Verse. 847 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قُلْ لَّوْ اَنَّ عِنْدِيْ مَا تَسْتَعْجِلُوْنَ بِہٖ لَقُضِيَ الْاَمْرُ بَيْــنِيْ وَبَيْنَكُمْ۝۰ۭ وَاللہُ اَعْلَمُ بِالظّٰلِـمِيْنَ۝۵۸
Qul law anna AAindee ma tastaAAjiloona bihi laqudiya alamru baynee wabaynakum waAllahu aAAlamu bialththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «لو أن عندي ما تستعجلون به لقُضي الأمر بيني وبينكم» بأن أعجله لكم وأستريح ولكنه عند الله «والله أعلم بالظالمين» متى يعاقبهم.

58

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِىَ ٱلأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ }. اعلم أن المعنى {لَّوْ أَنَّ عِندِى } أي في قدرتي وإمكاني {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } من العذاب {لَقُضِىَ ٱلأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربي، واقتصاصاً من تكذيبكم به. ولتخلصت سريعاً {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ } وبما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره، والمعنى: إني لا أعلم وقت عقوبة الظالمين. والله تعالى يعلم ذلك فهو يؤخره إلى وقته، والله أعلم. قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ}. اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ } يعني أنه سبحانه هو العالم بكل شيء فهو يعجل ما تعجيله أصلح ويؤخر ما تأخيره أصلح. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المفاتح جمع مفتح. ومفتح، والمفتح بالكسر المفتاح الذي يفتح به والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مفتح، قال الفراء في قوله تعالى: {أية : مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِٱلْعُصْبَةِ } تفسير : [القصص: 76] يعني خزائنه فلفظ المفاتح يمكن أن يكون المراد منه المفاتيح ويمكن أن يراد منه الخزائن، أما على التقدير الأول. فقد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال فالعالم بتلك المفاتيح وكيفية استعمالها في فتح تلك الأغلاق والأقفال يمكنه أن يتوصل بتلك المفاتيح إلى ما في تلك الخزائن فكذلك ههنا الحق سبحانه لما كان عالماً بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بالعبارة المذكورة وقرىء {مفاتيح} وأما على التقدير الثاني فالمعنى وعنده خزائن الغيب. فعلى التقدير الأول يكون المراد العلم بالغيب، وعلى التقدير الثاني المراد منه القدرة على كل الممكنات في قوله: {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }تفسير : [الحجر: 21] وللحكماء في تفسير هذه الآية كلام عجيب مفرع على أصولهم فإنهم قالوا: ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول وأن العلم بالمعلول لا يكون علة للعلم بالعلة. قالوا: وإذا ثبت هذا فنقول: الموجود إما أن يكون واجباً لذاته، وإما أن يكون ممكناً لذاته، والواجب لذاته ليس إلا الله سبحانه وتعالى. وكل ما سواه فهو ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بتأثير الواجب لذاته وكل ما سوى الحق سبحانه فهو موجود بإيجاده كائن بتكوينه واقع بإيقاعه. إما بغير واسطة وإما بواسطة واحدة وإما بوسائط كثيرة على الترتيب النازل من عنده طولاً وعرضاً. إذا ثبت هذا فنقول: علمه بذاته يوجب عمله بالأثر الأول الصادر منه، ثم علمه بذلك الأثر الأول يوجب عمله بالأثر الثاني لأن الأثر الأول علة قريبة للأثر الثاني. وقد ذكرنا أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فبهذا علم الغيب ليس إلا علم الحق بذاته المخصوصة ثم يحصل له من علمه بذاته علمه بالآثار الصادرة عنه على ترتيبها المعتبر، ولما كان علمه بذاته لم يحصل إلا لذاته لا جرم صح أن يقال: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } فهذا هو طريقة هؤلاء الفرقة الذين فسروا هذه الآية بناء على هذه الطريقة. ثم اعلم أن ههنا دقيقة أخرى، وهي: أن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال إلا للعقلاء الكاملين الذين تعودوا الإعراض عن قضايا الحس والخيال وألفوا استحضار المعقولات المجردة، ومثل هذا الإنسان يكون كالنادر وقوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } قضية عقلية محضة مجردة فالإنسان الذي يقوى عقله على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جداً. والقرآن إنما أنزل لينتفع به جميع الخلق. فههنا طريق آخر وهو أن من ذكر القضية العقلية المحضة المجردة، فإذا أراد إيصالها إلى عقل كل أحد ذكر لها مثالاً من الأمور المحسوسة الداخلة تحت القضية العقلية الكلية ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهوماً لكل أحد، والأمر في هذه الآية ورد على هذا القانون، لأنه قال أولاً: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } ثم أكد هذا المعقول الكلي المجرد بجزئي محسوس فقال: {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } وذلك لأن أحد أقسام معلومات الله هو جميع دواب البر، والبحر، والحس، والخيال قد وقف على عظمة أحوال البر والبحر، فذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظمة ذلك المعقول. وفيه دقيقة أخرى وهي: إنه تعالى قدم ذكر البر، لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر، وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال، وكثرة ما فيها من الحيوان والنبات والمعادن. وأما البحر فإحاطة العقل بأحواله أقل إلا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر