٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
54
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في قوله {وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا } فقال بعضهم هو على إطلاقه في كل من هذه صفته. وقال آخرون: بل نزل في أهل الصفة الذين سأل المشركون الرسول عليه السلام طردهم وإبعادهم، فأكرمهم الله بهذا الإكرام. وذلك لأنه تعالى نهى الرسول عليه السلام أولاً عن طردهم، ثم أمره بأن يكرمهم بهذا النوع من الإكرام. قال عكرمة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام ويقول: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأه بالسلام» وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عمر لما اعتذر من مقالته واستغفر الله منها. وقال للرسول عليه السلام، ما أردت بذلك إلا الخير نزلت هذه الآية. وقال بعضهم: بل نزلت في قوم أقدموا على ذنوب، ثم جاؤه صلى الله عليه وسلم مظهرين للندامة والأسف، فنزلت هذه الآية فيهم والأقرب من هذه الأقاويل أن تحمل هذه الآية على عمومها، فكل من آمن بالله دخل تحت هذا التشريف. ولي ههنا إشكال، وهو: أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من آيات السورة أن سبب نزولها هو الأمر الفلاني بعينه؟ المسألة الثانية: قوله: {وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا } مشتمل على أسرار عالية، وذلك لأن ما سوى الله تعالى فهو آيات وجود الله تعالى، وآيات صفات جلاله وإكرامه وكبريائه، وآيات وحدانيته، وما سوى الله فلا نهاية له، وما لا نهاية له فلا سبيل للعقل في الوقوف عليه على التفصيل التام، إلا أن الممكن هو أن يطلع على بعض الآيات ويتوسل بمعرفتها إلى معرفة الله تعالى ثم يؤمن بالبقية على سبيل الإجمال ثم إنه يكون مدة حياته كالسائح في تلك القفار، وكالسابح في تلك البحار. ولما كان لا نهاية لها فكذلك لا نهاية لترقي العبد في معارج تلك الآيات، وهذا مشرع جملي لا نهاية لتفاصيله. ثم إن العبد إذا صار موصوفاً بهذه الصفة فعند هذا أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } فيكون هذا التسليم بشارة لحصول السلامة. وقوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } بشارة لحصول الرحمة عقيب تلك السلامة. أما السلامة فالنجاة من بحر عالم الظلمات ومركز الجسمانيات ومعدن الآفات والمخالفات وموضع التغييرات والتبديلات، وأما الكرامات فبالوصول إلى الباقيات الصالحات والمجردات المقدسات، والوصول إلى فسحة عالم الأنوار والترقي إلى معارج سرادقات الجلال. المسألة الثالثة: ذكر الزجاج عن المبرد. أن السلامة في اللغة أربعة أشياء، فمنها سلمت سلاماً وهو معنى الدعاء، ومنها أنه اسم من أسماء الله تعالى، ومنها الإسلام، ومنها اسم للشجر العظيم، أحسبه سمي بذلك لسلامته من الآفات، وهو أيضاً اسم للحجارة الصلبة، وذلك أيضاً لسلامتها من الرخاوة. ثم قال الزجاج: قوله: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } السلام ههنا يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون مصدر سلمت تسليماً وسلاماً مثل السراح من التسريح، ومعنى سلمت عليه سلاماً، دعوت له بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه. فالسلام بمعنى التسليم، والثاني: أن يكون السلام جمع السلامة، فمعنى قولك السلام عليكم، السلامة عليكم. وقال أبو بكر بن الأنباري: قال قوم السلام هو الله تعالى فمعنى السلام عليكم يعني الله عليكم أي على حفظكم وهذا بعيد في هذه الآية لتنكير السلام في قوله {فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ } ولو كان معرفاً لصح هذا الوجه. وأقول كتبت فصولاً مشبعة كاملة في قولنا سلام عليكم وكتبتها في سورة التوبة، وهي أجنبية عن هذا الموضع فإذا نقلته إلى هذا الموضع كمل البحث والله أعلم. أما قوله {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله كتب كذا على فلان يفيد الإيجاب. وكلمة «على» أيضاً تفيد الإيجاب ومجموعهما مبالغة في الإيجاب. فهذا يقتضي كونه سبحانه راحماً لعباده رحيماً بهم على سبيل الوجوب واختلف العقلاء في سبب ذلك الوجوب فقال أصحابنا: له سبحانه أن يتصرف في عبيده كيف شاء وأراد، إلا أنه أوجب الرحمة على نفسه على سبيل الفضل والكرم. وقالت المعتزلة: إن كونه عالماً بقبح القبائح وعالماً بكونه غنياً عنها، يمنعه من الإقدام على القبائح ولو فعله كان ظلماً، والظلم قبيح، والقبيح منه محال. وهذه المسألة من المسائل الجلية في علم الأصول. المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أنه لا يمتنع تسمية ذات الله تعالى بالنفس وأيضاً قوله تعالى: {أية : تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ }تفسير : [المائدة: 116] يدل عليه، والنفس ههنا بمعنى الذات والحقيقة، وأما بمعنى الجسم والدم فالله سبحانه وتعالى مقدس عنه. لأنه لو كان جسماً لكان مركباً والمركب ممكن وأيضاً أنه أحد، والأحد لا يكون مركباً، وما لا يكون مركباً لا يكون جسماً وأيضاً أنه غني كما قال {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ } والغني لا يكون مركباً وما لا يكون مركباً لا يكون جسماً وأيضاً الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فلو كان جسماً لحصل له مثل، وذلك باطل لقوله {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء }تفسير : [الشورى: 11] فأما الدلائل العقلية فكثيرة ظاهرة باهرة قوية جلية والحمد لله عليه. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة قوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } ينافي أن يقال: إنه تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يعذبه عليه أبد الآباد، وينافي أن يقال: إنه يمنعه عن الإيمان، ثم يأمره حال ذلك المنع بالإيمان، ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان. وجواب أصحابنا: أنه ضار نافع محيي مميت، فهو تعالى فعل تلك الرحمة البالغة وفعل هذا القهر البالغ ولا منافاة بين الأمرين. المسألة الرابعة: من الناس من قال: إنه تعالى لما أمر الرسول بأن يقول لهم: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } كان هذا من قول الله تعالى ومن كلامه، فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قال لهم في الدنيا: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } وتحقيق هذا الكلام أنه تعالى وعد أقواماً بأنه يقول لهم بعد الموت {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يس: 58] ثم إن أقواماً أفنوا أعمارهم في العبودية حتى صاروا في حياتهم الدنيوية كأنهم انتقلوا إلى عالم القيامة، لا جرم صار التسليم الموعود به بعد الموت في حق هؤلاء حال كونهم في الدنيا، ومنهم من قال: لا، بل هذا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام. وقوله: وعلى التقديرين فهو درجة عالية. ثم قال تعالى: {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا لا يتناول التوبة من الكفر، لأن هذا الكلام خطاب مع الذين وصفهم بقوله: {وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا } فثبت أن المراد منه توبة المسلم عن المعصية، والمراد من قوله {بِجَهَالَةٍ } ليس هو الخطأ والغلط، لأن ذلك لا حاجة به إلى التوبة، بل المراد منه، أن تقدم على المعصية بسبب الشهوة، فكان المراد منه بيان أن المسلم إذا أقدم على الذنب مع العلم بكونه ذنباً ثم تاب منه توبة حقيقية فإن الله تعالى يقبل توبته. المسألة الثانية: قرأ نافع {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ } بفتح الألف {فَأَنَّهُ غَفُورٌ } بكسر الألف، وقرأ عاصم وابن عامر بالفتح فيهما، والباقون بالكسر فيهما. أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة، كأنه قيل: كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم. وأما فتح الثانية فعلى أن يجعله بدلاً من الأولى كقوله {أية : أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظـٰماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ } تفسير : [المؤمنون: 85] وقوله {أية : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ } تفسير : [الحج: 4] وقوله {أية : أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } تفسير : [التوبة: 63] قال أبو علي الفارسي: من فتح الأولى فقد جعلها بدلاً من الرحمة، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبراً تقديره، فله أنه غفور رحيم، أي فله غفرانه، أو أضمر مبتدأ يكون «أن» خبره كأنه قيل: فأمره أنه غفور رحيم. وأما من كسرهما جميعاً فلأنه لما قال {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } فقد تم هذا الكلام، ثم ابتدأ وقال {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فدخلت الفاء جواباً للجزاء، وكسرت إن لأنها دخلت على مبتدأ وخبر كأنك قلت فهو غفور رحيم. إلا أن الكلام بأن أوكد هذا قول الزجاج. وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر، لأنه أبدل الأولى من الرحمة، واستأنف ما بعد الفاء. والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله: {مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ } قال الحسن: كل من عمل معصية فهو جاهل، ثم اختلفوا فقيل: إنه جاهل بمقدار ما فاته من الثواب وما استحقه من العقاب، وقيل: إنه وإن علم أن عاقبة ذلك الفعل مذمومة، إلا أنه آثر اللذة العاجلة على الخير الكثير الآجل، ومن آثر القليل على الكثير قيل في العرف إنه جاهل. وحاصل الكلام أنه وإن لم يكن جاهلاً إلا أنه لما فعل ما يليق بالجهال أطلق عليه لفظ الجاهل، وقيل نزلت هذه الآية في عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما اقترحوه، ولم يعلم بأنها مفسدة ونظير هذه الآية قوله: {أية : إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ }تفسير : [النساء: 17]. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ } فقوله {تَابَ } إشارة إلى الندم على الماضي وقوله {وَأَصْلَحَ } إشارة إلى كونه آتياً بالأعمال الصالحة في الزمان المستقبل. ثم قال: {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فهو غفور بسبب إزالة العقاب، رحيم بسبب إيصال الثواب الذي هو النهاية في الرحمة. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} السلام والسلامة بمعنى واحد. ومعنى {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} سلمكم الله في دينكم وأنفسكم؛ نزلت في الذين نهى الله نبيه عليه الصَّلاة والسَّلام عن طردهم؛ فكان إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: « حديث : الحمد لله الذي جعل في أُمتي من أمرني أن أبدأَهم بالسلام » تفسير : فعلى هذا كان السلام من جهة النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنه كان من جهة الله تعالىٰ، أي أبلغهم منا السَّلام؛ وعلى الوجهين ففيه دليل على فضلهم ومكانتهم عند الله تعالىٰ. وفي صحيح مسلم عن عائِذ بن عمرو: حديث : أن أبا سفيان أتى على سلمان وصُهَيْبٍ وبِلالٍ ونفر فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها؛ قال فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ٰ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك»فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا؛ يغفر الله لك يا أخي تفسير : ؛ فهذا دليل على رفعة منازلهم وحرمتهم كما بيناه في معنى الآية. ويستفاد من هذا ٱحترام الصالحين واجتناب ما يغضبهم أو يؤذيهم؛ فإن في ذلك غضب الله، أي حلول عقابه بمن آذى أحداً من أوليائه. وقال ابن عباس: نزلت الآية في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم. وقال الفُضَيل بن عِيَاض: جاء قوم من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد أصبنا من الذنوب فاستغفر لنا فأعرض عنهم؛ فنزلت الآية. وروي عن أنس بن مالك مثله سواء. قوله تعالىٰ: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} أي أوجب ذلك بخبره الصدق، ووعده الحق، فخوطب العباد على ما يعرفونه من أنه من كتب شيئاً فقد أوجبه على نفسه. وقيل: كتب ذلك في اللوح المحفوظ. {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ} أي خطيئة من غير قصد؛ قال مجاهد: لا يعلم حلالاً من حرام ومن جهالته رَكِب الأمرَ، فكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل؛ وقد مضى هذا المعنى في «النساء». وقيل: من آثر العاجل على الآخرة فهو الجاهل. {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قرأ بفتح «أَنَّ» مِن «فَأَنَّهُ» ٱبن عامر وعاصم، وكذلك {أَنَّهُ مَن عَمِلَ} ووافقهما نافع في {أَنَّهُ مَن عَمِلَ}. وقرأ الباقون بالكسر فيهما؛ فمن كسر فعلى الاستئناف، والجملة مفسرة للرّحمة؛ و «إنّ» إذا دخلت على الجمل كُسِرت وحكم ما بعد الفاء الابتداء والاستئناف فكُسِرت لذلك. ومن فتحهما فالأُولى في موضع نصب على البدل من الرحمة، بدل الشيء من الشيء وهو هو فأعمل فيها {كَتَبَ} كأنه قال: كتب ربكم على نفسه أنه من عمل؛ وأما {فَأَنَّهُ غَفُورٌ} بالفتح ففيه وجهان؛ أحدهما ـ أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر، كأنه قال: فله أنه غفور رحيم؛ لأن ما بعد الفاء مبتدأ، أي فله غفران الله. الوجه الثاني ـ أن يضمر مبتدأ تكون «أنّ» وما عملت فيه خبره؛ تقديره فأمره غفران الله له، وهذا اختيار سيبويه، ولم يُجِز الأوّل، وأجازه أبو حاتم وقيل: إنّ «كَتَبَ» عمل فيها؛ أي كتب ربكم أنه غفور رحيم. وروي عن علي بن صالح وٱبن هُرْمز كسر الأولى على الاستئناف، وفتح الثانية على أن تكون مبتدأة أو خبر مبتدأ أو معمولة لكتب على ما تقدّم. ومن فتح الأولى ـ وهو نافع ـ جعلها بدلاً من الرحمة، وٱستأنف الثانية لأنها بعد الفاء، وهي قراءة بيِّنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا جَاءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِئَايَٰتِنَا فَقُلْ } لهم {سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ } قضى {رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ إِنَّهُ } أي الشأن، وفي قراءة بالفتح[أنه] بدل من (الرحمة) {مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ } منه حيث ارتكبه {ثُمَّ تَابَ } رجع {مِن بَعْدِهِ } بعد عمله عنه {وَأَصْلَحَ } عمله {فَإِنَّهُ } أي الله {غَفُورٌ } له {رَّحِيمٌ } به، وفي قراءة بالفتحل[أنه] أي فالمغفرة له.
