Verse. 846 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قُلْ اِنِّىْ عَلٰي بَيِّنَۃٍ مِّنْ رَّبِّيْ وَكَذَّبْتُمْ بِہٖ۝۰ۭ مَا عِنْدِيْ مَا تَسْتَعْجِلُوْنَ بِہٖ۝۰ۭ اِنِ الْحُكْمُ اِلَّا لِلہِ۝۰ۭ يَقُصُّ الْحَقَّ وَہُوَ خَيْرُ الْفٰصِلِيْنَ۝۵۷
Qul innee AAala bayyinatin min rabbee wakaththabtum bihi ma AAindee ma tastaAAjiloona bihi ini alhukmu illa lillahi yaqussu alhaqqa wahuwa khayru alfasileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل إني على بيِّنة» بيان «من ربي و» قد «كذَّبتم به» بربي حيث أشركتم «ما عندي ما تستعجلون به» من العذاب «إن» ما «الحكم» في ذلك وغيره «إلا لله يقضي» القضاء «الحق وهو خير الفاصلين» الحاكمين، وفي قراءة يقصُّ أي يقول.

57

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي دلالة ويقين وحجة وبرهان، لا على هوى؛ ومنه البينة لأنها تبين الحق وتظهره. {وَكَذَّبْتُم بِهِ} أي بالبينة لأنها في معنى البيان؛ كما قال: { أية : وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ } تفسير : [النساء: 8] على ما بيناه هناك. وقيل يعود على الرب، أي كذبتم بربي لأنه جرى ذكره. وقيل: بالعذاب. وقيل: بالقرآن. وفي معنى هذه الآية والتي قبلها ما أنشده مُصْعَب بن عبد الله بن الزُّبير لنفسه، وكان شاعراً محسناً رضي الله عنه: شعر : أأقعدُ بعدما رجفتْ عظامي وكان الموتُ أقربَ ما يَلينِي أُجادلُ كلَّ مُعترِضٍ خَصيمِ وأجعل دِينَه غَرَضاً لِدينِي فأتركُ ما علمتُ لرأي غيرِي وليس الرأيُ كالعلم اليقينِ وما أنا والخصومةُ وهي شيءٌ يُصرَّفُ في الشَّمالِ وفي اليمين وقد سُنَّت لنا سُنَنٌ قِوام يَلُحْنَ بكلِّ فَجٍّ أو وَجِين وكان الحقُّ ليس به خفاءٌ أغَرَّ كَغُرَّة الفَلَقِ المبينِ وما عِوضٌ لنا مِنهاجُ جَهْمٍ بمنهاج ابنِ آمنةَ الأمينِ فأمّا ما علمتُ فقد كَفَانِي وأمّا ما جهلتُ فجنِّبونِي تفسير : قوله تعالىٰ: {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي العذاب؛ فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله ٱستهزاء نحو قولهم: { أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً } تفسير : [الإسراء: 92] { أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } تفسير : [الأنفال: 32]. وقيل: ما عندي من الآيات التي تقترحونها. {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} أي ما الحكم إلاَّ لله في تأخير العذاب وتعجيله. وقيل: الحكم الفاصل بين الحق والباطل لله. {يَقُصُّ ٱلْحَقَّ} أي يقص القَصَص الحق؛ وبه ٱستدل من منع المجاز في القرآن، وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم ومجاهد والأعرج وابن عباس؛ قال ابن عباس قال الله عزّ وجل: { أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ } تفسير : [يوسف: 3]. والباقون «يَقْضِ الحَقَّ» بالضاد المعجمة، وكذلك قرأ عليّ ـ رضي الله عنه ـ وأبو عبد الرحمن السُّلَمِي وسعيد بن المسيّب، وهو مكتوب في المصحف بغير ياء، ولا ينبغي الوقف عليه، وهو من القضاء؛ ودل على ذلك أن بعده {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَاصِلِينَ} والفصل لا يكون إلاَّ قضاء دون قَصص، ويُقوِّي ذلك قوله قبله: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} ويقوّي ذلك أيضاً قراءة ابن مسعود «إنِ الْحُكْمُ إلاّ لِلَّهِ يَقْضِي بِالْحَقِّ» فدخول الباء يؤكد معنى القضاء. قال النحاس؛ هذا لا يلزم؛ لأن معنى «يقضي» يأتي ويصنع فالمعنى: يأتي الحق، ويجوز أن يكون المعنى: «يقضي» القضاء الحق. قال مكيّ: وقراءة الصاد أحب إليّ؛ لاتفاق الحرميَّيْن وعاصم على ذلك، ولأنه لو كان من القضاء للزمت الباء فيه كما أتت في قراءة ابن مسعود. قال النحاس: وهذا الاحتجاج لا يلزم؛ لأن مثل هذه الباء تحذف كثيراً.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ إِنّي عَلَىٰ بَيّنَةٍ} تنبيه على ما يجب اتباعه بعد ما بين ما لا يجوز اتباعه. والبينة الدلالة الواضحة التي تفصل الحق من الباطل وقيل المراد بها القرآن والوحي، أو الحجج العقلية أو ما يعمها. {مّن رَّبّى} من معرفته وأنه لا معبود سواه، ويجوز أن يكون صفة لبينة. {وَكَذَّبْتُم بِهِ} الضمير لربي أي كذبتم به حيث أشركتم به غيره، أو للبينة باعتبار المعنى. {مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} يعني العذاب الذي استعجلوه بقولهم: {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }تفسير : [الأنفال: 32] {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} في تعجيل العذاب وتأخيره. {يَقُصُّ ٱلْحَقّ} أي القضاء الحق، أو يصنع الحق ويدبره من قولهم قضى الدرع إذا صنعها، فيما يقضي من تعجيل وتأخير وأصل القضاء الفصل بتمام الأمر، وأصل الحكم المنع فكأنه منع الباطل. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم «يقُصُّ» من قص الأثر، أو من قص الخبر. {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ} القاضين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍ } بيان {مِّن رَّبِّى و } قد {كَذَّبْتُمْ بِهِ } بربي حيث أشركتم {مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } من العذاب {ان} ما {ٱلْحُكْمُ } في ذلك وغيره {إِلاَّ لِلَّهِ يَقُضِ } القضاء {ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ } الحاكمين وفي قراءة (يَقُصُّ) أي يقول.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى} معجز القرآن، أو الحق الذي بانَ له. {وَكَذَّبْتُم بِهِ} بربكم، أو بالبينة. {تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} من العذاب، أو من اقتراح الآيات، لأنه طلب الشيء في غير وقته. {الْحُكْمُ} في الثواب والعقاب، أو في تمييز الحق من الباطل. {يَقُصُّ الْحَقَّ} يتممه. {يَقُصُّ} يخبر.