وطولها وعرضها أعظم وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب. فإذا استحضر الخيال صورة البحر والبر على هذه الوجوه. ثم عرف أن مجموعها قسم حقير من الأقسام الداخلة تحت قوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } فيصير هذا المثال المحسوس مقوياً ومكملاً للعظمة الحاصلة تحت قوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } ثم إنه تعالى كما كشف عن عظمة قوله {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ } بذكر البر والبحر كشف عن عظمة البر والبحر بقوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا } وذلك لأن العقل يستحضر جميع ما في وجه الأرض من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال، ثم يستحضركم فيها من النجم والشجر ثم يستحضر أنه لا يتغير حال ورقة إلا والحق سبحانه يعلمها ثم يتجاوز من هذا المثال إلى مثال آخر أشد هيئة منه وهو قوله: {وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ } وذلك لأن الحبة في غاية الصغر وظلمات الأرض موضع يبقى أكبر الأجسام وأعظمها مخفياً فيها فإذا سمع أن تلك الحبة الصغيرة الملقاة في ظمات الأرض على اتساعها وعظمتها لا تخرج عن علم الله تعالى البتة، صارت هذه الأمثلة منبهة على عظمة عظيمة وجلالة عالية من المعنى المشار إليه بقوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } بحيث تتحير العقول فيها وتتقاصر الأفكار والألباب عن الوصول إلى مباديها، ثم إنه تعالى لما قوى أمر ذلك المعقول المحض المجرد بذكر هذه الجزئيات المحسوسة فبعد ذكرها عاد إلى ذكر تلك القضية العقلية المحضة المجردة بعبارة أخرى فقال: {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } وهو عين المذكور في قوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } فهذا ما عقلناه في تفسير هذه الآية الشريفة العالية. ومن الله التوفيق. المسألة الثانية: المتكلمون قالوا إنه تعالى فاعل العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان، ومن كان كذلك كان عالماً بها فوجب كونه تعالى عالماً بها والحكماء قالوا: إنه تعالى مبدأ لجميع الممكنات، والعلم بالمبدأ يوجب العلم بالأثر فوجب كونه تعالى عالماً بكلها: واعلم أن هذا الكلام من أدل الدلائل على كونه تعالى عالماً بجميع الجزئيات الزمانية وذلك لأنه لما ثبت أنه تعالى مبدأ لكل ما سواه وجب كونه مبدأ لهذه الجزئيات بالأثر. فوجب كونه تعالى عالماً بهذه التغيرات والزمانيات من حيث إنها متغيرة وزمانية وذلك هو المطلوب. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } يدل على كونه تعالى منزهاً عن الضد والند وتقريره: أن قوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ } يفيد الحصر، أي عنده لا عند غيره. ولو حصل موجود آخر واجب الوجود لكان مفاتح الغيب حاصلة أيضاً عند ذلك الآخر، وحينئذ يبطل الحصر. وأيضاً فكما أن لفظ الآية يدل على هذا التوحيد، فكذلك البرهان العقلي يساعد عليه. وتقريره: أن المبدأ لحصول العلم بالآثار والنتائج والصنائع هو العلم بالمؤثر والمؤثر الأول في كل الممكنات هو الحق سبحانه. فالمفتح الأول للعلم بجميع المعلومات هو العلم به سبحانه لكن العلم به ليس إلا له لأن ما سواه أثر والعلم بالأثر لا يفيد العلم بالمؤثر. فظهر بهذا البرهان أن مفاتح الغيب ليست إلا عند الحق سبحانه. والله أعلم. المسألة الرابعة: قرىء {ولا حبة وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ } بالرفع وفيه وجهان: الأول: أن يكون عطفاً على محل من ورقة وأن يكون رفعاً على الابتداء وخبره {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } كقولك: لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار. المسألة الخامسة: قوله: {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } فيه قولان: الأول: أن ذلك الكتاب المبين هو علم الله تعالى لا غير. وهذا هو الصواب. والثاني: قال الزجاج: يجوز أن يكون الله جل ثناؤه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال عز وجل: {أية : مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } تفسير : [الحديد: 22] وفائدة هذا الكتاب أمور: أحدها: أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات وأنه لا يغيب عنه مما في السموات والأرض شيء. فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقاً له. وثانيها: يجوز أن يقال إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيهاً للمكلفين على أمر الحساب وإعلاماً بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء: لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف فبأن لا يهمل الأحول المشتملة على الثواب والعقاب أولى. وثالثها: أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم، وإلا لزم الجهل. فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع أيضاً تغييرها وإلا لزم الكذب فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجباً تاماً وسبباً كاملاً في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم كما قال صلوات الله عليه: «حديث : جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» تفسير : والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي من العذاب لأنزلته بكم حتى ينقضي الأمر إلى آخره. والاستعجال: تعجيل طلب الشيء قبل وقته. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ} أي المشركين وبوقت عقوبتهم.