ابن عطية
تفسير : قال جمهور المفسرين: {الذين} يراد بهم القوم الذين كان عرض طردهم فنهى الله عز وجل عن طردهم، وشفع ذلك بأن أمر بأن يسلم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ويؤنسهم، وقال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد {الذين} يراد بهم القوم من المؤمنين الذين صوبوا رأي أبي طالب في طرد الضعفة فأمر الله نبيه أن يسلم عليهم ويعلمهم أن الله يغفر لهم مع توبتهم من ذلك السوء وغيره، وأسند الطبري عن ماهان أنه قال نزلت الآية في قوم من المؤمنين استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذنوب سلفت منهم فنزلت الآية بسببهم. قال القاضي أبو محمد: وهي على هذا تعم جميع المؤمنين دون أن تشير إلى فرقة، وقال الفضيل بن عياض: قال قوم للنبي صلى الله عليه وسلم إنَّا قد أصبنا ذنوباً فاستغفر لنا فأعرض عنهم فنزلت الآية، وقوله {بآياتنا} يعم آيات القرآن وأيضاً علامات النبوة كلها، و {سلام عليكم} ابتداء والتقدير: سلام ثابت أو أوجب عليكم، والمعنى: أمنة لكم من عذاب الله في الدنيا والآخرة، وقيل المعنى أن الله يسلم عليكم. قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى لا يقتضيه لفظ الآية حكاه المهدوي، ولفظه لفظ الخبر وهو في معنى الدعاء، وهذا من المواضع التي جاز فيها الابتداء بالنكرة إذ قد تخصصت، و {كتب} بمعنى أوجب، والله تعالى لا يجب عليه شيء عقلاً إلا إذا أعلمنا أنه قد حتم بشيء ما فذلك الشيء واجب، وفي: أين هذا الكتاب اختلاف؟ قيل في اللوح المحفوظ، وقيل في كتاب غيره لقوله عليه السلام في صحيح البخاري: إن الله تعالى كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، وقرأ عاصم وابن عامر: "أنه" بفتح الهمزة في الأولى والثانية، فـ "أنه" الأولى بدل من الرحمة و"أنه" الثانية خبر ابتداء مضمر تقديره: فأمره أنه غفور رحيم، هذا مذهب سيبويه وقال أبو حاتم "فإنه" ابتداء ولا يجوز هذا عند سيبويه، وقال النحاس: هي عطف على الأولى وتكرير لها لطول الكلام، قال أبو علي. ذلك لا يجوز لأن {من} لا يخلو أن تكون موصولة بمعنى الذي فتحتاج إلى خبر أو تكون شرطية فتحتاج إلى جواب، وإذا جعلنا "فأنه" تكريراً للأولى عطفاً عليها بقي المبتدأ بلا خبر أو الشرط بلا جواب، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي "إنه" بكسر الهمزة في الأولى والثانية، وهذا على جهة التفسير للرحمة في الأولى والقطع فيها، وفي الثانية إما في موضع الخبر أو موضع جواب الشرط وحكم ما بعد الفاء إنما هو الابتداء، وقرأ نافع بفتح الأولى وكسر الثانية، وهذا على أن أبدل من الرحمة واستأنف بعد الفاء، وقرأت فرقة بكسر الأولى وفتح الثانية حكاه الزهراوي عن الأعرج وأظنه وهماً، لأن سيبويه حكاه عن الأعرج مثل قراءة نافع، وقال أبو عمرو الداني: قراءة الأعرج ضد قراءة نافع، و "الجهالة" في هذا الموضع تعم التي تضاد العلم والتي تشبه بها، وذلك أن المتعمد لفعل الشيء الذي قد نهي عنه تشمل معصيته تلك جهالة، إذ قد فعل ما يفعله الذي لم يتقدم له علم، قال مجاهد: من الجهالة أن لا يعلم حلالاً من حرام ومن جهالته أن يركب الأمر، ومن هذا الذي لا يضاد العلم قول النبي عليه السلام في استعاذته "أو أجهل أو يجهل عليّ"، ومنه قول الشاعر [عمرو بن كثلوم]: [الوافر] شعر : ألاَ لاَ يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا تفسير : والجهالة المشبهة ليست بعذر في الشرع جملة والجهالة الحقيقية يعذر بها في بعض ما يخف من الذنوب ولا يعذر بها في كبيرة، و " التوبة" الرجوع، وصحتها مشروطة باستدامة الإصلاح بعدها في الشيء الذي تيب منه، والإشارة بقوله {وكذلك} إلى ما تقدم من النهي عن طرد المؤمنين وبيان فساد منزع العارضين لذلك، وتفصيل الآيات تبيينها وشرحها وإظهارها، واللام في قوله {ولتستبين} متعلقة بفعل مضمر تقديره ولتستبين سبيل المجرمين فصلناها، وقرأ نافع: "ولتستبين" بالتاء أي النبي صلى الله عليه وسلم، "سبيلَ" بالنصب حكاه مكي في المشكل له، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: "ولتستبين سبيلُ المجرمين" برفع السبيل وتأنيثها، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي "وليستبين سبيلُ" برفع السبيل وتذكيرها، وعربُ الحجاز تؤنث السبيل، وتميم وأهل نجد يذكرونها، وخص سبيل المجرمين لأنهم الذين أثاروا ما تقدم من الأقوال وهم أهم في هذا الموضع لأنها آيات رد عليهم، وأيضاً فتبيين سبيلهم يتضمن بيان سبيل المؤمنين، وتأول ابن زيد أن قوله {المجرمين} يعني به الآمرون بطرد الضعفة.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} ضعفاء المسلمين، وما كان من شأن عمرـ رضي الله تعالى عنه ـ {فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ} مني، أو من الله ـ تعالى ـ قاله الحسن والسلام: جمع السلامة، أو هو الله ذو السلام. {كَتَبَ} أوجب، أو كتب في اللوح المحفوظ. {بِجَهَالَةٍ} بخطيئة، أو ما جهل كراهة عاقبته.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذَا جَاءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ...} الآية: قال جمهور المفسِّرين: هؤلاءِ هم الذينَ نَهَى اللَّهُ عَنْ طردهم، وشَفَعَ ذلك بِأنْ أَمَرَ سبحانه أنْ يسلِّم النبيُّ ـــ عليه السلام ـــ عليهم، ويُؤْنِسَهُمْ، قال خَبَّابُ بْنُ الأَرَتَّ: لما نزلَتْ: {وَإِذَا جَاءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا...} الآية، فكُنَّا نأتي النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فيقولُ لنا: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، ونقعُدُ معه، فإذا أراد أنْ يقوم، قَامَ، وتركَنا، فأنزل اللَّه تعالَىٰ: {أية : وٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم...} تفسير : [الكهف:28]، فكان يَقْعُدُ معنا، فإذا بَلَغَ الوقْتَ الذي يقومُ فيه، قُمْنا وتركْنَاه، حتَّىٰ يقوم، و {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم}: ابتداءٌ، والتقديرُ: سَلاَمٌ ثابتٌ أو واجبٌ عليكم، والمعنَى: أمَنَةً لكُمْ مِنْ عذاب اللَّه في الدنيا والآخرة، ولفظه لفظُ الخَبَر، وهو في معنى الدُّعَاء، قال الفَخْر قوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}: النَّفْسُ ههنا: بمعنى الذَّات، والحقيقةِ، لا بمعنى الجِسْمِ، واللَّهُ تعالَىٰ مقدَّس عنه. انتهى. قلتُ: قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في كتاب «تفسير الأَفْعَال الواقعة في القُرآن»: قوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}، قال علماؤنا: كَتَبَ: معناه أَوْجَبَ، وعندي أنه كَتَبَ حقيقةً، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ اللَّهَ خَلَقَ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: ٱكْتُبْ، فَكَتَبَ مَا يَكُونُ إلَىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ»تفسير : . انتهى. وقرأ عاصمٌ، وابنُ عَامِرٍ أنَّهُ ـــ بفَتْحِ الهَمْزةِ في الأولَىٰ ـــ والثانيةِ «فأنَّهُ»: الأولَىٰ بدلٌ من {ٱلرَّحْمَةِ}، و «أنَّهُ» الثانيةُ: خبرُ ابتداءٍ مضمرة، تقديرُهُ: فأمره أنَّه غفورٌ رحيمٌ، هذا مذْهَبُ سيبَوَيْه، وقرأ ابنُ كَثِيرٍ، وأبو عَمْرٍو، وحمزة، والكسائي «إنَّهُ» ـــ بكسر الهمزة في الأولَىٰ والثانية ـــ، وقرأ نافعٌ بفَتْح الأولَىٰ وكَسْر الثانية، والجهالةُ في هذا الموضِعِ: تعمُّ التي تُضَادُّ العِلْمَ، والتي تُشَبَّه بها؛ وذلك أنَّ المتعمِّد لفعْلِ الشيء الذي قَدْ نُهِيَ عنه تُسَمَّىٰ معصيته تِلْكَ جِهَالَةً، قال مجاهدٌ: مِنَ الجهالةِ ألاَّ يعلم حَلاَلاً مِنْ حرامٍ، ومن جهالته أنْ يركِّب الأمر. قُلْتُ: أيْ: يتعمَّده، ومن الجهالة الَّتي لا تُضَادُّ العلم قولُهُ صلى الله عليه وسلم في ٱستعاذَتِهِ: «حديث : أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ»تفسير : ؛ ومنها قولُ الشَّاعر: [الوافر] شعر : أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ علَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا تفسير : قال الفخْر: قال الحَسَنُ: كُلُّ مَنْ عَمِلَ معصيةً، فهو جاهلٌ، فقيل: المعنَىٰ أنه جاهلٌ بمقدارِ ما فاتَهُ منَ الثَّواب، وما ٱستحقَّه من العقابِ، قلْتُ: وأيضاً فهو جاهلٌ بقَدْر مَنْ عصاه. انتهى. والإشارةُ بقوله تعالَىٰ: {وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلأَيَـٰتِ}، إلى ما تقدَّم من النهْيِ عن طَرْدِ المؤمنين، وبَيَانِ فَسَادِ مَنْزَعِ العارضين لذلك، وتفصيلُ الآياتِ: تبيينُها وشَرْحُها وإظهارُها، قلْتُ: ومما يناسِبُ هذا المَحَلَّ ذِكْرُ شيء ممَّا ورد في فَضْلِ المُصَافَحَة، وقد أسند أبُو عُمَر في «التمهيد»، عن عبد الرحْمَنِ بْنِ الأسود، عن أَبِيهِ وعلقمة؛ أنهما قَالاَ: «مَنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ المُصَافَحَةُ»، وروى مالكٌ في «الموطإ»، عن عطاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : تَصَافَحُوا؛ يَذْهَبُ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا؛ تَحَابُّوا، وَتَذْهَب الشَّحْنَاءُ»تفسير : ، قال أبو عُمَر في «التمهيد»: هذا الحديثُ يتَّصلُ مِنْ وجوه شتَّىٰ حِسَانٍ كلُّها، ثم أسند أبو عُمَر من طريقِ أبي دَاوُد وغَيْره، عن البَرَاءِ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّفَا»تفسير : ، ثم أسند أبو عُمَرَ عن البَرَاء بنِ عَازِبٍ، قال: «حديث : لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ كُنْتُ لأحْسِبُ أَنَّ المُصَافَحَةَ لِلْعَجَمِ فَقَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالمُصَافَحَةِ مِنْهُمْ؛ مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُمَا، ونَصِيحَةً، إلاَّ أُلْقِيَتْ ذُنُوبُهُمَا بَيْنَهُمَا»تفسير : ، وأسند أبو عُمَرَ عن عمر بْنِ الخَطَّابِ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذَا ٱلْتَقَى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ؛ تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ بِالمُصَافَحَةِ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ، وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ أَحْسَنُهُمَا بِشْراً بِصَاحِبِهِ»تفسير : . انتهى. وقد ذكرنا طَرَفاً مِنْ آدَابِ المُصَافحة فِي غَيْرِ هذا الموضعِ، فَقِفْ عليه، وٱعْمَلْ به، تَرْشَدْ، فإنَّ العلْم إنما يرادُ للعَمَل، وباللَّه التوفيق. وخُصَّ سبيلُ المُجْرمينَ بالذِّكْر؛ لأنهم الذين آثَرُوا ما تقدَّم من الأقوال، وهو أهَمُّ في هذا الموضِعِ؛ لأنها آياتُ رَدٍّ علَيْهم. وأيضاً: فتَبْيِينُ سَبِيلِهِمْ يتضمَّن بيانَ سَبِيلِ المُؤْمنين، وتَأوَّلَ ابنُ زَيْد؛ أنَّ قوله: {ٱلْمُجْرِمِينَ} مَعْنِيٌّ به الآمِرُونَ بطَرْد الضَّعَفَةِ. وقوله سبحانه: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ...} الآية: أَمَرَ اللَّهُ سبحانه نَبيَّه ـــ عليه السلام ـــ؛ أنْ يجاهرهم بالتبرِّي ممَّا هم فيه، و {تَدْعُونَ}: معناه تعبدون، ويْحْتَمَلُ أنْ يريدَ: تَدْعُونَ في أموركُمْ، وذلك مِنْ معنى العبَادةِ، وٱعتقادِهِمُ الأصنامَ آلهة. وقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي}: المعنَىٰ: قل إني علَىٰ أمْر بيِّن، {وَكَذَّبْتُم بِهِ}، الضمير في «بِهِ» عائدٌ على «بَيِّن»، أو علَى الرَّبِّ، وقيل: على القُرآن، وهو جليٌّ، وقال بعضُ المفسِّرين: الضميرُ في «به» الثانِي عائدٌ علَىٰ «مَا»، والمُرَادُ بها الآياتُ المقْتَرَحَةُ؛ علَىٰ ما قال بعض المفسِّرين، وقيل: المرادُ به العذابُ، وهو يترجَّح من وجْهَيْن: أحدهما: مِنْ جهة المَعْنَىٰ؛ وذلك أنَّ قوله: {وَكَذَّبْتُم بِهِ} يتضمَّن أنَّكم واقعتم مَا تَسْتَوْجِبُون به العَذَابَ إلاَّ أنه ليس عنْدِي. والآخَرُ: مِنْ جهة لَفْظِ الاستعجالِ الذي لَمْ يأت في القُرآن إلاَّ للعذابِ. وأما ٱقتراحُهُمْ للآيَاتِ، فَلمْ يكُنْ بٱستعجالٍ. وقوله: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ}، أي: القضاءُ والإنفاذُ، و {يَقُصُّ ٱلْحَقَّ}، أيْ: يخبر به، والمعنَىٰ: يقُصُّ القَصَص الحَقَّ، وقرأ حمزةُ والكِسَائيُّ وغيرهما: «يَقْضِي الحَقَّ»، أي: يُنْفِذُهُ.