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي: على بيانِ أو بَصِيرةٍ وبُرهانٍ من ربي. قوله: "وكَذَّبْتُم به" في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها مُسْتَأنَفَةُ سِيقَتْ للإخبارِ بذلك. والثاني: أنها في مَحَل نصبٍ على الحالِ، وحينئذٍ هل يحتاج إلى إضمار "قد" أم لا؟ و"الهاء" في "به" يجوز أن تعود على "ربِّي"، وهو الظاهر. وقيل: على القرآن؛ لأنه كالمذكور. وقيل: على اسْتِعْجَالهِمْ بالعذاب؛ لأنهم كانوا يقولون: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً} تفسير : [الأنفال:32]. وقيل: على بيِّنةٍ؛ لأنها في معنى البيانِ. وقيل: لأن "التاء" فيها للمُبالغةِ، والمعنى على أمرٍ بيِّنٍ من ربي. و"مِنْ ربِّي" في محلِّ جَرِّ صِفَةً لـ "بيِّنَةٍ". قوله: "ما عِنْدي مَا تَسْتَعْجِلُون بِهِ" كان عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يخوِّفهم نزول العذاب, فقال تعالى: قال يا محمَّد: ما عندي ما تَسْتَعْجِلُونَ به، يعني قولهم: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [الأنفال:32]. وقيل: أراد به القِيامَةَ؛ لقوله تعالى: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} تفسير : [الشورى:18]. قوله: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} أي: في تأخير عذابهم. قوله: "يَقُصُّ الحقَّ" قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم "يَقُصُّ" [بصاد مهملة مشددة] مرفوعة، وهي قراءة ابن عبَّاسٍ، والباقون بضادٍ معجمة مخففة مكسورة، وهاتان في المتواتر. وقرأ عبد الله، وأبَيٌّ، ويحيى بن وثَّابٍ، والنخعي، والأعمش، وطلحة: "يَقْضِي بالحقِّ" من القضاءِ. وقرأ سعيد بن جُبَيْرٍ، ومجاهد: "يقضي بالحقِّ وهو خير القاضين". فأمَّا قراءة "يقضي" فَمِنَ القضاء. ويؤيده قوله: "وهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ" فإن الفَصْلَ يناسب القضاء، ولم يُرْسَمْ إلاَّ بضاد، كأن "الباء" حذفت خطَّاً كما حذفت لَفْظاً لالتقاء الساكنين، كما حُذِفَتْ من نحو: {أية : فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُر} تفسير : [القمر:5]. وكما حذفت "الواو" في {أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} تفسير : [العلق:18] {أية : وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ} تفسير : [الشورى:24] كما تقد‍َّم. وأمَّا قراءةُ نَصْبِ "الحقّ" بعدهُ، ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مَنْصُوبٌ على أنه صِفَةٌ لمصدر مَحْذُوفٍ، أي: يقضي القضاء الحقّ. والثاني: أنه ضمَّن "يقضي" معنى "ينفذ"، فلذلك عدَّاهُ إلى المفعول به. الثالث: أن "قضى" بمعنى "صَنَع" فيتعدَّى بنفسه من غير تَضْمينٍ، ويدُلُّ على ذلك قول الهُذَلِيّ شِعْراً: [الكامل] شعر : 2185- وَعَليْهِمَا مَسْرُودتانِ قَضَاهُمَا دَاوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ تفسير : [أي: صنعهما] داود. الرابع: أنه على إسْقَاطِ حَرْفِ الجرِّ، أي: يقضي بالحق، فلما حذف انْتَصَبَ مَجْرُورُهُ على حَدِّ قوله: [الوافر] شعر : 2186- تَمُرُّونَ الدِّيَار وَلَمْ تَعُوجُوا ....................... تفسير : ويُؤيِّد ذلك القراءة بها الأصل. وأمَّا قراءةُ "يَقُصُّ" فمن "قَصَّ الحديثَ", أو مِنْ " قَصَّ الأثَرَ" أي: تتبَّعه. قال تعالى: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف:3]. ورجَّحَ أبُو عَمْرِو بْنُ العلاءِ القراءة الأولى بقوله: "الفَاصِلينَ" وحُكِيَ عنه أنه قال: "أهُوَ يَقُصُّ الحقَّ أوْ يَقْضِي الحقَّ" فقالوا: "يَقُصُّ" فقال: لو كان "يَقُصُّ" لقال: "وهو خير القاصِّين" أقَرَأ أحَدٌ بهذا؟ وحيث قال: وهو خير الفاصلين فالفَصْلُ إنما يكون في القضاءِ. وكأن أبا عمروٍ لم يبلغه "وهو خير القاصين" قراءة، وقد أجاب أبو علي الفارسي عما ذكره أبو العلاء، فقال: "القَصَصُ" هنا بمعنى القولِ، وقد جاء القول في الفَصْل أيضاً، قال تعالى {أية : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} تفسير : [الطارق:13]. وقال تعالى: {أية : أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} تفسير : [هود:1]. وقال تعالى: "ونُفَصِّلُ الآياتِ" فقد حمل الفَصْلَ على القول، واستعمل معه كما جاء مع القضاءِ، فلا يلزم من الفاصل أن يكون معيناً لـ "يقضي". فصل في الاحتجاج بالآية لأهل السُّنة أحتج أهل السُّنَّةِ بقوله: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} على أنه لا يقدر العَبْدُ على أمر من الأمور إلاَّ إذا قَضَاهُ الله، فيمتنع منه فعلُ الكُفْرِ إلا إذا قضى اللَّهُ وحكم به، وكذلك في جميع الأفعال؛ لأن قوله: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّه} [يفيد الحصر]. واحتج المعتزلة بقوله: "يقضي الحق"، ومعناه: أن كل ما قضى به فهو الحقّ، وهذا يقتضي ألاَّ يريد الكفر من الكافر، ولا المعصية من العاصي؛ لأن ذلك ليس بحق، والله أعلم.

البقاعي

