٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
55
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نفَصّلُ ٱلأيَـٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ }. المراد كما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد والنبوة والقضاء والقدر، فكذلك نميز ونفصل لك دلائلنا وحججنا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل وقوله: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ } عطف على المعنى كأنه قيل ليظهر الحق وليستبين، وحسن هذا الحذف لكونه معلوماً واختلف القراء في قوله {ليستبين} فقرأ نافع {لتستبين} بالتاء {وسبيل} بالنصب والمعنى لتستبين يا محمد سبيل هؤلاء المجرمين. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم {ليستبين} بالياء {مّن سَبِيلٍ } بالرفع والباقون بالتاء {وسبيل} بالرفع على تأنيث سبيل. وأهل الحجاز يؤنثون السبيل، وبنو تميم يذكرونه. وقد نطق القرآن بهما فقال سبحانه {أية : وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } تفسير : [الأعراف: 146] وقال {أية : وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } تفسير : [إبراهيم: 3]. فإن قيل: لم قال {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ } ولم يذكر سبيل المؤمنين. قلنا: ذكر أحد القسمين يدل على الثاني. كقوله {أية : سَرَابِيلَ تقيكم ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] ولم يذكر البرد. وأيضاً فالضدان إذا كانا بحيث لا يحصل بينهما واسطة، فمتى بانت خاصية أحد القسمين بانت خاصية القسم الآخر والحق والباطل لا واسطة بينهما، فمتى استبانت طريقة المجرمين فقد استبانت طريقة المحقين أيضاً لا محالة. قوله تعالى: {قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ من المهتدين قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين}. اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين، ذكر في هذه الآية أنه تعالى نهى عن سلوك سبيلهم. فقال: {قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} وبين أن الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض الهوى والتقليد، لا على سبيل الحجة والدليل، لأنها جمادات وأحجار وهي أخس مرتبة من الإنسان بكثير، وكون الأشرف مشتغلاً بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل. وأيضاً أن القوم كانوا ينحتون تلك الأصنام ويركبونها، ومن المعلوم بالبديهة أنه يقبح من هذا العامل الصانع أن يعبد معموله ومصنوعه. فثبت أن عبادتها مبنية على الهوى. ومضادة للهدى، وهذا هو المراد من قوله {قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ } ثم قال: {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ } أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال وما أنا من المهتدين في شيء. والمقصود كأنه يقول لهم أنتم كذلك. ولما نفى أن يكون الهوى متبعاً، على ما يجب اتباعه بقوله: {قُلْ إِنّى عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } أي في أنه لا معبود سواه. وكذبتم أنتم حيث أشركتم به غيره. واعلم أنه عليه الصلاة والسلام، كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك. والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب. فقال تعالى قل يا محمد: {مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } يعني قولهم {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الأنفال: 32] والمراد أن ذلك العذاب ينزله الله في الوقت الذي أراد إنزاله فيه. ولا قدرة لي على تقديمه أو تأخيره. ثم قال: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ } وهذا مطلق يتناول الكل. والمراد ههنا إن الحكم إلا لله فقط في تأخير عذابهم {يَقْضِى ٱلْحَقّ } أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ } أي القاضين، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بقوله: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ } على أنه لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله به، فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله به وحكم به. وكذلك في جميع الأفعال. والدليل عليه أنه تعالى قال: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ } وهذا يفيد الحصر، بمعنى أنه لا حكم إلا لله. واحتج المعتزلة بقوله: {يَقْضِى ٱلْحَقّ } ومعناه أن كل ما قضى به فهو الحق. وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر. ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس الحق. والله أعلم. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير ونافع وعاصم {يَقُصُّ ٱلْحَقَّ } بالصاد من القصص، يعني أن كل ما أنبأ الله به وأمر به فهو من أقاصيص الحق، كقوله: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ } تفسير : [يوسف: 3] وقرأ الباقون {يَقْضِ ٱلْحَقّ } والمكتوب في المصاحف «يقض» بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين كما كتبوا {أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } تفسير : [العلق: 18] {أية : فما تغن النذر} تفسير : [القمر: 5] وقوله: {يقضى الحق} قال الزجاج: فيه وجهان: جائز أن يكون {ٱلْحَقّ } صفة المصدر والتقدير: يقض القضاء الحق. ويجوز أن يكون {يقضى الحق} يصنع الحق، لأن كل شيء صنعه الله فهو حق. وعلى هذا التقدير {ٱلْحَقّ } يكون مفعولاً به وقضى بمعنى صنع. قال الهذلي:شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع تفسير : أي صنعهما داود واحتج أبو عمرو على هذه القراءة بقوله: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ } قال والفصل يكون في القضاء، لا في القصص. أجاب أبو علي الفارسي فقال القصص ههنا بمعنى القول. وقد جاء الفصل في القول قال تعالى: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ }تفسير : [الطارق: 13] وقال: {أية : أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ ثم فُصِلَتْ } تفسير : [هود: 1] وقال: {أية : نُفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ }تفسير : [الأعراف: 32].
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} التفصيل التبيين الذي تظهر به المعاني؛ والمعنى؛ وكما فصّلنا لك في هذه السورة دلائلنا ومحاجتنا مع المشركين كذلك نُفصّل لكم الآيات في كل ما تحتاجون إليه من أمر الدّين، ونبين لكم أدلتنا وحججنا في كل حق ينكره أهل الباطل. وقال القُتَبِيّ: {نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} نأتي بها شيئاً بعد شيء، ولا ننزلها جملة متصلة. {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} يُقال: هذه اللام تتعلق بالفعل فأين الفعل الذي تتعلق به؟ فقال الكوفيون: هو مقدّر؛ أي وكذلك نفصّل الآيات لنبين لكم ولتستبين؛ قال النحاس: وهذا الحذف كله لا يحتاج إليه، والتقدير: وكذلك نفصّل الآيات فصّلناها. وقيل: إن دخول الواو للعطف على المعنى؛ أي ليظهر الحق وليستبين، قرىء بالياء والتاء. «سَبِيل» برفع ٱللام ونصبها، وقراءة التاء خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين. فإن قيل: فقد كان النبي عليه السَّلام يستبينها؟ فالجواب عند الزجاج ـ أن الخطاب للنبي عليه السَّلام خطاب لأمته؛ فالمعنى: ولتستبينوا سبيل المجرمين. فإن قيل: فلم لم يذكر سبيل المؤمنين؟ ففي هذا جوابان؛ أحدهما ـ أن يكون مثل قوله: { أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] فالمعنى؛ وتقيكم البرد ثم حُذِف؛ وكذلك يكون هذا المعنى ولتستبين سبيل المؤمنين ثم حذف. والجواب الآخر ـ أن يُقال: أستبان الشيءُ وٱستبنته؛ وإذا بان سبيل المجرمين فقد بان سبيل المؤمنين. والسبيل يذكر ويؤنث؛ فتميم تذكِّره، وأهل الحجاز تؤنثه؛ وفي التنزيل { أية : وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ } تفسير : [الأعراف: 146] مذكَّر { أية : لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 99] مؤنث؛ وكذلك قرىء «ولتستبين» بالياء والتاء؛ فالتاء خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمّته.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: وكما بيّنا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل، على طريق الهداية والرشاد وذم المجادلة والعناد، {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ} أي: التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها، {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي: ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقرىء: (وليستبينَ سبيلَ المجرمين) أي: ولتستبين يا محمد أو يا مخاطب سبيل المجرمين، وقوله: {قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى} أي: على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها الله إلي {وَكَذَّبْتُم بِهِ} أي: بالحق الذي جاءني من الله {مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي: من العذاب {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} أي: إنما يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجلكم؛ لما له في ذلك من الحكمة العظيمة، ولهذا قال: {يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ} أي: وهو خير من فصل القضايا، وخير الفاتحين في الحكم بين عباده، وقوله: {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِىَ ٱلأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} أي: لو كان مرجع ذلك إلي، لأوقعت لكم ما تستحقونه من ذلك، والله أعلم بالظالمين، فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين، من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: «حديث : لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد ظللتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال؛ لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال، وسلم علي، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك؛ لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين» تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم، من يعبد الله لا يشرك به شيئاً» تفسير : وهذا لفظ مسلم، فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم، فاستأنى بهم، وسأل لهم التأخير؛ لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئاً، فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى في هذه الآية الكريمة، { قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِىَ ٱلأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ} فالجواب والله أعلم، أن هذه الآية دلت على أنه لوكان إليه وقوع العذاب، الذي يطلبونه حال طلبهم له، لأوقعه بهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوباً وشمالاً، فلهذا استأنى بهم، وسأل الرفق لهم. وقوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ }» تفسير : [لقمان: 34] وفي حديث عمر: أن جبريل حين تبدى له في صورة أعرابي، فسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فيما قاله له: «حديث : خمس لا يعلمهن إلا الله» تفسير : ثم قرأ: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}تفسير : [لقمان: 34] الآية. وقوله: {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} أي: يحيط علمه الكريم بجميع الموجودات؛ بريها وبحريها، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما أحسن ما قال الصرصري:شعر : فَلا يَخْفى عليه الذَّرُّ إِمَّا تراءى لِلنَّواظِرِ أَوْ تَوارى تفسير : وقوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} أي: ويعلم الحركات حتى من الجمادات، فما ظنك بالحيوانات، ولا سيما المكلفون منهم؛ من جنهم وإنسهم؟ كما قال تعالى: {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ } تفسير : [غافر: 19]. وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد ابن مسروق، حدثنا حسان النمري، عن ابن عباس، في قوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} قال: ما من شجرة في بر ولا بحر، إلا وملك موكل بها، يكتب ما يسقط منها، رواه ابن أبي حاتم، وقوله: {وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله ابن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري، حدثنا مالك بن سعير، حدثنا الأعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة، إلا وعليها ملك موكل، يأتي الله بعلمها، رطوبتها إذا رطبت، ويبوستها إذا يبست، وكذا رواه ابن جرير عن أبي الخطاب زياد ابن عبد الله الحساني، عن مالك بن سعير به. ثم قال ابن أبي حاتم: ذكر عن أبي حذيفة، حدثنا سفيان عن عمرو بن قيس، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خلق الله النون، وهي الدواة، وخلق الألواح، فكتب فيها أمر الدنيا حتى ينقضي ما كان من خلق مخلوق، أو رزق حلال أو حرام، أو عمل بر أو فجور، وقرأ هذه الآية: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} إلى آخر الآية، قال محمد بن إسحاق: عن يحيى بن النضر، عن أبيه، سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: إن تحت الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن، مالو أنهم ظهروا، يعني: لكم، لم تروا معهم نوراً، على كل زاوية من زوايا الأرض خاتم من خواتيم الله عز وجل، على كل خاتم ملك من الملائكة، يبعث الله عز وجل إليه في كل يوم ملكاً من عنده أن: احتفظ بما عندك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ } كما بينا ما ذكر {نُفَصِّلُ } نبيِن {الأَيَٰتِ } القرآن ليظهر الحق فيعمل به {وَلِتَسْتَبِينَ } تظهر {سَبِيلُ } طريق {ٱلْمُجْرِمِينَ } فتُجتَنَب، وفي قراءة: بالتحتانية، وفي أخرى بالفوقانية ونصب «سبيل» خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّي} في البينة هنا قولان: أحدهما: الحق الذي بان له. والثاني: المُعْجِزُ في القرآن. {وَكَذَّبْتُم بِهِ} فيه وجهان: أحدهما: وكذبتم بالبينة. والثاني: وكذبتم بربكم. {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ} فيه قولان: أحدهما: ما يستعجلون به من العذاب الذي أُوعِدُوا به قبل وقته، كقوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ}، قاله الحسن. والثاني: ما استعجلوه من اقتراح الآيات لأنه طلب الشيء فى غير وقته، قاله الزجاج. {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} فيه تأويلان: أحدهما: الحكم في الثواب والعقاب. والثاني: الحكم في تمييز الحق من الباطل. {يَقُصُّ الْحَقَّ} قرأ ابن كثير ونافع وعاصم {يَقُصُّ} بصاد غير معجمة من القَصَص وهو الإِخبار به، وقرأ الباقون {يَقْضِي} بالضاد معجمة من القضاء، وهو صنع الحق وإتمامه. قوله عز وجل: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} فيه وجهان: أحدهما: خزائن غيب السموات والأرض والأرزاق والأقدار، وهو معنى قول ابن عباس. والثاني: الوصول إلى العلم بالغيب. {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} فيه وجهان: أحدهما: أن ما في البّر ما على الأرض، وما في البحر ما على الماء، وهو الظاهر، وبه قال الجمهور. والثاني: أن البَرّ القفر، والبحر القُرى لوجود الماء فيها، فلذلك سميت بحراً، قاله مجاهد. {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} يعني قبل يبسها وسقوطها. {وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ} يحتمل وجهين: أحدهما: ما في بطنها من بذر. والثاني: ما تخرجه من زرع. {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن الرطب النبات واليابس الجواهر. والثاني: أن الرطب الحي، واليابس الميت. {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} يعني في اللوح المحفوظ.
الخازن
تفسير : وقوله عز وجل: {وكذلك نفصل الآيات} يعني وكما فصلنا لك يا محمد في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد وإبطال ما هم عليه من الشرك كذلك نميز ونبين لك أدلة حججنا وبراهيننا على تقرير كل حق ينكره أهل الباطل {ولتستبين} قرأ بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني وليظهر لك الحق يا محمد ويتبين لك {سبيل المجرمين} يعني طريق هؤلاء المجرمين وقرأ بالياء على الغيبة ومعناه ليظهر ويتضح سبيل المجرمين يوم القيامة إذا صاروا إلى النار. قوله تعالى: {قل} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين {إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} يعني نهيت أن أعبد الأصنام التي تعبدونها أنتم من دون الله وقيل تدعونها عند شدائدكم من دون الله لأن الجمادات أخس من أن تعبد أو تدعى وإنما كانوا يعبدونها على سبيل الهوى وهو قوله تعالى {قل لا أتبع أهواءكم} يعني في عبادة الأصنام وطرد الفقراء {قد ضللت} يعني: {إذ} عبدتها {وما أنا من المهتدين} يعني لو عبدتها {قل} يعني قل يا محمد لهؤلاء المشركين {إني على بينة من ربي} قال ابن عباس: يعني على يقين من ربي، وقيل: البيّنة الدلالة التي تفصل بين الحق والباطل والمعنى: إني على بيان وبصيرة في عبادة ربي {وكذبتم به} يعني وكذبتم بالبيان الذي جئت به من عند ربي وهو القرآن والمعجزات الباهرات والبراهين الواضحات التي تدل على صحة التوحيد وفساد الشرك {ما عندي ما تستعجلون به} يعني العذاب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم وكانوا يستعجلون به استهزاء وكانوا يقولون: يا محمد ائتنا بما تعدنا يعني من نزول العذاب، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: ما عندي ما تستعجلون به لأن إنزال العذاب لا يقدر عليه إلا الله تعالى ولا يقدر أحد على تقديمه ولا تأخيره. وقيل: كانوا يستعجلون بالآيات التي طلبوها واقترحوها فأعلم الله أن ذلك عنده ليس عند أحد من خلقه. وقيل: كانوا يستعجلون بقيام الساعة ومنه قوله تعالى يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها {إن الحكم إلا لله} يعني الحكم الذي يفصل به بين الحق والباطل والثواب للطائع والعقاب للعاصي أي ما الحكم المطلق إلا لله ليس معه حكم فهو يفصل بين المختلفين ويقضي بإنزال العذاب إذا شاء {يقص الحق} قرئ بالصاد المهملة. ومعناه: يقول الحق لأن كل ما أخبر به فهو وحق وقرئ يقض بالضاد المعجمة من القضاء يعني أنه تعالى يقضي القضاء الحق {وهو خير الفاصلين} يعني وهو خير من بين وفصل وميز بين المحق والمبطل لأنه لا يقع في حكمه وقضائه جور ولا حيف على أحد من خلقه.
