Verse. 842 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَہُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُوْلُوْۗا اَہٰۗؤُلَاۗءِ مَنَّ اللہُ عَلَيْہِمْ مِّنْۢ بَيْنِنَا۝۰ۭ اَلَيْسَ اللہُ بِاَعْلَمَ بِالشّٰكِرِيْنَ۝۵۳
Wakathalika fatanna baAAdahum bibaAAdin liyaqooloo ahaolai manna Allahu AAalayhim min baynina alaysa Allahu biaAAlama bialshshakireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكذلك فَتنَا» ابتلينا «بعضهم ببعض» أي الشريف بالوضيع والغني بالفقير بأن قدَّمناه بالسبق إلى الإيمان «ليقولوا» أي الشرفاء والأغنياء منكرين «أهؤلاء» الفقراء «منَّ الله عليهم من بيننا» بالهداية أي لو كان ما هم عليه هدى ما سبقونا إليه قال تعالى: «أليس الله بأعلم بالشاكرين» له فيهديهم: بلى.

53

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: أعلم أنه تعالى بيّـن في هذه الآية أن كل واحد مبتلى بصاحبه، فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين في الإسلام مسارعين إلى قبوله فقالوا: لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين وأن نعترف لهم بالتبعية، فكان ذلك يشق عليهم. ونظيره قوله تعالى: {أية : أءُلْقِىَ الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا } تفسير : [القمر: 25] {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } تفسير : [الأحقاف: 11] وأما فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحات والمسرات والطيبات والخصب والسعة، فكانوا يقولون كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء مع أنا بقينا في هذه الشدة والضيق والقلة. فقال تعالى: {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } فأحد الفريقين يرى الآخر متقدماً عليه في المناصب الدينية والفريق الآخر يرى الفريق الأول متقدماً عليه في المناصب الدنيوية، فكانوا يقولون أهذا هو الذي فضله الله علينا، وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله تعالى فهو حق وصدق وحكمة وصواب ولا اعتراض عليه، إما بحكم المالكية على ما هو قول أصحابنا أو بحسب المصلحة على ما هو قول المعتزلة، فكانوا صابرين في وقت البلاء، شاكرين في وقت الآلاء والنعماء وهم الذين قال الله تعالى في حقهم {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ }. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من وجهين: الأول: أن قوله {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } تصريح بأن إلقاء تلك الفتنة من الله تعالى، والمراد من تلك الفتنة ليس إلا اعتراضهم على الله في أن جعل أولئك الفقراء رؤساء في الدين والاعتراض على الله كفر وذلك يدل على أنه تعالى هو الخالق للكفر. والثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا {أَهَـٰؤُلاء مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } والمراد من قوله {مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } هو أنه مَنَّ عليهم بالإيمان بالله ومتابعة الرسول، وذلك يدل على أن هذه المعاني إنما تحصل من الله تعالى لأنه لو كان الموجد للإيمان هو العبد، فالله ما منّ عليه بهذا الإيمان، بل العبد هو الذي منّ على نفسه بهذا الإيمان، فصارت هذه الآية دليلاً على قولنا في هذه المسألة من هذين الوجهين: أجاب الجبائي عنه، بأن الفتنة في التكليف ما يوجب التشديد، وإنما فعلنا ذلك ليقولوا أهؤلاء؟ أي ليقول بعضهم لبعض استفهاماً لا إنكاراً {أَهَـٰؤُلاء مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } بالإيمان؟ وأجاب الكعبي عنه بأن قال: {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } ليصبروا أو ليشكروا، فكان عاقبة أمرهم أن قالوا {أَهَـٰؤُلاء مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } على ميثاق قوله {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص: 8] والجواب عن الوجهين أنه عدول عن الظاهر من غير دليل لا سيما والدليل العقلي قائم على صحة هذا الظاهر، وذلك لأنه لما كانت مشاهدة هذه الأحوال توجب الأنفة، والأنفة توجب العصيان والاصرار على الكفر، وموجب الموجب موجب، كان الالزام وارداً، والله أعلم. المسألة الثالثة: في كيفية افتتان البعض بالبعض وجوه: الأول: أن الغنى والفقر كانا سببين لحصول هذا الافتتان كما ذكرنا في قصة نوح عليه السلام، وكما قال في قصة قوم صالح {أية : َقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِٱلَّذِى ءَامَنتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 76] والثاني: ابتلاء الشريف بالوضيع. والثالث: ابتلاء الذكي بالأبله. وبالجملة فصفات الكمال مختلفة متفاوتة، ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة، بل هي موزعة على الخلق وصفات الكمال محبوبة لذاتها، فكل أحد يحسد صاحبه على ما آتاه الله من صفات الكمال. فأما من عرف سر الله تعالى في القضاء والقدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض للخلق، وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة، والله أعلم. المسألة الرابعة: قال هشام بن الحكم: إنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند حدوثها، واحتج بهذه الآية، لأن الافتتان هو الاختبار والامتحان، وذلك لا يصح إلا لطلب العلم وجوابه قد مر غير مرة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي كما فتنا مِن قبلك كذلك فتنا هؤلاءِ. والفتنة الاختبار؛ أي عاملناهم معاملة المختَبَرين. {لِّيَقُولوۤاْ} نصب بلام كي، يعني الأشراف والأغنياء. {أَهَـٰؤُلاۤءِ} يعني الضعفاء والفقراء. {مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} قال النحاس: وهذا من المشكل؛ لأنه يُقال: كيف فُتِنوا ليقولوا هذه الآية؟ لأنه إن كان إنكاراً فهو كفر منهم. وفي هذا جوابان: أحدهما ـ أن المعنى اختبِر الأغنياء بالفقراء أن تكون مرتبتهم واحدة عند النبي صلى الله عليه وسلم، ليقولوا على سبيل الاستفهام لا على سبيل الإنكار: {أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ}. والجواب الآخر ـ أنهم لما اختبروا بهذا فآل عاقبته إلى أن قالوا هذا على سبيل الإنكار، وصار مثل قوله: { أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص: 8]. {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ} فيمنّ عليهم بالإيمان دون الرؤساء الذين علم الله منهم الكفر وهذا استفهام تقرير وهو جواب لقولهم: {أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} وقيل: المعنى أليس الله بأعلم من يشكر الإسلام إذا هديته إليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا } ابتلينا {بَعْضَهُم بِبَعْضٍ } أي الشريف بالوضيع والغني بالفقير بأن قدّمناه بالسبق إلى الإِيمان {لِّيَقُولواْ } أي الشرفاء والأغنياء منكرين {أَهَٰؤُلاءِ } الفقراء {مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا } بالهداية؟ أي لو كان ما هم عليه هدى ما سبقونا إليه. قال تعالى {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ } له فيهديهم؟ بلى.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَتَنَّا} اختبرناهم باختلاف في الأرزاق والأخلاق، أو بتكليف ما فيه مشقة على النفس مع قدرتها عليه. {مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم} باللطف في إيمانهم، أو بما ذكره من شكرهم على طاعته.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وكذلك فتنَّا بعضهم ببعض} يعني وكذلك ابتلينا الغني بالفقير، والفقير بالغني، والشريف بالوضيع، والوضيع بالشريف فكل أحد مبتلى بضده فكان ابتلاء الأغنياء فالشرفاء حسدهم لفقراء الصحابة على كونهم سبقوهم إلى الإسلام وتقدموا عليهم فامتنعوا من الدخول في الإسلام لذلك فكان فتنة وابتلاء لهم، وأما فتنة الفقراء بالأغنياء، فلما يرون من سعة رزقهم وخصب عيشهم فكان ذلك فتنة لهم {ليقولوا} يعني الأغنياء والشرفاء والرؤساء {أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا} يعني منَّ على الفقراء والضعفاء بالإسلام ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا اعتراض من الكفار على الله تعالى فأجابهم بقوله: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} يعني أنه تعالى أعلم بخلقه وبأحوالهم وأعلم بالشاكرين من الكافرين: قوله تعالى: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيه عن طردهم فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام. وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم بن أبي عبيدة ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر والأرقم بن أبي الأرقم وأبي سلمة بن عبد الأسد وقيل إن الآية على إطلاقها في كل مؤمن. وقيل: لما جاء عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته التي تقدمت في رواية عكرمة وقال: ما أردت إلا الخير، نزلت وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم {كتب ربكم} يعني فرض ربكم وقضى ربكم {على نفسه الرحمة} وهذا يفيد الوجوب وسبب هذا أنه تعالى يتصرف في عباده كيف يشاء وأراد فأوجب على نفسه الرحمة على سبيل الفضل والكرم لأنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين: {أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة} قال مجاهد: كل من عمل ذنباً أو خطيئة فهو بها جاهل واختلفوا في سبب هذا الجهل فقيل لأنه جاهل بمقدار ما استحقه من العقاب وما فاته من الثواب. وقيل إنه وإن علم أن عاقبة ذلك السوء والفعل القبيح مذمومة إلا أنه آثر اللذة العاجلة على الخير الكثير الآجل ومن آثر القليل على الكثير فهو جاهل وقيل إنه لما فعل فعل الجهال نسب إلى الجهل وإن لم يكن جاهلاً: {ثم تاب من بعده} يعني من بعد ارتكابه ذلك السوء ورجع عنه {وأصلح} يعني أصلح العمل في المستقبل، وقيل أخلص توبته وندم على فعله {فأنه غفور} يعني لمن تاب من ذنوبه {رحيم} بعباده قال خالد بن دينار كنا إذا دخلنا على أبي العالية قال: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة} الآية. عن أبي سعيد الخدري قال: جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فلما قام علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارئ فسلم ثم قال ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان قارئ لنا يقرأ علينا وكنا نستمع إلى كتاب الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم"تفسير : وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطنا ليعدل بنفسه فينا ثم قال بيده هكذا فتلحقوا وبرزت وجوههم، قال فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف منهم أحداً غيري. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة عام"تفسير : أخرجه أبو داود.

