٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
59
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: جاء في الخبر أن هذه الآية لما نزلت نزل معها اثنا عشر ألف مَلَك. وروى البخارِيّ عن ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مفاتح الغيب خمسٌ لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما تَغِيض الأرحام إلا الله ولا يعلم ما في غدٍ إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله»تفسير : . وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على الله الفِرْية؛ والله تعالى يقول: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ}. ومفاتح جمع مَفْتَح، هذه اللغة الفصيحة. ويقال: مفتاح ويجمع مفاتيح. وهي قراءة ابنِ السَّمَيْقَع «مفاتِيح». والمِفتح عبارة عن كل ما يَحُلّ غَلقَا، محسوسا كان كالقُفْل على البيت أو معقولا كالنظر. وروى ابن ماجه في سننه وأبو حاتم البُسْتيّ في صحيحه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنّ من الناس مفاتيحَ للخير مَغَالِيق للشرّ وإن من الناس مفاتيحَ للشرّ مغالِيق للخير فطُوبَى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه وويْلٌ لمن جعل الله مفاتيحَ الشرّ على يديه»تفسير : . وهو في الآية استعارة عن التوصُّل إلى الغيوب كما يتوصّل في الشاهد بالمفتاح إلى المغيب عن الإنسان؛ ولذلك قال بعضهم: هو مأخوذ من قول الناس افتح عليّ كذا؛ أي أعطني أو علّمني ما أتوصل إليه به. فالله تعالى عنده علم الغيب، وبيده الطرق الموصّلة إليه، لا يملكها إلا هو، فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه، ومن شاء حجبه عنها حجبه. ولا يكون ذلك من إفاضته إلا على رسله؛ بدليل قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : وقال: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً} {إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}. الآية وقيل: المراد بالمفاتح خزائن الرزق؛ عن السُّدِّي والحسن. مُقاتِل والضحّاك: خزائن الأرض. وهذا مجاز، عبّر عنها بما يتوصّل إليها به. وقيل: غير هذا مما يتضمنه معنى الحديث أي عنده الآجال ووقت ٱنقضائها. وقيل: عواقب الأعمار وخواتم الأعمال؛ إلى غير هذا من الأقوال. والأوّل المختار. والله أعلم. الثانية ـ: قال علماؤنا: أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آيةٍ من كتابه إلا من ٱصطفى من عباده. فمن قال: إنه ينزّل الغَيْث غدا وجزم فهو كافر، أخبر عنه بأمارة ٱدّعاها أم لا. وكذلك من قال: إنه يعلم ما في الرّحِم فهو كافر؛ فإن لم يجزم وقال: إن النَّوْء ينزل الله به الماء عادة، وأنه سبب الماء عادة، وأنه سبب الماء على ما قدّره وسبق في علمه لم يكفر؛ إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به، فإن فيه تشبيها بكلمة أهل الكفر، وجهلا بلطيف حكمته؛ لأنه ينزل متى شاء، مرّة بنَوْء كذا، ومرّة دون النَّوْء؛ قال الله تعالى: «حديث : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب»تفسير : على ما يأتي بيانه في «الواقعة» إن شاء الله. قال ابن العربيّ: وكذلك قول الطبيب: إذا كان الثَّدْي الأيمن مسودّ الحَلَمة فهو ذكر، وإن كان في الثدي الأيسر فهو أنثى، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد أنثى؛ وٱدْعى ذلك عادة لا واجبا في الخلقة لم يكفر ولم يفسق. وأما من ٱدعى الكسب في مستقبل العمر فهو كافر. أو أخبر عن الكوائن المجملة أو المفصلة في أن تكون قبل أن تكون فلا رِيبة في كفره أيضا. فأمّا من أخبر عن كسوف الشمس والقمر فقد قال علماؤنا: يؤدّب ولا يسجن. أمّا عدم تكفيره فلأن جماعة قالوا: إنه أمر يُدرَك بالحساب وتقدير المنازل حسب ما أخبر الله عنه من قوله: {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ}. وأما أدبهم فلأنهم يُدخلون الشك على العامّة، إذ لا يدركون الفرق بين هذا وغيره؛ فيشوّشون عقائدهم ويتركون قواعدهم في اليقين فأدّبوا حتى يُسِروا ذلك إذا عرفوه ولا يعلِنوا به. قلت: ومن هذا الباب (أيضا) ما جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أتى عَرّافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»تفسير : . والعرّاف هو الحازر والمنجِّم الذي يدّعي علم الغيب. وهي من العِرافة وصاحبها عَرّاف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدّمات يدّعي معرفتها. وقد يعتضِد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزَّجْر والطرْق والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك. وهذا الفنّ هو العِيَافة (بالياء). وكلّها ينطلق عليها ٱسم الكهانة؛ قاله القاضي عِيَاض. والكهانة: ٱدعاء علم الغيب. قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الكافي: من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا ومهور البغايا والسُّحْت والرّشا وأخذ الأجرة على النياحة والغناء، وعلى الكهانة وٱدعاء الغيب وأخبار السماء، وعلى الزمر واللّعِب والباطل كله. قال علماؤنا: وقد ٱنقلبت الأحوال في هذه الأزمان بإتيان المنجّمين والكُهّان لا سِيّما بالديار المصرية؛ فقد شاع في رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم اتخاذ المنجِّمين، بل ولقد ٱنخدع كثير من المنتسبين للفقه والدِّين فجاءوا إلى هؤلاء الكهنة والعرّافين فَبَهْرجوا عليهم بالمُحال، واستخرجوا منهم الأموال فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل، ومن أديانهم على الفساد والضلال. وكل ذلك من الكبائر؛ لقوله عليه السلام: «حديث : لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»تفسير : . فكيف بمن ٱتخذهم وأنفق عليهم معتمدا على أقوالهم. روى مسلم (رحمه الله) عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: حديث : سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أناسٌ عن الكُهّان فقال: «إنهم ليسوا بشيء» فقالوا: يا رسول الله، إنهم يحدّثونا أحيانا بشيء فيكون حقّاً ٰ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجِنيّ فيُقرّها في أذن ولِيّه قَرّ الدجاجة فيخلطون معها مائة كذبة»تفسير : . قال الحُميدِيّ: ليس ليحيى بن عروة عن أبيه عن عائشة في الصحيح غير هذا وأخرجه البخاريّ أيضا من حديث أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الملائكة تنزل في العَنَان وهو السحاب فتذكر الأمر قُضِي في السماء فتَسْتَرِق الشياطينُ السمع فتسمعه فتوحِيه إلى الكُهّان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم»تفسير : . وسيأتي هذا المعنى في «سبأ» إن شاء الله تعالى. الثالثة ـ: قوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} خصّهما بالذّكر لأنهما أعظم المخلوقات المجاورة للبشر، أي يعلم ما يهلك في البر والبحر. ويقال: يعلم ما في البر من النبات والحبّ والنّوى، وما في البحر من الدواب ورزق ما فيها {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} روى يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما مِن زرع على الأرض ولا ثمار على الأشجار ولا حبة في ظلمات الأرض إلا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم رِزق فلان ابن فلان»تفسير : وذلك قوله في محكم كتابه: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}. وحكى النقّاش عن جعفر بن محمد أن الورقة يراد بها السّقط من أولاد بني آدم، والحبة يراد بها الذي ليس بسقط، والرطب يراد به الحيّ، واليابس يراد به الميت. قال ابن عطية: وهذا قول جارٍ على طريقة الرّموز، ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه. وقيل: المعنى {وما تسقط من ورقة} أي من ورقة الشجر إلا يعلم متى تسقط وأين تسقط وكم تدور في الهواء، ولا حبة إلا يعلم متى تنبت وكم تنبت ومن يأكلها، {وَظُلُمَاتِ الأَرْض} بطونها وهذا أصح؛ فإنه موافق للحديث وهو مقتضى الآية. والله الموفق للهداية. وقيل: {فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ} يعني الصخرة التي هي أسفل الأرضِين السابعة. {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} بالخفض عطفا على اللفظ. وقرأ ٱبن السَّمَيْقَع والحسن وغيرهما بالرفع فيهما عطفا على موضع {من ورقة}؛ فـ «مِن» على هذا للتوكيد. {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي في اللوح المحفوظ لتعتبر الملائكة بذلك، لا أنه سبحانه كتب ذلك لنسيانٍ يلحقه، تعالى عن ذلك. وقيل: كتبه وهو يعلمه لتعظيم الأمر، أي اعملوا أن هذا الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب، فكيف بما فيه ثواب وعقاب.
البيضاوي
تفسير : {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} خزائنه جمع مفتح بفتح الميم، وهو المخزن أو ما يتوصل به إلى المغيبات مستعار من المفاتح الذي هو جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح، ويؤيده أنه قرىء «مفاتيح» والمعنى أنه المتوصل إلى المغيبات المحيط علمه بها. {لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته، وفيه دليل على أنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها. {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} عطف للأخبار عن تعلق علمه تعالى بالمشاهدات على الإِخبار عن اختصاص العلم بالمغيبات به. {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات. {وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} معطوفات على ورقة وقوله: {إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} بدل من الاستثناء الأول بدل الكل على أن الكتاب المبين علم الله سبحانه وتعالى، أو بدل الاشتمال إن أريد به اللوح وقرئت بالرفع للعطف على محل ورقة أو رفعاً على الابتداء والخبر {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَعِندَهُ } تعالى {مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ } خزائنه أو الطرق الموصلة إلى علمه {لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } وهي الخمسة التي في قوله { أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [34:31] الآية كما رواه البخاري {وَيَعْلَمُ مَا } يَحدث {فِى ٱلْبَرِّ } القفار {وَٱلْبَحْرِ } القرى التي على الأنهار {وَمَا تَسْقُطُ مِن } زائدة {وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ } عطف على (ورقة) {إِلاَّ فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ } هو اللوح المحفوظ، والاستثناء بدل اشتمال من الاستثناء قبله.
ابن عطية
تفسير : {مفاتح} جمع مفتح وهذه استعارة عبارة عن التوصل إلى الغيوب كما يتوصل في الشاهد بالمفتاح إلى المغيب عن الإنسان, ولو كان جمع مفتاح لقال مفاتيح، ويظهر أيضاً أن {مفاتح} جمع مفتح بفتح الميم أي مواضع تفتح عن المغيبات، ويؤيد هذا قول السدي وغيره {مفاتح الغيب} خزائن الغيب، فأما مِفتح بالكسر فهو بمعنى مفتاح، وقال الزهراوي: ومَفتح أفصح، وقال ابن عباس وغيره، الإشارة بـ {مفاتح الغيب} هي إلى الخمسة التي في آخر لقمان، {أية : إن الله عنده علم الساعة} تفسير : [لقمان:34] الآية، لأنها تعم جميع الأشياء التي لم توجد بعد، ثم قوي البيان بقوله {ويعلم ما في البر والبحر} تنبيهاً على أعظم المخلوقات المجاورة للبشر وقوله {من ورقة} على حقيقته في ورق النباتات، و {من} زائدة و {إلا يعلمها} يريد على الإطلاق وقبل السقوط ومعه وبعده، {ولا حبة في ظلمات الأرض} يريد في أشد حال التغيب، وهذا كله وإن كان داخلاً في قوله {وعنده مفاتح الغيب} عند من رآها في الخمس وغيرها ففيه البيان والإيضاح والتنبيه على مواضع العبر، أي إذا كانت هذه المحقورات معلومة فغيرها من الجلائل أحرى، {ولا رطب ولا يابس} عطف على اللفظ وقرأ الحسن وعبد الله بن أبي إسحاق "ولا رطبٌ ولا يابسٌ" بالرفع عطفاً على الموضع في {ورقة}، لأن التقدير وما تسقط ورقة و {إلا في كتاب مبين} قيل يعني كتاباً على الحقيقة، ووجه الفائدة فيه امتحان ما يكتبه الحفظة، وذلك أنه روي أن الحفظة يرفعون ما كتبوه ويعارضونه بهذا الكتاب المشار إليه ليتحققوا صحة ما كتبوه، وقيل: المراد بقوله: {إلا في كتاب} علم الله عز وجل المحيط بكل شيء، وحكى النقاش عن جعفر بن محمد قولاً: أن "الورقة" يراد بها السقط من أولاد بني آدم، و "الحبة" يراد بها الذي ليس يسقط، و "الرطب" يراد به الحي، و "اليابس" يراد به الميت، وهذا قول جار على طريقة الرموز، ولا يصح عن جعفر بن محمد رضي الله عنه، ولا ينبغي أن يلتفت إليه، وقوله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم} الآية، فيها إيضاح الآيات المنصوبة للنظر، وفيها ضرب مثل للبعث من القبور، أن هذا أيضاً إماتة وبعث على نحو ما، والتوفي هو استيفاء عدد، قال الشاعر [منظور الوبري]: [الرجز] شعر : إنَّ بني الأَدْرَمِ لَيْسُوا مِنْ أَحَدْ وَلاَ توفّاهُمْ قريشُ في العَدَدْ تفسير : وصارت اللفظة عرفاً في الموت، وهي في النوم على بعض التجوز، و {جرحتم} معناه كسبتم، ومنه جوارح الصيد أي كواسبه، ومنه جوارح البدن أنها كواسب النفس، ويحتمل أن يكون {جرحتم} هنا من الجرح كأن الذنب جرح في الدين، والعرب تقول جرح اللسان كجرح اليد، وروي عن ابن مسعود أو سلمان شك ابن دينار، أنه قال: إن هذه الذنوب جراحات فمنها شوى ومنها مقتلة، ألا وإن الشرك بالله مقتلة، و {يبعثكم} يريد الإيقاظ، ففي {فيه} عائد على النهار قاله مجاهد، وقتادة والسدي، وذكر النوم مع الليل واليقظة مع النهار بحسب الأغلب وإن كان النوم يقع بالنهار واليقظة بالليل فنادر، ويحتمل أن يعود الضمير على التوفي أي يوقظكم في التوفي أي في خلاله وتضاعيفه قاله عبد الله بن كثير، وقيل يعود على الليل وهذا قلق في اللفظ وهو في المعنى نحو من الذي قبله، وقرأ طلحة بن مصرف وأبو رجاء "ليقضي أجلاً مسمى" والمراد بالأجل آجال بني آدم، {ثم إليه مرجعكم} يريد بالبعث والنشور {ثم ينبئكم} أي يعلمكم إعلام توقيف ومحاسبة.
ابن عادل