البيضاوي

تفسير : {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى} أي في قدرتي ومكنتي. {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} من العذاب. {لَقُضِىَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربي، وانقطع ما بيني وبينكم. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ} في معنى الاستدراك كأنه قال: ولكن الأمر إلى الله سبحانه وتعالى وهو أعلم بمن ينبغي أن يؤخذ وبمن ينبغي أن يمهل منهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِىَ ٱلأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } بأن أعجله لكم وأستريح، ولكنه عند الله {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ } متى يعاقبهم.

الخازن

تفسير : {قل لو أن عندي ما تستعجلون به} يعني: من إنزال العذاب. والاستعجال، المطالبة بالشيء قبل وقته، فلذلك كانت العجلة مذمومة، والإسراع تقديم الشيء في وقته، فلذلك كانت السرعة محمودة. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المستعجلين لنزول العذاب لو أن عندي ما تستعجلون به لم أمهلكم ساعة ولكن الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة. قوله تعالى: {لقضي الأمر بيني وبينكم} يعني لا نفصل ما بيني وبينكم ولأتاكم ما تستعجلون به من العذاب {والله أعلم بالظالمين} يعني أنه أعلم بما يستحقون من العذاب والوقت الذي يستحثونه فيه وقيل علم أنه سيؤمن بعض من كان يستعجل بالعذاب فلذلك أخره عنهم قال والله أعلم بالظالمين وبأحوالهم. قوله عز وجل: {وعنده مفاتح الغيب} المفتاح الذي يفتح به المغلاق جمعه مفاتيح ويقال فيه تفتح بكسر الميم وجمعه مفاتح والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهي مفتح وجمعه مفاتح فقوله وعنده مفاتح الغيب يحتمل أن يكون المراد منه المفاتيح التي يفتح بها ويحتمل أن يكون المراد منه الخزائن. فعلى التفسير الأول فقد جعل للغيب مفاتيح على طرق الاستعارة، لأن المفاتيح هي التي يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالإغلاق، فمن علم كيف يفتح بها ويتوصل إلى ما فيها، فهو عالم. وكذلك ها هنا لأن الله تعالى لما كان عالماً بجميع المعلومات وما غاب منها وما لم يغب عن هذا المعنى بهذه العبارة. وعلى التفسير الثاني، يكون المعنى وعنده خزائن الغيب والمراد منه القدرة الكاملة على كل الممكنات ثم اختلفت أقوال المفسرين في قوله وعنده مفاتح الغيب {لا يعلمها إلا هو} فقيل: مفاتيح الغيب خمس وهي ما روي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله تعالى، لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يدري أحد متى يجيء المطر ". تفسير : وفي رواية أخرى: "حديث : لا يعلم أحد ما تغيض الأرحام، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى الساعة إلا الله"تفسير : ، أخرجه البخاري. وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب: خزائن الأرض، وعلم نزول العذاب، وقال عطاء: هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب. وقيل: هو انقضاء الآجال وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم. وقيل: هو علم ما لم يكن بعد أن يكون إذ يكون كيف يكون وما لا يكون أن لو كان كيف يكون وقال ابن مسعود: أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء إلا مفاتح الغيب. وقال ابن عباس: إنها خزائن غيب السموات والأرض من الأقدار والأرزاق {ويعلم ما في البر والبحر} قال مجاهد: البر المفاوز والقفار، والبحر القُرى والأمصار لا يحدث فيها شيء إلا وهو يعلمه. وقال جمهور المفسرين: هو البر والبحر المعروفان، لأن جميع الأرض إما بر وإما بحر وفي كل واحد منهما من عجائب مصنوعاته وغرائب مبتدعاته ما يدل على عظيم قدرته وسعة علمه {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} يريد ساقطة وثابتة والمعنى أنه يعلم عدد ما يسقط من الورق وما بقي على الشجر من ذلك ويعلم كم انقلبت ظهراً لبطن إلى أن تسقط على الأرض {ولا حبة في ظلمات الأرض} قيل: هو الحب المعروف يكون في بطن الأرض قبل أن ينبت. وقيل: هي الحبة التي في الصخرة التي في أسفل الأرضين {ولا رطب ولا يابس} قال ابن عباس: الرطب الماء واليابس البادية. وقال عطاء: يريد ما ينبت وما لا ينبت. وقيل: المراد بالرطب الحي واليابس الميت. وقيل: هو عبارة عن كل شيء لأن جميع الأشياء إما رطبة وإما يابسة. فإن قلت إن جميع هذه الأشياء داخلة تحت قوله وعنده مفاتح الغيب فَلِمَ أفرد هذه الأشياء بالذكر وما فائدة ذلك؟. قلت: لما قال الله تعالى وعنده مفاتح الغيب على سبيل الإجمال ذكر من بعد ذلك الإجمال ما يدل على التفصيل، فذكر هذه الأشياء المحسوسة ليدل بها على غيرها، فقدم ذكر البر والبحر لما فيهما من العجائب والغرائب من المدن والقرى والمفاوز والجبال وكثرة ما فيها