ابن عادل
تفسير : "الكاف" نعتٌ لمصدر مَحْذُوفٍ، أو حال من ضمير ذلك المصدر، كما هو رأي سيبويه، والإشارةُ بذلك إلى التفصيل السَّابق، تقديره: مِثْلُ التَّفْصِيل البيِّن، وهو ما سبق من أحوال الأمم نُفَصِّلُ آيات القرآن. وقال ابن عطية: والإشارةُ بقوله: "وكذلك" إلى ما تقدَّم، من النَّهْيِ عن طَرْدِ المؤمنين، وبيان فَسَاده بِنَزْعِ المعارضين لذلك. و{نفَصِّلُ ٱلآيَات} نُبَيِّنُهَا ونَشْرَحُهَا، وهذا شبيه بما تقدَّم له في قوله: {أية : وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا} تفسير : [الأنعام: 53] وتقدَّم أنه غير ظاهر. قوله: "ولتَسْتَبينَ سَبِيلُ" قرأ الأخوان، وأبو بكر: "وليَسْتَبِينَ" بالياء من تحت، و"سَبِيلُ" بالرفع. ونافع: "وَلِتَسْتَبينَ" بالتَّاء من فَوْق، "سَبِيلَ" بالنصب، والباقون: بالتاء من فوق، و "سبيل" بالرفع. وهذه القراءات دائرة على تذكير "السبيل" وتأنيثه وتعدي "استبان" ولزومه، وإيضاح هذا أن لغة نجد وتميم تذكير "السبيل" وعليه قوله تعالى: {أية : وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} تفسير : [الأعراف:146]. ولغة "الحجاز" التأنيث، وعليه {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ} تفسير : [يوسف:108] وقوله: {أية : لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً} تفسير : [آل عمران:99]. وقوله: [البسيط] شعر : 2184- خَلَّ السَّبيلَ لِمَنْ يَبْنِي المَنَارَ بَهَا ......................... تفسير : وأمَّا "اسْتَبَانَ" فيكونُ مُتعدِّياً، نحو: "اسْتَبَنْتُ الشَّيء"، ويكون لازَماً نحو: "اسْتَبَانَ الصُّبْحُ" بمعنى "بَانَ" فمن قرأ بالياء من تحت، ورفع فإنه أسْنَدَ الفعل إلى "السَّبيل"، فرفعه على أنه مذكر وعلى أن الفعل لازمٌ. ومن قرأ بالتَّاء من فوق، فكذلك ولكن لغة التأنيث، ومن قرأ بالتاء من فوق، ونصب "السبيل" فإنه [أسند الفعل إلى المخاطب، ونصب "السبيل" على] المفعولية وذلك على تعديته أي: ولتستبين أنت سبيل المجرمين، فالتاء في "تستبين" مختلفة المعنى، فإنها في إحدى القراءتين للخطابِ، وفي الأخرى للتأنيث وهي في كلا الحالين للمُضارعةِ، و"تستبين" منصوب بإضمار "أن" بعد لام "كي"، وفيما يتعلق به هذه اللام وجهان: أحدهما: أنها معطوفة على عِلَّةٍ محذوفة، وتلك العَلَّةُ معمولة لقوله: "نُفَصّل" والمعنى: وكذلك نُفَصِّلُ الآيات لتستبين لكم ولتستبين. والثاني: أنها مُتعلِّقةٌ بمحذوف مُقدَّر بعدها، أي: ولتسبين سبيل المجرمين فَصَّلْنَاهَا ذلك التَّفْصِيل، وفي الكلام حَذْفُ مَعْطُوفٍ على رأي، أي: وسبيل المؤمنين كقوله تعالى: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل:81]. وقيل: لا يحتاج إلى ذلك لأن المقام إنما يَقْتَضِي ذِكْرَ المجرمين فقط؛ إذ هم الذين أثَارُوا ما تقدم ذكرهُ وقيل: لأن الضَّديْنِ إذا كانا بحيث لا يَحْصُلُ بينما واسطةٌ، فمتى بَانَتْ خَاصيَّةُ أحد القسمين بانت خاصيَّةُ القسمٍ الآخر، والحق والباطل لا وَاسِطَةَ بينهما، فمتى اسْتَبَانَتْ طريقة المجرمين، فقد استبانت طريقة المُحَقِّقين أيضاً لا محالة. قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي نُهِِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} "أن أعبد" في محل "أن" الخلاف المشهور، إذ هي على حذف حرفٍ، تقديره: نهيت عن أن أعْبُدَ الذين تدعون من دون الله قل: لا أتَّبعُ أهْوَاءَكُمْ في عِبَادَةِ الأوْثانِ، وطرْدِ الفقراء. قوله: "قَدْ ضَلَلْتُ إذَنْ" "إذن" حرف جواب وجزاء, ولا عمل لها هنا لعدم فعل تعمل فيه, والمعنى: "إن اتبعت أهْواءكم ضللت وما اهتديت" فهي في قُوَّة شرط وجزاء. وقرأ الجمهور "ضَلَلْت" بفتح "اللام" الأولى. وقرأ أبو عبد الرحمن، ويحيى، وطلحة: بكسرها وقد تقدَّم أنها لغة. وقل صاحب "التحرير" عن يحيى, وابن أبي ليلى أنهما قرءا هنا وفي "ألم السجدة": "أإذا صَلَلْنَا" [السجدة:10] بصاد غير معجمة يقال: صل اللَّحم أي: أنْتَنَ، وهذا له بَعْضُ مُناسبةٍ في آية "السجدة"، وأما هنا فمعناه بعيد أو ممتنع. وروى العباس عن ابن مجاهد في "الشواذ" له: "صُلِلْنَا في الأرْضِ"، أي: دُفِنَّا في الصِّلَّة، وهي [الأرضُ] الصّلْبَةُ. وقوله: "ومَا أنَا مِن المُهتدينَ" تأكيد لقوله: "قَدْ ضَلَلْتُ" وأتى بالأولى جملة فعلية لِتَدُلَّ على تَجَدُّدِ الفعل وحدوثه، وبالثانية اسمية لتدل على الثبوت. والمعنى "وما أنا من المهتدين، يعني إن فعلت ذلك، فقد تركت سبيل الحقّ، وسلكت غير سبيل الهدى".
ابو السعود
تفسير : {وَكَذَلِكَ نفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ} قد مر آنفاً ما فيه من الكلام أي هذا التفصيلَ البديعَ تفصّلُ الآياتِ في صفة أهل الطاعةِ وأهل الإجرام المُصرِّين منهم والأولين {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} بتأنيث الفعلِ بناءً على تأنيث الفاعل وقرىء بالتذكير بناءً على تذكيره فإن السبـيلَ مما يذكر ويؤنث، وهو عطفٌ على علة محذوفةٍ للفعل المذكورِ لم يُقصَدْ تعليلُه بها بعينها وإنما قُصد الإشعارُ بأن له فوائدَ جمّةً من جملتها ما ذُكر، أو علةٌ لفعل مقدرٍ هو عبارة عن المذكور فيكون مستأنَفاً أي ولتستبـين سبـيلَهم نفعلُ ما نفعل من التفصيل. وقرىء بنصب السبـيلَ على أن الفعل متعدَ وتاؤُه للخطاب أي ولتستوضح أنت يا محمد سبـيلَ المجرمين فتعامِلَهم بما يليق بهم. {قُلْ إِنّى نُهِيتُ} أُمر عليه الصلاة والسلام بالرجوع إلى مخاطبة المُصِرّين على الشرك إثرَ ما أُمر بمعاملة مَنْ عداهم من أهل الإنذار والتبشيرِ بما يليق بحالهم أي قل لهم قطعاً لأطماعهم الفارغةِ عن ركونه عليه الصلاة والسلام إليهم، وبـياناً لكون ما هم عليه من الدين هوىً محضاً وضلالاً بحتاً، إني صُرفتُ وزُجِرْت بما نُصب لي من الأدلة وأُنزل علي من الآيات في أمر التوحيد {أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ} أي عن عبادة ما تعبدونه {مِن دُونِ ٱللَّهِ} كائناً ما كان. {قُلْ} كَرر الأمرَ مع قرب العهد اعتناءً بشأن المأمور به أو إيذاناً باختلاف المَقولَيْن من حيث إن الأولَ حكايةٌ لِما من جهته تعالى من النهي، والثاني حكايةٌ لما من جهته صلى الله عليه وسلم من الانتهاء عما ذُكر من عبادة ما يعبدونه وإنما قيل: {لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ} استجهالاً لهم وتنصيصاً على أنهم فيما هم فيه تابعون لأهواءَ باطلةٍ وليسوا على شيء مما ينطلق عليه الدين أصلاً، وإشعاراً بما يوجب النهيَ والانتهاءَ، وقوله تعالى: {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً} استئنافٌ مؤكِّد لانتهائه عما نِخيَ عنه مقرِّر لكونهم في غاية الضلال والغَواية، أي إن اتبعتُ أهواءكم فقد ضللت، وقوله تعالى: {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} عطفٌ على ما قبله، والعدولُ إلى الجملة الاسمية للدلالة على الدوام والاستمرار أي دوامِ النفْي واستمرارِه لا نفْيِ الدوام والاستمرار كما مر مراراً أي ما أنا في شيء من الهدى حين أكون في عِدادهم وقوله تعالى: {قُلْ إِنّى عَلَىٰ بَيّنَةٍ} تحقيقٌ للحق الذي عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وبـيانٌ لاتّباعه إياه إثرَ إبطالِ الذي عليه الكَفَرةُ وبـيانِ عدمِ اتباعِه له والبـينةُ الحجةُ الواضحةُ التي تفصِلُ بـين الحق والباطل والمرادُ بها القرآنُ والوحْيُ وقيل: هي الحججُ العقلية أو ما يعمُّها، ولا يساعدُه المقامُ، والتنوينُ للتفخيم، وقولُه تعالى: {مّن رَّبّى} متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ (لبـينة) مؤكّدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، وفي التعرض لعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من التشريفِ ورفعِ المنزلة ما لا يخفى، وقولُه تعالى: {وَكَذَّبْتُم بِهِ} إما جملةٌ مستأنفة أو حاليةٌ بتقدير قد أو بدونه، جيء بها لاستقباح مضمونِها واستبعاد وقوعِه مع تحقق ما يقتضي عدمَه من غاية وضوحِ البـينة، والضميرُ المجرورُ للبـينة، والتذكير باعتبار المعنى المرادِ، والمعنى إني على بـينةٍ عظيمة كائنةٍ من ربـي وكذبتم بها وبما فيها من الأخبار التي من جمتلها الوعيدُ بمجيء العذاب، وقولُه تعالى: {مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} استئنافٌ مبـينٌ لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأً لتكذيبهم بها، وهو عدمُ مجيءِ ما وَعد فيها من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بقولهم: {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [سبأ، الآية 29] بطريق الاستهزاءِ أو بطريق الإلزامِ على زعمهم أي ليس ما تستعجلونه من العذاب الموعودِ في القرآنِ ـ وتجعلون تأخُّرَه ذريعةً إلى تكذيبه ـ في حُكمي وقدرتي حتى أَجيءَ به وأُظهرَ لكم صِدْقَه، أو ليس أمرُه بمُفوَّضٍ إلي {إِنِ ٱلْحُكْمُ} أي ما الحكمُ في ذلك تعجيلاً وتأخيراً أو ما الحكمُ في جميع الأشياء، فيدخُل فيه ما ذُكر دخولاً أولياً {إِلاَ لِلَّهِ} وحده من غير أن يكون لغيره دخْلٌ ما فيه بوجه من الوجوه، وقولُه تعالى: {يَقُصُّ ٱلْحَقَّ} أي يَتْبعُه، بـيانٌ لشؤونه تعالى في الحكم المعهودِ أو في جميع أحكامِه المنتظمةِ له انتظاماً أولياً، أي لا يحكمُ إلا بما هو حقٌّ فيُثبتُ حقيقة التأخير. وقرىء (يقضي) فانتصابُ (الحقَّ) حينئذٍ على المصدرية أي يقضي القضاءَ الحقَّ أو على المفعولية أي يصنعُ الحقَّ ويدبرُه من قولهم: قضىٰ الدِّرعَ إذا صنعها، وأصلُ القضاءِ الفصلُ بتمام الأمرِ، وأصلُ الحُكمِ المنعُ فكأنه يمنعُ الباطل عن معارَضةِ الحقِّ أو الخصمِ عن التعدِّي على صاحبه {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ} اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله، مشيرٌ إلى أن قصَّ الحقِّ هٰهنا بطريق خاصَ هو الفصلُ بـين الحقِّ والباطل، هذا هو الذي تَسْتَدْعيه جزالةُ التنزيلِ. وقد قيل: إن المعنى إني ـ من معرفة ربـي وأنه لا معبود سواه ـ على حجةٍ واضحةٍ وشاهدِ صدقٍ وكذبتم به أنتم حيث أشركتم به تعالى غيرَه. وأنت خبـيرٌ بأن مساقَ النظم الكريمِ فيما سَبق وما لَحِق على وصفهم بتكذيب آياتِ الله تعالى بسبب عدمِ مجيءِ العذاب الموعودِ فيها، فتكذيبُهم به سبحانه في أمر التوحيد مما لا تعلُّقَ له بالمقام أصلاً.
القشيري
تفسير : نزيل الإشكال، ونُفْصِحُ طريق الاستدلال، ونُطْلِعُ شموسَ التوحيد، ونمد أهله بحسن التأييد، ونَسِمُ قلوبَ الأعداء بوسم الخذلان، ونذيقهم شؤمَ الحرمان لئلا يبقى لأحدٍ عذرٌ، ولا في الطريق إشكال.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكذلك نفصل الآيات} الكاف مقحمة لتأكيد ما افاده اسم الاشارة من الفخامة وذلك اشارة الى مصدر الفعل الذى بعده اى هذا التفصيل البديع نفصل الآيات القرآنية ونبينها فى صفة اهل الطاعة واهل الاجرام المصرين منهم والاوابين ليظهر الحق ويعمل به {ولتستبين سبيل المجرمين} اى تظهر طريقتهم فيجتنب عنها. ورفع سبيل على انه فاعل فانه يذكر فى لغة بنى تميم ويؤنث فى لغة اهل الحجاز ووجه الاستبانة والايضاح ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة. فعلى العاقل ان يسلك طريق الفوز والفلاح ويصل الى ما وصل اليه اهل الصلاح. واول الطريق هو التوبة والاستغفار. قال العلماء تذكر اولا قبح الذنوب وشدة عقوبة الله ثم تذكر ضعفك وقلة حيلتك فى ذلك فمن لا يتحمل قرص نملة وحر شمس كيف يتحمل نار جهنم ولسع حيات فينبغى ان تجتهد فى الخروج من الذنوب على اقسامها التى بينك وبين عباد الله بالاستحلال ورد المظالم. واما التى هى من ترك الواجبات من صلاة وصيام وزكاة فتقضى ما امكن منها. واما التى بينك وبين الله كشرب الخمر وضرب المزامير واكل الربا فتقدم على ما مضى منها وتوطن قلبك على ترك العود الى مثلها ابدا فاذا ارضيت الخصوم بما امكن وقضيت الفوائت بما تقدر عليه وبرأت قلبك من الذنوب فينبغى ان ترجع اليه بحسن الابتهال والضراعة ليكفيك ذلك بفضله فتذهب فتغتسل وتغسل ثيابك فتصلى ركعتين كما فى الحديث الصحيح "حديث : ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلى ركعتين ثم يستغفر الله الا غفر له" تفسير : وفى حديث آخر "حديث : ايما عبد او امة ترك صلاته فى جهالته فتاب وندم على تركها فليصل يوم الجمعة بين الظهر والعصر اثنتى عشرة ركعة يقرأ فى كل منها الفاتحة وآية الكرسى والاخلاص والمعوذتين مرة لا يحاسبه الله تعالى يوم القيامة ووجد صحيفة سيآته حسنات" تفسير : ذكره فى مختصر الاحياء. يقول الفقير جامع هذه الفوائد ان هذا الحديث على تقدير صحته لا ينفهم منه ان هذه الصلاة تكون قضاء لجميع ما فات منه وتقوم بدله كيف وقد ذكر فى اوله التوبة والندامة ومن مقتضاها قضاء ما سلف كما مر آنفا فمعنى ان الله تعالى لا يحاسبه يوم القيامة لا يقول له لم اخرت الصلاة التى فرضت عليك عن اوقاتها وذلك ببركة هذه الصلاة الشريفة التى هى تأكيد لتوبته وزيادة فى اعتذاره وقد عرف فى الشرع ا ن العبد كما يحاسب على ترك الصلوات كذلك يحاسب على تأخيرها عن اوقاتها وبهذا البيان انحل ما اشكل على بعض من مواظبة الناس على قضاء صلوات يوم وليلة فى آخر جمعة من شهر رمضان بين الظهر والعصر فان ما يصلونه هى الصلاة المذكورة عند الحقيقة لكنهم يغلطون فى زعمهم وفى الكيفية والله اعلم. وفى كتاب الترغيب والترهيب حديث : انه جاء رجل الى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال واذنوباه واذنوباه مرتين او ثلاثا فقال له عليه السلام "قل اللهم مغفرتك اوسع من ذنوبى ورحمتك ارجى عندى من عملى" فقالها ثم قال "عد" فعاد ثم قال "عد" فعاد ثم قال "قم فقد غفر الله لك"" تفسير : ومن استغفر للمؤمنين كل يوم كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة وما الميت فى قبره الا كالغريق المنتظر ينتظر دعوة تلحقه من اب او ام او اخ صديق فاذا الحقته كانت احب اليه من الدنيا وما فيها وان الله تعالى ليدخل على اهل القبور من دعاء اهل الارض امثال الجبال وان هدية الاحياء الى الاموات الاستغفار لهم ربنا اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب فانك مرجع كل تواب واواب.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: قرىء بتاء الخطاب، ونصب السبيل؛ على أنه مفعول به، وقرىء بتاء التأنيث ورفع السبيل؛ على أنه فاعل مؤنث، وبالياء والرفع؛ على تذكير السبيل؛ لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وكذلك نُفصل الآيات} أي: ومثل ذلك التفصيل الواضح نفصل الآيات، أي: نشرح آيات القرآن ونوضحها في صفة المطيعين والمجرمين، والمصرين والأوابين، ليظهر الحق، ولتستوضح يا محمد {سبيل المجرمين} فتعاملهم بما يحق لهم من الإبعاد إن بَعُدوا، أو الإقبال إن أقبلوا. أو لتتبين طريقهم ويظهر فسادها ببيان طريق الحق. الإشارة: سبيل المؤمنين من أهل اليمين، هو التمسك بظاهر الشريعة المحمدية؛ بامتثال الأمر واجتناب النهي، والمبادرة إلى التوبة، إن أخل بأحد الأمرين من غير تحرِّ لما وراء ذلك، وسبيل المتوجهين من السائرين والواصلين: تصفية القلوب وتهيؤها لإشراق أسرار علم الغيوب؛ بتخليتها من الرذائل وتحليتها بأنواع الفضائل؛ لتتهيأ بذلك لطلوع شموس العرفان، والدخول في مقام الكشف والعيان، الذي هو مقام الإحسان، وما خرج عن هذين السبيلين فهو سبيل المجرمين: إما بالكفر، وإما بالإصرار على