تفسير : في "مَفَاتح" ثلاثة أقوال: أحدها: أنه جمع "مِفْتح" بكسر الميم والقَصْر، وهو الآلة التي يُفْتَحُ بها نحو: "مِنْجَل ومَنَاجل". والثاني: أنه جمع "مَفتح" بفتح الميم وهو المكان. ويؤيده تَفْسِيرُ ابن عبَّاسٍ: هي خزائن المطر. قال الفراء: قوله تعالى: {أية : مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ} تفسير : [القصص:76] يعني: خزائنه. فعلى الأول فقد جعل للغيب [مفاتيح] على الاسْتِعَارةِ؛ لأن المفاتيحَ يُتَوَصَّلُ بها إلى ما في الخزائن المُسْتوثقِ منها بالأغلاقِ والأقفَال. وعلى الثاني: فالمعنى: وعنده خزائن الغَيْبِ، والمراد منه القُدْرَةُ على كل الممكنات. والثالث: أنه جمع "مِفْتاح"بكسر الميم والألف، وهو الآلة أيضاً إلاَّ أن هذا فيه ضعفٌ من حيث إنه كان ينبغي أن تُقْلَبَ ألف المفرد ياءً، فيقال: مفاتيح كـ "دنانير" ولكنه قد نقل في جمع "مِصْبَاح" "مَصَابِح"، وفي جمع "مِحْرَاب" "مَحَارِب"، وفي جمع "قرقور" "قراقر"، وهذا كما أتوا بالياء في جمع ما لا مدة في مفرده كقولهم: "دَرَاهيم" و"صَيَارِيف" في جمع "دِرْهَم" و "صَيْرَف" قال: [البسيط] شعر : 2187- تَنْفِي يداها الحَصَى فِي كُلِّ هَاجِرَةٍ نَفْيَ الدَّراهيمِ تَنْقَادُ الصَّيَاريفِ تفسير : وقالوا: عيَّل وعَيَاييل؛ قال: [الرجز] شعر : 2188- فِيهَا عَيَايِيلُ أسُودٌ ونُمُرْ تفسير : الأصل عَيَاييل ونُمور [فزاد في] ذلك ونقص. وقد قرئ "مفاتيح" بالياء، وهي تؤيد أن "مَفَاتح" جمع "مِفْتَاح"، وإنما حذفت مدّته. وجوَّز الوَاحِدِيُّ أن يكون "مَفَاتح" جمع "مَفْتح" بفتح الميم، على أنه مصدر قال بعد كلام حكاه عن أبي إسْحاقَ: فعلى هذا "مفاتح" جمع "المَفْتح" بمعنى الفَتْح كأن المعنى: وعنده فُتُوحُ الغيب، أي: هو يفتح الغَيْبَ على مَنْ يَشَاءُ من عباده. وقال أبو البقاء: "مفاتح" جمع "مفتح"، والمفتح الخزانَةُ. فأما ما يفتح به فهو "المِفْتَاحُ"، وجمعه "مفاتيح"، وقد قيل: "مفتح" أيضاً انتهى يريد جمع "مَفْتَح" أي: بفتح الميم. وقد قيل: مفتح، يعني أنها لغة قليلة في الآلة، والكثير فيها المد، وكان ينبغي أن يوضح عبارته فإنها موهمة، ولذلك شرحناها. فصل روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُها إلاَّ اللَّهُ. لا يَعْلَمُ ما تفِيضُ الأرْحَامُ أحَدٌ إلاَّ اللَّه، ولا يَعْلمُ ما فِي غدٍ إلاَّ اللَّه، ولا يَعْلَمُ مَتَى يَأتِي المَطَرُ أحَدٌ إلاَّ اللَّه، ولا تَدْرِي نَفْسٌ بأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلاَّ اللَّه، ولا يَعْلمُ متَى تَقومُ السَّاعةِ إلاَّ اللَّه ". تفسير : وقال الضحَّاكُ, ومُقاتلٌ: "مفاتح الغيب": خزائن الله، وعلم نزول العذاب. وقال عطاء: ما غَابَ عنكم من الثواب والعقاب. وقيل: انْقِضَاءُ الآجَالِ وقيل: أحوال العِبادِ من السَّعادةِ والشَّقاوةِ،وخواتيم أعمالهم. وقيل: إنه ما لم يكن بعد أنه يكون أم لا يكون وما يكون كيف يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف يكون. وقال ابن مَسْعُودٍ: أوتي نبيكم كُلِّ شيء إلاَّ مَفَاتحَ الغيب. [نقل القرطبي عن ابن عبد البر قال في كتاب "الكافي": من المكَاسبِ المُجْمعِ على تحريمها الرِّبَا، ومُهُورُ البغَايَا والسُّحْتُ والرشَا وأخذ الأجْرة على النياحة وأخذ الأجْرَةِ على الغِنَاء وعلى الكَهانَةِ وادِّعَاءِ علم الغيب، وأخبار السماء وعلى الزَّمْر واللَّعب والباطل كله]. قوله: "لا يَعْلمُهَا إلاَّ هُوَ" في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال من "مفاتح" والعامل فيها الاسْتِقْرَارُ الذي تَضَمَّنَهُ حرف الجر لوقوعه خبراً. وقال أبو البقاء: نفس الظَّرْفِ إن رفعت به "مفاتح"، أي: إن رفعته به فاعلاً، وذلك على رأي الأخْفشِ، وتَضَمُّنُهُ الاسْتِقْرارَ لا بد منه على كل قول، فلا فَرْقَ بين أن يرفع به الفاعل، أو يجعله خبراً. قوله: "ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والبَحْرِ" قال مجاهد: البر والبحر: القُرَى والأمْصَار لا يحدث فيها شيء إلاَّ يعلمه. وقيل: هو البر والبحر المعروف. قالت الحكماء في تفسير هذه الآية: ثبت أن العِلْمَ بالعلَّةِ علة للعلم بالمعلول وأن العِلْمَ بالمعلول لا يكون عِلَّةً للعلم بالعِلَّةِ. وإذا ثبت هذا فنقول: إن الموجود إما أن يكون واجباً لذاته، أو ممكناً لذاته، والواجب لذاته ليس إلاَّ الله تعالى، وكل ما سواه فهو ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بتأثير الواجب لذاتِهِ، فكلُّ مَا سِوَى الحق سبحانه، فهو موجودٌ بإيجاده وتكوينه. وإذا ثبت ذلك، فنقول: علمه بِذاتِهِ يوجب علمه بالأثَرِ الأوَّلِ الصَّادر منه، ثم علمه بذلك الأثرِ الأول يُوجِبُ علمه بالأثر الثاني؛ لأن الأثر الأول عِلَّة قريبة في الأثَرِ الثاني، وقد ذكرنا أن العِلْمَ بالعِلَّةِ يوجب العِلْمَ بالمعلول فبدأ أوَّلاً بِعِلْمِ الغيْبِ، وهو علمه بذاتِه المخصوصة، ثم يحصل له من علمه بذاتِهِ علمه بالأثار الصَّادرةِ عنه على تَرْتيبهَا المعتبر، ولما كان علمه بذاته لم يحصل إلا لذاتِهِ لا جرمَ صَحَّ أن يقال: "وعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ" ثم إن القَضَايا العَقْلِيَّة المَحْضَةَ يصعب تَحْصِيلُ العلم بها على سبيل التمام والكمال إلاَّ للْعقَلاءِ الكاملينَ الذين ألفوا اسْتِحْضار المَعْقُولاتِ، ومثل هذا الإنسان يكون كالنّادر. وقوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} قَضِيَّةٌ عَقْليَّةٌ مَحْضَةٌ والإنسان الذي يقوى عقله على الإحاطة بمعنى هذه القضية نَادِرٌ جداً، والقرآن إنما أُنْزِلَ لينتفع به جَمِيعُ الخَلْقِ، فلذلك ذكر لهذه القضيَّةِ العقلية مِثالاً من الأمور المَحْسُوسةِ الداخلة تحت هذه القضيَّة العقلية ليصير ذلك المَعْقُولُ بمعاونة هذا المثال المحسوس مَعْلُوماً [مفهوماً] لكل أحد، فقال: {ويَعْلَمُ مَا فِي البرِّ والبَحْرِ} لأن ذلك أحَد أقسام مَعْلُوماتِ الله - تعالى - وقد ذكر البر؛ لأن الإنسان قد شاهد أحوال البرِّ، وكثرة ما فيه من المُدُنِ والقُرَى والمَفَاوِزِ والجبالِ والتِّلالِ، وكثرة ما فيها من الحيوان والنَّبات والمعادن. وأما البَحْرُ وإحاطة العَقْلِ بأحواله أقَلُّ إلاَّ أن الحِسَّ يَدُلُّ على أن عجائب البحار في الجملة أكُثَرُ، وطولها وعرضها أعْظَمُ، وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب. فإذا اسْتَحْضَرَ الخَيَالُ صُورَةَ البر والبحر على هذه الوجوه، ثم عرف أن مجموعها قِسْمٌ حقير من الأقسام الدَّاخلة تحت قوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} فيصير هذا المِثَالُ المَحْسُوسُ مقوِّياً ومكملاً لِلْعَظَمةِ الحاصلة تحت قوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} وكذلك قوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} لأن العقل يِسْتَحْضِرُ جميع ما على وَجْهِ الأرض من المُدُنِ والقُرَى والمفاوِزِ والجبالِ والتِّلال، ثم يستحضر كَمْ فيها من النَّجْمِ والشجر، ثم يستحضر أنه لا يتغير حال ورقةٍ إلاَّ والحقُّ - سبحانه - يعلمها، ثم يتجاوز من هذا المثالِ إلى مثالٍ آخر أشد منه هَيْئَةً، وهو قوله: {وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ} وذلك لأن الحَبَّةَ تكون في غاية الصِّغَرِ، و"ظلمات الأرض" مَوْضِعٌ يخفي أكبر الأجسام وأعظمها، فإذا سمع أن تلك الحبَّة الصغيرة المُلْقَاةَ في ظلمات الأرض على اتِّساعها وعظمها لا تخرج من علم الله ألْبَتَّةَ صارت هذه الأمثال مُنَبِّهَة على عظمِ عَظَمَتِهِ مقوية للمعنى المُشَارِ إليه بقوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} ثم إنه - تعالى - لما قَوَّى ذلك الأمر المعقول المَحْضَ المجرد بذكر هذه الجُزْئِيَّاتِ المحسوسات عاد إلى ذِكْر تلك القضية المَحْضَةِ بعبارة أخرى، فقال: {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِس إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} وهو عَيْنُ المذكور في قوله:{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ}. قوله: "مِنْ وَرَقَةٍ" فاعل "تسقط"، و"من" زائدة لاسْتِغْرَاقِ الجنس. وقوله: "إلاَّ يَعْلَمُهَا" حالٌ من "ورقة"، وجاءت الحال من النكرة لاعتمادها على النَّفْي، والتقدير: وما تسقط من ورقة إلا عالم هو بها، كقولك: ما أكرمت أحداً إلا صالحاً. قال شهاب الدِّين: ويجوز عندي أن تكون الجُمْلَةُ نعتاً لـ "ورقة" وإذا كانوا أجَازُوا في قوله: {أية : إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الحجر:4] أن تكون نَعْتاً لـ "قرية" في قوله: {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الحجر:4] مع كونها بالواو ويعتذرون عن زيادة "الواو" فَبِأنْ يجيزوا ذلك هنا أوْلَى. وحينئذ فيجوز أن تكون في موضع جرِّ على اللفظ، أو رفع على المَحَلّ، [والمعنى: يريد ساقطة أو نَائِيَة أي: يعلم عدد ما يسقط من ورقِ الشجر، وما يبقى عليه. وقيل: يعلم كم انقلبت ظَهراً لبطنٍ إلى أن سقطتْ على الأرض]. قوله: "ولا حَبَّةٍ" عطف على لفط "وَرقة"، ولو قرئ بالرفع لَكانَ على الموضع والمراد: الحب المعروف في بطُونِ الأرض. وقيل: تحت الصَّخْرَةِ في أسفل الأرضين و"في ظلمات" صِفَةٌ لـ "حَبّة". قوله: {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِس} مَعْطُوفانِ أيضاً على لَفْظ "ورقة"، وقرأهما ابن السَّمَيْفَعِ، والحسن، وابن أبي إسْحَاق بالرفع على المَحَلِّ، وهذا هو الظاهر ويجوز أن يكونا مبتدأين، والخبر قوله: {إلاَّ في كتابٍ مُبينٍ}. ونقل الزمخشري أن الرَّفْعَ في الثلاثة أعني قوله "ولا حبَّةٍ ولا رطبٍ ولا يابسٍ" وذكر وَجْهَيِ الرفع المتقدمين، ونظر الوجه الثاني بقولك: لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار. قال ابن عبَّاس: المراد بـ "الرطب" الماء، و"اليابس" البادية. وقال عطاء: يريد ما نَبَتَ وما لا يَنْبُتُ. وقيل: ولا حَيّ ولا مَوَات. وقيل:هو عبارة عن كل شيء. قوله: {إلاَّ فِي كتابِ مُبين} في هذه الاسْتِثْنَاءِ غُمُوضٌ، فقال الزمخشري: وقوله {إلاَّ في كتابٍ مُبينٍ} كالتكرار لقوله: {إلاَّ يَعْلَمُهَا} لأن معنى {إلاَّ يَعْلَمُهَا} ومعنى {إلاَّ في كتابٍ مُبينٍ} واحد. و"الكتاب" علم الله، أو اللَّوْحُ، وأبرزه أبو حيَّان في عبارة قريبة من هذه فقال: "وهذا الاسْتِثْنَاءُ جارٍ مُجْرَى التوكيد، لأن قوله "ولا حبَّةٍ" "ولا رطب" "ولا يابس" معطوف على "مِنْ ورقَةٍ"، والاسْتِثْنَاءُ الأول مُنْسَحِبٌ عليها، كما تقول: ما جاءني من رجل إلا أكرمته، ولا امرأة، فالمعنى إلاَّ أكرمتها، ولكنه لما طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيلِ التوكيد، وحسَّنه كونه فاصلة" انتهى. وجعل صاحب "النظم" الكلام تامَّا عند قوله: "وَلاَ يَابِسٍ"، ثم اسْتَأنَفَ خبراً آخر بقوله: {إلاَّ في كتابٍ مُبين} بمعنى: وهو في كتاب مُبين أيضاً، قال: لأنك لو جعلت قوله: {إلاَّ فِي كتابٍ مُبينٍ} مُتصلاً بالكلام الأوَّلِ لفسد المعنى، وبيان فساده في فَصْلٍ طويل مذكور في سورة "يونس" في قوله: {أية : وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يونس:61]. قال شهابُ الدِّين: إنما كان فاسد المعنى من حيث اعتقد أنه اسْتِثْنَاءٌ آخر مستقل، وسيأتي كيف فَسَادُهُ. أمَّا لو [جعله] اسْتِثْنَاءً مؤكّداً للأول، كما قاله الزمخشري لم يَفْسُدِ المعنى. وكيف يُتَصَوَّرُ تمام الكلام على قوله تعالى: "ولا يَابِسٍ" ويبتدأ بـ "إلاَّ"، وكيف تقع "إلاَّ" هكذا؟ وقد نَحَا أبو البقاء لشيء مما قاله الجُرْجَانِيُّ، فقال: {إلاَّ فِي كتابٍ مبينٍ} أي: إلاَّ هو في كتابٍ مُبين، ولا يجوز أن يكون اسْتِثْنَاء يعمل فيه "يعلمها"؛ لأن المعنى يصير: ومَا تَسْقُطُ من ورقة إلاَّ يعلمها إلاَّ في كتاب, فَيَنْقَلِبُ معناه إلى الإثباتِ, أي: لا يعلمها في كتاب, وإذا لم يكُنْ إلاَّ في كتاب، وجب أن يعلمها في الكتاب، فإذن يكون الاسْتِثْنَاءُ الثاني بدلاً من الأوَّلِ، أي: "وما تَسْقُطُ من ورقةٍ إلاَّ هي في كتاب، وما يعلمها إلاَّ هُوَ" انتهى. وجَوَابُهُ ما تقدَّم من جَعْلِ الاستثناء تأكيداً، وسيأتي تقريه إن شاء الله - تعالى - في سورة "يونس". فصل في المراد بالكتاب في الكتاب المُبينِ قَوْلان: الأول: هو عِلْمُ الله - تعالى - وهو الأصْوَبُ. وقال الزَّجَّاج: يجوز أن يكون الله - تعالى - أثْبَتَ كَيْفِيَّةَ المعلومات في كتاب من قبل أن يَخْلُقَ الخَلْقِ، كما قال: {أية : مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} تفسير : [الحديد:22]. وقائدة هذا الكتاب أمور: أحدها: أنه - تعالى - إنما كتب هذه الأحْوَالَ في اللَّوْحِ المحفوظ لِتَقفَ الملائِكَةُ على إنْفَاذِ عِلْم اللَّهِ في المعلومات، وأنه لا يغيب عنه مما في السموات والأرض شيء، فيكون في ذلك عِبْرَة تامة كاملة للملائكة الموكَّلين باللَّوحِ المحفوظ؛ لأنهم يقابلون به ما يحدث في هذا العالم فيجدونه مُوَافقاً له. وثانيهما: يجوز أن يقال: إنه - تعالى - ذكر الوَرَقَةَ والحبَّة تَنْبِيهاً للمُكَلَّفينَ على أمْرِ الحِسَابِ وإعْلاماً بأنه لا يفُوتُهُ من كل ما يصنعون في الدنيا شيء؛ لأنه إذا كان لا يُهْمِلُ من الأحوال التي لَيْسَ فيها ثوابٌ وعقاب وتكليف، فَبِأنْ لا يهمل الأحْوالَ المشتملة على الثواب والعقاب أولى. وثالثها: أنه - تعالى - لمَّا أثْبَتَ أحْوالَ جميع الموجودات في ذلك على التفصيل التام، امتنع أيضاً تَغَيُّرُهَا، وإلاَّ لزم الكذب، فيصير [كَتْبُهُ] جملة الأحوال في ذلك الكتاب مُوجباً تامّاً [وَسَبَباً كاملاً]، في أنه يمتنع تَقدُّمُ ما تأخَّرن وتأخُّرُ ما تقدَّمَ، كما قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : جَفَّ القَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلى يَوْمِ القِيَامةِ" تفسير : والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وعنده مفاتح الغيب} قال: يقول خزائن الغيب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وعنده مفاتح الغيب} قال: هن خمس {إن الله عنده علم الساعة: وينزل الغيث} إلى قوله {عليم خبير}. وأخرج أحمد والبخاري ومحشيش بن أصرم في الاستقامة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله تبارك وتعالى " . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن مسعود قال: اعطى نبيكم كل شيء إلا مفاتيح الغيب الخمس، ثم قال {أية : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث}تفسير : [لقمان: 34] إلى آخر الآية . وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في قوله {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} قال: هو قوله عز وجل {أية : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث}تفسير : [لقمان: 34] إلى آخر الآية. قوله تعالى {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} أخرج مسدد في مسنده وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} قال: ما من شجرة على ساق إلا موكل بها ملك يعلم ما يسقط منها حين يحصيه، ثم يرفع علمه وهو أعلم منه . وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن جحاده في قوله {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} قال: لله تبارك وتعالى شجرة تحت العرش ليس مخلوق إلا له فيها ورقة، فإذا سقطت ورقته خرجت روحه من جسده، فذلك قوله {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها}. وأخرج الخطيب في تاريخه بسند ضعيف عن ابن عمر " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من زرع على الأرض، ولا ثمار على أشجار إلا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم هذا رزق فلان بن فلانتفسير : ، وذلك قوله تعالى {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} . قوله تعال {ولا حبة في ظلمات الأرض} أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: إن تحت الأرض الثالثة وفوق الأرض الرابعة من الجن ما لو أنهم ظهروا لكم لم تروا معه نوراً، على كل زاوية من زواياه خاتم من خواتم الله، على كل خاتم ملك من الملائكة، يبعث الله إليه في كل يوم ملكاً من عنده أن احتفظ بما عندك . قوله تعالى {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن الحارث قال: ما في الأرض من شجرة صغيرة ولا كبيرة، ولا كمغر زابرة رطبة ولا يابسة إلا عليها ملك موكل بها يأتي الله بعلمها، رطوبتها إذا رطبت، ويبسها إذا يبست كل يوم، قال الأعمش: وهذا في الكتاب {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين}. وأخرج أبو الشيخ عن كعب قال: ما من شجرة ولا موضع ابرة إلا وملك وكل بها يرفع علم ذلك إلى الله تعالى، فإن ملائكة السماء أكثر من عدد التراب. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس. أنه تلا هذه الآية {ولا رطب ولا يابس} فقال ابن عباس: الرطب واليابس من كل شيء. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: خلق الله النور وهي الدواة، وخلق الألواح فكتب فيها أمر الدنيا حتى تنقضي ما كان من خلق مخلوق أو رزق حلال أو حرام، أو عمل برِّ أو فجور، ثم قرأ هذه الآية {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} ثم وكل بالكتاب حفظة، ووكل بخلقه حفظة، فتنسخ حفظة الخلق من الذكر ما كنتم تعملون في كل يوم وليلة، فيجري الخلق على ما وكل به، مقسوم على من وكل به، فلا يغادر أحداً منهم فيجرون على ما في أيديهم مما في الكتاب، فلا يغادر منه شيء قبل ما كنا نراه إلا كتب عملنا قال: ألستم بعرب؟ هل تكون نسخة إلا من شيء قد فرغ منه؟ ثم قرأ هذه الآية {أية : انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}تفسير : [الجاثية: 29] . أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي عمران الجوني في قوله {قل إني على بينة من ربي} قال: على ثقة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: في قراءة عبد الله {يقضي الحق وهو أسرع الفاصلين}. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأصمعي قال: قرأ أبو عمرو {ويقضي الحق} وقال: لا يكون الفصل إلا بعد القضاء. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حسن بن صالح بن حي عن مغيرة عن إبراهيم النخعي أنه قرأ {يقضي الحق وهو خير الفاصلين} قال ابن حي: لا يكون الفصل إلا مع القضاء.
