٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
56
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} قيل: «تدعون» بمعنى تعبدون. وقيل: تدعونهم في مهمات أُموركم على جهة العبادة؛ أراد بذلك الأصنام. {قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ} فيما طلبتموه من عبادة هذه الآشياء، ومن طرد من أردتم طرده. {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً} أي قد ضللت إن ٱتبعت أهواءكم. {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} أي على طريق رشد وهدى. وقرىء «ضَلَلْتُ» بفتح اللام وكسرها وهما لغتان. قال أبو عمرو بن العلاء: ضَللْتُ بكسر اللام لغة تميم، وهي قراءة يحيى بن وَثَّاب وطلحة بن مُصَرِّف، والأولى هي الأصح والأفصح؛ لأنها لغة أهل الحجاز، وهي قراءة الجمهور. وقال الجوهريّ: والضلال والضلالة ضد الرشاد، وقد ضَلَلْتُ أَضِلُّ، قال الله تعالىٰ: { أية : قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي } تفسير : [سبأ: 50] فهذه لغة نجد، وهي الفصيحة، وأهل العالية يقولون: ضَلِلْتُ بالكسر أَضَلّ.
البيضاوي
تفسير : {قُلْ إِنّي نُهِيتُ} صرفت وزجرت بما نصب لي من الأدلة وأنزل علي من الآيات في أمر التوحيد. {أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} عن عبادة ما تعبدون من دون الله، أو ما تدعونها آلهة أي تسمونها. {قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ} تأكيد لقطع أطماعهم وإشارة إلى الموجب للنهي وعلة الامتناع عن متابعتهم واستجهال لهم، وبيان لمبدأ ضلالهم وأن ما هم عليه هوى وليس يهدي، وتنبيه لمن تحرى الحق على أن يتبع الحجة ولا يقلد. {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً} أي اتبعت أهواءكم فقد ضللت. {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} أي في شيء من الهدى حتى أكون من عدادهم، وفيه تعريض بأنهم كذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ } تعبدون {مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ } في عبادتها {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً } ان اتبعتها {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ }.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {قُلْ إِنّى نُهِيتُ } أمره الله سبحانه أن يعود إلى مخاطبة الكفار، ويخبرهم بأنه نهى عن عبادة ما يدعونه ويعبدونه من دون الله، أي: نهاه الله عن ذلك وصرفه وزجره، ثم أمره سبحانه بأن يقول لهم: {لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ } أي لا أسلك المسلك الذي سلكتموه في دينكم، من اتباع الأهواء والمشي على ما توجبه المقاصد الفاسدة التي يتسبب عنها الوقوع في الضلال. قوله: {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً } أي إن اتبعت أهواءكم فيما طلبتموه من عبادة معبوداتكم، وطرد من أردتم طرده {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ } إن فعلت ذلك، وهذه الجملة الإسمية معطوفة على الجملة التي قبلها، والمجيء بها اسمية عقب تلك الفعلية للدلالة على الدوام والثبات، وقرىء "ضَلَلْتُ" بفتح اللام وكسرها وهما لغتان. قال أبو عمرو: ضللت بكسر اللام لغة تميم، وهي قراءة ابن وثاب وطلحة بن مصرف، والأولى هي الأصح والأفصح؛ لأنها لغة أهل الحجاز، وهي قراءة الجمهور. قال الجوهري: والضلال والضلالة ضدّ الرشاد، وقد ضللت أضلّ، قال الله تعالى: {أية : قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى } تفسير : [سبأ: 50] قال فهذه: يعني المفتوحة لغة نجد وهي الفصيحة، وأهل العالية يقول: "ضللت" بالكسر أضلّ انتهى. قوله: {قُلْ إِنّى عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } البينة: الحجة والبرهان، أي إني على برهان من ربي ويقين، لا على هوى وشك، أمره الله سبحانه بأن يبين لهم أن ما هو عليه من عبادة ربه هو عن حجة برهانية يقينية، لا كما هم عليه من اتباع الشبه الداحضة والشكوك الفاسدة التي لا مستند لها إلا مجرد الأهوية الباطلة. قوله: {وَكَذَّبْتُم بِهِ } أي بالربّ أو بالعذاب أو بالقرآن أو بالبينة، والتذكير للضمير باعتبار المعنى. وهذه الجملة إما حالية بتقدير قد، أي والحال أن قد كذبتم به، أو جملة مستأنفة مبينة لما هم عليه من التكذيب بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجج الواضحة والبراهين البينة. قوله: {مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } أخبرهم بأنه لم يكن عنده ما يتعجلونه من العذاب، فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء، نحو قوله: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } تفسير : [الإسراء: 92]، وقولهم: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [الأنفال: 32]، وقولهم: {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [سبأ: 29]، وقيل: {مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } من الآيات التي تقترحونها عليّ. قوله: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ ٱللَّهِ } أي ما الحكم في كل شيء إلا لله سبحانه، ومن جملة ذلك ما تستعجلون به من العذاب أو الآيات المقترحة. والمراد: الحكم الفاصل بين الحق والباطل. قوله: {يَقُصُّ ٱلْحَقَّ } قرأ نافع وابن كثير وعاصم {يَقُصُّ } بالقاف والصاد المهملة، وقرأ الباقون "يَقْضِى" بالضاد المعجمة والياء، وكذا قرأ علي وأبو عبد الرحمن السلمي، وسعيد بن المسيب، وهو مكتوب في المصحف بغير ياء. فعلى القراءة الأولى، هو من القصص، أي يقصّ القصص الحق، أو من قصّ أثره، أي يتبع الحق فيما يحكم به. وعلى القراءة الثانية، هو من القضاء، أي يقضي القضاء بين عباده، و{الحق} منتصب على المفعولية، أو على أنه صفة لمصدر محذوف، أي يقضي القضاء الحق، أو يقص القصص الحق {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ } أي بين الحق والباطل بما يقضي به بين عباده ويفصله لهم في كتابه. ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم: {لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } أي ما تطلبون تعجيله بأن يكون إنزاله بكم مقدوراً إليّ وفي وسعي {لَقُضِىَ ٱلأمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } أي لقضى الله الأمر بيننا بأن ينزله الله سبحانه بكم بسؤالي له وطلبي ذلك، أو المعنى: لو كان العذاب الذي تطلبونه وتستعجلون به عندي، وفي قبضتي لأنزلته بكم، وعند ذلك يقضى الأمر بيني وبينكم {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ } وبالوقت الذي ينزل فيه عذابهم وبما تقتضيه مشيئته من تأخيره استدراجاً لهم وإعذاراً إليهم. قوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } المفاتح جمع مفتح بالفتح وهو المخزن، أي عنده مخازن الغيب، جعل للأمور الغيبية مخازن تخزن فيها على طريق الاستعارة، أو جمع مفتح بكسر الميم، وهو المفتاح، جعل للأمور الغيبية مفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن منها على طريق الاستعارة أيضاً، ويؤيد أنها جمع مفتح بالكسر قراءة ابن السميفع "وَعِندَهُ مَفَاتِيح ٱلْغَيْبَ" فإن المفاتيح جمع مفتاح والمعنى: إن عنده سبحانه خاصة مخازن الغيب، أو المفاتيح التي يتوصل بها. وقوله: {لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } جملة مؤكّدة لمضمون الجملة الأولى، وأنه لا علم لأحد من خلقه بشيء من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها، ويندرج تحت هذه الآية علم ما يستعجله الكفار من العذاب كما يرشد إليه السياق اندراجاً أوّلياً. وفي هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمليين وغيرهم من المدّعين ما ليس من شأنهم، ولا يدخل تحت قدرتهم، ولا يحيط به علمهم، ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة، والأنواع المخذولة، ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم بغير خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم «حديث : من أتى كاهناً أو منجماً فقد كفر بما أنزل على محمد»تفسير : . قوله: {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } خصهما بالذكر لأنهما من أعظم مخلوقات الله، أي يعلم ما فيهما من حيوان وجماد علماً مفصلاً لا يخفى عليه منه شيء، أو خصهما لكونهما أكثر ما يشاهده الناس ويتطلعون لعلم ما فيهما {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا } أي من ورق الشجر وهو تخصيص بعد التعميم، أي يعلمها ويعلم زمان سقوطها ومكانه. وقيل: المراد بالورقة ما يكتب فيه الآجال والأرزاق. وحكى النقاش عن جعفر بن محمد: أن الورقة يراد بها هنا السقط من أولاد بني آدم، قال ابن عطية: وهذا قول جار على طريقة الرموز، ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه {وَلاَ حَبَّةٍ } كائنة {فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأرْضِ } أي في الأمكنة المظلمة. وقيل: في بطن الأرض {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ } بالخفض عطفاً على حبة، وهي معطوفة على ورقة. وقرأ ابن السميفع، والحسن، وغيرهما بالرفع عطفاً على موضع {من ورقة}، وقد شمل وصف الرطوبة واليبوسة جميع الموجودات. قوله: {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } هو اللوح المحفوظ، فتكون هذه الجملة بدل اشتمال من {إِلاَّ يَعْلَمُهَا }. وقيل: هو عبارة عن علمه فتكون هذه الجملة بدل كل من تلك الجملة. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي عمران الجوني، في قوله {قُلْ إِنّى عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } قال: على ثقة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة في قوله: {لَقُضِىَ ٱلأمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } قال: لقامت الساعة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ } قال: يقول خزائن الغيب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ } قال: هنّ خمس {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } إلى قوله: {أية : عَلَيمٌ خَبِيرٌ } تفسير : [لقمان: 34]. وأخرج أحمد، والبخاري، وغيرهما، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت إلا الله، ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا } قال: ما من شجرة في برّ ولا بحر إلا وبها ملك يكتب ما يسقط من ورقها. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن محمد بن جحادة في قوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ } قال: لله تبارك وتعالى شجرة تحت العرش ليس مخلوق إلا له فيها ورقة فإذا سقطت ورقته خرجت روحه من جسده، فذلك قوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا }. وأخرج الخطيب في تاريخه بسند ضعيف، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من زرع على الأرض ولا ثمار على أشجار، إلا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا رزق فلان بن فلان» تفسير : فذلك قوله تعالى: {وَمَا تَسْقُطُ مِن } الآية. وقد رواه يزيد بن هارون، عن محمد ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ } فقال: الرطب واليابس من كل شيء.
ابن عطية
تفسير : أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يجاهرهم بالتبري مما هم فيه و {أن أعبد} هو بتأويل المصدر التقدير عن عبادة، ثم حذف الجار فتسلط الفعل ثم وضع {أن أعبد} موضع المصدر، وعبر عن الأصنام بـ {الذين} على زعم الكفار حين أنزلوها منزلة من يعقل، و {تدعون} معناه تعبدون، ويحتمل أن يريد تدعون في أموركم وذلك من معنى العبادة واعتقادها آلهة وقرأ جمهور الناس "قد ضلَلت" بفتح اللام، قرأ يحيى بن وثاب وأبو عبد الرحمن السلمي وطلحة بن مصرف "ضلِلت" بكسرها، وهما لغتان و {إذاً} في هذا الموضع متوسطة وما بعدها معتمد على ما قبلها فهي غير عاملة إلا أنها تتضمن معنى الشرط فهي بتقدير إن فعلت ذلك فـ {أهواء} جمع هوى وهو الإرادة المحبة في المرديات من الأمور هذا غالب استعمال الهوى وقد تقدم، وقوله تعالى: {قل إني على بينة من ربي} الآية، هذه الآية تماد في إيضاح مباينته لهم، والمعنى قل إني على أمر بين فحذف الموصوف ثم دخلت هاء المبالغة كقوله عز وجل: {أية : بل الإنسان على نفسه بصيرة} تفسير : [القيامة:14] ويصح أن تكون الهاء في {بينة} مجردة للتأنيث، ويكون بمعنى البيان، كما قال {أية : ويحيى من حيَّ عن بينة} تفسير : [الأنفال:42] والمراد بالآية أني أيها المكذبون في اعتقادي ويقيني وما حصل في نفسي من العلم على بينة من ربي {وكذبتم به} الضمير في {به} عائد على بين في تقدير هاء المبالغة أو على البيان التي هي {بينة} بمعناه في التأويل الآخر، أو على الرب، وقيل على القرآن وهو وإن لم يتقدم له ذكر جلي فإنه بعض البيان الذي منه حصل الاعتقاد واليقين للنبي عليه السلام، فيصح عود الضمير عليه. قال القاضي أبو محمد: وللنبي عليه السلام أمور أخر غير القرآن وقع له العلم أيضاً من جهتها كتكليم الحجارة له ورؤيته للملك قبل الوحي وغير ذلك وقال بعض المفسرين في {به} عائد على {ما} والمراد بها الآيات المقترحة على ما قال بعض المفسرين، وقيل المراد بها العذاب، وهذا يترجح بوجهين: أحدهما من جهة المعنى وذلك أن قوله {وكذبتم به} يتضمن أنكم واقعتم ما تستوجبون به العذاب إلا أنه ليس عندي، والآخر من جهة اللفظ وهو الاستعجال الذي لم يأت في القرآن استعجالهم إلا العذاب لأن اقتراحهم بالآيات لم يكن باستعجال، وقوله {إن الحكم إلا لله} أي القضاء والإنفاذ {يقص الحق} أي يخبر به، والمعنى يقص القصص الحق، وهذه قراءة ابن كثير وعاصم ونافع وابن عباس، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر "يقضي الحق" أي ينفذه، وترجع هذه القراءة بقوله {الفاصلين} لأن الفصل مناسب للقضاء، وقد جاء أيضاً الفصل والتفصيل مع القصص، وفي مصحف عبد الله بن مسعود "وهو أسرع الفاصلين" قال أبو عمرو الداني: وقرأ عبد الله وأبيّ ويحيى ابن وثاب وإبراهيم النخعي وطلحة الأعمش "يقضي بالحق" بزيادة باء الجر، وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير "يقضي الحق وهو خير الفاصلين"، وقوله تعالى: {قل لو أن عندي} الآية، المعنى لو كان عندي الآيات المقترحة أو العذاب على التأويل الآخر لقضي الأمر أي لوقع الانفصال، وتم التنازع لظهور الآية المقترحة أو لنزل العذاب بحسب التأويلين، وحكى الزهراوي: أن المعنى لقامت القيامة، ورواه النقاش عن عكرمة، وقال بعض الناس: معنى {لقضي الأمر} أي لذبح الموت. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قول ضعيف جداً لأن قائله سمع هذا المعنى في قوله تعالى: {أية : وأنذرههم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} تفسير : [مريم:39] وذبح الموت هنا لائق فنقله إلى هذا الموضع دون شبه، وأسند الطبري هذا القول إلى ابن جريج غير مقيد بهذه السورة، والظن بابن جريج أنه إنما فسر الذي في يوم الحسرة {والله أعلم بالظالمين} يتضمن الوعيد والتهديد.