العصيان، والعياذ بالله. ثم نهى عن سلوك هذا السبيل ـ أعني سبيل المجرمين ـ فقال: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة الا حفصا و {ليستبين} بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ اهل المدينة "سبيل" بالنصب. الباقون بالرفع. من قرأ بالتاء ورفع السبيل، فلأن السبيل يذكر ويؤنث، فالتذكير لغة تميم، والتأنيث لغة أهل الحجاز فأنث - ها هنا - كما قال أية : قل هذه سبيلي}. تفسير : ومن قرأ بالياء فانه ذكرَّ السبيل، لانه الطريق. وهو يذكر، كما قال {أية : وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا}. تفسير : ومن قرأ بالتاء، ونصب (السبيل) أراد أن يكون خطابا للنبي (صلى الله عليه وسلم) كأنه قال: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين. والنبي (صلى الله عليه وسلم) وان كان مستبينا لطريق المجرمين عالما به فيجوز أن يكون ذلك على وجه التأكيد، ولان يستديم ذلك. ويحتمل أن يكون المراد به الامة، فكأنه قال ليزداد استبانة، ولم يحتج ان يقول: ولتستبين سبيل المؤمنين، لان سبيل المجرمين اذا بانت، فقد بان معها سبيل المؤمنين، لانها خلافها. ويجوز ان يكون المراد، ولتستبين سبيل المجرمين ولتستبين سبيل المؤمنين، وحذف أحدى الجملتين لدلالة الكلام عليه، كما قال {أية : سرابيل تقيكم الحر} تفسير : ولم يقل تقيكم البرد، لان الساتر يستر من الحر والبرد، لكن جرى ذكر الحر، لانهم كانوا في مكانهم أكثر معاناة له من البرد، وكذلك سبيل المجرمين، خص بالذكر، لان الكلام في وصفهم، وترك ذكر المؤمنين لدلالة الكلام عليه. وهذه الآية معطوفة على الآيات التي احتج الله بها على مشركي العرب، وغيرهم فلذلك قال {وكذلك} أي كما قدمنا {نفصل الآيات} أي نميزها ونبينها ونشرحها لتلزمهم الحجة و {لتستبين سبيل} من عاند بعد البيان أو ذهب عن فهم ذلك بالاعراض عنه لمن أراد التفهم منهم، ومن المؤمنين ليجانبوها ويسلكوا غيرها.
الجنابذي
تفسير : {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} آيات الكتاب التّدوينىّ فى بيان احوال الخلق واصنافهم وآيات الكتاب التّكوينىّ من الاولياء والاشقياء واتباعهم بآيات الكتاب التّدوينىّ لتستبين سبيل المطيعين حذفه لادّعاء ظهوره كأنّه لا حاجة له الى البيان من حيث انّه المقصود من كلّ الاحكام {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ} تنبيه على انّ منشأ عبادتهم اهويتهم وقطع لاطماعهم وتأكيد لضلالتهم {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً} اذا اتّبعت اهواءكم وعبدت مدعوّاتكم {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} تسفيهاً لرأيهم وتعريضاً بهم وانّهم على اهويتهم وتقليدهم ولا بيّنة لهم والعاقل ينبغى ان يكون فى طريقه ودينه وجملة افعاله على بيّنة {وَكَذَّبْتُم بِهِ} بالقرآن او بعلىّ (ع) {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} قيل اشارة الى ما قبل فأمطر علينا حجارة من السّماء او ائتنا بعذابٍ اليم عند نصب علىّ (ع) بالخلافة {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} وليس لى حكم فيما تستعجلون به {يَقُصُّ ٱلْحَقَّ} يفصّل الولاية كيف ما يقتضيه الحكمة والحكم لما سبق انّ الولاية هى الحقّ وانّ كلّ ما سواها فحقّ بحقّيّتها {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَاصِلِينَ} بين الحقّ ومن اتّصل به والباطل ومن اتّصل به.
الهواري
تفسير : قوله: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ} أي: ولتستبين سبيل المشركين، بالآيات التي فصَّلها الله، فصَّل سبيل المهتدين من سبيل الضلالة. قوله: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ} يعني الأوثان. {قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ} يعني إنما أعبد الله، ولا أتبع أهواءكم في عبادة الأوثان. {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ}. قوله: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي: النبوّة. {وَكَذَّبْتُم بِهِ} أي: بالقرآن {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي من العذاب لقولهم: (أية : عَجِّلْ لَّنَا قِطَّنَا)تفسير : [سورة ص:16] أي عذابنا، ولقولهم: (أية : اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) تفسير : [الأنفال:32]، وأشباه ذلك. قال الله: (أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذَابِ) تفسير : [الحج:47]. قوله: {إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} أي: إِنِ القضاء إلا لله. {يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ} أي: يحكم بالحق وهو خير الفاصلين. وهي تقرأ على وجه آخر، يقصّ الحق. من قبل القَصَص. والوجه الأول أحسنهما، لأنه ذكر في آخر الآية الفصل. فالفصل فصل القضاء، يقول: يقضي الحق. وهو خير الفاصلين، أي القاضين. {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي من عذاب الله {لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} الساعةَ فآتيكم بالعذاب {وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} أي فهو يعلم أنكم ظالمون مشركون. وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم.
اطفيش
تفسير : {وكَذلك نُفصِّل الآيات} أى وكما فصلت لك يا محمد تلك الآيات نفصِّل لك سائر الآيات فى صفات المطيعين والعاصين والتائبين، أو كما بينا أدلة التوحيد نبين أدلة الحق والباطل فى غير التوحيد والشرك. {ولتَسْتبينَ سَبيل المجْرمِينَ} ليظهر يا محمد طريق المجرمين من طريق المؤمنين، أو من طريق المؤمنين، فحذف ذلك بدلالة نستبين سبيل المجرمين، لأنه إذا ميزت أحد الضدين تميز الآخر ليجتنبها المؤمنون ولتعامل كلا من المؤمنين والمشركين والمؤلفة بما يستحقه، وقرئ وسبيل مفعول تستبين، وذلك قراءة نافع، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وابن عمرو، ويعقوب، وحفص عن عاصم برفع السبيل على الفاعلية، فتكون تاء تستبين للتأنيث، وهو لغة من يؤنث السبيل والطريق، وهو لغة الحجاز، وقرأ الباقون وليستبين سبيل المجرمين بالياء التحتية، رفع سبيل على الفاعلية وهو لغة تميم فى تذكير السبيل والطريق، واللام معلقة بمحذوف، أى وفصلنا هذا التفصيل لتستبين، أو يقدر مؤخراً، أى نفصل الآيات ليظهر الحق وتستبين.
اطفيش
تفسير : {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ} فى التوحيد ودلائل النبوة تأكيداً لهم فيما علموا، أَو تعليما لهم فيما لم يعلموا، ومثل ذلك التفصيل السابق للآيات الماضية نفصل سائر الآيات الباقيات، أَو على كيفية التفصيل المعهود نفصل مطلق الآيات الماضية والآتية، مثل أن تفعل شيئاً ثم تذكر أَنك فعلته على الوصف المشاهد وأَن شأْنى كذلك فى أَفعالى، أَو المراد ما مضى كذلك. {وَلِتَسْتبِينَ} هذا من الاستفعال للتعدية، كخرج لازما، وإِذا قيل استخرج تعدى، وذلك أَن بان لازم تعدى إِذا كان بهذه الصيغة، والمعنى: لستوضح يا محمد أَو تميز أَو تظهر، وهو متعلق بمحذوف، أَى وفصلنا ذلك التفصيل، لتستبين، أَو معطوفاً على محذوف، أَو نفصل أَو فصلنا الآيات ليظهر الحق ولتستبين {سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} وسبيل المحقين، أَو لتستبين سبيل المجرمين من سبيل المحقين، واقتصر اللفظ على سبيل المجرمين لأَن ذكر أَحد المتقابلين يدل على الآخر، ولا سيما فى باب التمايز، وكان المذكور سبيل المجرمين لأَن المقام للنهى عنها والتخلى وهو قبل التحلى، ولكثرة المجرمين، ولظنهم أَنهم على الحق فكان بيانه أَهم، أَى لتستبين يا محمد سبيل المجرمين فتتجنبها وتعامل أَهلها بما يليق بهم وأَهل الحق بما يليق بهم.