من المعادن والحيوان، وأصناف المخلوقات مما يعجز الوصف عن إدراكها، ثم ذكر بعد ذلك ما هو أقل من ذلك وهو مشاهد لكل أحد لأن الورقة الساقطة والثابتة يراها كل أحد، لكن لا يعلم عددها وكيفية خلقها إلا الله تعالى ثم ذكر بعد ذلك ما هو أصغر من الورقة وهي الحبة. ثم ذكر بعد ذلك مثالاً يجمع الكل وهو الرطب واليابس فذكر هذه الأشياء وأنه لا يخرج شيء منها عن علمه سبحانه وتعالى فصارت هذه الأمثال منبهة على عظمة عظيمة وقدرة عالية وعلم واسع فسبحان العليم الخبير. قوله تعالى: {إلا في كتاب مبين} فيه قولان: أحدهما أن الكتاب المبين هو علم الله الذي لا يغير ولا يبدل. والثاني: أن المراد بالكتاب المبين، هو اللوح المحفوظ، لأن الله كتب فيه علم ما يكون وما قد كان قبل أن يخلق السموات والأرض. وفائدة إحصاء الأشياء كلها في هذا الكتاب، لتقف الملائكة على إنفاذ علمه ونبه بذلك على تعظيم الحساب وأعلم عباده أنه لا يفوته شيء مما يصنعونه لأنه من أثبت ما لا ثواب فيه ولا عقاب في كتاب فهو إلى إثبات ما فيه ثواب وعقاب أسرع. قوله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} يعني يقبض أرواحكم إذا نمتم بالليل {ويعلم ما جرحتم} ما كسبتم {بالنهار ثم يبعثكم فيه} أي يوقظكم فيه أي في النهار {ليقضى أجل مسمى} يعني أجل الحياة إلى الممات يريد استيفاء العمر على التمام {ثم إليه مرجعكم} في الآخرة {ثم ينبئكم} أي يخبركم {بما كنتم تعملون}.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}: المعنَىٰ: لو كان عندي الآياتُ المُقْتَرَحةُ، أو العذابُ؛ علَى التأويل الآخر، لقُضِيَ الأمر، أي: لَوَقَع الٱنفصالُ، وتَمَّ النزاعُ؛ لظهور الآية المُقْتَرَحَةِ، أو لِنزولِ العذابِ؛ بحسب التأْويلَيْنِ، وقِيلَ: المعنَىٰ: لَقَامَتِ القيامةُ، وقوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ}: يتضمَّن الوعيدَ والتَّهْديدَ. وقوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ}: مفَاتِحُ: جَمْعُ مَفْتَحٍ، وهذه ٱستعارةٌ؛ عبارةً عن التوصُّل إلى الغيوب؛ كما يَتوصَّل في الشاهِدِ بالمِفْتَاحِ إلى المُغَيَّب، ولو كان جَمْعَ «مِفْتَاحٍ»، لقال: مَفَاتِيح، ويظهرُ أيضاً أنَّ «مَفَاتِح» جمْعُ «مَفْتَح» ـــ بفتح الميم ـــ، أي: مواضِعِ تَفْتَحُ عن المغيَّبات؛ ويؤيِّد هذا قَوْلُ السُّدِّيِّ وغيره: {مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ}: خزائِنُ الغَيْب، فأما مِفْتَح ـــ بالكسر ـــ، فهو بمعنى مِفْتَاح، قال الزَّهْرَاوِيُّ: وَمِفْتَحٌ أفصحُ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره: الإشارةُ بِمَفَاتِحِ الغَيْبِ هي إلى الخَمْسة في آخر لُقْمَان: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ...} تفسير : [لقمان:34] الآية، قلت: وفي «صحيحِ البخاريِّ»، عن سالمِ بنِ عبد اللَّهِ، عَنْ أبيه؛ أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «حديث : مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّه عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34]» تفسير : انتهى. وقوله سبحانه: {مِن وَرَقَةٍ}، أي: من وَرَقِ النَّبَاتِ، {وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ}، يريدُ: في أشدِّ حالِ التَّغَيُّبِ، وحكَىٰ بعضُ النَّاسِ عن جَعْفَرِ بنِ محمَّد قولاً: أنَّ الورقَةَ يُرَادُ بها السِّقْطُ مِنْ أولادِ بني آدم، والحَبَّة: يرادُ بها الذي لَيْسَ بِسِقْطٍ، والرَّطْب يرادُ به الحَيُّ، واليابسُ يراد به المَيِّت، وهذا قولٌ جارٍ علَىٰ طريقةِ الرُّمُوز، ولا يصحُّ عن جعفر بن محمَّد، ولا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إلَيْه. وقوله تعالى: {إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ}، قيل: يعني كتاباً على الحقيقةِ، ووجْهُ الفائدة فيه ٱمتحانُ ما يكتبه الحَفَظَةُ، وذلك أنَّه رُوِيَ أنَّ الحَفَظَةَ يرفَعُونَ مَا كَتَبُوهُ، ويُعَارِضُونَهُ بهذا الكِتَابِ المُشَارِ إلَيْه؛ ليتحقَّقوا صِحَّة ما كتبوه، وقيل: المراد بقوله: {إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ}: عِلْمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ المحيطِ بكلِّ شيءٍ. قال الفَخْرُ: وهذا هو الأصْوَبُ، ويجوزُ أنْ يقالَ: ذَكر تعالَىٰ ما ذَكَر مِنَ الوَرَقَةِ وَالحَبَّة؛ تنبيهاً للمكلَّفين علَىٰ أمر الحساب. انتهى. قال مَكِّيٌّ: قالَ عبْدُ اللَّه بْنُ الحارِثِ: ما في الأرْض شَجَرٌ، ولا مَغْرَزُ إبرةٍ إلاَّ علَيْها مَلَكٌ، موكَّل، يأتي اللَّه بعلْمها بيَبَسِها إذا يَبِسَتْ، ورُطُوبَتِها إذا رَطِبَتْ. وقيل: المعنَىٰ في كَتْبِها؛ أنه لتعظيمِ الأمرِ، ومعناه: اعلموا أنَّ هذا الذي لَيْسَ فيه ثوابٌ ولا عقابٌ ــــ مكتوبٌ؛ فكيف ما فِيهِ ثوابٌ أو عقابٌ. انتهى من «الهداية».

