [الوجه] كناية عنهاـ قاله الإمام وهو كما ترى ـ وجوز أيضاً أن يكون ذكر الوجه للتعظيم كما يقال: هذا وجه الرأي وهذا وجه الدليل، والمعنى يريدونه». {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } ضمير الجمع للموصول السابق كما روي عن عطاء وغالب المفسرين. وجوز في (ما) أن تكون تميمية وحجازية وفي {شَىْءٍ} أن يكون فاعل الظرف المعتمد على النفي و {مِنْ حِسَابِهِم } وصف له قدم فصار حالاً، وأن يكون في موضع رفع بالابتداء والظرف المتقدم متعلق بمحذوف وقع خبراً مقدماً له و {مِنْ} زائدة للاستغراق، وكلام الزمخشري يشير إلى اختياره. والجملة اعتراض وسط بين النهي وجوابه تقريراً له ودفعاً لما عسى أن يتوهم كونه مسوغاً لطرد المتقين من أقاويل الطاعنين في دينهم كدأب قوم نوح عليه السلام حيث قالوا: { أية : مَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْى } تفسير : [هود: 27]، والمعنى ما عليك شيء ما من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة كما يقوله المشركون حتى تتصدى له وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام وإنما وظيفتك حسبما هو شأن منصب الرسالة النظر إلى ظواهر الأمور وإجراء الأحكام على موجبها وتفويض البواطن وحسابها إلى اللطيف الخبير، وظواهر هؤلاء دعاء ربهم بالغداة والعشي وروي عن ابن زيد أن المعنى ما عليك شيء من حساب رزقهم أي من فقرهم، والمراد لا يضرك فقرهم شيئاً ليصح لك الإقدام على ما أراده المشركون منك فيهم. {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْءٍ} عطف على ما قبله، وجيء به مع أن الجواب قد تم بذلك مبالغة في بيان كون انتفاء حسابهم عليه عليه الصلاة والسلام بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلاً وهو انتفاء كون حسابه صلى الله عليه وسلم عليهم فهو على طريقة قوله سبحانه: { أية : فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } تفسير : [الأعراف: 34، والنحل: 61] في رأي. وقال الزمخشري: «إن الجملتين في معنى جملة واحدة تؤدي مؤدى { أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [فاطر: 18] كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه، وحينئذ لا بد من الجملتين»، وتعقب بأنه غير حقيق بجلالة التنزيل. وتقديم خطابه صلى الله عليه وسلم في الموضعين ـ قيل ـ للتشريف له عليه أشرف الصلاة وأفضل السلام وإلا كان الظاهر وما عليهم من حسابك من شيء بتقديم على ومجرورها كما في الأول، وقيل: إن تقديم عليك في الجملة الأولى للقصد إلى إيراد النفي على اختصاص حسابهم به صلى الله عليه وسلم إذ هو الداعي إلى تصديه عليه الصلاة والسلام لحسابهم/ . وذهب بعض المفسرين إلى أن ضمير الجمع للمشركين وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والمعنى إنك لا تؤاخذ بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين، والضمير في قوله سبحانه: {فَتَطْرُدَهُمْ } للمؤمنين على كل حال، والفعل منصوب على أنه جواب النفي، والمراد انتفاء الطرد لا انتفاء كون حسابهم عليه عليه الصلاة والسلام ضرورة انتفاء المسبب لانتفاء سببه كأنه قيل: ما يكون منك ذلك فكيف يقع منك طرد وهو أحد معنيين في مثل هذا التركيب يمتنع ثانيهما هنا. وقوله تعالى: {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } جواب النهي، وجوز الإمام والزمخشري أن يكون عطفاً على {فَتَطْرُدَهُمْ } على وجه التسبب لأن الكون ظالماً معلول طردهم وسبب له. واعترض بأن الاشتراك في النصب بالعطف يقتضي الاشتراك في سبب النصب وهو توقف الثاني على الأول بحيث يلزم من انتفاء الأول انتفاؤه والكون من الظالمين منتف سواء لوحظ ابتداء أو بعد ترتبه على الطرد وجعله مترتباً على الطرد بلا اعتبار كونه مترتباً على المنفي ومنتفياً بانتفائه يفوت وجود سببية العطف. وأجيب بأن الظلم بالطرد يتوقف انتفاؤه على انتفاء الطرد كما لا يتوقف وجوده على وجوده وانتفاء الطرد متوقف على انتفاء كون حسابهم عليه عليه الصلاة والسلام فانتفاء الظلم بالطرد يتوقف على ذلك أيضاً فيلزم من الانتفاء الانتفاء ويتحقق الاشتراك في سبب النصب وهو ظاهر وإنكاره مكابرة. واعترض أيضاً بأن العطف مؤذن بأن عدم الظلم لعدم تفويض الحساب إليه صلى الله عليه وسلم فيفهم منه أنه لو كان حسابهم عليه صلى الله عليه