الالوسي
تفسير : {وَكَذَلِكَ نفَصّلُ} أي دائماً {الآيَـٰتِ} أي القرآنية في صفة أهل الطاعة وأهل الإجرام المصرين منهم والأوابين. والتشبيه هنا مثله فيما تقدم آنفاً {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} بتأنيث الفعل بناء على تأنيث الفاعل وهي قراءة ابن كثير وابن عامر وأبـي عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم، وهو عطف على علة محذوفة للفعل المذكور لم يقصد تعليله بها بخصوصها، وإنما قصد الإشعار بأن له فوائد جمة من جملتها ما ذكر أو علة لفعل مقدر وهو عبارة عن المذكور كما يشير إليه أبو البقاء فيكون مستأنفاً أي ولتتبين سبيلهم نفعل ما نفعل من التفصيل. وقرأ نافع بالتاء ونصب السبيل على أن الفعل متعد أي ولتستوضح أنت يا محمد سبيل المجرمين فتعاملهم بما يليق بهم. وقرأ الباقون بالياء التحتية ورفع السبيل على أن الفعل مسند للمذكر. وتأنيث السبيل وتذكيره لغتان مشهورتان. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { أية : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } تفسير : [الأنعام: 36] قال ابن عطاء: أخبر سبحانه بهذه الآية أن أهل السماع هم الأحياء وهم أهل الخطاب والجواب. وأخبر أن الآخرين هم الأموات. وقال غيره: المعنى أنه لا يستجيب إلا من فتح الله سبحانه سمع قلبه بالهداية الأصلية ووهب له الحياة الحقيقية بصفاء الاستعداد ونور الفطرة لا موتى الجهل الذين ماتت غرائزهم بالجهل المركب أو بالحجب الجبلية أو لم يكن لهم استعداد بحسب الفطرة فإنهم قد صموا عن السماع ولا يمكنهم ذلك بل يبعثهم الله تعالى إليه بالنشأة الثانية ثم يرجعون إليه سبحانه في عين الجمع المطلق للجزاء والمكافاة مع احتجابهم، وقيل: الآية إشارة إلى أهل الصحو وأهل المحو {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ} حيث / فطروا على التوحيد وجبلوا على المعرفة ولهم مشارب من بحر خطاب الله تعالى وأفنان من أشجار رياض كلماته سبحانه وحنين إليه عز وجل وتغريد باسمه عز اسمه. قيل: إن سمنون المحب كان إذا تكلم في المحبة يسقط الطير من الهواء. وروي في بعض الآثار أن الضب بعد أن تكلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد برسالته أنشأ يقول: شعر : ألا يا رسول الله إنك صادق فبوركت مهدياً وبوركت هادياً وبوركت في الآزال حياً وميتا وبوركت مولوداً وبوركت ناشياً تفسير : وإن فيهم أيضاً المحتجبين ومرتكبـي الرذائل وغير ذلك. وقد تقدم الكلام في هذا المبحث مفصلاً {مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ} أي كتاب أعمالهم { أية : مِن شَىْء ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } تفسير : [الأنعام: 38] في عين الجمع {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ} لاحتجابهم بغواشي صفات نفوسهم {بِـئَايَـٰتِنَا} وهي تجليات الصفات {صُمٌّ} فلا يسمعون بآذان القلوب {وبكم} فلا ينطقون بألسنة العقول {فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ} وهي ظلمات الطبيعة وغياهب الجهل {مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ} بإسبال حجب جلاله { أية : وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [الأنعام: 39] بإشراق سبحات جماله {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} من المرض وسائر أنواع الشدائد {أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ} الصغرى أو الكبرى {أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ} لكشف ما ينالكم { أية : إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [الأنعام: 40] { أية : بَلْ إِيَّـٰهُ تَدْعُونَ } تفسير : [الأنعام: 41] لكشف ذلك. قال بعض العارفين مرجع الخواص إلى الحق جل شأنه من أول البداية ومرجع العوام إليه سبحانه بعد اليأس من الخلق وكان هذا في وقت هذا العارف. وأما في وقتنا فنرى العامة إذا ضاق بهم الخناق تركوا دعاء الملك الخلاق ودعوا سكان الثرى ومن لا يسمع ولا يرى. { أية : وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } تفسير : [الأنعام: 42] أي ليطيعوا ويبرزوا من الحجاب وينقادوا متضرعين عند تجلي صفة القهر { أية : وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } تفسير : [الأنعام: 43] أي ما تضرعوا لقساوة قلوبهم بكثافة الحجاب وغلبة غشي الهوى وحب الدنيا وأصل كل ذلك سوء الاستعداد {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ} فلم تسمعوا خطابه {وَأَبْصَـٰرَكُمْ} فلم تشاهدوا عجائب قدرته وأسرار صنعته {وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} فلم يدخلها شيء من معرفته سبحانه { أية : مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ } تفسير : [الأنعام: 46] أي هل يقدر أحد سواه جلت قدرته على فتح باب من هذه الأبواب كلا بل هو القادر الفعال لما يريد {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى} أي من حيث أنا {خَزَائِنُ ٱللَّهِ} أي مقدوراته {وَلا أَعْلَمُ} أي من حيث أنا أيضاً {ٱلْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ} أي روح مجرد لا أحتاج إلى طعام ولا شراب {إِنْ أَتَّبِعُ} أي من تلك الحيثية {أية : إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ}تفسير : [الأنعام: 50] من الله تعالى. وله صلى الله عليه وسلم مقام { أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } تفسير : [الأنفال: 17]. و { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [الفتح: 10] وليس لطير العقل طيران في ذلك الجو {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ} عن نور الله تعالى وإحاطته بكل ذرة من العرش إلى الثرى وظهوره بما شاء حسب الحكمة وعدم تقيده سبحانه بشيء من المظاهر { أية : وَٱلْبَصِيرُ } تفسير : [الأنعام: 50] بذلك فيتكلم في كل مقام بمقال {وَلاَ تَطْرُدِ} أي لأجل التربية والتهذيب والامتحان {ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } الذي أوصلهم حيث أوصلهم من معارج الكمال {بِٱلْغَدَاةِ } أي وقت تجلي الجمال {وَٱلْعَشِىّ } أي وقت تجلي العظمة والجلال {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي يريدونه سبحانه بذاته وصفاته ويطلبون تجليه عز وجل لقلوبهم {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم} أي حساب أعمالهم القلبية {مّن شَىْءٍ} لأن الله تعالى قد تولى حفظ قلوبهم وأمطر عليها سحائب عنايته فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وقوله تعالى: {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْءٍ} عطف / على سابقه أتى به للمبالغة على ما مر في العبارة. ويحتمل أن يراد لا تطرد السالكين لأجل المحجوبين فما عليك من حساب السالكين أو المحجوبين شيء ومعنى ذلك يعرف بأدنى التفات {فَتَطْرُدَهُمْ } عن الجلوس معك { أية : فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأنعام: 52] لهم بنقص حقوقهم وعدم القيام برعاية شأنهم. ومن المؤولين من قال: إن الآية في أهل الوحدة أي لا تزجر الواصلين الكاملين ولا تنذرهم فإن الإنذار كما لا ينجع في الذين قست قلوبهم لا ينجع في الذين طاشوا وتلاشوا في الله تعالى وهم الذين يخصونه سبحانه بالعبادة دائماً بحضور القلب وعدم مشاهدة شيء سواه حتى ذواتهم {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم } فيما يعملون {مِن شَىْء } إذ لا واسطة بينهم وبين ربهم {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء } أي لا يخوضون في أمور دعوتك بنصر وإعانة لاشتغالهم به سبحانه عمن سواه ودوام حضورهم معه {فَتَطْرُدَهُمْ} عما هم عليه من دوام الحضور بدعوتك لهم لشغل ديني {فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } لتشويشك