ابو السعود
تفسير : {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} بـيانٌ لاختصاص المقدوراتِ الغيبـية به تعالى من حيثُ العلمُ إثرَ بـيانِ اختصاصِ كلِّها به تعالى من حيثُ القدرةُ، والمفاتحُ إما جمعُ مفتَح بفتح الميم وهو المخزَن فهو مستعارٌ لمكان الغيب كأنها مخازِنُ خُزِنت فيها الأمورُ الغيبـيةُ يُغلق عليها ويُفْتَح، وإما جمعُ مفتِح بكسرها، وهو المفتاح، ويؤيده قراءةُ مَنْ قرأ (مفاتيحُ الغيب) فهو مستعارٌ لما يُتوصَّلُ به إلى تلك الأمورِ بناءً على الاستعارة الأولى، أي عنده تعالى خاصةُ خزائنِ غُيوبِه أو يُتوصَّلُ به إليها، وقولُه عز وجل: {لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} تأكيدٌ لمضمونِ ما قبله، وإيذانٌ بأن المرادَ هو الاختصاصُ من حيث العلمُ لا من حيث القدرةُ، والمعنى أن ما تستعجلونه من العذاب ليس مقدوراً لي حتى أُلزِمَكم بتعجيله، ولا معلوماً لديّ لأُخبرَكم وقتَ نزولِه، بل هو مما يَختصُّ به تعالى قدرةً وعلماً فيُنزلُه حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحِكَم والمصالِه، وقولُه تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} بـيان لتعلّق علمِه تعالى بالمشاهَدات إثرَ بـيان تعلُّقِه بالمغيَّباتِ تكملةً له وتنبـيهاً على أن الكلَّ بالنسبة إلى علمِه المحيطِ سواءٌ في الجَلاءِ، أي يعلم ما فيهما من الموجودات مُفصّلةً على اختلاف أجناسِها وأنواعِها وتكثُّرِ أفرادِها، وقولُه تعالى: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} بـيانٌ لتعلُّقه بأحوالها المتغيَّرةِ بعد بـيانِ تعلقِه بذواتها، فإن تخصيصَ حالِ السقوطِ بالذكر ليس إلا بطريق الاكتفاءِ بذكرها عن ذكر سائر الأحوال، كما أن ذكرَ حالِ الورقةِ وما عُطفَ عليها خاصةً دون أحوالِ سائرِ ما فيهما من فنونِ الموجودات الفائتة للحصر باعتبارِ أنها أُنموذَجٌ لأحوال سائرِها، وقولُه تعالى: {وَلاَ حَبَّةٍ} عطفٌ على (ورقةٍ) وقولُه تعالى: {فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ} متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لحبة مفيدةٌ لكمال نفوذِ علمِه تعالى أي ولا حبةٍ كائنةٍ في بطونِ الأرض إلا يعلمها، وكذا قولُه تعالى: {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} معطوفان عليها داخلان في حُكمها وقولُه تعالى: {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} بدلٌ من الاستثناءِ الأول بدلَ الكلِّ [من الكل] على أن الكتابَ المُبِـينَ عبارةٌ عن علمه تعالى أو بدلَ الاشتمالِ على أنه عبارةٌ عن اللوحِ المحفوظ، وقرىء الأخيران بالرفع عطفاً على محلِّ (من ورقة) وقيل: رفعُهما بالابتداء والخبرُ (إلا في كتاب مبـين) وهو الأنسبُ بالمقام لشمول الرطبِ واليابس حينئذ لِما ليس من شأنه السقوطُ، وقد نُقل قراءةُ الرفعِ في (ولا حبةٌ) أيضاً. {وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ} أي يُنيمُكم فيه على استعارة التوفِّي من الإماتة للإنامة لما بـين الموتِ والنومِ من المشاركة في زوال الإحساس والتميـيز، وأصله قبضُ الشيء بتمامه {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} أي ما كَسَبتم فيه والمرادُ بالليل والنهار الجنسُ المتحققُ في كل فردٍ من أفرادهما، إذْ بالتوفي والبعثِ الموجودَين فيها يتحققُ قضاءُ الأجلِ المسمَّى المترتبِ عليها لا في بعضِها، والمرادُ بعلمه تعالى ذلك علمُه قبل الجَرْحِ كما يلوحُ به تقديمُ ذكره على البعث أي يعلم ما تجرَحون بالنهار، وصيغةُ الماضي للدلالة على التحقّق، وتخصيصُ التوفي بالليل والجَرْحِ بالنهار مع تحقّق كلَ منهما فيما خُصَّ بالآخر للجَرْي على سَنن العادة {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أي يوقظكم في النهار، عطفٌ على يتوفاكم، وتوسيطُ قوله تعالى: {وَيَعْلَمَ} الخ، بـينهما لبـيان ما في بعثهم من عظيمِ الإحسانِ إليهم بالتنبـيه على أن ما يكتسبونه من السيئات مع كونها موجبةً لإبقائهم على التوفّي بل لإهلاكهم بالمرة يُفيض عليهم الحياة ويُمهلُهم كما ينبىء عنه كلمةُ التراخي، كأنه قيل: هو الذي يتوفاكم في جنس الليالي ثم يبعثكم في جنس النهار مع علمه بما ستجرَحون فيها {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مّسَمًّى} معيَّنٌ لكل فردٍ فردٌ بحيث لا يكاد يتخطىٰ أحدٌ ما عُيِّن له طرفةَ عينٍ {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} أي رجوعُكم بالموت لا إلى غيره أصلاً {ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} بالمجازاة بأعمالكم التي كنتم تعملونها في تلك الليالي والأيامِ، وقيل: الخطابُ مخصوصٌ بالكفرة، والمعنى أنكم مُلقَوْن كالجيف بالليل كاسبون للآثام بالنهار، وأنه تعالى مطّلعٌ على أعمالكم يبعثكم الله من القبور في شأن ما قطعتم به أعمارَكم من النوم بالليل وكسْبِ الآثامِ بالنهار ليُقضىٰ الأجلُ الذي سماه وضَرَبه لبعث الموتى وجزائِهم على أعمالهم. وفيه ما لا يخفى من التكلّف والإخلالِ، لإفضائه إلى كون البعث معلَّلاً بقضاء الأجلِ المضروب له.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} [الآية: 59]. قال الجريرى: لا يعلمها إلا هو ومن يطلعه عليها من صفى وخليل وحبيب وولى. قال ابن عطاء فى هذه الآية: يفتح لأهل الخير المحبة والرحمة، ولأهل الشر الفتنة والمهانة، ولأهل الولاية الكرامات، ولأهل السرائر السر، ولأهل التمكين جذبًا. وقال ابن عطاء: الفتح فى القلوب الهداية وفى الهموم الرعاية وفى الجوارح السياسة. وقال أيضًا: يفتح للأنبياء المكاشفات وللأولياء المعاينات وللصالحين الطاعات وللعامة الهداية. وقال أبو سعيد الخراز فى هذه الآية: أبدأ ذلك لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم ففتح عليه أولاً أسباب التأديب، أدبه بالأمر والنهى، ثم فتح عليه أسباب التهذيب وهى المشيئة والقدرة، ثم فتح عليه أسباب التذويب وهو قوله { أية : لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } تفسير : [آل عمران: 128] ثم أسباب التغييب وهو قوله: { أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } تفسير : [المزمل: 8] فهذه مفاتيح الغيب التى فتحها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم. وقال جعفر فى قوله {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} قال: يفتح من القلوب الهداية ومن الهموم الرعاية ومن اللسان الرواية ومن الجوارح السياسة والدلالة. وقال بعضهم: يفتح لأهل الولاية ولاية وكرامة، ولأهل السر سر أبعد سر، ولأهل التمكين جذبًا وتقريبًا، ولأهل الإهانة بعدًا وتصريفًا، ولأهل السخط حجبًا وتبعيدًا. قوله تعالى: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} [الآية: 59]. قال الواسطى رحمة الله عليه: متى يعلمها؟ حين لا متى! أقبل نضرتها وخضرتها ودهائها حتى لا يوجد منها شىء فما ستر من صفاته وما ظهر واحد، إذا كان ذلك على قدر الكون، إنما نتكلم بأقدارنا ونشير بأخطارنا، ولو كان بقدره كان الهلاك. قوله تعالى: {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}. فالاضطراب أن تقدم ما أخر أو تؤخر ما قدَّم، منازعة لربوبيته وخروجًا عن عبوديته. وقال فى قوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} قال: هى فى الأصل لا وزن لها لأنها اخضرت ثم اصفرت ثم يبست ومرت، إنها الإشارة إليها لطفًا، لأن ما دونها فى القلة، وما فوقها فى الرتبة، بمنزلة لا زيادة فى وجودها، ولا نقصان فى فقدها. وقال بعضهم: من مفاتيح غيبه ما قذف فى قلبك من نور معرفته، وبسط فيه بساط الرضا بقضائه وجعله موضع نظره.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} غيبة ذاته القدمى وهو خزائن اسرار والا بادر ومفاتيحها صفاته الازلية لا يعلم صفاته وذاته بالحقيقة الا هو تعالى بنفسه فتمنى الغير عن البين حيث ولا بين فمن اشارة الا حدية المفتاح والخزانة واحد لانه متفرد بصفاته وذاته عن الجمع والتفرقة قال الله تعالى ان اله عنده علم الساعة الأية قال علمه مفاتيحهم الغيب خزائن الغيب وايضا مفاتيح الغيب عند انوار عناية الازلية التى سبقت منه بنعت الكرم والفضل لانبيائه واوليائه وملائكته وغيبة ذاته وصفاته تعالى لانه كنزهم القديم الباقى الا ترى الى قوله كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فيفتح بلطفه بتلك الانوار الازلية التى سماها المفاتيخ لهم ابواب خزائن صفاته وذاته ليعرفوا كنز القدم بانوار القدم وهو تعالى يظهر مكنون اسراره من ذاته وصفاته لهم وهم يستخرجون من بحار الذات والصفات جواهر علومه الازلية والابدية ليضوحوا بانوارها طرق العبودية لعباده ويبينوا مدارك المعاملات ومراقى الحالات لهم وقوله لا يعلمها الا هو اى لا يعلم الاولون والأخرون قبل اظهاره تعالى ذلك لهم ولا يعلم حقائق اقدارها الا هو لانه تعالى عرف بالحقيقة لا غير وايضا لا يعرف طريق وجدانها والوسيلة اليها الا هو هو بذاته تعالى عرفه طرقها لاهلها قال تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبة احدا الا من ارتضى من رسول ايضا له مفاتح لغيبة ومن تلك المفاتيح التى تعطى قاصديه وطالبية فى بدوشانهم ما داموا صادقين هى المعاملات السنية المقامات الشريفة التى يستفتح بها لهم خزائن الملكوت والجبروت ويستخرج منها انوار المحبة والشوق والعشق والمعرفة ودرجاتها والتوحيد ومكاشفاته وعلومه فيصلون بها الى وصاله الابدى وقربه الجلالى وايض له مفاتيح اللطفيات والقهريات يفتح بها ابواب انوار المعرفة للاولياء ويفتح بها ابواب ظلمات الطبيعة للاعداء وايضا عنده مفاتيح غيب الدرجات يفتح للقلوب خزائن المشاهدات وللارواح خزائن المكاشفات وللعقول خزائن المعارف وللاسرار خزائن علوم الذات والصفات وللاشباح وللارواح خزائن االمعاملات يفتح للانبياء بها خزائن المعجزات ويفتح للاولياء خزائن الكرامات ويفتح للمريدين خزائن الفراسات قال الجريرى لا يعلمها الى هو من يطلعه عليها من صفى وخليل وحبيب وولى وقال ابن عطا هذه الأية يفتح لاهل الخير المحبة والرحمة ولا هل الشر الفتنة والمهانة والاهل الولاية الكرامة ولاهل السرائر السر ولاهل التمكين جذبا وقال ابن عطا الفتح فى القلوب الهداية وفى الهموم الرعاية وفى الجوارح السيارة وقال ايضا يفتح للانبياء المكاشفات وللاولياء المعائنات وللصالحين الطاعات وللعامة الهدايات وقال ابو عسيد الخراز فى هذه الاية ابدا ذلك لنبيه وحبيبه فتح عليه اولا اسباب التاديب ادبه الامر والنهى ثم فتح عليه اسباب التهذيب وهو المشية والقدرة ثم اسباب التذويب وهو قوله ليس لك من الامر شئ اسباب التعذيب وهو قوله تبتل اليه تبتيلا فهذه مفاتح التى فتحها لنبيه صلى الله عليه وقال جعفر عليه السلام يفتح من القلوب الهداية ومن الهموم الرعاية ومن اللسان الرواية ومن الجوارح السياسة والدلالة قوله تعالى {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} يعلم عجائب بحر غيب لطفه الازلى للانبياء والاولياء ويعلم عجائب بحر غيب قهره للاعداء وايضا يعلم ما فى بحار الغيوب وبرارى القلوب وايضا يعلم ما فى بحار القلوب من عجائب الحكم وجواهر الكرم واصف المعارف والطاف الكواشف ويعلم ما فى برارى النفوس وبناتها من الوان الشهوات قوله تعالى {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ} لا تسقط ورقة من اوراق اشجار الغيوب الى فضاء القلوب من سطوة صرصر رياح القهر واللطف التى هى حكمة من حكم علوم الازلى الابدى وايضا ما يسقط ورقة من اوراق تجلى الجمال والجلال من شجر القدم على قلوب المحبين والمشتاقين والعارفين الا بعلمه على خاصتيهم واصطفايتهم بذلك ولا يكون حبة المحبة فى غيوبات قلوب المحبين الا هو تعالى يربيها بمياه لطفه فرعها فى سماء اليقين قال تعالى اصلها ثابت وفرعها فى السماء اخبر سبحانه باحاطة علمه على كل ذرة من العرش الى الثرى وعن شمول انوار سلطان كبريائه بنعت على جميع الحدثان ظاهراو باطنا لا يغرب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الارض وهدد به العباد ليفرغوا منه اليه عند كل خاطر يخطر على قلوبهم يشير الى غيره فانه يعلم السر واخفى وبين ان جميع المقدروات من العرش الى الثرى فى كونيتها من العدم الى الوجود ومن الوجود الى العدم يكون بسابق مشيئته الازلية ورادته القديمة وان جميعها مكتوب على الواح الصمدية باقلام اقداره الغربة محفوظة من تغير الحدثان فى تلون الزمان والمكان وصحة ذلك قوله تعالى {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} رطوبتها من اثر نسي شمال ربيع لطف مشاهدته وخضرتها من تصارة ظهور عرائس قدرته وصفرتها من تاثير رياح خريف قهره وسقوطها من حدة صولة نظر عظمته وبدوها خضوعا لربوبيته وزوالها من تقديس جلاله عن علة الكون والوجود والعدم قال الواسطى فى قوله ما تسقط من ورقة الا يعلمها متى علمها حين لامتى قيل نصرتها وحضرتها وذهابها حتى لا توجد مها شئ فما ستر من صفاته وما اظهروا حدا ذلك على قدر الكون انما يتكلم باقدرانا ويشير باخطارنا ولو كان قدره كان الهلاك وقيل فى قوله ولا رطب ولا يابس فالاضطرار فى ان تقدم ما اخروا توخر ما قدم منازعة لربوبيته وخروجا عن عبديته قال ابو سعيد القرشى فى هذه الأية من دابة الا ولها ورقة خضراء معلقة من تحت العرش فاذا ايبس الورقة وقعت بين يدى ملك الموت مكتوب عليه اسمه واسم ابيه يعلم ملك الموت قد امر به بقبض روحه فقبض روحه وفى الحديث المروى عن النبى صلى الله عليه وأله وسلم قال ما من زرع على الارض ولا ثمار على الاشجار الا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم هذا رزق فلان بن فلان وذلك قوله فى محكم كتابه وما تسقط من ورقة الا يعلمها الأية.
اسماعيل حقي
تفسير : {وعنده} اى الله تعالى خاصة {مفاتح الغيب} اى خزائن غيوبه. جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن والكنز والاضافة من قبيل لجين الماء وهو المناسب للمقام كما فى حواشى سعدى جلبى المفتى ويجوز ان يكون جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح اى آلة الفتح فالمعنى ما يتوصل به التخييل ولما كان عنده تلك المفاتح كان المتوصل الى ما فى الخزائن من المغيبات هو لا غير كما فى حواشى ابن الشيخ {لا يعلمها الا هو} تأكيد لمضمون ما قبله. قال فى تفسير الجلالين وهى الخمسة التى فى قوله تعالى {أية : إن الله عنده علم الساعة} تفسير : [لقمان: 34] الآية. روى البخارى قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : مفاتح الغيب خمس لا يعلمها الا الله لا يعلم ما فى الارحام الا الله ولا يعلم ما فى غد الا الله ولا يعلم متى يأتى المطر الا الله ولا يدرى بأى ارض تموت النفس الا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة الا الله" تفسير : {ويعلم ما فى البر والبحر} من الموجودات مفصلة على اختلاف اجناسها وانواعها وتكثير افرادها وهو بيان لتعلق علمه تعالى بالمشاهدات اثر بيان تعلقه بالمغيبات تكملة له وتنبيها عن ان الكل بالنسبة الى علمه المحيط سواء فى الجلاء {وما تسقط من} زائدة {ورقة الا يعلمها} يريد ساقطة وثابتة يعنى يعلم عدد ما يسقط من ورق الشجر وما يبقى عليه وهى مبالغة فى احاطة علمه بالجزئيات {ولا حبة} عطف على ورقة وهى بالفارسية [دانه] {فى ظلمات الأرض} اى كائنة فى بطونها. قال الكاشفى [مراد تخميست كه در زمين افتد] {ولا رطب} عطف على ورقة ايضا وهو بالفارسية [ثر] {ولا يابس} بالفارسية [خشك] اى ما يسقط من شئ من هذه الاشياء الا يعلمه. قال الحدادى الرطب واليابس عبارة عن جميع الاشياء التى تكون فى السموات وفى الارض لانها لا تخلو من احدى هاتين الصفتين انتهى فيختصان بالجسمانيات اذا الرطوبة واليوبسة من اوصاف الجسمانيات {إلا فى كتاب مبين} هو اللوح المحفوظ فهو بدل اشتمال من الاستثناء الاول او هو علمه تعالى فهو بدل منه بدل الكل. وقرئ ولا رطب ولا يابس بالرفع على الابتداء والخبر الا فى كتاب وهو الانسب بالمقام لشمول الرطب واليابس حينئذ لما ليس من شأنه السقوط. قال الحدادى فان قيل ما الفائدة فى كون ذلك فى اللوح مع ان الله تعالى لا يخفى عليه شئ وان كان عالما بذلك قبل ان يخلقه وقبل ان يكتبه لم يكتبها ليحفظها ويدرسها قيل فائدته ان الحوادث اذا حدثت موافقة للمكتوب ازدادت الملائكة بذلك علما ويقينا بعظيم صفات الله تعالى يقول الفقير ان الملائكة ليست من اهل الترقى والتنزل فقصر الفائدة على ذلك مما لا معنى له بل نقول ان اللوح قلب هذا التعين كقلب الانسان قد انتقش فيه ما كان وما سيكون وهو من مراتب التنزلات فقد ضبط الله فيه جميع المقدورات الكونية لفوائد ترجع الى العباد يعرفها العلماء بالله: قال الحافظ شعر : معرفت نيست درين قوم خدايا سببى تابرم كوهر خودرا بخريدار ديكر تفسير : والاشارة فى الآية ان الله تعالى جعل لكل شئ من المكونات شهادة تناسب ذلك الشئ وغيبا مناسبا له وجعل لغيب كل مفتاحا يفتح به باب غيب ذلك الشئ وشهادته فينفعل ذلك الشئ كما اراده الله فى الازل وقدره {وعنده مفاتح} ذلك {الغيب لا يعلمها الا هو} لانه لا خالق الا هو ليس لنبي ولا لولى مدخل فى علم هذه المفاتح ولا فى استعمالها لانه مختص بالخالق فقط وسأضرب لك مثلا تدرك به هذه الحقيقة وذلك مثل نقاش للصورة فان لكل صورة مما ينقشه شهادة هى هيئتها وغيبا هو علم التصوير ومفتاحا يفتح به باب علم التصوير على هيئة الصورة لتنفعل الصورة كما هى ثابتة فى ذهن النقاش هو القلم والقلم بيد النقاش لا مدخل لتصرف غيره فيه فالله تعالى هو النقاش المصور والصور هى المكونات المختلفة الغيبية والشهادية وشهادة كل صورة منها خلقتها وتكوينها وقلم تصويرها الذى هو مفتاح يفتح به باب علم تكوينها على صورتها وكونها هو الملكوت فبقلم ملكوت كل شئ يكون كون كل شئ وقلم الملكوت بيد الله تعالى كما قال {أية : فسبحان الذى بيده ملكوت كل شئ وإليه ترجعون} تفسير : [يس: 83]. وكما ان الاشياء مختلفة فالملكوتيات مختلفات وملكوت كل شئ من الجماد والنبات والحيوان والانسان والملك مناسب لصورته ولهذا جمع المفاتح ووحد الغيب وقال {وعنده مفاتح الغيب} لان الغيب هو علم التكوين وهو واحد فى جميع الاشياء وفى الملكوت كثرة كما فى اقلام المصور فافهم جدا {و} بعلم التكوين {يعلم ما فى البر والبحر} لان به كوّن البر وهو عالم الشهادة والصورة والبحر وهو عالم الغيب والملكوت يدل على هذا المعنى قوله لا عالم الغيب والشهادة {و} بهذا العلم {ما تسقط من ورقة الا يعلمها} لانه مكونها ومثبتها ومسقطها {ولا حبة فى ظلمات الارض} اى حبة الروح فى ظلمات صفات ارض النفس وايضا ولا حبة فى ظلمات الارض اى ارض القلب وظلمات صفات البشرية الا وهو ركبها ويعلم كمالها ونقصانها {ولا رطب ولا يابس} الرطب هو الموجود فى الحال واليابس هو المعدوم فى الحال وسيكون موجودا. وايضا الرطب الروحانيات واليابس الجماديات وايضا الرطب المؤمن واليابس الكافر. وايضا الرطب العالم واليابس الجاهل. وايضا الرطب العارف واليابس الزاهد. وايضا الرطب اهل المحبة واليابس اهل السلوة. وايضا الرطب صاحب الشهود واليابس صاحب الوجود. وايضا الرطب الباقى بالله واليابس الباقى بنفسه {الا فى كتاب مبين} وهو ام الكتاب كذا فى التأويلات النجمية قدس سره مؤلفها العزيز الشريف.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {مفَاتِح}: جمعِ مفتح ـ بكسر الميم ـ مقصور، من مفتاح، وهو آلة الفتح، وهو مستعار لما يتوصل به إلى الغيوب، أو يفتحها، وهو المخزن. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وعنده مفاتح الغيب} أي: علم المغيبات، لا يعلمها غيره، إلا من ارتضى من خلقه، أو: عنده خزائن علم الغيوب لا يعلمها غيره، والمراد بها الخمسة التي ذكرها الحق تعالى في سورة لقمان: {أية : إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ }تفسير : [لقمَان:34] الآية؛ لأنها تعم جميع الأشياء، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله، فقد اختص سبحانه بعلم المغيبات {لا يعلمها إلا هو}؛ فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحِكَم، فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته، وفيه دليل على أن الله تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها، وهو أمر ضروري. {ويعلم ما في البر والبحر} من عجائب المصنوعات وضروب المخلوقات؛ على اختلاف أجناسها وأنواعها، حيها وجامدها، فيعلم عددها وصفتها وأماكنها، {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} كيف تسقط، على ظهرها أو بطنها، وما يصل منها إلى الأرض وما يتعلق في الهواء، وهو مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات، كما تعلق بالكليات، {ولا حبة في ظلمات الأرض} من حبوب الثمار وبذور سائر النبات، والرمل، وغير ذلك من دقائق الأشياء وجلائلها، {ولا رطب ولا يابس} من الأشجار والنبات والحيوانات التي فيها الحياة والتي فارقتها، فهي من جنس اليابس، {إلا في كتاب مبين} أي: علم الله القديم، أو اللوح المحفوظ، فعلى الأول، يكون بدلاً من الاستثناء الأول، بدل الكل من الكل، وعلى الثاني: بدل اشتمال. وقرئت بالرفع، على العطف على محل: {من ورقة}، أو على الابتداء، والخبر: {في كتاب مبين}. الإشارة: مفاتح الغيب هي أسرار الذات وأنوار الصفات، أو أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، لا يعلمها إلا هو، فما دام العبد محجوبًا بوجود نفسه، محصورًا في هيكل ذاته، لا يذوق شيئًا من هذه الغيوب، فإذا أراد الحق جل جلاله أن يفتح على عبده شيئًا من هذه الغيوب، غطى وصف عبده بوصفه، ونعته بنعته، فغيَّبه عن وجود نفسه، فصار هو سمعه وبصره وقلبه وروحه، فيعلم تلك الأسرار به، لا بنفسه، فما علم تلك الأسرار غيره، ويحيط بأسرار الأشياء كلها، برها وبحرها؛ لأنه يصير خليفة الله في أرضه. وقال الورتجبي: غَيبُه ذاته القدسية، وهي خزانة أسرار الأزل والأباد، ومفاتحها: صفاتها الأزلية، لا يعلم صفاته وذاته بالحقيقة إلا هو تعالى بنفسه، فَنَفى الغير عن البين، حيث لا حيث ولا بين. انظر تمامه فيه. ومن جملة الغيوب التي إختص الله بها: انقضاء الأجل كما أشار إلى ذلك بفقوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ}.