ابن عادل
تفسير : "إذا" منصوب بجوابه، أي: فقلْ، سلامٌ عليكم وَقْتَ مجيئهم أي: أوقع هذا القول كله في وقت مجيئهم إليك، وهذا معنى واضح. وقال أبو البقاء: "والعاملُ في "إذا" معنى الجواب، أي: إذا جاءوك سَلِّمْ عليهم" ولا حَاجَة تدعو إلى ذلك مع فوات قوة المعنى؛ لأن كونه يُبَلِّغُهُمُ السَّلام والإخبار بأنه كتب على نفسه الرَّحْمَةَ، وأنه من عَمِلَ سُوءاً بجَهَالَةٍ غفر له لا يقوم مقامه السَّلامُ فقط، وتقديره يفضي إلى ذلك. وقوله: "سلامٌ" مبتدأ، وجاز الابتداء به وإن كان نَكِرَةً؛ لأنه دُعَاءٌ، والدُّعَاءُ من المُسَوِّغَاتِ. وقال أبو البقاء: "لما فيه من معنى الفِعْلِ" وهذا ليس من مذهب جمهور البصريين، وإنما هو شيء نُقِلَ عن الأخفش: أنه إذا كانت النكرة في معنى الفِعْل جاز الابتداء بها ورفعها الفاعل، وذلك نحو: "قائم أبواك" ونقل ابن مالك أن سيبويه أوْمَأ إلى جوازه، واستدلال الأخفش بقوله: [الطويل] شعر : 2182-خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلا تَكُ مُلْغِياً مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إذَا الطَّيْرُ مَرَّتِ تفسير : ولا دليل فيه؛ لأنَّ "فعيلاً" يقع بلفظ واحدٍ للمفرد وغيره، فـ "خبير" خَبَرٌ مقدَّمٌ واسْتَدَلَّ له أيضاً بقول الآخر: [الوافر] شعر : 2183- فَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ إذَا الدَّاعِي المُثَوِّبُ قَالَ: يَا لاَ تفسير : فـ "خير" مبتدأ، و"نحن" [فاعل] سَدَّ مَسَدَّ الخبر. فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون "خير" خبراً مُقدَّماً, و "نحن" مبتدأ مؤخر؟ قيل: لئلا يَلْزَمُ الفَصْلُ بين "أفعل" و "مِنْ" بأجنبي بخلاف جَعْلِه فاعلاً، فإن الفاعل كالخبر بخلاف المبتدأ. و"عليكم" خَبَرُهُ، و"سلامٌ عليكم" أبلغ من "سَلاَماً عليكم" بالنصب، وقد تقررَّ هذا في أوَّلِ "الفاتحة" عند قراءة "الحَمْدُ" و"الحَمْدَ". وقوله: "كَتَبَ رَبُّكُم" في مَحَلِّ نصب بالقولِ، لأنه كالتفسير لقوله: "سلامٌ عليكم". فصل في نزول الآية قال عكرمة: نزلت في الذين نَهَى اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم عن طردهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بَدَأهُمْ بالسلام. وقال عطاء: نزلت في أبي بكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ، وعلي، وبلال، وسالم، وأبي عُبَيْدةَ، ومُصْعَبِ بن عُمَيْرٍ، وحَمْزَة، وجعفر، وعُثْمانَ بْنِ مَظْعُون، وعمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، والأرقم بن أبي الأرقم وأبي سَلَمَة بْنِ عَبْدِ الأسَدِ. قال ابن الخطيب: "وها هنا إشْكَالٌ، وهو أن النَّاسَ اتفقوا على أن هذه السُّورة نزلت دفعةً واحدةً، وإذا كان كذلك، فكيف يمكن أن يُقَالَ في كُلِّ واحدٍ من آيات هَذِهِ السُّورة: إن سبب نزول هذه الآية الأمْرُ الفلاني بِعَيْنِهِ، بل الأقْرَبُ أن تُحْمَلَ هذه الآية على عمومها، فكل من آمن باللِّهِ دخل تحت هذا التشريف". فصل فيما يطلق عليه لفظ "السلام" قال المبرِّد: السَّلامُ في اللغة على أربعة أشياء: فمنها سلمت سلاماً، وهو معنى الدعاء. ومنها أنه اسْمٌ من أسْمَاء اللَّهِ تعالى. ومنها الإسْلام. ومنها الشَّجَرُ العظيم أحْسَبُهُ مُسَمًّى بذلك لسلامتِهِ من الآفَاتِ. ومنها أيضاً اسم للحِجَارَةِ الصَّلْبَةِ، وذلك أيضاً لسَلامتِهَا من الرَّخَاوَةِ. ثم قال الزجَّاج: "سلام عليكم" هاهنا يحتمل أن يكون له تأويلان: أحدهما: أن يكون مَصْدر: سَلَّمت تسليماً وسلاماً، مثل "السَّراح" من "التَّسْرِيح"، ومعنى سلمت عليه سلاماً: دعوت بأن يَسْلَمَ من الآفات في دينِهِ ونَفْسِهِ، والسَّلامُ بمعنى التَّسْلِيم. والثاني: أن يكون "السَّلامُ" جَمْعَ "السلامة"، فمعنى قولك: السَّلامُ عليكم: السَّلامةُ عليكم. وقال ابن الأنباري: قال قومٌ: السلامُ هو الله تعالى، فمعنى السَّلامُ عليكم [يعني الله عليكم] أي: على حفظكم، وهذا بَعِيدٌ في هذه الآية لتنكير السَّلامِ، ولو كان مُعَرَّفاً لصحَّ هذا الوَجْهُ. فصل في الكلام على "السلام" قال قوم: إنَّه - تعالى - لمَّا أمَرَ الرسول - عليه الصلاة والسلام - بأن يقول لهم: {سلامٌ عَليْكُمْ كَتَبَ ربُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَة} كان هذا من قول الله فَيَدُلُّ على أنه - تعالى - قال لهم في الدُّنْيَا: سلامٌ عليكم كتب ربُّكم على نفسه الرحمة. ومنهم من قال: بل هذا كلامِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. فصل في معنى "كتب" كتب كذا [على فلان] يفيد الإيجاب، أي: بمعنى قَضَى، وكلمة "على" أيضاً تُفيدُ الإيجابَ، ومجموعهما مُبالغة في الإيجاب، وهذا يقتضي كونه - تعالى - راحماً لِعِبَادِهِ على سبيل الوُجُوبِ، واختلفوا في ذلك الوجوب؟ فقال أهْلُ السُّنَّةِ: له - سُبْحَانهُ وتعالى - أن يتصرَّفَ في عبادِهِ كَيْفَ شَاءَ وأراد إلاَّ أنه أوجب الرَّحْمَة على نَفْسِهِ على سبيل الفَضْلِ والكرم. وقالت المعتزلةُ: إنّ كونه عالماً بِقُبْحِ القَبَائِح، وعالماً بكونه غنيّاً عَنْهَا يمنعه من الإقْدامِ على القَبَائِحِ، ولو فعله كان ظَالِماً، والظُّلْمُ قَبِيحٌ، والقُبْحُ منه مُحَالٌ. فصل في الدلالة في الآية دلَّتْ هذه الآية على جواز تسمية ذاتِ الله - تعالى - بالنفس, أيضاً قوله تعالى: {أية : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} تفسير : [المائدة:116] يَدُلُّ عليه، والنَّفْسُ هنا بمعنى الذَّاتِ والحقيقة، لا بمعنى الجِسْمِ، والدَّمِ؛ لأنه - تعالى - مُقدَّسٌ عَنْهُ؛ لأنه لو كان جِسْماً لكان مُرَكَّباً، والمُرَكَّب ممكن. وأيضاً إنه أحَدٌ لا يكون مُرَكَّباً، وما لا يكون مركباً لا يكون جسماً. وأيضاً الأجْسَامُ متماثلةٌ في تمام الماهية، فلو كان جِسْماً لحصل له مِثْل، وذلك بَاطِلٌ؛ لقوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى:11]. فصل في دحض شبهة المعتزلة قالت المعتزلة: "كَتَبَ ربُكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ" يُنَافِي كونه تعالى يخلق الكُفْرَ في الكَافِرِ، ثم يُعَذِّبُهُ عليه أبَد الآبَادِ، وينافي أن يقال: إنه يمنعه من الإيمان، ثم يأمره حال ذلك المَنْعِ بالإيمان، ثم يعذبه على ذلك. وأجيب بأنه - تعالى- نَافِعٌ ضارُّ محيي مميت، فهو - تعالى - فعل تلك الرَّحْمَةَ البالغة، وفعل هذا القَهْرَ البالغ ولا مُنافَاة بين الأمرين. قوله: "أنَّهُ، فأنَّهُ" قرأ ابن عامر، وعاصم بالفتح فيهما، وابن كثير وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي بالكَسْرِ فيهما، ونافعٌ بفتح الأولى، وكسر الثانية، وهذه القراءاتُ الثلاثُ في المُتَواتِرِ، والأعرج بكسر الأولى وفتح الثانية عكس قراءة نافع، هذه رواية الزّهراوي عنه، وكذا الدَّاني. وأمَّا سيبويه فروى قراءته كقراءة نافعٍ، فيحتمل أن يكون عنه رَوَايَتَانِ. فأمَّا القرَاءةُ الأولَى فَفَتْحُ الأولَى فيها من أربعة أوجه: أحدها: أنها بدلٌ من "الرحمة" بدل شيء من شيء، والتقدير: "كتب على نفسه أنه من عمل" إلى آخره، فإنَّ نفس هذه الجمل المتضمنةِ للإخبار بذلك رَحْمَة. والثاني: أنها في مَحَلِّ رَفْعٍ على أنها مبتدأ، والخبر محذوف، أي: "عليه أنه من عمل" إلى آخره. والثالث: أنها [فتحت] على تقدير حَذْفِ حرف الجرَّ، والتقدير: "لأنه من عمل"، فلما حُذِفت "اللاَّمُ" جرى في مَحَلِّهَا الخلاف المشهور. الرابع: أنها مَفْعُولٌ بـ "كتب"، و "الرحمة" مفعول من أجلِهِ، أي: أنه كتبَ أنَّهُ من عملَ لأجل رحمته إياكم. قال أبو حيَّان: وينبغي ألاَّ يجوز؛ لأنَّ فيه تَهْيِئَةَ العامل للعمل، وقطعه عنه. وأمَّا فَتْحُ الثانية فمن خمسة أوجه: أحدها: أنها في مَحَلِّ رفع على أنها مبتدأ، والخبر محذوف، أي: فَغُفْرَانُهُ ورَحْمَتُهُ حاصلان أو كائنان، أو فعليه غفرانه ورحمته. وقد أجمع القُرَّاءُ على فتح ما بعد "فاء" الجزاء في قوله: {أية : أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} تفسير : [التوبة:63] {أية : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ} تفسير : [الحج:4] كما أجمعو على كسرها في قوله: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} تفسير : [الجن:23]. الثاني: أنها في محلِّ رفعٍ على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: فأمره أو شأنه أنه غفورٌ رحيم. الثالث: أنها تكرير للأولى كُرِّرت لمَّا طال الكلامُ وعطفت عليها بالفاء، وهذا مَنْقُولٌ على أبي جَعْفَرٍ النحاس، وهذا وهمٌ فاحشٌ؛ لأنه يَلْزَمُ منه أحدُ مَحْذُوريْنِ: إمَّا بقاءُ مبتدأ بلا خبر، أو شرطٍ بلا جواب. وبيانُ ذلك أنَّ "مَنْ" في قوله: "أنه مَنْ عَمِلَ" لا تخلو: إمَّا أن تكون مَوْصُولَةً أو شرطية، وعلى كلا التقديرين، فهي في محلِّ رفعٍ بالابتداء، فلو جعلنا "أن" الثانية مَعْطُوفَةً على الأولى لَزِمَ عدمُ خبر المبتدأ، وجواب الشرط، وهو لا يجوز. وقد ذكر هذا الاعتراض، وأجاب عنه الشيخ شهابُ الدين أبو شامة فقال: "ومنهم مَنْ جعل الثانية تكريراً للأولى لأجل طولِ الكلام على حَدِّ قوله: {أية : أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُون} تفسير : [المؤمنون:35] ودخلت "الفاء" في "فأنه غفور" على حدِّ دخولها في {أية : فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ} تفسير : [آل عمران:188] على قول من جعلهُ تكريراً لقوله: {أية : لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُون} تفسير : [آل عمران:188] إلاَّ أنه هذا ليس مثل "أيَعدكُمْ"؛ لأن هذه لا شرط فيها، وهذه فيها شَرْطٌ، فيبقى بغير جواب. فقيل: الجواب محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: غفر لهم" انتهى. وفيه بُعْدٌ، وسيأتي هذا الجواب أيضاً في القراءة الثانية منقولاً عن أبي البقاءِ، وكان ينبغي أن يجيب به هنا، لكنه لم يفعل ولم يظهر فَرْقٌ في ذلك. الرابع: أنها بدلٌ من الأولى، وهو قول الفرَّاء والزَّجَّاج وهذا مَرْدُودٌ بشيئين: أحدهما: أنَّ البدل لا يدخل فيه حَرْفُ عطفٍ، وهذا مقترن بحرف العطف، فامتنع أن يكون بدلاً. فإن قيل: نجعل "الفاء" زائدة، فالجوابُ أن زيادتها غير زائدة، وهو شيء قال به الأخفش. وعلى تقدير التَّسْليم فلا يجُوزُ ذلك من وَجْهٍ آخر، وهو خُلُوُّ المبتدأ، أو الشرط عن خبرٍ أو جواب. والثاني من الشيئين: خُلُوُّ المبتدأ، أو الشرط عن الخبر، أو الجواب كما تقدَّم تقريره، فإن قيل: نجعل الجواب مَحْذُوفاً - كما تقدَّم نقلهُ عن أبي شامة - قيل: هذا بعيد عن الفَهْمِ. الخامس: أنها مرفوعة بالفاعليَّةِ، تقديره: "فاسْتَقَرَّ أنَّهُ غفورٌ رحيمٌ" أي: اسْتَقَرَّ وثبت غُفْرَانُهُ، ويجوز أن يُقدَّر في هذا الوجه جَارّاً رافعاً لهذا الفاعل عند الأخْفَشِ تقديره: فعليه أنه غفورٌ، لأنه يرفع به وإن لم يعتمد، وقد تقدَّم تحقيقه مِرَاراً. وأمَّا القراءة الثانية: فكسر الأولى من ثلاثة أوجه: أحدها: أنها مُسْتَأنَفَةٌ، وأن الكلام تامُّ قبلها، وجيء بها وبما بعدها كالتَّفْسير لقوله: {كتبَ ربُّكُم على نَفْسهِ الرَّحْمَةَ}. والثاني: أنَّها كُسِرت بعد قَوْلٍ مُقدَّرٍ، أي: قال الله ذلك، وهذا في المعنى كالذي قبله. والثالث: أنه أجري "كتب" مُجْرَى "قال"، فَكُسِرَتْ بعده كما تُكْسَرُ بعد القَوْلِ الصريح، وهذا لا يَتَمَشَّى على أصول البصريين. وأمَّا كَسْرُ الثانية فمن وجهين: أحدهما: أنها على الاسْتِئْنَافِ بمعنى أنها في صَدْرِ جملةٍ وقعتْ خبراً لـ "من" الموصُولةِ، أو جواباً لها إن كانت شرطاً. والثاني: أنها عُطِفَتْ على الأولى، وتكريرٌ لها، ويعترض على هذا بأنه يَلْزَمُ بقاءُ المبتدأ بلا خبرٍ، والشرط بلا جزاءٍ، كما تقدَّم ذلك في المفتُوحَتَيْنِ. وأجاب أبو البقاء عن ذلك بأن خبر "من" محذوف دلَّ عليه الكلامُ، وقد تقدَّم أنه كان ينبغي أن يجيب بهذا الجواب في المفتوحتين عند من جعل الثانية تَكْرِيراً للأولى, أو بَدَلاً منها ثم قال: ويجوز أن يكون العائدُ مَحْذُوفاً، أي: فإنه غفورٌ له. قال شهاب الدين: قوله: "ويجوز" ليس بجيِّدٍ، بل كان ينبغي أن يقول: ويجب؛ لأنه لا بُدَّ من ضميرٍ عائدٍ على المبتدأ من الجملة الخبرية، أو ما يقوم مُقَامَهُ إن لم يكن نفس المبتدأ. وأمَّا القراءةُ الثالثة: فيُؤخَذُ فتْحُ الأولى وكَسْرُ الثانية مما تقدَّم من كسرها وفتحها بما يليق من ذلك, وهو ظاهر. وأمَّا القراءة الرابعة: فكذلك. وقال أبو شامة: "وأجاز الزَّجَّاج كَسْرَ الأولى، وفَتْحَ الثانية، وإن لم يقرأ به". قال شهاب الدين: وقد قدَّمْتُ أنَّ هذه قراءة الأعرج وأن الزهراوي وأبا عمرو الدَّاني نقلاها عنه، فكأن الشَّيْخَ لم يَطَّلِعُ عليها. وتقدَّم أن سيبويه لم يَرْو عن الأعْرَجِ إلاَّ كقراءة نافعٍ فهذا مما يصلح أن يكون عُذْراً للزَّجَّاج، وأمَّا أبو شَامَةَ فإنه مُتَأخرٌ، فعدم اطِّلاعِهِ عَجيبٌ. و"الهاء" في "أنه" ضمير الأمر والقِصَّةِ، و"مَنْ" يجوز أن تكون شرطيَّة، وأن تكون موصولة، وعلى كل تقدير فهي مُبْتَدَأةٌ، و"الفاءُ" ما بعدها في محلِّ جَزْم جواباً إن كانت شرطاً، وإلاَّ ففي محلِّ رفعٍ خبراً إن كانت موصُولة، والعائدُ محذوفٌ، أي: غفورٌ له. و"الهاء" في "بعده" يجوز أن تعود على "السُّوء"، وأن تعود على العمل المفهوم من الفعل كقوله: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ} تفسير : [المائدة:8] والأوَّل أوْلَى؛ لأنه أصْرَحُ، و "منكم" مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ إذ هو حالٌ من فاعل "عمل"، ويجوز أن تكون "مِنْ" للْبَيَانِ، فيعمل فيها "أعني" مقدراً. وقوله: "بجهالةٍ" فيه وجهان: أحدهما: أنه مُتَعلِّق بـ "عمل" على أن "الباء" للسَّبَيَّة، أي: عمله بسبب الجَهْلِ، وعبَّر أبو البقاء في هذا الوجه عن ذلك بالمفعول به وليس بواضحٍ. والثاني: وهو الظَّاهِرُ أنه للحالِ، أي: عمله مُصَاحباً للجَهَالَةِ، "ومِنْ" في "مِنْ بعده" لابتداء الغاية. فصل في تحرير معنى الآية قال الحسنُ: كل من عمل مَعْصِيَةً فهو جَاهِلٌ، ثُمَّ اختلفُوا؛ قال مُجاهد: لا يعلمُ حلالاً من حرامٍ فمن جهالته ركب الأمر. وقيل: جاهلٌ بما يورثه ذلك الذَّنْبُ. وقيل: جهالتُهُ من حيث إنه آثر المَعْصِيَةَ على الطَّاعةِ، والعاجل القليل على الآجل الكثير، ثُمَّ تاب من بعد ورجع عن ذنْبِهِ، وأصلح عمله. قيل: وأخْلَصَ توْبَتَهُ فإنه غفورٌ رحيمٌ.