وسلم وطردهم لكان ظلماً وليس كذلك لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه. وأجيب بأنه على حد «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» . وفي «الكشف» في بيان مراد صاحب «الكشاف» أنه أراد أن الطرد سبب للظلم فقيل: ما عليك من حسابهم لتطردهم فتظلم به ويفهم منه أنه لو كان عليه حسابهم لم يكن طرده إياهم ظلماً وذلك لأن الطرد جعل سبباً للظلم على تقدير أن لا يملك حسابهم وعليه لا حاجة إلى جعله على حد ـ نعم العبد ـ الخ بل هو خروج عن الحد، وجوز بعضهم أن يكون الأول جواباً للنهي كما جاز أن يكون جواباً للنفي، ونقل عن «الدر المصون» وقال: الكلام عليه بحسب الظاهر ولا تطردهم فتطردهم وهو كما ترى. وجعل بعضهم اجتماع ذينك النفيين السابقين على هذا الجواب من قبيل التنازع خلا أنه لا يمكن كون الجواب للثاني بوجه أصلاً إذ يلزم المعنى حينئذ أنه لو كان عليهم شيء من حسابه عليه الصلاة والسلام كان طرده إياهم حسناً وهو خلف لا يجوز حمل القرآن عليه وليس في هذا خروج عن مختار البصريين لإعمال الثاني لأن شرطه عندهم أن يكون المعنى مستقيماً فيهما فإن لم يستقم أعمل الأول اتفاقاً كما في قوله: شعر : ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال تفسير : وأنت إذا علمت أن الجملة الثانية لماذا أتى بها علمت ما في هذا الكلام فافهم؛ وأياً ما كان فالمراد فتكون من الظالمين لأنفسهم أو لأولئك المؤمنين أو فتكون ممن اتصف بصفة الظلم.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {أية : وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربّهم}تفسير : [الأنعام: 51] لأنّه في معنى أنذرهم ولازمهم وإن كره ذلك متكبّرو المشركين. فقد أجريت عليهم هنا صلة أخرى هي أنسب بهذا الحكم من الصلة التي قبلها، كما أنّ تلك أنسبُ بالحكم الذي اقترنت معه منها بهذا، فلذلك لم يُسلك طريق الإضمار، فيقال: ولا تَطْردْهُم، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم جاء داعياً إلى الله فأولى الناس بملازمته الذين هجيّراهم دعاء الله تعالى بإخلاص فكيف يطردهم فإنّهم أولى بذلك المجلس، كما قال تعالى: {أية : إنّ أولى الناس بإبراهيم للّذين اتَّبعوه}تفسير : [آل عمران: 68]. روى مسلم عن سعد بن أبي وقَّاص قال: كنَّا مع النَّبيء ستة نفر، فقال المشركون للنبيء: أطرد هؤلاء لا يَجْتَرئُون علينا. قال: وكنت أنا، وابن مسعود، ورجل من هُذيل، وبلال، ورجلان، لست أسمِّيهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه فأنزل الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} اهــ. وسمّى الواحدي بقيّة الستَّة: وهم صهيب، وعمّار بن ياسر، والمقدادُ بن الأسود، وخبّاب بن الأرتّ. وفي قول ابن مسعود «فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله» إجمال بيِّنه ما رواه البيهقي أنّ رؤساء قريش قالوا لرسول الله: لو طردت هؤلاء الأعْبُدَ وأرواحَ جِبَابِهم (جمع جُبّة) جَلَسْنا إليك وحادثناك. فقال: ما أنا بطارد المؤمنين. فقالوا: فأقمهم عنّا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال: نعم، طَعماً في إيمانهم. فأنزل الله هذه الآية. ووقع في «سنن» ابن ماجة عن خبَّاب أنّ قائل ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم الأقْرعُ بن حابس وعُبَيْنَةُ بن حِصْن، وأنّ ذلك سبب نزول الآية، وقال ابن عطية: هو بعيد لأنّ الآية مكية. وعيينة والأقرع إنَّما وفَدا مع وفد بني تميم بالمدينة سنة الوفود. اهــ. قلت: ولعلّ ذلك وقع منهما فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية التي نزلت في نظير اقتراحهما. وفي سنده أسباط بن نصر أو نضر، ولم يكن بالقوي، وفيه السديّ ضعيف. وروي مثله في بعض التفاسير عن سلمان الفارسي، ولا يعرف سنده. وسمّى ابنُ إسحاق أنَّهم المستضعفون من المؤمنين وهم: خبَّاب، وعمَّار، وأبُو فُكيهة، يسار مَولى صفوان بن أمية بن مُحرّث، وصهيب وأشباههم، وأنّ قريشاً قالوا: {أية : أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا}تفسير : [الأنعام: 53]. وذكر الواحدي في «أسباب النزول»: أنّ هذه الآية نزلت في حياة أبي طالب. فعن عكرمة قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومُطعِم بن عدي، والحارثُ بن نوفل، في أشراف بني عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أنّ ابن أخيك محمداً يَطرد عنه موالينا وعبيدنا وعتقاءنا كان أعظم من صدورنا وأطمع له عندنا وأرجى لاتِّبَاعِنا إيَّاه وتصديقنا له. فأتى أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدّثه بالذي كلَّموه، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتَّى ننظر ما الذي يريدون وإلامَ يصيرون من قولهم، فأنزل الله هذه الآية. فلمّا نزلت أقبل عمر يعتذر. والمعنى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرصه على إيمان عظماء قريش ليكونوا قدوة لقومهم ولعلمه بأنّ أصحابه يحرصون حرصه ولا يوحشهم أن يقاموا من المجلس إذا حضره عظماء قريش لأنّهم آمنوا يريدون وجه الله لا للرياء والسمعة ولكن الله نهاه عن ذلك. وسمَّاه طرداً تأكيداً لمعنى النهي، وذلك لحكمة: وهي كانت أرجح من الطمع في إيمان أولئك، لأنّ الله اطّلع على سرائرهم فعلم أنّهم لا يؤمنون، وأراد الله أن يظهر استغناء دينه ورسوله عن الاعتزاز بأولئك الطغاة القساة، وليظهر لهم أنّ أولئك الضعفاء خير منهم، وأنّ الحرص على قربهم من الرسول صلى الله عليه وسلم أولى من الحرص على قرب المشركين، وأنّ الدين يرغب الناس فيه وليس هو يرغب في الناس كما قال تعالى: {أية : يمنّون عليك أنْ أسلموا قُل لا تَمنُوا عليّ إسلامكم بلْ اللّهُ يَمُنّ عَلَيْكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين}تفسير : [الحجرات: 17]. ومعنى {يدعون ربّهم} يعلنون إيمانهم به دون الأصنام إعلاناً بالقول، وهو يستلزم اعتقاد القائل بما يقوله، إذ لم يكن يومئذٍ نفاق وإنَّما ظهر المنافقون بالمدينة. والغداة: أوّل النهار. والعشيّ من الزوال إلى الصباح. والباء للظرفية. والتعريف فيهما تعريف الجنس. والمعنى أنّهم يدعون الله اليوم كلّه. فالغداة والعشي قصد بهما استيعاب الزمان والأيام كما يقصد بالمشرق والمغرب استيعاب الأمكنة. وكما يقال: الحمد لله بكرة وأصيلاً، وقيل: أريد بالدعاء الصلاة. وبالغداة والعشي عموم أوقات الصلوات الخمس. فالمعنى ولا تطرد المصلّين، أي المؤمنين. وقرأ الجمهور {بالغَداة} ـــ بفتح الغين وبألف بعد الدال ـــ. وقرأه ابن عامر ـــ بضمّ الغين وسكون الدال وبواو ساكنة بعد الدال ـــ وهي لغة في الغَدَاة. وجملة {يريدون وجهه} حال من الضمير المرفوع في {يدعون}، أي يدعون مخلصين يريدون وجه الله، أي لا يريدون حظاً دنيوياً. والوجه حقيقة الجزء من الرأس الذي فيه العينان والأنف والفم. ويطلق الوجه على الذات كلّها مجازاً مرسلاً. والوجه هنا مستعار للذات على اعتبار مضاف، أي يريدون رضى الله، أي لا يريدون إرضاء غيره. ومنه قوله تعالى: {أية : إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً}تفسير : [الإنسان: 9]، وقوله: {أية : فأينما تولّوا فثمّ وجهُ الله}تفسير : ، وتقدّم في سورة [البقرة: 115]. فمعنى { يريدون وجهه} أنَّهم آمنوا ودعوا الله لا يريدون بذلك عرضاً من الدنيا. وقد قيل: إنّ قريشاً طعنوا في إيمان الضعفاء ونسبوهم إلى النفاق، إلاّ أنّ هذا لم يرد به أثر صحيح، فالأظهر أنّ قوله {يريدون وجهه} ثناء عليهم بكمال إيمانهم، وشهادة لهم بأنَّهم مجرّدون عن الغايات الدنيوية كلّها، وليس المقصود به الرّدّ على المشركين. وجملة {ما عليك من حسابهم من شيء} تعليل للنهي عن طردهم، أو إبطال لعلّة الهَمّ بطردهم، أو لعلَّة طلب طردهم. فإنّ إبطال علَّة فعل المنهي عنه يؤول إلى كونه تعليلاً للنهي، ولذا فصلت هذه الجملة. والحسابُ: عَدّ أفراد الشيء ذي الأفراد ويطلق على إعمال النظر في تمييز بعض الأحوال عن بعض إذا اشتبهت على طريقة الاستعارة بتشبيه تتبّع الأحوال بعَدّ الأفراد. ومنه جاء معنى الحِسْبةَ ـــ بكسر الحاء ـــ، وهي النظر في تمييز أحوال أهل السوق من استقامة وضدّها. ويقال: حاسبَ فلاناً على أعماله إذا استقراها وتتبّعها. قال النابغة: شعر : يُحاسِبُ نفسه بِكَمْ اشتراها تفسير : فالحساب هنا مصدر حاسب. والمراد به تتبّع الأعمال والأحوال والنظر فيما تقابل به من جزاء. وضمير الجمع في قوله: {من حسابهم} وقوله {وما من حسابك عليهم} يجوز أن يكونا عائدين إلى {الذين يَدْعون ربّهم} وهو مَعَاد مَذْكور، وهو المناسب لتناسق الضمائر مع قوله {فتطردهم}. فالمعنى أنَّهم أهل الحقّ في مجلسك لأنَّهم مؤمنون فلا يطردون عنه وما عليك أن تحسب