النسفي
تفسير : {قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي صرفت وزجرت بأدلة العقل والسمع عن عبادة ما تعبدون من دون الله {قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ } أي لا أجري في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتباع الهوى دون اتباع الدليل، وهو بيان سبب الذي منه وقعوا في الضلال {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً } أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ } وما أنا من المهتدين في شيء يعني أنكم كذلك ولما نفي أن يكون الهوى متبعاً نبه على ما يجب اتباعه بقوله {قُلْ إِنّي عَلَىٰ بَيّنَةٍ مِّن رَّبّي } أي إني من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه على حجة واضحة {وَكَذَّبْتُم بِهِ } حيث أشركتم به غيره. وقيل: على بينة من ربي على حجة من جهة ربي وهو القرآن وكذبتم به بالبينة، وذكر الضمير على تأويل البرهان أو البيان أو القرآن. ثم عقبه بما دل على أنهم أحقاء بأن يعاقبوا بالعذاب فقال {مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء }تفسير : [الأنفال: 32] {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ } في تأخير عذابكم {يَقُصُّ ٱلْحَقَّ } حجازي وعاصم أي يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدره من قص أثره. الباقون {يَقْضِ ٱلْحَقّ } في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل، والحق صفة لمصدر يقضي وقوله {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ } أي القاضين بالقضاء الحق إذ الفصل هو القضاء، وسقوط الياء من الخط لاتباع اللفظ لالتقاء الساكنين {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى } أي في قدرتي وإمكاني {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } من العذاب {لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربي {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ } فهو ينزل عليكم العذاب في وقت يعلم أنه أردع. {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } المفاتح جمع مفتح وهو المفتاح، أو هي خزائن العذاب والرزق، أو ما غاب عن العباد من الثواب والعقاب والآجال والأحوال. جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة لأن المفاتح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال، ومن علم مفاتحها وكيفية فتحها توصل إليها فأراد أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده لا يتوصل إليها غيره كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها فهو المتوصل إلى ما في المخازن. قيل: عنده مفاتح الغيب وعندك مفاتح الغيب، فمن آمن بغيبه أسبل الله الستر على عيبه {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرّ } من النبات والدواب {وَٱلْبَحْرِ } من الحيوان والجواهر وغيرهما {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا } «ما» للنفي و «من» للاستغراق أي يعلم عددها وأحوالها قبل السقوط وبعده {وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ } عطف على {وَرَقَةٍ } وداخل في حكمها وقوله {إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } كالتكرير لقوله {إِلاَّ يَعْلَمُهَا } لأن معنى {إِلاَّ يَعْلَمُهَا } ومعنى {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } واحد وهو علم الله أو اللوح. ثم خاطب الكفرة بقوله{وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ } أي يقبض أنفسكم عن التصرف بالتمام في المنام {وَيَعْلَمَ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } كسبتم فيه من الآثام {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } ثم يوقظكم في النهار، أو التقدير ثم يبعثكم في النهار ويعلم ما جرحتم فيه فقدم الكسب لأنه أهم، وليس فيه أنه لا يعلم ما جرحنا بالليل ولا أنه لا يتوفانا بالنهار فدل أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مّسَمًّى } لتوفى الآجال على الاستكمال {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } رجوعكم بالبعث بعد الموت {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في ليلكم ونهاركم. قال بعض أهل الكلام: أن لكل حاسة من هذه الحواس روحاً تقبض عند النوم ثم ترد إليها إذا ذهب النوم، فأما الروح التي تحيا بها النفس فإنها لا تقبض إلا عند انقضاء الأجل. والمراد بالأرواح المعاني والقوى التي تقوم بالحواس ويكون بها السمع والبصر والأخذ والمشي والشم. ومعنى {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } أي يوقظم ويرد إليكم أرواح الحواس فيستدل به على منكري البعث لأنه بالنوم يذهب أرواح هذه الحواس ثم يردها إليها فكذا يحيي الأنفس بعد موتها. {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً } ملائكة حافظين لأعمالكم وهم الكرام الكاتبون ليكون ذلك أزجر للعباد عن ارتكاب الفساد إذا تفكروا أن صحائفهم تقرأ على رؤوس الأشهاد {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } «حتى» لغاية حفظ الأعمال أي وذلك دأب الملائكة مع المكلف مدة الحياة إلى أن يأتيه الممات {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } أي استوفت روحه وهم ملك الموت وأعوانه {توفيه} و {استوفيه} بالإمالة: حمزة { رُسُلُنَا } أبو عمرو {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ } لا يتوانون ولا يؤخرون {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ } إلى حكمه وجزائه أي رد المتوفون برد الملائكة {مَوْلَـٰهُمُ } مالكهم الذي يلي عليهم أمورهم {ٱلْحَقِّ } العدل الذي لا يحكم إلا بالحق وهما صفتان لله {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ } يومئذ لا حكم فيه لغيره {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ } لا يشغله حساب عن حساب يحاسب جميع الخلق في مقدار حلب شاة وقيل: الرد إلى من رباك خير من البقاء مع من آذاك. {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ } {يُنَجِّيكُمْ } ابن عباس {مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ } مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما، أو ظلمات البر الصواعق والبحر الأمواج وكلاهما في الغيم والليل {تَدْعُونَهُ } حال من ضمير المفعول في {يُنَجِّيكُمْ } {تَضَرُّعًا } معلنين الضراعة وهو مصدر في موضع الحال، وكذا {وَخُفْيَةً } أي مسرين في أنفسكم {خفية} حيث كان: أبو بكر وهما لغتان {وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَـٰنَا } عاصم وبالإمالة حمزة وعلي. الباقون {أَنْجَيْتَنَا } والمعنى يقولون لئن خلصنا {مِنْ هَـٰذِهِ } الظلمات {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } لله تعالى {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجّيكُمْ } بالتشديد كوفي {مِّنْهَا } من الظلمات {وَمِن كُلِّ كَرْبٍ } وغم وحزن {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ } ولا تشكرون. {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ } هو الذي عرفتموه قادراً أو هو الكامل القدرة فاللام يحتمل العهد والجنس {عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ } كما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة{أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } كما غرّق فرعون وخسف بقارون، أو من قبل سلاطينكم وسفلتكم، أو هو حبس المطر والنبات {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } أو يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام. ومعنى خلطهم أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } يقتل بعضكم بعضاً. والبأس السيف وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : سألت الله تعالى أن لا يبعث على أمتي عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف» تفسير : {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ } بالوعد والوعيد {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ} بالقرآن أو بالعذاب {قَوْمُكَ } قريش {وَهُوَ ٱلْحَقُّ } أي الصدق أو لا بد أن ينزل بهم {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } بحفيظ وكل إليّ أمركم إنما أنا منذر {لِكُلِّ نَبَاءٍ } لكل شيء ينبأ به يعني إنباءهم بأنهم يعذبون وإيعادهم به {مُّسْتَقَرٌّ} وقت استقرار وحصول لا بد منه {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } تهديد.
القشيري
تفسير : يعني صرِّح بالاعتراف بجميل ما خصصناكَ به من وجوه العصمة والنعمة، وأخبرهم أنك في كنف الإيواء مُتقلَّب، وفي قبضة (الصون) مُصَرَّفٌ؛ فلا للهوى عليك سلطان، ولا لك من محل التحقيق تباعد أو عن الحضور غيبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل إنى نهيت} كان كفار قريش يدعونه عليه السلام الى دين آبائه فنزلت اى صرفت وزجرت بما نصب لى من الادلة وانزل علىّ من الآيات فى امر التوحيد {أن أعبد الذين تدعون} اى عن عبادة ما تعبدونه {من دون الله} كائنا ما كان {قل لا اتبع اهواءكم} اشارة الى الموجب للنهى كأنهم قالوا لم نهيت عما نحن فيه ولم تمتنع عن متابعتنا اجاب بان ما انتم عليه هوى وليس بهدى فكيف اتبع الهوى واترك الهدى {قد ضللت اذا} اى ان اتبعت اهوآءكم فقد ضللت اى تركت سبيل الحق {وما انا من المهتدين} من الذين سلكوا طريق الهدى عطف على ما قبله.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد: {إني نُهيتُ} أي: نهاني ربي {أن أعبدَ الذين تدعُون} أي: تعبدون {من دون الله}، أو ما تدعونها آلهة؛ أي: تسمونها بذلك، وتخضعون لها من دون الله، {قل} لهم: {لا أتبع أهواءكم} الفاسدة وعقائدكم الزائغة، {قد ضللتُ} عن الحق {إذًا} أي: إذا اتبعت أهواءكم، {وما أنا من المهتدين} أي: ما أنا في شيء من الهدى حتى أكون من عدادهم إن اتبعت أهواءكم، وفيه تعريض بهم، وأنهم ضالون حائدون عن طريق الهدى، ليسوا على شيء منها. {قل إني على بيّنة} أي: طريق واضحة {من ربي} تُوصلني إلى تحقيق معرفته، واستجلاب رضوانه، أنا ومن اتبعني، {و} أنتم {كذبتم به} أي: بربي؛ حيث أشركتم به وعبدتم غيره، أو كذبتم بطريقه؛ حيث أعرضتم عنها، واستعجلتم عقابه في الدنيا، {ما عندي ما تستعجلون به} من العذاب أو المعجزات، {إن الحكم إلا لله} في تعجيل العذاب وتأخيره، أو في إظهار الآيات وعدم إظهارها، {يقَصُّ} القصص {الحق} وهو القرآن، أي: ينزله عليّ لأنذركم به، أو يقضي القضاء الحق من تعجيل ما يعجل وتأخير ما يؤخر، فيحكم بيني وبينكم إن شاء، {وهو خير الفاصلين} أي: القاضين. {قل لو أن عندي} أي: في قدرتي وطوقي {ما تستعجلون به} من العذاب {لقُضي الأمر بيني وبينكم} أي: لأهلكتكم عاجلاً؛ غضبًا لربي، وانقطع ما بيني وبينكم، ولكن الأمر بيد خالقكم الذي هو عالم بأحوالكم، {والله أعلم بالظالمين} أي: عالم بما ينبغي أن يؤخذ عاجلاً، وبمن ينبغي أن يمهل، فمفاتح الغيب كلها عنده، كما سيذكره. الإشارة: قل، أيها العارف، المتوجه إلى الله، المنقطع كليته إلى مولاه، الغائب عن كل ما سواه: إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله؛ من حب الدنيا، ومن الرياسة والجاه. قل: لا أتبع أهواءكم؛ لأني قد اجتمعت أهوائي في محبوب واحد، حين وصلت إلى حضرته، وتنعمت بشهود طلعته، فانحصرت محبتي في محبوب واحد، وفي ذلك يقول القائل: شعر : كَانَت لِقَلبيَ أهوَاءٌ مُفَرَّقَةٌ فَاستَجمَعَت مُذ رأتكَ العَينُ أهوائِي فَصَارَ يَحسُدُنِي مَن كُنتُ أحسُدُهُ وَصِرتُ مَولَى الوَرَى مُذ صِرت مَولائِي تَرَكتُ لِلنَّاسِ دنياهم ودِينَهُم شُغلاً بِذِكرك يَا دِينِي ودُنيَائِي تفسير : وقال آخر: شعر : تَركتُ للنَّاسِ، ما تَهوَى نُفوسُهم مِن حُبِّ دُنيا ومن عزِّ ومن جَاهِ كذَاكَ تَركُ المقَامَات هُنَا وَهُنَا والقَصدُ غَيبَتُنَا عَمَّا سِوَى اللهِ تفسير : {قل إني على بينة من ربي} أي: بصيرة نافذة في مشاهدة أسرار ربي، فقد كذَّبتم بخصوصيتي، وطلبتم دلائل ولايتي، ما عندي ما تستعجلون به من الكرامات، {إن الحكم إلا لله}، يقضي القضاء الحق، فيُظهر ما يشاء، ويُخفي مَن يشاء، {وهو خير الفاصلين} أي: الحاكمين بين عبادة، قل لو أن عندي ما تستعجلون به؛ من نفوذ دعوتي في إظهار كرامتي، لقٌضي الأمر بيني وبينكم، والله أعلم بالمكذبين بأوليائه. ثم قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ}.
الطوسي
تفسير : روي عن يحيى بن وثاب أنه قرأ {ضللت} بكسر اللام. والقراء كلهم على فتحها، وهما لغتان. فمن كسر اللام فتح الضاد من "يضل". ومن فتح اللام كسر الضاد. فقال "يضل" وقال أبو عبيدة اللغة الغالبة بالفتح. وروى ابو العالية أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قرأ هذه الآية عند الكعبة وأظهر لهم المفارقة. وهذه الآية فيها خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) وأمر له بأن يقول للكافرين: ان الله قد نهاني أن اعبد هذه الاوثان التي تعبدونها من دون الله وتدعونها آلهة وأنها تقربكم الى الله زلفى، وأن يقول لهم اني لا أتبع أهواءكم في عبادة الاوثان، واني لو فعلت ذلك لكنت قد ضللت عن الصواب، وبعدت عن الرشد ولم أكن من المهتدين الى الخير والصلاح. ومعناه معنى الشرط وتقديره قد ضللت ان عبدتها. وقال الزجاج: {وما أنا من المهتدين} أي وما أنا من النبيين الذين سلكوا طريق الهدى.
الأعقم
تفسير : {قل} يا محمد {إني نهيت} صرفت وزجرت بما ركب في من أدلة العقل وبما أوتيت من أدلة السمع عن عبادة ما يعبدون، قوله تعالى: {قل إني على بينة من ربي} أي على حجة ومعجزة {وكذبتم به}، قيل: بالقرآن، وقيل: بالبينات، وقيل: بربكم {ما عندي ما تستعجلون به} الآية نزلت في النضر بن الحرث حين قال: {أية : فأمطر علينا حجارة من السماء} تفسير : [الأنفال: 32] وقيل: في الذين اقترحوا الآيات {إن الحكم إلا لله} الحكم الذي يفصل بين المحقين والمبطلين {يقصُّ الحق} بالصاد معناه بقوله ويخبر وبالضاد المعجمة من القضاء، أي يفصل بالحق من الباطل {وهو خير الفاصلين} قوله تعالى: {لقضى الأمر بيني وبينكم} أي لفرغ من العذاب وهلكتم {والله أعلم بالظالمين} {وعنده مفاتح الغيب} قيل: خزائنه، وقيل: عنده ما يفتح للعباد من علم الغيب، وقيل: علم الغيب في قوله تعالى: {أية : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام}تفسير : [لقمان: 34]، إلى آخر السورة، وقيل: علم نزول العذاب، وقال عطاء: ما غاب عنكم من الثواب والعقاب، وقيل: هي الآجال وقت انقضائها، وعن ابن مسعود: أوتي نبيكم علم كل شيء إلا علم الغيب {ويعلم ما في البر والبحر} قال مجاهد: البر القفار، والبحر كل قرية فيها ماء {وما تسقط من ورقة إلاَّ يعلمها}، قيل: ما تسقط من ورق الأشجار، وما يبقى، وقيل: يعلم ما يؤكل وما يسقط {ولا حبة في ظلمات الأرض}، قيل: حبة في أسفل الأرضين، وقيل: ما زرع {ولا رطب ولا يابس} قيل: هو مثل أراد به تعالى أنه عالم بجميع المعلومات، وقيل: الرطب الماء، واليابس الأرض، وقيل: ما نبت وما لم ينبت، وقيل: الرطب لسان المؤمن رطب بذكر الله تعالى، واليابس لسان الكافر، وقيل: الأشجار والنبات رطبها ويابسها، وروي في تفسير الثعلبي عن محمد بن اسحاق عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "حديث : ما من زرع على أرض ولا أثمار على أشجار إلاَّ مكتوب عليها بسم الله الرحمن الرحيم رزق فلان بن فلان" تفسير : وذلك قوله في محكم كتابه: {وما تسقط من ورقة إلاَّ يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلاَّ في كتاب مبين} في اللوح المحفوظ، وقيل: ما تكتبه الملائكة من الأعمال، قوله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} يعني ما كسبتم من الإِثم {ثم يبعثكم فيه} أي يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الاثم بالنهار، وقيل: يبعثكم فيه يعني في النهار من النوم {لِيُقضَى أجل مسمَّى} أي يبلغ المدة من الحياة والأجل {ثم إليه مرجعكم} وهو المرجع إلى الموقف والحساب {ثم ينبئكم} يخبركم ويجازيكم {بما كنتم تعملون}.