تفسير : ولما كان طلبهم للآيات - أي العلامات الدالة على الصدق تارة بالرحمة في إنزال الأنهار والكنوز وإراحة الحياة، وتارة بالعذاب من إيقاع السماء عليهم كسفاً ونحو ذلك - ليس في يده ولا عنده تعين وقت نزوله، وأمره هنا أن يصرح لهم بالمباينة ويؤيسهم من الملاينة ما داموا على المداهنة، أمره بأن يخبرهم بما هو متمكن فيه من النور وما هم فيه من العمى بقوله: {قل إني} وأشار إلى تمكنه في الأدلة الظاهرة والحجج القاهرة بحرف الاستعلاء فقال: {على بينة} أي إن العدو إنما يصانع عدوه إما لعدم الثقة بالنصرة عليه وتعذيبه بعداوته، وإما العدم وثوقه بأنه على الحق، وأما أنا فواثق بكلا الأمرين {من ربي} أي المحسن إليّ بإرسالي بعد الكشف التام لي عن سر الملك والملكوت {و} الحال أنكم {كذبتم به} أي ربي حيث رددتم رسالته فهو منتقم منكم لا محالة. ولما قيل ذلك، فرض أن لسان حالهم قال: فائتنا بهذه البينة! فقال: إن ربي تام القدرة، فلا يخاف الفوت فلا يعجل، وأما أنا فعبد {ما عندي} أي في قدرتي وإمكاني {ما تستعجلون به} أي في قولكم "امطر علنيا حجارة من السماء" ونحوه حتى أحكم فيكم بما يقتضيه طبع البشر من العجلة {إن} أي ما {الحكم} في شيء من الأشياء هذا وغيره {إلا لله} أي الذي له الأمر كله فلا كفوء له، ثم استأنف قوله مبيناً أنه سبحانه يأتي بالأمر في الوقت الذي حده له على ما هو الأليق به من غير قدرة لأحد غيره على تقديم ولا تأخير فقال: {يقصُّ} أي يفصل وينفذ بالتقديم والتأخير، وهو معنى قراءة الحرميين وعاصم "يقص" أي يقطع القضاء أو القصص {لحق} ويظهره فيفصله من الباطل ويوضحه، ليتبعه من قضى بسعادته، ويتنكب عنه من حكم بشقاوته {وهو خير الفاصلين *} لأنه إذا أراد ذلك لم يدع لبساً لمن يريد هدايته، وجعل في ذلك الظاهر سبباً لمن يريد ضلالته؛ ثم أكد ذلك لمن زاد قلبه في الجلافة مبيناً ما في غيره من وخيم العاقبة فقال: {قل لو أن عندي} أي على سبيل الفرض {ما تستعجلون به} أي من العذاب {لقضي} وبناه للمفعول لأن المخوف إنما هو الإهلاك، لا كونه من معين {الأمر بيني وبينكم} أي فكنت أهلك من خالفني غضباً لربي بما ظهر لي منه من التكبر عليه، وقد يكون فيهم مَنْ كُتِبَ في ديوان السعداء، لكنه لم يكن الأمر إليّ لأني لا أعلم الظالم عند الله من غيره، فليس الأمر إلا إلى الله، لأنه أعلم بالمنصفين فينجيهم {والله} أي الذي له الكمال كله {أعلم بالظالمين *} أي المكتوبين في ديوان الظلمة فيهلكهم. ولما كانت هذه الآيات مثبتة لجزئيات من علمه تعالى وقدرته، وكان ختامها العلم بالظالم وغيره، أتبعها الاختصاص بما هو أعم من ذلك، وهو علم مفاتح الغيب الذي لا يصل إليه إلا من حازها، إذ لا يطلع على الخزائن إلا من فتحها، ولا يفتحها إلا من حاز مفاتيحها وعلم كيف يفتح بها، فإثبات ذلك في هذا الأسلوب من باب الترقية في مراقي الاعتقاد من درجة كاملة إلى أكمل منها، فقال عاطفاً على معنى ما سبق، وهو: فعنده خاصة جميع ذلك: {وعنده} أي وحده {مفاتح الغيب} أي التي لا يدرك الغيب إلا من علمها. ولما كان معنى ذلك الاختصاص، صرح به في قوله: {لا يعلمها إلا هو} وتخصيصها بالنفي دون الخزائن دال على ما فهمته من أن التقييد فيها بـ "لكم" يفهم أنه يجوز أن نقول ذلك للمؤمنين. ولما ذكر علم الغيب، أتبعه علم الشهادة، لأن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام إلا للكُمَّل من الأنام الذين تجردوا فتعودوا استحضار المعقولات المجردة، والقرآن إنما أنزل لنفع جميع الخلق: الذكي منهم والغبي، فكان ذكر المحسوسات الداخلة تحت القضية العقلية الكلية معيناً على تصور ذلك المعقول ورسوخه في القلب، فقال مؤكداً لهذا المعقول الكلي المجرد بمثال داخل تحته يجري مجرى المحسوس، وعطفُه بالواو عطفَ الخاص على العام إشارة إلى تعظيمه فقال: {ويعلم ما في البر} وقدمه لأن الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن والمفاوز والجبال والتلال وكثرة ما بها من الحيوان والنبات النجم وذي الساق والمعادن {والبحر} وأخره لأن إحاطة العقل بأحواله أقل وإن كان الحس يدل على أن عجائبها أكثر، وطولها وعرضها أعظم، وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب، فكان هذا الأمر المحسوس مقوياً لعظمة ذلك الأمر المعقول. ولما ذكر ما يعم الثابت والمنتقل: خص المنتقل تنصيصاً على الجزئيات وتعظيماً للعلم بتعظيم المعلومات فقال: {وما تسقط} وأغرق في النفي بقوله: {من ورقة} ونكرها إتماماً للتعميم {إلا يعلمها} ولما كان هذا مع عظمه ظاهراً، ذكر ما هو أدق منه فقال: {ولا} أي وما من {حبة} ودل على أن الأرض ليس لها من نفسها نور تنبيهاً على ما أودع هذا الآدمي المكوّن منها من الغرائب بقوله: {في ظلمات الأرض} أي ولو كان في أقصى بطنها، فكيف بماهو في النور وهو أكبر من الحبة. ولما خص، رجع إلى التعميم رداً للآخر على الأول فقال: {ولا رطب ولا يابس} أي وجد أو لم يوجد أو سيوجد {إلا في كتاب مبين *} أي موضح لأحواله وأعيانه وكل أموره وأحيانه، فثبت أنه فاعل لجميع العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان، لأنه وحده عالم بجميع المعلومات، ومن اختص بعلم جميع المعلومات كان مختصاً بصنع جميع المصنوعات قادراً على جميع المقدورات.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الشعبي أنه قرأ {يقضي الحق} وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن أبي بن كعب قال "أقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً {يقص الحق وهو خير الفاصلين}. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس. أنه كان يقرأ {يقص الحق} ويقول {أية : نحن نقص عليك أحسن القصص}تفسير : [لقمان: 34] . وأخرج ابن الأنباري عن هرون قال: في قراءة عبد الله {يقص الحق}. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد الأنباري عن هرون قال: في قراءة عبد الله {يقص الحق}. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد أنه كان يقرأ {يقص الحق} وقال: لو كانت يقضي، كانت بالحق. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله {لقضي الأمر بيني وبينكم} قال: لقامت الساعة.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} [الآية: 57]. قال أبو عثمان: الأنبياء والأولياء والأكابر منهم على بينات، فبينات الأنبياء وحى ويقين وبينات الأولياء الفراسة الصادقة والإخبار عن الغيب كما كان ليوشع وللصديق الأكبر.

القشيري

تفسير : قلْ إنَّ الله - سبحانه - لم يغادرني في قطر الطلب والتباس التحيَّر، وأغناني عن (كَدِّ) الاستدلال، وَروَّحَني بشموس الحقيقة. ولئن بقيتم في ظلمة الالتباس فليس لي قدرة على إزالة ما مُنيتم به من التحير، ونفي ما امتُحِنْتُم به من الجهالة والتردد.