ما عدا ذلك من الأمور العارضة لهم بزعم المشركين، وأنّ حضور أولئك في مجلسك يصدّ كبراء المشركين عن الإيمان، أي أنّ ذلك مدحوض تجاه حقّ المؤمنين في مجلس رسولهم وسماع هديه. وقيل معنى: {ما عليك من حسابهم} أنّ المشركين طعنوا في إخلاص هؤلاء النفر، قالوا: يا محمد إنّ هؤلاء إنّما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنَّهم يجدون مأكولاً وملبوساً عندك، فقال الله تعالى: ما يلزمك إلاّ اعتبار ظاهرهم وإن كان لهم باطن يخالفه فحسابهم على الله، أي إحصاء أحوالهم ومناقشتهم عليها على نحو قول نوح {أية : إنْ حسابُهم إلاّ على ربِّي لو تَشعرون}تفسير : [الشعراء: 113]. فمعنى حسابهم على هذا الوجه تمحيص نياتهم وبواطنهم. والقصد من هذا تبكيتُ المشركين على طريقة إرخاء العنان، وليس المراد استضعاف يقين المؤمنين. و{حسابهم} على هذا الوجه من إضافة المصدر إلى مفعوله. ويجوز أن يكون الضميران عائدين إلى غير مذكور في الكلام ولكنّه معلوم من السياق الذي أشار إليه سبب النزول، فيعود الضميران إلى المشركين الذين سألوا طَرد ضعفاء المؤمنين من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ضمير {فتطردهم} عائداً إلى المؤمنين. ويختلف معاد الضميرين اعتماداً على ما يعيِّنه سياق الكلام، كقوله تعالى: {أية : وعَمَرُوها أكثر ممَّا عمروها}تفسير : [الروم: 9]، وقول عباس بن مرداس في وقعة حنين: شعر : عُدْنَا ولولا نَحْنُ أحْدَقَ جَمعُهم بالمسلمين وأَحرَزُوا ما جَمَّعُوا تفسير : أي أحرز المشركون ما جمعه المسلمون من الغنائم. والمعنى: ما عليك من حساب المشركين على الإيمان بِك أو على عدم الإيمان شيء، فإنّ ذلك موكول إليّ فلا تظلم المؤمنين بحرمانهم حقّاً لأجل تحصيل إيمان المشركين، فيكون من باب قوله تعالى: {أية : إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أوْلَى بهما فلا تتَّبعوا الهوى أن تعدلوا}تفسير : [النساء: 135]. وعلى هذا الوجه يجوز كون إضافة {حسابهم} من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي محاسبتك إيّاهم. ويجوز كونها من إضافته إلى فاعله، أي من حساب المشركين على هؤلاء المؤمنين فقرَهم وضعفهم. و{عليك} خبر مقدّم. و(على) فيه دالّة على معنى اللزوم والوجوب لأنّ الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ همّ أو كان بحيث يهمّ بإجابة صناديد قريش لما سألوه، فيكون تنبيهاً على أنّ تلك المصلحة مدحوضة. و(منْ) في قوله: {من شيء} زائدة لتوكيد النفي للتنصيص على الشمول في سياق النفي، وهو الحرف الذي بتقديره بُني اسم (لا) على الفتح للدلالة على إرادة نفي الجنس. وتقديم المسنَدَين على المسند إليهما في قوله {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} تقديم غير واجب لأنّ للابتداء بالنكرتين هنا مسوّغاً، وهو وقوعهما في سياق النفي، فكان تقديم المجرورين هنا اختيارياً فلا بدّ له من غرض. والغرض يحتمل مجرّدَ الاهتمام ويحتمل الاختصاص. وحيث تأتّى معنى الاختصاص هنا فاعتباره أليق بأبلغ كلام، ولذلك جرى عليه كلام «الكشاف». وعليه فمعنى الكلام قصر نفي حسابهم على النبي صلى الله عليه وسلم ليفيد أنّ حسابهم على غيره وهو الله تعالى. وذلك هو مفاد القصر الحاصل بالتقديم إذا وقع في سياق النفي، وهو مفاد خِفي على كثير لقلّة وقوع القصر بواسطة التقديم في سياق النفي. ومثالُه المشهور قوله تعالى: {أية : لا فيها غوْل}تفسير : [الصافات: 47] فإنَّهم فسّروه بأنّ عدم الغول مقصور على الاتِّصاف بفِي خمور الجنَّة، فالقصر قصر قلب. وقد اجتمع في هذا الكلام خمسة مؤكِّدات. وهي (مِنْ) البيانية، و(مِنْ) الزّائدة، وتقديم المعمول، وصيغة الحصر في قوله: {ما عليك من حسابهم من شيء}، والتأكيدُ بالتَّتميم بنفي المقابل في قوله: {وما من حسابك عليهم من شيء}، فإنَّه شبيه بالتوكيد اللفظي. وكلّ ذلك للتنصيص على منتهى التبرئة من محاولة إجابتهم لاقتراحهم. ويُفيد هذا الكلام التعريضَ برؤساء قريش الذين سألوا إبعاد الفقراء عن مجلس الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ حين ما يحضرون وأوهموا أنّ ذلك هو الحائل لهم دون حضور مجلس الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ والإيمان به والكون من أصحابه، فخاطب الله رسوله بهذا الكلام إذ كان الرسول هو المسؤول أن يقضي أصحابَه