البقاعي
تفسير : ولما نهاه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، علمه كيف يلاطفهم فقال عاطفاً على ما تقديره: وإذا جاءك الذين يحتقرون الضعفاء من عبادي فلا تحفل بهم: {وإذا جاءك} وأظهر موضع الإضمار دلالة على الوصف الموجب لإكرامهم وتعميماً لغيرهم فقال: {الذين يؤمنون} أي هم أو غيرهم أغنياء كانوا أو فقراء، وأشار بمظهر العظمة إلى أنهم آمنوا بما هو جدير بالإيمان به فقال: {بآياتنا} على ما لها من العظمة بالنسبة إلينا {فقل} أي لهم بادئاً بالسلام إكراماً لهم وتطييباً لخواطرهم {سلام عليكم} أي سلامة مني ومن الله، ونكره لما يلحقهم في الدنيا من المصائب؛ ثم علل ذلك بقوله: {كتب ربكم} أي المحسن إليكم {على نفسه الرحمة} ثم علل ذلك بقوله واستأنف بما حاصله أنه علم من الإنسان النقصان، لأنه طبعه على طبائع الخسران إلا من جعله موضع الامتنان فقال: {أنه من عمل منكم سوءاً} أي أيّ سوء كان ملتبساً {بجهالة} أي بسفه أو بخفة وحركة أخرجته عن الحق والعلم حتى كان كأنه لا يعلم شيئاً {ثم تاب} أي رجع بالندم والإقلاع وإن طال الزمان، ولذا أدخل الجار فقال: {من بعده} أي بعد ذلك العمل {وأصلح} بالاستمرار على الخير {فإنه} أي ربكم بسبب هذه التوبة يغفر له لأنه دائماً {غفور} أي بالغ الستر والمحو لما كان من ذلك {رحيم *} يكرم من تاب هذه التوبة بأن يجعله كمن أحسن بعد أن جعله بالغفر كمن لم يذنب، ومن أصر وأفسد فإنه يعاقبه، لأنه عزيز حكيم، وربما كانت الآية ناظرة إلى ما قذفهم به المشركون من عدم الإخلاص، ويكون حينئذ مرشحاً لأن المراد بالحساب المحاسبة على الذنوب. ولما أتى في هذه السورة وما قبلها بما أتى من عجائب التفاصيل لجميع الأحوال متضمنة واضح الدلالات وباهر الآيات البينات، قال عاطفاً على {وكذلك فتنا} عطفاً للضد على ضده، فإن في الاختبار نوع خفاء: {وكذلك} أي ومثل الفتن بإيراد بعض ما فيه دقة وخفاء من بعض الوجوه لنضل من نشاء، فيتميز الضال من المهتدي {نفصل الآيات} التي نريد بيانها ليتضح سبيل المصلحين فيتبع {ولتستبين} أي تظهر ظهوراً بيناً {سبيل المجرمين *} فتجتنب، وخص هذا بالذكر وإن كان يلزم منه بيان الأول، لأن دفع المفاسد أهم. ولما كان محط حالهم في السؤال طرد الضعفاء قصد اتباع أهوائهم، أمره تعالى بأن يخبرهم أنه مباين لهم - لما بين له بالبيان الواضح من سوء عاقبة سبيلهم - مباينة لا يمكن معها اتباع أهوائهم، وهي المباينة في الدين فقال: {قل إني نهيت} أي ممن له الأمر كله {أن أعبد الذين تدعون} أي تعبدون بناء منكم على محض الهوى والتقليد في أعظم أصول الدين، وحقر أمرهم وبين سفول رتبتهم بقوله: {من دون الله} أي الذي لا أعظم منه، فقد وقعتم في ترك الأعظم ولزوم الدون الذي هو دونكم في أعظم الجهل المؤذن بعمى القلب مع الكفر بالمحسن، فمباينتي مبناها على المقاطعة، فكيف تطمع في متابعة! ثم أكد ذلك بأمر آخر دال على أنه لا شبهة لهم في عبادتهم فقال: {قل لا أتبع أهواءكم} أي عوضاً عما أنا عليه من الحكمة البالغة المؤيدة بالبراهين الساطعة والأدلة القاطعة. ولما كان من المعلوم أن الهوى لا يدعو إلى هدى، بل إلى غاية الردى، حقق ما أفهمته هذه الجملة بقوله: {قد ضللت إذاً} أي إذا اتبعت أهواءكم؛ ولما كان الضال قد يرجع، بين أن هذا ليس كذلك، لعراقتهم في الضلال، فقال معبراً بالجملة الاسمية الدالة على الثبات: {وما أنا} أي إذ ذاك على شيء من الهداية لأعد {من المهتدين *}.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا} هم الذين نُهيَ عن طردهم، وُصِفوا بالإيمان بآيات الله عز وجل كما وُصفوا بالمداومة على عبادته تعالى بالإخلاص تنبـيهاً على إحرازهم لفضيلتَي العلم والعمل، وتأخيرُ هذا الوصفِ مع تقدمه على الوصف الأولِ لما أن مدارَ الوعدِ بالرحمة والمغفرة هو الإيمانُ بها كما أن مناطَ النهْي عن الطرد فيما سبق هو المداومةُ على العبادة وقوله تعالى: {فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ} أمرٌ بتبشيرهم بالسلامة عن كل مكروهٍ بعد إنذارِ مُقابليهم، وقيل: بتبليغ سلامِه تعالى إليهم، وقيل: بأن يبدأَهم بالسلام، وقوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} أي قضاها وأوجبَها على ذاته المقدسةِ بطريق التفضّل والإحسانِ بالذات، لا بتوسُّطِ شيءٍ ما أصلاً، تبشيراً لهم بسَعَة رحمتِه تعالى، وبنيل المطالبِ إثرَ تبشيرِهم بالسلامة من المكاره وقبولِه التوبة منهم، وفي التعرُّض لعُنوان الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم إظهارُ اللطفِ بهم والإشعارُ بعلّة الحُكْم. وقيل: إن قوماً جاءوا إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبْنا ذُنوباً عِظاماً، فلم يُردَّ عليهم شيئاً فانصرفوا، فنزلت وقوله تعالى: {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً} بدل من الرحمة، وقرىء بكسر (إنه) على أنه تفسيرٌ للرحمة بطريق الاستئناف وقوله تعالى: {بِجَهَالَةٍ} حال من فاعل (عمل) أي عمله وهو جاهلٌ بحقيقة ما يتبعه من المضارِّ، والتقيـيدُ بذلك للإيذان بأن المؤمنَ لا يباشر ما يعلمُ أنه يؤدي إلى الضرر، أو عملِه متلبّساً بجهالة {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ} أي من عمله أو بعد سَفَهِه {وَأَصْلَحَ} أي ما أفسده تدارُكاً وعزْماً على أن لا يعودَ إليه أبداً {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي فأمرُه أنه غفور رحيم، وقرىء (فإنه) بالكسر على أنه استئنافٌ وقع في صدر الجملة الواقعةِ خبراً (لمن) على أنها موصولة أو جواباً لها عن أنها شرطية.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[54] وقد حكي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: يا داود من عرفني أرادني، ومن أرادني أحبني، ومن أحبني طلبني ومن طلبني وجدني، ومن وجدني حفظني. فقال داود صلوات الله عليه: إلهي، أين أجدك إذا طلبتك؟ فقال: عند المنكسرة قلوبهم من مخافتي. فقال: إلهي، أتيت أطباء عبادك للتداوي فكلهم دلوني عليك، فبؤساً للقانطين من رحمتك، فهل لي وجه أن تداويني؟ فقال الله عزَّ وجلَّ: الذين أتيتهم كلهم دلوك علي؟ فقال: نعم. قال: فاذهب فبشر المذنبين، وأنذر الصديقين. فتحير داود فقال: يا رب، غلطت أنا أم لا؟ قال: ما غلطت يا داود. قال: وكيف ذلك؟ قال: بشر المذنبين بأني غفور، وأنذر الصديقين بأني غيور. فسئل: من الصديقون؟ فقال: الذين عدوا أنفاسهم بالتسبيح والتقديس، وحفظوا الجوارح والحواس، فصار قولهم وفعلهم صدقاً، وصار ظاهرهم وباطنهم صدقاً، وصار دخولهم في الأشياء وخروجهم عنها بالصدق، ومرجعهم إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} [الآية: 54]. قال: كتب فى الأبد لمن نظر إليه فى الأزل بعين الرحمة. قال أبو عثمان: أوجب على نفسه عفو المقصرين من عباده، لذلك قال: كتب ربكم على نفسه الرحمة. وقال بعضهم: فى قوله: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} قال: هى الصفات الجارية عليهم ولهم، والذى أعتقهم من رق الكون وأظهرهم من خفايا المختزنات المصونات المكنونة بأعجب أعجوبة ثم أشهدهم السلام. قال محمد بن على الكتانى: اختص الحق بقلوب العارفين لسكونها إليه، قال: {وَلَهُ مَا سَكَنَ} وكانوا سالمين منه فى أزليته، سالمين منه، فى ظاهر ربوبيته، سالمين فى آخريته، فاستحقوا اسم السلام بذلك. قوله عز وعلا: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} [الآية: 54]. قيل فى هذه الآية: تسلم أنت على الذين يؤمنون بآياتنا، فإنَّا نسلم على الذين يؤمنون بنا بلا واسطة وذلك قوله: { أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يس: 58]. وقال بعضهم: إذا جاءك الذين خالفوا الأمر وهم على طريقة التوحيد فاقبلهم ولا تردهم بالمعاصى قال الله: {أية : إنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48]. سمعت أبا عبد الله الرازى يقول: سمعت إبراهيم بن المولد يقول: والله إن الحق هو الذى يسلم على الفقراء، والنبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك واسطة. قوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: برحمته وصلوا إلى عبادته، لا بعبادتهم وصلوا إلى رحمته، وبرحمته نالوا ما عنده، لا بأفعالهم لأن النبى صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله منه برحمته ". تفسير : قوله تعالى: {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ} [الآية: 54]. قال ابن عطاء: كل من عصى الله عصاه جهالة، وكل من أطاعه أطاعه بعلم فإن العبد إذا لم يعظم قدر معرفةِ الله فى قلبه ركب كل نوع من البلاء.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ}. أحلَّه محل الأكابر والسَّادة، فإن السلام من شأن الجائي إلا في صفة الأكابر؛ فإن الجائي أو الآتي يسكت لهيبة المأتي حتى يبتدئ ذلك المقصودُ بالسؤال، فعند ذلك يجيب الآتي. ويقال إذا قاسوا تعبَ المجيء فأزِلْ عنهم المشقةَ بأن قُلْ: {سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ}. ويقال السلام هو السلامة أي فَقُلْ لهم سلام عليكم؛ سَلِمْتُمْ في الحال عن الفُرقة وفي المآل عن الحُرْقة. قوله جلّ ذكره: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}. إِنْ وَكَلَ بك من كتب عليك الزلة فقد تولَّى بنفسه لك كتابة الرحمة. ويقال كتب بمعنى حَكَمَ، وإنه ما حكم إلا بما علم. ويقال كتابته لك أزلية، وكتابته عليك وقتية، والوقتية لا تبْطِلُ الأزلية. قوله جلّ ذكره: {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. يعني مَنْ تعاطى شيئاً من أعمال الجُهَّال ثم سوَّف في الرجوع والأوبة قابلناه، يعني مَن تعاطى شيئاً بحسن الإمهال وجميل الأفضال، فإذا عاد بتوبة وحسرة أقبلنا عليه بِكُلِّ لطف وقبول.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} الأية تطيب لقلوب المريدين الذين يطلبون الحق الى الاسام نبيه صلى الله عليه وسلم لانهم مقام الوسيلة ولو بلغوا الى درجة اهل المشاهدة لانهم الى سلامه بقوله سلام قولا من رب رحيم انظر كيف احب رجوع المذنبين حيث امره عليه السلام بالسلام عليهم بقوله فقل سلام عليكم لانهم قاسوا مقاساة امتحانه فى بيداء قهره لما رأهم مقبلين اليه بعد تحملهم بلاياه سمل عليهم بلسان نبيه ثم رفع درجتهم واساهم بنفسه وروح فوادهم بمروحة رحمته السابقة عليهم فى الازل بقوله تعالى {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} اى كان الازل اصطافهم برحمته وان علم منهم العصيان رحمته الازلية اصل ثابت والمعصية عارضة من طوفان قهرهر فى طريق الاقبال اليه والمسارعة فى السير الى وصاله فاذا وصولوا الى معادبهم بقيت الاصول فنيت العوارض اذا احبهم بمحتبه الازلية يوجب مبحته ان يوصلهم الى مشاهدته التى هي رحمته الكبرى وان تخلصهم من غبار الطبيعة ويظهرهم من ادناس النفسانية بنمياه رحمته الكافية بقوله تعالى {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا} نظار الى غيره {بِجَهَالَةٍ} بقلة علم على ذوق وصالى ولطف جمالى { ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ} رجع من نفسه الى {وَأَصْلَحَ} مزار تجلائى من قلبه بان قدسه من شوائب شهواته {غَفُورٌ} لما سلف من تقصيره فى اداء حقوقى بحيث الا اعيرهم بذلك اجراً {رَّحِيمٌ} بان قواهم بقوة الازلية ليحملوا اثقال مشاهداتى بها ولولا ذلك ليفنى وجودهم فى اول رؤية سطوات عظمتى وجلال كبريائى قيل فى قوه فقل سلام عليكم سلم انت على الذين يؤمنون بأياتنا فانا نسلم على الذين أمنوا بنا بلا واسطة وذلك قوله سلام قولا من رب رحيم قال ابراهيم بن المولد والله ان الحق هو الذى يسلم على الفقراء والنبى صلى الله عليه وأله وسلم فى ذلك واسطة وقال الواسطى فى قوله كتب ربكم على نفسه الرحمة برحمته وصولا الى عبادته لا بعبادتهم وضلوا الى رحمته وبرحمته نالوا ما عنده لا بافعالهم لان النبى صلى الله عليه أله وسلم يقول ولا انا الا ان تغمدنى الله برحمته وقال ابن طعا فى قوله انه من علم منكم سوء بجهالة كل من عصى الله عصاه يجهل له وكل من اطاعه اطاعه بعلم فان العبد اذا لم يعظم قدر معرفة الله فى قلبه ركب نوع من البلاء وقال بعضهم فى قوله فقل سلام عليكم بادرهم بالسلام قبل ان يسملوا اكراما لهم واظهار القدرهم قال بعضهم فى قوله كتب ربكم على نفسه الرحمة فى الأبد لمن نظر فى الازل بعين الرحمة فى قوله سلام عليكم هى الصفات الجارية عليهم ولهم الذى اعتقهم رق الكون واطهرهم من خفايا المخزنات المصنوعات المكنونة باعجب اعجوبة ثم اشهدهم السلام فكانوا سالمين منه فى اظهار ربوبيته سالمين منه فى اخريته استحقوا سام السلام بذلك.