ابن عادل

تفسير : "الكاف" في مَحَلِّ نَصبٍ على أنها نَعْتٌ لمصدر محذوف، والتقدير: ومثل ذلك الفُتُون المتقدم الذي فُهِمَ من سياقِ أخبار الأمم الماضية فتنَّا بعضَ هذه الأمَّةِ بِبَعْضٍ، فالإشَارَةُ بذلك إلى الفُتُونِ المَدْلُولِ عليه بقوله: "فَتَنَّا"، ولذلك قال الزمخشري: ومثل ذلك الفتن العظيم فتن بعض الناسِ ببعضٍ فجعل الإشارة لِمصدَرِ فَتَنَّا. وانظر كيف لم يَتَلَّفَظْ هو بإسناد الفِتْنَةِ إلى اللَّهِ - تعالى - في كلامِهِ، وإن كان البارئ - تعالى - قد أسْنَدَها، بل قال: فتن بعض الناس فَبَناهُ للمفعُول على قَاعِدةِ المعتزلة. وجعل ابن عطية الإشارة إلى طلب الطَّرْدِ، فإنه قال بعد كلام يتعلٌّق بالتفسير: "والإشارة بذلك إلى ما ذُكِرَ من طلبهِمْ أن يطرد الضَّعفَةَ". قال أبُو حيَّان: ولا ينتظم هذا التَّشْبيه؛ إذ يصير التقدير: مثل طلب الطرد فَتَنَّا بعضهم ببعض والمَتَبَادَرُ إلى الذِّهْنِ من قولك: "ضربتُ مثل ذلك" المُمَاثَلَةُ في الضرب، أي: مثل ذلك الضرب لا أن تَقَعَ المُمَاثَلَةُ في غير الضَّرْبِ، وقد تقدَّم مِرَاراً أن سيبويه يجعل مثل ذلك حالاً من ضمير المَصْدَرِ المقدر. قوله: "لِيَقُولُوا" في هذه "اللام" وجهان: أظهرهما: - وعليه أكثر المعربين والمُفسِّرين - أنها لام "كي"، والتقدير: ومثل ذلك الفُتُون فَتَنَّا ليقولوا هذه المقالة ابْتِلاءً مَنَّا وامْتِحَاناً. والثاني: أنها "لام" الصَّيْرُورَةِ أي: العاقبة كقوله: [الوافر] شعر : 2181- لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرَابِ ................ {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً} تفسير : [القصص:8]، ويكون قولهم "أهُؤلاء" إلى آخره صادراً على سبيل الاسْتِخْفَافِ. قوله: "أهَؤلاءِ" يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب المَحَلِّ على الاشْتِغَالِ بفعلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الفعل الظاهر، العاملُ في ضميره بِوَساطَةِ "على"، ويكون المفسِّر من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، والتقدير: أفَضَّلَ الله هؤلاء مَنَّ عليهم، أو اختار هؤلاء مَنَّ عليهم، ولا مَحَلَّ لقوله: "مَنَّ اللَّهُ عليهم" لكونها مُفَسّرة، وإنِّما رجَّحَ هنا إضمار الفعل؛ لأنه وقع بعد أداةٍ يغلبُ إيلاءُ الفعلِ لها. والثاني: أنه مرفوع المَح‍َلّ على أنه مبتدأ، والخبر: مَنَّ اللَّهُ عليهم، وهذا وإن كان سَالِماً من الإضْمَارِ الموجود في الوجه الذي قبله، إلاَّ أنه مَرْجوحٌ لما تقدَّم، و"عليهم" مُتعلِّقٌ بـ "مَنَّ". و"من بَيْنِنَا" يجوز أن يتعلَّق به أيضاً. قال أبو البقاء: "أي مَيَّزَهُمْ عَلَيْنَا، ويجوز أن يكون حالاً". قال أبو البقاء أيضاً: أي: مَنَّ عليهم منفردين، وهذان التفسيران تفسيرا مَعْنَى لا تفسيرا إعراب، إلاَّ أنه لم يَسُقْهُمَا إلاَّ تَفْسِيرَيْ إعراب. والجملة من قوله: "أهؤلاءِ مَنَّ اللِّهُ" في محلِّ نصبٍ بالقولِ. وقوله: "بأعْلَمَ بالشَّاكرين" الفرقُ بين الباءين أن الأولى لا تعلُّق لها لكونها زَائِدة في خبر "ليس"، والثانية متعلّقة بـ "أعلم" وتعدِّي العلم بها لِمَا ضُمِّن من معنى الإحاطَةِ، وكثيراً ما يقع ذلك في عبارةِ العلماء، فيقولون: علم بكذا والعلم بكذا لما تقدَّم. فصل في تحرير معنى الفتنة في الآية معنى هذه الفِتْنَةِ أن كُلَّ واحد من الفريقين مُبْتَلًى بصاحبه، فرُؤسَاءُ الكُفَّارِ الأغنياء كانوا يَحْسُدُونَ فُقْرَاءَ الصحابة على كونهم سابقين للإسلام مُسَارعينَ إلى قَبُولِهِ، فقالوا: ولو دخلنا في الإسلام لوجب عَلَيْنَا أن نَتْقَادَ لهؤلاء الفقراء المساكين، وأن نعترف لهم بالتَّبَعِيَّةِ، فكأن ذلك يَشُقُّ عليهم، ونظيره: {أية : أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [ص:8] {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} تفسير : [الأحقاف:11]. وأمَّا فُقراءُ الصحابة فكانوا يَرَوْنَ أولئك الكُفَّارَ في الرَّاحَاتِ والمَسَّراتِ والطَّيبات والخصب والسَّعَةِ، فكانوا يقولون: كيف حَصَلَتْ هذه الأحوال لهؤلاء الكُفَّار مع أنَّا بَقِينَا في [هذه] الشدّة والضِّيقِ، فقال تعالى: {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم} فأحد الفريقين يرى الآخر مقدماً [عليه] في المناصبِ الدينية، ويقولون: أهذا الذي فَض‍َّلَهُ الله علينا؟ وأمَّا المحققون فهم الذين يَعْلَمُونَ أن كُلَّ ما فعله الل‍َّهُ - تعالى - فهو حَقٌ وحكمةٌ وصوابٌ ولا اعتراض عليه، إمَّا بحكم الملكية كما هو قول أهل السُّنَّةِ, وإمَّا بحسبِ المصلحة كما هو قول المعتزلة فكانوا صَابِرينَ في وقت البلاءِ، شاكرين في وقت الآلاءِ والنَّعْماءِ وهم الذين قال الله في حق‍ِّهم: {ألَيْسَ الل‍َهُ بأعْلَمَ بالشَّاكرينَ}. فصل "حديث : روى أبُو سعيدٍ الخُدرِيُّ قال: جَلَسْتُ في نَفَرٍ من ضُعَفَاءِ المهاجرين، وإن بعضهم لَيَسْتَتِرُ من بعضٍ من العُرْي، وقَارِئ يقرأُ عَلَيْنَا، إذ جاء رسوله الله صلى الله عليه وسلم فَقَامَ عَلَيْنا فلما قامَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم سكت القَارِئُ، فَسَلَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما كُنتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قلنا: يا رسول الله: كان قارئ يقرأ وكُنَّا نَسْتَمِعُ إلى كتاب الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحَمْدُ لِلَّهِ الذي جَعَل مِنْ أمَّتِي مَنْ أمَرَنِي أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ"، قال: ثُمَّ جلس وَسَطَنَا ليعدل بنفسه فينا، ثم قال بيده هكذا فَتَحلَّقُوا، وبرزت وُجُوهُهُمْ لهُ قال: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عَرفَ منهم أحداً غيري. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبْشِرُوا يا مَعْشَرَ صَعَالِيك المُهاجِرينَ بالنُّور التَّام يَوْمَ القِيَامَةِ تَدْخُلُونَ الجنَّةَ قَبْلَ الأغْنِيَاء بنِصْفِ يَوْمٍ، وذلِكَ مِقْدارُ خِمْسِمائَةِ سَنَةٍ" ". تفسير : فصل في بيان الدلالة من الآية احتجَّ أهْلُ السُّنَّةِ بهذه الآية على مَسْألةٍ خَلْقِ الأفعال من وجهين: الأول: أن قوله: {فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْض} تصريح بأنَّ إلقاء تلك الفِتْنَةِ من اللَّهِ تعالى، والمُرَادُ من تلك الفِتْنَةِ ليس إلاَّ اعْتِرَاضُهُمْ على الله في أنْ جعل أولئك الفقراء رُؤسَاء في الدِّين، والاعْتِراضُ على الله كُفْرٌ، وذلك يَدُلُّ على أنَّه - تعالى - هو الخالقُ للكُفْرِ. والثاني: أنه - تعالى - حكى عنهم أنهم قالوا: "أهؤلاء منَّ اللَّهُ عليهم من بَيْنِنَا" أي: منَّ عليهم بالإيمان باللَّهِ، ومتابعة الرسول، وذلك يدُلُّ على أن هذا المَعْنَى إنما حَصَلَ من الله تعالى؛ لأنه لو كان الموجد للإيمان هو العبد فالله ما مَنَّ عليه بهذا الإيمانِ، بل العَبْدُ هو الذي منَّ على نَفْسِهِ بهذا الإيمان. أجاب الجبائي عنه بأن الفِتْنَةَ في التَّكْلِيفِ ما توجب التَّشديدَ وإنما فعلنا ذلك ليقولوا: أهؤلاء أي: ليقول بَعْضُهمْ لبَعْضٍ اسْتِفْهَاماً لا إنْكَاراً [أهؤلاء] منَّ الله عليهم من بَيْننَا بالإيمان أجاب الكعبي عَنْهُ بأن قال: "وكذلك فَتَنَّا بعضهم ببعض ليصبروا أو ليشكروا، فكان عَاقِبَةُ أمرهم أن قالوا: أهؤلاء مَنَّ اللَّهُ عليهم من بَيْنِنَا" على مثاله قوله تعالى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص:8]. والجواب عن الوجهين أنه عُدُولٌ عن الظاهر من غير دليل، والدليل العَقْلِيُّ قائم على صِحَّةِ هذا الظاهر؛ لأنه لمَّا كانت مُشاهَدَةُ هذه الأحْوالِ تُوجِبُ الأنَفَةَ، والأنَفَةُ توجبُ العصيان والإصْرارَ على الكُفْرِ، وموجبُ الموجب مُوجبٌ، فكان الإلزامُ وَارِداً، واللَّهُ أعلم.