عن مجلسه ليعلم السائلون أنّهم سألوه ما لا يقع ويعلموا أنّ الله أطْلَع رسوله صلى الله عليه وسلم على كذبهم، وأنّهم لو كانوا راغبين في الإيمان لما كان عليهم حساب أحوال الناس ولاشتغلوا بإصلاح خُوَيْصتِهم، فيكون الخطاب على نحو قوله تعالى: {أية : لئن أشركتَ ليحبطنّ عَمَلُك}تفسير : [الزمر: 65]. وقد صرّح بذلك في قوله بعدُ {أية : ولتستبين سبيل المجرمين}تفسير : [الأنعام: 55]. وإذ كان القصر ينحلّ على نسبتي إثبات ونفي فالنسبة المقدّرة مع القصر وهي نسبة الإثبات ظاهرة من الجمع بين ضمير المخاطب وضمير الغائبين، أي عدم حسابهم مقصور عليك، فحسابهم على أنفسهم إذ كلّ نفس بما كسبت رهينة. وقد دلّ على هذا أيضاً قوله بعده {ومَا من حسابك عليهم من شيء} فإنّه ذُكر لاستكمال التعليل، ولذلك عطف على العلّة، لأنّ مجموع مدلول الجملتين هو العلّة، أي حسابهم ليس عليك كما أنّ حسابك ليس عليهم بل على نفسك، إذ كلّ نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازرة وزْر أخرى. فكما أنّك لا تنظُر إلاّ إلى أنَّهم مؤمنون، فهم كذلك لا يطلب منهم التفريط في حق من حقوق المؤمنين لتسديد رغبة منك في شيء لا يتعلّق بهم أو لتحصيل رغبة غيرهم في إيمانه. وتقديم المسند على المسند إليه هنا كتقديمه في نظيره السابق. وفي قوله: {وما من حسابك عليهم من شيء} تعريض بالمشركين بأنَّهم أظهروا أنّهم أرادوا بطرد ضعفاء المؤمنين عن مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم النصح له ليكتسب إقبال المشركين عليه والإطماع بأنَّهم يؤمنون به فيكثر متَّبعوه. ثم بهذا يظهر أن ليس المعنى: بل حسابهم على الله وحسابك على الله، لأنّ هذا غير مناسب لسياق الآية، ولأنَّه يصير به قوله: {وما من حسابك عليهم من شيء} مستدركاً في هذا المقام، ولذلك لم يتكرّر نظير هذه الجملة الثانية مع نظير الجملة الأولى فيما حكى الله عن نوح {أية : إن حسابهم إلاّ على ربِّي}تفسير : في سورة [الشعراء: 113] لأنّ ذلك حكي به ما صدر من نوح وما هنا حكي به كلام الله تعالى لرسوله، فتنبّهْ. ويجوز أن يكون تقديم المسند في الموضعين من الآية لمجرّد الاهتمام بنفي اللزوم والوجوب الذي دلّ عليه حرف (على) في الموضعين لا سيما واعتبار معنى القصر في قوله وَمَا مِن حسابك عليهم من شيء} غيرُ واضح، لأنَّنا إذا سلَّمنا أن يكون للرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ شِبْه اعتقاد لزوممِ تتَّبع أحوالهم فقُلب ذلك الاعتقاد بالقصر، لا نجد ذلك بالنسبة إلى {الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشي} إذ لا اعتقاد لهم في هذا الشأن. وقدّم البيان على المبيَّن في قوله: {وما من حسابك عليهم من شيء} لأنّ الأهمّ في المقامين هو ما يختصّ بالمخاطب المعرِّضُ فيه بالذين سألوه الطرد لأنَّه المقصود بالذات، وإنَّما جيء بالجملة الثانية لاستكمال التعليل كما تقدّم. وقوله: {فتطردهم} منصوب في جواب النهي الذي في قوله: {ولا تطرُد الذين يدعون ربَّهم}. وإعادة فعل الطرد دون الاقتصار على قوله: {فتكونَ من الظالمين}، لإفادة تأكيد ذلك النهي وليبنى عليه قوله {فتكون من الظالمين} لوقوع طول الفصل بين التفريع والفرّع عليه. فحصل بإعادة فعل {فتطردهم} غرضان لفظي ومعنوي. على أنَّه يجوز أن يجعل {فتطردهم} منصوباً في جواب النفي من قوله: {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء}، أي لا تطردهم إجابة لرغبة أعدائهم. وقوله: {فتكون من الظالمين} عطف على {فتطردهم} متفرّع عليه، أي فتكون من الظالمين بطردهم، أي فكونه من الظالمين منتف تبعاً لانتفاء سببه وهو الطرد. وإنَّما جُعل طردهم ظلماً لأنَّه لما انتفى تكليفه بأن يحاسبهم صار طردهم لأجل إرضاء غيرهم ظلماً لهم. وفيه تعريض بالذين سألوا طردهم لإرضاء كبريائهم بأنَّهم ظالمون مفطرون على الظلم؛ ويجوز أن يجعل قوله: {فتكون من الظالمين} منصوباً في جواب النهي، ويجعل قوله {فتطردهم} جيء به على هذا الأسلوب لتجديد ربط الكلام لطول الفصل بين النهي وجوابه بالظرف والحال والتعليل؛ فكان قوله {فتطردهم} كالمقدّمة لقوله {فتكون من الظالمين} وليس مقصودٌ بالذات للجوابية؛ فالتقدير: فتكون من الظالمين بطردهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}. نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نبيه صلى