الطوسي
تفسير : {مفاتح الغيب} معناه الامور التي بها يستدل على الغائب فتعلم حقيقته، يقال: فتحت على الرجل، أي عرفته أولا، ويستدل به على آخر، وجملة يعرف بها التفصيل. ومنه قولهم أفتح عليَّ أي عرفني. قال الزجاج: معناه وعنده الوصلة الى علم الغيب وكل ما لا يعلم اذا استعلم. وروي عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: مفاتح الغيب خمس لا يعلمها الا الله: ان الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما فى الارحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت. ومعنى الآية أن الله تعالى عالم بكل شىء من مبتدءات الامور وعواقبها فهو يعجل ما تعجيله أصلح وأصوب، ويأخر ما تأخيره أصلح واصواب، وأنه الذي يفتح باب العلم لمن يريد إِعلامه شيئا من ذلك من أنبيائه وعباده، لانه لا يعلم الغيب سواه، فلا يتهيأ لاحد ان يعِّلم العباد ذلك، ولا أن يفتح لهم باب العلم به الا الله، وبين أنه يعلم ما في البر والبحر من الحيوان والجماد. وبين أنه ما تسقط من ورقة من شجرة الا يعلمها ولا حبة في جوف الارض وفي ظلماتها الا ويعلمها ولا رطب ولا يابس جميع أصناف الاجسام، لانها أجمع لا تخلو من احدى هاتين الصفتين. وقوله: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} المعنى أنه يعلمها ساقطة وثابتة كما تقول: ما يجيئك من أحد الا وأنا أعرفه، معناه الا وانا أعرف في حال مجيئه. وقوله: {ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس} خبر على تقدير (من). ويجوز الرفع فيها على معنى ولا تسقط ورقة ولا حبة. ويجوز ان يرفعه على الابتداء ويقطعه عن الاول ويكون خبره {إلا في كتاب مبين}. وقوله: {في كتاب مبين} يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون معناه في علم الله مبين. وثانيهما - ان يكون {في كتاب مبين} ان يكون الله تعالي أثبت ذلك في كتاب قبل أن يخلقه، كما قال {ما أصاب من مصيبة في الأرض، ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} ويكون الغرض بذلك اعلام الملائكة أنه علام الغيوب ليدل على أنه عالم بالاشياء قبل كونها. ويجوز ان يكون المراد بذلك أنه كتب جميع ما يكون ثم امتحن الملائكة بكتبه وتعبدهم باحصائه، كما تعبد سائر خلقه بما يشاء مما فيه صلاحهم. وقال البلخي: {في كتاب مبين} أي هو محفوظ غير منسي ولا مغفول كما يقول القائل لصاحبه: ما تصنعه عندي مسطر مكتوب. وانما يريد بذلك أنه حافظ له يريد مكافأته عليه، قال الشاعر: شعر : ان لسلمى عندنا ديوانا تفسير : ويجوز أن يكون المراد بذكر الورقة والحبة والرطب واليابس التوكيد في الزجر عن المعاصى والحث على البَر والتخويف لخلقه بأنه اذا كانت هذه الاشياء التي لا ثواب فيها ولا عقاب عليها محصاة عنده محفوظة مكتوبة، فأعمالكم التي فيها الثواب والعقاب أولى، وهو قول الحسن. وقال مجاهد: البر القفار والبحار كل قرية فيها ماء. وعن أبي عبد الله: الورقة السقط والحبة الولد. وظلمات الارض الارحام والرطب ما يبقى ويحيا واليابس ما تغيض.
الجنابذي
تفسير : {وَعِندَهُ} ابتداء كلام من الله او جزء مفعول القول حالاً كان او عطفاً {مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} جمع مفتح بالفتح بمعنى المخزن او مفتح بالكسر بمعنى المفتاح ولمّا نفى عن نفسه علم الغيب والقدرة على ما يستعجلون به اثبت مخازن الغيب او اسباب العلم به والتّصرّف فيه لله تعالى بطريق الحصر وعلى الاوّل فقوله {لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} يكون تأسيساً وعلى الثّانى يكون تأكيداً، ولمّا حصر علم الغيب فيه تعالى عمّم علمه بجملة المحسوسات الخارجة عن حدّ الاحصاء فقال {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ} من اوراق شجرة الجسم او من اوراق شجرة العلم او من اوراق شجرة الولاية او من اوراق الشّجرة الانسانيّة من النّطف الّتى تقع فى الرّحم ثمّ تسقط قبل ان تستهلّ {إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ} وقد عمّمت الحبّة فى الخبر ويسهل عليك تعميمها {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} اثبات المعلوميّة دون الثّبوت بالنّسبة الى الورقة السّاقطة، ونسبة الثّبوت فى الكتاب الى الاشياء الثّابتة للاشعار بانّ السّاقط ساقط عن الكتاب والثّابت ثابت فى الكتاب، والكتاب المبين هو اللّوح المحفوظ وصورته النّبوّة وصورتها القرآن الّذى اعطاه محمّداً (ص) والكلّ صورة الولاية الّتى اصلها وصاحبها أمير المؤمنين (ع) فعنده علم الكتاب الّذى لا رطب ولا يابس الاّ فيه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} أي خزائن الغيب، لا يعلمها إلا هو، فهو يعلم متى يأتيكم العذاب في تفسير الحسن، وبعضهم يقول: مفاتح الغيب هي قوله: (أية : إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلَيْمٌ خَبِيرٌ)تفسير : [لقمان:34]. ذكروا عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : خمس لا يعلمهنّ إلا الله: {إن الله عنده علم الساعة}... إلى آخر الآية . تفسير : ذكر موسى بن علي عن أبيه قال: كنت عند عمرو بن العاص بالاسكندرية إذ قال رجل: زعم قسطار هذه المدينة أن القمر يُخسَف به الليلة، فقال رجل: كذب هذا، لا ظننت تعلمون ما في الأرض، فكيف تعلمون ما في السماء. فقال عمرو بن العاص: إن الله يقول: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}... إلى آخر الآية، وما سوى ذلك يعلمه قوم ويجهله آخرون. ذكر الحسن قال: "حديث : أضَلَّ رجل من المسلمين راحلته فذهب يطلبها، فلقي رجلاً من المشركين فَنَشَدها إياه، فقال: ألستَ مع هذا الذي يزعم أنه نبيّ؟ قال: أفلا تقول له فيخبرك بمكان راحلتك. فمضى الرجل قليلاً فردّ الله عليه راحلته. فلما جاء إلى النبي أخبره بقول الرجل؛ قال له: فما قلت له؟ فقال: ما عسيت أن أقول لرجل من المشركين مكذِّب. قال: أفلا قلت له: إن الغيب لا يعلمه إلا الله، وإن الشمس لم تطلع قط إلا بزيادة أو نقصان ".تفسير : قوله: {وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فقال: ربّ وما أكتب، قال: ما هو كائن. قال: فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فأعمال العباد تعرض على العباد كل يوم اثنين ويوم خميس فيجدونه على ما في الكتاب. ذكروا أن سورة الأنعام نزلت كلها جملة، شيّعها سبعون ألف ملك. ومع هذه الآية الواحدة منها اثنا عشر ألف ملك: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ}.... إلى آخر الآية.
اطفيش
تفسير : {وعنْدَه مَفاتح الغَيْب} جمع مفتح بكسر الميم وفتح التاء بلا ألف بعدها، وقيل: يجوز أن يكون جمع مفتاح بالألف، قلبت ياء فى الجمع وحذفت تخفيفا وهو خلاف الأصل، وقرئ مفاتيح بالياء جمع مفتاح بالألف، وترك الألف هو الأفصح، والمراد بالمفاتح والمفاتيح ما يفتح به الباب، ومفرداهما أسماء آلة، وقراءة المفاتيح بالياء دلت أن المراد بالمفاتح بلا ياء جمع آلة الفتح، والمعنى أن عنده لا عند غيره أمر المغيبات، يخرجها ويظهرها إذا شاء، لأنه عالم بها، مالك لها، كمن عندهم مفتاح البيت إذا شاء فتحه وأخرج مما فيه، ولكن ليست الآية فى العطاء، بل فى أنه تعالى يعلم الغيب، فتكون تقريراً لقوله: {أية : والله أعلم بالظالمين} تفسير : ولكن تحتمل أن تكون فى العطاء بمعنى أن عنده مفاتح الغيب، إذا شاء أعطى من الغيب، فعنده رزق هؤلاء الضعفاء المسلمين، وسيفيض عليهم المال، شبه الغيب بالخزائن المستوثق منها بالأقفال، ولم يذكر المشبه به فرمز إلى التشبيه بذكر لازمه، وهو آلة الفتح، ويجوز أن يكون المفاتح بلا ياء جمع بفتح الميم والتاء بلا ألف وهو المخزن، قال السدى مفاتح الغيب خزائن الغيب. {لا يعْلَمها إلاَّ هو} قال ابن عباس وابن عمر يرفعان الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إشارة بمفاتح الغيب التى لا يعلمها إلا هو إلى الخمسة التى فى آخر لقمان {أية : إن الله عنده علم الساعة} تفسير : الآية، قال موسى بن على، عن أبيه: كنت عند عمرو بن العاص بالإسكندرية، وقال لهُ رجل: زعم قسطال هذه المدينة أن القمر يكسف به الليلة، وقال رجل: كذب، هذا ما ظننت أنكم تعلمون ما فى الأرض، فكيف تعلمون ما فى السماء، فقال عمرو بن العاص: إن الله يقول: {أية : إن الله عنده علم الساعة} تفسير : الآية، وما سوى هذا يعلمه قوم ويجهله آخرون، وفى رواية عن ابن عباس خزائن غيب السماوات والأرض من الأقدار والأرزاق، وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب خزائن الأرض، وعلم نزول العذاب، وقال عطاء: هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب، وقيل: انقضاء الأجل، وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتم أعمالها، وقيل: هو علم ما لم يكن أيكون أم لا يكون، وعلم ما لا يكون كيف يكون لو كان يكون، قال ابن مسعود رضى الله عنه: أوتى نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شئ إلا مفاتح الغيب، والآية نص فى أن الله تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها. {ويعْلَم ما فى البرِّ والبَحْر} أى يعلم الغيب كما تشاهدون من البر والبحر، وأل فى البر والبحر للاستغراق، والبحر الماء المغرق مطلقاً، والمراد هنا البحر المحيط والبحار الصغار والنيل ودجلة وغيرهما، وعن مجاهد البر المفاوز والقفاز، والبحر القرى والأمصار، ويعلم ما فيها من كلام وأصوات وخواطر قلوب، وكل ما فيها، وما يحدث فيها من أجسام وأعراض، والصحيح الأول وعليه الجمهور. {وما تسقُطُ مِن ورقةٍ إلا يعْلَمها} أى ما تسقط ورقة من شجرتها إلا يعلمها الله نفسها عينها، ويعلم سقوطها، وكم مرة تقلبت فى الهواء حتى وصلت إلى الأرض، وعلى أى جهة وصلت، ويعلم ما بقى فيها كذلك، وكم هو، وهذا نص فى علم جزئى دقيق، وكذا ما بعده فيكون دليلا وبرهاناً على العلم الكلى الإجمالى فى قوله: {وعنده مفاتح الغيب} إلخ وقوله: {ويعلم ما} إلخ، وذكر أولا أنهُ عالم بكل غيب فهو أعلم فى الغيوب، وذكر بعد ما أنه عالم أيضا بما هو فى البر والبحر، وهو مما نشاهد بعضه، ثم ذكر أشياء دقيقة، وجملة يعلمها حال من ورقة ولو نكرة لتقدم المعنى. {ولا حبَّةٍ فى ظُلُمات الأرض ولا رَطْب ولا يابِسٍ} معطوفات على ورقة، أى ولا تسقط من حبة فى ظلمات الأرض، ولا من رطب ولا يابس. {إلا فى كِتابٍ مُبِينٍ} يتعلق بمحذوف وجوباً حال من حبة ورطب ويابس، كقولك: ما جاء زيد إلا راكباً ولا عمرو إلا مسروراً، فهو من العطف على معمولى عامل واحد، لأن من صلة للتأكيد، وإن اعتبرتها صح، وكان عطفا على معمولى عاملين، لكن المعمول الأول المعطوف عليه، والمعمول الأول المعطوف عمل فى كل منهما عاملان. وهما من إذ عملت فى لفظ ورقة ولفظ حبة وتسقط، إذ عمل فى تقدير ورقة وتقدير حبة هذا تحقيق المقام فى ما ظهر لى. ويجوز وجه آخر، هو أن يعتبر قوله: {ولا حبة فى ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس} فى نية التقديم على قوله: {إلا يعلمها} ففى هذا الوجه يعود ضمير النصب فى يعلمها إلى ورقة وحبة ورطب ويابس، لا إلى ورقة فقط كما فى الوجه الأول، فالتقدير: وما تسقط من ورقة ولا حبة فى ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا يعلمها فى كتاب مبين، فيكون قوله: {إلا فى كتاب مبين} بدل كل من قوله: {إلا يعلمها} إن فسرنا الكتاب المبين بعلم الله تعالى، أو بدل اشتمال إن أريد به اللوح المحفوظ، واختيار الفحر أنه علم الله تعالى، وقرئ برفع حبة ورطب ويابس عطفاً على تقدير الرفع فى ورقة، أو هو مبتدأ خبره فى كتاب، وفى هذا الوجه خاصة ليس معنى {ولا حبة} إلخ أن سقوطها ثابت فى كتاب مبين، بل جميع شأن الحبة ما بعدها فى كتاب مبين، ولا شئ أخفى من حبة فى ظلمات الأرض وهى داخل الأرض لصغر الحبة وسعة ظلمات الأرض، ولا يخرج شئ من المخلوقات عن الرطب واليابس، فذلك كله تقدير لقوله: {عنده مفاتح الغيب} و {فى ظلمات الأرض} نعت لحبة، وسمى داخل الأرض ظلمة مع أنه لا هواء فى الأرض، بل جسم منضم، لأن داخل الجسم غير الأجوف، ظلمة، لأنه لا نور فيه، ولأنه لو كان أجوف لكانت فيه ظلمة. والظاهر أن المراد إما حبة ما يزرع لو كانت فى داخل الأرض وعمقها، وإما حبة تراب، وقيل: المراد الحبة التى ألقيت فى الأرض قبل أن تنبت، وقيل: الحبة التى فى الصخرة أسفل الأرضين، وأما الرطب واليابس فعلى العموم السابق. وقال ابن عباس: الرطب الماء، واليابس البادية، وقال عطاء: الرطب واليابس ما ينبت وما لا ينبت، وقيل: الحى والميت، وعن جعفر ابن محمد: الورقة السقط من أولاد بنى آدم، والحبة التى ليست بسقط، الرطب الحى، واليابس الميت، قيل لا يصح، هذا جار على الرموز لا يصح عنه، ولا ينبغى أن يلتفت إليه، ويجوز أن يكون ذكر الورقة والحبة تنبيهاً للملكين على أمر الحساب. قال عبد الله بن الحارث: ما فى الأرض شجرة ولا مغرز إبرة إلا عليها ملك موكل يأت الله بعلمها، بيبسها إذا يبست، ورطبها إذا رطبت، وقيل: المعنى فى كتبها أن هذا ليس فيه ثواب ولا عقاب، وهو مع ذلك مكتوب فكيف ما فيه ثواب أو عقاب، قال الشيخ هود رحمه الله: ذكروا أن سورة الأنعام نزلت جملة، وشيعها سبعون ألف ملك، ومع هذه الآية الواحدة منها اثنا عشر ألف ملك: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} إلى آخر الآية.
اطفيش
تفسير : {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} جمع مفتح بكسر الميم وفتح التاء، أَو مفتاح بالأَلف حذفت فى الجمع كما فى مصابح ومحارب بلا ياء، عكس زيادتها فى صياريف بلا أَلف، اسم آلة فتح الباب استعير للأَمر الذى يتوصل به المخلوق من الأَسباب إِلى الغيب الذى يطلبه، أَى إِلى مطلوبه الغائب، أَو ذى الغيب فيحصل له، أَو ذلك تذكير أَسباب خلقها الله عز وجل فيوفق إِليها المخلوق، وتسمى طرقاً، ولا يقال يتوصل الله إلى المغيبات المحيط علمه بها إِلا على معنى أَنه خالقها. أَو على معنى أَن عنده أَسباباً لإِحضار المغيبات، أَو أَسباباً يعلم بها المخلوق ما غاب كالوحى بأَنواعه والإِلهام والرؤيا ممن اعتاد صدقها، وشبه الغيب بالخزائن المستوثق منها بالأَقفال، ورمز إِلى ذلك بذكر آلات الفتح وإِثباتها تخييل أَو استعارة تمثيلية، أَو جمع مفتح بفتح الميم والتاء مصدراً ميمياً بدون أَلف، وهو قليل، بمعنى أَنه بفتح الغيب على من يشاء من عباده، أَو جمع مفتح بفتح الميم والتاء اسم مكان ميمياً، أَو مواضع الفتح، كما فسره ابن عباس بخزائن المطر، والمفتح المخزن أَو الكنز، أَى خزائن الغيب أَضيفت للغيب لغيوبتها، أَو يراد بها القدرة الكاملة، وقيل: استعير العلم للمفاتح والقرينة الإِضافة للغيب، ومن مفاتح الغيب هذه السورة نزلت بمكة جملة معها سبعون ألف ملك تكاد الأَرض ترتج بصوت تسبيحهم وتحميدهم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: حديث : سبحان ربى العظيم، وخر ساجداًتفسير : . قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأَ سورة الأَنعام صلت عليه أَولئك السبعون أَلف ملك ليله ونهاره، وأَمر بكتابتها"تفسير : . قال ابن عباس: إِلا قوله تعالى "أية : وما قدروا الله حق قدره" تفسير : [الأنعام: 99] الآيات الثلاث، وإِلا قوله تعالى "أية : قل تعالوا أَتل ما حرم"تفسير : [الأنعام: 151] الآيات الثلاث ففى المدينة. وقيل: نزلت مرتين {لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} يعلمها نفسها وأَوقاتها وحكمتها، قال عبد الله ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خمس لا يعلمها إِلا الله تعالى: لا يعلم أَحد ما يكون فى غد إِلا الله تعالى، ولا يعلم أَحد ما يكون فى الأَرحام إِلا الله تعالى ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، ولا تدرى نفس بأَى أرض تموت إِلا الله، ولا يعلم متى الساعة إِلا الله"تفسير : . وقيل: خزائن الأَرض،و علم نزول العذاب، وقيل: الثواب والعقاب. وقيل: انقضاء الآجال والسعادة والشقاوة وخواتم الأَعمال، وقيل: الأَقدار والأَرزاق. وعن ابن عباس: مفاتح الغيب خمس وتلا: "أية : إِن الله عنده علم الساعة" تفسير : [لقمان: 3 4] والجملة حال من المستتر فى عنده، وناصبها عند لنيابتها عن استقر المنتقل منه المضمر إِلى عند، أَو ناصبه استقر، أَو حال من مفاتح على قول سيبويه بجواز الحال من المبتدأ، والجملة خبر ثان أَو مستأَنفة. وذلك إِخبار بتعلق علمه وحده بما غاب عن خلقه، وأَخبر بتعلق علمه بما يشاهدونه فى الجملة بقوله {وَيَعْلَمُ مَا فِى البَرِّ والْبَحْرِ} من الأَجسام، وفىمفاتح الغيب أَجسام وأَعراضها، البر الأَرض مطلقاً، والبحر الماء المغرق، البحر المحيط وسائر البحار المالحة، وقيل: البحر الماء المغرق ولو حلواً. وقيل: البر الصحراء والبحر خلافه. وقيل: البر القفار والبحر كل قرية فيها ماء ولا يتبادر. والصحيح ما ذكرت أَولا. وذكر خصوص الأَعراض والأَحوال بقوله {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} إِلخ، فإِن السقوط والرطوبة واليبس وتوفيهم بالليل وكسبهم بالنهار مثلا من الأَعراض، وهو أَحوال، وخص سقوط الورقة دون سائر الأَحوال المناسبة لأَحوال التوفى الآتية، ولأَن التغير فى الورقة أَظهر، ولأَن العلم بالسقوط والسقوط مما يغفل عنه يستلزم العلم بما يعتنى به، وما تتغير ورقة من حال إِلى حال إِلا يعلمها، وجميع الأَرض إِما أَرض خاصة أَو أَرض عليها ماء مغرق، وفى كلتيهما عجائب الصنع تدل على كمال قدرته وسعة علمه مثلا، أَو البر المفازة التى لا ماء فيها ولا نبات والبحر القرى والأَمصار، والجمهور على الأَول، وفى علمه بسقوط الورقة ونحوه وبما فى البر والبحر المقرونين بأَل الاستغراقية، أَى جميع البر والبحار، ومبالغة فى إِحاطة علمه بالجزئيات، وتلويح بعلم العرش والكرسى وغير ذلك، والأَرضين كلهن، وقد يدخل فى لفظ البر وبعلم أَجزاء الأَرضين والبحار، وجملة يعلم حال من ورقة ولو نكرة لتقدم النفى واستغراقها بمن نصا {وَلاَ حَبَّةٍ فى ظُلُمَاتٍ} نعت حبة، وظلمة الأَرض داخلها الذى هو خلاف ظاهرها، وقيل: ما تحت الصخرة تحت الأَرضين، وقيل: ما هو فى ظلمة من ظلمات الأَرض مثل داخل البيت الذى لا ضوءَ فيه، وما تحت حجر أَو ساتر غيره، وحالها ليلا، وقيل: بطن المرأَة أَو غيره من الجنين {الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} فى ظلمات الأَرض، أَو مطلقاً معطوفات على ورقة، أَى وما تسقط من حبة فى ظلمات الأَرض ولا رطب ولا يابس {إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُبِينٍ} يتعلق بمحذوف حال من الثلاثة، كأَنه قيل: ولا تسقط حبة فى ظلمات الأَرض ولا رطب ولا يابس إِلا يعلمهن، فإِن ما فى اللوح المحفوظ المعبر عنه بالكتاب المبين معلوم لله جل وعلا، وكذا إِن فسرنا الكتاب المبين بعلمه تعالى، وذلك أَولى من دعوى أَن قوله إِلا فى كتاب بدل مطابق من قوله إِلا يعلمها إِن فسر بالعلم، وبدل اشتمال إِن فسر باللوح إِذ لا يتصور إِبدال الظرف من الجملة الفعلية، ولا بدل اشتمال بلا رابط، ويجوز كون حبة مبتدأ مجروراً بمن زائدة محذوفة لدلالة ما قبل، وفى كتاب خبره فلا ينسحب عليهن السقوط، وقد ضعف بعض انسحابه عليهن حين أَعربن بالعطف على ورقة. والحبة الجزء الدقيق من تراب أَو غيره، والحبة النابتة قبل النبت، والرطب ما ينبت والحى وما فيه بلل، واليابس مالا ينبت والميت ومالا بلل فيه، وهما عبارتان عن كل مخلوق من الأَجسام، فإِن الأَجسام كلها إِما رطبة وإِما يابسة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: الرطب ما ينبت واليابس ما لا ينبت، وعنه: الرطب الماء واليابس التراب، وقيل: الرطب الحى واليابس الميت، وكل ما ذكر بعد تفصيل لقوله{وعنده مفاتح الغيب}وكيف لا يعلم ذلك وهو خالقه ومريد له ودخل فى علمه اختلاف محال الحبات المشغلة بالريح المنتقلة، أَو بما شاءَ الله، وملاصقتها بجوانبها واختلاف التلاصق وأَلوانها.