البقلي

تفسير : {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} على يقين ومشاهدة ورؤية غيب وسلطان وبراهين وسطوع نور الازل من وجهى فانه اعظم البينات فى العالم من راه راى الحق لقوله عليه السلاام من عرفنى فقد عرف الحق من رانى فقدر راى الحق قال البو عثمان المغربى لانبياء على بينات والا كابر من الاولياء على بينات وبينات الانبياء وحى ويقين وبينات الاولياء الفراسات الصادقة والاخبار عن الغيب كما فان ليوشع للصديق الا كبر.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل انى على بينة} كائنة {من ربى} والبينة الحجة الواضحة التى تفصل بين الحق والباطل يقال انا على بينة من هذا الامر وانا على يقين منه اذا كان ثابتا عندك بحجة واضحة وشاهد صدق والمراد بها القرآن والوحى {وكذبتم به} جملة مستأنفة سيقت للاخبار بذلك والضمير المجرور للتنبيه والتذكير باعبتار البيان والبرهان والمعنى انى على بينة عظيمة كائنة من ربى وكذبتم بها وبما فيها من الاخبار التى من جملتها الوعيد بمجيء العذاب {ما عندى ما تستعجلون به} ـ روى ـ ان رؤساء قريش كانوا يستعجلون العذاب بقولهم {أية : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} تفسير : [سبأ: 29]. بطريق الاستهزاء او بطريق الالزام حتى قام النضر بن الحارث فى الحطيم وقال {أية : اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب أليم} تفسير : [الأنفال: 32]. والمعنى ليس ما تستعجلون به من العذاب الموعود فى القرآن وتجعلون تأخره ذريعة لتكذيبى فى حكمى وقدرتى حتى اجيئ به واظهر لكم صدقه اى ليس امره بمفوض الى {ان الحكم} اى ما الحكم فى ذلك وغيره تعجيلا وتأخيرا {الا لله} وحده من غير ان يكون لى دخل ما فيه بوجه من الوجوه {يقص الحق} اى يقول الحق ويتبعه فى بيان جميع احكامه ولا يحكم الا بما هو حق فتأخير العذاب حق ثابت جار على حكمة بليغة واصل الحكم المنع فكأنه يمنع الباطل عن معارضة الحق او الخصم عن التعدى على صاحبه {وهو خير الفاصلين} اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله مشير الى ان قص الحق ههنا بطريق خاص هو الفصل بين الحق والباطل.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الحجاز وعاصم {يقص الحق} من القصص وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد. الباقون - بالضاد - المعجمة من فوقها من القضاء. وكان أبو عمرو يقوي القراءة بالضاد بقوله {وهو خير الفاصلين}. ويقول الفصل في القضاء لا في القصص ويقوي ذلك بقوله {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل}. وحجة من قرأ بالصاد قوله: {أية : نقص عليك أحسن القصص}تفسير : وقوله: {أية : إن هذا لهو القصص}.تفسير : وأما الفصل الذي قوى به أبو عمرو قراءته فقد جاء الفصل في القول كما جاء في الحكم والقضاء في نحو قوله {أية : إنه لقول فصل} تفسير : وقال: {أية : أحكمت آياته ثم فصلت}تفسير : وقال {أية : نفصل الآيات}تفسير : وقال {أية : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفتري ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء}تفسير : فذكر في القصص انه تفصيل. والحق في قوله {أية : يقص الحق}تفسير : يحتمل امرين: احدهما - أن يكون صفة لمصدر محذوف وتقديره يقضي القضاء الحق أو يقص القصص الحق. والثاني - أن يكون مفعولا به يعجل الحق كقول الهذلي: شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أن صنع السوابغ تبع تفسير : أي صنعهما داود. وفي هذه الآية أمر من الله لنبيه ان يقول للكفار انه على بينة من ربه، أي على أمر بين من معرفة الله وصحة نبوته، لا متبع للهوى. وقوله {وكذبتم به} الهاء راجعة الى البيان، لان البينة والبيان واحد، وتقديره وكذبتم بالبيان الذي هو القرآن. وقال قوم: بينة من ربي من نبوتي {وكذبتم به} يعني بالله. وعلى الاول يكون تقديره كذبتم بما أتيتكم، لانه هو البيان. وقوله: {ما عندي ما تستعجلون به} (ما) بمعنى ليس. والذي استعجلوا به يحتمل امرين: احدهما - العذاب، كما قال {أية : ويستعجلونك بالعذاب}. تفسير : والثاني - أن يكونوا استعجلوا الآيات التي أقترحوها عليه فأعلمهم الله أن ذلك عند الله وأن الحكم له تعالى {يقض الحق وهو خير الفاصلين} وكتبت يقضى بغير ياء، لانها اسقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، كما كتبوا {أية : سندع الزبانية}تفسير : بغير واو. ومن قرأ: بالصاد من القصص حمله على أن جميع ما أنبأ به وأمر به، فهو من أقاصيص الحق. وقال الحسن: (البينة) النبوة و {كذبتم به} بالنبوة التي جاءت من عند الله و {ما تستعجلون به} من العذاب جواب لقولهم: {أية : أتنا بعذاب الله} تفسير : وفي قراءة ابن مسعود {يقص بالحق} ولم يقرأ به احد. وقوله {يقضي بالحق} يدل على بطلان قول من يقول: ان الظلم والجور بقضاء الله، لان ذلك كله ليس بحق.

اطفيش

تفسير : {قلْ إنَّى عَلى بيِّنةٍ من ربِّى} على دليل من ربى صرت به موقنا بالحق، مميزاً له من الباطل، وذلك الدليل هو الحجج النقلية والعقلية والنقلية، كالقرآن وسائر الوحى، وما يقول مسلموا علماء أهل الكتاب والعقلية كمخلوقات الله تعالى، وعدم فساد السماوات والأرض، وتفسير ابن عباس البينة باليقين تفسير باللازم، لأن الكون على البينة تستلزم اليقين، وقيل: البينة الدلالة الواضحة لا نفس الدليل، وقيل: القرآن، ومن ربى نعت بينة، ومن للابتداء أى بينة ثابتة من ربى، أو آتية من ربى، أو بينة من معرفة ربى، وعلى هذا فمن للبيان. {وكذَّبتُم به} أى بربى، لأن جعل الشريك لله تعالى تكذيب له، وإبطال بالمعنى، بل هو أيضا تكذيب لقوله تعالى: {لا إله إلا الله} وقوله: {لا إله إلا أنا} ونحو ذلك مما يدل على التوحيد، ويجوز عود الهاء للبينة باعتبار أنها بمعنى الدليل أو البرهان أو البيان الواضح، أو باعتبار وقوعها على القرآن. {ما عِنْدى ما تسْتعجلُون به} من العذاب، فما واقعة على العذاب، والهاء عائدة إلى ما، وكانوا يقولون: {أية : فأسقط علينا كسفا من السماء} تفسير : و {أية : يستعجلونك بالعذاب}تفسير : وقالوا: {أية : عجِّل لنا قطنا} تفسير : قبل عذابنا {أية : ائتنا بما تعدنا} {أية : فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} تفسير : ونحو ذلك، فقال الله جل وعلا: قل لا قدرة لى على الإتيان بعذابكم، وإنما هو بيد الله جل وعلا، ويناسب هذا أن التكذيب يدل على أنهم قارفُوا ما يوجب العذاب، إلا أنه ليس عندى، وأن الاستعجال لم يأت فى القرآن إلا للعذاب، وقيل: ما واقعة على ما اقترحوا من الآيات، وهاء به لا بدّ عائدة إلى ما، وقيل: ما واقعة على قيام الساعة كذلك. {إنِ الحُكْم إلا لله} فى تعجيل العذاب وتأخيره إثابة المطيع، وتعذيب المصرّ، والفصل بين المحق والمبطل. {يقصُّ الحقَّ} يقول الحق أو لا يخالف الحق، وذلك من قولهم: قص الحديث أى ذكره، أو من قص الأثر بمعنى تبعه، أو بمعنى يقطع الحق، أى يفصله من الباطل وينفذه من قولك قصصت الشئ بمعنى قطعته، وهذه قراءة نافع وابن كثير، ويقال لهما: الحجازيان، لأنهما فى الحجاز، والحرميان لأنهما فى الحرم، فنافع فى حرم المدينة لأنه فيها، وابن كثير فى حرم مكة لأنه فى مكة، وبها قرأ عاصم، وقرأ الأخوان الكسائى وحمزة، وغير الأخوين يقص بإسكان القاف وكسر الضَّاد معجمة من قضى يقضى حذفت الياء من الخط تحقيقاً على الكاتب وتبعاً لحذفها من النطق للساكن بعدها. كما حذفت فى قوله تعالى: {أية : وسوف يؤت الله المؤمنين} تفسير : وقوله تعالى: {أية : فما تغن النذر}تفسير : وقوله تعالى: {أية : كذلك حقاً علينا ننج المؤمنين}تفسير : وقوله تعالى: {أية : بالواد المقدس} تفسير : وقوله تعالى: {أية : بالواد الأيمن} تفسير : وقوله تعالى: {أية : إلا من هو صال الجحيم}تفسير : وقوله تعالى: {أية : وإن الله لهاد الذين آمنوا}تفسير : فى الحج، وقوله تعالى: {أية : وما أنت بهاد العمى} تفسير : فى النمل، وكما حذفت الواو فى قوله تعالى خطأ تبعاً للنطق: {أية : يوم يدع الداع} {أية : ويمح الله الباطل}تفسير : و {أية : سندع الزبانية} {أية : ويدع الإنسان بالشر} تفسير : وقوله تعالى: {أية : وصالح المؤمنين} تفسير : على أن المراد الجمع، والمعنى فى هذه القراءة أنه يقضى القضاء الحق، أو يثبت الحق، أو يصنع الحق، يقال: اقض قضى درعاً أى صنعها أو يفعله ويفرغه منه.