ابن عادل

تفسير : أي: لو أن في قُدْرَتِي وإمكاني ما تستعجلون به من العذابِ لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربي واقتصاصاً من تكذيبكم به، ولتخلصت سريعاً. قوله: {والله أعلم بالظَّالمين} من باب إقامةِ الظاهر مُقامَ المضمر تَنْبِيهاً على استحقاقهم ذلك بصفة الظلم، إذ لو جاء على الأصْلِ لقال والله أعلم بكم والمعنى أني لا أعلم وقْتَ عُقُوبةِ الظالمين، والله - تعالى - يعلم ذلك، فهو يؤخّر إلى وقته. والله أعلم.

ابو السعود

تفسير : {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى} أي في قدرتي ومِكْنتي {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} من العذاب الذي ورد به الوعيد بأن يكون أمرُه مفوّضاً إلي من جهته تعالى {لَقُضِىَ ٱلأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} أي بأن ينزِلَ ذلك عليكم إثرَ استعجالِكم بقولكم: متى هذا الوعد ونظائرِه، وفي بناء الفعل للمفعول من الإيذان بتعيُّن الفاعِلِ الذي هو الله تعالى وتهويلِ الأمر ومراعاةِ حسنِ الأدب ما لا يخفى. فما قيل في تفسيره لأهلكتُكم عاجلاً غضباً لربـي ولتخلصْتُ منكم سريعاً بمعزلٍ من تَوْفِيةِ المقام حقَّه. وقولُه تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ} اعتراضٌ مقرِّرٌ لِما أفادتْه الجملةُ الامتناعية من انتفاءِ كونِ أمرِ العذابِ مفوَّضاً إليه صلى الله عليه وسلم المستتبِع لانتفاء قضاءِ الأمر، وتعليلٌ له والمعنى والله تعالى أعلم بحال الظالمين وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج لتشديد العذاب ولذلك لم يفوِّضِ الأمرَ إليّ فلم يقضِ الأمرَ بتعجيل العذاب والله أعلم.