الالوسي
تفسير : {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} أي مفاتيحه كما قرىء به فهو جمع مفتح بكسر الميم وهو كمفتاح آلة الفتح، وقيل: إنه جمع مفتاح كما قيل في جمع محراب محارب. والكلام على الاستعارة حيث شبه الغيب بالأشياء المستوثق منها بالأقفال. وأثبت له المفاتيح تخييلاً وهي باقية على معناها الحقيقي، وجعلها بمعنى العلم قرينة المكنية بناءً على أنه لا يلزم أن تكون حقيقة بعيد، وأبعد منه تكلف التمثيل. وقيل: الأقرب أن يعتبر هناك استعارة مصرحة تحقيقية بأن يستعار العلم للمفاتح وتجعل القرينة الإضافة إلى الغيب. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن السدي أن المراد من المفاتح الخزائن فهي حينئذٍ جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن. وجوز الواحدي أن يكون مصدراً بمعنى الفتح وليس بالمتبادر. وفي الكلام استعارة مكنية تخييلية، وتقديم الخبر لإفادة الحصر. والمراد بالغيب المغيبات على سبيل الإستغراق، والمقصود على كل تقدير أنه سبحانه هو العالم بالمغيبات جميعها كما هي ابتداء. {لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } في موضع الحال من {مَفَاتِحُ}، والعامل فيها ـ كما قال أبو البقاء ـ ما تعلق به الظرف أو نفسه إن رفعت به، ويجوز أن يكون تأكيداً لمضمون ما قبله، والكلام إما مسوق لبيان اختصاص المقدورات الغيبية به سبحانه من حيث العلم إثر بيان اختصاص كلها به تعالى من حيث القدرة، والمعنى أن ما تستعجلون به من العذاب ليس مقدوراً لي حتى ألزمكم بتعجيله ولا / معلوماً لديَّ حتى أخبركم بوقت نزوله بل هو مما يختص به جل شأنه قدرة وعلماً فينزله حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم، وإما لإثبات العلم العام له سبحانه وهو علمه بكل شيء بعد إثبات العلم الخاص وهو علمه بالظالمين. وذكر الإمام «أن معنى الآية على تقدير أن يراد بالمفاتح الخزائن أنه سبحانه القادر على جميع الممكنات كما في قوله تعالى: { أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } تفسير : [الحجر: 21]». وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: مفاتح الغيب خمس وتلا { أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [لقمان: 34] الآية، وروي نحوه عن ابن مسعود، وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً نحو ذلك، ولعل الحمل على الاستغراق أولى، وما في الأخبار يحمل على بيان البعض المهم لا على دعوى الحصر إذ لا شبهة في أن ما عدا الخمس من المغيبات لا يعلمه أيضاً إلا الله تعالى. {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} عطف على جملة {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ } الخ أو على الجملة قبله وهو ظاهر على تقدير حاليتها، وإما على تقدير كونها تأكيداً فقد منعه البعض لأن المعطوف لا يصلح للتأكيد ولو كان علمه سبحانه بالمغيبات عند المحققين المحقين على وجه التفصيل والاختصاص لأن علم الغيب والشهادة متغايران فلا يؤكد أحدهما الآخر. نعم قيل: من لم يجعلها مؤكدة جوز العطف عليها فيكون الجملتان مستأنفتين لتفصيل علمه سبحانه وشموله لا غير، وجوز أن يكون المجموع مؤكداً لاشتماله على مضمون ما قبله لأنه ليس توكيداً اصطلاحياً، والمراد من هذه الجملة ـ كما قال غير واحد ـ بيان تعلق علمه تعالى بالمشاهدات إثر بيان تعلقه بالمغيبات تكملة له وتنبيهاً على أن الكل بالنسبة إلى علمه المحيط سواء، والمراد من البر الصحراء ومن البحر خلافه، وفي «القاموس» «أنه الماء الكثير أو الملح فقط ويجمع وجمعه أبحر وبحور وبحار وتصغيره أُبَيْحِر لا بُحَيْرُ». وعن مجاهد أن المراد بالبر القفار وبالبحر كل قرية فيها ماء وهو خلاف الظاهر، وأياً ما كان فالمعنى يعلم ما فيهما من الموجودات مفصلة على اختلاف أجناسها وأنواعها وتكثر أفرادها. {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا } أي وما تسقط ورقة من أي شجرة كانت إلا عالماً بها، فمن زائدة في الفاعل، والجملة بعد (إلا) في موضع الحال منه، وجاءت الحال من النكرة لاعتمادها على النفي، والتفريغ في الحال شائع سائغ. وجوز أن تكون في موضع النعت للنكرة، والكلام مسوق ـ كما قيل ـ لبيان تعلق علمه تعالى بأحوال المشاهدات المتغيرة بعد بيان تعلقه بذواتها فإن تخصيص حال السقوط بالذكر ليس إلا بطريق الاكتفاء بذكرها عن ذكر سائر الأحوال كما أن ذكر أحوال الورقة وما عطف عليها خاصة دون أحوال سائر ما في البر والبحر من الموجودات التي لا يحيط بها نطاق الحصر باعتبار أنها أنموذج لأحوال سائرها، قيل: ولعل الاكتفاء بحال السقوط دون الاكتفاء بغيرها من الأحوال لشدة ملاءمتها لما سيأتي إن شاء الله تعالى في آية التوفي، ولأن التغيير فيها أظهر فهو أوفق بما سيقت له الآية، وقيل: لأن العلم بالسقوط لكونه من الأحوال الساقطة التي يغفل عنها يستلزم العلم بغيره من الأحوال المعتنى بها فتدبر، فكأنه قيل: وما تتغير ورقة من حال إلى حال إلا يعلمها. {وَلاَ حَبَّةٍ} عطف على {وَرَقَةٍ}/ وقوله سبحانه: {فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ} متعلق بمحذوف وقع صفة لحبة مفيدة لكمال ظهور علمه تعالى، والمراد من ظلمات الأرض بطونها، وكني بالظلمة عن البطن لأنه لا يدرك فيه كما لا يدرك في الظلمة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المراد ظلمات الأرض ما تحت الصخرة في أسفل الأرضين السبع أو تحت حجر أو شيء. وقوله تعالى: {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} عطف على {وَرَقَةٍ} أيضاً داخل معها في حكمها، والمراد بالرطب واليابس رطب ويابس من شأنهما السقوط كالثمار مثلاً لاقتضاء العطف ذلك. قوله سبحانه: {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} كالتكرير لقوله سبحانه: {إِلاَّ يَعْلَمُهَا} لأن معناهما واحد في المآل سواء أريد بالكتاب المبين علمه تعالى أو اللوح المحفوظ الذي هو محل معلوماته سبحانه، وإلى هذا ذهب الزمخشري وأراد كما قال السعد: أنه تكرير من جهة المعنى، وأما من جهة اللفظ فهو صفة للمذكورات كما أن {إِلاَّ يَعْلَمُهَا} صفة لورقة. وأورد عليه بأن صفة شيء كيف تكون تكريراً لصفة شيء آخر معنى. وأجيب بأنه غير وارد لأن الورقة داخلة في الرطب واليابس فلا تغاير بحسب المعنى فيصح ما ذكر، وقيل: إنه بدل من الاستثناء الأول بدل الكل إن فسر الكتاب بالعلم وبدل الاشتمال إن فسر باللوح وفيه تأمل. وقرىء {ولا حبة... ولا رطب ولا يابس} بالرفع على العطف على محل {وَرَقَةٍ} وخص بعضهم هذه القراءة بالأخيرين. وجوز أن يكون الرفع على الابتداء والخبر {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } قيل هو الأنسب بالمقام لشمول الرطب واليابس حينئذٍ لما ليس من شأنه السقوط. وقد جعلهما غير واحد شاملين لجميع الأشياء لأن الأجسام كلها لا تخلو من أن تكون رطبة أو يابسة ويدخل في ذلك الحار والبارد، والمراد من كل معناه اللغوي لا مصطلح الأطباء كما لا يخفى. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالرطب ما ينبت وباليابس ما لا ينبت. وفي رواية أخرى عنه أن الأول الماء والثاني الثرى. وروى أبو الشيخ عنه ما يفيد العموم، ولعله الأولى بالقبول، وقيل: الرطب الحي واليابس الميت. وروى الإمامية عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال: الورقة السقط والحبة الولد وظلمات الأرض الأرحام والرطب ما يحيـى واليابس ما يغيض، وأنا أجل أبا عبد الله رضي الله تعالى عنه عن التفوه بهذا التفسير إذ هو خلاف الظاهر جداً، ومثله في عدم التبادر ما أخرجه أبو الشيخ عن محمد بن جحادة أنه قال: إن لله تعالى شجرة تحت العرش ليس مخلوق إلا له فيها ورقة فإذا سقطت ورقته خرجت روحه من جسده، وذلك قوله سبحانه: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ} ثم إن تفسير الكتاب باللوح هو الذي مشى عليه جماعة من المفسرين منهم الزجاج فقد قال: إنه تعالى أثبت المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال سبحانه: { أية : إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } تفسير : [الحديد: 22] وفي رواية لمسلم: « حديث : إن الله تعالى كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة»تفسير : . وفائدة ذلك أمور: أحدها: اعتبار الملائكة عليهم السلام موافقات المحدثات للمعلومات الإلٰهية. وثانيها: وعليه اقتصر الحسن تنبيه المكلفين على عدم إهمال أحوالهم المشتملة على الثواب والعقاب حيث ذكر أن الورقة والحبة في الكتاب. وثالثها: عدم تغيير الموجودات عن الترتيب السابق في الكتاب، ولذا جاء «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة»، وهذا الكتاب يسمى اللوح المحفوظ لحفظه عن التحريف ووصول الشياطين إليه أو من المحو والإثبات بناءً على أنهما إنما يكونان في صحف الملائكة دونه. والبلخي اختار / أن معنى قوله تعالى: {فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} أنه محفوظ غير منسي ولا مغفول عنه، كما يقول القائل لغيره ما تصنعه مسطور مكتوب عندي فإنه إنما يريد أنه حافظ له يريد مكافأته عليه. وأنشد لذلك: شعر : إن لسلمى عندنا ديواناً تفسير : وذكر الإمام هٰهنا ما سماه «دقيقة، وهو أن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال إلا للعقلاء الكاملين الذين تعودوا الإعراض عن قضايا الحس والخيال وألفوا استحضار المعقولات المجردة وهم كالكبريت الأحمر {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ } من تلك القضايا وحيث أريد إيصالها إلى كل عقل ـ لأن القرآن إنما نزل لينتفع به جميع الخلق ـ ذكر مثال من الأمور المحسوسة الداخلة تحت تلك القضية العقلية الكلية ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهوماً لكل واحد فذكر {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } ليكشف به عن حقيقة عظمة ذلك المعقول. وقدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحواله وكثرة ما فيه. وأما البحر فإحاطة العقل بأحواله أقل إلا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر وطولها وعرضها أعظم وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب فإذا استحضر الخيال معلومات البر والبحر وعرف أن مجموعها حقير من جنب ما دخل في دائرة عموم {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ } يصير ذلك مقوياً ومكملاً للعظمة الحاصلة تحت ذلك، ثم كشف سبحانه عن عظمة البر والبحر بقوله عز وجل: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا }، وذلك لأن العقل يستحضر جميع ما في الأرض من المدن والقرى والمفاوز والمهالك ثم يستحضر كم فيها من النجم والشجر ثم يستحضر أنه لا يتغير حال ورقة إلا والحق يعلمها، ثم ذكر مثالاً أشد هيبة وهو {وَلاَ حَبَّةٍ } الخ. وذلك لأن الحبة تكون في غاية الصغر و {ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ} يخفى فيها أكبر الأجسام وأعظمها فإذا سمع العاقل أن تلك الحبة الصغيرة الملقاة في ظلمات الأرض على اتساعها وعظمتها لا تخرج من علمه سبحانه انتبه غاية الانتباه وفاز من مجموع ذلك بالحظ الأوفر من المعنى المشار إليه في صدر الآية، ثم إنه تعالى لما قوى ذلك المعقول المحض المجرد بذكر هذه الجزئيات المحسوسة عاد إلى ذكر تلك القضية بعبارة أخرى وهي قوله عز اسمه: {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ} فإنه عين ما تقدم». وهذا مبني على أحد الوجوه في الآية فلا تغفل. وفيها دليل على أن الله تعالى عالم بالجزئيات ونسبت المخالفة فيه للفلاسفة. والحق أنهم لا ينكرون ذلك وإنما ينكرون علمه سبحانه بها بوجه جزئي وهو بحث طويل الذيل، وكذا بحث علمه تعالى من حيث هو. وقد ألفت فيه الرسائل وصار معترك أفهام الأواخر والأوائل وسبحان من لا يقدر قدره غيره.