الالوسي

تفسير : {قُلْ إِنّى عَلَىٰ بَيّنَةٍ} (تبيين) للحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان لاتباعه إياه إثر إبطال الباطل الذي فيه الكفرة وبيان عدم اتباعه عليه الصلاة والسلام له في وقت من الأوقات. والبينة ـ كما قال الراغب ـ الدلالة الواضحة من بان يبين إذا ظهر أو الحجة الفاصلة بين الحق والباطل على أنها من البينونة أي الانفصال، وأياً ما كان فالمراد بها القرآن كما قال الجبائي وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد إني على يقين. وعن الحسن أن المراد بها النبوة وهو غير ظاهر كتفسيرها بالحجج العقلية أو ما يعمها، والتنوين للتفخيم أي بينة جليلة الشأن. {مّن رَّبّي } أي كائنة من جهته سبحانه. ووصفها بذلك لتأكيد ما أفاده التنوين. وجوز أن تكون {مِنْ } اتصالية، وفي الكلام مضاف أي بينة متصلة بمعرفة ربـي، وقيل: هي أجلية متعلقة بما تعلق به الخبر ويقدر المضاف أيضاً أي كائن على بينة لأجل معرفة ربـي والأول أظهر. وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من التشريف ورفع المنزلة ما لا يخفى. وقوله سبحانه: {وَكَذَّبْتُم بِهِ } ـ كما قال أبو البقاء ـ جملة إما مستأنفة أو حالية بتقدير قد في المشهور جيء / بها لاستقباح مضمونها واستبعاد وقوعه مع تحقق ما يقتضي عدمه أو للتفرقة بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم. والضمير للبينة، والتذكير باعتبار المعنى المراد، وقال الزجاج: لأنها بمعنى البيان، وجوز أن يكون الضمير لربـي على معنى إني صدقت به ووحدته وأنتم كذبتم به وأشركتم. وقوله تعالى: {مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } استئناف مبين لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأ لتكذيبهم بالقرآن وهو عدم مجىء ما وعد فيه من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بقولهم بطريق الاستهزاء أو الإلزام بزعمهم { أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [يونس: 48] وقال الإمام: «إنه عليه الصلاة والسلام كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك، والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك [العذاب] فقال لهم: {مَا عِندِى}» الخ وكأن الكلام مبين أيضاً لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأ لعدم الالتفات إلى نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عنه والإخبار بنزول العذاب بسببه أي ليس عندي ما يستعجلونه من العذاب الموعود به وتجعلون تأخره ذريعة إلى تكذيب القرآن أو عدم الالتفات إلى النهي عنه والوعيد عليه في حكمي وقدرتي حتى أجىء به أي ليس أمره مفوضاً إليّ. {إِنِ ٱلْحُكْمُ } أي ما الحكم في تأخير ذلك {إلاَ لِلَّهِ } وحده من غير أن يكون لغيره سبحانه دخل ما فيه بوجه من الوجوه. واختار بعضهم التعميم في متعلق الحكم أي ما الحكم في ذلك تأخيراً أو تعجيلاً أو ما الحكم في جميع الأشياء فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً؛ ورجح الأول بأن المقصود من قوله سبحانه: {إِنِ ٱلْحُكْمُ} الخ التأسف على وقوع خلاف المطلوب كما يشهد به موارد استعماله وهو على التأخير فقط. {يَقُصُّ} أي يتبع {ٱلْحَقّ} والحكمة فيما يحكم به ويقدره كائناً ما كان أو يبينه بياناً شافياً من قص الأثر أو الخبر وهو من قبيل التكميل للخاص على ما اخترناه بإردافه بأمر عام كقوله تعالى: { أية : بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } تفسير : [الملك: 1]. وقرأ الكسائي وغيره «يقضي» من القضاء وحذفت الباء في الخط تبعاً لحذفها في اللفظ لالتقاء الساكنين، وأصله أن يتعدى بالباء لا بنفسه فنصب {ٱلْحَقّ } إما على المصدرية لأنه صفة مصدر محذوف قامت مقامه أي يقضي القضاء الحق أو على أنه مفعول به ويقضي متضمن معنى ينفذ أو هو متعد من قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره كقول الهذلي: مسرودتان قضاهما داود. وفي الكلام على هذا استعارة تبعية. واحتج مجاهد للقراءة الأولى بعدم الباء المحتاج إليها في الثانية وقد علمت فساده. واحتج أبو عمرو للثانية بقوله سبحانه: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ} فإن الفصل إنما يكون في القضاء لا في القصص ولو كان ذلك في الآية لقيل خير القاصين. وأجاب أبو علي الفارسي بأن القصص هٰهنا بمعنى القول وقد جاء الفصل فيه قال تعالى: { أية : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ } تفسير : [الطارق: 13] { أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَـٰتُهُ ثُمَّ فُصّلَتْ } تفسير : [هود: 1] { أية : وَنُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } تفسير : [التوبة: 11] على أنك تعلم بأدنى التفات إلى أن القص هنا قد يؤول بلا تكلف وبعد إلى معنى القضاء. وفي «إرشاد العقل السليم» «أن أصل القضاء الفصل بتمام الأمر وأصل الحكم المنع فكأنه يمنع الباطل عن معارضة الحق أو الخصم عن التعدي إلى صاحبه» وجملة {وَهُوَ خَيْرُ } الخ تذييل مقرر لمضمون ما قبله مشير إلى أن قص الحق هٰهنا بطريق خاص هو الفصل بين الحق والباطل فافهم. واحتج بعض أهل «السنة بقوله سبحانه: {إِنِ ٱلْحُكْمُ} الخ لإفادته الحصر على أنه لا يقدر العبد على شيء من الأشياء إلا إذا قضى الله تعالى به فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله تعالى به وحكم، وكذلك في جميع الأفعال. وقالت المعتزلة: إن قوله سبحانه: {يَقْضِى ٱلْحَقّ} معناه أن كل ما يقضي به فهو الحق، وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر والمعصية من العاصي لأن ذلك ليس بحق» ولا يخفى ما فيه.