القشيري

تفسير : لو قدرتُ على إبداء ما طلبتم من إقامة البراهين لأجبتكم إلى كل ما اقترحتم عليَّ - شفقةً عليكم، لكن المتفرِّد بالحكم لا يُعَارَضُ فيما يريد. {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ}: المفتاح ما به يرتفع الغَلْقُ، والذي يحصل مقصود كلِّ أحد، وهو قدرة الحق - سبحانه؛ فإنَّ التأثير لها في الإيجاد، والموصوفُ بقدرةِ الإيجاد هو الله. ويقال أراد بهذا شمول علمه، أي هو المتفرِّد بالإحاطة بكل معلوم، وقطعاً لا يُسأَل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء. ويقال عندك مفاتح الغيب وعنده مفاتح الغيب فإنْ آمنتَ بغيبه مدَّ الشمس على غيبك.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل لو ان عندى} اى فى قدرتى ومكنتى {ما تستعجلون به} من العذاب الذى ورد به الوعيد بان يكون امره مفوصا الى من جهته عز وجل {لقضى الأمر بينى وبينكم} اي بان ينزل ذلك عليكم اثر استعجالكم بقولكم متى هذا الوعد ونظائره. وفى بناء الفعل للمفعول من الايذان بتعين الفاعل الذى هو الله سبحانه وتهويل الامر ومراعاة حسن الادب ما لا يخفى {والله أعلم بالظالمين} اى بحالهم وبانهم مستحقون للامهال بطريق الاستدراج لتشديد العذاب ولذلك لم يفوض الامر الىّ فلم يقض الامر بتعجيل العذاب فعابد الاصنام سواء امهل او لا يذوق العذاب ولا يتخلص منه اصلا وكذا عابد الدنيا والنفس والشيطان والهوى فان ذلك فى نار الجحيم وهذا فى نار الفراق العظيم. فعلى العاقل ان لا يتبع الهوى كما امر الله تعالى فقال {أية : قل لا أتبع أهواءكم} تفسير : [الأنعام: 56]. قال بعضهم جزت مرة ببلاد السواد فرأيت شيخا جالسا فى الهواء فسلمت عليه فرد السلام على فقلت له بم جلست فى الهواء قال خالفت الهوى فاسكنت فى الهواء. وجاء جماعة من فقهاء اليمن الى الشيخ الكبير ابى الغيث قدس سره يمتحنونه فى شئ فلما دنوا منه قال مرحبا بعبيد عبدى فاستعظموا ذلك فلحقوا شيخ الطرقين وامام الفريقين العالم العارف ابا الذبيح اسماعيل بن محمد الحضرمى فأخبروه بما قال الشيخ ابو الغيث لهم فضحك الشيخ وقال صدق الشيخ انتم عبيد الهوى والهوى عبده وانما يتخلص المرء من الهوى بالتقوى: وفى المثنوى شعر : جونكه تقوى بست دودست هوا حق كشايد هردودست عقل را بس حواس بيره محكوم توشد جون خرد سالار ومخذوم توشد تفسير : واعلم ان الهوى من اوصاف النفس فالآيات متعلقة باصلاح النفس ومن كان على بينة من ربه وهى فى الحقيقة النور الذى ينشرح به الصدر يكون على الهدى لا على الهوى وله علامات كما لا يخفى ـ حكى ـ ان بعض الصالحين كان يتكلم على الناس ويعظهم فمر عليه فى بعض الايام يهودى وهو يخوفهم ويقرأ قوله تعالى {أية : وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} تفسير : [مريم: 71]. فقال اليهودى ان كان هذا الكلام حقا فنحن وانتم سواء فقال له الشيخ لا ما نحن سواء بل نحن نرد ونصدر وانتم تردون ولا تصدرون ننجو نحن منها بالتقوى وتبقون انتم فيها جثيا بالظلم ثم قرأ الآية الثانية {أية : ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} تفسير : [مريم: 72]. فقال اليهودى نحن المتقون فقال له الشيخ كلا بل نحن وتلا قوله تعالى {أية : ورحمتى وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة} تفسير : [الأعراف: 156]. الى قوله تعالى {أية : الذين يتبعون الرسول النبى الأمى} تفسير : [الأعراف: 157]. فقال اليهودى هات برهانا على صدق هذا فقال له الشيخ البرهان حاضر يراه كل ناظر وهو ان تطرح ثيابى وثيابك فى النار فمن سلمت ثيابه فهو الناجى منها ومن احرقت ثيابه فهو الباقى فيها فنزعا ثيابهما فاخذ الشيخ ثياب اليهودى ولفها ولف عليها ثيابه ورمى الجميع فى النار ثم دخل النار فاخذ الثياب ثم خرج من الجانب الآخر ثم فتحت الثياب فاذا ثياب الشيخ المسلم سالمة بيضاء قد نظفتها النار وازالت عنها الوسخ وثياب اليهودى قد صارت حراقة مع انها مستورة وثياب الشيخ المسلم ظاهرة للنار فلما رأى ذلك اسلم والحمد لله فهذه الحكاية مناسبة لما ذكر من الآيات اذ كفار قريش كانوا من اهل الظلم والهوى فلم ينفعهم دعواهم فصاروا الى العذاب والمؤمنون كانوا من اهل العدل والبينة والهدى فانتج تقواهم ووصلوا الى جنات مفتحة لهم الابواب ومن سلم لباسه من النار سلم وجوده بالطريق الاولى بل الثوب فى الحقيقة هو الوجود الظاهرى الذى استتر به الروح الباطنى فلا بد من تطهيره المؤدى الى تطهير الباطن يسره الله.

الطوسي

تفسير : امر الله تعالى نبيه ان يقول للكفار لو كان {عندي ما تستعجلون به} من كون العذاب وأنزاله بكم برأيي وارادتي لفعلت ذلك بكم ولانزلته عليكم و {لقضي الأمر بيني وبينكم} بذلك ولا نفصل ولا نقطع، ولكن ليس ذلك إِلي وانما هو الى الله {والله أعلم بالظالمين} وبمن ينبغي امهاله منهم ومن يجب معالجته بالعقوبة فهو يدبر ذلك بحسب ما يعلم من وجه الحكمة والصواب.