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} ـ روى ـ ان قوما جاؤا الى النبى عليه السلام فقالوا انا اصبنا ذنوبا عظاما فما تدارك الاستغفار وتدبير الاعتذار فسكت عنهم ولم يرد عليهم شيئاً فانصرفوا مأيوسين فنزلت. قال الامام كل من آمن بالله دخل هذا التشريف {فقل سلام عليكم} من كل مكروه وآفة والسلام بمعنى التسليم اى الدعاء بالسلامة فمعنى سلام عليكم سلمنا عليكم سلاما اى دعوت بان يسلمكم الله من الآفات فى دينكم ونفسكم وانما امره بان يبدأهم بالسلام مع ان العادة ان الجائى يسلم على القاعد حتى ينبسط اليهم بالسلام عليهم لئلا يحتشموا من الانبساط اليه هذا هو اللام فى الدنيا واما فى الآخرة فتسلم عليهم الملائكة عند دخول الجنة كقوله {أية : سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} تفسير : [الزمر: 73]. والله يبتدئ بالسلام عليهم بقوله {أية : سلام قولاً من رب رحيم} تفسير : [يس: 58]. وقوله {فقل سلام عليكم} يشير الى السلام الذى سلمه الله على حبيبه عليه السلام ليلة المعراج اذا قال له تفسير : (السلام عليك ايها النبى ورحمة الله وبركاته) فقال فى قبول السلام (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) والذى تاب من بعد ظلمه منتظم فى سلك اهل الصلاح فمورد الآية لا ينافى هذا المعنى {كتب ربكم على نفسه الرحمة} اى قضاها واوجبها على ذاته المقدسة بطريق التفضل والاحسان. قال ابن الشيخ كلمة على تفيد الايجاب واذا اجتمعنا تأكد الايجاب وهو لا ينافى كونه تعالى فاعلا مختارا بل هو عبارة عن تأكيد وبيان لفضله وكرمه اهـ. قال فى التأويلات النجمية قال فى حديث ربانى للجنة "حديث : انما انت رحمتى ارحم بك من اشاء من عبادى" تفسير : فيرحم بجنته من شاء من عباده ويرحم بذاته من شاء من عباده {إنه من عمل منكم سوأ} بدل من الرحمة والتقدير كتب على نفسه انه من عمل الخ فان مضمون هذه الجملة لا شك انه رحمة والسوء بالفارسية [كاربد] {بجهالة} حال من فاعل عمل اى عمله ملتبسا بجهالة حقيقة بان يفعله وهو لا يعلم ما يترتب عليه من المضرة والعقوبة او حكما بان يفعله عالما بسوء عاقبته فان من عمل ما يؤدى الى الضرر فى العاقبة وهو عالم بذلك او ظان فهو فى حكم الجاهل فهو حال مؤكدة لانها مقررة لمضمون قوله {من عمل سوأ} لان عمل السوء لا ينفك عن الجهالة حقيقة او حكما. قال اهل الاشارة يشير بقوله {منكم} الى ان عامل السوء صنفان. صنف منكم ايها المؤمنون المهتدون. وصنف من غيركم وهم الكفار الضالون. والجهالة جهالتان جهالة الضلالة وهى نتيجة اخطاء النور المرشش فى عالم الارواح وجهالة الجهولية وهى التى جبل الانسان عليها فمن عمل من الكفار سوأ بجهالة الضلالة فلا توبة له بخلاف من عمل سوأ من المؤمنين بجهالة الجهولية المركوزة فيه فان له توبة كما قال تعالى {ثم تاب} اى رجع عنه {من بعده} اى من بعد عمله {وأصلح} اى ما افسده والاصلاح هو ان لا يعود ولا يفسد {فانه} خبر مبتدأ محذوف اى فامره ان الله تعالى {غفور} له {رحيم} به. قال الكاشفى فى تفسيره الفارسى [امام قشيرى رحمة الله فرموده كه ملك برتوذلت مى نويسد ملك براى تو رحمت مى نويسد بس ترادو كتابت است يكى ازلى ويكى وقى مقررست كه كتابت وقتى كتابت ازلى را باطل نمى تواند ساخت مضمون اين آيت شريف شفاست بيماران بيمارستان كناه را وشفا بشرط برهنرست: يعنى توبه واستغفار] شعر : دردمندان كنه را روزوشب شربتى بهتر زاستغفار نيست آرزو مندان وصال ياررا جاره غير ازنالها وزارنيست
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من فتح {أنه}، جعله بدلاً من الرحمة، ومن كسره؛ فعلى الاستئناف، و {بجهالة}: حال، ومن قرأ {فإنه} بالكسر؛ بالجملة: جواب الشرط، ومن فتح؛ فخبر عن مضمر، أي: فجزاؤه الغفران، أو مبتدأ؛ فالغفران جزاؤه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا}؛ وهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، خصهم بالإيمان بالقرآن، بعد ما وصفهم بالمواظبة على الطاعة والإحسان، فإذا أقبلوا إليك {فقل} لهم: {سلام عليكم}؛ تحية مني عليكم، أو من الله أبلغه إليكم، {كَتب ربكم على نفسه الرحمة} أي: حتمها عليه فضلاً منه، وهي {أنه من عمل منكم سوءًا} أي: ذنبًا {بجهالة} أي: بسفاهة وقلة أدب، أو جاهلاً بحقيقة ما يتبعه من المضار والمفاسد، {ثم تاب من بعده} أي: من بعد عمل السوء {وأصلح} بالتدارك والندم على ألا يعود إليه، {فأنه غفور} لذنبه، {رحيم} به بقبول توبته. قال البيضاوي: أمرَه أن يبدأ بالتسليم، أو يُبلغ سلام الله ويبشرهم بسعة رحمته وفضله، بعد النهي عن طردهم؛ إيذانًا بأنهم الجامعون لفضيلَتَي العلم والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يُقَّرب ولا يُطرَد، ويُعز ولا يُذل، ويُبشِّر من الله بالسلامة في الدنيا وبالرحمة في الآخرة، وقيل: إن قومًا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبَنا ذنوبًا عِظامًا، فلم يَرُدَّ عليهم، فانصرَفوا، فنزلت. هـ. قال القُشَيري: أحلَّه محل الأكابر والسَّادات، فإنَّ السلام من شأن الجَائِي إلاَّ في صفة الأكابر، فإنَّ الجائي والآتي يسكت لهيبة المأتِي، حتى يبتدىء ذلك المقصودُ بالسؤال، فعند ذلك يجيب الآتي. هـ. الإشارة: مِن شأن الأكابر من الأولياء، الداعين إلى الله، إكرامُ مَن أتى إليهم بحُسن اللقاء وإظهار المَسَّرة والبُرور، وخصوصًا أهل الانكسار فيُؤنسونهم، ويُوسعون رجاءهم، ويفرحونهم بما يسمعون منهم من سعة فضل الله وكرمه. كان الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه إذا دخل عليه أحد من أهل العصيان ـ كأرباب الدولة والمخزن ـ، قام إليهم، وفرح بهم، وأقبل عليهم، وإذا أتى إليه أحد من العلماء أو الناسكين لم يَعتَنِ بشأنهم، فقيل له في ذلك، فقال: أهل العصيان يأتوننا فقراء منكسرين من أجل ذنوبهم، لا يرون لأنفسهم مرتبة، فأردت أن أجبر كسرهم، وهؤلاء أهل الطاعة يأتوننا أغنياء معتمدين على طاعتهم، فلا يحتاجون إلى ما عندنا، أو كلامًا هذا معناه، ذكره في لطائف المنن. والله تعالى أعلم. ثم بيَّن عِلَّة ما تقدَّم من النهي عن الطرد وغيره، فقال: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب: {أنه من عمل.. فإنه غفور رحيم} بفتح الهمزة فيهما وافقهم اهل المدينة في الاولى منهما. الباقون بالكسر فيهما. قال ابو علي الفارسى من كسر {أنه} الاولى جعلها تفسير للرحمة كما أن قوله {لهم مغفرة وأجر كريم} تفسير للوعد. واما كسر (إِن) في قوله {فإنه غفور رحيم} فلأن ما بعد الفاء حكمه الابتداء، ومن ثم حمل قوله {أية : ومن عاد فينتقم الله منه}تفسير : على أرادة المبتدأ بعد الفاء وحذفه. ومن فتح (أن) في قوله {أنه} فانه جعل (ان) الاولى بدلا من الرحمة كأنه قال كتب ربكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم. واما فتحها بعد الفاء فانه غفور رحيم، فعلى انه أضمر له خبرا تقديره، فله انه غفور رحيم أي فله غفرانه. أو اضمر مبتدأ تكون (أن) خبره، كأنه قال فأمره انه غفور رحيم. واما قراءة نافع: بفتح الاولى وكسر الثانية فالقول فيهما انه أبدل من الرحمة واستأنف ما بعد الفاء. قال سيبويه: بلغنا ان الاعرج قرأ {أنه من عمل.. فإنه غفور رحيم}. ونظيره قول ابن مقبل: شعر : واني اذا ملت ركابي مناخها فاني على حظي من الامر جامح تفسير : يريد ان قوله: (واني اذا ملت ركابي) محمول على ما قبله كما ان قوله {أنه من عمل} محمول على ما قبله. وقوله: فاني على حظي مستأنف مثل قوله {فإنه غفور رحيم} مستأنف به منقطع عما قبله. قال الفراء: واختاره الزجاج ويجوز ان يحمل (فانه) على التكرار، قال: لان الكتاب يحتاج الى (ان) مرة واحدة ولكن الخبر هو موضعها فلما دخلت في ابتداء الكلام أعيدت الى موضعها، كما قال: {أية : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون}تفسير : فلما كان موضع (ان) أيعدكم انكم مخرجون اذا متم دخلت في اول الكلام وآخره. ومثله {أية : كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله}تفسير : ومثله {أية : ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له}تفسير : قال ولك ان تكسر (ان) بعد الفاء في هذه الاحرف. قال ابو علي هذا غير صحيح، لان (من) لا يخلو من ان تكون للجزاء الجازم الذي بني اللفظ عليه او تكون موصولة، ولا يجوز ان يقدر التكرير مع الموصولة فلو كانت موصولة لبقي المبتدأ بلا خبر، ولا يجوز ذلك في الجزء الجازم، لان الشرط يبقى بلا جزاء على اثبات الفاء في قوله: (فأن له) ويمتنع من ان يكون بدلا لانه لا يكون بين المبدل والمبدل منه الفاء العاطفة ولا التي للجزاء، فان قيل: هي زائدة بقى الشرط بلا جزاء، فاذا بطل الامران اثبت ما قدمناه. واما من كسرهما فعلى مذهب الحكاية كأنه لما قال {كتب ربكم على نفسه الرحمة} قال: {أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه عفور رحيم} بالكسر، ودخلت الفاء جوابا للجزاء. هذه الآية متصلة بالاولى: نهى الله تعالى نبيه (ع) في الاولى عن ان يطردهم. ثم امره في هذه الآية ان يقول لمن ورد عليه منهم اعني المؤمنين المصدقين بآيات الله وحججه وبراهينه عربيا كان او أعجميا ضعيفا كان أو قويا - {سلام عليكم} فيبدأهم بالتحية، ويبشرهم بالرحمة ويقوي قلوبهم ويعرفهم أن من اذنب منهم ثم تاب، فتوبته مقبولة كل ذلك خلافا على الكافرين فيما أرادوه عليه من طردهم والغلظة عليهم. وقال محمد بن يزيد: السلام في اللغة أربعة اشياء: احدها - سلمت سلاما مصدر. وثانيها - السلام جمع سلامة. وثالثها - السلام من أسماء الله. ورابعها - السلام شجر. ومعنى السلام الذي هو مصدر سلمت دعاء للانسان ان يسلم في دينه ونفسه، ومعناه التخلص. والسلام الذي هو اسم الله معناه ذو السلام أي الذي يملك السلام الذي هو تخليص من المكروه. والسلام الذي هو الشجر، فهو شجر عظيم سمي بذلك لسلامته من الآفات. والسلام حجار صلبة لسلامتها من الرخاوة ويسمى الصلح: السلام والسلم والسلم، لان معناه السلامة من الشر. والسلام دلولها مروة واحدة نحو دلو السقائين. والسلم السبب الى لشىء. والسلم الذي يرتقى عليه لانه يسلمك الى حيث تريد وقوله {من عمل منكم سوءا بجهالة} ليس المراد أنهم يجهلون أنه سوء، لانه لو أتى المسلم ما يجهل أنه سوء لكان كمن لم يتعمد سوءا. وتحتمل الآية أمرين: احدهما - انه عمله وهو جاهل بالمكروه فيه أي لم يعرف أن فيه مكروه. والآخر - انه أقدم مع علمه ان عاقبته مكروهة فآثر العاجل، فجعل جاهلا لانه آثر القليل على الراحة الكثيرة والعاقبة الدائمة. ويحتمل عندي أن يكون أراد {من عمل منكم سوءا بجهالة} بمعنى أنه لا يعرفها سوءا، لكن لما كان له طريق الى معرفته وجب عليه التوبة منه، فاذا تاب قبل الله توبته. فان قيل: قوله {وأصلح} هل فعل الصلاح شرط في قبول التوبة أولا؟ فان لم يكن شرطا فلم علق الغفران بمجموعهما. قيل: لا خلاف أن التوبة متى حصلت على شرائطها التي قدمنا ذكرها في غير موضع، فانه يقبل التوبة ويسقط العقاب، وان لم يعمل بعدها عملا صالحا غير أنه اذا تاب وبقي بعد التوبة، فان لم يعمل الصالح عاد الى الاصرار، لانه لا يخلو في كل حال من واجب عليه أو ندب من تجديد معرفة الله ومعرفة نبيه، وغير ذلك من المعارف وكثير من أفعال الجوارح، فاما ان قدرنا اختراعه عقيب التوبة من غير فعل صلاح، فان الرحمة باسقاط العقاب تلحقه بلا خلاف.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} يعنى يؤمنون بالايمان الخاص الولوىّ فانّ من بايع عليّاً (ع) بالبيعة الولويّة يؤمن بجملة الآيات وهم الّذين يدعون ربّهم فى جميع الاوقات والّذين هم على صلوتهم دائمون وهم الّذين لا يبتغون فى دعائهم الاّ الاتّصال بملكوت ربّهم والحضور عنده ولقاء وجهه {فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} تحيّة لهم وتلطّفاً بهم وقل لهم {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} بشارةً لهم وتطييباً لنفوسهم وتأنيساً لهم الى رّبهم {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ} بيان لمنشأ السّوء لا تقييد له، يعنى من عمل منكم سوء بالتّنزّل عن دار العلم الى دار الجهل وقبول حكومة الجهل فانّ الواقع لا يكون الاّ هكذا {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ} عن دار الجهل {وَأَصْلَحَ} نفسه بالدّخول فى دار العلم {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} اى يغفر له ويرحمه لانّه غفور رحيم فهو من اقامة السّبب مقام الجزاء.
الحبري
تفسير : حَدَّثَنا عَلِيٌّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَني الحِبَريّ، قالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، [قالَ: حَدَّثَنا] حِبَّانٌ، عن الكَلْبِيّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن: ابنِ عَبَّاسٍ:{وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ...}. نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وَحَمْزَةَ وَجَعْفَرٍ وَزَيْدٍ.
فرات الكوفي
تفسير : {وَإذا جاءَك الذين يؤمِنون بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نفسه الرحمة} فرات قال: حدثني الحسين بن الحكم [الحبري قال: حدثنا حسن بن حسين قال: حدثنا حبان عن الكلبي عن أبي صالح]: عن ابن عباس [رضي الله عنه. ن. في قوله تعالى في كتابه. ر]: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة} الآية نزلت [ر: قال: نزلت الآية] في علي [بن أبي طالب. ر] وحمزة [وجعفر. ح، ش] وزيد.