عليهم أوقاتهم، والله تعالى أعلم بحقيقة كلامه {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ } أي الناس وهم المحجوبون {بِبَعْضِ} وهم العارفون {لّيَقُولواْ} أي المحجوبون مشيرين إلى العارفين مستحقرين لهم حيث لم يروا منهم سوى حالهم في الظاهر وفقرهم ولم يروا قدرهم ومرتبتهم وحسن حالهم في الباطن وغرهم ما هم فيه من المال والجاه والتنعم وخفض العيش {أَهَـؤُلاء مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} بالهداية والمعرفة {مّن بَيْنِنَا} أرادوا أنه سبحانه لم يمن عليهم { أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ } تفسير : [الأنعام: 53] أي الذين يشكرونه حق شكره فيمن عليهم بعظيم جوده {وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا} أي بواسطتها {فَقُلْ } لهم أنت أيها الوسيلة: {أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ}تفسير : [الأنعام: 54] وهذا لأنهم في مقام الوسائط ولو بلغوا إلى درجة أهل المشاهدة لمنحهم سبحانه بسلامه كما قال عز شأنه { أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يۤس: 58] وباقي الآية ظاهر. وقال الإمام الرازي: «إن قوله سبحانه: {وَإِذَا جَاءكَ} الخ مشتمل على أسرار عالية وذلك لأن ما سوى الله تعالى فهو آيات وجود الله تعالى وآيات صفات جلاله وإكرامه [وكبريائه] وآيات وحدانيته وما سواه سبحانه لا نهاية له [وما لا نهاية له] فلا سبيل للعقل إلى الوقوف عليه على التفصيل التام إلا أن الممكن هو أن يطلع على بعض الآيات ويتوسل بمعرفتها إلى معرفة الله تعالى ثم يؤمن بالبقية على سبيل الإجمال ثم إنه يكون مدة حياته كالسابح في تلك البحار وكالسائح في تلك القفار. ولما كان لا نهاية لها فكذلك لا نهاية لترقي العبد في معارج تلك الآيات، وهذا (شرح إجمالي) لا نهاية لتفاصيله. ثم إن العبد إذا صار موصوفاً بهذه الصفة فعند هذا أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ} فيكون هذا التسليم بشارة بحصول السلامة. وقوله سبحانه {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } بشارة بحصول (الكرامة) عقيب تلك السلامة. أما السلامة فبالنجاة من بحر عالم الظلمات ومركز الجسمانية ومعدن الآفات (والمخافات) وموضع التغيرات والتبدلات، وأما الكرامة فبالوصول إلى الباقيات الصالحات والمجردات القدسيات والوصول إلى فسحة عالم الأنوار والترقي إلى معارج سرادقات الجلال» انتهى. وقال آخر: الإشارة إلى نوع من السالكين أي إذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا بمحو صفاتهم في صفاتنا {فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ } لتنزهكم عن عيوب صفاتكم وتجردكم عن ملابسها {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } أي ألزم ذاته المقدسة رحمة إبدال صفاتكم بصفاته لكم لأن في الله سبحانه خلفاً عن كل ما فات {إِنَّهُ مِنَ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ } أي ظهر عليه في تلوينه صفة من صفاته بغيبة أو غفلة {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ } أي بعد ظهور تلك الصفة بأن رجع عن تلوينه وفاء إلى الحضور {وَأَصْلَحَ } أي ما ظهر منه بالخضوع والتضرع بين يديه / سبحانه والرياضة (فأنه) عز شأنه {غَفُورٌ} يسترها عنه { أية : رَّحِيمٌ } تفسير : [الأنعام: 54] يرحمه بهبة التميكن ونعمة الاستقامة {وَكَذَلِكَ نفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ} أي مثل ذلك التبيين الذي بيناه لهؤلاء المؤمنين نبين لك صفاتنا { أية : وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ } تفسير : [الأنعام: 55] وهم المحجوبون بصفاتهم الذين يفعلون لذلك ما يفعلون. والله تعالى الموفق للصواب.
ابن عاشور
تفسير : الواو استئنافية كما تقدّم في قوله: {أية : وكذلك فتنَّا بعضهم ببعض}تفسير : [الأنعام: 53]. والجملة تذييل للكلام الذي مضى مبتدئاً بقوله تعالى: {أية : وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربّهم}تفسير : [الأنعام: 51]. والتفصيل: التبيين والتوضيح، مشتقّ من الفصل، وهو تفرّق الشيء عن الشيء. ولمّا كانت الأشياء المختلطة إذا فُصلت يتبيّن بعضها من بعض أطلق التفصيل على التبيين بعلاقة اللزوم، وشاع ذلك حتَّى صار حقيقة، ومن هذا القبيل أيضاً تسمية الإيضاح تبييناً وإبانة، فإنّ أصل الإبانة القطع. والمراد بالتفصيل الإيضاح، أي الإتيان بالآيات الواضحة الدلالة على المقصود منها. والآيات: آيات القرآن. والمعنى نفصّل الآيات ونبيِّنها تفصيلاً مثل هذا التفصيل الذي لا فوقه تفصيل، وهو تفصيل يحصل به علم المراد منها بَيّنا. وقوله: {ولتستبين} عطف على علَّة مقدّرة دلّ عليها قوله: {وكذلك نفصّل الآيات} لأنّ المشار إليه التفصيل البالغ غاية البيان، فيُعلم من الإشارة إليه أنّ الغرض منه اتِّضاح العلم للرسول. فلمَّا كان ذلك التفصيل بهذه المثابة علم منه أنَّه علَّة لشيء يناسبه وهو تبيّن الرسول ذلك التفصيل، فصحّ أن تعطف عليه علّة أخرى من علم الرسول صلى الله عليه وسلم وهي استبانته سبيل المجرمين. فالتقدير مثلاً: وكذلك التفصيل نفصّل الآيات لتعلم بتفصيلها كنهها، ولتستبين سبيل المجرمين، ففي الكلام إيجاز الحذف. وهكذا كلّما كان استعمال (كذلك) نفعل بعد ذكر أفعال عظيمة صالحاً الفعل المذكور بعد الإشارة لأن يكون علَّة لأمر من شأنه أن يعلّل بمثله صحّ أن تعطف عليه علَّة أخرى كما هنا، وكما في قوله: {أية : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين}تفسير : [الأنعام: 75] بخلاف ما لا يصلح، ولذلك فإنَّه إذا أريد ذكر علَّة بعده ذكرت بدون عطف، نحو قوله: {أية : وكذلك جعلناكم أمَّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس}تفسير : [البقرة: 143]. و{سبيل المجرمين} طريقهم وسيرتهم في الظلم والحسد والكبر واحتقار الناس والتصلّب في الكفر. والمجرمون هم المشركون. وضع الظاهر موضع المضمر للتنصيص على أنَّهم المراد ولإجراء وصف الإجرام عليهم. وخصّ المجرمين لأنَّهم المقصود من هذه الآيات كلِّها لإيضاح خفيّ أحوالهم للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين. وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وأبُو جعفر، ويعقوب ـــ بتاء مثنّاة فوقية في أول الفعل ـــ على أنَّها تاء خطاب. والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم. وقرأه حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف ـــ بياء الغائب ـــ، ثم إنّ نافعاً، وأبا جعفر قرآ {سبيل} ـــ بفتح اللام ـــ على أنَّه مفعول {تستبين} فالسين والتاء للطلب. وقرأه البقية ـــ برفع اللام ـــ على أنَّه فاعل «يستبينَ» أو «تستبينَ». فالسين والتاء ليسا للطلب بل للمبالغة مثل استجاب. وقرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو عَمرو، وحفص، على عاصم ـــ برفع ـــ {سبيل} على أنّ تاء المضارعة تاء المؤنَّثة. لأنّ السبيل مؤنَّثة في لغة عرب الحجاز، وعلى أنَّه من استبان القاصر بمعنى بَانَ فـ {سبيل} فاعل {تستبين}، أي لتتّضح سبيلهم لك وللمؤمنين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآيَاتِ} (55) - وَبِمِثْلِ ذَلِكَ البَيَانِ الوَاضِحِ نُوَضِّحُ الدَّلائِلَ المُتَنَوِّعَةَ لِيَظْهَرَ طَريقُ الحَقِّ الذِي يَسْلُكُهُ المُؤْمِنُونَ، وَيَبِيِنَ طَرِيقُ الضَّلالِ الذِي يَسْلُكُهُ الكَافِرُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة تسمع قوله الحق: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} فاعلم أن هناك تفصيلاً سيلي ذلك يشابه تفصيلاً سبق. والآيات السابقة قد فصّل الله فيها أموراً كثيرة؛ فصّل لنا حجة وصحة وحدانية الله سبحانه، وفصّل لنا صحة النبوة، وفصّل