ابو السعود

تفسير : {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} استئنافٌ مبـينٌ لما نشأ عنه ما سبق من النهي، وذلك إشارة إلى مصدر ما بعده من الفعل الذي هو عبارةٌ عن تقديمه تعالى لفقراء المؤمنين في أمر الدين بتوفيقهم للإيمان مع ما هم عليه في أمر الدنيا من كمال سوء الحال، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجة المشار إليه، وبُعْدِ منزلتِه في الكمال، والكاف مُقحَمَةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة، ومحلُها في الأصل النصب على أنه نعتٌ لمصدرٍ مؤكّدٍ محذوف، والتقدير فتنا بعضَهم ببعض فتوناً كائناً مثلَ ذلك الفتون، ثم قُدّم على الفعل لإفادة القصْرِ المفيدِ لعدم القصور فقط، واعتُبرت الكافُ مُقحَمةً فصار نفسَ المصدرِ المؤكدِ لا نعتاً له. والمعنى ذلك الفتونَ الكاملَ البديعَ فتنّا، أي ابتلَينا بعضَ الناس ببعضهم لا فتوناً غيره، حيث قدمنا الآخِرين في أمر الدينِ على الأولين المتقدَّمين عليهم في أمر الدنيا تقدماً كلياً، واللام في قوله تعالى: {لّيَقُولواْ} للعاقبة، أي ليقول البعضُ الأولون مُشيرين إلى الآخِرين محقِّرين لهم نظراً إلى ما بـينهما من التفاوت الفاحشِ الدنيوي، وتعامياً عما هو مَناطُ التفضيلِ حقيقةً {أَهَـؤُلاء مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا} بأن وفّقهم لإصابة الحقِّ ولِما يُسعِدَهم عنده تعالى من دوننا، ونحن المقدَّمون والرؤساء، وهم العبـيدُ والفقراء، وغرضُهم بذلك إنكارُ وقوعِ المنِّ رأساً على طريقة قولِهم: {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ }تفسير : [الأحقاف، الآية 11] لا تحقيرُ الممنونِ عليهم مع الاعتراف بوقوعه بطريق الاعتراضِ عليه تعالى، وقولُه تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ} ردٌّ لقولهم ذلك وإبطال له، وإشارةٌ إلى أن مدارَ استحقاقِ الإنعامِ معرفةُ شأنِ النعمةِ والاعترافُ بحق المُنعِم، والاستفهامُ لتقرير علمه البالغِ بذلك، أي أليس الله بأعلمَ بالشاكرين لِنِعَمِه حتى تستبعِدوا إنعامَه عليهم؟ وفيه من الإشارة إلى أن أولئك الضعفاءَ عارفون بحقِّ نِعَم الله تعالى في تنزيل القرآنِ والتوفيقِ للإيمان، شاكرون له تعالى على ذلك مع التعريض بأن القائلين بمعزلٍ من ذلك كله ما لا يخفى.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الآية: 53]. قال الحسين: قطع الخلق بالخلق عن الحق، قال: {فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}. قال أبو بكر الوراق: هى فتنة الرجل بولده وزوجته والاشتغال بهم وبأسبابهم وقد ذُكر عن بعض السلف أنه قال: ما شغلك عن الله فهو مشئوم وهو بلاء وفتنة. وقال محمد بن حامد فى هذه الآية: فتن الفقراء بالأغنياء وفتنة الأغنياء بالفقراء، ففتنة الفقير فى الغنى رؤية فضلة عليه وسخطه لما يمنعه مما فى يده ويراه المعطى والمانع دون الله، وفتنة الغنى بالفقير ازدراؤه بالفقراء وتحقيره إياهم ومنعهم ما أوجب الله لهم عليه مما فى يده وامتنانه عليهم بإيصالهم إلى حقوقهم أو إيصال الحقوق إليهم، والذى يسقط عن الفقير فتنة فقره رؤية فضل الأغنياء والذى يسقط عن الغنى فتنة غنائه رؤية فضل الفقراء. قوله تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ} [الآية: 53]. قال ذو النون: الشاكر هو المستزيد لذلك فضَّل الله الحامدين على الشاكرين. وقال بعضهم: الشاكرين أى الراجعين إلى الله فى جميع أحوالهم.

القشيري

تفسير : أمَّا الفاضل فَلْيشكرْ، وأمَّا المفضول فليَصْبِرْ. ويقال سبيل المفضول على لسان المحبة الشكر، ولا يتقاصر شكره عن شكر الفاضل، قال قائلهم في معناه: شعر : أتاني منكِ سبُّكِ لي فَسُبِّي أليس جَرَى بفيكِ اسمي؟ فَحَسْبِي تفسير : وقال آخر: شعر : وإِنَّ فؤاداً بِعْتُه - لَكَ شاكرٌ وإِنَّ دَمَاً أجريتُه - لَكَ حامدُ

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} الفقير الصادق اذا امتن الله عليه بمعرفته وكشف مشاهدته وكساه رداء هيبته يكون يتجلا عند جميع الخلائق لبروز نور جلال الله من وجهة بحيث يجئ بقوم العالم عنده لصولة حاله وغلبة وجده لطائف كلامه ويكون سالب قلوب الخلق بما يجرى عليه احاكم ربوبية الله فيظهر للحق منه سنى كرامات الله ولطيف ايت الله فيحسد عليه اهل الدنيا من المغروبين بمزخرفتهم الواقعين فى ورطاتها ويقولن عند العامة اهذا الذى له كرامات وايات هذا اطراز سالوس واراد بذلك صرف وجوه الناس عنه اليهم قال الله سبحانه فى وصف الحساد عند حسدهم على اوليائه {أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} استهزاء فاجابهم الله عما لانوفهم {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ} اى هو تعالى يعلم صدقهم واخلاصهم وبذل وجودهم شكر الانعامه وحمد الما من عليهم من الدرجات الرفيعة والحلات الشريفة ويعلم غيظ اعدائهم وفى الأية نكات ان فتنة الفقر طمعة الغنى وفتنة الغنى بغضه للفقير لئى يؤديه حقه وايضا فى الحقيقة مقام الفقر مقام التجريد والتوحيد والتنزيه وافراد القدم عن الحدوث وفناء النفس فى الحق واذا كان الفقير بهذه الاوصاف يستظل بظلال الربوبية ومقام الغنى مقام الاتصاف بصفات غنى القدم والاكتساء بسكوة الربوبية فاذا كان الغنى بهذه الاوصاف يكون نائب الحق فى العالام فاذا راى فقير بوصف ما ذكرنا يصول عليه بقوة مقامه فيكونان فى حجاب حالهم او مقامهم وروية غير الله وهذا من غير الله عليهما لئلا يسكن احدهما الأخر فيسقطان من درجة السكون الى الحق ومن غيرته تعالى على نفسه لشغل بعضهم بعضا لئى يطلع عليه غيره وما ذكرنا بمجموعة فهو معنى قوله وكذلك فتنا بعضهم على بعض وما يليق بذلك من تفسير قوله تعالى اليس الله باعلم بالشاكرين اى بالذين منهم من لا ينظر فى طريقه الى نفسه والى غيره عين قال الحسين فى قوله تعالى كذلك فتنا بعضهم ببعض قطع الخلق بالخلق عن الحق وقال محمد بن مدفتنه الفقراء باغنياء وفتنة الاغنياء بالفقرراء ففتنة الفقير فى المعنى رؤية فضله ويسخطه لما يمنعه ما فى ديره ويراه المعطى والمانع دون الله وفتنة الغنى فى الفقير ازداراؤه بالفقير وتحقيره اياهم ومنهم ما اوجب الله عليهم لهم مما فى يده وامتناعه عليهم بايصالهم الى حقوقهم او ايصال الحقوق اليهم والذى يسقط عن الفقير فتنة فقره رؤية دخل الاغنياء الذى يسقط عن الغنى فتنة غناه رؤية دخل الفقراء قيل فى الشكر الشاكرين الراجعين الى الله فى جيمع احوالهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكذلك فتنا} ذلك اشارة الى مصدر ما بعده من الفعل الذى هو عبارة عن تقديمه تعالى لفقراء المؤمنين فى امر الدين بتوفيقهم للايمان مع ما هم عليه فى امر الدنيا من كمال سوء الحال والكاف مقحمة لتأكيد ما افاده اسم الاشارة من الفخامة والمعنى ذلك الفتون الكامل البديع فتنا اى ابتلينا {بعضهم ببعض} اى بعض الناس ببعضهم لافتون غيره حيث قدمنا الآخرين فى امر الدنيا على الاولين المتقدمين عليه فى امر الدنيا تقدما كليا {ليقولوا} اللام للعاقبة اى ليكون عاقبة امرهم ان يقول البعض الاولون مشيرين الى الآخرين محقرين لهم نظرا الى ما بينهما من التفاوت الفاحش الدنيوى وتعاميا عما هو مناط التفضل حقيقة {أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} بان وفقهم لاصابة الحق ولما يسعدهم عنده تعالى من دوننا ونحن المتقدمون والرؤساء وهم العبيد والفقراء وغرضهم بذلك انكار وقوع المن رأسا على طريقة قولهم لو كان خيرا ما سبقونا اليه لا تحقير الممنون عليهم مع الاعتراف بوقوعه بطريق الاعتراض عليه تعالى. قال الكلبى ان الشريف اذا نظر الى الوضيع قد اسلم قبله استنكف وانف ان يسلم وقال قد سبقنى هذا بالاسلام فلا يسلم {أليس الله باعلم الشاكرين} رد لقولهم ذلك وابطال له اى أليس الله باعلم بالشاكرين لنعمه حتى تستبعدوا انعامه عليهم. وفيه اشارة الى ان اولئك الضعفاء عارفون لحق نعمة الله تعالى فى تنزيل القرآن والتوفيق للايمان شاكرون له تعالى على ذلك وتعريض بان القائلين بمعزل من ذلك كله. قال فى التأويلات النجمية {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} يعنى الفاضل بالمفضول والمفضول بالفاضل فليشكر الفاضل وليصبر المفضول فان لم يشكر الفاضل فقد تعرض لزوال الفضل وان صبر المفضول فقد سعى فى نيل الفضل والمفضول الصابر يستوى مع الفاضل الشاكر كما كان سليمان فى الشكر مع ايوب فى الصبر فان سليمان مع كثرة صورة اعماله فى العبودية كان هو وايوب مع عجزه عن صورة اعمال العبودية متساويين فى مقام نعم العبدية فقال لكل واحد منهما {أية : نعم العبد} تفسير : [ص: 44]. ففتنة الفاضل للمفضول حسده على فضله وسخطه عليه فى منع حقه من فضله عنه فانه انقطع بالخلق او رأى المنع والعطاء من الخلق وهو المعطى والمانع لا غير. فعلى العاقل ان يخار ما اختاره الله ولا يريد الا ما يريده قال الكاشفى فى تفسيره الفارسى [در كشف الاسرار آورده كه ارادت برسه وجه است. اول ارادت دنياى محض كما قال تعالى {أية : تريدون عرض الدنيا} تفسير : [الأنفال: 67]. ونشان آن دو جيزاست در زيادتئ دنيا بنقصان دين راضى بودن واز درويشان ومسلمانان اعراض نمودن. ودوم ارادت آخرة محض كما قال تعالى {أية : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها} تفسير : [الإسراء: 19]. وآنيزدو علامت دارد در سلامتئ دين بنقصان دنيا رضا دادن ودر مؤانست والفت بروى درويشان كشادن. سوم ارادت حق محض كما قال تعالى {أية : يريدون وجهه} تفسير : [الأنعام: 52]. ونشان آن باى برسر كونين نهادن است واز خود وخلق آزاد كشتن] شعر : مارا خواهى خطى بعالم دركش در بحر فنا غرقه شو ودم دركش تفسير : فهم يريدون وجهه تعالى فكل يريدون منه وهم يريدونه ولا يريدون منه كما قيل شعر : وكل له سؤال ودين ومذهب ووصلكمو سؤلى ودينى رضا كمو تفسير : وتكلم الناس فى الارادة فاكثروا وتحقيقها اهتياج يحصل فى القلب يسلب القرار من العبد حتى يصل الى الله تعالى فصاحب الارادة لا يهدأ ليلا ولا نهارا ولا يجد من دون وصوله اليه سكوتا ولا قرارا كما فى التأويلات النجمية. وفى الآية الكريمة بيان فضل الفقراء حديث : وعن ابى سعيد الخدرى قال جلست فى نفر من ضعفاء المهاجرين وكان بعضهم يستتر ببعض من العرى وقارئ يقرأ علينا اذ جاء رسول الله صلى الله لعيه وسلم فقام علينا فلما قام سكت القارئ فسلم رسول الله وقال "ما كنتم تصنعون" قلنا يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا وكنا نستمع الى كتاب الله تعالى فقال رسول الله "الحمد لله الذى جعل من امتى من امرنى ان اصبر نفسى معهم" قال ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال بيده هكذا فتحلقوا وبرزت وجوههم له قال فما رأيت رسول الله عرف منهم احدا غيرى فقال "ابشروا يا معاشر صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل الاغنياء بنصف يوم" وذلك مقدار خمسمائة سنة تفسير : وفى الحديث "حديث : يؤتى بالعبد الفقير يوم القيامة فيعتذر الله عز وجل اليه كما يعتذر الرجل الى الرجل فى الدنيا فيقول وعزتى وجلالى ما زويت الدنيا عنك لهوانك علىّ ولكن لما اعددت لك من الكرامة والفضيلة اخرج يا عبدى الى هذه الصفوف وانظر الى من اطعمك او كساك واراد بذلك وجهى فخذ بيده فهو لك والناس يومئذ قد الجمهم العرق فيتخلل الصفوف وينظر من فعل به ذلك فى الدنيا فيأخذه بيده ويدخل الجنة" تفسير : قال الحافظ شعر : توانكرا دل درويش خود بدست آور كه مخزن زر وكنج ودرم نخواهدماند برين رواق زبرجد نوشته اند بزر كه جزنكرى اهل كرم نخواهدماند تفسير : وفى الحديث "حديث : لكل شئ مفتاح ومفتاح الجنة حب المساكين والفقراء" الصَّبرهم جلساء الله يوم القيامة : تفسير : قال الشيخ العطار قدس سره شعر : حب دريشان كليد جنت است دشمن ايشان سزاى لعنت است تفسير : اللهم اجعلنا من الاحباب ولا تطردنا خارج الباب.