الله عليه وسلم عن طرد ضعفاء المسلمين وفقرائهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وأمره في آية أخرى أن يصبر نفسه معهم، وأن لا تعدو عيناه عنهم إلى أهل الجاه والمنزلة في الدنيا، ونهاه عن إطاعة الكفرة في ذلك وهي قوله: {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} تفسير : [الكهف: 28] كما أمره هنا بالسلام عليهم، وبشارتهم برحمة ربهم جل وعلا في قوله: {أية : وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} تفسير : [الأنعام: 54]، الآية، وبين في آيات أخر أن طرد ضعفاء المسلمين الذي طلبه كفار العرب من نبينا صلى الله عليه وسلم فنهاه الله عنه، طلبه أيضاً قوم نوح من نوح، فأبى كقوله تعالى عنه: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} تفسير : [هود: 29] الآية، وقوله: {أية : وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ} تفسير : [هود: 30] الآية، وقوله: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 114]، وهذا من تشابه قلوب الكفار المذكور في قوله تعالى: {أية : تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} تفسير : [البقرة: 118]، الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِٱلْغَدَاةِ} {ٱلظَّالِمِينَ} (52) - وَلا تُبعِدْ يَا أيُّهَا الرَّسُولُ المُؤْمنينَ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، وَيُصَلُّونَ إِليهِ صَبَاحَ مَسَاءَ، وَيَدْعُونَهُ لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ رِضَا رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَتِهِ، فَلَيْسَ عَلَيكَ أَنْتَ مِنَ حَسَابِهِمْ مِنْ شَيءٍ، إِنَّمَا حِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ، فَإِذَا أَبْعَدْتَهُمْ وَطَرَدْتَهُم مِنْ مَجْلِسِكَ كُنْتَ مِنَ الظَّالِمِينَ. (وَرُوِيَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ هذِهِ الآيَةِ: أَنَّ نَفَراً مِنْ كِبَارِ قُرَيْشٍ مَرُّوا بِِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَوَجَدُوهُ قَاعِداً مَعَ أُنَاسٍ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ وَضُعَفَائِهِمْ: صُهَيْبٍ وَعَمَّارٍ وَبِلاَلٍ وَخَبَّابٍ فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ: أَرَضِيتَ بِهؤلاءِ مِنْ قَوْمِكَ؟ أَهَؤُلاَءِ الذِينَ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا؟ أَنَحْنُ نَصِيرُ تَبَعاً لِهَؤلاءِ؟ اطْرُدْهُمْ فَلَعَلَّكَ إِنْ طَرَدْتَهُمْ نَتْبَعْكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةِ. الغَدَاةُ - أوَّلُ النَّهَارِ. العَشِيِّ - آخِرِهِ (أَيْ ادْعُ رَبَّكَ بِصُورَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نعرف أن الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان واستعمره في الأرض، وجعله طارئاً على هذا الوجود الذي أودع الله له فيه كل ما يلزمه من مقومات حياته وإسعاده. وأراد الحق من البشر أن يكون فيهم استطراق عبودي بحيث لا يوجد متعال على مستضعف، ولا يوجد طاغ على مظلوم، حتى تستقيم حركة الحياة استقامة يعطي فيها كل فرد على قدر ما هيئ له من مواهب. فإذا ما اختل ميزان الاستطراق البشري ردهم الحق سبحانه وتعالى إلى دليل لا يمكن أن يطرأ عليه شك، والدليل هو أنكم أيها البشر تساويتم في أصل الوجود من تراب، وتساويتم في العودة إلى التراب، وتتساوون في موقفكم يوم القيامة للحساب، فلماذا تختلفون في بقية أموركم؟ إن التساوي يجب أن يوجد. وها هوذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن تهتدي الأمة وكان يكلف نفسه فوق ما يكلفه به ربه، فيعاتبه ربه لأنه كان يشق على نفسه حرصا على إيمان قومه. وقد يظن بعض الناس أن عتاب الله لنبيه لتقصير، ونرد على هؤلاء: ليفهم الإنسان منكم هذا اللون من العتاب على وجهه الحقيقي، فهناك فرق بين عتاب لمصلحة المعتاب، وعتاب للومه وتوبيخه؛ لأن المعاتَب خالف وعصى، ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت في يومك العادي إن نظرت إلى ابنك فوجدته يلعب ولا يذهب إلى المدرسة ولا يستذكر دروسه، فأنت تعاتبه وتؤنبه لأنه خالف المطلوب منه، ولكنك إن وجدت ابنك يضع كل طاقته ويصرف ويقضي أوقات راحته في المذاكرة. فأنت تطلب منه ألاّ يكلف نفسه كل هذا العناء، وتخطف منه الكتاب وتقول له: اذهب لتستريح. أنت في هذه الحالة تلومه لمصلحته هو، فكأن اللوم والعتاب له لا عليه. إذن قد حُلّ هذا الإشكال الذي يقولون فيه: إن الله كثيراً ما عاتب رسوله، ونوضح أن الحق قد عاتب الرسول له لا عليه؛ لأن الرسول وجد طريق الإيمان برسالته يسيرا سيرا سهلاً بين الضعفاء، ولكنه شغل نفسه وأجهدها رجاء أن يتذوق المستكبرون المتجبرون حلاوة الإيمان، وجاء في ذلك قول الحق: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ} تفسير : [عبس: 1-7]. إذن فالعتاب هنا لصالح من؟ إنه عتاب لصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحين يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التحريم: 1]. إن الآية تشير إلى أمر أغضب النبي صلى الله عليه وسلم، فامتنع عن بعض ما ترغب فيه النفس البشرية من أمور حللها الله. والعتاب هنا أيضاً لصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولشدة حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية القوم أجمعين، كان يحب أن يعامل الطغاة بشيء من اللين ليتألف قلوبهم. ولكن الطغاة لا يريدون أن يتساووا مع المستضعفين، فقد مرّ الملأ من قريش ووجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خبّاب بن الأرتّ وصهيباً وبلالاً وعماراً وسلمان الفارسي وهم من المستضعفين، فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منَّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعا لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. وكأنهم يقولون له: إنك قد اكتفيت بهؤلاء الضعفاء وتركتنا نحن الأقوياء ولن نجلس معك إلا أن تبعد هؤلاء عنك لنجلس، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ببديهية الإيمان إلا أن قال: ما أنا بطارد المؤمنين. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف أن هناك من أمثالهم من قالوا لغيره من الأنبياء مثل قولهم. فقد قال قوم نوح عليه السلام له ما حكاه القرآن الكريم: {أية : فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} تفسير : [هود: 27]. وحاول بعض من أهل الكفر أن يعرضوا موقفاً وسطاً على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إذا نحن جئنا فأقمهم من عندك لنجلس معك فإذا قمنا من عندك فاجعلهم يجلسون. ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الرأي حلا وسطاً يمكن أن يقرب بين وجهات النظر، واستشار صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال عمر: لو فعلت حتى ننظر ما الذي يريدون. وطالب أهل الكفر من أثرياء قريش أن يكتب لهم رسول الله كتاباً بذلك، وجيء بالدواة والأقلام، وقبل الكتابة نزل قول الله: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52]. ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحيفة التي جيء بها ليكتبوا عليها كلاماً يفصل بين جلوس سادة قريش إلى مجلس رسول الله وجلوس الضعفاء أتباع رسول الله. والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما مال إلى ذلك من الكتابة طمعا في إسلام هؤلاء المشركين وإسلام قومهم بإسلامهم رحمة بهم وشفقة عليهم، ورأى - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك لا يفوت أصحابه شيئا ولا ينقص لهم قدراً فمال إليه فأنزل الله الآية ونهاه عما همّ به من الطرد، لا لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد أوقع ذلك وطردهم وأبعدهم، ثم دعا بعد ذلك بالضعفاء فأتوه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يجلس مع المستضعفين، وإن أحب - صلى الله عليه وسلم - أن يقوم من المجلس قام، ولكن الله أراده أن يكرم هؤلاء القوم المستضعفين بعد أن نهاه عن طردهم، وأن يكرمهم سبحانه بما أُهيجوا فيه، وجاء أمر إلهي آخر بألا يقوم رسول الله من مجلسه مع المستضعفين حتى يقوموا هم، فقال الحق تبارك وتعالى: {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} تفسير : [الكهف: 28]. وعندما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم ". تفسير : وبهذا القول الكريم أراد الحق سبحانه وتعالى إكرام الضعفاء والمستضعفين. ويقول سلمان الفارسي وخباب بن الأرت فينا نزلت، فكان - رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقعد معنا ويدنو منا حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم} فترك القيام عنا إلى أن نقوم فكنا نعرف ذلك ونعجله القيام. أي أنهم هم الذين كانوا يقومون أولاً من مجلس رسول الله، فقول الحق: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} هذا هو قول الله - سبحانه - أمر به رسول الله ومأمور به كذلك كل إنسان من بعد رسول الله، وفي هذا قمة التكريم للدائمين على ذكر الله من المستضعفين؛ لأنهم أهل محبة الإيمان وهم الذين سبقوا إليه. وها هوذا أحد خلفاء المسلمين وقد جاءه صناديد العرب الذين أسلموا، واستأذنوا في الدخول إليه، فلم يأذن لهم حتى أذن لضعفاء المسلمين. فورم أنف كل واحد من هؤلاء الصناديد وقالوا: - أيأذن لهؤلاء ويتركنا نحن؟ لقد صرنا مسلمين. فقال قائل منهم يفهم ويفقه أمر الدين: أكلكم ورم أنفه أن يؤذن لهؤلاء قبلكم، لقد دعوا فأجابوا، ودعيتم فتباطأتم، فكيف بكم إذا دعوا إلى دخول الجنة وأُبطئ دخولكم. إنّ هؤلاء الضعفاء يريدون بالطاعة وجه الله، وكلمة "وجه الله" تدل على أن الإيمان قد أُشْرِب في قلوبهم، وأنهم جاءوا إلى الإيمان فِراراً بدينهم من ظلم الظالمين وطغيان الطغاة الذين كانوا يريدونهم على الكفر والضلال. إنهم قد حلا لهم الإيمان، وحلا لهم وجه الله، وحلا لهم أن يؤجل لهم كل الثواب إلى الآخرة. وحين نسمع قول الحق: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} فهذا وصف لله بأنّه - جل شأنه - له وجه، ونطبق في هذه الحالة ما نطبقه إذا سمعنا وصفاً لله، إننا نأخذ الوصف في إطار قوله الحق: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. ويطلق الوجه ويراد به الذات، لأن الوجه هو السمة المميزة للذوات. فأنت إن قابلت أناساً قد غطوا وجوههم واستغشوا ثيابهم وستروا بها رءوسهم فلن تستطيع التمييز بينهم. ويقال: فلان قابل وجوه القوم. أي التقى بالكبار في القوم. والحق سبحانه وتعالى يقول: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}، ويقول الحق سبحانه: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} وفي هذا القول حرص على كرامة المستضعفين؛ فقد يقول قائل: لقد استجار هؤلاء الضعفاء بالدين حتى يفروا من ظلم الظالمين وليس حباً في الدين، فيوضح الحق: ليس هذا عملك، وليس لك إلا أن تأخذ ظاهر أعمالهم وأن تكل سرائرهم إلى الله. {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52]. وكأن الحق يوضح لرسوله: لو كان عليك من حسابهم شيء لجاز لك أن تطردهم، ولكن أنت يا رسول الله تعلم أن كل واحد مجْزىٌّ بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وقد أنزل الله عليك القول الحق: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}. إذن فلكل إنسان كتابه. قد سطر وسجّل فيه عمله ويجازي بمقتضى هذا، ويقول الحق من بعد ذلك: {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ...}
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 265 : 4 : 5 - سفين عن المقدام بن شريح عن أبيه قال، قال سعد، نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم. منهم إبن مسعود. قال، كنا نسبق الى النبي، صلى الله عليه وسلم، وندنو منه - فقالت قريش: "تدني هؤلآء وتنحينا". فكان للنبي، صلى الله عليه وسلم، همّ - فنزلت: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} الى آخر الآية. [الآية 52].
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى:{وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [52] 183- أخبرنا محمد بن بشار، نا عبد الرحمن، نا سفيان، عن المِقدام بن شُريح، عن أبيه، عن سعد في هذه الآية {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} قال: نزلت في ستة: أنا وابن مسعود فيهم، فنزلت: أن ائذن لهؤلاء.
همام الصنعاني
تفسير : 797- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}: [الآية: 52]، قال عُيَيْنة بن حصن للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن سَرَّك أن نتبعكَ فاطْرُدْ عنك فُلاناً وفُلاَناً، فإنه آذاني رِيحُهُمْ، يعني بِلاَلاً وسلمانا وصُهَيْباً وناساً مِنْ ضعفاء المسلمين، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}؟
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):