الجنابذي

تفسير : {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} من العذاب {لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} لرفع النّزاع بينى وبينكم باهلاكى ايّاكم {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ} فيه معنى الاستدراك يعنى لكنّ الامر الى الله وهو اعلم بالظّالمين، روى عنهم (ع) انّ ورود الآيات فى الولاية.

اطفيش

تفسير : {قُلْ لو أنَّ عِنْدى ما تَسْتعجلُون به} وإنزال العذاب والاستعجال المطالبة بالشئ قبل وقته، ولذلك كأنه مذموم أو من قيام الساعة أو من أنزل الآيات المقترحة التى مضت سنة الله فى مثلها بإنزال العذاب على من طلبها ولم يؤمن بها. {لقُضِىَ الأمْر بَيْنى وبَيْنكم} لأوقعت الأمر بينى وبينكم بأن أهلككم غضباً لربى، وذلك بأن يهلك منهم من قضى الله أن لا يخرج من صلبه من يعبد الله، وذلك أن الله جل وعلا أمر ملك الجبال أن يطيعه فيما يأمره به، فقال: إن شيئت أن أطبقها عليهم، فقال: "لا بل أرجو أن يخرج منهم من يوحد الله ويعبده". {والله أعْلم بالظَّالمِينَ} استدراك فى المعنى بلا إداة استدراك كأنه قال: ولكن الله أعلم بالظالمين، أى الأمر إليه تعالى، فهو يؤخر من يؤخر، لأنهُ سيؤمن، ويؤخر من يؤخر، لأنه سيخرج من صلبه مؤمن ويخر من يؤخر لحكمة على طبق القضاء الأزلى، أى والله أعلم بما يستحقون من العذاب وبوقته.

اطفيش

تفسير : {قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِى} أَى فى حكمى، أَى لو فوض إِلى من جهة ربى {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} من العذاب {لَقُضِىَ الأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} بتعجيل العذاب الذى تستعجلونه غضباً لربى لا انتقاماً لنفسى، فإِن كل ما عندى أَفعله لله لظهور حقه، وفى تعجيل العذاب استراحة غير مقصودة بالذات له صلى الله عليه وسلم، والاستعجال مطالبة بالشىء قبل وقته، ولذلك كانت العجلة مذمومة، والإِسراع العمل به فى وقته، ولكن لم يكن عندى علم ذلك، والأَمر إِلى الله كما قال {وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} بمن يؤخذ منهم، وبوقت الأَخذ، فلا قدرة لى على استعجال الأَخذ، والإِمهال رحمة فقد يؤمن بعض أَو يلد مؤمنا، وقيل بحالهم، وقيل بوقت عقوبة الظالمين.