الطوسي

تفسير : معنى الآية انه تعالى اخبر انه يمتحن الفقراء بالاغنياء والاغنياء بالفقراء فيختبر صبر الفقراء على ما يرون من حال الاغنياء، واعراضهم عنهم الى طاعة الرسل ويختبر شكر الاغنياء واقرارهم لمن يسبقهم من الفقراء، والموالي والعبيد الى الايمان بالرياسة في الدين والتقدم فيه. وقوله: {ليقولوا أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا} فليس المراد باللام لام الغوص لان الله لو قصد ذلك لكان قد قصد بما فعل ان يقولوا هذا القول فيكفروا به ويعصوا ويتعالى الله عن ذلك فكيف يقصده؟! وقد عابه من قولهم وهو يعاقبهم عليه وعابهم به ولكن اللام لام العاقبة. والمعنى اني فعلت ذلك بهم ليصبروا ويشكروا، فكان عاقبة أمرهم ان قالوا {أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا} ومثله قوله: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا}تفسير : وقال الشاعر: شعر : وام سماك فلا تجزعي فللشكل ما تلد الوالداه تفسير : والذي قال {أهولاء منَّ الله عليهم من بيننا} هو عيينة بن حصين واصحابه وقال الزجاج: أي ليقول الكبراء {أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا} أي ليكون ذلك آية بينة انهم اتبعوا الرسول وصبروا على الشدة في حال شديدة. وقال الجبائي: معنى قوله {فتنا بعضهم ببعض} أي شددنا التكليف على أشراف العرب وكبرائهم بأن امرناهم بالايمان برسول الله وبتقديم هؤلاء الضعفاء على نفوسهم لتقدمهم اياهم في الايمان، وكونهم افضل عند الله. وهذا أمر كان شاقاً عليهم، فلذلك سماه الله فتنة. وقوله {ليقولوا أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا} أي فعلنا هذا بهم ليقول بعضهم لبعض على وجه الاستفهام منه لا على وجه الانكار {أهؤلاء منَّ الله عليهم من من بيننا} يعني بالايمان اذ رأوا النبي (صلى الله عليه وسلم) يقدم هؤلاء عليهم ويفضلهم وليرضوا بذلك من فعل رسول الله، ولم يجعل هذه الفتنة والشدة في التكاليف ليقولوا ذلك على وجه الانكار، لان إِنكارهم ذلك كفر بالله ومعصية له والله تعالى لا يريد ذلك ولا يرضاه، لانه لو أراد ذلك منهم، وفعلوه كانوا مطيعين له لا عاصين وقد ثبت خلافه. وقوله: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} معناه ان الله تعالى أعلم بالشاكرين له ولنعمه من خلقه فيجازيهم على ذلك بما يستحقونه من الثواب والتعظيم والاجلال. والشاكرون المعنيون بالآية هم هؤلاء الضعفاء ويدخل معهم في ذلك سائر المؤمنين. فان قيل فعلى هذا الوجه الذي ذكرتموه قد وجد من الكفار القول على ما أراده فيجب ان يكونوا مطيعين. قلنا: ليس في الآية ذلك وأنهم على أي وجه قالوه على وجه الانكار أو على وجه الاستفهام؟ وانما بين انه فعل بهم ليقولوا ذلك على وجه الاستفهام لا على وجه الانكار، فان كانوا قالوه على ما أراده الله فهم مطيعون وان قالوه منكرين فهم عصاة، فلما علمنا أن الله تعالى ذمهم بهذا القول علمنا أنهم لم يقولوه على وجه المراد منهم انما قالوه على خلاف ما أريد منهم.

الجنابذي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} اى مثل ابتلاء اغنياء قومك بفقرائهم {فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ} حالاً وقالاً اى الّذين لا استحقاق لهم للدّين واردنا ان نصرفهم عنك او عن الولاية {أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} استهزاء بهم وتنفّراً عنهم حتّى لا يرغبوا فى الاسلام او فى الولاية ولا يؤذوا صاحب الدّين بتزاحمهم بالاغراض الدّنيوية له، فاللاّم للغاية لا لمحض العاقبة كما قيل {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ} فما بالك تطردهم وما بالهم يستهزؤن ويطلبون طردهم والله تعالى يذكرهم بالشّكر الّذى هو ابتغاء وجه ربّهم ثمّ بعد نهيه عن طردهم امره بتقريبهم والتّلطّف بهم بالتحيّة عليهم وبشارتهم بالغفران والرّحمة فقال {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا}

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} يعني الفقير بالغني والغني بالفقير امتحانا من الله تعالى أليس الله بأعلم بالشاكرين يعني المؤمنين وهذا جواب لقولهم: {أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا} فقال: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} من يشكر على الاسلام، قوله تعالى: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} الآية نزلت في القوم الذين طلبت مشركوا مكة طردهم، وقيل: في جماعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم علي (عليه السلام) ومصعب بن عمير وجعفر وحمزة، وعمّار وأبو بكر وعمر، وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ونوفل بن الحرث من أشراف بني عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: يا ابا طالب لو أن ابن أخيك محمداً يطرد عنه موالينا كنا نجالسه، فأتى أبو طالب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكلمه بالذي حدثوه، فقال عمر: لو فعلت ذلك حتى تنظر الذي يريدون وإلى ما يصيرون فنزلت الآية وجاء عمر فاعتذر من مقالته رواه في تفسير الثعلبي، حديث : وروي أنهم قالوا: إن كنت أرسلت إلينا فاطرد هؤلاء عنك فنكون من أصحابك فنزلت الآية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم يقو أمتي معكم المحيى ومعكم الممات" تفسير : فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقعد ويدنو منهم يؤمنون بآياتنا يصدقون بالقرآن، وقيل: بمحمد ومعجزاته {فقل سلام عليكم} أمره أن يسلم عليهم، وقيل: السلام هو الله تعالى، ومعناه الله مطلع عليكم، حافظ لكم {كتب ربكم على نفسه الرحمة} قيل: أوجب على نفسه إيجاباً مؤكداً، وقيل: كتبه في اللوح المحفوظ، وقيل: في القرآن {وكذلك نفصل الآيات}، قيل: الحجج والتفصيل التبيين {ولتستبين سبيل المجرمين} بالرفع أي لتظهر طريق المجرمين وبالنصب لتظهر طريق الحق والباطل.

الهواري

تفسير : قوله: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} أي ابتلى بعضهم ببعض. ابتلى الله المؤمنين بالمشركين والمشركين بالمؤمنين. {لِّيَقُولُوا} يعني ليقول المشركون {أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا} أي: أهؤلاء أفضل عند الله منا؛ قال الله: {أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} يقول: إن الله عليم بالشاكرين. قوله: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} قال الحسن: يعني هؤلاء الذين أمر المشركون النبيَّ بطردهم {فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أمر الله النبي أن يسلم عليهم من الله. قوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. قال بعضهم: كل ذنب عمله العبد فهو بجهالة. وأما قوله: {ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فقال الكلبي: إن أناساً من أصحاب النبي من المنظورين إليهم قالوا: يا رسول الله: صدق عمك فاطرد عنا سفلة الموالي. وفي تفسير الكلبي: إن أبا طالب هو الذي قال له ذلك. قال: فعاتبهم الله في الآية الأولى. فجاءوا يعتذرون إلى رسول الله من سقطتهم ويسألونه أن يعفو عنهم فأنزل الله: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {وكَذلك فتنَّا بعْضَهم ببعْضٍ} فتنَّا بعض المؤمنين وبعض المشركين ببعض، ابتلينا فقراء المسلمين بأغنياء المشركين، ووضيعهم بشريف المشركين، وابتلينا شرفاءهم وأغنياءهم بفقراء المسلمين وضعفائهم، فهم يقولون: كيف رزق المشركون وهم مشركون ووسع عليهم، وكان لهم شرف، والمشركون يقولون: إن هؤلاء سبقونا للإيمان فلو آمنا كنا لهم تبعاً وهم دوننا، فيأبون الإيمان لذلك، وذلك فتنة الدين، ومن وسوس الشيطان له من المؤمنين بذلك، ولم ينسب الله إلى الجور، بل أزاح ذلك فلا بأس، ومن رسخ فى قلبه الحق فلم يلتفت لتلك الوسوسة فهو من الشاكرين، ويجوز أن يكون هاء بعضهم عائدة للناس مطلقاً، ولا ينافيه قوله: {ليقُولُوا هؤلاءِ مَنَّ اللهُ عَليْهِم مِنْ بيْننا} لأن مشركى قريش القائلين أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا من جملة الناس، وأيضا ليس هذا القول مختصاً بمشركى قريش فى ذلك الزمان، نعم الراجح رد الضمير إلى خصوص من تقدم ذكره، ونزلت الآية فيه، والكاف إن كانت اسماً ومنعوت متعلقها المحذوف إن كان حرفا مفعول مطلق، وأى مثل ذلك الفتن فتناً أو فتناً ثابتا، كذلك الفتن، فإن أريد نفس الفتن الواقع ونفس من فتن فالتشبيهُ بمعنى أن صفة فتن فتنابه بعضاً ببعض هو ما ذكر، وإن أريد فتن آخر ومفتون آخر فلا إشكال، ومعنى أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا إنكار أن يكون للإسلام هكذا مطلقا، أو ما عليه ضعفاء المسلمين من الإيمان أمرا حسنا صحيحا، فضلا عن أن يكون منة من الله لهم، خصهم الله بها من بيننا، ولو كان منَّة وفضلا لكنا أولى به، فنسبق له، لأنا الأعزاء الشرفاء ذووا المال كما قالوا: {أية : لو كان خيراً ما سبقونا إليه} تفسير : واللام للصيرورة، ويجوز أن تكون للتعليل بلا حاجة إلى تأويل فتنا بعضهم ببعض يخذلنا، بل يصح مع إبقاء المعنى فتنا ابتلينا. {أليْسَ اللهُ بأعْلم بالشَّاكِرِينَ} بمن قضى له فى الأزل بالشكر فيوفقه إليه، مثل هؤلاء الضعفاء، وأما من قضى لهُ بالخذلان مثل من لم يؤمن من هؤلاء الرؤساء فيخذله، وليس الأمر بهين ولا مما يتساهل فيه.