اطفيش
تفسير : {وإذا جاءكَ الَّذينَ يؤمنُون بآياتنا} هم هؤلاء الضعفاء المؤمنون الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طردهم، فقل: سلام عليكم، قال خبَّاب بن الأرتّ: لما نزلت: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} كنا إذا أتينا النبى صلى الله عليه وسلم قال: {سلام عليكم} ولفظه خبر، ومعناه دعا لهم بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة، ويجوز أن يكون خبرا لفظا ومعنى بمعنى سلام عليكم أى قد ذكرهم الله بخير، أو سلمكم من عذاب الآخرة، كذلك قال عكرمة: نزلت فى الذين نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، فكان صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال عكرمة: نزلت فى أبى بكر وعمر، وعثمان وعلى، وبلال وسالم بن أبى عبيدة، ومصعب بن عمير، وحمزة وجعفر، وعثمان بن مظعون، وعمار بن ياسر، والأرقم بن أبى الأرقم، وأبى سلمة ابن عبد الأسد. وقيل: إن قوماً جاءوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً، فلم يرد عليهم شيئاً فنزلت، وقيل: إن الآية على إطلاقها فى كل مؤمن، وهو أنسب بما شهر وأجمعوا عليه أن السورة نزلت جملة، فكيف يقال: كان كذا فنزل فيه من سورة الأنعام كذا، اللهم إلا أن يقال: نزل جبريل بتلاوة الآية فى شأن كذا، ونزل بتلاوتها فى شأن كذا، يذكره صلى الله عليه وسلم ويقول له: احكم بما فيه فى شأن كذا، ولم ينزل بها لتكتب مرة أخرى وتتلى مكررة، بل كفى نزولها مرة واحدة أولا، ومن قال بعمومها أبو العالية، قال خالد بن دينار: كنا إذا دخلنا على أبى العالية قال: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} الآية يتأولها عامة فكان يستعملها مع أصحابه. {كتَبَ ربُّكم عَلى نَفْسه الرَّحْمة} وعد لكم الرحمة فى الأزل ولا تتخلف كما يجب أن لا يترك أحد ما فرض عليه، والله أوفى من وعد، ولا يخلف الميعاد، والرحمة فضل منه، ولا واجب عليه، فشبه وعده بما فرض فقال: {كتب ربكم على نفسه} وقيل كتب فى اللوح المحفوظ، وهذا من كلام الله الذى أمر رسوله أن يقوله لهم، كأنه قيل: فقل سلام عليكم، وقل كتب ربكم على نفسه الرحمة، وقيل قوله: {كتب ربكم} إلخ ليس من مقول قل، بل كلام مستأنف من الله، خاطب به المؤمنين، ونفس الله ذاته الواجب الوجود، الذى ليس بجسم، كما أنه ليس بعرض ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ. {أنه مَن عَملَ منْكُم سوءًا بجهالةٍ} بفتح الهمزة على أن المصدر من جملة خبرها وهو اسم الشرط، وجملة الشرط والجواب بدل من الرحمة، وذلك قراءة نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب، وقرأ الباقون بكسر الهمزة على الاستئناف، والهاء فى أنه ضمير الشأن، والمراد بالجهالة فعل الجهل، فإن شأن المحرم لا يفعله إلا من لم يعلم بتحريمه، أى عمل منكم سوءاً، أى ذنباً بفعل الجهالة، ففى هذا التقدير تكون الباء للتصوير، صور عمل السوء بفعل الوارد بالجهالة الاقتراف الذى لا يجوز، والسوء مطلق ما لا يحسن بقطع النظر عن كونه ذنباً، فيعلم أنه ذنب من قوله: {بجهالة} وسواء كان الاقتراف مع عدم العلم بالتحريم، أو مع العلم به، فمن الأولى ما مر عن عمر رضى الله عنه من أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو فعلت ذلك حتى ننظر، أو أراد بالجهالة جهل ما يتبعه من المفاسد الدينية فى الدنيا. ومنه أيضا ما مر عن عمر رضى الله عنه أو جهل العقاب، فإن من لم يعلم بالعقاب أصلا ومن علم به، ولم يكن علمه تحقيقاً حتى يمنعه عن ارتكاب موجبه، سواء فى فقد تحقيق ذلك العلم، وكذا عدم العلم بما يفوت من الثواب، أو عدم تحقيقه، وأما أن يراد بالجهالة الجهل فى التحريم، وتنزيل من لم يجهل، لكنه يكون بمنزلة من جهل فى عدم الانتهاء عن الحرام، فهو جمع بين الحقيقة والمجاز، وفيه خلاف إلا أن يحمل على عموم المجاز، وبالوجه الثانى الذى هو أن الجهالة اقتراف ما حرم ولو مع علم، يقول مجاهد: إذ قال من الجهالة إذ لا يعلم حلالا من حرام، ومن جهالته أن يركب الأمر، وعنه من عمل ذنباً أو خطيئة فهو بها جاهل، ومن الجهالة بمعنى عمدها لا يجوز ولو مع علم، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم إنى أعوذ بك أن أجهل أو يجهل علىَّ" تفسير : وقول الشاعر: شعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : وقول الشاعر: شعر : على أنها قالت عشية زرتها جهلت على عمد ولم تفسير : وعن الحسن: كل من عمل معصية فهو جاهل، وقيل: إنه بمعنى جاهل بما فاته من الثواب، وما استحقه من العقاب، وبقدر من عصاه، وليس هذا التأويل كافياً فى كلام الحسن، لأنه يعمل سوءاً وهو عالم أيضا بما فات، وبالعقاب أو بقدر من عصاه، إلا أنه لم يرسخ، والباء تتعلق بعمل، أى مع جهالة أو بسببها أو بمحذوف من حال أى ملتبسا بجهالة. {ثمَّ تابَ مِنْ بَعْدِه} من بعد العمل أو من بعد السوء {وأصْلَح} عمله فى المستقبل، أو أصلح ما أفسد، أو أنى بصالح العمل لما بعد، فالأول فى المشرك والموحد الذى فعل ما يكفى فيه الندم والرجوع، والثانى فى موحد فعل ما لزم فيه غرم مال أو نحوه. {فإنَّه غفورٌ} لذنوبه {رحيمٌ} ينعم عليه بالجنة، والجملة دوام من وقره ابن عامر وعاصم ويعقوب بالفتح، على أن المصدرية مبتدأ محذوف الخبر، أى فله الغفران والرحمة، خوف الغفران والرحمة جزاءه، أو خبر لمحذوف، أى فأمره الغفران والرحمة، أو فجزاؤه الغفران والرحمة. قال أبو سعيد الخدرى: حديث : جلست فى عصابة من المهاجرين، وإن بعضهم ليستتر ببعض من العراء، وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فسكت القارئ وسلم، قال:"ما كنتم تصنعون؟" قلنا: يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا وكنا نسمع إلى كتاب الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذى جعل من أمتى بل أمرت أن أصبر نفسى معهم" وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطنا ليعدل لنفسه فينا، ثم قال بيده هكذا فتحلقوا، وليس فيهم أنصارى غيرى، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنوم التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة عام" .
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا جَاءَك} واقفاً أَو ماشياً أَو قاعِداً أَو راكباً أَو مضطجعاً {الَّذِينَ يُؤْمِنونَ بِآيَاتِنَا} نازلة أَو معجزة، هم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه، الممنون عليهم بالهدى، الشاكرون، ومقتضى الظاهر: وإِذا جاءُوك، لكن وضع الظاهر ليصفهم بالعلم؛ فإِن الإِيمان بالآيات علم، فيكون قد وصفهم بالعمل الصالح بالغداة والعشى، فهم جامعون لفضلى العلم والعمل الموجبين للتقريب والعز وترك الطرد والتبشير بالإِسلام من الله ونبيه صلى الله عليه وسلم به كما قال {فَقُلْ} قبلهم، تطييباً لخاطرهم، وهذا أَمر إِيجاب عليه، وقيل ندب {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} من الله على لسانى، ومنى، قال عكرمة: منه صلى الله عليه وسلم، وقيل من الله تعالى، وقيل ليس بتحية بل إِخبار بأَن لهم السلامة. وابن عباس علَى أَنه تحية من الله عز وجل، ولهم التبشير بالرحمة فى الآخرة، كما قال {كَتَبَ رَبُّكُمْ} قضى، أَو كتب فى اللوح المحفوظ، وقيل: هذا من كلامه صلى الله عليه وسلم غير داخل فيما حكى بالقول، وقيل: هذا مستأنف فى قوم قالوا: أَصبنا ذنوبا عظاماً، فنزل فيهم، وقيل: لم تنزل فى قوم مخصوصين بل عامة، وفيه أَن المثبت مقدم على النافى، ومن أَين لقائله الجزم بالنفى مع أَن النزول فى مخصوصين لا ينافى العموم، {عَلَى نَفْسَهِ الرَحْمَةَ أنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمَ} يا أَيها المذكورون بالعبادة والعلم، أَو يا أَيها الناس مطلقاً الداخل فيهم هؤلاء أَو لا وبالذات {سُوءًا} ذنباً {بِجَهَالَةٍ} ثابتاً مع جهالة حال مؤكدة فإِن الذنب أَبداً جهالة، أَى سفه، قال الحسن: كل من عمل معصية من عالم أَو جاهل فهو جاهل، أَى سفيه، أَو المراد عدم العلم بحرمة عمله، إِلا أَن العالم بالحرمة كذلك يغفر له إِذا تاب، ولكن خص الجهالة تلويحاً إِلى أَنه يبعد عن المؤمن أَن يعصى مع علمه بالحرمة، وأَنه لا يعمل ذنباً إِلا وهو غير عالم بأَنه ذنب، كما أَن عمر رضى الله عنه قال: يا رسول الله أَقم هؤلاء المؤمنين الضعفاء عنك إِذا جاءَ هؤلاء المدعون للشرف فتنظر ما يصير إِليه أمرهم، قاله ولم يعلم بأَن ذلك سفه، وبكى واعتذر، وقال: ما أَردت إِلا خيراً، وإِما أَن يقال: الجهالة شامل لفعل السوء مع العلم بأَنه ذنب لشبه العالم حينئذ بالجاهل إِذا فعل ما يهلكه ويفيته الخير الدائم، واختار اللذة العاجلة القليلة المتكدرة على الدائمة الكثيرة التى لا تتكدر، ففيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإِما أَن يجوز وإِما أَن يحمل على عموم المجاز، وهو أَولى لأَنه أَوسع، وإِما أَن تحمل الجهالة على عدم العلم فقط، أَو على عدم العلم بما يفوته من الثواب وما يستحقه من العقاب، ففيه تقصير عن بعض ما تشمله الآية {ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ} بعد عمل السوء من عمله {فَأَنَّهُ} أَى الله، بفتح الهمزة كما نص عليه أَبو عمرو الدانى، ونصت المشارقة أَن أَبا عمرو الدانى هو أَعلم الناس بقراءَة نافع، وشهر الكسر عن نافع {غَفُورٌ رَحِيمٌ} والمصدر من غفور رحيم بواسطة أَن بدل من الرحمة بدل مطابق، كأَنه قيل: كتب على نفسه الغفران والرحمة لمن عمل سوءا وتاب وأَصلح، وإِن قلت: أَجمع الناس على أَن الأَنعام نزلت دفعة واحدة فكيف يقال سبب نزول كذا وسبب نزول كذا هو كذا من آياتها بل هن على العموم من فعل كذا فله كذا؟ قلت: نزلت على طبق ما سيقع فكانت مصداقاً له.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا} هم كما روي عن عكرمة الذين نهى صلى الله عليه وسلم عن طردهم. والمراد بالآيات القرآنية أو الحجج مطلقاً، وجوز في الباء أن تكون صلة الإيمان وأن تكون سببية أي يؤمنون بكل ما يجب الإيمان به سبب نزول الآيات أو النظر فيها والاستدلال بها وفي وصف أولئك الكرام بالإيمان بعد وصفهم بما وصفهم سبحانه به تنبيه على حيازتهم لفضيلتي العلم والعمل، وتأخير هذا الوصف مع أنه كالمنشأ للوصف السابق لما أن مدار الوعد بالرحمة هو الإيمان كما أن مناط النهي عن الطرد فيما سبق هو المداومة على العبادة، وتقدم في رواية ابن المنذر عن عكرمة ما يشير إلى أنها نزلت في عمر رضي / الله تعالى عنه، وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأمر صيغة الجمع على هذا ظاهر. وأخرج عبد بن حميد ومسدد في «مسنده» وابن جرير وآخرون عن ماهان قال: أتى قوم النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً فما رد عليه الصلاة والسلام عليهم شيئاً فانصرفوا فأنزل الله تعالى الآية فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم. وروي عن أنس مثل ذلك، وقيل: لم تنزل في قوم بأعيانهم بل هي محمولة على إطلاقها واختاره الإمام. والمشهور الأول وسياق الآية يرجح ما روي عن ماهان. {فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ} أمر منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يبدأهم بالسلام في محل لا ابتداء به فيه إكراماً لهم بخصوصهم كما روى عن عكرمة واختاره الجبائي، وقيل: أمره سبحانه أن يبلغهم تحيته عز شأنه وروي ذلك عن الحسن وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن المعنى اقبل عذرهم واعترافهم وبشرهم بالسلامة مما اعتذروا منه. وعليه لا يكون السلام بمعنى التحية. وهو أيضاً مبني على سبب النزول عنده رضي الله تعالى عنه، واختار بعضهم أنه بهذا المعنى أيضاً على تقدير أن يراد بالموصول ما روي عن عكرمة فيكون الكلام أمراً له عليه الصلاة والسلام أن يبشرهم بالسلام من كل مكروه بعد إنذار مقابليهم. وقوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} أي أوجبها على ذاته المقدسة تفضلاً وإحساناً بالذات لا بتوسط شيء [ما] أصلاً وفيه احتمال آخر تقدم تبشير لهم بسعة رحمة الله تعالى. ولم يعطف على جملة السلام مع أنه محكي بالقول أيضاً قيل لأنها دعائية إنشائية، وقيل: إشارة إلى استقلال كل من مضموني الجملتين وهما السلامة من المكاره ونيل المطالب بالبشارة. وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم إظهار اللطف بهم وإشعار بعلة الحكم. وتمام الكلام في الآية قد مر عن قريب. وقوله تعالى: {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً} بفتح الهمزة كما قرأ بذلك نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بدل من {ٱلرحمة} كما قال أبو علي الفارسي وغيره. وقيل: إنه مفعول {كتـٰب} و {ٱلرحمة} مفعول له، وقيل: إنه على تقدير اللام، وجوز أبو البقاء أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي عليه سبحانه أنه الخ ودل على ذلك ما قبله. وقرأ الباقون {إنه} بالكسر على الاستئناف النحوي أو البياني كأنه قيل: وما هذه الرحمة؟ والضمير للشأن. و (من) موصولة أو شرطية وموضعها مبتدأ و {مِنكُمْ} في موضع الحال من ضمير الفاعل. وقوله سبحانه: {بِجَهَالَةٍ} حال أيضاً على الأظهر أي من عمل ذنباً وهو جاهل أي فاعل فعل الجهلة لأن من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل الجهل والسفه لا من أهل الحكمة والتدبير أو جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة. وعن الحسن كل من عمل معصية فهو جاهل {ثُمَّ تَابَ} عن ذلك {مِن بَعْدِهِ} أي العمل أو السوء {وَأَصْلَحَ} أي في توبته بأن أتى بشروطها من التدارك والعزم على عدم العود أبداً. {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي فشأنه سبحانه وأمره مبالغ في المغفرة والرحمة له. فأن وما بعدها خبر مبتدأ محذوف، والجملة خبر {مِنْ} أو جواب الشرط، والخبر حينئذ على الخلاف، وقدر بعضهم فله أنه الخ أو فعليه أنه الخ، وحينئذ يجوز الرفع على الابتداء والرفع على الفاعلية، وقيل: إن المنسبك في موضع نصب بفعل محذوف أي فليعلم أنه الخ، وقيل: إن هذا تكرير لما تقدم لبعد العهد وقيل: بدل منه، قال أبو البقاء: وكلاهما ضعيف لوجهين / الأول: أن البدل لا يصحبه حرف معنى إلا أن يجعل الفاء زائدة وهو ضعيف، والثاني: أن ذلك يؤدي إلى أن لا يبقى لمن خبر ولا جواب على تقدير شرطيتها، والتزام الحذف بعيد، وفتح الهمزة هنا قراءة من فتح هناك سوى نافع فإنه كباقي القراء قرأ بالكسر. وأجاز الزجاج كسر الأولى وفتح الثانية، وهي قراءة الأعرج والزهري وأبـي عمرو الداني، ولم يطلع ـ على ما قيل ـ أبو شامة عليه الرحمة على ذلك فقال: إنه محتمل إعرابـي وإن لم يقرأ به، وليس كما قال. ومن الناس من قال: إن هذه الآية تقوي مذهب المعتزلة حيث ذكر سبحانه في بيان سعة رحمته أن عمل السوء إذا قارن الجهل والتوبة والإصلاح فإنه يغفر، ولذا قيل: إنها نزلت في عمر رضي الله تعالى عنه حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أجبتهم لما قالوا لعل الله تعالى يأتي بهم ولم يكن يعلم المضرة ثم إنه تاب وأصلح حتى أنه بكى وقال معتذراً: ما أردت إلا خيراً. وأورد عليه أنه من المقرر أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزولها في حق عمر رضي الله تعالى عنه لا يدفع الإشكال. وتعقب بأن مراد المجيب أن اللفظ ليس عاماً وخطاب {مّنكُمْ } لمن كان في تلك المشاورة والعامل لذلك منهم عمر رضي الله تعالى عنه فلا إشكال. وأنت تعلم أن بناء الجواب على هذه الرواية ليس من المتانة بمكان إذ للخصم أن يقول: لا نسلم تلك الرواية. فلعل الأولى في الجواب أن ما ذكر في الآية إنما هو المغفرة الواجبة حسب وجوب الرحمة في صدر الآية. ولا يلزم من تقييد ذلك بما تقدم تقييد مطلق المغفرة به. فحينئذ يمكن أن يقال: إنه تعالى قد يغفر لمن لم يتب مثلاً إلا أنه سبحانه لم يكتب ذلك على نفسه جل شأنه فافهم فإنه دقيق.