ابن عاشور
تفسير : عُطف على جملة: {أية : والله أعلم بالظالمين}تفسير : [الأنعام: 58] على طريقة التخلّص. والمناسبة في هذا التخلّص هي الإخبار بأنّ الله أعلم بحالة الظالمين، فإنّها غائبة عن عيان الناس، فالله أعلم بما يناسب حالهم من تعجيل الوعيد أو تأخيره، وهذا انتقال لبيان اختصاصه تعالى بعلم الغيب وسعة علمه ثم سعة قدرته وأنّ الخلق في قبضة قدرته. وتقديم الظرف لإفادة الاختصاص، أي عنده لا عند غيره. والعندية عندية علم واستئثار وليست عندية مكان. والمفاتح جمع مِفْتَح ـــ بكسر الميم ـــ وهو الآلة التي يفتح بها المغلق، وتسمّى المِفتاح. وقد قيل: إنّ مفتح أفصح من مفتاح، قال تعالى: {أية : وآتيناه من الكنوز ما إنّ مَفَاتِحَه لتنوء بالعُصْبَة أولي القوة}تفسير : [القصص: 76]. والغيب ما غاب على علم الناس بحيث لا سبيل لهم إلى علمه، وذلك يشمل الأعيان لمغيَّبة كالملائكة والجنّ، والأعراض الخفيَّة، ومواقيت الأشياء. و{مفاتح الغيب} هنا استعارة تخييلية تنبني على مكنية بأن شُبِّهت الأمور المغيّبة عن الناس بالمتاع النفيس الذي يُدّخر بالمخازن والخزائن المستوثق عليها بأقفال بحيث لا يعلم ما فيها إلاّ الذي بيده مفاتحها. وأثبتت لها المفاتِح على سبيل التخييلية. والقرينة هي إضافة المفاتح إلى الغيب، فقوله: {وعنده مفاتح الغيب} بمنزلة أن يقول: عنده علم الغيب الذي لا يعلمه غيرُه. ومفاتح الغيب جَمْع مضاف يعمّ كلّ المغيّبات، لأنّ علمها كلّها خاصّ به تعالى، وأمّا الأمور التي لها أمارات مثل أمارات الأنواء وعلامات الأمراض عند الطبيب فتلك ليْست من الغيب بل من أمور الشهادة الغامضة. وغمُوضُها متفاوت والناس في التوصّل إليْها متفاوتون ومعرفتهم بها من قبيل الظنّ لا من قبيل اليقين فلا تسمّى عِلماً، وقيل: المفاتح جمع مَفْتَح ـــ بفتح الميم ـــ وهو البيت أو المخزن الذي من شأنه أن يُغلق على ما فيه ثم يُفْتح عند الحاجة إلى ما فيه، ونقل هذا عن السدّي، فيكون استعارة مصرّحة والمشبَّه هو العلم بالغيب شبّه في إحاطته وحَجبه المغيِّبات ببيت الخزم تشبيه معقول بمحسوس. وجملة {لا يعلمها إلاّ هو} مُبيَّنة لمعنى {عندَه}، فهي بيان للجملة التي قبلها ومفيدة تأكيداً للجملة الأولى أيضاً لرفع احتمال أن يكون تقديم الظرف لمجرّد الاهتمام فأعيد ما فيه طريق مُتَعيِّن كونُه للقصر. وضمير {يعلمها} عائد إلى {مفاتح الغيب} على حذف مضاف من دلالة الاقتضاء. تقديره: لا يعلم مكانَها إلاّ هو، لأنّ العلم لا يتعلّق بذوات المفاتح، وهو ترشيح لاستعارة مفاتح الغيب للعلم بالمغيّبات، ونفيُ علم غيره لها كناية عن نفي العلم بما تغلق عليه المفاتح من علم المغيّبات. ومعنى: {لا يعلمها إلاّ هو} أي علماً مستقلاً به، فأمَّا ما أطْلع عليه بعضَ أصفيائه، كما قال تعالى: {أية : عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً إلاّ مَن ارتضى مِن رسول}تفسير : [الجن: 26] فذلك علم يحصل لمن أطلعه بإخبار منه فكان راجعاً إلى علمه هو. والعلم معرفة الأشياء بكيفية اليقين. وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مفاتح الغيب خمس: إنّ الله عندَه علمُ الساعة، ويُنزّل الغيث، ويعلَم ما في الأرحام، وما تدري نفس مَاذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت إنّ الله عليم خبير"تفسير : . وجملة: {ويعلم ما في البرّ والبحر} عطف على جملة {لا يعلمها إلاّ هو}، أو على جملة {وعنده مفاتح الغيب}، لأنّ كلتيهما اشتملت على إثبات علم لله ونفي علم عن غيره، فعُطفت عليهما هذه الجملة التي دلَّت على إثبات علم لله تعالى، دون نفي علم غيره وذلك علم الأمور الظاهرة التي قد يتوصّل الناس إلى علم بعضها، فعطفُ هذه الجملة على جملة {وعنده مفاتح الغيب} لإفادة تعميم علمه تعالى بالأشياء الظاهرة المتفاوتة في الظهور بعد إفادة علمه بما لا يظهر للناس. وظهور ما في البرّ للناس على الجملة أقوى من ظهور ما في البحر. وذكر البرّ والبحر لقصد الإحاطة بجميع ما حوته هذه الكرة، لأنّ البرّ هو سطح الأرض الذي يمشي فيه الحيوان غير سابح، والبحر هو الماء الكثير الذي يغمر جزءاً من الأرض سواء كان الماء ملحاً أم عذباً. والعرب تسمِّي النهر بحراً كالفرات ودجلة. والموصول للعموم فيشمل الذوات والمعاني كلّها. وجملة: {وما تسقط من ورقة} عطف على جملة: {ويعلم ما في البرّ والبحر} لقصد زيادة التعميم في الجزئيات الدقيقة. فإحاطة العلم بالخفايا مع كونها من أضعف الجزئيات مؤذن بإحاطة العلم بما هو أعظم أولى به. وهذه من معجزات القرآن فإنّ الله علِمَ ما يعتقده الفلاسفة وعلم أنْ سيقول بقولهم من لا رسوخ له في الدين من أتباع الإسلام فلم يترك للتأويل في حقيقة علمه مجالاً، إذ قال: {وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها ولا حبَّة في ظُلمات الأرض} كما سنبيّن الاختيار في وجه إعرابه. والمراد بالورقة ورقة من الشّجر. وحرف (مِنْ) زائد لتأكيد النفي ليفيد العموم نصّاً. وجملة {يعلمها} في موضع الحال من {ورقة} الواقعة في حيِّز النفي المستغنية بالعموم عن الصفة. وذلك لأنّ الاستثناء مفرّغ من أحوال، وهذه الحال حال لازمة بعد النفي حصل بها مع الفعل المنفي الفائدة الاستثناء من عموم الأحوال، أي ما تسقط من ورقة في حالة إلاّ حالة يعلمها. والأظهر في نظم قوله: {وما تسقط من ورقة} أن يكون {ورقة} في محلّ المبتدأ مجرور بِـ {منْ} الزّائدة، وجملة {تسْقط} صفة لـ {ورقة} مقدّمة عليها فتُعرب حالاً، وجملة {إلاّ يعلمها} خبر مفرّغ له حرفُ الاستثناء. {ولا حبّة} عطف على المبتدأ بإعادة حرف النفي، و{في ظلمات الأرض} صفة لــ{حبّة}، أي ولا حبّة من بذور النبت مظروفة في طبقات الأرض إلى أبعد عمق يمكن، فلا يكون {حبَّة} معمولاً لفعل {تسقط} لأنّ الحبَّة التي تسقط لا تبلغ بسقوطها إلى ظلمات الأرض. {ولا رطبٍ ولا يابس} معطوفان على المبتدأ المجرور بــ {من}. والخبر عن هذه المبتدآت الثلاثة هو قوله: {إلاّ في كتاب مبين} لوروده بعد الثلاثة، وذلك ظاهر وقُوع الإخبار به عن الثلاثة، وأنّ الخبر الأول راجع إلى قوله: {من ورقة}. والمراد بالكتاب المبين العلم الثابت الذي لا يتغيّر، وما عسى أن يكون عند الله من آثار العلم من كتابة أو غيرها لم يطلعنا على كنهها. وقيل: جرّ {حبَّة} عطف على {ورقة} مع إعادة حرف النفي، و{في ظلمات الأرض} وصف لــ {حبّة}. وكذلك قوله: {ولا رطب ولا يابس} بالجرّ عطفاً على {حبَّة} و{ورقة}، فيقتضي أنَّها معمولة لفعل {تسقط}، أي ما يَسقط رطب ولا يابس، ومقيَّدة بالحال في وقوله: {إلاّ يعلمها}. وقوله: {إلاّ في كتاب مبين} تأكيد لقوله: {إلاّ يعلمها} لأنّ المراد بالكتاب المبين علم الله تعالى سواء كان الكتاب حقيقة أم مجازاً عن الضبط وعدم التبديل. وحسَّن هذا التأكيد تجديد المعنى لبعد الأول بالمعطوفات وصفاتها، وأعيد بعبارة أخرى تفنّناً. وقد تقدّم القول في وجه جمع {ظلمات} عند قوله تعالى: {أية : وجعل الظلمات والنور}تفسير : في هذه السورة (1). ومبين إمّا من أبان المتعدّي، أي مبين لبعض مخلوقاته ما يريده كالملائكة، أو من أبَانَ القاصر الذي هو بمعنى بان، أي بيّن، أي فصل بما لا احتمال فيه ولا تردّد. وقد علم من هاته الآيات عموم علمه تعالى بالكلِّيّات والجزئيّات. وهذا متَّفق عليه عند أهل الأديان دون تصريح به في الكتب السابقة وما أعلنه إلاّ القرآن في نحو قوله: {أية : وهو بكلّ شيء عليم}تفسير : [البقرة: 29]. وفيه إبطال لقول جمهور الفلاسفة أنّ الله يعلم الكلِّيّات خاصّة ولا يعلم الجزئيّات، زعماً منهم بأنَّهم ينزّهون العلم الأعلى عن التجزّي؛ فهم أثبتوا صفة العلم لله تعالى وأنكروا تعلّق علمه بجزئيات الموجودات. وهذا هو المأثور عنهم عند العلماء. وقد تأوّله عنهم ابن رشد الحفيدُ ونصير الدين الطُوسي. وقال الإمام الرازي في «المباحث المشرقية»: ولا بدّ من تفصيل مذهب الفلاسفة فإنّ اللائق بأصولهم أن يقال: الأمور أربعة أقسام؛ فإنَّها إمَّا أن لا تكون متشكِّلة ولا متغيِّرة، وإمَّا أن تكون متشكّلة غير متغيِّرة، وإمَّا أن تكون متغيِّرة غير متشكّلة؛ وإمَّا أن تكون متشكّلة ومتغيّرة معاً. فأمَّا ما لا تكون متشكِّلة ولا متغيِّرة فإنَّه تعالى عالم به سواء كان كليّاً أو جزئياً. وكيف يمكن القول بأنَّه تعالى لا يعلم الجزئيّات منها مع اتِّفاق الأكثر منهم على علمه تعالى بذاته المخصوصة وبالعقول. وأمّا المتشكِّلة غير المتغيِّرة وهي الأجرام العلوية فهي غير معلومة له تعالى بأشخاصها عندهم، لأنّ إدراك الجسمانيات لا يكون إلاّ بالآت جسمانية. وأمّا المتغيِّرة غير المتشكّلة فذلك مثل الصور والأعراض الحادثة والنفوس الناطقة، فإنَّها غير معلومة له لأنّ تعلّقها يحوج إلى آلة جسمانية بل لأنَّها لمّا كانت متغيّرة يلزم من تغيّرها العلم. وأمّا ما يكون متشكِّلاً ومتغيِّراً فهو الأجسام الكائنة الفاسدة. وهي يمتنع أن تكون مُدْركة له تعالى للوجهين (أي المذكورين في القسمين الثاني والثالث) اهــ. وقد عُدّ إنكار الفلاسفة أنّ الله يعلم الجزئيَّات من أصول ثلاثة لهم خالفت المعلوم بالضرورة من دين الإسلام. وهي: إنكار علم الله بالجزئيَّات؛ وإنكار حشر الأجساد، والقول بقدم العالم. ذكر ذلك الغزالي في «تهافت الفلاسفة» فمن يوافقهم في ذلك من المسلمين يعتبر قوله كفراً، لكنَّه من قبيل الكفر باللازم فلا يعتبر قائله مرتدّاً إلاّ بعد أن يوقف على ما يفضي إليه قولُه ويأبى أن يرجع عنه فحينئذٍ يستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلاّ حكم بردّته.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} الآية. بين تعالى المراد بمفاتح الغيب بقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} تفسير : [لقمان: 34] فقد أخرج البخاري وأحمد وغيرهما عن ابن عمر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم "أن المراد بمفاتح الغيب الخمس المذكورة في الآية المذكورة". والمفاتح الخزائن جمع مَفتح بفتح الميم، بمعنى المخزن، وقيل هي المفاتيح جمع مِفتح، بكسر الميم، وهو المفتاح وتدل له قراءة ابن السميقع. مفاتيح بياء بعد التاء جمع مفتاح، وهذه الآية الكريمة تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وهو كذلك، لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا. وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: "من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية"، والله يقول: {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل: 65] أخرجه مسلم والله تعالى في هذه السورة الكريمة أمره صلى الله عليه وسلم ان يعلن للناس أنه لا يعلم الغيب، وذلك في قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} تفسير : [الأنعام: 50]. ولذا لما رميت عائشة رضي الله عنها بالإفكِ، لم يعلم، أهي بريئة أم لا حتى أخبره الله تعالى بقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} تفسير : [النور: 26]. وقد ذبح إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجله للملائكة، ولا علم له بأنهم ملائكة حتى أخبروه، وقالوا له: {أية : إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} تفسير : [هود: 70]، ولما جاؤوا لوطاً لم يعلم أيضاً أنهم ملائكة، ولذا {سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: 77] يخاف عليهم من أن يفعل بهم قومه فاحشتهم المعروفة حتى قال: {أية : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ}تفسير : [هود: 80] ولم يعلم خبرهم حتى قالوا له: {أية : إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ} تفسير : [هود: 81] الآيات. ويعقوب عليه السلام ابيضت عيناه من الحزن على يوسف، وهو في مصر لا يدري خبره حتى أظهره الله خبر يوسف. وسليمان عليه السلام مع أن الله سخر له الشياطين والريح ما كان يدري عن أهل مأرب قوم بلقيس حتى جاءه الهدهد، وقال له: {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} تفسير : [النمل: 22] الآيات. ونوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ما كان يدري أنه ابنه الذي غرق ليس من أهله الموعود بنجاتهم حتى قال: {أية : رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ} تفسير : [هود: 45] الآية، ولم يعلم حقيقة الأمر حتى أخبره الله بقوله: {أية : يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِـي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [هود: 46]. وقد قال تعالى عن نوح في سورة هود: {أية : وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} تفسير : [هود: 31] الآية، والملائكة عليهم الصلاة والسلام لما قال لهم: {أية : أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} تفسير : [البقرة: 31-32]. فقد ظهر أن أعلم المخلوقات وهم الرسل، والملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى، وهو تعالى يعلم رسله من غيبه ما شاء، كما أشار له بقوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 179]، وقوله: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} تفسير : [الجن: 26-27]، الآية. تنبيه لما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لا يعلمه إلا الله كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي من الضلال المبين، وبعض منها يكون كفراً. ولذا ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من أَتى عرَّافاً فسأله عن شيءٍ لم تقبل له صلاة أربعين يوماً"تفسير : ، ولا خلاف بين العلماء في منع العيافة والكهانة والعرافة، والطرق والزجر، والنجوم وكل ذلك يدخل في الكهانة، لأنها تشمل جميع أنواع ادعاء الإطلاع على علم الغيب. وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الكهَّان فقال: "حديث : ليسوا بشيء " تفسير : وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه: فمن قال إنه ينزل الغيث غداً. وجزم به فهو كافر أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا، وكذلك من قال إنه يعلم ما في الرحم فإنه كافر، فإن لم يجزم، وقال: إن النوء ينزل به الماء عادة، وإنه سبب الماء عادة، وإنه سبب الماء على ما قدره وسبق في علمه لم يكفر إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به، فإن فيه تشبيهاً بكلمة اهل الكفر وجهلا بلطيف حكمته، لأنه ينزل متى شاء مرة بنوء كذا، ومرة دون النوء. قال الله تعالى: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب" على ما يأتي بيانه في الواقعة إن شاء الله تعالى. قال ابن العربي: وكذلك قول الطبيب إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة، فهو ذكر، وإن كان في الثدي الأيسر فهو أنثى، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد أنثى، وادعى ذلك عادة لا واجباً في الخلقة لم يكفر، ولم يفسق. وأما من ادعى الكسب في مستقبل العمر فهو كافر، أو أخبر عن الكوائن المجملة، أو المفصلة في أن تكون قبل أن تكون فلا ريبة في كفره أيضاً. فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر، فقد قال علماؤنا: يؤدب ولا يسجن، أما عدم كفره فلأن جماعة قالوا: إنه أمر يدرك بالحساب وتقدير المنازل حسبما أخبر الله عنه من قوله: {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} تفسير : [يس: 39]. وأما أدبهم، فلأنهم يدخلون الشك على العامة، إذ لا يدرون الفرق بين هذا وغيره فيشوشون عقائدهم، ويتركون قواعدهم في اليقين، فأدبوا حتى يستروا ذلك إذا عرفوه ولا يعلنوا به. قلت: ومن هذا الباب ما جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة"تفسير : ، والعراف: هو الحازي والمنجم الذي يدعي علم الغيب، وهي العرافة وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدَّعي معرفتها. وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالرجز والطرق والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة بالياء، وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة، قاله القاضي عياض. والكهانة: ادعاء علم الغيب. قال أبو عمر بن عبد البر في (الكافي): من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا، ومهور البغايا، والسحت، والرشا، وأخذ الأجرة على النياحة، والغناء، وعلى الكهانة، وادعاء الغيب، وأخبار السماء، وعلى الزمر واللعب والباطل كله. اهـ من القرطبي بلفظه، وقد رأيت تعريفه للعراف والكاهن. وقال البغوي: العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة ونحو ذلك، وقال أبو العباس بن تيمية: العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال، ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق. والمراد بالطرق: قيل الخط الذي يدعي به الإطلاع على الغيب، وقيل إنه الضرب بالحصى الذي يفعله النساء، والزجر هو العيافة، وهي التشاؤم والتيامن بالطير، وادعاء معرفة الأمور من كيفية طيرانها ومواقعها وأسمائها وألوانها وجهاتها التي تطير إليها. ومنه قول علقمة بن عبدة التميمي: شعر : ومن تعرض للغربان يزجرها على سلامته لا بد مشؤوم تفسير : وكان أشد العرب عيافة بنو لهب حتى قال فيهم الشاعر: شعر : خبير بنو لهب فلا تك ملغياً مقالة لهبي إذا الطير مرت تفسير : وإليه الإشارة بقول ناظم عمود النسب: شعر : في مدلج بن بكر القيافة كما للهب كانت العيافة تفسير : ولقد صدق من قال: شعر : لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع تفسير : ووجه تكفير بعض أهل العلم لمن يدعي الإطلاع على الغيب أنه ادعى لنفسه ما استأثر الله تعالى به دون خلقه، وكذب القرآن الوارد بذلك كقوله {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل: 65]، وقوله هنا {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} ونحو ذلك. وعن الشيخ أبي عمران من علماء المالكية أن حلوان الكاهن لا يحل له، ولا يرد لمن أعطاه له، بل يكون للمسلمين في نظائر نظمها بعض علماء المالكية بقوله: شعر : وأي مال حرموا أن ينتفع موهوبه به ورده منع حلوان كاهن وأجرة الغنا ونائح ورشوة مهر الزنا تفسير : هكذا قيل. والله تعالى أعلم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 59- وعند الله علم جميع أبواب المغيبات، لا يحيط بها علماً إلا هو ومن يريد إعطاءه بعضها، ويحيط علمه كذلك بجميع الموجودات فى البر والبحر ولا تسقط ورقة - أيَّة ورقة كانت - إلا يعلمها، ولا تسقط حبة ما فى باطن الأرض ولا شئ رطب ولا يابس، إلا وهو سبحانه محيط بعلمه إحاطة تامة. 60- وهو الذى ينيمكم بالليل، ويوقظكم بالنهار، ويعلم ما كسبتم فيه حتى ينتهى أجل كل منكم فى الدنيا بموته، ثم يوم القيامة ترجعون جميعاً إلى الله - وحده - يخبركم بأعمالكم فى الدنيا من خير أو شر، ويجازيكم عليها. 61- هو الغالب بقدرته، المستعلى بسلطانه على عباده، والذى يرسل عليكم ملائكة يحصون كل أعمالكم إلى أن تجئ نهاية كل منكم، فتقبض روحه ملائكتنا الذين نرسلهم لذلك، وهم لا يقصرون فيما يوكل إليهم. 62- ثم يُبعث هؤلاء الأموات يوم القيامة، ويوقفون أمام ربهم الذى يتولى وحده أمورهم بحق. اعلموا أن له - وحده - الفصل بين الخلائق وحسابهم فى ذلك اليوم، وهو أسرع من يتولى الحساب والجزاء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات : مفاتح الغيب: المفاتح: جمع مفتح بفتح الميم أي المخزن. البر والبحر: البر ضد البحر، وهو اليابس من الأرض، والبحر ما يغمره الماء منها. ورقة: واحدة الورق والورق للشجر كالسعف للنخل. حبة: واحدة الحب من ذرة أو بر أو شعير أو غيرها. ولا رطب: الرطب ضد اليابس من كل شيء. في كتاب مبين: أي في اللوح المحفوظ كتاب المقادير. يتوفاكم بالليل: أي ينيمكم باستتار الأرواح وحجبها عن الحياة كالموت. جرحتم: أي كسبتم بجوارحكم من خير وشر. ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى: أي يوقظكم لتواصلوا العمل إلى نهاية الأجل المسمى لكم. حفظة: الكرام الكاتبين. رسلنا: ملك الموت وأعوانه. معنى الآيات: لما ذكر تعالى في نهاية الآية السابقة أنه أعلم بالظالمين المستحقين للعقوبة أخبر عز وجل أن الأمر كما قال ودليل ذلك أنه عالم الغيب والشهادة، إذ {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} أي خزائن الغيب وهو الغيب الذي استأثر بعلمه فلا يعلمه سواه ويعلم ما في البر والبحر وهذا من عالم الشهادة، إضافة إلى ذلك أن كل شيء كان أو يكون من أحداث العالم قد حواه كتاب له اسمه اللوح المحفوظ، وهو ما دل عليه قوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ} وما كتبه قبل وجوده فقد علمه إذاً فهو عالم الغيب والشهادة أحصى كل شيء عدداً وأحاط بكل شيء علماً، فكيف إذاً لا يعبد ولا يرغب فيه ولا يرهب منه وأين هو في كماله وجلاله من أولئك الأموات من أصنام وأوثان.؟؟ هذا ما دلت عليه الآية الأولى [59] وأما الآية الثانية [60] فقد قررت ما دلت عليه الآية قبلها من قدرة الله وعلمه وحكمته فقال تعالى مخبراً عن نفسه {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ} حال نومكم إذ روح النائم تقبض ما دام نائماً ثم ترسل إليه عند إرادة الله بعثه من نومه أي يقظته، وقوله {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أي في النهار المقابل لليل، وعلة هذا أن يقضى ويتم الأجل الذي حدده تعالى للإِنسان يعيشه وهو مدة عمره طالت أو قصرت، وهو معنى قوله {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى} وقوله تعالى {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} لا محالة وذلك بعد نهاية الأجل، {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم} بعلمه {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من خير وشر ويجازيكم بذلك وهو خير الفاصلين. وفي الآية الثالثة يخبر تعالى عن نفسه أيضاً تقريراً لعظيم سلطانه الموجب له بالعبادة والرغبة الرهبة إذ قال مخبراً عن نفسه {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}، ذو القهر التام والسلطان الكامل على الخلق أجمعين {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم} أيها الناس {حَفَظَةً} بالليل والنهار يكتبون أعمالكم وتحفظ لكم لتجزوا بها {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} لانقضاء أجله {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} ملك الموت وأعوانه، {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} أي لا يضيعون ولا يقصرون وأخيراً يقول تعالى مخبراً بالأمر العظيم إنه الوقوف بين يدي الرب تعالى المولى الحق الذي يجب أن يعبد دون سواه، وقد كفره أكثر الناس وعصوه، وفسقوا عن أمره وتركوا طاعته وأدهى من ذلك عبدوا غيره من مخلوقاته فكيف يكون حسابهم والحكم عليهم؟ والله يقول: {ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان مظاهر القدرة والعلم والحكمة لله تعالى. 2- استئثار الله تعالى بعلم الغيب. 3- كتاب المقادير حوى كل شيء حتى سقوط الورقة من الشجرة وعلم الله بذلك. 4- صحة إطلاق الوفاة على النوم، وبهذا فسر قوله تعالى لعيسى إني متوفيك. 5- تقرير مبدأ المعاد والحساب والجزاء.