اطفيش

تفسير : {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أَى فتنا مثل الأَقرع بمثل عمار، والمراد ما تقدم لا مسأَلة أُخرى، كأَنه قيل فتنا بعضاً ببعض على الوصف المذكور فى الآية ضمناً، وإِنما أَعاده ليرتب عليه قوله {لِيَقُولُوا} تعليل أَو عاقبة لفتنا، سواء أَبقى على ظاهره وهو ابتلينا، أَو أَولناه بخذلنا، كما قيل أَنه لا يصح تعليلا إِلا على تضمين خذلنا، وواو يقولوا لنحو الأَقرع، أَى ليقول الأَكابر الأَغنياء، والتشبيه غير مراد على الحقيقة، وإِلا لزم تشبيه الشىء بنفسه، ومما يتخرج به عما هو ظاهر اللفظ من تشبيه الشىء بنفسه أَن يجعل المشبه به الأَمر المقرر فى العقول والشبه ما دل عليه الكلام من الأَمر الخارجى، أَو أَن يقال مثل ذلك الفتن العظيم فتنا بعض الناس ببعض غير من ذكر فى القصة من المؤمنين والكافرين، وذلك فى أَمر الدين، وأَن يقال: مثل ما فتنا الكفار بحسب غناهم وفقر المؤمنين حتى أَهانوهم فتناهم بحسب سبق المؤمنين إِلى الإِيمان وتخلفهم عنه حتى حسدوهم، ويجوز كون اللام بمعنى الباء ليكون مصدر يقول مع اللام بدل اشتمال من قوله ببعض {أَهؤُلاَءِ} منصوب المحل على الاشتغال، أَى اختار الله هؤلاء، أَو فضل هؤلاء، أَو مبتدأ خبره ما بعد، والنصب أَولى، لأَن طلب الهمزة للفعل أَولى من عدم الإِضمار، والمشار إِليه المؤمنون الموالى الضعفاء {مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} بالإِيمان والتوفيق لما يسعدهم دنيا وأُخرى، وامتازوا بالخير عنا، ما الذى يدعو إِليه محمد خيراً، لو كان خيراً ما سبقونا إِليه، أَأُلقى عليه الذكر من بيننا ونحن الأَشراف وهم سفلة، أَو اعترفوا بفضل المؤمنين الفقراء عليهم بالسبق إِلى الإِيمان لكن خافوا أَن يدخلوا فى الإِسلام فينقادوا لهم ويكونوا تبعاً لهم، وكأَنه قيل: أَننقاد إِلى ما تكون به تحتهم لسبقهم إِليه، ويجوز أَن يكون الفتن من الجهة المذكورة والجهة الأُخرى جميعاً، وهى أَن يقول المؤمنون الفقراء: كيف أَعطى الله هؤلاء القوم راحة ومسرة ومالا وطيب العيش مع أَنهم غير منقادين للإِسلام، ونحن منقادون له وقد بقينا فى ضيق المعيشة؟ والاستفهام إِنكار للياقة ما ذكر بعده، والله يفعل فى ملكه ما يشاء لا اعتراض عليه، والقوم بطروا واعترضوا، وهؤلاء المؤمنون صبروا وقت البلاء وشكروا وقت النعماء كما قال الله فى حقهم رداً على القوم، ومبينا لسبب تقديمهم وتفضيلهم {أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} بمن شكر واستمر على الشكر فيثيبه عليه، وبمن كفر واستمر فيعاقبه، أَو بمن يشكر لقضائه فيوفقه للشكر، وبمن قضى عليه بالكفر فيخذله.