الالوسي

تفسير : {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى} أي في قدرتي وإمكاني {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } من العذاب {لَقُضِىَ ٱلأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } أي بأن ينزل عليكم إثر استعجالكم. وفي بناء الفعل للمفعول من الإيذان بتعين الفاعل الذي هو الله جلت عظمته وتهويل الأمر ومراعاة حسن الأدب ما لا يخفى. وقال الزمخشري ومن تبعه: «المعنى لو كان ذلك في مكنتي لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربـي عز وجل وامتعاضاً من تكذيبكم به ولتخلصت منكم سريعاً»، ولا يساعده المقام، ومثله حمل {مَا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} على الآيات المقترحة وقضاء الأمر على قيام الساعة. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ } أي بحالهم وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج لتشديد العذاب، ولذلك لم يفوض الأمر إلي ولم يقض بتعجيل العذاب، والجملة مقررة لما أفادته الجملة الامتناعية من انتفاء كون أمر العذاب مفوضاً إليه عليه الصلاة والسلام المستتبع لانتفاء قضاء الأمر وتعليل له. وقيل: هي في معنى الاستدراك كأنه قيل: لو قدرت أهلكتكم ولكن الله تعالى أعلم بمن يهلك من غيره وله حكمة في عدم التمكين منه، وأياً ما كان فلا حاجة إلى حذف مضاف، وزعم بعضهم ذلك، والتقدير وقت عقوبة الظالمين وهو كما ترى والله تعالى أعلم.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني لأنّ قوله: {أية : ما عندي ما تستعجلون به}تفسير : [الأنعام: 57] يثير سؤالاً في نفس السامع أن يقول: فلو كان بيدك إنزال العذاب بهم ماذا تصنع، فأجيب بقوله: {لَو أنّ عندي ما تستعجلون به} الآية. وإذ قد كان قوله: {لو أنّ عندي} الخ استئنافاً بيانياً فالأمر بأن يقوله في قوة الاستئناف البياني لأنّ الكلام لمَّا بني كلّه على تلقين الرسول ما يقوله لهم فالسائل يتطلّب من الملقّن ماذا سيلقّن به رسوله إليهم. ومعنى {عندي ما تستعجلون به} تقدّم آنفاً، أي لو كان في علمي حكمته وفي قدرتي فعله. وهذا كناية عن معنى لَسْتُ إلهاً ولكنَّني عبد أتَّبع ما يوحى إليَّ. وقوله: {لقُضي الأمر بيني وبينكم} جواب {لو}. فمعنى {قضي} تمّ وانتهى. والأمر مراد به النزاع والخلاف. فالتعريف فيه للعهد، وبُني {قضي الأمر} للمجهول لظهور أنّ قاضيَه هو مَن بيده ما يستعجلون به. وتركيب (قضي الأمر) شاع فجرى مجرى المثل، فحُذف الفاعل ليصلح التمثّل به في كلّ مقام، ومنه قوله: {أية : قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان}تفسير : [يوسف: 41] وقوله: {أية : ولولا كلمة الفصل لقُضيَ بينهم}تفسير : [الشورى: 21] وقوله: {أية : وأنذرهم يومَ الحسرة إذ قُضي الأمر}تفسير : [مريم: 39]؛ ولذلك إذا جاء في غير طريقة المثل يصرّح بفاعله كقوله تعالى: {أية : وقَضيْنا إليه ذلك الأمر}تفسير : [الحجر: 66]. وذلك القضاء يحتمل أموراً: منها أن يأتيهم بالآية المقتَرَحَة فيؤمنوا، أوْ أن يغضَب فيهلكهم، أو أن يصرف قلوبهم عن طلب ما لا يجيبهم إليه فيتوبوا ويرجعوا. وجملة: {والله أعلم بالظالمين} تذييل، أي الله أعلم منِّي ومن كلّ أحد بحكمة تأخير العذاب وبوقت نزوله، لأنَّه العليم الخبير الذي عنده ما تستعجلون به. والتعبير {بالظالمين} إظهار في مقام ضمير الخطاب لإشعارهم بأنَّهم ظالمون في شركهم إذ اعتدوا على حقّ الله، وظالمون في تكذيبهم إذ اعتدوا على حقّ الله ورسوله، وظالمون في معاملتهم الرسول صلى الله عليه وسلم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلظَّالِمِينَ} (58) - قُلْ لَهُمْ: لَوْ كَانَ مَرْجِعُ الأَمْرِ إِلَيَّ لاسْتَجَبْتُ لِطَلَبِكُمْ، وَلأَوْقَعْتُ عَلَيْكُمْ مَا تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذَابِ، وَلانْتَهَى الأمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمينَ الذِينِ يَسْتَحِقُّونَ العَذَابَ وَالعُقُوبَةَ، وَقَدْ جَعَلَ لِعَذَابِهِمْ مَوْعِداً حَدَّدَهُ لا يَعْلَمُهُ إلاّ هُوَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا بلاغ من رسول الله لكل الخلق بأن أحداث الكون إنما يجريها الحق بإرادته وبمواقيت لا يعلمها إلا هو سبحانه، وهو - جل وعلا - الذي يأذن بها. . أي قل لهم أيها النبي: لو كان في قدرتي وإمكاني ما تستعجلون به من العذاب لانتهى الأمر بيني وبينكم ولأهلكتكم بعقاب وعذاب عاجل غضبا لربي وسخطا عليكم من تكذيبكم به - سبحانه - ولتخلصت منكم سريعا، لكن الأمر ليس لي، إنه إلى الله الحكيم الذي يعلم ما يستحقه الظالمون. ويقول - سبحانه - في موضع آخر من القرآن الكريم: {أية : وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} تفسير : [هود: 8]. وحكمة الله - إذن - هي التي اقتضت تأجيل العذاب إلى وقت يحدده الله، وفي هذا ما يجعل بعضاً من الكافرين يجترئون على الله ويوغلون في الكفر ويقولون ما الذي يمنع عنا العذاب؟ إنهم يقولون ذلك استهزاء وسخرية، ولا يعلمون أن العذاب آت حتماً ولا خلاص لهم منه؛ لأن الله صادق في وعده ووعيده وسيأتيهم العذاب لأنهم استهزأوا وسخروا فلا مناص لهم عنه ولا مهرب لهم منه. وفي موقع آخر يقول الحق: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ * يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 53-55]. وهكذا نرى تحدي الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتيهم بالعذاب، لكنه تحدٍ مردود عليه بأن الحق هو الذي يقرر ميلاد كل أمر ولسوف يأتيهم العذاب فجأة، وهو واقع لا محالة وإن جهنم ستحيط بهم، وسيغمرهم العذاب من أعلاهم ومن أسفلهم، ويسمعون صوت الملك الموكل بعذابهم: ذوقوا عذاباً أنكرتموه وهو جزاء أعمالكم. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ...}