القطان
تفسير : المفاتح: جمع مفتح بفتح الميم، ومفتاح. يتوفاكم بالليل: جعل النوم مثل الموت. توفّاه أخذه وافياً كاملا. جرحتم: عملتم. يبعثكم فيه: يرسلكم ويوقظكم من النوم في النهار. الأجل المسمى: مدة البقاء في الدنيا. الحفظة: الملائكة الكرام الكاتبون. بعد أن أمر الله تعالى الرسول ان يبين للمشركين انه على بينة من ربه فيما بلّغهم من الوحي، وان ما يستعجلونه من العذاب ليس عنده، وان الله تعالى يقضي الحق ويقصه على رسوله - عَمَد الى وصف حقيقة الالوهية في مجال عميق من مجالاتها الفذة، هو مجال الغيب المكنون. فيقول: وعند الله علمُ جميع المغّيبات، لا يحيط بها علماً الا هو وحده، ومن أظهره هو على بعض العلم كما جاء في سورة الجن {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}. والمغّيبات قسمان: مغيبات مطلقة لا يمكن أن يصل إليها العقل الانساني، ومنها ما يقع للإِنسان في المستقبل من حوادث تتعلق به. ومغيبات نسبية، وهي ما يتعلق بأسرار الكون وما فيه، وتسخيره لخدمة الإِنسان، فإن العلم بها قد يغيب اجيالا ثم يظهر من بعد. ومفاتح هذه المغيبات أيضا بيد الله، ويوفّق إليها من يشاء من عباده الذين يتعمقون في دراسة الكون. ومن ذلك الاختراعاتُ التي نرى بعض الناس يصلون إليها بعد جهد جهيد بتوفيق الله. روى البخاري عن سالم بن عبد الله عن ابيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مفاتِح الغيْبِ خَمْس: إن الله عندَهُ عِلمُ الساعةِ، ويُنَزّلُ الغيْثَ، ويعلَمُ ما في الأرحامِ، ما تَدري نفسٌ ماذا تَكسِبُ غَداً، وما تَدرِي نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت، إن الله عَلِيمٌ خَبير ". تفسير : ويحيط علم الله كذلك بجميع الموجودات في البر والبحر، ولا تسقط ورقة عن شجرةً إلا بعلمه، ولا حبة ما في باطن الارض، ولا شيء رطب ولا يابس، الا هو في اللوح المحفوظ عند الله. والخلاصة، إن عند الله عِلمَ ما لا تعلمونه، وعنده علم ما يعلمه جميعكم، فهو يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن الى يوم القيامة. وهو الذي يتوفى أنفسَكم في اثناء النوم، أي يُزيل إحساسها، ويوقظكم في النهار، ويعلم ما كسبتم فيه.. حتى ينتهي أجَل كل منكم، ثم ترجعون اليه يوم القيامة فيخبركم باعمالكم ويجازيكم عليها. {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً}. بعد ان بين الله امر الموت والرجوع اليه للحساب، والجزاء، ذكره قهره لعباده وارسال الحفظة لاحصاء اعمال البشر فقال: إن الله هو الغالب بقدرته، المستعلي بسلطانه على عباده، يرسل عليكم ملائكة يحصون اعمالكم الى ان تجيء نهاية كل منكم، فتقبض روحه ملائكتنا الذين نرسلهم لذلك وهم لا يقصّرون فيما يوكل اليهم. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يتعاقبون فيكم ملائكةُ بِالليل، وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر،ثم يعرُج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربُّهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلّون، وأتيناهم وهم يصلّون ". تفسير : قراءات: قرأ حمزة "توفاه رسلنا" بالألف الممالة، والباقون "توفته رسلنا".
د. أسعد حومد
تفسير : {ظُلُمَاتِ} {كِتَابٍ} (59) - قَالَ البُخَارِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ مَفَاتِحَ الغَيْبِ (أَيْ خَزَائِنهُ) خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاّ اللهُ وَهُوَ المُتَصَرِّفُ فِيهِنَّ وَحْدَهُ: 1 - إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. 2 - وَيُنْزِلُ الغَيْثَ. 3 - وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسَبُ غداً. 4 - وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ. 5 - وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ. وَاللهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ مِنْ جَمِيعِ المَوْجُودَاتِ، لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ، وَيَعْلَمُ كُلَّ حَرَكَةٍ فًلاَ تَسْقُطُ وَرَقَةٌ، وَلاَ تُوْجَدُ حَبَّةٌ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ إِلاَّ يَعْلَمُهَا اللهُ، وَمَا مِنْ شَجَرَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا، وَيَعْلَمُ رُطُوبَتَها وَيُبُوسَتَهَا. وَقَدْ أَحْصَى كُلَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ لاَ يُهْمِلُ شَيْئاً مِنْ عَمَلِ جَميعِ خَلْقِهِ وَحَالاَتِهِمْ. كِتَابٍ مُبِينٍ - اللَّوحِ المَحْفُوظِ أَوْ أُمِّ الكِتَابِ. مَفْتَحُ - بِفَتْحِ المِيمِ - هُوَ المَخْزَنُ. وَمِفْتَحُ - بِكَسْرِ المِيمِ - هُوَ المِفْتَاحُ الذِي يَفْتَحُ القِفْل.
الثعلبي
تفسير : {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} المفاتح جمع المفتح. وقرأ ابن السميقع: بمفاتيح على جمع المفتاح، يعني ومن عنده معرفة الغيب وهو يفتح ذلك بلطفه، واختلفوافي مفاتيح الغيب. فروى عبد اللّه بن عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مفاتح الغيب خمس....... إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن اللّه عليم خبير ". تفسير : وقال السدي: مفاتح الغيب خزائن الغيب. مقاتل، والضحّاك: يعني خزائن الأرض. وعلم نزول العذاب متى ينزل بكم. عطاء: يعني ما غاب عنكم من الثواب والعقاب وما يصير إليه أمري وأمركم، وقيل: هي الآجال ووقت انقضائها، وقيل: أحوال العباد من السعادة والشقاوة، وقيل: عواقب الأعمار وخواتيم الأعمال، وقيل: هي ما لم يكن بعد إنه يكون أم لا يكون وما يكون كيف يكون وما لا يكون أن لو كان كيف يكون. وقال ابن مسعود: أوتي نبيّكم علم كل شيء إلاّ مفاتيح الغيب {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}. قال مجاهد: البر القفار والبحر كل قرية فيها ماء {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا}. قال ابن عباس: ما شجرة في بر ولا بحر إلاّ وبها ملك وكّل يعلم من يأكل وما يسقط من ورقها وقل منكم عند ما بقي من الورق على الشجر وما سقط منها. وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عبدوس يقول: معناه يعلم كما تقلبت ظهراً لبطن إلى أن سقطت على الأرض {وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ} أي في بطون الأرض، وقيل: تحت الصخرة في أسفل الأرضين {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} قال ابن عباس: الرطب الماء، واليابس البادية. وقال عطاء: يريد ما ينبت وما لا ينبت. وقال الحسن: يكتبه اللّه رطباً ويكتبه يابساً لتعلم يا بن آدم إن عملك أولى بها [من إصلاح] تلك الجنة. وقال: الرطب لسان المؤمن رطب بذكر اللّه، واليابس لسان الكافر لا يتحرك بذكر اللّه. وبما يرضي اللّه عز وجل. وقيل: هي الأشجار والنبات. وروى الأعمش عن أبي زياد عن عبد اللّه بن الحرث، فقال: ما في الأرض من شجرة ولا كمغرز إبرة إلاّ عليهاملك وكل يأتي اللّه بعلمها ويبسها إذا يبست ورطوبتها إذا رطبت. محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من زرع على الأرض ولا ثمار على أشجار [ولا حبة في ظلمات الأرض] إلاّ عليها مكتوب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، رزق فلان ابن فلان وذلك قوله تعالى في محكم كتابه {ومَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} ". تفسير : {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ} أي يقبض أرواحكم في منامكم {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} وأصله من [جارحة] اليد. ثم قيل لكل عليك جارح أي عضو من أعضائه عمل ومنه [الزرع الجيد]، ويقال لا ترك اللّه له جارحاً أي عبداً ولا أمة يكسب له {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ} أي ينشركم ويوقظكم {فِيهِ} في النار {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى} يعني أجل الحياة إلى الممات حتى ينقضي أثرها ورزقها. فقرأ أبو طلحة وأبو رجاء بالنون المفتوحة أجلاً نصب، وفي هذا إقامة الحجة على منكري البعث يعني كما قدرت على هذا فكذلك أقدر على بعثكم بعد الموت. وقال: مكتوب في التوراة: يا ابن آدم كما تنام كذلك تموت وكما توقظ كذلك تبعث {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} في الآخرة {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم} يخبركم ويجازيكم {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} يعني الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم وهو جمع حافظ، ونظيره قوله {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} تفسير : [الإنفطار: 10] قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): ومن الناس من يعيش شقيّاً جاهل القلب، غافل اليقظة، فإذا كان ذا وفاء ورأى حذر الموت واتقى الحفظة، إنما الناس راحل ومقيم الذي راح للمقيم عظة {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} يعني أعوان ملك الموت يقبضونه ثم يدفعونه إلى ملك الموت {وَهُمْ يُفَرِّطُونَ} لا يعصون ولا يضيعون. وقرأ عبيد بن عمر: لا يفرطون بالتخفيف معنى لا يجاوزون الحد {ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ} يعني الملائكة وقيل: يعني العباد {مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ} القضاء في خلقه {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ} يعني لا يحتاج إلى رويّة ولا تقدير {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} إذا ضللتم الطريق وخفتم الهلاك { تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} وقرأ عاصم: وخفية وهما لغتان. وقرأ الأعمش وخفية من الخوف كالذي في الأعراف {لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ} أي ويقولون لئن أنجيتنا من هذه يعني الظلمات {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} من المؤمنين {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ} حزن {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} يعني الصيحة والحجارة والريح والطوفان كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} يعني الخسف كما فعل بقارون. وقال مجاهد: عذاباً من فوقكم السلاطين، الذين من تحت أرجلكم العبيد السوء. الضحّاك: عذاباً من فوقكم من قبل كباركم أو من تحت أرجلكم من أسفل منكم {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} أو يخلقكم ويفرق ويبث فيكم الأهواء المختلفة {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} يعني السيوف المختلفة بقتل بعضكم بعضاً كما فعل ببني إسرائيل، حديث : فلما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "يا جبرئيل ما بقاء أمتي على ذلك؟ فقال له جبرائيل: إنما أنا عبد مثلك" فسل ربك؟ فقام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وتوضأ وصلى وسأل ربه فأعطى آيتين ومنع واحدة، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "سألته أن يبعد على أمتي عذاباً من فوقهم ومن تحت أرجلهم فأعطاني ذلك، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني، وأخبرني جبرئيل (عليه السلام) أن فناء أمتي بالسيف ". تفسير : وقال الزهري: حديث : راقب خباب بن الأرت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذات ليلة يصلي فلما فرغ، قال: وقت الصباح لقد رأيتك تصلي صلاة ما رأيتك صليت مثلها، قال: أجل إنها صلاة رغبة ورهبة سألت ربي فيها ثلاثاً وأعطاني إثنتين، وزوى عني واحدة، سألته أن لا يسلط على أمتي عدواً من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يرسل عليهم سنة فتهلكهم فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فزواها عني ". تفسير : {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ} قرأ إبراهيم بن عبلة وكذبت بالتاء {بِهِ} أي بالقرآن وقيل: بالعذاب {قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي حفيظ ورقيب وقيل: مسلط (إِنَّمَآ) أنا رسول {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ} موضع قوله وحقيقة ومنتهى ينتهي إليه فيتبين صدقه من كذبه وحقه من باطله. قال مقاتل: لكل خبر يخبره اللّه تعالى وقت ومكان يقع فيه من غير خلف ولا تأخير. قال الكلبي: لكل قول أو فعل حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه. وما كان منه في الآخرة فسوف يبدو لهم {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} ذلك. وقال الحسن: لكل عمل جزاء فمن عمل عملاً من الخير جوزي به الجنة، ومن عَمِل عَمَل سوء جوزي به النار، وسوف تعلمون يا أهل مكة. وقال السدي: لكل نبأ مستقر أي ميعاد وحد تكتموه، فسيأتيكم حتى تعرفوه. وقال عطاء: لكل نبأ مستقر يؤخر عقوبته ليعمل ذنبه فإذا عمل ذنبه عاقبه. قال الثعلبي: ورأيت في بعض التفاسير إن هذه الآية نافعة من وجع الضرس إذا كتبت على كاغد ووضع عليه السن.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"مفاتيح" هي إما جمع لمِفْتح أو جمع لَمفْتح. و "المِفْتح" هو آلة الفتح، ومثلها "مِبرد" أي آلة البرد. وآلة الفتح هي المفتاح. و "مَفْتح" هو الشيء الذي يقع عليه الفتح مثل الخِزانة، ونعلم أن بعض الأسماء تأتي على وزن "مِفْعل" أو "مفعال". فإذا أخذنا "مفاتح" على أساس أنها جمع لِمفتح، فمعنى ذلك أن الحق سبحانه وتعالى يملك المفاتيح التي تفتح على الغيب. وإن اخذنا "مفاتح" على أساس أنها جمع "مَفْتح" أي خِزانة فمعنى ذلك أن الحق عنده خزائن الغيب. وكلا الأمرين لا زمان له. والخزائن لا يوضع فيها إلا كل نفيس وهو مخزون لأوانه ولكل خزانة مفتاح. يقول الحق عن قارون: {أية : إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} تفسير : [القصص: 76]. هكذا نعلم أنه لا يوجد مخزون إلا وهو كنز. وعند الحق مفاتح الغيب، والغيب هو ما غاب عنك، وهو نوعان: أمر غائب عنك ومعلوم لغيرك؛ وهو غيب غير مطلق ولكنه غيب إضافي. ومثال ذلك، عندما يقوم نشال بسرقة حافظة نقودك وأنت في الطريق، أنت لا تعرف أين نقودك، ولكن اللص يعرف تماماً مكان ما سرق منك. هكذا ترى أنه يوجد فارق بين غيب عنك، ولكنه ليس غيباً عن غيرك. ولكن هناك ما يغيب عنك وعن غيرك، ولهذا الغيب مقدمات إن أخذ الإنسان بها فهو يصل إلى معرفة هذا الغيب، وهذا ما نراه في الاكتشافات العلمية التي تولد أسرارها بأخذ العلماء بالأسباب التي وضعها الله في الكون، وهو لون من الغيب الإضافي. وهناك لون ثالث من الغيب هو الغيب المطلق، وهو الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، مثل ميعاد اليوم الآخر، وغير ذلك من الغيب الذي يحتفظ الله به لنفسه. ولذلك نقول: إنه لا يوجد أبداً في هذه الدنيا عالِمُ غيبٍ إلا الله. وعنده سبحانه مفاتح الغيب، هذا الغيب الذي لا نحس به حساً مشهوداً بالمدركات، أو كان غيباً بالمقدمات أي أنه ليس له أسباب يمكن لأحدٍ أن يأخذ بها. ويقول الحق: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59]. الحق سبحانه وتعالى - إيناساً لخلقه - حينما يأتي لهم بأمر غير محس لهم، فإنه يوضح ذلك بالمحس. وعالم المشهد المحس إما مسموع وإما مرئي وإما متذوق وإما ملموس. وهناك عالم الغيب، فقد يصطفي الله بعضاً من خلقه ليلقي إليهم هبَّاتٍ من فيضه وعطائه توضح بعض الأمور، ومثال ذلك العبد الصالح الذي سار معه موسى عليه السلام وقال: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً} تفسير : [الكهف: 82]. ومثل هذه الهبَّة تأتي لتثبت لصاحبها أنه على علاقة بربه، ولا يعطي الحق سبحانه هذه الهبات لتصبح عملاً ملازماً للإنسان، وجزءاً من طبيعته بحيث نذهب إليه في كل أمر فيخبرنا بما ينبغي علينا أن نقوم به. إن الأمر ليس كذلك بل هي مجرد هبات صفائية، يمنحها - سبحانه - وينزعها ويمنعها؛ فسبحانه عنده مفاتح كل الغيب، ويأتي لنا بالعالم المحسوس: {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}. وأتى الحق بالبر أولاً قبل البحر، والبر مُحس لكل الناس بما فيه من جمادات ونباتات وأشجار وحيوانات وأناس وبلاد وطرق. وهناك من البلاد ما لا تطل على بحار أبداً، ولذلك جاء الحق بالبر أولاً، ثم جاء بالبحر الذي يمكن أن يُشاهد، ولكن عالم البحر أخفى من عالم البر. وعوالم البحر تأخذ من مسطح الكرة الأرضية مساحات كبيرة للغاية وكل يوم نكتشف في عالم البحار جديداً. ومن بعد ذلك يردنا الحق إلى البر مرة أخرى فيقول: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} [الأنعام: 59]. إلى هذه الدرجة يوضح لنا الحق علمه الأزلي؛ فسبحانه يعلم كل ما يتعلق بورقة شجرة بعد أن تؤدي مهمتها من التمثيل الكلورفيلي وتغذية الشجرة وإنضاج الثمار ثم سقوطها على الأرض. والسقوط كما نعرفه هو هبوط شيء مادي إلى أسفل، وفسره العلماء من بعد ذلك بالجاذبية الأرضية. وعندما تسقط الورقة من الشجرة تكون خفيفة الوزن، والحق سبحانه وتعالى هو المتصرف في الأجواء التي تحيط بمجال هبوطها، وحركة الريح التي تحركها. ولماذا جاء الحق بمسألة الورقة هذه؟ جاء لنا الحق بمثل هذا المثل لنعلم أنه عندما ذيل الحق سبحانه الآية السابقة بقوله: {أية : وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 58]. إن هذا التذييل قد احتاج إلى أن يشرحه لنا الحق بأن يعلم أوقات تحركات كل ورقة من أية شجرة، وهذا يدل على كمال الإحاطة والعلم، فضلا على أن هذه الأمور لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، فكيف بالأمور التي يترتب عليها الثواب والعقاب؟ لا بد أنه سبحانه وتعالى يعلمها ويفصل فيها. {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ} [الأنعام: 59]. إنه سبحانه أيضاً يعلم بالحبة التي تختفي في باطن الأرض وأحوالها. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59]. أي أنه جلت قدرته يعلم أمر كل كائن في هذا العالم؛ لأن كل كائن في هذه الدنيا إما رطب وإمّا يابس، وسبحانه لا يعلم ذلك فقط ولكن كل ذلك معلوم له ومكتوب أيضاً. ويشرف على حركة تلك الكائنات الملائكةُ المدبرات أمرا، وحين تجد الملائكة أن حركة الكون تسير بنظام محكم دقيق على وفق ما في الكتاب، فإنها لا تفتر عن تسبيح الله ليلاً أو نهاراً: {أية : وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 19-20]. وللحق مُلك السموات والأرض، ومن حقه وحده أن يُعبَد، ولا تتكبر الملائكة عن عبادته والخضوع له ولا يشعرون بالملل من العبادة والتنزيه له سبحانه. وأنت أيها العبد تكون في بعض الأمور مقهوراً ولك في بعض الأمور اختيار، وهو سبحانه عالم بما ستختار. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لمّا أقام تعالى الأدلة والبراهين على وجوده ووحدانيته، أعقبه بذكر الأدلة على صفاته القدسية: علمه، وقدرته، وعظمته، وجلاله، وسائر صفات الجلال والجمال، ثم ذكر نعمته على العباد بإِنجائهم من الشدائد، وقدرته على الانتقام ممَّن خالف أمره وعصى رسله. اللغَة: {كَرْبٍ} الكرب: الغمُّ الذي يأخذ بالنفس {شِيَعاً} الشيعة: الفرقة تتبع الأخرى ويجمع على شيع وأشياع {أُبْسِلُواْ} الإِبسال: تسليم الإِنسان نفسه للهلاك {عْدِلْ} فدية {حَمِيمٍ} الحميم: الماء الحار {حَيْرَانَ} الحَيْرة: التردد في الأمر لا يهتدي إِلى مخرجٍ منه {ٱلْغَيْبِ} ما غاب عن الحواس {ٱلشَّهَادَةِ} ما كان مشاهداً ظاهراً للعيان {تُحْشَرُونَ} تجمعون. التفسِير: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} أي عند الله خزائن الغيب وهي الأمور المغيّبة الخفيّة لا يعلمها ولا يحيط بها إِلا هو {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} أي ويعلم ما في البر والبحر من الحيوانات جملةً وتفصيلاً وفي كلٍ عوالم وعجائب وسعها علمه وقدرته {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} مبالغةٌ في إِحاطة علمه بالجزئيات أي لا تسقط ورقة من الشجر إِلا يعلم وقت سقوطها والأرض التي تسقط عليها {وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ} أي ولا حبة صغيرة في باطن الأرض إِلا يعلم مكانها وهل تنبت أو لا وكم تنبتُ ومن يأكلها {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي ولا شيءٍ فيه رطوبة أو جفاف إِلا وهو معلوم عند الله ومسجّل في اللوح المحفوظ قال أبو حيان: وانظر إِلى حسن ترتيب هذه المعلومات: بدأ أولاً بأمرٍ معقول لا ندركه نحن بالحسّ وهو {مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} ثم ثانياً بأمرٍ ندرك كثيراً منه بالحسّ وهو {ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} ثم ثالثاً بجزأين لطيفين أحدهما علوي وهو سقوط الورقة من علوّ والثاني سفلي وهو اختفاء حبةٍ في بطن الأرض فدل ذلك على أنه تعالى عالمٌ بالكليّات والجزئيات {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} أي ينيمكم بالليل ويعلم ما كسبتم من العمل بالنهار قال القرطبي: وليس ذلك موتاً حقيقةً بل هو قبض الأرواح، قال ابن عباس: يقبض أرواحكم في منامكم، وفي هذا اعتبار واستدلالٌ على البعث الأخروي {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى} أي ثم يوقظكم في النهار لتبلغوا الأجل المسمّى لانقطاع حياتكم، والضمير عائد على النهار لأن غالب اليقظة فيه وغالب النوم بالليل {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} أي ثم مرجعكم إِليه يوم القيامة {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي يخبركم بأعمالكم ويجزيكم عليها إِن خيراً فخيرٌ، وإِن شراً فشرٌّ، ثم ذكر تعالى جلال عظمته وكبريائه فقال {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} أي هو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} أي ملائكة تحفظ أعمالكم وهم الكرام الكاتبون قال أبو السعود: وفي ذلك حكمة جميلة ونعمة جليلة لأن المكلّف إِذا علم أن أعماله تُحفظ عليه وتعرض على رءوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن تعاطي المعاصي والقبائح {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} أي حتى إِذا انتهى أجل الإِنسان توفته الملائكة الموكلون بقبض الأرواح والمعنى أن حفظ الملائكة للأشخاص ينتهي عند نهاية الأجل فهم مأمورون بحفظ ابن آدم ما دام حياً فإِذا انتهى أجله فقد انتهى حفظهم له {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} أي لا يقصّرون في شيءٍ مما أُمروا به من الحفظ والتوفي {ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} أي ثم يردُّ العباد بعد البعث إِلى الله خالقهم ومالكهم الذي له الحكم والتصرف والذي لا يقضي إِلا بالعدل {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ} أي له جل وعلا الحكم وحده يوم القيامة وله الفصل والقضاء لا يشغله حساب عن حساب ولا شأن عن شأن، يحاسب الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا كما ورد به الحديث وروي أنه يحاسب الناس في مقدار حلب شاة {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} أي قل يا محمد لهؤلاء الكفرة من ينقذكم ويخلصكم في أسفاركم من شدائد وأهوال البر والبحر؟ {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} أي تدعون ربكم عند معاينة هذه الأهوال مخلصين له الدعاء مظهرين الضراعة، تضرعاً بألسنتكم وخفية في أنفسكم قال ابن عباس المعنى: تدعون ربكم علانيةً وسراً قائلين {لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} أي لئن خلّصتنا من هذه الظلمات والشدائد لنكوننَّ من المؤمنين الشاكرين والغرض: إِذا خفتم الهلاك دعوتموه فإِذا نجّاكم كفرتموه قال القرطبي: وبّخهم الله في دعائهم إِيّاه عند الشدائد وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ} أي الله وحده ينجّيكم من هذه الشدائد ومن كل كربٍ وغمّ {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} تقريعٌ وتوبيخ أي ثم أنتم بعد معرفتكم بهذا كله وتحققه تشركون به ولا تؤمنون {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} أي قل يا محمد لهؤلاء الكفرة إِنه تعالى قادر على إِهلاككم بإِرسال الصواعق من السماء وما تلقيه البراكين من الأحجار والحُمَم وكالرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح كما فُعل بمن قبلكم {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} بالخسف والزلازل والرجفة كما فُعل بقارون وأصحاب مدين {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} أي يجعلكم فرقاً متحزبين يقاتل بعضكم بعضاً قال البيضاوي: أي يخلطكم فرقاً متحزبين على أهواء شتّى فينشب القتال بينكم وقال ابن عباس: أي يبث فيكم الأهواء المختلفة فتصيرون فرقاً، والكل متقارب والغرض منه الوعيد {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} أي انظر كيف نبيّن ونوضّح لهم الآيات بوجوه العِبَر والعظات ليفهموا ويتدبروا عن الله آياته وبراهينه وحججه، عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: أعوذ بوجهك {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه أهون أو أيسر {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ} أي وكذَّب بهذا القرآن قومك يا محمد - وهم قريش - وهو الكتاب المنزّل بالحق {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي لستُ عليكم بحفيظ ومتسلّط إِنما أنا منذر {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ} أي لكل خبرٍ من أخبار الله عز وجل وقتٌ يقع فيه من غير خُلْفٍ ولا تأخير {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} مبالغة في الوعيد والتهديد أي سوف تعلمون ما يحل بكم من العذاب {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا} أي إِذا رأيت هؤلاء الكفار يخوضون في القرآن بالطعن والتكذيب والاستهزاء {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أي لا تجالسهم وقم عنهم حتى يأخذوا في كلامٍ آخر ويدعوا الخوض والاستهزاء بالقرآن قال السدي: كان المشركون إِذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فسبّوه واستهزءوا به فأمرهم الله ألاّ يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ} أي إِن أنساك الشيطان النهي عن مجالستهم فجالستهم ثم تذكرت {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا تجلس بعد تذكر النهي مع الكفرة والفسّاق الذين يهزءون بالقرآن والدين قال ابن عباس: أي قم إِذا ذكرت النهي ولا تقعد مع المشركين {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} أي ليس على المؤمنين شيء من حساب الكفار على استهزائهم وإِضلالهم إِذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم {وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي ولكنْ عليهم أن يذكّروهم ويمنعوهم عمّا هم عليه من القبائح بما أمكن من العظة والتذكير، ويُظهروا لهم الكراهة لعلهم يجتنبون الخوض في القرآن حياءً من المؤمنين إِذا رأوهم قد تركوا مجالستهم قال ابن عطية: ينبغي للمؤمن أن يمتثل حكم هذه الآية مع الملحدين وأهل الجدل والخوض فيه {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} أي اترك هؤلاء الفجرة الذين اتخذوا الدين الذي كان ينبغي احترامه وتعظيمه لعباً ولهواً باستهزائهم به {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أي خدعتهم هذه الحياة الفانية حتى زعموا أن لا حياة بعدها أبداً {وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} أي وذكّر بالقرآن الناس مخافة أن تُسْلم نفسٌ للهلاك وتُرهن بسوء عملها {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} أي ليس لها ناصرٌ ينجيها من العذاب ولا شفيع يشفع لها عند الله {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ} أي وإِن تُعْط تلك النفس كل فدية لا يقبل منها قال قتادة: لو جاءت بملء الأرض ذهباً لم يُقبل منها {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ} أي أُسلموا لعذاب الله بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الشنيعة {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي لهؤلاء الضالين شرابٌ من ماء مغليّ يتجرجر في بطونهم وتتقطع به أمعاؤهم، ونارٌ تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم المستمر فلهم مع الشراب الحميم العذاب الأليم والهوان المقيم {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} الاستفهام للإِنكار والتوبيخ أي قل لهم يا محمد أنعبد ما لا ينفعنا إِن دعوناه ولا يضرنا إِن تركناه؟ والمراد به الأصنام {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا} أي نرجع إِلى الضلالة بعد الهدى {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ} أي بعد أن هدانا الله للإِسلام {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ} أي فيكون مثلنا كمثل الذي اختطفته الشياطين وأضلته وسارت به في المفاوز والمهالك فألقته في هوّة سحيقة {حَيْرَانَ} أي متحيراً لا يدري أين يذهب {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا} أي إِلى الطريق الواضح يقولون ائتنا فلا يقبل منهم ولا يستجيب لهم {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} أي قل لهؤلاء الكفار إِنَّ ما نحن عليه من الإِسلام هو الهدى وحده وما عداه ضلال {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي أُمرنا بأن نستسلم لله عز وجل ونخلص له العبادة في جميع أمورنا وأحوالنا، وهذا تمثيلٌ لمن ضلّ عن الهدى وهو يُدْعى إِلى الإِسلام فلا يُجيب قال ابن عباس: هذا مثلٌ ضربه الله للآلهة ومن يدعو إِليها وللدعاة الذين يدعون إِلى الله، كمثل رجلٍ ضلّ عن الطريق تائهاً ضالاً إِذ ناداه منادٍ يا فلان بن فلان هلُمَّ إِلى الطريق وله أصحاب يدعونه يا فلان هلُمَّ إِلى الطريق، فإِن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة وإِن أجاب من يدعوه إِلى الهدى اهتدى الى الطريق يقول: مثل من يعبد هؤلاء الآلهة من دون الله فإِنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت فيستقبل الهَلَكة والندامة {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ} أي وأُمرنا بإِقامة الصلاة وبتقوى الله في جميع الأحوال {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي تجمعون إِليه يوم القيامة فيجازي كل عاملٍ بعمله {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي هو سبحانه الخالق المالك المدبر للسماوات والأرض ومن فيهما خلقهما بالحق ولم يخلقهما باطلاً ولا عبثاً {يَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ} أي واتقوه واتقوا عقابه والشدائد يوم يقول كن فيكون قال أبو حيان: وهذا تمثيلٌ لإِخراج الشيء من العدم إِلى الوجود وسرعته لا أنَّ ثَمَّ شيئاً يؤمر {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ} أي قوله الصدق الواقع لا محالة وله الملك يوم القيامة {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} أي يوم ينفخ إِسرافيل في الصور النفخة الثانية وهي نفخة الإِحياء {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي يعلم ما خفي وما ظهر وما يغيب عن الحواس والأبصار وما تشاهدونه بالليل والنهار {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} أي الحكيم في أفعاله الخبير بشئون عباده. البَلاَغَة: 1- {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} استعار المفاتح للأمور الغيبية كأنها مخازن خزنت فيها المغيبات قال الزمخشري: جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة لأن المفاتح يتوصل بها إِلى ما في المخازن المغلقة بالأقفال، فهو سبحانه العالم بالمغيّبات وحده. 2- {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ} استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهما من المشاركة في زوال الإِحساس والتمييز. 3- {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} وضع الظاهر موضع الضمير "معهم" للتسجيل عليهم بشناعة ما ارتكبوا حيث وضعوا التكذيب والاستهزاء مكان التصديق والتعظيم. 4- {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا} عبّر بالرد على الأعقاب عن الشرك لزيادة تقبيح الأمر وتشنيعه. 5- {تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} بينهما جناس الاشتقاق. 6- من المحسنات البديعية الطباق في كلٍ من {رَطْبٍ ..و.. يَابِسٍ} و {ٱللَّيْلِ ... وَٱلنَّهَار} و {فَوْقَ ..و.. تَحْتِ} و {يَنفَعُنَا .. و.. يَضُرُّنَا} و {ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} والسجع في {شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} والله أعلم. تنبيهْ: قال الحاكم: دلّ قوله تعالى {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} على بطلان قول الإِمامية: إِن الإِمام يعلم شيئاً من الغيب، انتهى أقول: هذا كذب وبهتان لأن الغيب لا يعلمه إِلا الله.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن مفاتيح الغيبة وأنها عنده بلا ريب بقوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} [الأنعام: 59]، الإشارة فيها أن الله تعالى جعل لكل شيء شهادة تناسب ذلك الشيء وغيباً مناسب له، وجعل لمغيب كل شيء مفتاحاً يفتح به باب غيب ذلك على شهادته فيفصل ذلك الشيء كما أراد الله في الأزل وقدره، وعنده مفتاح الغيب: {لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 59]؛ لأنه لا خالق إلا هو وليس لنبي ولا لولي مدخل في هذه المفاتيح ولا في استعمالها؛ لأنه مختص بالخالق فحسب ما ضرب لك مثلاً يدركه به هذه الحقيقة، وذلك مثل نقاش الصور، فإن لكل صورة فيما ينقشها شهادة وهي هيئتها، وغيب هو علم التصوير، ومفتاح يفتح به باب علم التصوير على هيئة الصورة لتنفعل الصورة ثابتة في ذهن النقاش، وهو العلم بيد النقاش لا مدخل لتصرف غيره فيه، فإن الله تعالى هو النقاش المصور والصور هي صورة المكونات المختلفة الغيبية والشهادية، وشهادة كل صورة منها خلقها وكونها وغيبها علم خلقها وتكوينها، وقلم تصويرها الذي هو مفتاح ويفتح به باب علم تكوينها على صورتها وكونها هو الملكوت فبقلم ملكوت كل شيء يكون كل شيء، وقلم الملكوت بيد الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [يس: 83]، فكما أن الشهاديات مختلفة فالملكوتيات مختلفات، ولكل شيء من الجماد والنبات والحيوان والإنسان والملك غيب مناسب لصورته، ولهذا جمع المفاتح ووحد الغيب، وقال {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} هو علم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة كما في الصور، فافهم جيداً. {وَ} بعلم التكوين {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} [الأنعام: 59]؛ لأن به كون البر وهو عالم الشهادة، والبحر وهو عالم الغيب والملكوت يدل على هذا المعنى، قوله عالم الغيب والشهادة وبهذا العلم {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} لأنه مكونها ومثبتها وسقطها {وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ} [الأنعام: 59]، أرض القلب وظلمات صفات البشرية إلا وهو يركبها ويعلم كمالها ونقصانها {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} [الأنعام: 59]، الرطب المؤمن واليابس الكافر. وأيضاً: الرطب العالم واليابس الجاهل. وأيضاً: الرطب العارف واليابس الزاهد،. وأيضاً: الرطب أهل المحبة واليابس أهل السلوة. وأيضاً: الرطب صاحب الشهود واليابس صاحب الوجود. وأيضاً: الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنفسه {إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59]، وهو أم الكتاب. ثم أخبر عن فعله وفضله بقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ} [الأنعام: 60]، الآيتين الإشارة فيهما أن من فضل الله والرضا مع عباده أن يتولى مصالحهم بنفسه ليلاً ونهاراً، فقال تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} [الأنعام: 60]، وهذا تعريف نفسه بنفسه؛ يعني: فإن لم تعرفوني فأنا الذي يتوفاكم بالليل لاستراحة نفوسكم وتقوية قوتكم وسلامة حواسكم من الكلالة والطبيعة من الملالة، ويريكم في المنام ما تكسبون بالنهار، وهذا من الجنس الذي لا يعلمها إلا الله، كما قال تعالى: {أية : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ} تفسير : [لقمان: 34]، فيريكموه الله من فضله معكم، ولتعلموا أنه يعلم بالليل ما تكسبون غداً بالنهار، وهل بعد الغد سنين كثيرة {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} [الأنعام: 60]، عن نوم الغفلة، فإن أكثر انتباه الخلق ورجوعهم إلى الحق وحرصهم على طلب الدين وترك الدنيا إنما يكون بالرؤيا الصالحة؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة ". تفسير : وقال: "حديث : ما بقي من النبوة إلا المبشرات يراها المؤمن أو ترى له" تفسير : فعلى هذا المعنى الهاء في قوله تعالى: فيه كناية عن المنام بالليل {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى} [الأنعام: 60]؛ يعني: بعد الانتباه والحرص على الطلب يقضي أجل أيام الفراق المسمى بينكم وبينه {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} [الأنعام: 60]، بجذبة إلى ربكم {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم} [الأنعام: 60]، عند الوصال ونيل الوصال بنور الجمال {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأنعام: 60]؛ يعني: يتحقق لكم أن استعمال الشريعة متابعة النبي صلى الله عليه وسلم كان السير إلى الله تعالى وصورة جذبات الحق، فافهم جيداً. ثم أخبر عن قهره بالعدل لمن لم يكن قابلاً للفضل بقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 61]، إلى قوله: {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ} [الأنعام: 62]، بالإشارة فيها أن القهر من وصف الجلال هو مشرب الأولياء، فيعبر عنه بالقاهرية، وما كان وصف الجبروت فهو مشرب الأعداء فيعبر عنه بالقهارية كقوله تعالى: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]، وقال تعالى من وصف الجلال {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]؛ أي: يقهر نفوس العابدين بخوف عقوبته، ويقهر قلوب العارفين بسطوة شهود جماله، ويقهر أرواح المحبين بكشف سلطان جماله والمحب بلا روح لاستيلاء سلطان أفعاله والعارف بلا قلب لاستيلاء سلطان جماله والمحب بلا روح لاستيلاء كشف جلاله عليه والواصل مستهلك في عين حقيقته، فمتى أراد الحق تعالى تكميل عبد من عباده يرسل عليه حفظه من صفات قهره، كما قال تعالى: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} [الأنعام: 61]، حتى لو أراد نفسه الخروج عن قيد مجاهدتا قهرته سطوات العتاب، فردته إلى بذل الجهد ومتى أراد قلبه فرجة من مطالبته القربة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحاً من الحرمات قهرته بواردات التجلي فردته إلى بذل المبهجة، كما قال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} [الأنعام: 61] الموت يعني: الفناء عن أوصاف الوجود {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [الأنعام: 61]، صفات قهرنا {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61]، في إفناء الأوصاف فشتان بين عبد مقهوراً بأفعاله وبين عبد مقهور بجماله وجلاله {ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ} [الأنعام: 62]، يعني: أهل الفناء يردون إلى بقاء الله وهم الباقون بالله {مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} [الأنعام: 62]، أي قائمون {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ} [الأنعام: 62]، فيما يتولى مصالح دينهم ودنياهم بلا هم {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ} [الأنعام: 62]، فيما يحاسب أمور عباده محاسبة لا تكون في حسابهم وحسابهم. ثم أخبر عن إنجاء الأولياء بقوله تعالى: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} [الأنعام: 63]، إلى قوله وسوف تعلمون الإشارة فيها أن البر والأجسام والبحر والأرواح فالأرواح، وإن كانت نورانية إلى الأجسام ولكن بالنسبة إلى الحق تعالى، ونور الإلهية ظلمانية، كما قال: "إن الله هو الحق خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره" فمعناه إذ خلقتكم في ظلمة الخلقية، فمن ينجيكم من ظلمات بر البشرية وظلمات بحر الروحانية {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً} [الأنعام: 63]، أي بالجسم {وَخُفْيَةً} [الأنعام: 63]، أي بالروح {لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ} [الأنعام: 63]، الظلمات {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63]، على نعمة النجاة فلما لم يكن أحد نجيهم من الظلمات غير الله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الآية العظيمة، من أعظم الآيات تفصيلا لعلمه المحيط، وأنه شامل للغيوب كلها، التي يطلع منها ما شاء من خلقه. وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، فضلا عن غيرهم من العالمين، وأنه يعلم ما في البراري والقفار، من الحيوانات، والأشجار، والرمال والحصى، والتراب، وما في البحار من حيواناتها، ومعادنها، وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها. { وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ } من أشجار البر والبحر، والبلدان والقفر، والدنيا والآخرة { إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ } من حبوب الثمار والزروع، وحبوب البذور التي يبذرها الخلق؛ وبذور النوابت البرية التيينشئ منها أصناف النباتات. { وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ } هذا عموم بعد خصوص { إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } وهو اللوح المحفوظ، قد حواها، واشتمل عليها، وبعض هذا المذكور، يبهر عقول العقلاء، ويذهل أفئدة النبلاء، فدل هذا على عظمة الرب العظيم وسعته، في أوصافه كلها. وأن الخلق -من أولهم إلى آخرهم- لو اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض صفاته، لم يكن لهم قدرة ولا وسع في ذلك، فتبارك الرب العظيم، الواسع العليم، الحميد المجيد، الشهيد، المحيط. وجل مِنْ إله، لا يحصي أحد ثناء عليه، بل كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده، فهذه الآية، دلت على علمه المحيط بجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الحوادث.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):