لنا صحة القضاء والقدر. ومن بعد ذلك كله يعطينا الحق المقاييس التي تقرر الحقائق التي ينكرها أهل الباطل؛ فيفصّل لنا في العقائد، ويفصّل لنا في حركة الحياة والحركة العبادية التي نؤدي بها تكاليف الإيمان. وكما فصل لنا سبحانه صحة الوحدانية وصحة النبوة، وصحة القضاء والقدر، يفصل لنا الآيات التي تقرر الحقائق: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55]. ونقرأ "سبيل" في بعض القراءات مرفوعة، أي أن سبيل المجرمين يظهر ويستبين ويتضح، وتقرأ في بعض القراءات منصوبة، أي أنك يا محمد تستبين أنت السبيلَ الذي سيسلكه المجرمون. وكلمة "سبيل" وردت في القرآن مؤنثة على الحق: {أية : ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} تفسير : [الأعراف: 45]. ووردت أيضاً في بعض الآيات مذكرة: {أية : وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} تفسير : [الأعراف: 146]. ويريد الحق بذلك أن يعلمنا أن القرآن الذي نزل بلسان عربي مبين قد استقبلته قبائل من العرب، بعضها لها السيادة كقبيلة قريش لأنها تسكن مكة، والكعبة في مكة وكل القبائل تحج إلى الكعبة. ويريد أن ينهي سبحانه هذه السيادة، ولذلك جاء بالقرآن ببعض الألفاظ التي تنطقها القبائل الأخرى، ومثال ذلك كلمة "سبيل" التي تؤنث في لغة "الحجاز"، وجاء به مرة كمذكر؛ كما تنطقها "تميم". ولم يأت الحق بكل ألفاظ القرآن مطابقة لأسلوب قريش، حتى لا تظن قريش أن سيادتها التي كانت لها في الجاهلية قد انسحبت إلى الإسلام، فقد جاء القرآن للجميع. {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ}. أي أن الله سيعامل كل إنسان على مقتضى ما عنده من اليقين الإيماني. والمعاندون لهم المعاملة التي تناسبهم، وكذلك المصرّ على الذنوب، والمقدم على المعاصي، وهي تختلف عن معاملة المؤمن. ولكنها في إطار العدل الإلهي. إذن فلكلٍ المعاملة التي تناسب موقعه من الإيمان. والمقابلون للمجرمين هم المؤمنون. فإذا استبنت سبيلَ المجرمين، أو إذا استبان لك سبيلُ المجرمين ألا تعرف المقابل وهو سبيل المؤمنين؟. وحين يذكر الحق شيئاً مقابلاً بشيء فهو يأتي بحكم شيء ثم يدع الحكم الآخر لفهم السامع، فإذا كان الحق بين سبيل المجرمين لعناً وطرداً، فسبيل المؤمنين يختلف عن ذلك، إنه الرحمة والتكريم. ومثال على ذلك - والله المثل الأعلى - أنت تقول للتلميذ الذي يواظب على دروسه ويذاكر في وقت فراغه من المدرسة: إن سبيلك هو النجاح. ومن يسمع قولك هذا يعرف أن الذي لا يواظب على دروسه ولا يذاكر في وقت فراغه من المدرسة تكون عاقبة أمره الرسوب والخيبة. وهكذا يترك الحق لفطنة السامع لكلامه أن يأتي بالمقابل ويعرف أحكام هذا المقابل: فإذا كان الحق قد قال: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} فهذه إشارة أيضاً لسبيل المؤمنين من رحمة وتكريم. ونعلم أن القرآن قد جاء على أبلغ الأساليب. وهي أساليب تقتضي أن تعرف معطى كل لفظ وكل حرف حتى نفهم مقتضيات المقامات والحالات التي تطابق كل مقام. ومثال على ذلك قول الحق سبحانه: {أية : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} تفسير : [آل عمران: 13]. لقد ترك الحق لفطنة السامع لهذه الآية أن يعرف أن الفئة الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان، وأن الفئة التي تقاتل في سبيل الله هي الفئة المؤمنة، وترك لنا الحق أن المشهد العظيم يعرفون قدر كذبهم في الدنيا، فلا ملك لأحد إلا الله، ولا معبود سواه، فينطقون بما يشهدون: "والله ربنا ما كنا مشركين". ولقائل أن يقول: ولكن هناك في موضع آخر من القرآن نجد أن الله يقول الحق مثل هؤلاء: {أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 34-36]. إنهم في يوم الهول الأكبر يعرفون أنهم كذبوا في الدنيا، وهم لا ينطقون بأي قول ينفعهم، ولا يأذن لهم الحق بأن يقدموا أعذاراً أو اعتذاراً. ونقول لمن يظن أن المكذبين لا ينطقون: إنهم بالفعل لا ينطقون قولاً يغيثهم من العذاب الذي ينتظرهم، وهم يقعون في الدهشة البالغة والحيرة، بل إن بعضاً من هؤلاء المكذبين بالله واليوم الآخر يكون قد صنع شيئاً استفادت به البشرية أو تطورت به حياة الناس، فيظن أن ذلك العمل سوف ينجيه، إن هؤلاء قد يأخذون بالفعل حظهم وثوابهم من الناس الذين عملوا من أجلهم ومن تكريم البشرية لهم، ولكنهم يتلقون العذاب في اليوم الآخر لأنهم أشركوا بالله. ولم يكن الحق في بالهم لحظة أن قدموا ما قدموا من اختراعات، ولذلك يقول الحق: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39]. وهكذا نعلم أن أعمال الكافرين أو المشركين يجازيهم الحق سبحانه عليها بعدله في الدنيا بالمال أو الشهرة، ولكنها أعمال لا تفيد في الآخرة. وأعمالهم كمثل البريق اللامع الذي يحدث نتيجة سقوط أشعة الشمس على أرض فسيحة من الصحراء، فيظنه العطشان ماء، وما إن يقترب منه حتى يجده غير نافع له، كذلك أعمال الكافرين أو المشركين يجدونها لا تساوي شيئاً يوم القيامة. والمشرك من هؤلاء يعرف حقيقة شركه يوم القيامة. ولا يجد إلا الواحد الأحد القهار أمامه، لذلك يقول كل واحد منهم: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. إن المشرك من هؤلاء ينكر شركه. وهذا الإنكار لون من الكذب. مشخص يميزه عن الجنس الآخر إما بارتفاع ترق وإما بنزول تدن. وقمة أجناس الوجود هو الإنسان الذي كرمه الحق بالحس والحركة والتفكير. ويلي الإنسان مرتبة جنسُ الحيوان الذي له الحس والحركة دون التفكير. ويلي جنس الحيوان مرتبة النبات، وهو الذي له النمو دون الحركة والتفكير. وعندما تُسلب من النبات غريزة النمو يصير جماداً. إذن ترتيب الأجناس من الأعلى إلى الأدنى هو كالتالي: الإنسان ثم الحيوان، ثم النبات ثم الجماد. وكل جنس من هذه الأجناس له خصائصه، ويأخذ الجنس الأعلى خاصية زائدة. وأدنى الأجناس هو الجماد الذي يخدم النبات، والنبات يخدم الحيوان والإنسان. والحيوان يخدم الإنسان، وهكذا نجد أن أعلى الأجناس هو الإنسان بينما أدناها هو الجماد. فكيف يأخذ أعلى الأجناس وهو الإنسان رباً له من أدنى الأجناس وهو الجماد؟ إن تحكيم الفطرة في ذلك الأمر ينتهي إلى حكم واضح هو سخف هذا اللون من التفكير. وفطرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل البعثة هدته إلى رفض ذلك، وجاءت البعثة لتجعل من إلف عادة رسول الله وفطرته أمر عبادة للرسول صلى الله عليه وسلم ولكل من اتبعه. {أية : قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 56]. إذن فمسألة عبادة المشركين للأصنام لا تنبع من هدي ولكنها خضوع إلى هوى؛ لأن الهدي هو الطريق الموصل للغاية المعتبرة، والهوى هو خواطر النفس التي تحقق شهوة. ولهذا نرى بعضاً من الذين يريدون إضلال البشر قد خرجوا بمذاهب ليست من الدين في شيء، مثل القاديانية والبهائية والبابية، وغير ذلك من تلك المذاهب، هؤلاء الناس يدعون التدين، وعلى الرغم من ذلك يقدمون التنازلات في أمور تمس الأخلاق، ورأينا مثل ذلك في بعض من القضايا التي نظرتها المحاكم أخيراً، كالذي يدعي التدين ويقبِّل كل امرأة، ولا ينظم العلاقة بين الناس بقواعد الدين، ولكن يطلق الغرائز حسب الهوى. وذهب إليه أناس لهم حظ كبير ومرتبة من التعليم، وقد أوهموا أنفسهم بخديعة كبرى، وظنوا أنهم أخذوا بالتدين، بينما هم يأخذون حظ الهوى المناقض للدين. {أية : لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} تفسير : [الأنعام: 56]. أي أنك يا رسول الله عليك بإبلاغ هؤلاء المشركين أنك لا تتبع أهواءهم التي تقود إلى الضلالة؛ لأن من يتبع مثل تلك الأهواء ينحرف عن الحق، ولا يكون من المهتدين. ومن بعد ذلك يقول الحق: {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} معناهُ نُميِّزُها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):