الالوسي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا} أي ابتلينا واختبرنا {بَعْضَهُم بِبَعْضٍ } والمراد عاملناهم معاملة المختبر و(ذلك) إشارة إلى الفتن المذكور في النظم الكريم، وعبر / عنه بذلك إيذاناً بتفخيمه كقولك: ضربت ذلك الضرب. والكاف مقحمة بمعنى أن التشبيه غير مقصود منها بل المقصود لازمه الكنائي أو المجازي وهو التحقق والتقرر وهو إقحام مطرد وليست زائدة كما توهم. والمعنى مثل ذلك الفتن العظيم البديع فتنا بعض الناس ببعضهم حيث قدمنا الآخرين في أمر الدين على الأولين المتقدمين عليهم في أمر الدنيا، ويؤول إلى أن هذا الأمر العظيم متحقق منا. ومن ظنَّ أن التشبيه هو المقصود لم يجوز أن يكون ذلك إشارة إلى المذكور لما يلزمه من تشبيه الشيء بنفسه. وتكلف لوجه التشبيه والمغايرة بجعل المشبه به الأمر المقرر في العقول والمشبه ما دل عليه الكلام من الأمر الخارجي، وقيل: المراد مثل ما فتنا الكفار بحسب غناهم وفقر المؤمنين حتى أهانوهم لاختلافهم في الأسباب الدنيوية فتناهم بحسب سبق المؤمنين إلى الإيمان وتخلفهم عنه حتى حسدوهم وقالوا ما قالوا لاختلاف أديانهم، ولا يخفى أن الأول أدق نظراً وأعلى كعباً وقد سلف بعض الكلام على ذلك. {لّيَقُولواْ } أي البعض الأولون مشيرين إلى الآخرين محقرين لهم {أَهَـؤُلاء مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } بأن وفقهم لإصابة الحق والفوز بما يسعدهم عنده سبحانه {مّن بَيْنِنَا } أي من دوننا ونحن المقدمون والرؤساء وهم العبيد والفقراء وغرضهم بذلك إنكار المن رأساً على حد قولهم: { أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } تفسير : [الأحقاف: 11] لا تحقير الممنون عليهم مع الاعتراف بوقوعه بطريق الاعتراض عليه سبحانه، وذكر الإمام «أنه سبحانه وتعالى بين في هذه الآية أن كلاً من الفريقين المؤمنين والكفار مبتلى بصاحبه فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم على كونهم سابقين في الإسلام متسارعين إلى قبوله فقالوا: لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء وكان ذلك يشق عليهم. ونظيره قوله تعالى: { أية : أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا } تفسير : [القمر: 25]. و {لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} وأما فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحة والمسرة والخصب والسعة فكانوا يقولون: كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء الكفار مع أنا [بقينا] في الشدة والضيق والقلة... وأما المحققون المحقون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله تعالى فهو حق وصدق وحكمة وصواب ولا اعتراض عليه إما بحكم المالكية كما نقول أو بحسب المصلحة كما يقول المعتزلة» انتهى. وفيه نظر لأن صدر كلامه صريح في أن الكفار معترفون بوقوع المن للمشار إليهم حاسدون لهم على وقوعه وهو مناف لتنظيره بقولهم: {لَوْ كَانَ خَيْراً} الخ. وأيضاً كلامه كالصريح في أن فقراء المؤمنين حسدوا الكفار على دنياهم واعترضوا على الله سبحانه بالترفيه على أعدائه والتضييق على أحبائه وذلك مما يجل عنه أدنى المؤمنين فكيف أولئك الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وأيضاً مقابلة فقراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالمحققين المحقين يدل على أنهم وحاشاهم لم يكونوا كذلك وهو بديهي البطلان عند المحققين المحقين فتدبر. واللام ظاهرة في التعليل وهي متعلقة بفتنا وما بعدها علة له. والسلف ـ كما قال شيخنا إبراهيم الكوراني وقاضي القضاة تقي الدين محمد التنوخي وغيرهما ـ على إثبات العلة لأفعاله تعالى استدلالاً بنحو عشرة آلاف دليل على ذلك. واحتج النافون لذلك بوجوه ردها الثاني في «المحتبر»، وذكر الأول في «مسلك السداد» ما يعلم منه ردها، وهذا بحث قد فرغ منه وطوي بساطه، وقال غير واحد: هي لام العاقبة، ونقل عن «شرح المقاصد» ما يأتي ذلك وهو أن لام العاقبة إنما تكون فيما لا يكون للفاعل شعور بالترتب وقت الفعل أو قبله فيفعل / لغرض ولا يحصل له ذلك بل ضده فيجعل كأنه فعل الفعل لذلك الغرض الفاسد تنبيهاً على خطئه ولا يتصور هذا في كلام علام الغيوب بالنظر إلى أفعاله وإن وقع فيه بالنظر إلى فعل غيره سبحانه كقوله عز وجل: { أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص: 8] إذ ترتب فوائد أفعاله تعالى عليها مبنية على العلم التام، نعم إن ابن هشام وكثيراً من النحاة لم يعتبروا هذا القيد، وقالوا: إنها لام تدل على الصيرورة والمآل مطلقاً فيجوز أن تقع في كلامه تعالى حينئذ على وجه لا فساد فيه، ومن الناس من قال: إنها للتعليل مقابلاً به احتمال العاقبة على أن {فَتَنَّا} متضمن معنى خذلنا أو على أن الفتن مراد به الخذلان من إطلاق المسبب على السبب. واعترض بأن التعليل هنا ليس بمعناه الحقيقي بناء على أن أفعاله تعالى منزهة عن العلل فيكون مجازاً عن مجرد الترتب وهو في الحقيقة معنى لام العاقبة فلا وجه للمقابلة. وأجيب بأنهما مختلفان بالاعتبار فإن اعتبر تشبيه الترتب بالتعليل كانت لام تعليل وإن لم يعتبر كانت لام عاقبة. واعترض بأن العاقبة أيضاً استعارة فلا يتم هذا الفرق إلا على القول بأنه معنى حقيقي وعلى خلافه يحتاج إلى فرق آخر، وقد يقال في الفرق إن في التعليل المقابل للعاقبة سببية واقتضاء وفي العاقبة مجرد ترتب وإفضاء وفي التعليل الحقيقي يعتبر البعث على الفعل وهذا هو مراد من قال: إن أفعال الله تعالى لا تعلل، وحينئذ يصح أن يقال: إن اللام على تقدير تضمين {فَتَنَّا} معنى خذلنا أو أن الفتن مراد به الخذلان للتعليل مجازاً لأن هناك تسبباً واقتضاء فقط من دون بعث، وعلى تقدير عدم القول بالتضمين وإبقاء اللفظ على المتبادر منه هي لام العاقبة وهو تعليل مجازي أيضاً لكن ليس فيه إلا التأدي فإن ابتلاء بعضهم ببعض مؤد للحسد وهو مؤد إلى القول المذكور وليس هناك تسبب ولا بعث أصلاً. والحاصل أن كلاً من العاقبة والتعليل المقابل لها مجاز عن التعليل الحقيقي إلا أن التعليل المقابل أقرب إليه من العاقبة ومنشأ الأقربية هو الفارق، والبحث بعد محتاج إلى تأمل وإذا فتح لك فاشكر الله سبحانه. {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ} رد لقولهم ذلك وإشارة إلى أن مدار استحقاق ذلك الإنعام معرفة شأن النعمة والاعتراف بحق المنعم. والاستفهام للتقرير بعلمه البالغ بذلك، والباء الأولى سيف خطيب والثانية متعلقة بأعلم ويكفي أفعل العمل في مثله وفي «الدر المصون» العلم يتعدى بالباء لتضمنه معنى الإحاطة وهو كثير في كلام الناس نحو علم بكذا وله علم به، والمعنى أليس الله تعالى عالماً على أتم وجه محيطاً علمه بالشاكرين لنعمه حتى يستبعدوا إنعامه عز وجل عليهم. وفيه من الإشارة إلى أن أولئك الضعفاء عارفون بحق نعم الله تعالى عليهم من التوفيق للإيمان والسبق إليه وغير ذلك شاكرون عليه مع التعريض بأن القائلين في مهامه الضلال بمعزل عن ذلك كله ما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : الواو استئنافية كما هي في نظائره. والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّ السامع لمَّا شعر بقصّة أومأ إليها قوله تعالى: {أية : ولا تطرد الذين يدعون ربَّهم}تفسير : [الأنعام: 52] الآية يأخذه العجب من كبرياء عظماء أهل الشرك وكيف يرضَوْن البقاء في ضلالة تكبّراً عن غشيَان مجلس فيه ضعفاء الناس من الصالحين، فأجيب بأنّ هذا الخلق العجيب فتنة لهم خلقها الله في نفوسهم بسوء خلُقهم. وقعت هذه الجملة اعتراضاً بين الجملتين المتعاطفتين تعجيلاً للبيان، وقرنت بالواو للتنبيه على الاعتراض، وهي الواو الاعتراضية، وتسمَّى الاستئنافية؛ فبيَّن الله أنّ داعيهم إلى طلب طردهم هو احتقار في حسد؛ والحسد يكون أعظم ما يكون إذا كان الحاسد يرى نفسه أولى بالنعمة المحسود عليها، فكان ذلك الداعي فتنة عظيمة في نفوس المشركين إذ جمعتْ كبراً وعُجباً وغروراً بما ليس فيهم إلى احتقار للأفاضل وحسد لهم، وظلم لأصحاب الحق، وإذ حالت بينهم وبين الإيمان والانتفاع بالقرب من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم. والتشبيه مقصود منه التعجيب من المشبّه بأنَّه بلغ الغاية في العجب. واسم الإشارة عائد إلى الفتون المأخوذ من «فتنّا» كما يعود الضمير على المصدر في نحو {اعدلوا هو أقرب للتقوى}، أي فتنّا بعضهم ببعض فتوناً يرغب السامع في تشبيهه وتمثيله لتقريب كنهه فإذا رام المتكلّم أن يقرّبه له بطريقة التشبيه لم يجد له شبيهاً في غرائبه وفظاعته إلاّ أن يشبّهه بنفسه إذ لا أعجب منه، على حدّ قولهم: والسفاعة كاسمها. وليس ثمّة إشارة إلى شيء متقدّم مغاير للمشبّه. وجيء باسم إشارة البعيد للدلالة على عظم المشار إليه. وقد تقدّم تفصيل مثل هذا التشبيه عند قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً}تفسير : في سورة [البقرة: 143]. والمراد بالبعض المنصوب المشركون فهم المفتونون، وبالبعض المجرور بالباء المؤمنون، أي فتنَّا عظماءَ المشركين في استمرار شركهم وشِرْك مقلِّديهم بحال الفقراء من المؤمنين الخالصين كما دلّ عليه قوله: {لِيَقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا} [الأنعام: 53] فإنّ ذلك لا يقوله غير المشركين، وكما يؤيِّده قوله تعالى في تذييله {أليس الله بأعلمَ بالشاكرين}. والقول يحتمل أن يكون قولاً منهم في أنفسهم أو كلاماً قالوه في مَلئهم. وأيّاً ما كان فهم لا يقولونه إلاّ وقد اعتقدوا مضمونه، فالقائلون {أهؤلاء مَنّ الله عليهم} هم المشركون. واللام في قوله: {ليقولوا} لام التعليل، ومدخولها هو أثرُ العلّة دالّ عليها بعد طيِّها على طريقة الإيجاز. والتقدير: فتنَّاهم ليَرَوْا لأنفسهم شفوفاً واستحقاقاً للتقدّم في الفضائل اغتراراً بحال الترفّه فيعجبوا كيف يُدعى أنّ الله يمنّ بالهدى والفضل على ناس يرونهم أحطّ منهم، وكيف يُعَدّونهم دونَهم عند الله، وهذا من الغرور والعُجب الكاذب. ونظيره في طيّ العلَّة والاقتصار على ذكر أثرها قول إياس بن قبيصة الطائي:شعر : وأقدمتُ والخَطِّيُّ يَخطِرُ بَيْنَنَا لأعْلَمَ مَنْ جَبَانُهَا من شُجاعها تفسير : أي ليظهر الجَبَان والشجاع فأعلَمَهُمَا. والاستفهام مستعمل في التعجّب والإنكار، كما هو في قوله {أية : أألقي الذكرُ عليه من بيننا}تفسير : [القمر: 25]. والإشارة مستعملة في التحقير أو التعجيب كما هي في قوله تعالى حكاية عن قول المشركين {أية : أهذا الذي يذكر آلهتكم}تفسير : في سورة [الأنبياء: 36]. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لقصد تقوية الخبر. وقولهم: {مَنّ الله عليهم} قالوه على سبيل التهكّم ومجاراة الخصم، أي حيث اعتقد المؤمنون أنّ الله منّ عليهم بمعرفة الحق وحَرم صناديد قريش، فلذلك تعجَّب أولئك من هذا الاعتقاد، أي كيف يُظنّ أنّ الله يمنّ على فقراء وعبيد ويترك سادة أهل الوادي. وهذا كما حكى الله عنهم {أية : وقالوا لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}تفسير : [الزخرف: 31]. وهذه شنشنة معروفة من المستكبرين والطغاة. وقد حدث بالمدينة مثل هذا. روى البخاري أنّ الأقرع بن حابس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّما بايعَك سُرّاقُ الحجيج مِنْ أسْلَمَ وغِفار ومُزَيْنَة وجُهَيْنَة فقال له رسول الله: أرأيْتَ إنْ كانت أسْلَمُ وغِفَارُ ومزينةُ وجهينةُ خيراً من بني تميم وبني عامر وأسد وغطفانُ أخابوا وخسروا (أي أخاب بنو تميم ومن عُطف عليهم) فقال: نعم قال: فَوالذي نفسي بيده إنّهم لَخير منهم. وفي الآية معنى آخر، وهو أن يكون القول مضمراً في النفس، وضميرُ {ليقولوا} عائداً إلى المؤمنين الفقراء، فيكونوا هم البعض المفتونين، ويكون البعض المجرور بالباء صادقاً على أهل النعمة من المشركين، وتكون إشارة {هؤلاء} راجعة إلى عظماء المشركين ويكون المراد بالمَنّ إعطاء المال وحُسْن حال العيش، ويكون الاستفهام مستعملاً في التحيّر على سبيل الكناية، والإشارةُ إلى المشركين معتبر فيها ما عرفوا به من الإشراك وسوء الاعتقاد في الله. والمعنى: وكذلك الفتوننِ الواقع لِعظماء المشركين، وهو فتون الإعجاب والكبرياء حين ترفّعوا عن الدخول فيما دخل فيه الضعفاء والعبيد من تصديق محمد صلى الله عليه وسلم وصحبته استكباراً عن مساواتهم، كذلك كان فتون بعض آخر وهم بعض المؤمنين حين يشاهدون طيب عيش عظماء المشركين في الدنيا مع إشراكهم بربِّهم فيعجبون كيف منّ الله بالرزق الواسع على من يكفرون به ولم يمُنّ بذلك على أوليائه وهم أولى بنعمة ربِّهم. وقد أعرض القرآن عن التصريح بفساد هذا الخاطر النفساني اكتفاء بأنَّه سمَّاه فتنة، فعلم أنّه خاطر غير حقّ، وبأنّ قوله: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} مشير إلى إبطال هذه الشبهة. ذلك بأنَّها شبهة خلطت أمر شيئين متفارقين في الأسباب، فاشتبه عليهم الجزاء على الإيمان وما أعدّ الله لأهله من النعيم الخالد في الآخرة، المترتِّب عليه ترتّب المسبّب على السبب المجعول عن حكمة الله تعالى، بالرزق في الدنيا المترتِّب على أسباب دنيوية كالتجارة والغزو والإرث والهبات. فالرزق الدنيوي لا تسبّب بينه وبين الأحوال القلبية ولكنّه من مسبّبات الأحوال الماديَّة فالله أعلم بشكر الشاكرين، وقد أعدّ لهم جزاء شكرهم، وأعلمُ بأسباب رزق المرزوقين المحْظوظين. فالتخليط بين المقامين من ضعف الفكر العارض للخواطر البشرية والناشىء عن سوء النظر وترك التأمّل في الحقائق وفي العلل ومعلولاتها. وكثيراً ما عرضت للمسلمين وغيرهم شُبه وأغلاط في هذا المعنى صرفتهم عن تطلّب الأشياء من مظانّها وقعدت بهم عن رفْو أخْلالهم في الحياة الدنيا أو غرّتْهُم بالتفريط فيما يجب الاستعداد له كل ذلك للتخليط بين الأحوال الدينية الأخروية وبين السنن الكونية الدنيوية، كما عرض لابن الراوندي من حيرة الجهل في قوله: شعر : كَمْ عالمٍ عَالم أعْيَتْ مذاهبُه وجَاهلٍ جاهلٍ تلقّاه مرزوقاً هَذا الذي ترك الأوْهَامَ حائِرَةً وصَيَّرَ العالم النِّحْرير زنديقاً تفسير : ولا شكّ أنّ الذين استمعوا القرآن ممّن أنزل عليه صلى الله عليه وسلم قد اهتدوا واستفاقوا، فمن أجل ذلك تأهَّلوا لامتلاك العالم ولاَقُوا. و{مِنْ} في قوله {مِنْ بيننا} ابتدائية. و(بين) ظرف يدلّ على التوسّط، أي مَنّ الله عليهم مختاراً لهم من وسطنا، أي منّ عليهم وتركنا، فيؤول إلى معنى من دوننا. وقوله: {أليس الله بأعلمَ بالشاكرين} تذييل للجملة كلّها، فهو من كلام الله تعالى وليس من مقول القول، ولذلك فصل. والاستفهام تقريري. وعديّ {أعلَمَ} بالباء لأنَّه بصيغة التفضيل صار قاصراً. والمعنى أنّ الله أعلم بالشاكرين من عباده فلذلك منّ على الذين أشاروا إليه بقولهم: {أهؤلاء مَنّ الله عليهم} بمنَّة الإيمان والتوفيق. ومعنى علمه تعالى بالشاكرين أنَّه أعلم بالذين جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مستجيبين لدعوته بقريحة طالبين النجاة من الكفر راغبين في حسن العاقبة، فهو يلطف بهم ويسهِّل لهم الإيمان ويحبِّبه إليهم ويزيّنه في قلوبهم ويزيدهم يوماً فيوماً تمكّناً منه وتوفيقاً وصلاحاً، فهو أعلم بقلوبهم وصدقهم من الناس الذين يحسبون أنّ رثاثة حال بعض المؤمنين تطابق حالة قلوبهم في الإيمان فيأخذون الناس ببزّاتهم دون نيَّاتهم. فهذا التذييل ناظر إلى قوله: {أية : إنّما يستجيب الذين يسمعون}تفسير : [الأنعام: 36]. وقد عُلم من قوله: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} أنَّه أيضاً أعلم بأضدادهم. ضدّ الشكر هو الكفر، كما قال تعالى: {أية : لئن شكرتم لأزيدنَّكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد}تفسير : [إبراهيم: 7] فهو أعلم بالذين يأتون الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ مستهزئين متكبِّرين لا هَمّ لهم إلاّ تحقير الإسلام والمسلمين، وقد استفرغوا وسعهم ولبّهم في مجادلة الرسول صلى الله عليه وسلم وتضليل الدهماء في حقيقة الدين. ففي الكلام تعريض بالمشركين.