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله {أية : ولا تطرد الذين يدعون ربّهم}تفسير : [الأنعام: 52] وهو ارتقاء في إكرام الذين يدْعون ربَّهم بالغداة والعشي. فهم المراد بقوله: {الذين يؤمنون بآياتنا}. ومعنى {يؤمنون بآياتنا} أنَّهم يوقنون بأنّ الله قادر على أن ينزّل آيات جمَّة. فهم يؤمنون بما نزّل من الآيات وبخاصّة آيات القرآن وهو من الآيات، قال تعالى: {أية : أو لم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم}تفسير : [العنكبوت: 51]. وقوله: {فقل سلام عليكم} قيل: معناه حَيِّهم بتحيَّة الإسلام، وهي كلمة (سلام عليكم)، وقيل: أبلغهم السلام من الله تعالى تكرمة لهم لمضادّة طلب المشركين طردَهم. وقد أكرمهم الله كرامتين الأولى أن يبدأهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام حين دخولهم عليه وهي مزيَّة لهم، لأنّ شأن السلام أن يبتدئه الداخل، ثم يحتمل أنّ هذا حكم مستمرّ معهم كلّما أدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتمل أنّه للمرّة التي يبلّغهم فيها هذه البشارة، فنزّل هو منزلة القادم عليهم لأنَّه زفّ إليهم هذه البشرى. والكرامةُ الثانية هي بشارتهم برضى الله عنهم بأنّ غفر لهم ما يعملون من سوء إذا تابوا من بعده وأصلحوا. وهذا الخبر وإن كان يعمّ المسلمين كلّهم فلعلّه لم يكن معلوماً، فكانت البشارة به في وجوه المؤمنين يومئذٍ تكرمة لهم ليكونوا ميموني النقيبة على بقية إخوانهم والذين يجيئون من بعدهم. والسلام: الأمان، كلمة قالتها العرب عند لقاء المرء بغيره دلالة على أنَّه مسالم لا مُحارب لأنّ العرب كانت بينهم دماء وتِرات وكانوا يثأرون لأنفسهم ولو بغير المعتدي من قبيلته، فكان الرجل إذا لقي من لا يعرفه لا يأمن أن يكون بينه وبين قبيلته إحَن وحفائظ فيؤمِّن أحدهما الآخر بقوله: السلام عليكم، أو سلام، أو نحو ذلك. وقد حكاها الله تعالى عن إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ ثم شاع هذا اللفظ فصار مستعملاً في التكرمة. ومصدر سلَّم التسليم. والسلام اسم مصدر، وهو يأتي في الاستعمال منكّراً مرفوعاً ومنصوباً؛ ومعرّفاً باللام مرفوعاً لا غير. فأمَّا تنكيره مع الرفع كما في هذه الآية، فهو على اعتباره اسماً بمعنى الأمان، وساغ الابتداء به لأنّ المقصود النوعية لا فرد معيّن. وإنّما لم يقدّم الخبر لاهتمام القادم بإدخال الطمأنينة في نفس المقدوم عليه، أنَّه طارق خير لا طارق شرّ. فهو من التقديم لضرب من التفاؤل. وأمَّا تعريفه مع الرفع فلدخول لام تعريف الجنس عليه. وكلمة (على) في الحالتين للدلالة على تمكّن التلبّس بالأمان، أي الأمان مستقرّ منكم متلبِّس بكم، أي لا تخف. وأمّا إن نصبوا مع التنكير فعلى اعتباره كمصدر سلم، فهو مفعول مطلق أتى بدلاً من فعله. تقديره: سلّمت سلاماً، فلذلك لا يؤتى معه بـ(على). ثم إنَّهم يرفعونه أيضاً على هذا الاعتبار فلا يأتون معه بـ (على) لقصد الدلالة على الدوام والثبات بالجملة الاسمية بالرفع، لأنَّه يقطع عنه اعتبار البدلية عن الفعل ولذلك يتعيّن تقدير مبتدأ، أي أمرُكم سلام، على حدّ {أية : فصبر جميل}تفسير : [يوسف: 18]. والرفع أقوى، ولذلك قيل: إنّ إبراهيم ردّ تحيَّة أحسن من تحية الملائكة، كما حكي بقوله تعالى: {أية : قالوا سلاماً قال سلام}تفسير : [هود: 69]. وقد ورد في ردّ السلام أن يكون بمثل كلمة السلام الأولى، كقوله تعالى: {أية : إلاّ قيلاً سلاماً سلاماً}تفسير : [الواقعة: 26] وورد بالتعريف والتنكير فينبغي جعل الردّ أحسن دلالة. فأمَّا التعريف والتنكير فهما سواء لأنّ التعريف تعريف الجنس. ولذلك جاء في القرآن ذكر عيسى {أية : وسلام عليه يوم ولد}تفسير : [مريم: 15] وجاء أنَّه قال: {أية : والسلامُ عليَّ يوم وُلدت}تفسير : [مريم: 33]. وجملة {كتب ربّكم على نفسه الرحمة} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وهي أول المقصود من المقول، وأمَّا السلام فمقدّمة للكلام. وجوّز بعضهم أن تكون كلاماً ثانياً. وتقدّم تفسير نظيره في قوله تعالى: {أية : كتب على نفسه الرحمة ليجمعنَّكم إلى يوم القيامة}تفسير : في هذه السورة (12). فقوله هنا {كتب ربُّكم على نفسه الرحمة} تمهيد لقوله: {أنَّه مَنْ عَمِلَ منكم سوءاً بجهالة} الخ. وقوله: {أنَّه من عمل منكم سوءاً بجهالة} قرأه نافع، وابن عامر، وعاصم، ويعقوب ـــ بفتح الهمزة ـــ على أنَّه بدل من {الرحمة} بدلُ اشتمال، لأنّ الرحمة العامَّة تشتمل على غفران ذنب من عمل ذنباً ثم تاب وأصلح. وقرأه الباقون ـــ بكسر الهمزة ـــ على أن يكون استئنافاً بيانياً لجواب سؤال متوقّع عن مَبلغ الرحمة. (ومَنْ) شرطية، وهي أدلّ على التعميم من الموصولة. والباء في قوله: {بجهالة} للملابسة، أي ملتبساً بجهالة. والمجرور في موضع الحال من ضمير {عَمل}. والجهالة تطلق على انتفاء العلم بشيء مَّا. وتطلق على ما يقابل الحلم، وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : إنَّما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة}تفسير : في سورة [النساء: 17]. والمناسب هنا هو المعنى الثاني، أي من عمل سوءاً عن حماقة من نفسه وسفاهة، لأنّ المؤمن لا يأتي السيّئات إلاّ عن غلبة هواه رُشدَه ونُهاه. وهذا الوجه هو المناسب لتحقيق معنى الرحمة. وأمَّا حمل الجهالة على معنى عدم العلم بناء على أنّ الجاهل بالذنب غير مؤاخذ، فلا قوة لتفريع قوله: ثم تاب من بعده وأصلح} عليه، إلاّ إذا أريد ثم تفطَّن إلى أنّه عمل سوءاً. والضمير في قوله: {مِنْ بعده} عائد إلى {سوءاً} أي بعد السوء، أي بعد عمله. ولك أن تجعله عائداً إلى المصدر المضمون في (عَمِلَ) مثل {أية : اعْدلُوا هُو أقرب للتقوى}تفسير : [المائدة: 8]. ومعنى {أصلح} صيّر نفسه صالحة، أو أصلح عمله بعد أن أساء. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنّ الله يتوب عليه}تفسير : في سورة [المائدة: 39]. وعند قوله: {أية : إلاّ الذين تابوا وأصلحوا وبيَّنُوا}تفسير : في سورة [البقرة:160]. وجملة: فإنَّه غفور رحيم} دليل جواب الشرط، أي هو شديد المغفرة والرحمة. وهذا كناية عن المغفرة لهذا التائب المصلح. وقرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف ـــ بكسر همزة ـــ {فإنَّه غفور رحيم} على أنّ الجملة موكَّدة بــ {إنّ} فيعلم أنّ المراد أنّ الله قد غفر لمن تاب لأنَّه كثير المغفرة والرحمة. وقرأه ابن عامر، وعاصم، ويعقوب {فأنّه} ـــ بفتح الهمزة ـــ على أنَّها (أنّ) المفتوحة أخت (إنّ)، فيكون ما بعدها مؤوّلاً بمصدر. والتقدير: فغفرانه ورحمته. وهذا جزء جملة يلزمه تقدير خبر، أي له، أي ثابت لمن عمل سوءاً ثم تاب.
الواحدي
تفسير : {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} يعني: الصَّحابة وهؤلاء الفقراء {فقل سلام عليكم} [سلّم عليهم] بتحيَّة المسلمين {كتب ربكم على نفسه الرحمة} أوجب الله لكم الرَّحمة إيجاباً مُؤكَّداً {أنه من عمل منكم سوءاً بجالهة} يريد: إنَّ ذنوبكم جهلٌ ليس بكفرٍ ولا جحود، لأنَّ العاصي جاهلٌ بمقدار العذاب في معصيته {ثم تاب من بعده} رجع عن ذنبه {وأصلح} عمله {فأنَّه غفور رحيم}. {وكذلك} وكما بينَّا لك في هذه السُّورة دلائلنا على المشركين {نفصل} نبيِّن لك حجَّتنا وأدلتنا، ليظهر الحقُّ ولتعرف يا محمد سبيل المجرمين في شركهم بالله في الدُّنيا، وما يصيرون إليه من الخزي يوم القيامة بإخباري إيَّاك. {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} الأصنام التي يعبدونها من دون الله {قل لا أتبع أهواءكم} أَيْ: إنَّما عبدتموها على طريق الهوى لا على طريق البرهان، فلا أتَّبعكم على هواكم {قد ضللت إذاً} إنْ أنا فعلت ذلك {وما أنا من المهتدين} الذين سلكوا سبيل الهدى. {قل إني على بينة} يقينٍ وأمرٍ بيِّنٍ {من ربي} لا مُتَّبع لهوىً {وكذبتم به} أَيْ: بربِّي {ما عندي ما تستعجلون به} يعني: العذاب أو الآيات التي اقترحتموها، ثمَّ أعلم أنَّ ذلك عنده، فقال: {إن الحكم إلاَّ لله يقص الحق} أَيْ: يقول [القصص] الحقّ. ومَنْ قرأ: {يقضي الحق} فمعناه: يقضي القضاء الحق {وهو خير الفاصلين} الذين يفصلون بين الحقِّ والباطل. {قل لو أنَّ عندي ما تستعجلون به} من العذاب لعجَّلت لكم، ولا نفصل ما بيني وبينكم بتعجيل العقوبة، وهو معنى قوله: {لَقُضِيَ الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين} هو أعلم بوقت عقوبتهم، فهو يؤخِّرهم إلى وقته، وأنا لا أعلم ذلك. قوله: {وعنده مفاتح الغيب} خزائن ما غاب عن بني آدم من الرِّزق، والمطر، ونزول العذاب، والثَّواب، والعقاب {لا يعلمها إلاَّ هو ويعلم ما في البر} القفار {والبحر} كلُّ قرية فيها ماءٌ؛ لا يحدث فيهما شيء إلاَّ بعلم الله {وما تسقط من ورقة إلاَّ يعلمها} ساقطة، وقبل أنْ سقطت {ولا حبة في ظلمات الأرض} في الثرى تحت الأرض {ولا رطب} وهو ما ينبت {ولا يابس} وهو ما لا ينبت {إلاَّ في كتاب مبين} أثبت الله ذلك كلَّه في كتابٍ قبل أن يخلق الخلق.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 54- وإذا جاءك الذين يصدقون بالقرآن فقل لهم تكريماً لهم: سلام عليكم، أبشركم برحمة الله الواسعة، التى أوجبها على نفسه تفضلا منه، والتى تقضى بأن من عمل منكم سيئة غير متدبر نتائجها، ثم رجع إلى الله نادماً تائباً، وأصلح أعماله، غفر الله له، لأنه كثير المغفرة واسع الرحمة. 55- وبمثل ذلك البيان الواضح نوضح الدلائل المتنوعة، ليظهر طريق الحق الذى يسلكه المؤمنون، ويتبين طريق الباطل الذى يسلكه الكافرون. 56- قل - أيها النبى - لهؤلاء الكفار: إن الله قد نهانى عن عبادة الذين تعبدونهم من دون الله فلا أتبع أهواءكم، فإنى حين أتبعكم أكون قد انحرفت عن الحق، ولم أكن من المهتدين! 57- قل لهم: إنى على شريعة واضحة منزلة من ربى وقد كذبتم القرآن الذى جاء بها، وليس فى قدرتى أن أقدم ما تستعجلونه من العذاب، بل هو فى قدرة الله، ومرهون بإرادته وحكمته، وليس الأمر والسلطان إلا لله، إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره، له سبحانه فى ذلك الحكمة، وهو خير الفاصلين بينى وبينكم. 58- قل: لو أن فى قدرتى إنزال العذاب الذى تتعجلونه، لأنزلته عليكم غضبا لربى، وانتهى الأمر بينى وبينكم بذلك، ولكن الأمر لله وهو أعلم بما يستحقه الكافرون من العذاب العاجل أو الآجل.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: سلام عليكم: دعاء بالسلامة من كل مكروه، وهي تحية المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة في الجنة. كتب ربكم على نفسه الرحمة: أي أوجب الرحمة على نفسه فلذا لا يعذب إلا بعد الإِنذار، ويقبل توبة من تاب. سوءاً: أي ذنباً أساء به إلى نفسه. بجهالة: الجهالة أنواع منها: عدم تقدير عاقبة الذنب، ونسيان عظمة الرب. تستبين: تتضح وتظهر. نهيت: أي نهاني ربي أي زجرني عن عبادة أصنامكم. تدعون: تعبدون. بينة: البينة: الحجة الواضحة العقلية الموجبة للحكم بالفعل أو الترك. إن الحكم: أي ما الحكم إلا لله. يقص الحق: أي يخبر بالحق. خير الفاصلين: الفصل في الشيء: القضاء والحكم فيه، والفاصل في القضية: الحاكم فيها ومنهيها. معنى الآيات: يرشد الله تبارك وتعالى رسوله إلى الطريقة المثلى في الدعوة إليه، بعد أن نهاه عن الطريقة التي هم بها وهي طرد المؤمنين من مجلسه ليجلس الكافرون رجاء هدايتهم فقال تعالى: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} أي يصدقون بنبوتك وكتابك وما جئت به من الدين الحق فهؤلاء رحب بهم وقل سلام عليكم ومهما كانت ذنوبهم التي ارتكبوها، وأخبرهم أن ربهم تعالى قد كتب على نفسه الرحمة فلا يخافون ذنوبهم بعد توبتهم وإنابتهم إلى ربهم بالإِيمان به وتوطين النفس على طاعته، {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ} أي أقلع عن الذنب نادماً مستغفراً، وأصلح نفسه بالصالحات فإن ربه غفور رحيم فسيغفر له ويرحمه. هكذا يستقبل كل عبد جاء مؤمناً مستفتياً يسأل عن طريق النجاة يستقبل بالبشر والطلاقة والتحية والسلام لا بالعنف والتقريع والتوبيخ. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [54] أما الآية الثانية [55] فإنه تعالى بعد أن نهى رسوله عن الاستجابة لاقتراح المشركين المتكبرين، وعن طرد المؤمنين وعن حكمته في وجود أغنياء وفقراء وأقوياء وضعفاء في الناس وعن الطريقة المثلى في استقبال التائبين المستفتين بعد هذا كله قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي مثل هذا التفصيل نفصل الآيات مستقبلاً لبيان الهداية الإِلهية ليهتدي من أراد الله له الهداية وقد طلبها ورغب فيها، ولتستبين وتتضح سبيل المجرمين، فلا تُتبع وَيَنْهى عن اتباعها، لأنها طريق الهلاك والدمار. هذا ما أفادته الآية الثانية أما الآيات الثالثة والرابعة والخامسة في هذا السياق فهي تحمل الهداية الإِلهية للرسول صلى الله عليه وسلم في طريق دعوته إلى ربه فكل آية من تلك الآيات مفتتحة بكلمة (قل) أي قل أيها الرسول لأولئك المشركين الذين يدعونك إلى موافقتهم على شركهم وعبادة غيري معهم {إِنِّي نُهِيتُ} أي نهاني ربي أن أعبد ما تدعون من الأصنام والأوثان، وقل لهم: لا أتبع أهواءكم في عبادة غير الله تعالى الموروثة لكم عن آبائكم الضلال مثلكم إني إن فعلت أكون قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين إلى سبل الفوز والفلاح. وقل: {إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي على علم يقيني من وجوب الإِيمان بالله ووجوب توحيده وطاعته ووجوب الدعوة إلى ذلك، وكذبتم أنتم بهذا كله، وبالعذاب إذ أنذرتكم به وأنا ما عندي ما تستعجلون به من العذاب، ولو كان عندي لحل بكم وانتهى أمركم، ولكن الحكم لله ليس لأحد غيره وقد قص عليكم أخبار السابقين المطالبين رسلهم بالعذاب ورأيتم كيف حل بهم العذاب، {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ} فإذا أراد أن يحكم بيني وبينكم فإنه نعم الحكم والعدل وهو خير الحاكمين. وقل لهم يا رسولنا {لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} من العذاب {لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} بتدمير الظالم منا، {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ}، ولا يهلك غيرهم لأنهم المستوجبون للعذاب بظلمهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الرفق والتلطف بالمستفتين وعدم الشدة والغلظة عليهم. 2- اتباع أهواء أهل الأهواء والباطل يضل ويهلك. 3- على المسلم الداعي إلى ربه أن يكون على علم كاف بالله تعالى وبتوحيده ووعده ووعيده وأحكام شرعه. 4- وجوب الصبر والتحمل مما يلقاه الداعي من أهل الزيغ والضلال من الاقتراحات الفاسدة.