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي انتقل به الكلام من إبطال الشرك بدليل الوحي الإلهي المؤيِّد للأدلَّة السابقة إلى إثبات صدق الرسالة بدليل من الله مؤيِّد للأدلّة السابقة أيضاً، لييأسوا من محاولة إرجاع الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ عن دعوته إلى الإسلام وتشكيكه في وحيه بقولهم: ساحر، مجنون، شاعر، أساطيرُ الأولين، ولييأسوا أيضاً من إدخال الشكّ عليه في صدق إيمان أصحابه، وإلقاء الوحشة بينه وبينهم بما حاولوا من طرده أصحابَه عن مجلسه حين حضور خصومه، فأمره الله أن يقول لهم إنَّه على يقين من أمر رَبِّه لا يتزعزعُ. وعطف على ذلك جواب عن شبهة استدلالهم على تكذيب الوعيد بما حلّ بالأمم من قبلهم بأنَّه لو كان صدقاً لعجّل لهم العذاب، فقد كانوا يقولون: {أية : اللهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتِنا بعذاب أليم}تفسير : [الأنفال: 32] ويقولون: {أية : ربَّنا عجِّل لنا قطّنا قبل يوم الحساب}تفسير : [ص: 16]، فقال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم {أية : قُل لو أنّ عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم}تفسير : [الأنعام: 58]، وأكَّد الجملة بحرف التأكيد لأنَّهم ينكرون أن يكون على بيِّنه من ربِّه. وإعادة الأمر بالقول لتكرير الاهتمام الذي تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {أية : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة}تفسير : [الأنعام: 40]. والبيِّنة في الأصل وصف مُؤنّثُ بَيِّن، أي الواضحة، فهي صفة جرت على موصوف محذوف للعلم به في الكلام، أي دلالة بيِّنة أو حجّة بيِّنة. ثم شاع إطلاق هذا الوصف فصار اسماً للحجّة المثبِتة للحقّ التي لا يعتريها شك، وللدلالة الواضحة، وللمعجزة أيضاً، فهي هنا يجوز أن تكون بمعنى الدلالة البيِّنة، أي اليقين. وهو أنسب بـ {على} الدالة على التمكّن، كقولهم: فلان على بصيرة، أي أنّي متمكِّن من اليقين في أمر الوحي. ويجوز أن يكون المراد بالبيِّنة القرآن، وتكون (على) مستعملة في الملازمة مجازاً مرسلاً لأنّ الاستعلاء يستلزم الملازمة، أي أنِّي لا أخالف ما جاء به القرآن. و{مِن ربِّي} صفة لـ{بيّنة} يفيد تعظيمها وكمالها. و(مِنْ) ابتدائية، أي بيّنة جائية إليّ من ربّي، وهي الأدلَّة التي أوحاها الله إليه وجاء بها القرآن وغيرُه. ويجوز أن تكون (مِنْ) اتّصالية، أي على يقين متّصل بربِّي، أي بمعرفته توحيده، أي فلا أتردّد في ذلك فلا تطمعوا في صرفي عن ذلك، أي أنِّي آمنتُ بإله واحد دلَّت على وجوده ووحدانيته دلائل خلقه وقدرته، فأنا موقن بما آمنت به لا يتطرّقني شك. وهذا حينئذٍ مسوق مساق التعريض بالمشركين في أنَّهم على اضطراب من أمر آلهتهم وعلى غير بصيرة. وجملة {وكذّبتم به} في موضع الحال من {بيّنة}. وهي تفيد التعجّب منهم أنْ كذّبوا بما دلَّت عليه البيّنة. ويجوز أن تكون معطوفة على جملة {إنِّي على بيِّنة من ربِّي}، أي أنا على بيِّنة وأنتم كذّبتم بما دلَّت عليه البيِّنات فشتَّان بيني وبينكم. والضمير في قوله: {به} يعود إلى البيِّنة باعتبار تأويلها بالبيان أو باعتبار أن ماصْدَقَها اليقين أو القرآن على وجه جَعْل (مِنْ) ابتدائية، أي وكذّبتم باليقين مكابرة وعناداً، ويعود إلى ربِّي على وجه جعل (مِنْ) اتِّصالية، أي كنت أنا على يقين في شأن ربّي وكذّبتم به مع أنّ دلائل توحيده بيِّنة واضحة. ويعود إلى غير مذكور في الكلام، وهو القرآن لشهرة التداول بينهم في شأنه فإذا أطلق ضمير الغائب انصرف إليه بالقرينة. والباء التي عدّي بها فعل {كذّبتم} هي لتأكيد لصوق معنى الفعل بمفعوله، كما في قوله تعالى: {أية : وامسحوا برؤوسكم}تفسير : [المائدة: 6]. فلذلك يدلّ فعل التكذيب إذا عدّي بالباء على معنى الإنكار، أي التكذيب القويّ. ولعلّ الاستعمال أنّهم لا يُعدّون فعل التكذيب بالباء إلاّ إذا أريد تكذيب حجّة أو برهان ممّا يحسب سببَ تصديق، فلا يقال: كذّبتُ بفلان، بل يقال: كذّبت فلاناً قال تعالى: {أية : لَمَّا كذبوا الرسل}تفسير : [الفرقان: 37] وقال: {أية : كذّبت ثمودُ بالنُذُر}تفسير : [القمر: 23]. والمعنى التعريضيّ بهم في شأن اعتقادهم في آلهتهم باق على ما بيَّنّاه. وقوله: {ما عندي ما تستعجلون به} استئناف بياني لأنّ حالهم في الإصرار على التكذيب ممّا يزيدهم عناداً عند سماع تسفيه أحلامهم وتنقّص عقائدهم فكانوا يقولون: لو كان قولك حقّاً فأين الوعيد الذي تَوعّدتنا. فإنّهم قالوا: {أية : اللهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : [الأنفال: 32] وقالوا: {أية : أو تُسْقِط السماء علينا كما زعمت كِسَفا}تفسير : [الإسراء: 92] فأمر بأن يجيب أن يقول {ما عندي ما تستعجلون به}. والاستعجال طلب التعجيل بشيء، فهو يتعدّى إلى مفعول واحد، وهو المطلوب منه تعجيل شيء. فإذا أريد ذكر الأمر المعجّل عدّي إليه بالباء. والباء فيه للتعدية. والمفعول هنا محذوف دلّ عليه قوله: {ما عندي}. والتقدير: تستعجلونني به. وأمّا قوله تعالى: {أية : أتى أمر الله فلا تستعجلوه}تفسير : [النحل: 1] فالأظهرُ أنّ ضمير الغائب عائد لاسم الجلالة، وسيأتي في أوّل سورة النحل. ومعنى {ما عندي} أنّه ليس في مقدرتي، كما يقال: ما بيدي كذا. فالعندية مجاز عن التصرّف بالعلم والمقدرة. والمعنى: أنِّي لست العليم القدير، أي لست إلهاً ولكنّني عبد مرسل أقف عند ما أرسلتُ به. وحقيقة (عندَ) أنَّها ظرف المكان القريب. وتستعمل مجازاً في استقرار الشيء لشيء وملكه إيَّاه، كقوله: {أية : وعنده مفاتح الغيب}تفسير : [الأنعام: 59]. وتستعمل مجازاً في الاحتفاظ بالشيء، كقوله: {أية : وعنده علم الساعة}تفسير : [الزخرف: 85] {أية : وعند الله مَكْرُهم}تفسير : [إبراهيم: 46] ولا يحسن في غير ذلك. والمراد بـ {ما تستعجلون به} العذاب المتوعَّد به. عبَّر بطريق الموصولية لما تنبىء به الصلة من كونه مؤخّراً مدّخراً لهم وأنّهم يستعجلونه وأنّه واقع بهم لا محالة، لأنّ التعجيل والتأخير حالان للأمر الواقع؛ فكان قوله: {تستعجلون} في نفسه وعيداً. وقد دلّ على أنَّه بيد الله وأنّ الله هو الذي يقدّر وقته الذي ينزل بهم فيه، لأنّ تقديم المسند الظرف أفاد قصر القلب، لأنّهم توهّموا من توعّد النبي صلى الله عليه وسلم إيَّاهم أنّه توعّدهم بعقاب في مقدرته. فجعلوا تأخّره إخلافاً لتوعّده، فردّ عليهم بأنّ الوعيد بيد الله، كما سيصرّح به في قوله: {إنِ الحكم إلاّ لله}. فقوله: {إن الحكم إلاّ لله} تصريح بمفهوم القصر، وتأكيد له. وعلى وجه كون ضمير {به} للقرآن، فالمعنى كذّبتهم بالقرآن وهو بيِّنة عظيمة، وسألتم تعجيل العذاب تعجيزاً لي وذلك ليس بيدي. وجملة {يقصّ الحقّ} حال من اسم الجلالة أو استئناف، أي هو أعلم بالحكمة في التأخير أو التعجيل. وقرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، وأبو جعفر {يقُصّ} ـــ بضمّ القاف وبالصاد المهملة ـــ فهو من الاقتصاص، وهو اتِّباع الأثر، أي يجري قدره على أثر الحقّ، أي على وفقه؛ أو هو من القصص، وهو الحكاية أي يحكي بالحق، أي أنّ وعده واقع لا محالة فهو لا يخبر إلاّ بالحق. و{الحقّ} منصوب على المفعولية به على الاحتمالين. وقرأ الباقيون {يَقْض} ـــ بسكون القاف وبضاد معجمة مكسورة