اطفيش
تفسير : {قُلْ إنَّى نُهيتُ} قل يا محمد لهؤلاء المشركين إنى نهانى الله بنصب الأدلة كالسماوات والأرض، وبالقرائن وسائر الوحى {أن أعبْدَ الَّذين تدْعُون مِنْ دون اللهِ} الأصنام التى تعبدونها، وقيل: تطلبونها عند الشدة، وقيل: تسمونها آلهة، والأول أنسب بقوله: {أن أعبد} وهو على تقدير عن، أى نهيت عن أن أعبد، وإنما قال: {الذين} لأنهم ينزلون أصنامهم منزلة العقلاء، بل منزلة أعظم، إذ جعلوها آلهة وهم يعبدونها ويدعونها، ويجعلونها آلهة، ويزعمون أنها تقربهم إلى الله، كل ذلك على طرف من الهوى، وعلى التقليد ولا رسوخ لذلك فى صميم قلوبهم كما قال. {قُل لا أتبعُ أهْواءَكم} فى عبادة الأصنام، وطرد الفقراء المسلمين كيف أعبد الأصنام، وهى مخلوقة لا تدفع ضرّاً عن نفسها أو غيرها، ولا تجلب نفعاً، ونهانى ربى، كيف أطرد المسلمين المستحقين للتقريب والإعزاز لعلمهم وعملهم، وقد قيل: إن بعض المشركين قال: له استلم آلهتنا بيدك حتى نؤمن بإلهك، فأمر الله تعالى أن يقول: لأنى نهيت قطعاً لأطماعهم، وأكد ذلك القطع بقوله: {قل لا أتبع أهواءكم} أى كيف أتبع ما هو هواء، وأترك ما هو هدى، وما ذلك منكم إلا تقليد، والفاء لأدلة العقل وأدلة النقل الزاجرة عن عبادة الأصنام ودعاءها. {قَدْ ضللْتُ إذاً} أى خرجت عن الصواب خروجاً مترتباً على اتباع أهوائكم، أو إذا خرجت أو إذ خرجت. {وما أنا مِنَ المهتَدِين} لست منهم فى شئ ما من الهدى ولو أقل قليل إن اتبعت أهواءكم، وذلك تعريض بهم أنهم قد ضلوا وليسوا فى شئ من الهدى، وهذا أبلغ من أن يقال: وما أنا مهتد، لأن انتفاء مهتد تام يجوز معه بقاء اهتداء ما.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} لهم يا محمد قطعاً لأَطماعهم فى أَن تتبعهم فى المسح على آلهتهم إِذا قالوا امسح عليها نؤمن بإِلهك {إِنى نُهِيتُ} بالآيات النقلية والعقلية فى شأن التوحيد كقوله تعالى{قل إِنى نهيت}إِلى قوله "أية : لما جاءَنى البينات من ربى"تفسير : [غافر: 66] {أَنْ أَعْبُدَ} أَى عن أَن أَعبد {الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} أَى تعبدون، أَو تسمونهم آلهة، واختار الذين لاعتقادهم فى الأَصنام أَنهم عقلاء، أَو قريبون من العقلاء {قُلْ} لهم أَيضاً قطعاً لأَطماعهم فى أَن تتابعهم أَو تلاينهم فى المسح على آلهتهم {لاَ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ} فى عبادتكم أَو مماستها، إِنما أَنتم على محض الهوى والجهالة لا على الهدى فكيف أَتبعكم وأَترك الحجة العقلية والنقلية، وقيل: لا أَتبع أَهواءَكم فى طرد المؤمنين، وكرر قل مع قرب ذكره اعتناء بالمأْمور، وفرقاً بأَن الأَول لما هو من جهة الله تعالى، وهو النهى، والثانى من جهته صلى الله عليه وسلم وهو الانتهاء عما يطالبون من المداهنة وجمع الأَهواء مع أَن هواهم كلهم عبادة غير الله لتعددها فى الحقيقة؛ لأَن كل واحد يجعل لنفسه صنماً يعبده ولا يعبد غيره من الأَصنام، أَو تتفق جماعة على صنم وأَخرى على آخر، وهذا أَولى مما قيل أَنه جمع ولو كان واحداً فى نفسه ولكن متعدد بالإِضافة إِليهم، {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً} هى إِذاً التى هى حرف جواب وجزاء لم يذكر المضارع بعدها، أو الظرفية الماضوية المعوض تنوينها عن الجملة بلا إِضافة نحو حين إِليها، أَو الاستقبالية معوضاً عن شرطها التنوين، والأَول والثالث أَنسب بفتح الذال، وهكذا فى غير هذا الموضع، أَى قد تحقق ضلالى فى مقابلة اتباعى أَهواءَكم لو اتبعتها، أَو حين اتبعتها لو اتبعتها، أَو إِذا اتبعتها لو كنت اتبعتها {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} تعريض المشركين بأَنهم على غير هدى تأكيدا للفعلية بعطف الاسمية عليها الدالة على التحقيق والثبوت أَي لست من أعداء المهتدين فى شىء ما فضلا عن أَن اهتديت، أَو أَنا مهتد قولا دالا على الهدى التام مع أَنى متبع لأَهوائكم لو اتبعتها، وكيف أَتبعها وأَترك الحجج النقلية والعقلية، وتوحيده صلى الله عليه وسلم بالحجة والتقليد، ويكفى غيره التقليد الجازم على الصحيح عندنا معشر الإِباضية الوهبية، وهو الذى حكاه القشيري عن الأَشعري قائلاً أَن ما حكى عن الأَشعري من أن توحيد المقلد غير صحيح افتراء عليه، وزاد تأْكيد المتقدم بقوله: {قُلْ إِنِّى على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّى} بيان واضح مميز بين الحق والباطل فأَنا على يقين، أَو البينة القرآن أَو الوحى والحجج العقلية فلا أَخالف ذلك، ويقبح عليكم خلافه، واستقبح مخالفته بقوله {وَكَذَّبْتُمْ بِهِ} سواءً جعلناه حالا من ضمير على بينة، أَو من ربى أَو من بينة الموصوفة بقوله من ربى، بتقدير قد أَو دونه، ومن للابتداء أَو للبيان، أَى على بينة من معرفة ربى، أَم جعلناه عطفاً على مدخول قل لصحة قد كذبتم به وما يحق لكم التكذيب به، لا على خبر إن لعدم صحة إِن كذبتم به، ولا تثبت عندى واو الاستئناف، وهاء به لربى أَو للقرآن المعلوم من المقام، أَو من بينة لأَنها القرآن أَو البيان أَو البرهان، أَو التاء للمبالغة والأَصل على أَمر بين، كما تقول فلان راوية فلان، ومعنى تكذيبهم لله تكذيبهم وحيه، ومطلق إِشراك ما تكذيب له سبحانه، وكان صلى الله عليه وسلم يخوفهم على الإِشراك بالعذاب فكانوا يستعجلون به استهزاءً كقولهم: {أية : اللهم إِن كان هذا هو الحق من عندك..} تفسير : [الأنفال: 32] إِلخ.. فنزل قوله تعالى {مَا عِنْدِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} من العذاب، وقيل من الآيات المقترحة، وقضاء على قيام الساعة وليس كذلك، كما أَنه لا يحسن التفسير بأَنه لو كان ذلك فى حكمتى لأَهلكتكم عاجلا غضباً لربى عز وجل {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ} فى تأْخير العذاب الذى تستعجلونه، فإِنه تأْخير لقضاء الله بتأخيره، وذلك أَن كلامهم على التأخير، أَو إِن الحكم إِلا لله فى تأخيره واستعجاله، والمراد أَولا وبالذات الكلام على تأخيره، وإن الحكم فى كل شىء إِلا لله عز وجل {يَقُصُّ الْحَقَّ} أَى يذكره ولا يترك منه شيئاً مما كذبتم به ذكراً، كقص الأَثر وهو تتبعه كقوله تعالى "أية : نحن نقص عليك أَحسن القصص" تفسير : [يوسف: 3] وقيل يقص بمعنى يقضى كما قرأَ به الكسائى، وقيل: بمعنى القول كما جاءَ الفصل بمعنى القول كقوله تعالى: {أية : ثم فصلت} تفسير : [هود: 1]، ونفصل الآيات تدل على أَنه لا يقدر العبد على شىء إِلا إِذا قضى الله تعالى به كفراً أَو طاعة أَو غيرهما {وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ} الحاكمين.
الالوسي
تفسير : {قُلْ إِنّى نُهِيتُ} أمر له صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى خطاب المصرين على الشرك إثر ما أمر بمعاملة من عداهم بما يليق بحالهم أي قل لهم قطعاً لأطماعهم الفارغة عن ركونك إليهم وبياناً لكون ما هم عليه هوى محضاً وضلالاً صرفاً إني صرفت ومنعت بالأدلة الحقانية والآيات القرآنية {أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ} أي عن عبادة الآلهة الذين {تَدْعُونَ} أي تعبدونهم أو تسمونهم آلهة {مِن دُونِ ٱللَّهِ} سواء كانوا ذوي عقول أم لا. وقد يقال: إن المراد بهم الأصنام إلا أنه عبر بصيغة العقلاء جرياً على زعمهم {قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ} تكرير الأمر مع قرب العهد اعتناء بشأن المأمور به وإيذاناً باختلاف القولين من حيث إن الأول: حكاية لما مر من جهته تعالى من النهي والثاني: [حكاية] لما من جهته عليه الصلاة والسلام من الانتهاء عن عبادة ما يعبدون. وفي هذا القول استجهال لهم وتنصيص على أنهم فيما هم فيه من عبادة غير الله تعالى تابعون لأهواء باطلة وليسوا على شيء مما ينطلق عليه الدين أصلاً وإشعار بما يوجب النهي والانتهاء. وفيه ـ كما قيل ـ إشارة إلى عدم كفاية التقليد الصرف في مثل هذه المطالب. وقيل ـ وهو في غاية البعد ـ إن المراد لا أتبع أهواءكم في طرد المؤمنين. {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً } أي إن اتبعت أهواءكم فقد ضللت. وهو استئناف مؤكد لانتهائه عليه الصلاة والسلام عما نهي عنه مقرر لكونه في غاية الضلال. وقرأ يحيـى بن وثاب {ضللت} بكسر اللام وهو لغة فيه، والفتح كما قال أبو عبيدة هو الغالب. {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ } عطف على ما قبله. والعدول إلى الإسمية للدلالة على الدوام والاستمرار أي دوام النفي واستمراره لا نفي الدوام والاستمرار، والمراد ـ كما قيل ـ وما أنا إذاً في شيء من الهدى حتى أعد في عدادهم، وفيه تعريض بأن المقول لهم كذلك.
سيد قطب
تفسير : هذه الموجة عودة إلى "حقيقة الألوهية" بعد بيان "حقيقية الرسالة وحقيقة الرسول" في الموجة السابقة لها في السياق المتلاحم؛ وبعد استبانة سبيل المجرمين واستبانة سبيل المؤمنين - كما ذكرنا ذلك في نهاية الفقرة السابقة. وحقيقة الألوهية في هذه الموجة تتجلى في مجالات شتى؛ نجملها هنا - قبل تفصيلها في استعراض النصوص القرآنية: تتجلى في قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يجد في نفسه بينة من ربه، هو منها على يقين، لا يزعزعه تكذيب المكذبين. ومن ثم يخلص نفسه لربه، ويفاصل قومه مفاصلة المستيقن من ضلالهم يقينه من هداه {قل: إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله. قل: لا أتبع أهواءكم، قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين. قل: إني على بينة من ربي وكذبتم به. ما عندي ما تستعجلون به، إن الحكم إلا لله، يقص الحق وهو خير الفاصلين}.. وتتجلى في حلم الله على المكذبين، وعدم استجابته لاقتراحاتهم أن ينزل عليهم خارقة مادية حتى لا يعجل لهم بالعذاب عند تكذيبهم بها - كما جرت سنته تعالى - وهو قادر عليه. ولو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يملك هذا الذي يستعجلون به، ما أمسكه عنهم، ولضاقت بشريته بهم وبتكذيبهم. فإمهالهم هذا الإمهال هو مظهر من مظاهر حلم الله ورحمته، كما أنها مجال تتجلى فيه ألوهيته: {قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم، والله أعلم بالظالمين}.. وتتجلى في علم الله بالغيب؛ وإحاطة هذاالعلم بكل ما يقع في هذا الوجود؛ في صورة لا تكون إلا لله؛ ولا يصورها هكذا إلا الله: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين}.. وتتجلى في هيمنة الله على الناس وقهره للعباد في كل حالة من حالاتهم، في النوم والصحو، في الموت والحياة، في الدنيا والآخرة: {وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار، ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى، ثم إليه مرجعكم، ثم ينبئكم بما كنتم تعملون. وهو القاهر فوق عباده، ويرسل عليكم حفظة، حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا، وهم لا يفرطون. ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق. ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين}. وتتجلى في فطرة المكذبين أنفسهم، حين يواجهون الهول؛ فلا يدعون إلا الله لرفعه عنهم.. ثم هم مع ذلك يشركون، وينسون أن الله، الذي يدعونه لكشف الضر، قادر على أن يذيقهم ألوان العذاب فلا يدفعه عنهم أحد: {قل: من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية: لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين؟ قل: الله ينجيكم منها ومن كل كرب، ثم أنتم تشركون. قل: هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم، أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض. انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون}. {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله. قل لا أتبع أهواءكم. قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين.. قل إني على بينة من ربي - وكذبتم به - ما عندي ما تستعجلون به. إن الحكم إلا لله يقص الحق، وهو خير الفاصلين. قل: لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم، والله أعلم بالظالمين}.. تحتشد هذه الموجة بالمؤثرات الموحية، التي تتمثل في شتى الإيقاعات التي تواجه القلب البشري بحقيقة الألوهية في شتى مجاليها.. ومن بين هذه المؤثرات العميقة، ذلك الإيقاع المتكرر: "قل.. قل.. قل.." خطاباً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليبلغ عن ربه، ما يوحيه إليه؛ وما لا يملك غيره؛ ولا يتبع غيره؛ ولا يستوحي غيره: {قل: إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله. قل: لا أتبع أهواءكم. قد ظللت إذاً، وما أنا من المهتدين}.. يأمر الله - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يواجه المشركين بأنه منهي من ربه عن عبادة الذين يدعونهم من دون الله ويتخذونهم أنداداً لله.. ذلك أنه منهي عن اتباع أهوائهم - وهم إنما يدعون الذين يدعون من دون الله عن هوى لا عن علم، ولا عن حق - وأنه إن يتبع أهواءهم هذه يضل ولا يهتدي. فما تقوده أهواؤهم وما تقودهم إلا إلى الضلال. يأمر الله - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يواجه المشركين هذه المواجهة، وأن يفاصلهم هذه المفاصلة؛ كما أمره من قبل في السورة بمثل هذا وهو يقول: {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل: لا أِشهد. قل: إنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون}.. ولقد كان المشركون يدعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يوافقهم على دينهم، فيوافقوه على دينه! وأن يسجد لآلهتم فيسجدوا لإلهه! كأن ذلك يمكن أن يكون! وكأن الشرك والإسلام يجتمعان في قلب! وكأن العبودية لله يمكن أن تقوم مع العبودية لسواه! وهو أمر لا يكون أبداً. فالله أغنى الشركاء عن الشرك. وهو يطلب من عباده أن يخلصوا له العبودية؛ ولا يقبل منهم عبوديتهم له إذا شابوها بشيء من العبودية لغيره.. في قليل أو كثير.. ومع أن المقصود في الآية أن يواجههم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه منهي عن عبادة أيٍّ مما يدعون ويسمون من دون الله، فإن التعبير بـ {الذين} في قوله تعالى: {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله}.. يستوقف النظر. فكلمة الذين تطلق على العقلاء. ولو كان المقصود هي الأوثان، والأصنام وما إليها لعبر بـ "ما" بدل "الذين".. فلا بد أن يكون المقصود بالذين نوعاً آخر - مع الأصنام والأوثان وما إليها - نوعاً من العقلاء الذين يعبر عنهم بالاسم الموصول: "الذين" فغلب العقلاء، ووصف الجميع بوصف العقلاء.. وهذا الفهم يتفق مع الواقع من جهة؛ ومع المصطلحات الإسلامية في هذا المقام من جهة: فمن جهة الواقع نجد أن المشركين ما كانوا يشركون بالله الأصنام والأوثان وحدها. ولكن كانوا يشركون معه الجن والملائكة والناس.. وهم ما كانوا يشركون الناس إلا في أن يجعلوا لهم حق التشريع للمجتمع وللأفراد. حيث يسنون لهم السنن، ويضعون لهم التقاليد؛ ويحكمون بينهم في منازعاتهم وفق العرف والرأي.. وهنا نصل إلى جهة المصطلحات الإسلامية.. فالإسلام يعتبر هذا شركاً؛ ويعتبر أن تحكيم الناس في أمور الناس تأليه لهم؛ وجعلهم أنداداً من دون الله.. وينهى الله عنه نهيه عن السجود للأصنام والأوثان؛ فكلاهما في عرف الإسلام سواء.. شرك بالله، ودعوة أنداد من دون الله! ثم يجيء الإيقاع الثاني موصولاً بالإيقاع الأول ومتمماً له: {قل: إني على بينة من ربي؛ وكذبتم به، ما عندي ما تستعجلون به. إن الحكم إلا لله، يقص الحق، وهو خير الفاصلين}.. وهو أمر من الله - سبحانه - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجهر في مواجهة المشركين المكذبين بربهم - بما يجده في نفسه من اليقين الواضح الراسخ، والدليل الداخلي البين، والإحساس الوجداني العميق، بربه.. ووجوده، ووحدانيته، ووحيه إليه. وهو الشعور الذي وجده الرسل من ربهم، وعبروا عنه مثل هذا التعبير أو قريباً منه: قالها نوح - عليه السلام -: {أية : قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي، وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم؟ أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟ }.. تفسير : وقالها صالح - عليه السلام -: {أية : قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة، فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ فما تزيدونني غير تخسير } تفسير : وقالها إبراهيم - عليه السلام -: {أية : وحاجه قومه. قال: أتحاجوني في الله وقد هدان؟ }.. تفسير : وقالها يعقوب - عليه السلام - لبنيه: {أية : فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيراً. قال ألم أقل لكم: إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟ }.. تفسير : فهي حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب أوليائه؛ ممن يتجلى الله لهم في قلوبهم؛ فيجدونه - سبحانه - حاضراً فيها؛ ويجدون هذه الحقيقة بينة هنالك في أعماقهم تسكب في قلوبهم اليقين بها. وهي الحقيقة التي يأمر الله نبيه أن يجهر بها في مواجهة المشركين المكذبين؛ الذين يطلبون منه الخوارق لتصديق ما جاءهم به من حقيقة ربه، الحقيقة التي يجدها هو كاملة واضحة عميقة في قلبه: {قل إني على بينة من ربي، وكذبتم به}.. كذلك كانوا يطلبون أن ينزل عليهم خارقة أو ينزل بهم العذاب، ليصدقوا أنه جاءهم من عند الله.. وكان يؤمر أن يعلن لهم حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول؛ وأن يفرق فرقاناً كاملاً بينها وبين حقيقة الألوهية؛ وأن يجهر بأنه لا يملك هذا الذي يستعجلونه؛ فالذي يملكه هو الله وحده؛ وهو ليس إلهاً، إنما هو رسول: {ما عندي ما تستعجلون به، إن الحكم إلا لله، يقص الحق وهو خير الفاصلين}.. إن إيقاع العذاب بهم بعد مجيء الخارقة وتكذيبهم بها حكم وقضاء؛ ولله وحده الحكم والقضاء. فهو وحده الذي يقص الحق ويخبر به؛ وهو وحده الذي يفصل في الأمر بين الداعي إلى الحق والمكذبين به. وليس هذا أو ذلك لأحد من خلقه. وبذلك يجرد الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه من أن تكون له قدرة، أو تدخل في شأن القضاء الذي ينزله الله بعباده. فهذا من شأن الألوهية وحدها وخصائصها، وهو بشر يوحى إليه، ليبلغ وينذر؛ لا لينزل قضاء ويفصل. وكما أن الله سبحانه هو الذي يقص الحق ويخبر به؛ فهو كذلك الذي يقضي في الأمر ويفصل فيه.. وليس بعد هذا تنزيه وتجريد لذات الله - سبحانه - وخصائصه، عن ذوات العبيد.. ثم يؤمر أن يلمس قلوبهم وعقولهم ويلفتها إلى دلالة قوية على أن هذا الأمر من عند الله، ومتروك لمشيئة الله. فلو أن أمر الخوارق - بما فيها إنزال العذاب - في مقدوره - وهو بشر - ما استطاع أن يمسك نفسه عن الاستجابة لهم، وهم يلحفون هذا الإلحاف. ولكن لأن الأمر بيد الله وحده، فهو يحلم عليهم؛ فلا يجيئهم بخارقة يتبعها العذاب المدمر، إن هم كذبوا بها كما فعل بمن قبلهم: {قل: لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم، والله أعلم بالظالمين}.. إن للطاقة البشرية حدوداً في الصبر والحلم والإمهال. وما يحلم على البشر ويمهلهم - على عصيانهم وتمردهم وتبجحهم - إلا الله الحليم القوي العظيم.. وصدق الله العظيم.. فإن الإنسان ليرى من بعض الخلق ما يضيق به الصدر، وتبلغ منه الروح الحلقوم.. ثم ينظر فيجد الله - سبحانه - يسعهم في ملكه، ويطعمهم، ويسقيهم، ويغدق أحياناً عليهم، ويفتح عليهم أبواب كل شيء.. وما يجد الإنسان إلا أن يقول قولة أبي بكر - رضي الله عنه - والمشركون يضربونه الضرب المبرح الغليظ، حتى ما يعرف له أنف من عين: "رب ما أحلمك! رب ما أحلمك!".. فإنما هو حلم الله وحده.. وهو يستدرجهم من حيث لا يعلمون! {والله أعلم بالظالمين}.. فهو يمهلهم عن علم، ويملي لهم عن حكمة، ويحلم عليهم وهو قادر على أن يجيبهم إلى ما يقترحون، ثم ينزل بهم العذاب الأليم.. وبمناسبة علم الله - سبحانه - بالظالمين؛ واستطراداً في بيان حقيقة الألوهية؛ يجلي هذه الحقيقة في مجال ضخم عميق من مجالاتها الفريدة.. مجال الغيب المكنون، وعلم الله المحيط بهذا الغيب إحاطته بكل شيء، ويرسم صورة فريدة لهذا العلم؛ ويرسل سهاماً بعيدة المدى تشير إلى آماده وآفاقه من بعيد: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس، إلا في كتاب مبين}.. إنها صورة لعلم الله الشامل المحيط؛ الذي لا يند عنه شيء في الزمان ولا في المكان، في الأرض ولا في السماء، في البر ولا في البحر، في جوف الأرض ولا في طباق الجو، من حي وميت ويابس ورطب.. ولكن أين هذا الذي نقوله نحن - بأسلوبنا البشري المعهود - من ذلك النسق القرآني العجيب؟ وأين هذا التعبير الإحصائي المجرد، من ذلك التصوير العميق الموحي؟ إن الخيال البشري لينطلق وراء النص القصير يرتاد آفاق المعلوم والمجهول، وعالم الغيب وعالم الشهود، وهو يتبع ظلال علم الله في أرجاء الكون الفسيح، ووراء حدود هذا الكون المشهود.. وإن الوجدان ليرتعش وهو يستقبل الصور والمشاهد من كل فج وواد. وهو يرتاد - أو يحاول أن يرتاد - أستار الغيوب المختومة في الماضي والحاضر والمستقبل؛ البعيدة الآماد والآفاق والأغوار.. مفاتحها كلها عند الله؛ لا يعلمها إلا هو.. ويجول في مجاهل البر وفي غيابات البحر، المكشوفة كلها لعلم الله. ويتبع الأوراق الساقطة من أشجار الأرض، لا يحصيها عد، وعين الله على كل ورقة تسقط. هنا وهنا وهناك. ويلحظ كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض لا تغيب عن عين الله. ويرقب كل رطب وكل يابس في هذا الكون العريض، لا يند منه شيء عن علم الله المحيط.. إنها جولة تدير الرؤوس، وتذهل العقول. جولة في آماد من الزمان، وآفاق من المكان، وأغوار من المنظور والمحجوب، والمعلوم والمجهول.. جولة بعيدة موغلة مترامية الأطراف، يعيا بتصور آمادها الخيال.. وهي ترسم هكذا دقيقة كاملة شاملة في بضع كلمات.. ألا إنه الإعجاز! وننظر إلى هذه الآية القصيرة من أي جانب فنرى هذا الإعجاز، الناطق بمصدر هذا القرآن. ننظر إليها من ناحية موضوعها، فنجزم للوهلة الأولى بأن هذا كلام لا يقوله بشر؛ فليس عليه طابع البشر.. إن الفكر البشري - حين يتحدث عن مثل هذا الموضوع: موضوع شمول العلم وإحاطته - لا يرتاد هذه الآفاق.. إن مطارح الفكر البشري وانطلاقاته في هذا المجال لها طابع آخر ولها حدود. إنه ينتزع تصوراته التي يعبر عنها من اهتماماته.. فما اهتمام الفكر البشري بتقصي وإحصاء الورق الساقط من الشجر، في كل أنحاء الأرض؟ إن المسألة لا تخطر على بال الفكر البشري ابتداء. لا يخطر على باله أن يتتبع ويحصي ذلك الورق الساقط في أنحاء الأرض. ومن ثم لا يخطر له أن يتجه هذا الاتجاه ولا أن يعبر هذا التعبير عن العلم الشامل! إنما الورق الساقط شأن يحصيه الخالق؛ ويعبر عنه الخالق! وما اهتمام الفكر البشري بكل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض؟ إن أقصى ما يحفل به بنو البشر هو الحب الذي يخبأونه هم في جوف الأرض ويرتقبون إنباته.. فأما تتبع كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض؛ فمما لا يخطر للبشر على بال أن يهتموا به، ولا أن يلحظوا وجوده، ولا أن يعبروا به عن العلم الشامل! إنما الحب المخبوء في ظلمات الأرض شان يحصيه الخالق، ويعبر عنه الخالق! وما اهتمام الفكر البشري بهذا الإطلاق: {ولا رطب ولا يابس}.. إن أقصى ما يتجه إليه تفكير البشر هو الانتفاع بالرطب واليابس مما بين أيديهم.. فأما التحدث عنه كدليل للعلم الشامل. فهذا ليس من المعهود في اتجاه البشر وتعبيراتهم كذلك! إنما كل رطب وكل يابس شأن يحصيه الخالق، ويعبر عنه الخالق! ولا يفكر البشر أن تكون كل ورقة ساقطة، وكل حبة مخبوءة، وكل رطب وكل يابس في كتاب مبين، وفي سجل محفوظ.. فما شأنهم بهذا، وما فائدته لهم؟ وما احتفالهم بتسجيله؟ إنما الذي يحصيه ويسجله هو صاحب الملك، الذي لا يند عنه شيء في ملكه.. الصغير كالكبير؛ والحقير كالجليل؛ والمخبوء كالظاهر؛ والمجهول كالمعلوم؛ والبعيد كالقريب.. إن هذا المشهد الشامل الواسع العميق الرائع.. مشهد الورق الساقط من شجر الأرض جميعاً، والحب المخبوء في أطواء الأرض جميعاً، والرطب واليابس في أرجاء الأرض جميعاً.. إن هذا المشهد كما أنه لا يتجه إليه الفكر البشري والاهتمام البشري؛ وكذلك لا تلحظه العين البشرية؛ ولا تلم به النظرة البشرية.. إنه المشهد الذي يتكشف هكذا بجملته لعلم الله وحده؛ المشرف على كل شيء، المحيط بكل شيء.. الحافظ لكل شيء، الذي تتعلق مشيئته وقدره بكل شيء.. الصغير كالكبير، والحقير كالجليل، والمخبوء كالظاهر، والمجهول كالمعلوم، والبعيد كالقريب.. والذين يزاولون الشعور ويزاولون التعبير من بني البشر يدركون جيداً حدود التصور البشري، وحدود التعبير البشري أيضاً. ويعلمون - من تجربتهم البشرية - أن مثل هذا المشهد، لا يخطر على القلب البشري؛ كما أن مثل هذا التعبير لا يتأتى له أيضاً.. والذين يمارون في هذا عليهم أن يراجعوا قول البشر كله، ليروا إن كانوا قد اتجهوا مثل هذا الاتجاه أصلاً! وهذه الآية وأمثالها في القرآن الكريم تكفي وحدها لمعرفة مصدر هذا الكتاب الكريم.. كذلك ننظر إليها من ناحية الإبداع الفني في التعبير ذاته، فنرى آفاقاً من الجمال والتناسق لا تعرفها أعمال البشر، على هذا المستوى السامق: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}.. آماد وآفاق وأغوار في "المجهول" المطلق. في الزمان والمكان، وفي الماضي والحاضر والمستقبل، وفي أحداث الحياة وتصورات الوجدان.. {ويعلم ما في البر والبحر}.. آماد وآفاق وآغوار في "المنظور"، على استواء وسعة وشمول.. تناسب في عالم الشهود المشهود تلك الآماد والآفاق والأغوار في عالم الغيب المحجوب. {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها}.. حركة الموت والفناء؛ وحركة السقوط والانحدار، من علو إلى سفل، ومن حياة إلى اندثار. {ولا حبة في ظلمات الأرض}.. حركة البزوغ والنماء، المنبثقة من الغور إلى السطح، ومن كمون وسكون إلى اندفاع وانطلاق. {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين}.. التعميم الشامل، الذي يشمل الحياة والموت، والأزدهار والذبول؛ في كل حي على الإطلاق.. فمن ذا الذي يبدع ذلك الاتجاه والانطلاق؟ ومن ذا الذي يبدع هذا التناسق والجمال؟.. من ذا الذي يبدع هذا كله وذلك كله، في مثل هذا النص القصير.. من؟ إلا الله! ثم نقف أمام قوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}.. نقف لنقول كلمة عن {الغيب} و {مفاتحه} واختصاص الله - سبحانه - "بالعلم" بها.. ذلك أن حقيقة الغيب من "مقومات التصور الإسلامي" الأساسية؛ لأنها من مقومات العقيدة الإسلامية الأساسية؛ ومن قواعد "الإيمان" الرئيسية.. وذلك أن كلمات "الغيب" و "الغيبية" تلاك في هذه الأيام كثيراً - بعد ظهور المذهب المادي - وتوضع في مقابل "العلم" و "العلمية".. والقرآن الكريم يقرر أن هناك "غيباً" لا يعلم "مفاتحه" إلا الله. ويقرر أن ما أوتيه الإنسان من العلم قليل.. وهذا القليل إنما آتاه الله له بقدر ما يعلم هو - سبحانه - من طاقته ومن حاجته. وأن الناس لا يعلمون - فيما وراء العلم الذي أعطاهم الله إياه - إلا ظناً، وأن الظن لا يغني من الحق شيئاً.. كما يقرر - سبحانه - أن الله قد خلق هذا الكون، وجعل له سنناً لا تتبدل؛ وأنه علم الإنسان أن يبحث عن هذه السنن ويدرك بعضها؛ ويتعامل معها - في حدود طاقته وحاجته - وأنه سيكشف له من هذه السنن في الأنفس والآفاق ما يزيده يقيناً وتأكداً أن الذي جاءه من عند ربه هو الحق.. دون أن يخل هذا الكشف عن سنن الله التي لا تبديل لها، بحقيقة "الغيب" المجهول للإنسان، والذي سيظل كذلك مجهولاً، ولا بحقيقة طلاقة مشيئة الله وحدوث كل شيء بقدر غيبي خاص من الله، ينشىء هذا الحدث ويبرزه للوجود.. في تناسق تام في العقيدة الإسلامية، وفي تصور المسلم الناشىء من حقائق العقيدة.. فهذه الحقائق بجملتها - على هذا النحو المتعدد الجوانب المتناسق المتكامل - تحتاج منا هنا - في الظلال - إلى كلمة نحاول بقدر الإمكان أن تكون مجملة، وألا تخرج عن حدود المنهج الذي اتبعناه في الظلال أيضاً. إن الله سبحانه يصف المؤمنين في مواضع كثيرة من القرآن بأنهم الذين يؤمنون بالغيب؛ فيجعل هذه الصفة قاعدة من قواعد الإيمان الأساسية: {أية : ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه، هدى للمتقين: الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هم المفلحون}تفسير : [البقرة:1 -5]. والإيمان بالله - سبحانه - هو إيمان بالغيب. فذات الله - سبحانه - غيب بالقياس إلى البشر؛ فإذا آمنوا به فإنما يؤمنون بغيب، يجدون آثار فعله، ولا يدركون ذاته، ولا كيفيات أفعاله. والإيمان بالآخرة كذلك، هو إيمان بالغيب. فالساعة بالقياس إلى البشر غيب، وما يكون فيها من بعث وحساب وثواب وعقاب كله غيب يؤمن به المؤمن، تصديقاً لخبر الله سبحانه. والغيب الذي يتحقق الإيمان بالتصديق به يشمل حقائق أخرى يذكرها القرآن الكريم في وصف واقع المؤمنين وعقيدتهم الشاملة: {أية : آمن الرسول بما إنزل إليه من ربه والمؤمنون. كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. لا نفرق بين أحد من رسله. وقالوا: سمعنا وأطعنا. غفرانك ربنا، وإليك المصير}تفسير : [البقرة: 285]. فنجد في هذا النص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين كذلك، كلٌّ آمن بالله - وهو غيب - وآمن بما أنزل الله على رسوله - وما أنزل الله على رسوله فيه جانب من إطلاعه - صلى الله عليه وسلم - على جانب من الغيب بالقدر الذي قدره الله - سبحانه - كما قال في الآية الأخرى: {أية : عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحداً إلا من ارتضى من رسول}تفسير : [الجن: 26 - 27]. وآمن بالملائكة - وهي غيب - لا يعرف عنه البشر إلا ما يخبرهم به الله، على قدر طاقتهم وحاجتهم. ويبقى من الغيب الذي لا يقوم الإيمان إلا بالتصديق به: قدر الله - وهو غيب لا يعلمه الإنسان حتى يقع - كما جاء في حديث الإيمان: "حديث : ...والقدر خيره وشره"تفسير : ... (اخرجه الشيخان). على أن الغيب في هذا الوجود يحيط بالإنسان من كل جانب.. غيب في الماضي وغيب في الحاضر، وغيب في المستقبل.. غيب في نفسه وفي كيانه، وغيب في الكون كله من حوله.. غيب في نشأة هذا الكون وخط سيره، وغيب في طبيعته وحركته.. غيب في نشأة الحياة وخط سيرها، وغيب في طبيعتها وحركتها.. غيب فيما يجهله الإنسان، وغيب فيما يعرفه كذلك! ويسبح الإنسان في بحر من المجهول.. حتى ليجهل اللحظة ما يجري في كيانه هو ذاته فضلاً على ما يجري حوله في كيان الكون كله؛ وفضلاً عما يجري بعد اللحظة الحاضرة له وللكون كله من حوله: ولكل ذرة، وكل كهرب من ذرة؛ وكل خلية وكل جزئي من خلية! إنه الغيب.. إنه المجهول.. والعقل البشري - تلك الذبالة القريبة المدى - إنما يسبح في بحر المجهول. فلا يقف إلا على جزر طافية هنا وهنالك يتخذ منها معالم في الخضم. ولولا عون الله له، وتسخير هذا الكون، وتعليمه هو بعض نواميسه، ما استطاع شيئاً.. ولكنه لا يشكر.. {أية : وقليل من عبادي الشكور}تفسير : بل إنه في هذه الأيام ليتبجح بما كشف الله له من السنن، وبما آتاه من العلم القليل.. يتبجح فيزعم أحياناً أن "الإنسان يقوم وحده" ولم يعد في حاجة إلى إله يعينه! ويتبجح أحياناً فيزعم أن "العلم" يقابل "الغيب" وأن "العلمية" في التفكير والتنظيم تقابل "الغيبية" وأنه لا لقاء بين العلم والغيب؛ كما أنه لا لقاء بين العقلية العلمية والعقلية الغيبية! فلنلق نظرة على وقفة "العلم" أمام "الغيب".. في بحوث وأقوال "العلماء" من بني البشر أنفسهم - بعد أن نقف أمام كلمة الفصل التي قالها العليم الخبير عن علم الإنسان القليل - {أية : وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}تفسير : [الإسراء:85] {أية : إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى}تفسير : [النجم:29] وأن الغيب كله لله: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}... [الأنعام:59] وأن الذي يعلم الغيب هو الذي يرى: {أية : أم عنده علم الغيب فهو يرى؟}تفسير : [النجم:35]... وهي ناطقة بذاتها عن مدلولاتها.. فلنلق نظرة على وقفة "العلم" أمام "الغيب" في بحوث وأقوال العلماء من بني الإنسان لا لنصدق بها كلمة الفصل من الله سبحانه - فحاشا للمؤمن أن يصدق قول الله بقول البشر - ولكننا نقف هذه الوقفة لنحاكم الذين يلوكون كلمات العلم والغيب، والعلمية والغيبية، إلى ما يؤمنون هم به من قول البشر! ليعلموا أن عليهم هم أن يحاولوا "الثقافة" و "المعرفة" ليعيشوا في زمانهم؛ ولا يكونوا متخلفين عن عقليته ومقررات تجاربه! وليستيقنوا أن "الغيب" هو الحقيقة "العلمية" الوحيدة المستيقنة من وراء كل التجارب والبحوث والعلم الإنساني ذاته! وأن "العلمية" في ضوء التجارب والنتائج الأخيرة مرادفة تماماً "للغيبية".. أما الذي يقابل الغيبية حقاً فهو "الجهلية"!!! الجهلية التي تعيش في القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر - ربما - ولكنها لا تعيش في القرن العشرين!!! عالم معاصر - من أمريكا - يقول عن "الحقائق" التي يصل إليها "العلم" بجملتها: "إن العلوم حقائق مختبرة؛ ولكنها مع ذلك تتأثر بخيال الإنسان وأوهامه ومدى بعده عن الدقة في ملاحظاته وأوصافه واستنتاجاته. ونتائج العلوم مقبولة داخل هذه الحدود. فهي بذلك مقصورة على الميادين الكمية في الوصف والتنبؤ. وهي تبدأ بالاحتمالات، وتنتهي بالاحتمالات كذلك.. وليس باليقين.. ونتائج العلوم بذلك تقريبية، وعرضة للأخطاء المحتملة في القياس والمقارنات؛ ونتائجها اجتهادية، وقابلة للتعديل بالإضافة والحذف، وليست نهائية. وإننا لنرى أن العالِم عندما يصل إلى قانون أو نظرية يقول: إن هذا هو ما وصلنا إليه حتى الآن، ويترك الباب مفتوحاً لما قد يستجد من التعديلات". وهذه الكلمة تلخص حقيقة جميع النتائج التي وصل إليها العلم، والتي يمكن أن يصل إليها كذلك. فطالما أن "الإنسان" بوسائله المحدودة، بل بوجوده المحدود بالقياس إلى الأزل والأبد هو الذي يحاول الوصول إلى هذه النتائج؛ فإنه من الحتم أن تكون مطبوعة بطابع هذا الإنسان، ولها مثل خصائصه من كونها محدودة المدى؛ وقابلة للخطأ والصواب، والتعديل والتبديل.. على أن الوسيلة التي يصل بها الإنسان إلى أية نتيجة هي التجربة والقياس. فهو يجرب، ثم يعمم النتيجة التي يصل إليها عن طريق القياس؛ والقياس - باعتراف العلم وأهله - وسيلة تؤدي إلى نتيجة ظنية؛ ولا يمكن أبداً أن تكون قطعية ولا نهائية. والوسيلة الأخرى - وهي التجربة والاستقصاء بمعنى تعميم التجربة على كل ما هو من جنس ما وقعت عليه التجارب في جميع الأزمنة وفي جميع الظروف - وسيلة غير مهيأة للإنسان. وهي إحدى الوسائل الموصلة إلى نتائج قطعية. ولا سبيل إلى نتيجة قطعية وحقيقة يقينية إلا عن طريق هدى الله الذي يبينه للناس. ومن ثم يبقى علم الإنسان فيما وراء ما قرره الله له، علماً ظنياً لا يصل إلى مرتبة اليقين بحال! على أن "الغيب" ضارب حول الإنسان فيما وراء ما يصل إليه علمه الظني ذاك... هذا الكون من حوله.. إنه ما يزال يضرب في الفروض والنظريات حول مصدره ونشأته وطبيعته وحول حركته، وحول "الزمان" ما هو وحول "المكان" وارتباطه بالزمان وارتباط ما يجري في الكون بالزمان والمكان. والحياة. ومصدرها. ونشأتها. وطبيعتها. وخط سيرها. والمؤثرات فيها. وارتباطها بهذا الوجود "المادي"! إن كان هناك في الكون مادة على الإطلاق ذات طبيعة غير طبيعة "الفكر" وغير طبيعة الطاقة على العموم! "والإنسان" ما هو؟ ما الذي يميزه من المادة؟ وما الذي يميزه عن بقية الأحياء؟ وكيف جاء إلى هذه الأرض وكيف يتصرف؟ وما "العقل" الذي يتميز به ويتصرف؟ وما مصيره بعد الموت والإنحلال؟.. بل هذا الكيان الإنساني ذاته، ما الذي يجري في داخله من تحليل وتركيب في كل لحظة؟ وكيف يجري؟.. إنها كلها ميادين للغيب، يقف العلم على حافاتها، ولا يكاد يقتحهما، حتى على سبيل الظن والترجيح. وإن هي إلا فروض واحتمالات! ولندع ما لا يشغل العلم به نفسه - إلا قليلاً في هذا القرن - من حقيقة الألوهية، وحقيقة العوالم الأخرى من ملائكة وجن وخلق لا يعلمه إلا الله. ومن حقيقة الموت، وحقيقة الآخرة. وحقيقة الحساب والجزاء.. لندع هذا كله لحظة ففي "الغيب" القريب، الكفاية، ومن هذا الغيب يقف العلم وقفة التسليم، الذي لا يخرج عنه إلا من يؤثرون المراء على "العلم" والتبجح على الإخلاص! ونضرب بعض الأمثال.. 1 - في قاعدة بناء الكون وسلوكه: الذرة - فيما يقول العلم الحديث - قاعدة بناء الكون. وليست هي أصغر وحدة في بناء هذا العالم. فهي مؤلفة من بروتونات (طاقة كهربية موجبة) والكترونات (طاقة كهربية سالبة) ونيوترونات (طاقة محايدة مكونة من طاقة كهربائية موجبة وطاقة كهربائية سالبة متعادلتين ساكنتين) وحين تحطم الذرة تتحرر الكهارب (الإلكترونات) ولكنها لا تسلك في المعمل سلوكاً حتمياً موحداً. فهي تسلك مرة كأنها أمواج ضوئية ومرة كأنها قذائف. ولا يمكن تحديد سلوكها المقبل مقدماً. وإنما هي تخضع لقانون آخر - غير الحتمية - هو قانون الاحتمالات. وكذلك تسلك الذرة نفسها، والمجموعة المحدودة من الذرات (في صورة جزيئات) هذا السلوك. يقول سير جيمس جيننر - الإنجليزي - الأستاذ في الطبيعيات والرياضيات: "لقد كان العلم القديم يقرر تقرير الواثق، أن الطبيعة لا تستطيع أن تسلك إلا طريقاً واحداً: وهو الطريق الذي رسم من قبل، لتسير فيه من بداية الزمن إلى نهايته، وفي تسلسل مستمر بين علة ومعلول، وألا مناص من أن الحالة (أ) تتبعها الحالة (ب) أما العلم الحديث فكل ما يستطيع أن يقوله حتى الآن هو: أن الحالة (أ) يحتمل أن تتبعها (ب) أو (ج) أو (د) أو غيرها من الحالات الأخرى التي يخطئها الحصر. نعم إن في استطاعته أن يقول: إن حدوث الحالة (ب) أكثر أحتمالاً من حدوث الحالة (ج) وإن الحالة (ج) أكثر احتمالاً من الحالة (د).. وهكذا. بل إن في مقدوره أن يحدد درجة احتمال كل حالة من الحالات (ب) و (ج) و (د) بعضها بالنسبة إلى بعض. ولكنه لا يستطيع أن يتنبأ عن يقين: أي الحالات تتبع الأخرى. لأنه يتحدث دائماً عما يحتمل. أما ما يجب أن يحدث فأمره موكول إلى الأقدار - مهما تكن حقيقة هذه الأقدار!". فمإذا يكون "الغيب" وماذا يكون قدر الله المغيب عن علم الإنسان، إن لم يكن هو هذا الذي تنتهي إليه تجارب العلم الإنساني، وتقف على عتباته في صلب الكون وذراته؟ ويضرب مثلاً لذلك إشعاع ذرات الراديوم، وتحولها إلى رصاص وهليوم.. وهي خاضعة تماماً لقدر مجهول، وغيب مستور، يقف دونه علم الإنسان: "ولنضرب لذلك مثلاً مادياً يزيده وضوحاً: من المعروف أن ذرات الراديوم وغيره من المواد ذات النشاط الإشعاعي، تتفكك بمجرد مرور الزمن عليها، وتخلف وراءها ذرات من الرصاص والهليوم. ولهذا فإن كتلة من الراديوم ينقص حجمها باستمرار، ويحل مكانها رصاص وهليوم. والقانون العام الذي يتحكم في معدل التناقص غريب غاية الغرابة. ذلك أن كمية من الراديوم تنقص بنفس الطريقة التي ينقص بها عدد من السكان، إذا لم تجد عليهم مواليد، وكانت نسبة تعرض كل منهم للوفاة واحدة بغض النظر عن السن؛ أو أنها تنقص كما ينقص عدد أفراد كتيبة من الجند معرضين لنيران ترسل عليهم اعتباطاً، ومن غير أن يكون أحدهم مقصوداً لذاته. ومجمل القول إنه ليس لكبر السن أثر ما في ذرة الراديوم الواحدة. فإنها لا تموت لأنها قد استوفت حظها من الحياة، بل لأن المنية قد أصابتها خبط عشواء. "ولنوضح هذه الحقيقة بمثل مادي فنقول: إذا فرض أن بحجرتنا ألفين من ذرات الراديوم. فإن العلم لا يستطيع أن يقول: كم منها يبقى حياً بعد عام. بل كل ما يستطيعه هو أن يذكر فقط الاحتمالات التي ترجح بقاء 2000 أو 1999 أو 1998، وهكذا. وأكثر الأمور احتمالاً في الواقع هو أن يكون العدد 1999، أي أن أرجح الاحتمالات هو أن ذرة واحدة لا أكثر من الألفي ذرة، هي التي تتحلل في العام التالي. "ولسنا ندري بأية طريقة تختار تلك الذرة المعينة من بين هذه الألفي ذرة. وقد نشعر في بادىء الأمر بميل إلى افتراض أن هذه الذرة ستكون هي التي تتعرض للاصطدام أكثر من غيرها، أو التي تقع في أشد الأمكنة حرارة، أو التي يصادفها غير هذا أو ذاك من الأسباب في العام التالي. ولكن هذا كله غير صحيح، لأنه إذا كان في استطاعة الصدمات أو الحرارة أن تفكك ذرة واحدة، فإن في استطاعتها أيضاً أن تفكك الـ 1999 ذرة الباقية، ويكون في استطاعتنا أن نعجل بتفكيك الراديوم بمجرد ضغطه أو تسخينه؛ ولكن كل عالم من علماء الطبيعة يقرر أن ذلك مستحيل؛ بل هو يعتقد على الأرجح أن الموت يصيب في كل عام ذرة واحدة من كل 2000 من ذرات الراديوم، ويضطرها إلى أن تتفكك. وهذه هي نظرية "التفكك التلقائي" التي وضعها "رذرفورد" و "سدي" في عام 1903. فكيف إذن يكون القدر الغيبي إن لم يكن هو هذا الذي تتشعع به الذرات على غير اختيار منها ولا من أحد. وعلى غير علم منها ولا من أحد؟! إن الرجل الذي يقول هذا الكلام، لا يريد أن يثبت به القدر الإلهي المغيب عن الناس. بل إنه ليحاول جاهداً أن يهرب من ضغط النتائج التي ينتهي إليها العلم البشري ذاته. ولكن حقيقة الغيب تفرض نفسها عليه فرضاً على النحو الذي نراه! 2 - وكما تفرض حقيقة "الغيب" نفسها على قاعدة بناء الكون وحركته، فهي كذلك تفرض نفسها على قاعدة انبثاق الحياة وحركتها بنفس القوة في النتائج التي ينتهي إليها العلم البشري. يقول عالم الأحياء والنبات "رسل تشارلز إرنست" الأستاذ بجامعة فرانكفورت بألمانيا: "لقد وضعت نظريات عديدة لكي تفسر نشأة الحياة من عالم الجمادات؛ فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين، أو من الفيروس، أو من تجمع بعض الجزئيات البروتينية الكبيرة. وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات. ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية، قد باءت بفشل وخذلان ذريعين. ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع الذرات والجزيئات عن طريق المصادفة، يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية. وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة، فهذا شأنه وحده! ولكنه إذ يفعل ذلك، فإنما يسلم بأمر أشد إعجازاً وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله، الذين خلق الأشياء ودبرها. "إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها. وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق. ولذلك فإنني أؤمن بوجود الله إيماناً راسخاً". والذي يهمنا هنا من هذه الشهادة هو أن سر الحياة ونشأتها غيب من غيب الله، كنشأة الكون وحركته؛ وأن ليس لدى البشر عن ذلك إلا الاحتمالات. وصدق الله العظيم: {أية : ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم }... تفسير : 3 - ونخطو خطوة واسعة لنصل إلى الإنسان.. إن الدفقة الواحدة من ماء الرجل تحتوي على نحو ستين مليوناً من الحيوانات المنوية.. كلها تدخل في سباق لتلحق بالبويضة في رحم المرآة.. ولا يعلم أحد من الذي يسبق! فهو غيب، أو هو قدر غيبي لا علم للبشر به - بما فيهم الرجل والمرأة صاحبا الدور في هذا الأمر! - ثم يصل السابق من بين ستين مليوناً! ويلتحم مع البويضة ليكوّنا معاً خلية واحدة ملقحة هي التي ينتج منها الجنين. ولما كانت كل كروموسومات البويضة مؤنثة، بينما كروموسومات الحيوان المنوي بعضها مذكر وبعضها مؤنث؛ فإن غلبة عدد كروموسومات التذكير أو كروموسومات التأنيث في الحيوان المنوي الذي يلتحم بالبويضة، هو الذي يقرر مصير الجنين - ذكراً أو أنثى - وهذا خاضع لقدر الله الغيبي لا علم به ولا دخل للبشر - بما فيهم أبوا الجنين أنفسهما: {أية : الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد. وكل شيء عنده بمقدار. عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال}تفسير : [الرعد: 8 - 9] {أية : لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكراناً وإناثا ويجعل من يشاء عقيماً، إنه عليم قدير}تفسير : [الشورى: 49 - 50] {أية : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك، لا إله إلا هو فأنى تصرفون؟}تفسير : [الزمر: 6]. هذا هو "الغيب" الذي يقف أمامه "العلم" البشري؛ ويواجهه في القرن العشرين.. بينما الذين يعيشون على فتات القرون الماضية يزعمون أن "الغيبية" تنافي "العلمية". وأن المجتمع الذي يريد أن يعيش بعقلية علمية ينبغي له أن يتخلص من العقلية الغيبية! ذلك بينما العلم البشري ذاته.. علم القرن العشرين.. يقول: إن كل ما يصل إليه من النتائج هو "الاحتمالات"! وإن الحقيقة المستيقنة الوحيدة هي أن هنالك "غيباً" لا شك فيه! على أننا قبل أن نغادر هذه الوقفة المجملة أمام حقيقة الغيب، ينبغي أن نقول كلمة عن طبيعة "الغيب" في العقيدة الإسلامية، وفي التصور الإسلامي، وفي العقلية الإسلامية. إن القرآن الكريم - وهو المصدر الأساسي للعقيدة الإسلامية التي تنشىء التصور الإسلامي والعقلية الإسلامية - يقرر أن هناك عالماً للغيب وعالماً للشهادة. فليس كل ما يحيط بالإنسان غيباً، وليس كل ما يتعامل معه من قوى الكون مجهولاً.. إن هنالك سنناً ثابتة لهذا الكون؛ يملك "الإنسان" أن يعرف منها القدر اللازم له، حسب طاقته وحسب حاجته، للقيام بالخلافة في هذه الأرض. وقد أودعه الله القدرة على معرفة هذا القدر من السنن الكونية؛ وعلى تسخير قوى الكون وفق هذه السنن للنهوض بالخلافة، وتعمير الأرض، وترقية الحياة، والانتفاع بأقواتها وأرزاقها وطاقاتها.. وإلى جانب هذه السنن الثابتة - في عمومها - مشيئة الله الطليقة؛ لا تقيدها هذه السنن وإن كانت من عملها. وهناك قدر الله الذي يُنفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها. فهي ليست آلية بحتة، فالقدر هو المسيطر على كل حركة فيها؛ وإن جرت وفق السنة التي أودعها الله إياها. وهذا القدَر الذي يُنفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها "غيب" لا يعلمه أحد علم يقين؛ وأقصى ما يصل إليه الناس هو الظنون و "الاحتمالات".. وهذا ما يعترف به العلم البشري أيضاً.. وإن ملايين الملايين من العمليات لتتم في كيان الإنسان في اللحظة الواحدة؛ وكلها "غيب" بالقياس إليه، وهي تجري في كيانه! ومثلها ملايين ملايين العمليات التي تتم في الكون من حوله؛ وهو لا يعلمها! وإن الغيب ليحيط بماضيه وماضي الكون. وحاضره وحاضر الكون. ومستقبله ومستقبل الكون.. وذلك مع وجود السنن الثابتة، التي يعرف بعضها، وينتفع بها انتفاعاً علمياً منظماً في النهوض بعبء الخلافة. وإن "الإنسان" ليجيء إلى هذا العالم على غير رغبة منه ولا علم بموعد قدومه! وإنه ليذهب عن هذا العالم على غير رغبة منه ولا علم بموعد رحيله!.. وكذلك كل شيء حي.. ومهما تعلم ومهما عرف، فإن هذا لن يغير من هذا الواقع شيئاً! إن العقلية الإسلامية عقلية "غيبية علمية" لأن "الغيبية" هي "العلمية" بشهادة "العلم" والواقع.. أما التنكر للغيب فهو "الجهلية" التي يتعالم أصحابها وهم بهذه الجهالة! وإن العقلية الإسلامية لتجمع بين الاعتقاد بالغيب المكنون الذي لا يعلم مفاتحه إلا الله؛ وبين الاعتقاد بالسنن التي لا تتبدل، والتي تمكن معرفة الجوانب اللازمة منها لحياة الإنسان في الأرض، والتعامل معها على قواعد ثابته.. فلا يفوت المسلم "العلم" البشري في مجاله، ولا يفوته كذلك إدراك الحقيقة الواقعة؛ وهي أن هنالك غيباً لا يُطلع الله عليه أحداً، إلا من شاء, بالقدر الذي يشاء.. والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها "الفرد" فيتجاوز مرتبة "الحيوان" الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة "الإنسان" الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدود الذي تدركه الحواس - أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس - وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله، ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود؛ وفي إحساسه بالكون، وما وراء الكون من قدرة وتدبير. كما أنها بعيدة الآثر في حياته على الأرض. فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته؛ ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه؛ ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود؛ وأن وراء الكون.. ظاهره وخافيه.. حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها وجوده.. حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار، ولا تحيط بها العقول. ..."لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة. ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان - كجماعة الماديين في كل زمان - يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى.. إلى عالم البهيمة، الذي لا وجود فيه لغير المحسوس! ويسمون هذا "تقدمية"! وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها. فجعل صفتهم المميزة هي صفة: {أية : الذين يؤمنون بالغيب}تفسير : ... والحمد لله على نعمائه؛ والنكسة للمنتكسين والمرتكسين". والذين يتحدثون عن "الغيبية" و "العلمية" يتحدثون كذلك عن "الحتمية التاريخية" كأن كل المستقبل مستيقن! و "العلم" في هذا الزمان يقول: إن هناك "احتمالات" وليست هنالك "حتميات"! ولقد كان ماركس من المتنبئين "بالحتميات"! ولكن أين نبوءات ماركس اليوم؟ لقد تنبأ بحتمية قيام الشيوعية في انجلترا، نتيجة بلوغها قمة الرقي الصناعي ومن ثم قمة الرأسمالية في جانب والفقر العمالي في جانب آخر.. فإذا الشيوعية تقوم في أكثر الشعوب تخلفاً صناعياً.. في روسيا والصين وما إليها.. ولا تقوم قط في البلاد الصناعية الراقية! ولقد تنبأ لينين وبعده ستالين بحتمية الحرب بين العالم الرأسمالي والعالم الشيوعي. وها هو ذا خليفتهما "خروشوف" يحمل راية "التعايش السلمي"! ولا نمضي طويلاً مع هذه "الحتميات" التنبؤية! فهي لا تستحق جدية المناقشة! إن هنالك حقيقة واحدة مستيقنة هي حقيقة الغيب، وكل ما عداها احتمالات. وإن هنالك حتمية واحدة هي وقوع ما يقضي به الله ويجري به قدره. وقدر الله غيب لا يعلمه إلا هو. وإن هنالك - مع هذا وذلك - سنناً للكون ثابتة، يملك الإنسان أن يتعرف إليها، ويستعين بها في خلافة الأرض، مع ترك الباب مفتوحاً لقدر الله النافذ؛ وغيب الله المجهول.. وهذا قوام الأمر كله.. {أية : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم }. تفسير : ومن علم الله الشامل بمفاتح الغيب، وبما يجري في جنبات الكون، ينتقل السياق إلى مجال من مجالات هذا العلم الشامل، في ذوات البشر، ومجال كذلك من مجالات الهيمنة الإلهية، بعد العلم المحيط: {وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار، ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى، ثم إليه مرجعكم، ثم ينبئكم بما كنتم تعملون}.. بضع كلمات أخرى، كالتي رسمت آفاق الغيب وآماده وأغواره، وأشارت إلى مدى العلم الإلهي وشموله في الآية السابقة.. بضع كلمات أخرى تضم حياة البشرية كلها في قبضة الله - سبحانه - وفي علمه وقدره وتدبيره.. صحوهم ومنامهم.. موتهم وبعثهم. حشرهم وحسابهم.. ولكن على "طريقة القرآن" المعجزة في الإحياء والتشخيص، وفي لمس المشاعر واستجاشتها، مع كل صورة وكل مشهد وكل حركة يرسمها تعبيره العجيب. {وهو الذي يتوفاكم بالليل}.. فهي الوفاة إذن حين يأخذهم النعاس؛ هي الوفاة في صورة من صورها بما يعتري الحواس من غفلة، وما يعتري الحس من سهوة، وما يعتري العقل من سكون، وما يعتري الوعي من سبات - أي انقطاع - وهو السر الذي لا يعلم البشر كيف يحدث؛ وإن عرفوا ظواهره وآثاره؛ وهو "الغيب" في صورة من صوره الكثيرة المحيطة بالإنسان.. وهؤلاء هم البشر مجردين من كل حول وطول - حتى من الوعي - ها هم أولاء في سبات وانقطاع عن الحياة. ها هم أولاء في قبضة الله - كما هم دائماً في الحقيقة - لا يردهم إلى الصحو والحياة الكاملة إلا إرادة الله.. فما أضعف البشر في قبضة الله! {ويعلم ما جرحتم بالنهار}.. فما تتحرك جوارحهم لأخذ أو ترك، إلا وعند الله علم بما كسبت من خير أو شر.. وهؤلاء هم البشر مراقبين في الحركات والسكنات؛ لا يند عن علم الله منهم شيء، مما تكسبه جوارحهم بعد الصحو بالنهار! {ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى}.. أي يوقظكم في النهار من سباتكم وانقطاعكم؛ لتتم آجالكم التي قضاها الله.. وهؤلاء هم البشر داخل المجال الذي قدره الله. لا مهرب لهم منه، ولا منتهى لهم سواه! {ثم إليه مرجعكم}.. فهي الأوبة إلى الراعي بعد انقضاء المراح! {ثم ينبئكم بما كنتم تعملون}.. فهو عرض السجل الذي وعى ما كان، وهو العدل الدقيق الذي لا يظلم في الجزاء. وهكذا تشمل الأية الواحدة، ذات الكلمات المعدودة، ذلك الشريط الحافل بالصور والمشاهد، والمقررات والحقائق، والإيحاءات والظلال.. فمن ذا الذي يملك أن يصنع ذلك؟ وكيف تكون الآيات الخوارق، إن لم تكن هي هذه؟ التي يغفل عنها المكذبون، ويطلبون الخوارق المادية وما يتبعها من العذاب الأليم! ولمسة أخرى من حقيقة الألوهية.. لمسة القوة القاهرة فوق العباد. والرقابة الدائمة التي لا تغفل. والقدر الجاري الذي لا يتقدم ولا يتأخر، والمصير المحتوم الذي لا مفر منه ولا مهرب. والحساب الأخير الذي لا يني ولا يمهل.. وكله من الغيب الذي يلف البشر ويحيط بالناس: {وهو القاهر فوق عباده، ويرسل عليكم حفظة، حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون. ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق، ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين}.. {وهو القاهر فوق عباده}.. فهو صاحب السلطان القاهر؛ وهم تحت سيطرته وقهره. هم ضعاف في قبضة هذا السلطان؛ لا قوة لهم ولا ناصر. هم عباد. والقهر فوقهم. وهم خاضعون له مقهورون.. وهذه هي العبودية المطلقة للألوهية القاهرة.. وهذه هي الحقيقة التي ينطق بها واقع الناس - مهما ترك لهم من الحرية ليتصرفوا، ومن العلم ليعرفوا، ومن القدرة ليقوموا بالخلافة - إن كل نفس من أنفاسهم بقدر؛ وكل حركة في كيانهم خاضعة لسلطان الله بما أودعه في كيانهم من ناموس لا يملكون أن يخالفوه. وإن كان هذا الناموس يجري في كل مرة بقدر خاص حتى في النفس والحركة! {ويرسل عليكم حفظة}.. لا يذكر النص هنا ما نوعهم.. وفي مواضع أخرى أنهم ملائكة يحصون على كل إنسان كل ما يصدر عنه.. أما هنا فالمقصود الظاهر هو إلقاء ظل الرقابة المباشرة على كل نفس. ظل الشعور بأن النفس غير منفردة لحظة واحدة، وغير متروكة لذاتها لحظة واحدة. فهناك حفيظ عليها رقيب يحصي كل حركة وكل نأمة؛ ويحفظ ما يصدر عنها لا يند عنه شيء.. وهذا التصور كفيل بأن ينتفض له الكيان البشري؛ وتستيقظ فيه كل خالجة وكل جارحة.. {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون}.. الظل نفسه، في صورة أخرى.. فكل نفس معدودة الأنفاس، متروكة لأجل لا تعلمه - فهو بالنسبة لها غيب لا سبيل إلى كشفه - بينما هو مرسوم محدد في علم الله، لا يتقدم ولا يتأخر. وكل نفس موكل بأنفاسها وأجلها حفيظ قريب مباشر حاضر، لا يغفو ولا يغفل ولا يهمل - فهو حفيظ من الحفظة - وهو رسول من الملائكة - فإذا جاءت اللحظة المرسومة الموعودة - والنفس غافلة مشغولة - أدى الحفيظ مهمته، وقام الرسول برسالته.. وهذا التصور كفيل كذلك بأن يرتعش له الكيان البشري؛ وهو يحس بالقدر الغيبي يحيط به؛ ويعرف أنه في كل لحظة قد يُقبض، وفي كل نفس قد يحين الأجل المحتوم. {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق}.. مولاهم الحق من دون الآلهة المدعاة.. مولاهم الذي أنشأهم، والذي أطلقهم للحياة ما شاء.. في رقابته التي لا تغفل ولا تفرط.. ثم ردهم إليه عندما شاء؛ ليقضي فيهم بحكمه بلا معقب: {ألا له الحكم، وهو أسرع الحاسبين}.. فهو وحده يحكم، وهو وحده يحاسب. وهو لا يبطىء في الحكم، ولا يمهل في الجزاء.. ولذكر السرعة هنا وقعه في القلب البشري. فهو ليس متروكاً ولو إلى مهلة في الحساب! وتصور المسلم للأمر على هذا النحو الذي توحي به أصول عقيدته في الحياة والموت والبعث والحساب، كفيل بأن ينزع كل تردد في إفراد الله سبحانه بالحكم - في هذه الأرض - في أمر العباد.. إن الحساب والجزاء والحكم في الآخرة، إنما يقوم على عمل الناس في الدنيا؛ ولا يحاسب الناس على ما اجترحوا في الدنيا إلا أن تكون هناك شريعة من الله تعين لهم ما يحل وما يحرم، مما يحاسبون يوم القيامة على أساسه؛ وتوحد الحاكمية في الدنيا والآخرة على هذا الأساس.. فأما حين يحكم الناس في الأرض بشريعة غير شريعة الله؛ فعلام يحاسبون في الآخرة؟ أيحاسبون وفق شريعة الأرض البشرية التي كانوا يحكمون بها؛ ويتحاكمون إليها؟ أم يحاسبون وفق شريعة الله السماوية التي لم يكونوا يحكمون بها؛ ولا يتحاكمون إليها؟ إنه لا بد أن يستيقن الناس أن الله محاسبهم على أساس شريعته هو لا شريعة العباد. وأنهم إن لم ينظموا حياتهم، ويقيموا معاملاتهم - كما يقيمون شعائرهم وعباداتهم - وفق شريعة الله في الدنيا، فإن هذا سيكون أول ما يحاسبون عليه بين يدي الله. وأنهم يومئذ سيحاسبون على أنهم لم يتخذوا الله - سبحانه - إلهاً في الأرض؛ ولكنهم اتخذوا من دونه أرباباً متفرقة. وأنهم محاسبون إذن على الكفر بألوهية الله - أو الشرك به باتباعهم شريعته في جانب العبادات والشعائر، واتباعهم شريعة غيره في النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وفي المعاملات والارتباطات - والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.. ثم يحاكمهم إلى فطرتهم التي تعرف حقيقة الألوهية؛ وتلتجىء إلى إلهها الحق في ساعة الشدة؛ ويرسم لهم هذه الفطرة أمام الهول والكرب؛ وكيف يخالفون عنها في اليسر والرخاء.. في مشهد قصير سريع، ولكنه واضح حاسم، وموح مؤثر. إن الهول والكرب الذي ترتعد له الفرائص ليس مؤجلاً دائماً إلى يوم الحشر والحساب. فهم يصادفون الهول في ظلمات البر والبحر. فلا يتوجهون عند الكرب إلا لله؛ ولا ينجيهم من الكرب إلا الله.. ولكنهم يعودون إلى ما كانوا فيه من الشرك عند اليسر والرخاء: {قل: من ينجيكم من ظلمات البر والبحر، تدعونه تضرعاً وخفية: لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين. قل: الله ينجيكم منها ومن كل كرب، ثم أنتم تشركون}.. إن تصور الخطر، وتذكر الهول، قد يردان النفوس الجامحة، ويرققان القلوب الغليظة، ويذكران النفس لحظات الضعف والإنابة؛ كما يذكرانها رحمة الفرج ونعمة النجاة: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية: لئن أنجانا من هذه لنكون من الشاكرين}.. إنها تجربة يعرفها كل من وقع في ضيقة، أو رأى المكروبين في لحظة الضيق.. وظلمات البر والبحر كثيرة. وليس من الضروري أن يكون الليل لتتحقق الظلمات. فالمتاهة ظلام، والخطر ظلام، والغيب الذي ينتظر الخلق في البر والبحر حجاب.. وحيثما وقع الناس في ظلمة من ظلمات البر والبحر لم يجدوا في أنفسهم إلا الله يدعونه متضرعين أو يناجونه صامتين.. إن الفطرة تتعرى حينئذ من الركام؛ فتواجه الحقيقة الكامنة في أعماقها.. حقيقة الألوهية الواحدة.. وتتجه إلى الله الحق بلا شريك؛ لأنها تدرك حينئذ سخافة فكرة الشرك، وتدرك انعدام الشريك! ويبذل المكروبون الوعود: {لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين}.. والله - سبحانه - يقول لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ليذكرهم بحقيقة الأمر: {قل: الله ينجيكم منها ومن كل كرب}. فليس هنالك غيره يستجيب، ويقدر على دفع الكروب.. ثم ليذكرهم بتصرفهم المنكر العجيب: {ثم أنتم تشركون}.. وهنا يواجههم ببأس الله الذي قد يأخذهم بعد النجاة! فما هي مرة وتنتهي، ثم يفلتون من القبضة كما يتصورون: {قل: هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، أو يلبسكم شيعاً، ويذيق بعضكم بأس بعض. انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون}.. وتصور العذاب الغامر من فوق، أو النابع من تحت، أشد وقعاً في النفس من تصوره آتياً عن يمين أو شمال. فالوهم قد يخيل للإنسان أنه قد يقدر على دفع العذاب من يمين أو شمال! أما العذاب الذي يصب عليه من فوق، أو يأخذه من تحت، فهو عذاب غامر قاهر مزلزل، لا مقاومة له ولا ثبات معه! والتعبير الموحي يتضمن هذا المؤثر القوي في حس الإنسان ووهمه، وهو يقرر حقيقة قدرة الله على أخذ العباد بالعذاب من حيث شاء وكيف شاء. ويضيف إلى ألوان العذاب الداخلة في قدرة الله؛ والتي قد يأخذ العباد بها متى شاء؛ لوناً آخر بطيئاً طويلاً؛ لا ينهي أمرهم كله في لحظة؛ ولكنه يصاحبهم ويساكنهم ويعايشهم بالليل والنهار: {أو يلبسكم شيعاً، ويذيق بعضكم بأس بعض}.. وهي صورة من العذاب المقيم الطويل المديد؛ الذي يذوقونه بأيديهم، ويجرعونه لأنفسهم؛ إذ يجعلهم شيعاً وأحزاباً، متداخلة لا يتميز بعضها عن بعض، ولا يفاصل بعضها بعضاً، فهي أبداً في جدال وصراع، وفي خصومة ونزاع، وفي بلاء يصبه هذا الفريق على ذاك.. ولقد عرفت البشرية في فترات كثيرة من تاريخها ذلك اللون من العذاب، كلما انحرفت عن منهج الله؛ وتركت لأهواء البشر ونزواتهم وشهواتهم وجهالتهم وضعفهم وقصورهم.. تصريف الحياة وفق تلك الأهواء والنزوات والشهوات والجهالة والضعف والقصور. وكلما تخبط الناس وهم يضعون أنظمة للحياة وأوضاعاً وشرائع وقوانين وقيماً وموازين من عند أنفسهم؛ يتعبد بها الناس بعضهم بعضاً؛ ويريد بعضهم أن يخضع لأنظمته وأوضاعه وشرائعه وقوانينه البعض الآخر، والبعض الآخر يأبى ويعارض، وأولئك يبطشون بمن يأبى ويعارض. وتتصارع رغباتهم وشهواتهم وأطماعهم وتصوراتهم. فيذوق بعضهم بأس بعض، ويحقد بعضهم على بعض، وينكر بعضهم بعضاً، لأنهم لا يفيئون جميعاً إلى ميزان واحد؛ يضعه لهم المعبود الذي يعنو له كل العبيد، حيث لا يجد أحدهم في نفسه استكباراً عن الخضوع له، ولا يحس في نفسه صغاراً حين يخضع له. إن الفتنة الكبرى في الأرض هي أن يقوم من بين العباد من يدعي حق الألوهية عليهم، ثم يزاول هذا الحق فعلاً! إنها الفتنة التي تجعل الناس شيعاً ملتبسة؛ لأنهم من ناحية المظهر يبدون أمة واحدة أو مجتمعاً واحداً، ولكن من ناحية الحقيقة يكون بعضهم عبيداً لبعض؛ ويكون بعضهم في يده السلطة التي يبطش بها - لأنها غير مقيدة بشريعة من الله - ويكون بعضهم في نفسه الحقد والتربص.. ويذوق الذين يتربصون والذين يبطشون بعضهم بأس بعض! وهم شيع؛ ولكنها ليست متميزة ولا منفصلة ولا مفاصِلة! والأرض كلها تعيش اليوم في هذا العذاب البطيء المديد! وهذا يقودنا إلى موقف العصبة المسلمة في الأرض. وضرورة مسارعتها بالتميز من الجاهلية المحيطة - بها والجاهلية كل وضع وكل حكم وكل مجتمع لا تحكمه شريعة الله وحدها، ولا يفرد الله سبحانه بالألوهية والحاكمية - وضرورة مفاصلتها للجاهلية من حولها؛ باعتبار نفسها أمة متميزة من قومها الذي يؤثرون البقاء في الجاهلية، والتقيد بأوضاعها وشرائعها وأحكامها وموازينها وقيمها. إنه لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها هذا العذاب: {أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض}.. إلا بأن تنفصل هذه العصبة عقيدياً وشعورياً ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها - حتى يأذن الله لها بقيام "دار إسلام" تعتصم بها - وإلا أن تشعر شعوراً كاملاً بأنها هي "الأمة المسلمة" وأن ما حولها ومن حولها، ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه، جاهلية وأهل جاهلية. وأن تفاصل قومها على العقيدة والمنهج؛ وأن تطلب بعد ذلك من الله أن يفتح بينها وبين قومها بالحق وهو خير الفاتحين. فإذا لم تفاصل هذه المفاصلة، ولم تتميز هذا التميز، حق عليها وعيد الله هذا. وهو أن تظل شيعة من الشيع في المجتمع، شيعة تتلبس بغيرها من الشيع، ولا تتبين نفسها، ولا يتبينها الناس مما حولها. وعندئذ يصيبها ذلك العذاب المقيم المديد؛ دون أن يدركها فتح الله الموعود! إن موقف التميز والمفاصلة قد يكلف العصبة المسلمة تضحيات ومشقات.. غير أن هذه التضحيات والمشقات لن تكون أشد ولا أكبر من الآلام والعذاب الذي يصيبها نتيجة التباس موقفها وعدم تميزه، ونتيجة اندغامها وتميعها في قومها والمجتمع الجاهلي من حولها.. ومراجعة تاريخ الدعوة إلى الله على أيدي جميع رسل الله، يعطينا اليقين الجازم بأن فتح الله ونصره، وتحقيق وعده بغلبة رسله والذين آمنوا معهم.. لم يقع في مرة واحدة، قبل تميز العصبة المسلمة ومفاصلتها لقومها على العقيدة وعلى منهج الحياة - أي الدين - وانفصالها بعقيدتها ودينها عن عقيدة الجاهلية ودينها - أي نظام حياتها - وأن هذه كانت هي نقطة الفصل ومفرق الطريق في الدعوات جميعاً. وطريق هذه الدعوة واحد. ولن يكون في شأنها إلا ما كان على عهود رسل الله جميعاً، صلوات الله عليهم وسلامه: {انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون}.. والله نسأل أن يجعلنا ممن يصرف الله لهم الآيات فيفقهون..