القطان
تفسير : السلام:البراءة والعافية من الآفات والعيوب، والسلام ايضا من اسماء الله تعالى. وقد استُعمل السلام في التحية بمعنى تأمين المسلَّم عليه من كل أذى من المسلِّم. كتب: أوجَبَ الجهالة: السفَه والخفة والغفلة. تستبين: تتضح وتظهر. بعد ان نهى الله تعالى نبيه عن طرد المستضعفين من حضرته أملاً في استمالة المشركين المتكبرين من بني قومه - أمره أن يلقى الذين يدخلون في الاسلام بين حين وآخر، يعلّمهم ويبشّرهم برحمته تعالى ومغفرته. {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ....الآية}. اذا جاءك الذين يصدّقون بك وبرسالتك سائلين عما اذا كان لهم توبة عن ذنوبهم التي فرطت منهم، فقل لهم تكريماً لهم: سلام عليكم، إنني ابَشّركم برحمة الله الواسعة.. لقد أوجَبَها على ذاته تفضّلاً منه. وهي تقضي ان من تاب ورجع عن ذنبه نادماً ثم أصلح عمله - غفر الله له، وشمله بعطفه. {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ }. يبين سبحانه انه فصّل الحقائق للمؤمين حتى يبتعدوا عن سلوك المجرمين. قراءات: قرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بفتح الهمزة "أنه من عمل منكم سوءا" والباقون بكسر الهمزة. وقرأ ابن عامر ويعقوب "فأنه غفور رحيم" بفتح الهمزة، والباقون بكسرها. وقرأ نافع "لتستبين سبيلَ" بالنصب وقرأ ابن عامر وابو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم بالرفع. والباقون بالياء، وبرفع سبيل.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِنَا} {سَلاَمٌ} {بِجَهَالَةٍ} (54) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يُكْرِمَ الذِينَ يَأْتُونَ إلَيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَبِأَنْ يَرُدَّ السَّلاَمَ عَلَيْهِمْ، وَبِأَنْ يُبَشِّرَهُمْ بِرَحْمَةِ اللهِ الوَاسِعَةِ، الشَّامِلَةِ لَهُمْ، التِي أَوْجَبَهَا اللهُ عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ تَفَضّلاً وَإحْسَاناً وَامْتِنَاناً وَأنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ سُوْءاً وَهُوَ جَاهِلٌ (وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ كُلُّ مَنْ عَصَى اللهَ فَهُوَ جَاهِلٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ الدُّنيا كُلُّهَا جَهَالَةٌ)، ثُمَّ تَابَ وَرَجَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيهِ، وَأَقْلَعَ عَنِ المَعَاصِي، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ لاَ يَعُودَ إِليها، وَأَصْلَحَ العَمَلَ فِي المُسْتَقْبَلِ، فَإِنَّ اللهَ يَعِدُهُ بِالمَغْفِرَةِ. (وَلَعَلَّ أَقرَبَ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ - هُوَ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الذِي يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ هُوَ الَّذِي يَرْتَكِبُ الذَّنْبَ فِي لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظَاتِ الطَّيْشِ أَوِ الانْفِعَالِ، أَوِ الضَّعْفِ الإِنْسَانِيِّ، أَوِ الهَوَى الجَامِحِ أو ثَوْرَةِ الغَضَبَ... وَمَا مَاثَلَ تِلْكَ الأَحْوَالِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ إِنَّمَا يَرْتَكِبُ إِثْماً وَذَنْباً، وَيُقْدِمُ عَلَى الذَّنْبِ وَهُوَ يَسْتَشْعِرُ فِي نَفْسِهِ النَّدَامَةَ، ثُمَّ حِينَمَا يَثُوبُ إِلَى نَفْسِهِ يَنْدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَيَتُوبُ إِلى رَبِّهِ، وَيَسْتَغْفِرُهُ، وَهُوَ يَشْعُرُ بِثِقَلِ الذَّنْبِ عَلَى نَفْسِهِ. وَهَذا غَيْرُ حَالِ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى اقْتِرَافِ الذَّنْبِ وَهُوَ مُسْتَخِفٌّ بِالدِّينِ وَبِحُرُمَاتِ اللهِ، غَيْرُ عَابِىءٍ بِهَا وَغَيْرُ مُسْتَشْعِرِ نَدَماً عَلَى فِعْلِهِ). كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ - قَضَى رَبُّكُمْ وَأَوْجَبَ الرَّحْمَةَ تَفَضُّلاً مِنْهُ وَإِحْسَاناً. بِجَهَالَةٍ - بِسَفَاهَةٍ - وَكُلّ عَاصٍ مُسِيءٍ جَاهِلٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد كان طلب الطرد لهؤلاء المستضعفين فيه إهاجة لكرامتهم ولمنزلتهم ولأنهم دون الأثرياء ووجهاء القوم، فيطمئنهم الحق بالسلام منه في الدنيا فيأمر رسوله: {فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ}. ونفهم من السلام أنه الخلو من الآفات النفسية والآفات الجسدية، فكأن الحق سبحانه أراد ان يعوضهم بالسلام القادم من الله {فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } ونرى كلمة: "الرحمة" تتردد كثيراً في القرآن الكريم، فها هوذا الحق يقول في موقع آخر: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} تفسير : [الإسراء: 82]. ما الفارق إذن بين الشفاء والرحمة؟ الرحمة: لا يبتلي الله الإنسان بمرض، إنها الوقاية، أما الشفاء فهو أن يزيل الحق أي مرض أصاب الإنسان. وهذا هو البرء بعد العلاج. إذن ففي القرآن شفاء ورحمة، أي وقاية وعلاج. والذي يلتزم بمنهج القرآن لا تصيبه الداءات الاجتماعية والنفسية أبداً، والذي تغفل نفسه وتشرد منه يصاب بالداء الاجتماعي والنفسي، فإن عاد إلى منهج القرآن فهو يُشفى من أي داء. وحين يأمر سبحانه رسوله أن يقول لهؤلاء الذين أهيجوا بطلب طردهم على الرغم من إيمانهم برسالة رسول الله: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} فهذا يعني أن ما حدث لهم في هذا الأمر هو آخر ابتلاءاتهم، وقد أخذوا بهذه الإهاجة سلاما دائما، وما دام الله قد كتب على نفسه الرحمة فكأنه وقاهم مما يصيب به غيرهم. وإذا سمعت قول الله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} فالكتابة تدل على التسجيل، ولا أحد يوجب على الله شيئاً لأنه خالق الكون، وله في الكون طلاقة المشيئة، فلا أحد يكتب عليه شيئاً ليلزمه به، ولكنه سبحانه هو الذي أوجب على نفسه الرحمة. ونأخذ كلمة "نفسه" في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، ذلك أن النفس عند البشر هي الجسم والدم والحركة والحياة، ولكن ماذا عندما تأتي كلمة "النفس" منسوبة إلى الله؟ المراد - إذن - هو الذات الإلهية. وإن لم تأخذ مراد الكلمة بهذا المعنى فأنت تدخل إلى مخالفات كثيرة وقانا الله وإياك شرورها. وأؤكد هذا المعنى ليستقر في ذهن كل مؤمن، أن النفس بالنسبة للكائن الحي غيرها بالنسبة لله، ولا بد أن نأخذ أي شيء منسوب إلى الله في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}؛ لأن النفس بالنسبة للكائن الحي عبارة عن امتزاج الروح بالمادة، والمادة مكونة من أبعاض. وإن لم تأخذ المراد من نفس الله على ضوء {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، فأنت - والعياذ بالله - تنفي عن الحق "الأحدية". ونعرف أن للحق سبحانه وتعالى "وصفين" يتحدان في المادة وفي الحروف: الأول هو "واحد". والآخر هو "أحد". والسطحيون في الفهم يظنون أن "واحداً" معناها "أحد". ونقول: لا، إن "واحداً" لها مدلول، و "أحدًا" لها مدلول آخر. فعندما نقول: "إن الله واحد" أي لا يوجد فرد ثان من نوعه فليس له مثيل ولا شبيه ولا نظير. وعندما نقول: "إن الله أحد" أي أنه لا يتكون من أبعاض يحتاج بعضها إلى البعض الآخر لتكوين الكل، لأن الشيء قد يكون واحداً وليس أحدًا. ولذلك نؤكد الفارق بين: "واحد" و "أحد"، وحتى يعرفه كل مؤمن جيداً فهو - سبحانه - واحد لا يوجد فرد ثان يشاركه في وحدانيته، فهو واحد لا شريك له، وهو أحد جل وعلا أي ليس له أبعاض يحتاج بعضها إلى بعض. وسبق أن أوضحنا أن هناك شيئا اسمه: "كل" وشيئاً آخر اسمه "كلي". والكل هو المكون من أجزاء، كل جزء منها لا يؤدي الحقيقة، وإنما لا يُؤدي الكل إلا بضميمة الأجزاء بعضها إلى بعض. ومثال ذلك الكرسي: إنه مكون من خشب ومسامير وغراء، فلا يقال للخشب كرسي، ولا يقال للمسامير كرسي، ولا يقال للغراء كرسي. ولكن يقال للشيء المصنوع من كل هذه الأشياء على هيئة محددة: إنه كرسي. إذن فـ "الكل" له أجزاء تجتمع لتكوّنه. والكلّي يمكن أن تطلق على الإنسان، ولكن في الجنس البشري هناك أفراد كثيرون له. وعلى ذلك فالحق سبحانه وتعالى ليس "كُلاًّ" أي لا أجزاء له لأنه أحد، وليس "كلياً" لأنه لا شيء مثله؛ فسبحانه وتعالى واحد أحد. ولهذا نفهم جميعاً أن كل شيء منسوب إلى الله ينبغي أن يكون في إطار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. ونحن لا نفهم مراد كلمة "النفس" بالنسبة لله كما نفهمها بالنسبة للبشر؛ لذلك فنفس الله ليست كنفس البشر؛ لأن الله غني لا يحتاج إلى غيره، وهو - سبحانه - ليس مكوناً من أجزاء، فهو سبحانه له كل الكمال والجلال في وحدانيته وأحديته وفي سائر صفاته وأفعاله. وحين يقول سبحانه: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ}. قد يتساءل إنسان: وما مدلول الرحمة؟ وتأتي الإجابة في قوله الحق: {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. والحق حينما أنزل منهجاً من السماء فالمنهج يضم نصوصاً للتجريم كنصوص عقاب الزاني أو اللص، وغير ذلك، ولا يمكن أن تأتي عقوبة إلا إذا جاءت بعد تجريم، مثال ذلك الرشوة والنميمة وكل مخالفة للمنهج، فلا عقاب إلا بجريمة، ولا جريمة إلا بنص. والحق الذي خلق الخلق يعلم أن بعضا من خلقه يكون من ضعاف النفوس، وقد تغلب إنساناً نفسُه فيرتكب ذنباً أو معصية، والمثال على ذلك قول الحق: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تفسير : [المائدة: 38]. هذا هو عقاب السارق والسارقة. وكذلك يقول الحق عن الزاني والزانية: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النور: 2]. ما معنى إنزال مثل هذه النصوص؟ معنى إنزال هذه النصوص أن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن الإنسان قد يضعف في بعض مطلوبات الدين فيقع في معصية، ولا بد أن يوجد عقاب عليها. واحترم الحق بذلك تكوين الإنسان عندما منحه الاختيار، فوضع الثواب والعقاب. وكما وضع الحق النص على الجرائم وعقوبتها فهو سبحانه وتعالى قد فتح باب التوبة لخلقه، حتى لا يكون الذي عصى الله مرة واحدة فاقداً للأمل، حتى لا يشقى المجتمع بهؤلاء العصاة. وشرع الحق التوبة للخلق ليرحهم من شرور من ارتكبوا المعاصي، وليرحم أيضاً أصحاب المعاصي ما داموا قد تابوا عنها. وقد يرحم الله بعض خلقه من المعاصي فيحفظهم منها. وهو الحق القائل: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [التوبة: 118]. سبحانه - إذن - يهدي إلى التوبة ويعفو، وهو عظيم الرحمة بالعباد التوابين. ومن ظواهر رحمة الله سبحانه: {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 54]. والسوء هو الأمر المنهي عنه من الله. هل هناك من يعمل السوء بجهالة؟. بعضنا يفهم الجهالة فهماً سطحياً على أساس أنها "عدم العلم"؛ لا. إنَّ الذي لا يعلم هو الأمي الخالي الذهن، والجهالة غير الجهل، فالجهل هو أن يعلم الإنسان حكماً ضد الواقع، كأن يكون مؤمناً بعقيدة تخالف الواقع. ومعالجة الجهل تقتضي أن ننزع منه هذه العقيدة التي هي ضد الواقع ثم نقنعه بالعقيدة المطابقة للواقع. والذي يسبب المتاعب للناس هم الجهلة؛ لأن الجاهل يعتقد في قضية ويؤمن بها وهي تخالف الواقع. وعندما جاء العلماء عند هذا القول الحكيم: {مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ}. قالوا: إن الجهالة هي السفه والطيش، والطيش يكون بعدم تدبر نتائج الفعل. والسفه ألا يقدِّر الإنسان قيمة ما يفوته من ثواب وما يلحقه من عقاب. وقد يكون الإنسان مؤمناً، لكنه يرتكب السوء لأنه لم يستحضر الثواب والعقاب ويرتكب من السوء ما يحقق له شهوة عاجلة دون التمعن في نتائج ذلك مستقبلاً، ولو استحضر الثواب والعقاب لما فعل ذلك السوء. ويمكن أن نفهم أيضاً الجهالة على أنها ارتكاب الأمر السيئ دون أن يبيت له الإنسان أو يخطط، وذلك كأن يخطط إنسان السفر إلى باريس لطلب العلم، وعندما وصل إلى هناك جاءت له امرأة في غرفته في الفندق وهي في كامل فتنتها وزينتها، وألحت عليه لارتكاب الفحشاء، فلم يقدر على نفسه. هذا فعل للسوء بجهالة؛ لأنه لم يخطط لذلك السوء، وهو يندم من بعد ذلك، ولا يحكي عن ذلك الفعل بفخر أبداً. هناك فارق - إذن - بين هذا الإنسان وإنسان آخر بحث في عناوين بيوت اللذة في باريس قبل أن يسافر إليها، إنه بذلك يخطط لفعل المنكر وارتكاب الفحشاء. ويصر على السوء، ويتفاخر به ولا يندم على فعل؛ هذا الصنف من البشر لا يغفر له الله إن استمر على هذا الحال حتى شارف الموت أو أدركه الموت، ولذلك يقول الحق: {أية : إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 17]. لأن الحق سبحانه إنما يقبل توبة من ارتكب الذنب في حالة الحماقة والطيش، ويقبلون على التوبة فوراً، هؤلاء يقبل الحق توبتهم، أما الذين لا يندمون على فعل السوء فيقول الحق عنهم: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [النساء: 18]. إن الذين لا يُقبلون على التوبة من فور ارتكاب الذنب وينتظر الإنسان منهم مجيء الموت ليتوب قبله أي وهو في حالة الغرغرة - وهي تردد الروح في الحلق عند الموت - هؤلاء لا تقبل لهم توبة، وكذلك الذين يموتون على الكفر - والعياذ بالله - وقد أعد الله لكليهما عذاباً أليماً. والحق سبحانه قد وضح لنا قبل ذلك فقال: {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 54]. إذن فالتوبة يجب أن يتبعها إصلاح وصلاح؛ ذلك أن الحسنات يذهبن السيئات، والحق سبحانه غفور لا يعاقب على ذنب تاب عنه العبد، ورحيم لأنه يثيب على الفعل الحسن، بل إنه يثيب الإنسان الذي يكرر ندمه على فعل سيء ويكتب له عن ذلك حسنة. بل إنه - بسعة رحمته - يبدل سيئاته حسنات. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ...}
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 266 : 5 : 9 - سفين عن مجمع عن ماهان قال، حديث : جآء نفر الى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: "إنا أصبنا ذنوبا عظاما". فلم يرد النبي، صلى الله عليه وسلم، عليهم شيئا. فنزلت {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}. فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأها عليهمتفسير : . [الآية 54].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):