ـــ على أنَّه مضارع (قضى)، وهو في المصحف بغير ياء. فاعتُذر عن ذلك بأنّ الياء حُذفت في الخطّ تبعاً لحذفها في اللفظ في حال الوصل، إذ هو غير محلّ وقف، وذلك ممّا أجري فيه الرسم على اعتبار الوصل على النادر كما كتب {أية : سندعُ الزبانيةُ}تفسير : [العلق: 18]. قال مكِّي قراءة الصّاد (أي المهملة) أحبّ إليّ لاتّفاق الحرمييْن (أي نافع وابن كثير) عليها ولأنَّه لو كان من القضاء للزمت الباء الموحَّدة فيه، يعني أن يقال: يقص بالحق. وتأويله بأنّه نصب على نزع الخافض نادر. وأجاب الزّجاج بأنّ {الحقّ} منصوب على المفعولية المطلقة، أي القضاء الحقّ، وعلى هذه القراءة ينبغي أن لا يوقف عليه لئلاّ يضطرّ الواقف إلى إظهار الياء فيخالف الرسم المصحفي. وجملة: {وهو خير الفاصلين} أي يقصّ ويخبر بالحقّ، وهو خير من يفصل بين الناس، أو يقضي بالحقّ، وهو خير من يفصل القضاء. والفصْل يطلق بمعنى القضاء. قال عُمر في كتابه إلى أبي موسى «فإنّ فصْل القضاء يورث الضغائن». ويطلق بمعنى الكلام الفاصل بين الحقّ والباطل، والصواب والخطأ، ومنه قوله تعالى: {أية : وآتيناه الحكمة وفصْلَ الخطاب}تفسير : [ص: 20] وقوله: {أية : إنَّه لَقَوْل فصْل}تفسير : [الطارق: 13]. فمعنى {خير الفاصلين} يشمل القول الحقّ والقضاء العدل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} الآية. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يخبر الكفار، أن تعجيل العذاب عليهم الذي يطلبونه منه صلى الله عليه وسلم ليس عنده. وإنما هو عند الله إن شاء عجله، وإن شاء أخره عنهم، ثم أمره أن يخبرهم بأنه لو كان عنده لعجله عليهم بقوله: {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام: 58] الآية. وبين في مواضع أخر أنهم ما حملهم على استعجال العذاب إلا الكفر والتكذيب، وأنهم إن عاينوا ذلك العذاب علموا أنه عظيم هائل لا يستعجل به إلا جاهل مثلهم، كقوله: {أية : وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} تفسير : [هود: 8]، وقوله: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا}تفسير : [الشورى: 18] الآية، وقوله: {أية : يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [العنكبوت: 54]، وقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [يونس: 50]. وبين في موضع آخر أنه لولا أن الله حدد لهم أجلاً لا يأتيهم العذاب قبله لعجله عليهم، وهو قوله: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [العنكبوت: 53]، الآية. تنبيه قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} [الأنعام: 58] الآية، صريح في أنه صلى الله عليه وسلم لو كان بيده تعجيل العذاب عليهم لعجله عليهم، مع أنه ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم ارسل الله إليه ملك الجبال، وقال له: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين - وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها - فقال صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشركَ به شيئاً ". تفسير : والظاهر في الجواب: هو ما أجاب به ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية، وهو أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبون تعجيله في وقت طلبهم لعجله عليهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم طلبوا تعجيل العذاب في ذلك الوقت، بل عرض عليه الملك إهلاكهم فاختار عدم إهلاكهم، ولا يخفى الفرق بين المتعنت الطالب تعجيل العذاب وبين غيره.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْفَاصِلِينَ} (57) - قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنِّي، فِيمَا أُخَالِفُكُمْ فِيهِ، عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ شَرِيعَةِ رَبِّي، التِي أَوْحَاهَا إِلَيَّ، وَقَدْ كَذَّبْتُمْ أَنْتُمْ بِالقُرْآنِ، وَهُوَ بَيِّنَتِي عَلَى صِدْقِ نُبُوّتِي، وَعَلى صِدْقِ مَا دَعَوْتُكُمْ إِليهِ، ثُمَّ إِنَّكُمْ تَطمَعُونَ فِي أَنْ أَتَّبِعَكُمْ عَلى ضَلالٍ أَنْتُمْ مُقِيمُونَ عَليهِ، وَلا بَيِّنَةَ لَكُمْ عَلَيْهِ غَيرُ التَّقْلِيدِ لِلآبَاءِ، وَالأَجْدَادِ، وَالخُضُوعِ لِهَوى النَّفْسِ، وَإِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذَابِ الذُي أَنْذَرَكُمْ بِهِ اللهُ، إِنْ أَصْرَرْتُمْ أَنْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، وَأَنَا لاَ أَمْلِكُ أَنْ آتِيْكُمْ بِالعَذَابِ الذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، فَالحُكْمُ فِي هذا، وَفِي غَيْرِهِ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، وَهُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَكُمْ بِهِ إِنْ شَاءَ. وَهُوَ تَعَالَى يَقُصُّ الحَقَّ فِي وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَجَمِيعِ أَخْبَارِهِ، وَهُوَ خَيرُ الحَاكِمِينَ فِي كُلِّ أَمْرٍ، وَلاَ يَقَعُ فِي قَضَائِهِ حَيْفٌ وَلاَ جَوْرٌ. يَقُصُّ الحَقَّ - يَتْبَعُهُ فِيمَا حَكَمَ، أَوْ يُبَيِّنُهُ بَياناً شَامِلاً. خَيْرُ الفَاصِلِينَ - خَيْرُ الحَاكِمينَ حُكْماً فَصْلاً بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا يبلغ الحق رسوله صلى الله عليه وسلم أن تركه لعبادة الأصنام وإن كان أمراً قد اهتدى إليه صلى الله عليه وسلم بفطرته السليمة، فإنه قد صار الآن من بعد البعثة عبادة؛ لأن اصطفاء الحق له جعله يتبين هدى الله بالشريعة الواضحة في "افعل" ولا "تفعل"؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة للناس، ويؤدي كل فعل حسب ما شرع الله، ويتبعه المؤمنون برسالته. ومثال على ذلك من حياتنا المعاصرة: لقد نزل القرآن بتحريم الخمر، والمؤمنون لا يشربون الخمر لأن الحق نهى عن ارتكاب هذا الفعل. ونجد الأطباء الآن في كل بلدان العالم يحرمون شرب الخمر لأنها تعتدي على كل أجهزة الإنسان: الكبد، والمخ، والجهاز العصبي، والجهاز الهضمي. ونجد "أفلاماً" تظهر أثر كأس الخمر على صحة الإنسان. وقد يرى إنسان غير مؤمن مثل هذا "الفيلم" فيمتنع عن الخمر امتناع ابتغاء المصلحة لا امتناع الدين. ولكن علينا - نحن المسلمين - أن نقبل على مثل هذا الامتناع لأنه من الإيمان. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [فصلت: 33]. هكذا نعرف أنه لا أحد أحسن قولاً ممن يمتثل إلى أوامر الحق لأنه مُقرّ بوحدانية الحق سبحانه، ويعمل كل عمل صالح ويقرّ بأن هذا العمل هو تطبيق لشريعة الله: {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} القول يدلنا أننا دون بينة من الله لا نعرف المنهج، ولكن ببينة من الله نعلم أنه إله واحد أنزل منهجاً "افعل" و "لا تفعل". وجاء الحق هنا بكلمة "ربي" حتى نعرف أنه الخالق الذي يتولى تربيتنا جميعاً. وما دام سبحانه وتعالى قد خلقنا، وتولى تربيتنا فلا بد أن نمتثل لمنهجه. وقد أنزل الإله تكليفاً لأنه معبود، وهو في الوقت نفسه الرب الذي خلق ورزق، ولذلك نمتثل لمنهجه، أما المكذبون فماذا عنهم؟ {وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57]. فالذين كذبوا بالله اتخذوا من دونه أنداداً، ولم يمتثلوا لمنهجه، بل تمادى بعضهم في الكفر وقالوا ما رواه الحق عليهم: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. وعندما نناقش ما قالوه، نجد أنهم قالوا: "اللهم" وهذا اعتراف منهم بإله يتوجهون إليه. وما داموا قد اعترفوا بالإله فلماذا ينصرفون عن الامتثال لمنهجه وعبادته؟. هم يفعلون لأنهم نموذج للصلف والمكابرة المتمثل في قولهم: {إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ألم يكن من الأجدر بهم أن يُعملوا العقل بالتدبر ويقولوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه. ونجد أيضاً أنهم لم يردوا على رسول الله فلم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عند محمد بل قالوا: {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ}. إنهم يردُّون أمر الله ويطلبون العذاب، وتلك قمة المكابرة، والتمادي في الكفر وذلك بطلبهم تعجيل العذاب، ولذلك يقول لهم رسول الله: {وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ}. والاستعجال هو طلب الإسراع في الأمر، وهو مأخوذ من "العجلة" وهي السرعة إلى الغاية، أي طلب الحدث قبل زمنه. وما داموا قد استعجلوا العذاب فلا بد أن يأتيهم هذا العذاب، ولكن في الميعاد الذي يقرره الحق؛ لأن لكل حدث من أحداث الكون ميلادا حدده الحق سبحانه: {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57] إن الحكم لله وحده، فإن شاء أن ينزل عذابا ويعجل به في الدنيا كما أنزل على بعض الأقوام من قبل فلا راد له، وإن شاء أن يؤخر العذاب إلى أجل أو إلى الآخرة فلا معقب عليه. ومن حكمة الحق أن يظل بقاء المخالفين للمنهج الإيماني تأييدا للمنهج الإيماني. ويجب أن نفهم أن الشر الذي يحدث في الكون لا يقع بعيدا عن إرادة الله أو على الرغم من إرادة الله، فقد خلق الحق الإنسان وأعطاه الاختيار، وهو سبحانه الذي سمح للإنسان أن يصدر منه ما يختاره سواءً أكان خيراً أم شراً. إذن فلا شيء يحدث في الكون قهراً عنه؛ لأنه سبحانه الذي أوجد الاختيار. ولو أراد الحق ألا يَقْدِر أحد على شر لما فعل أحد شراً. ولكنك أيها المؤمن إن نظرت إلى حقيقة اليقين في فلسفته لوجدت أن بقاء الشر وبقاء الكفر من أسباب تأييد اليقين الإيماني. كيف؟ لأننا لو عشنا في عالم لا يوجد به شر لما كان هناك ضحايا، ولو لم يوجد ضحايا لما كان هناك حثٌّ على الخير وحضّ ودفع إليه. ولذلك تجد روح الإيمان تقوي حين يهاج الإسلام من أي عدو من أعدائه، وتجد الإسلام قد استيقظ في نفوس الناس، فلو لم يوجد في الكون آثاره ضارة للشر، لما اتجه الناس إلى الخير. وكذلك الكفر من أسباب اليقين الإيماني، فعندما يطغى أصحاب الكفر في الأرض فساداً واستبداداً، نجد الناس تتدرع باليقين وتتحصن بالإيمان لأنه يعصم الإنسان من شرور كثيرة. إذن فوجود الشر والكفر هو خدمة لليقين الإيماني. {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57] نعم إن الحكم لله لأنه سبحانه يفصل بين الموقف دون هوى لأنه لا ينتفع بشيء مما يفعل، فقد أوجد الحق هذا الكون وهو في غنى عنه؛ لأن لله سبحانه وتعالى كل صفات الكمال ولم يضف له خلق الكون صفة زائدة، وقد خلق سبحانه الكون لمصلحة خلقه فقط. ويبلغنا الرسول: {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} معناهُ عَلَى بَيانٍ.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} واضحة {مِّن} معرفة {رَّبِّي} وتوحيده {وَكَذَّبْتُم بِهِ} وبتوحيده، وأشركتم له غيره واستوجبتم العقوبة العظيمة يشرككم، ومع ذلك استهزأتم باستعجال العذاب {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} من العذاب والنكال {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} أي: ما الحكم إلا له باستعجال العذاب {يَقُصُّ ٱلْحَقَّ} أي: يقضي فيه ويدمغ الباطل {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ} [الأنعام: 57] الحاكمين في الوقائع. {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي} وتحت قدرتي ومكنتي {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} من نزول العذاب والعقاب {لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي: لأهلككم بالمرة وارتفع النزاع {بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} ولكن ليس لي هذه القدرة والمكنة {وَٱللَّهُ} المطلع لسرائر عباده {أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ} [الأنعام: 58] المستوجين للعذاب والنكال بأخذهم بظلمهم تعقلت إرادته. {وَعِندَهُ} وتحت قدرته وإرادته {مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} ومقاليد السرائر والخفيات {لاَ يَعْلَمُهَآ} وأوقات ظهروها من الغيب إلى الشهادة {إِلاَّ هُوَ} إذ هو المحيط بجميع ما كان ويكون، لا يعرب عن علمه شيء، ثم لما كانت الأفهام قاصرة عن إدراك الغيب تنزل عن تلك المرتبة إلى ما هو أقرب إلى الأفهام فقال: {وَيَعْلَمُ} بعلمه الحضوري جميع {مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} من الكائنات والفاسدات، وتنزل منها أيضاً فقال: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ} من أغصان الشجر {إِلاَّ يَعْلَمُهَا} كيف ينزل، ومن أين ينزل، وإلى أين {وَلاَ حَبَّةٍ} ساقطة {فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ} أي: كموناتها ويروزاتها إلى أن تصل إلى مرتبتها الأصلية التي كانت عليها قبل سقوطها {وَ} بالجملة: {لاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} من الكوائن والفواسد {إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59] هو علمه الحضوري المتحد بعينه وذاته الظاهرة في نفسه المظهرة لنفسه؛ إذ لا هو إلا هو، ولا شيء سواه.