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي عاد به الكلام إلى إبطال الشرك بالتبرّىء من عبادة أصنامهم فإنَّه بعد أن أبطل إلهية الأصنام بطريق الاستدلال من قوله {أية : قل أغير الله أتّخذ وليّاً}تفسير : [الأنعام: 14] الآية. وقوله: {أية : قُلْ أرَأيْتكُم إنْ أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة}تفسير : [الأنعام: 40] الآية وقوله: {أية : قل أرأيتُم إنْ أخَذَ الله سمعكم وأبصاركم}تفسير : [الأنعام: 46] الآية. جاء في هذه الآية بطريقة أخرى لإبطال عبادة الأصنام وهي أنّ الله نهى رسوله ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ عن عبادتها وعن اتّباع أهواء عبدتها. وبُني {نُهيت} على صيغة المجهول للاستغناء عن ذكر الفاعل لظهور المراد، أي نهاني الله. وهو يتعدّى بحرف (عن) فحذف الحرف حذفاً مطّرداً مع (أنْ). وأجري على الأصنام اسم الموصول الموضوع للعقلاء لأنَّهم عاملوهم معاملة العقلاء فأتى لهم بما يحكي اعتقادهم، أو لأنَّهم عبدوا الجنّ وبعض البشر فغُلِّب العُقلاء من معبوداتهم. ومعنى {تدعون} تعبدون وتَلْجئُون إليهم في المهمّات، أي تدعونهم. و{مِن دون الله} حال من المفعول المحذوف، فعامِلُه {تدعون}. وهو حكاية لما غلب على المشركين من الاشتغال بعبادة الأصنام ودعائهم عن عبادة الله ودعائه، حتَّى كأنَّهم عبدوهم دون الله، وإن كانواإنّما أشركوهم بالعبادة مع الله ولو في بعض الأوقات. وفيه نداء عليهم باضطراب عقيدتهم إذْ أشركوا مع الله في العبادة من لا يستحقّونها مع أنَّهم قائلون بأنّ الله هو مالك الأصنام وجاعلها شفعاء لكن ذلك كالعدم لأنّ كلّ عبادة توجَّهُوا بها إلى الأصنام قد اعتدوا بها على حقّ الله في أن يَصْرفوها إليه. وجملة {قل لا أتَّبع أهواءكم} استئناف آخر ابتدائي، وقد عدل عن العطف إلى الاستئناف ليكون غرضاً مستقلاً. وأعيد الأمر بالقول زيادة في الاهتمام بالاستئناف واستقلاله ليكون هذا النفي شاملاً للاتِّباع في عبادة الأصنام وفي غيرها من ضلالتهم كطلب طرد المؤمنين عن مجلسه. والأهواء جمع هَوى، وهو المحبَّة المفرطة. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولئن اتَّبعتَ أهواءهم}تفسير : في سورة [البقرة: 120]. وإنَّما قال: {لا أتَّبع أهواءكم} دون لا أتَّبعكم للإشارة إلى أنَّهم في دينهم تابعون للهوى نابذون لدليل العقل. وفي هذا تجهيل لهم في إقامة دينهم على غير أصل متين. وجملة {قد ضللت إذا} جواب لشرط مقدّر، أي إنْ اتَّبعتُ أهواءكم إذَنْ قد ضللتُ. وكذلك موقع (إذَنْ) حين تدخل على فعل غير مستقبل فإنَّها تكون حينئذٍ جواباً لشرط مقدّر مشروط بـ (إنْ) أوْ (لوْ) مُصرّح به تارة، كقول كُثَيِّر: شعر : لَئنْ عاد لي عبد العزيز بمثلها وأمكنني منها إذَنْ لا أقيلها تفسير : ومقدّرٍ أخرى كهذه الآية، وكقوله تعالى: {أية : وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق}تفسير : [المؤمنون: 91]. وتقديم جواب (إذن) على (إذَنْ) في هذه الآية للاهتمام بالجواب. ولذلك الاهتمام أكّد بـ {قد} مع كونه مفروضاً وليس بواقع، للإشارة إلى أنّ وقوعه محقّق لو تحقّق الشرط المقدّر الذي دلّت عليه (إذَنْ). وقوله: {وما أنا من المهتدين} عطف على {قد ضَلَلْتُ}، عطف عليه للدلالة على أنَّه جزاء آخر للشرط المقدّر، فيدلّ على أنَّه إن فعل ذلك يخرج عن حاله التي هو عليها الآن من كونه في عداد المهتدين إلى الكون في حالة الضلال، وأفاد مع ذلك تأكيد مضمون جملة {قد ضللت} لأنَّه نفَى عن نفسه ضدّ الضلال فتقرّرت حقيقة الضلال على الفرض والتقدير. وتأكيد الشيء بنفي ضدّه طريقة عربية قد اهتديتُ إليها ونبَّهت عليها عند قوله تعالى: {أية : قد ضلّوا وما كانوا مُهتدين}تفسير : في هذه السورة (140). ونظيره قوله تعالى: {أية : وأضلّ فرعون قومه وما هدى} تفسير : [طه: 79]. وقد أتي بالخبر بالجار والمجرور فقيل: {من المهتدين} ولم يقل: وما أنا مهتد، لأنّ المقصود نفي الجملة التي خبرها {من المهتدين}، فإنّ التعريف في {المهتدين} تعريف الجنس، فإخبار المتكلم عن نفسه بأنّه من المهتدين يفيد أنَّه واحد من الفئة التي تُعرف عند الناس بفئة المهتدين، فيفيد أنَّه مهتد إفادة بطريقة تشبه طريقة الاستدلال. فهو من قبيل الكناية التي هي إثبات الشيء بإثبات ملزومه. وهي أبلغ من التصريح. قال في «الكشاف» في قوله تعالى: {أية : قال إنِّي لِعَمَلِكُمْ من القَالين}تفسير : [الشعراء: 168]: قولك فلان من العلماء أبلغ من قولك: فلان عالم، لأنَّك تشهد له بكونه معدوداً في زمرتهم ومعروفة مساهمته لهم في العلم. وقال عند قوله تعالى: {أية : قالوا سواء علينا أوعَظت أم لم تكن من الواعظين}تفسير : في سورة [الشعراء: 136]. فإن قلت لوقيل: أوعظت أو لم تعظ، كان أخصر، والمعنى واحد. قلت: ليس المعنى بواحد وبينهما فرق لأنّ المراد سواء علينا أفعلتَ هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلاً من أهله ومباشرته، فهو أبلغ في قلَّة الاعتداد بوعظه من قوله: أم لم تعظ. وقال الخفاجي إنّ أصل هذا لابن جنّي. ولهذا كان نفي هذا الخبر مفيداً نفي هذه النسبة الكنائية فكانت أبلغيَّتُه في النفي كأبلغيَّته في الإثبات، لأنّ المفاد الكنائي هُو هُو. ولذلك فسّره في الكشاف بقوله: «وما أنا من الهدى في شيء». ولم يتفطَّن لهذه النكتة بعض الناظرين نقله عنه الطيبي فقال: إنَّه لمَّا كان قولك: هو من المهتدين، مفيداً في الإثبات أنّ للمخبر عنه حظوظاً عظيمة في الهدى فهو في النفي يُوجِب أن تنفى عنه الحظوظ الكثيرة، وذلك يصدق بأن يبقى له حظّ قليل. وهذا سفسطة خفيت عن قائلها لأنَّه إنَّما تصحّ إفادة النفي ذلك لو كانت دلالة المثبَت بواسطة القيود اللفظية، فأمَّا وهي بطريق التكنية فهي ملازمة للفظ إثباتاً ونفياً لأنَّها دلالة عقلية لا لفظية. ولذا قال التفتزاني: «هو من قبيل تأكيد النفي لا نفي التأكيد» فهو يفيد أنّه قد انسلخ عن هذه الزمرة التي كان معدوداً منها وهو أشدّ من مطلق الاتّصاف بعدم الهدى لأنّ مفارقة المرء فئته بعد أن كان منها أشدّ عليه من اتِّصافه بما يخالف صفاتهم قبل الاتِّصال بهم. وقد تقدّم قوله تعالى: {أية : قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}تفسير : في سورة [البقرة: 67]، وأحلنا بسطه على هذا الموضع.
القطان
تفسير : تدعون من دون الله: تعبدون البيّنة: الحجة الواضحة، وكلما يُتبين به الحق. يقُصّ الحق: يخبر به. خير الفاصلين: القاضين في الأمور. {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّه..}. قل ايها النبي لهولاء الكفار الذين يدعونك الى الشِرك بالله، إن الله قد نهاني عن عبادة الذين تعبدونهم من دون الله، فلا أتبع أهواءكم، ولو فعلتُ ذلك واتبعتكم أكون قد انحرفتُ عن الحق، وسِرتُ على غير هدى. ثم امره ان يقول لهم: إني على هدى من ربي فيما أّتبعه، فأنا على شريعة واضحة منزلة من ربي. أما أنتم فقد كذَّبتم القرآن الذي جاء بها، وليس في قدرتي أن أقدم ما تستعجلونه من العذاب، فذلك داخل في قدرة الله ومرهون بارادته. ثم اكد ما سبق بقوله: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} في هذا وفي غيره من شئون الأمم، إن شاء عجّل لكم العذاب وان شاء أَخّر. وله في ذلك سنن حكيمة، وهو يقص على رسوله القصص في وعده ووعيده، إنه خير الفاصلين بيني وبينكم. قل ايها الرسول لهؤلاء الذين يستعجلون العذاب بقولهم {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الأنفال:32] لو ان في قدرتي انزال العذاب الذي تتعجلونه، لأنزلته عليكم غضباً لربي، لكن الأمر لله، وهو اعلم بما يستحقه الكافرون من العذاب العاجل او الآجل. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وعاصم "يقص" بالصاد من القصص والباقون "يقضي" من القضاء.
د. أسعد حومد
تفسير : (56) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَرُدَّ عَلَى المُشْرِكِينَ، بِأنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، وَمَا يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، وَأنَّهُ لَنْ يَتَّبعَ مَا يَدْعُونَهُ إلَيهِ مِنْ عِبَادَاتٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الهَوَى، وَلَيْسَتْ عَلَى شَيءٍ مِنَ الحَقِّ وَالهُدَى، وَأنَّهُ سَيَكُونُ مِنَ الضَّالِينَ غَيْرِ المُهْتَدِينَ إِنِ اتَّبَعَ أَهْوَاءَهُمْ.
الأندلسي
تفسير : {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ} الآية، أمره تعالى أن يجاهرهم بالتبريء من عبادتهم غير الله تعالى ولما ذكر تفصيل الآيات ليستبين سبيل المبطل من المحق نهاه عن سلوك سبيلهم. ومعنى نهيت: زجرت. والذين تدعون هم الأصنام، عبر عنها بالذين على زعم الكفار حين أنزلوها منزلة من يعقل وتدعون. قال ابن عباس: معناه تعبدون. وقيل: تسمونهم آلهة من دعوت ولدي زيداً سميته. وقيل: تدعون في أموركم وحوائجكم. وفي قوله: تدعون من دون الله، استجهال لهم ووصف بالاقتحام فيما كانوا منه على غير بصيرة. ولفظة نهيت، أبلغ من النفي بلا أعبد إذ فيه ورود تكليف. {قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ} الآية ولما كانت أصنامهم مختلفة كان لكل عابد صنم هوى يخصه فلذلك جمع. و{إِذاً} معناها الجزاء أي قد ظللت ان اتبعت أهواءكم. {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} جملة مؤكدة لما قبلها وأتى بالأولى بقوله: ضللت. والفعل يدل على التجدد. وفي الثانية باسم الفاعل وهو المهتدين ويدل على الثبوت فنفى تجدد الضلال وثبوت الهداية. {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي على شريعة واضحة. والبينة: هي المعجزة التي تبين صدقي، وكذبتم به اخبار منه عنهم أنهم كذبوا به. والظاهر عود الضمير على ربي أي وكذبتم بربي. {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} الذي استعجلوا به هو العذاب، والاستعجال لم يأت في القرآن إلا للعذاب. {إِنِ ٱلْحُكْمُ} الآية، أي الحكم على الإِطلاق، وهو الفصل بين الخصمين المختلفين بإِيجاب الثواب والعقاب. وقرىء: يقضي من القضاء، والحق نعت لمصدر محذوف أي يقضي القضاء الحق. وقيل: الحق مفعول بيقضي، ومعنى يقضي يصنع قال الشاعر: شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود تفسير : أي صنعهما. وقرىء: يقصّ الحق من قص الحديث، كقوله: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف: 3]، أو من قص الأثر أي اتبعه. {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي} الآية أي لو كان في قدرتي الوصول إلى ما تستعجلون به من حلول العذاب لبادرت إليه ووقع الانفصال. {بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ} الظاهر أن المعنى والله أعلم بكم فوضع الظاهر المشعر بوصفهم بالظلم موضع المضمر. ومعنى أعلم بهم، أي بمجازاتهم ففيه وعيد وتهديد. {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} الآية، لما قال تعالى: ان الحكم إلا بالله، وقال: وهو أعلم بالظالمين، بعد قوله: ما تستعجلون به، انتقل من خاص إلى عام، وهو علمه تعالى بجميع الأمور الغيبية واستعار للقدرة عليها المفاتح لما كانت سبباً للوصول إلى الشىء فاندرج في هذا العام ما استعجلوا وقوعه وغيره. والمفاتيح جمع مفتاح بكسر الميم وهي الآلة التي يفتح بها ما أغلق. قال الزهراوي: ومفتح أفصح من مفتاح. وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة"تفسير : ، إلى آخر السورة. {لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} حصر أنه لا يعلم تلك المفاتح ولا يطلع عليها غيره تعالى، ولقد يظهر من هؤلاء المنتسبة إلى التصوف أشياء من ادعاء علم المغيبات، والاطلاع على علم عواقب أتباعهم، وأنهم معهم في الجنة مقطوع لهم ولأتباعهم بها يخبرون بذلك على رؤوس الاشهاد ولا ينكر ذلك أحد، هذا مع خلوهم عن العلوم الشرعية، يوهمون أنهم يعلمون الغيب. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: ومن زعم أن محمداً يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [النمل: 65]. وقد كثرت هذه الدعاوي والخرافات في ديار مصر وقام بها ناس صبيان العقول يسمون بالشيوخ. {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} لما كان ذكره تعالى مفاتح الغيب أمراً معقولاً أخبر تعالى باستئثاره بعلمه واختصاصه به ذكر تعلق علمه بهذا المحسوس على سبيل العموم، ثم ذكر علمه بالورقة والحبة والرطب واليابس على سبيل الخصوص، فتحصل أخباره تعالى بأنه عالم بالكليات والجزئيات مستأثر بعلمه وبما نعلمه نحن. وقدم البر لكثرة مشاهدتنا لما اشتمل عليه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والحيوان والنبات والمعادن، أو على سبيل الترقي إلى ما هو أعظم في الجملة لأن ما فيه من أجناس الحيوانات أعجب وطوله وعرضه أعظم، وما في البحر من حيوان وجواهر وغير ذلك. وعبّر بلفظ ما التي هي لآحاد ما لا يعقل لكثرة أجناسه وأنواعه وأشكاله فشمل النوعين العاقل وغيره تغليباً لما لا يعقل. وقال سيبويه: ما مبهمة تقع على كل شيء. فظاهر كلامه أنها لا تختص بما لا يعقل. و{مِن وَرَقَةٍ} من: زائدة. وورقة: فاعل بتسقط، ويعلمها مطلقاً قبل السقوط ومعه وبعده، ويعلمها في موضع الحال من ورقة، وهي الحال من النكرة كما تقول: ما جاء أحد إلا راكباً. {وَلاَ حَبَّةٍ} أتى بجزءين لطيفين: أحدهما علوي وهو سقوط ورقة من علوّ إلى أسفل، والثاني سفلي وهو اختفاء حبة في بطن الأرض. {إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ} الآية، هذا الاستثناء جار مجرى التوكيد لأن قوله: ولا حبة ولا رطب ولا يابس، معطوف على قوله: من ورقة، والاستثناء الأول منسحب عليها كما تقول: ما جاءني من رجل إلا أكرمته ولا امرأة، فالمعنى إلا أكرمتها، ولكنه لما طال الكلام عليها أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد وحسنه كونه فاصلة رأس آية، والرطب واليابس وصفان معروفان والمراد العموم في المتصف بهما والكتاب المبين كناية عن علمه تعالى المحيط بجميع الأشياء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قُلْ } لهؤلاء المشركين الذين يدعون مع الله آلهة أخرى: { إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } من الأنداد والأوثان، التي لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فإن هذا باطل، وليس لكم فيه حجة بل ولا شبهة، ولا اتباع الهوى الذي اتباعه أعظم الضلال، ولهذا قال { قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا } أي: إن اتبعت أهواءكم { وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ } بوجه من الوجوه. وأما ما أنا عليه، من توحيد الله وإخلاص العمل له، فإنه هو الحق الذي تقوم عليه البراهين والأدلة القاطعة. وأنا { عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي } أي: على يقين مبين، بصحته، وبطلان ما عداه، وهذه شهادة من الرسول جازمة، لا تقبل التردد، وهو أعدل الشهود على الإطلاق. فصدق بها المؤمنون، وتبين لهم من صحتها وصدقها، بحسب ما مَنَّ الله به عليهم. { وَ } لكنكم أيها المشركون - { كذبتم به } وهو لا يستحق هذا منكم، ولا يليق به إلا التصديق، وإذا استمررتم علىتكذيبكم، فاعلموا أن العذاب واقع بكم لا محالة، وهو عند الله، هو الذي ينزله عليكم، إذا شاء، وكيف شاء، وإن استعجلتم به، فليس بيدي من الأمر شيء { إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ } فكما أنه هو الذي حكم بالحكم الشرعي، فأمر ونهى، فإنه سيحكم بالحكم الجزائي، فيثيب ويعاقب، بحسب ما تقتضيه حكمته. الاعتراض على حكمه مطلقا مدفوع، وقد أوضح السبيل، وقص على عباده الحق قصا، قطع به معاذيرهم، وانقطعت له حجتهم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة { وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ } بين عباده، في الدنيا والآخرة، فيفصل بينهم فصلا يحمده عليه، حتى من قضى عليه، ووجه الحق نحوه. { قُل } للمستعجلين بالعذاب، جهلا وعنادا وظلما، { لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } فأوقعته بكم ولا خير لكم في ذلك، ولكن الأمر، عند الحليم الصبور، الذي يعصيه العاصون، ويتجرأ عليه المتجرئون، وهو يعافيهم، ويرزقهم، ويسدي عليهم نعمه، الظاهرة والباطنة. { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ } لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، فيمهلهم ولا يهملهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):