الشنقيطي

تفسير : أجرى الله تعالى الحكمة بأن أكثر أتباع الرسول ضعفاء الناس، ولذلك "لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن نبينا صلى الله عليه وسلم: أأشرف الناس يتبعونه، أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم. قال: هم أتباع الرسل". فإذا عرفت ذلك فاعلم أنه تعالى اشار إلى أن من حكمة ذلك فتنة بعض الناس ببعض، فإن أهل المكانة والشرف والجاه يقولون: لو كان في هذا الدين خير لما سبقنا إليه هؤلاء، لأنا أحق منهم بكل خير كما قال هنا: {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} الآية إنكاراً منهم أن يمن الله على هؤلاء الضعفاء دونهم، زعماً منهم أنهم أحق بالخير منهم، وقد رد الله قولهم هنا بقوله: {أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ}. وقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ} تفسير : [الأحقاف: 11] الآية، وقوله: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}تفسير : [مريم:73]. والمعنى: أنهم لما رأوا أنفسهم أحسن منازل، ومتاعاً من ضعفاء المسلمين اعتقدوا أنهم أولى منهم بكل خير، وأن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان خيراً ما سبقوهم إليه، ورد الله افترائهم هذا بقوله: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً}تفسير : [مريم:74]، وقوله: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 55-56]، إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلشَّاكِرِينَ} (53) - وَكَذَلِكَ اخْتَبَرْنَا المُتَكَبِّرِينَ بِسَبْقِ الضُّعَفَاءِ إِلَى الإِسْلاَمِ، لِيَقُولَ الكُبَرَاءُ عَن المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنينَ سَاخِرينَ: أَهؤلاءِ الذِينَ مَنَّ اللهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَيْنِنا بِالهِدَايَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَاتِّبَاعِ الحَقِّ؟ (وَهُمْ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ مَا كَانَ لِيَهْدِيَ هَؤُلاَءِ المُسْتَضْعَفِينَ إِلى الخَيْرِ وَيَدَعَ كُبَرَاءَ قُرَيْشٍ). وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مُسْتَنْكِراً هذا القَوْلَ وَهذا الاعْتِقَادَ: أَلَيْسَ اللهُ هُوَ الأَعْلَمُ بِالشَّاكِرِينَ لَهُ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ فَيُوَفِّقُهُمْ، وَيَهْدِيهِمْ سَبِيلَ السَّلاَمِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؟. فَتَنّا - ابْتَلَيْنَا وَامْتَحَنَّا، وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نحن هنا أمام "بعضين": بعض قد استعلى أن يجتمع ببعض آخر مستضعف عند رسول أرسله الله. ويمتحن الله البعض بالفتنة، والفتنة هي الاختبار. إن بعضاً من الناس يظن أن الفتنة أمر مذموم، لا، إن الفتنة لا تذم لذاتها، وإنما تذم لما تؤول إليه. فالاختبار - إذن - لا يذم لذاته، وإنما يذم لما يؤول إليه. وتأتي الفتنة ليُرى صدق اليقين الإيماني، وها هوذا الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} تفسير : [العنكبوت: 2-3]. إن الحق سبحانه يختبر مدى صدق الإنسان حين يعلن الإيمان، إنه - سبحانه - يختبرهم بالمحن والنعم، وقد اختبر الحق الأمم السابقة بالتكاليف والنعم والمحن ويظهر ويبرز إلى الوجود ما سبق أن علمه سبحانه أزلاً، ويميز أهل الصدق في الإيمان عن الكاذبين في الإيمان. فمن صبر على الاختبار والفتنة فقد ثبت صدقه ويقينه، ومن لم يصبر فقد دّل بعمله هذا على أنه كان يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ورضي، وإن أصابه شر وفتنة انقلب على وجهه ونكص على عقبيه فخسر الدنيا والآخرة. إذن فالفتنة مجرد اختبار. والوجود الذي نراه مبني كله على المفارقات، وعلى هذه المفارقات نشأت حركة الحياة. ويجب الإيمان بقدر الله في خلقه؛ فهذا طويل، وذاك قصير، هذا أبيض، وذاك أسود، هذا مبصر وذلك أعمى، هذا غني، وذلك فقير، هذا صحيح، وذلك سقيم، وذلك ليكون كل نقيض فتنة للآخر. فالمريض - على سبيل المثال - فتنة للصحيح، والصحيح فتنة للمريض، ويستقبل المريض قدر الله في نفسه ولا ينظر بحقد أو غيظ للصحيح، ولكن له أن ينظر هل يستعلي الصحيح عليه ويستذله، أو يقدم له المساعدة؟ والفقير فتنة للغني، وهو ينظر إلى الغني ليعرف أيحتقره، أيحرجه، أيستغله، والغني فتنة للفقير، يتساءل الغني أينظر إليه الفقير نظرة الحاسد. أم الراضي عن عطاء الله لغيره. وهكذا تكون الفتن. إن من البشر من هو موهوب هبة ما، وهناك من سلب الله منه هذه الهبة، وهذا العطاء وذلك السلب كلاهما فتنة؛ لنؤمن بأن خالق الوجود نثر المواهب على الخلق ولم يجعل من إنسان واحد مجمع مواهب؛ حتى يحتاج كل إنسان إلى مواهب غيره، وليقوم التعاون بين الناس، وينشأ الارتباط الاجتماعي. وعندما يخلق الله الإنسان بعاهة من العاهات فهو سبحانه يعوضه بموهبة ما. هكذا نرى أن العالم كله قد فتن الله بعضه ببعض، وكذلك كانت الجماعة المؤمنة فتنة للجماعة الكافرة، وكانت الجماعة الكافرة فتنة لرسول الله، ورسول الله فتنة لهم فساعة يرى رسول الله الكفار وهم يجترئون عليه ويقولون: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. يعرف أن هؤلاء القوم يستكثرون عليه أن ينزل عليه هذا القرآن العظيم، وفي هذا القول فتنة واخْتبار لرسول الله، وهو يصبر على ذلك ويمضي إلى إتمام البلاغ عن الله ولا يلتفت إلى ما يقولون، بل يأخذ هذا دليلاً على قوة المعجزة الدالة على صدق رسالته. والجماعة التي استكبرت وطلبت طرد المستضعفين هم فتنة للمستضعفين، والمستضعفون فتنة لهم، فلو أن الإيمان قد اختمر في نفوس المستكبرين لما استكبروا أن يسبقهم الضعاف إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن فكلنا يفتن بعضنا بعضًا. وكل إنسان عندما يرى موهوباً بموهبة لا توجد لديه فليعلم أنها فتنة له وعليه أن يقبلها ويرضى بها في غيره. وما عُبِدَ الله بشيء خيرا من أن يحترم خلق الله قدر الله في بعضهم بعضًا، ولذلك يختبرنا الحق جميعاً، فإن كنت مؤمنا بالله فاحترم قدر الله في خلق الله حتى يجعل الله غيرك من الناس يحترمون قدر الله فيك. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53]. ووجه الفتنة هنا أن قومًا طلبوا طرد المستضعفين وقالوا كما حكى الله عنهم: {أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ}؟ كأنهم تساءلوا عن المركز الاجتماعي للمستضعفين من المؤمنين، ويأتيهم الرد من الله: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ}. فسبحانه هو العليم أزلاً بالبشر، ولا يقترح عليه أحد ما يقرره. وقد سبق للذين كفروا أن قالوا: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}. وجاءهم الرد من الحق سبحانه وتعالى فقال: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} تفسير : [الزخرف: 32]. وهكذا نعلم أن الحق سبحانه وتعالى لم يضع مفاتيح الرسالة في أيدي المشركين أو غيرهم، ليوزعوا هم الأمور ويقوموا بتدبير الأمر. بل هو سبحانه وتعالى الذي يوزع المواهب في البشر رزقاً منه ليعتمد كل إنسان على الآخرين في مواهبهم التي يعجز عنها، ويعتمد عليها الآخرون في موهبته التي يعجزون عنها. ومسألة النبوة هي اصطفاء إلهي يكبر ويسمو على كل مقامات الدنيا. ويدل السياق إذن على أن بعضاًَ من كبار العرب طلبوا أن يطرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضاً من المستضعفين، فأراد الله أن يطمئن المستضعفين بشيء عجل لهم به في الدنيا وإن كان قد جعله لبقية المؤمنين في الآخرة. لذلك يقول الحق: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ...}

الجيلاني

تفسير : {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي: مثلما فتنا بعض الناس ببعض في الأمور المتعلقة بمعاش الدنيا من المال والجاه والرئاسة، فتناهم في أمور دنيهم أيضاً {لِّيَقُولوۤاْ} من غاية استبعادهم واستحقارهم: {أَهَـٰؤُلاۤءِ} الضعفاء الفقراء {مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} قال سبحانه توبيخاً وتقريعاً لهم: بل هم أولئك الفقراء الصابرون على بلاء الله، الشاكرون لنعمائه {أَلَيْسَ ٱللَّهُ} العالم بضمائر عباده {بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ} [الأنعام: 53] الصابرين منهم ومنكم أيها لشرفاء الكافرون لنعمه. {وَإِذَا جَآءَكَ} يا أكمل الرسل {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} ويتمثلون بها بالغداة والعشي وهم يريدون وجهنا {فَقُلْ} لهم قبل تسليمهم: {سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ} أيها المقبولون عند الله الراضون المرضيون وبشرهم بأنه {كَتَبَ} أي: قضى وحبب {رَبُّكُمْ} لأجلكم {عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} الشفقة والرحمة إلى حيث {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا} به يسيء نفسه عند الله صادراً عنه {بِجَهَٰلَةٍ} لا عند قصد وإصرار {ثُمَّ} بعدما علم وخامة عاقبته {تَابَ مِن بَعْدِهِ} واستغفر ربه {وَأَصْلَحَ} بالتوبة ما أفسد بالجهالة {فَأَنَّهُ غَفُورٌ} يستر تلك المعصية عنكم {رَّحِيمٌ} [الأنعام: 54] يقبل توبتكم بسبب إخلاصكم. {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ} ونوضح {ٱلآيَاتِ} ليظهر طريق التوحيد {وَلِتَسْتَبِينَ} ويتميز {سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55] المنحرفين عن منهج الرشاد ومسلك السداد عن طريق أهل الحق. {قُلْ} يا أكمل الرسل للمشركين الذي يعبدون آلهة غير الله: {إِنِّي نُهِيتُ} زجرت وصرفت بالدلائل القاطعة الدالة على توحيد الحق، وبالكشوف والمشاهدات الواردة من عنده سبحانه، الصارفة عن الميل والتوجه إلى الغير والسوى مطلقاً {أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ} وتسمون {مِن دُونِ ٱللَّهِ} آلهة باطلة بأهويتكم الفاسدة {قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ} التي اخترعتموها من تلقاء أنفسكم، وإن ابتعت بمتابعتكم تلك التماثيل العاطلة {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ} بعدما ظللت {مَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 56] أصلاً؛ أي: في شيء من الهداية كمثلكم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم قال تعالى {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الأنعام: 53]؛ يعني: الفاضل بالمفضول بالفاضل فليشكر الفاضل وليصبر المفضول، فإن لم يشكر الفاضل فقد تعرض لزوال الفضل والناصر المفضول فقد سعى في نيل الفضل والمفضول الصابر يساوي الفاضل الشاكر، كما كان سليمان عليه السلام في الشكر مع أيوب عليه السلام في الصبر، فإن سليمان مع كثرة سورة أعماله في العبودية كان أيوب عليه السلام عليه مع عجزه عن صورة أعمال العبودية مساوياً في مقام نعم العبدية لسليمان عليه السلام فقال تعالى: لكل واحد منهما {أية : نِعْمَ ٱلْعَبْدُ}تفسير : [ص: 30]، ففتنته في المفضول رؤية فضله على المفضول وتحقيره ومنع حقه عنه في فضله، وفتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخط عليه في منع حقه عنه، فإنه انقطع عن الحق بالخلق إذا رأى المنع والعطاء من الخلق وهو المعطي والمانع لا غيره، ومنها إقراري الفاضل مستحقاً للفضل، كما قال تعالى: {لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} [الأنعام: 53]؛ يعني: خصهم بالفضل، فقال تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ} [الأنعام: 53]؛ أي: المستحقين لنعمة فضله الذين يشكرون على نعماته، فكل نعمة من النعم الظاهرة والباطنة سبغ الله تعالى على عبده، فإن وفقه للشكر نعمة عليه وإلا يكون نعمة عليه، والله أعلم. ثم أخبر عن فضله مع أهل الفضل بقوله تعالى: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 54]، الآيتين، والإشارة فيهما أن الله تعالى من كمال فضله على الفقراء أحلهم محل الأكابر والملوك في الدنيا والآخرة بتقديم السلام عليهم، فأما في الدنيا فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ} يعني: كن مبتدأ بالسلام على أن السلام على الجائي والآتي إلا الأكابر والملوك تعظيم بتقديم السلام عليهم في كل حال، وأما في الآخرة فيسلم عليهم الملائكة عند دخول الجنة كقوله تعالى: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}تفسير : [الزمر: 73]، والله تبارك وتعالى يبتدئ {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}تفسير : [يس: 58]، وفي قوله: {سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ} يشير إلى السلام الذي سلم الله تعالى على حبيبه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج؛ إذ قال له: حديث : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال في قبول السلام: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحينتفسير : ، فكأنه قال له حين سألوه طرد الفقراء {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ}تفسير : [الأنعام: 52]، فإنهم من عبادنا الصالحين فإذا جاءك بلغ إليهم سلامنا كما قبلت منا، فالسلام كان من الله تعالى إليهم، وإن كان بالنبي صلى الله عليه وسلم سلم عليهم ومعنى السلام من الله تعالى هو سلامهم من ظلمة الخلقية بإصابة رشاشة نور القدر حين رش عليهم من نوره؛ إذ خلق الخلق في ظلمة، وإنما رش عليهم من نوره عند خلق الأرواح لأنه {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54]، في الأزل وإنما كتب لهم الرحمة على نفسه وهي ذاته تبارك وتعالى؛ لأنهم كانوا من الذين {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، فكانوا يريدون وجهه؛ أي ذاته فخصتهم في إتيان خصهم من الرحمة بالوصول إلى الذات. كما خصَّ الخضر عليه السلام بإيتاء الرحمة من عنده بقوله تعالى: {أية : آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً}تفسير : [الكهف: 65]، وأني حظ للعموم من الرحمة بإيصالهم إلى الجنة كما قال تعالى في حديث رباني للجنة: "حديث : أنتِ رحمتي أرحم بك من عبادي من شاء"تفسير : فيرحم بجنته من يشاء من عباده {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ} [الأنعام: 54]، يشير بقوله: {مِنكُمْ} إلى أن عامل السوء صنفان: صنف منكم أيها المهتدون المؤمنون، وصنف من غيركم وهم الكفار الضالون، والجهالة جهالتان: جهالة الضلالة وهي نتيجة إخطاء النور المرشش على الأرواح كما قال عليه صلى الله عليه وسلم: "حديث : فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". تفسير : وجهالة الجهولية وهي التي جبل الإنسان عليها، كقوله تعالى {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]، فمن عمل من الكفار سوء بجهالة الضلالة فلا توبة له، كما قال تعالى: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} تفسير : [النساء: 18]، إلا ومن عمل منكم، أي من المؤمنين المهتدين سوء من المعاصي بجهالة الجهولية المذكورة فيه {ثُمَّ تَابَ} [الأنعام: 54]؛ لأنه أهل التوبة، كما قال تعالى: {أية : وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 73]؛ أي: رجع إلى الله بقدم السير {مِن بَعْدِهِ} [الأنعام: 54]، من بعد إفساد استعداده الفطري بالسوء {وَأَصْلَحَ} [الأنعام: 54]، الاستعداد بالأعمال الصالحات لقبول الفيض {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 54]، يفيض عليه بمعرفته فيض الرحمة التي على نفسه، فافهم جيداً. ثم قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} [الأنعام: 55]؛ أي: كما بينا لك في هذه الآية أحوال المهتدين يبين لك أحوال الكافرين الضالين {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55]؛ أي: طريقهم إلى الجنة أو النار ليهلك من هلك عن بينته. ثم أخبر عن طريق الكفار إلى النار بقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الأنعام: 56]، إلى قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ} [الأنعام: 58]، الإشارة فيها أن {قُلْ} إنكم تعبدون من دون الله آلهة مثل الدنيا والنفس والشيطان، وتتبعون الهوى وهو يهدي بكم إلى الهاوية، و{إِنِّي نُهِيتُ} في الأزل إذ عصمت بإصابة النور المرشش أن أعبد الذين تعبدون من دون الله وتطلبونه، وقد أمرت في الأزل بقوله: {أية : وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}تفسير : [يس: 61]، وبقوله: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ}تفسير : [الحجر: 99]، وبقوله: {أية : وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ}تفسير : [الأحزاب: 2]، فـ {أية : لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} تفسير : [الكافرون: 2]، {قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ} [الأنعام: 56]، فأكون {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً} [الأنعام: 56]، بإخطاء النور المرشش "فإنه من أخطأه فقد ضل" {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 56]، الذين أحياهم النور فقد اهتدوا {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} [الأنعام: 57]، أي على نور من ربي يدل عليه قوله تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر: 22]، وقد قال لي {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}تفسير : [الشرح: 1]؛ أي: بإصابة ذلك النور المرشش من ربي {وَكَذَّبْتُم بِهِ} [الأنعام: 57]؛ أي: بذلك النور؛ يعني: أخطأكم فكذبتم به وبالذي رشه {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} [الأنعام: 57]، من عبادة ما تعبدون من دون الله واتباع أهوائكم؛ لأن ذلك من خاصية ظلمة الخلقية، وذلك ليس عندي إذ جعلني الله نوراً {إِنِ ٱلْحُكْمُ} [الأنعام: 57]، من الأزل إلى الأبد {إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ} [الأنعام: 57]؛ يعني: لمن يقضي له إصابة النور في الأزل، ولمن يقضي أخطأه {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ} [الأنعام: 57]، حين فصل بين الأرواح عند رش النور بإصابة البعض دون البعض {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} [الأنعام: 58]، من عبودية الغير واتباع الهوى {لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام: 58]؛ يعني: أمر القتال والخصومات واستراحت من غاية ما أوذي نبي مثل ما أوذيت، ولمن {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ} [الأنعام: 58]، الذين يضعون عبادة الله في غير موضعها، وهم الذين أخطأهم بذلك النور المرشش.

همام الصنعاني

تفسير : 800- وقال {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}: [الآية: 53]، يقول: ابْتَلَيْنَا بَعْضُهُمْ بِبَعْض.